← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1329

أوهام المحدثين الثقات

سعيد باشنفر

Полный текст (5 923 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحديث السادس (١): ٨٩ - قال الإمام مسلم في صحيحه (٣٦٣): حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وابن أبي عمر جميعاً عن ابن عيينة، قال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵁ قال: تُصُدِّقَ على مولاة لِميمونة بِشاة فماتت، فمرَّ بها رسول الله ﷺ فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به». فقالوا: إنها ميتة. فقال: إنما حرم أكلها». قال أبو بكر وابن أبي عمر في حديثهما: عن ميمونة. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. وقد اختلف على سفيان في هذا الإسناد.

стр. 422

فرواه أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد بزيادة ميمونة في الإسناد. وأخرجه كذلك الحميدي في مسنده (٣١٥)، وأحمد (٦/ ٣٢٩)، وأبو داود (٤١٢٠) من طريق مسدد ووهب بن بيان، والنسائي (٧/ ١٧١) من طريق قتيبة بن سعيد، وأبو يعلى (٧٠٧٩)، وابن حبان (١٢٨٩) من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب، وأبو يعلى (٧١٠٠) من طريق إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وأبو عوانة (٥٤٨) و (٥٤٩) من طريق شعيب بن عمرو الدمشقي وعلي بن المديني، وأبو نعيم في «المستخرج على مسلم» (٧٩٨) من طريق الحميدي وابن أبي شيبة والقعنبي، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٣/ ١٠٣٧) من طريق القعنبي، والبيهقي (١/ ١٦) من طريق سعدان بن نصر، كلهم عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. هكذا قال سفيان (عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة). خالفه مالك (١)، ومعمر (٢)، وصالح بن كيسان (٣)، ويونس بن يزيد (٤)، وعقيل بن خالد (٥)، والأوزاعي (٦)، ومحمد بن الوليد

стр. 423

الزبيدي (١)، وحفص بن الوليد (٢)، وصالح بن أبي الأخضر (٣)، وإسحاق بن راشد (٤)، وسليمان بن كثير (٥). فقالوا: (عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس)، لم يذكروا ميمونة في الإسناد. وقد رواه سفيان بمثل روايتهم، رواه عنه كذلك من أصحابه: الشافعي (٦)، ويحيى بن يحيى (٧)، وعمرو الناقد (٨)، وعلي بن المديني (٩)، وعثمان بن أبي شيبة (١٠)، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف (١١)، ويحيى بن حسان (١٢)، وإبراهيم بن بشار الرمادي (١٣)، ومحمد بن أبي بكر المقدمي (١٤)، والحسن بن محمد الزعفراني (١٥)،

стр. 424

ويحيى بن آدم (١)، وسفيان بن وكيع (٢)، ومحمد بن عيسى الدامغاني (٣)، وعبد الجبار بن العلاء (٤)، ومحمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ (٥). وهذا الاختلاف من ابن عيينة فرواه عنه جمع من أصحابه وهم: ابن أبي شيبة، وعمرو الناقد، والحميدي، وأحمد، ومسدد، ووهب، وقتيبة بن سعيد، وأبو خيثمة، والطالقاني، وشعيب بن عمرو، وابن المديني، والقعنبي، والرمادي، وسعدان بن نصر، هؤلاء كلهم رووه عن سفيان بذكر ميمونة في الإسناد. ورواه عنه قوم آخرون فجعلوه في مسند ابن عباس لم يذكروا فيه ميمونة. قال الحميدي عقب الحديث: وكان سفيان ربما لم يذكر فيه ميمونة فإذا وقف عليه قال فيه: ميمونة. وقال علي بن المديني وقد أخرجه عن سفيان بدون ذكر ميمونة قال: وقال سفيان غير مرة: عن ابن عباس عن ميمونة (٦). وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد، حدثنا معمر، عن الزهري بهذا الحديث لم يذكر ميمونة (٧).

стр. 425

وقال ابن حجر: والراجح عند الحفَّاظ في حديث الزهري ليس فيه ميمونة (١). وقال محمد بن يحيى الذهلي: لست أعتمد في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه (٢). وقال ابن عبد البر بعد أن ذكر رواية الإمام مالك: وكذلك رواه معمر ويونس والزبيدي وعقيل، كلهم عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ ، وكان ابن عيينة يقول مراراً كذلك ومراراً يقول فيه: عن ابن عباس عن ميمونة (٣). هذا ما يخص الإسناد. أمّا في المتن فقد ذكر بعض أهل العلم أنَّ ذكر الدباغ في حديث الزهري وهم لأن الثقات المقدمين في الزهري لم يذكروه، مثل: الإمام مالك، ومعمر، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، ومَن تابعهم كالأوزاعي، وصالح بن أبي الأخضر، وإسحاق بن راشد. لذا قال الإمام أحمد فيما نقله ابنه عبد الله قال: سمعت أبي يقول: (اذهب إلى حديث ابن عكيم جاءنا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب). وحديث ابن عباس قد اختلف فيه، قال الزهري: عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، ولم يذكر فيه الدباغ، وذكر ابن عيينة الدباغ ولم يذكره معمر ولا مالك وأراه وهم، قال معمر وقال الزهري:

стр. 426

ينتفع بالجلد وإن لم يدبغ لقوله: (ألا انتفعتم بإهابها). قال أبي: حدثناه عبد الرزاق عن معمر (١). وقال ابن عبد البر: قال محمد بن يحيى النيسابوري: لست أعتمد في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه. قال: وأمّا ذكر الدباغ فيه فلا يوجد إلا من رواية يحيى بن أيوب عن عقيل، ومن رواية بقية عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا معمر ولا يونس الدباغ، وهو الصحيح في حديث الزهري وبه كان يفتي، قال: وأمّا من غير رواية الزهري فذلك محفوظ صحيح عن ابن عباس (٢). فوجه إعلال الإمام أحمد ومحمد بن يحيى الذهلي رواية ابن عيينة عن الزهري في الدباغ أنَّ الزهري كان ينكر الدباغ ويقول: ينتفع بالجلد وإن لم يدبغ. وما كان لِيخالف ما روى. فقد روى عبد الرزاق (٣) عن معمر: وكان الزهري ينكر الدباغ ويقول: يستمتع به على كل حال. ورواه أحمد وأبو داود من طريق محمد بن يحيى الذهلي كلاهما أحمد ومحمد عن عبد الرزاق وقد جاء ما يدل على أنَّ الزهري يستدل بقوله هذا بحديثه عن ابن عباس.

стр. 427

قال ابن عبد البر: وروى الليث عن يونس بن يزيد قال: سألت ابن شهاب عن جلد الميتة، فقال: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ وجد شاة ميتة أعطتها مولاة لِميمونة من الصدقة، فقال رسول الله ﷺ : «هلا انتفعتم بجلدها؟» قالوا: إنها ميتة. قال: «إنما حرم أكلها» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبيِّناً إنكار أهل العلم على رواية ابن عيينة: (وطعن هؤلاء فيما رواه مسلم وغيره إذ كانوا أئمة لهم في الحديث اجتهاد وقالوا: روى ابن عيينة الدباغ عن الزهري والزهري كان يجوِّز استعمال جلود الميتة بلا دباغ وذلك يبيِّن أنه ليس في روايته ذكر الدباغ (٢). وقال في موضع آخر: وليس في صحيح البخاري ذكر الدباغ، ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه ولكن ذكره ابن عيينة ورواه مسلم في صحيحه وقد طعن الإمام أحمد في ذلك وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه وذكر أنَّ الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا دباغ لأجل هذا الحديث (٣). قلت: وقد سبقهم إلى ذلك معمر حين ذكر أنَّ الزهري كان ينكر الدباغ إشارة إلى وهم من ذكر الدباغ في حديث الزهري. وقد تابع سفيان بن عيينة في ذكر الدباغ جماعة لكن في الإسناد إليهم نظر وهم: محمد بن الوليد الزبيدي، وعقيل بن خالد،

стр. 428

وسليمان بن كثير، وحفص بن الوليد، وسعيد بن عبد العزيز. وقد تقدم تخريج أحاديثهم أيضاً. قال أبو داود: (لم يذكر الأوزاعي ويونس وعقيل في حديث الزهري الدباغ، وذكره الزبيدي وسعيد بن عبد العزيز وحفص بن الوليد ذكروا الدباغ) (١). وقال البيهقي: (وقد تابع سفيان على ذلك عقيل بن خالد وسليمان بن كثير والزبيدي) (٢). أولاً محمد بن الوليد الزبيدي: فرواه عنه بقية بن الوليد وعنه أحمد بن الفرج الحمصي عند ابن جرير والدارقطني، ومحمد بن المصفى عند الدارمي (وسقط بقية عند ابن جرير). وضعف محمد بن يحيى الذهلي رواية الزبيدي لحال بقية بن الوليد عنده (٣). قلت: والراوي عن بقية أحمد بن الفرج، وإن قال أبو حاتم محله عندنا الصدق، فقد ضعفه ابن جوصا وابن عدي، ومحمد بن عوف الطائي ورماه بالكذب وتكلم في خصوص روايته عن بقية فقال: ليس عنده في حديث بقية أصل هو فيها أكذب خلق الله إنما هي أحاديث وقعت إليه في ظهر قرطاس في أولها مكتوب يزيد بن عبد ربّه حدثنا بقية (٤).

стр. 429

أمّا رواية محمد بن المصفى فلم يسق لفظه الدارمي وأحال على لفظ حديث يحيى بن حسان عن ابن عيينة وقال بنحوه وليس من لفظ يحيى بن حسان عنده لفظ الدباغ. ثانياً عقيل بن خالد: ومدار حديثه من طريق يحيى بن أيوب الغافقي وهو وإن وثَّقه يحيى بن معين وقال البخاري: صدوق فقد قال أبو حاتم: محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أحمد: سيء الحفظ. وفي رواية: كان يحدِّث من حفظه وكان لا بأس به. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب؛ لذا ضعَّف الذهلي رواية يحيى بن أيوب هذه عن عقيل لحال يحيى بن أيوب. والذي يدل على ضعف روايته هذه أنَّ أبا داود قد ذكر أنَّ عقيلاً فيمَن لم يذكر لفظة الدباغ عن الزهري، فيكون عقيلٌ قد اختلف عليه فيها، فذكرها يحيى بن أيوب وخالفه غيره ممَّن لم يقع لنا حديثه لكن أثبته أبو داود عنه. والله أعلم. ثالثاً سليمان بن كثير: والإسناد إليه صحيح لكن سليمان بن كثير ضعيف، ضعَّفه يحيى بن معين، وضعف حديثه عن الزهري خاصة: الذهلي، والنسائي، والعقيلي، والجوزجاني، وابن حبان. فقد سمع من الزهري وهو صغير كما ذكر يحيى بن معين وذكره ابن حبان في المجروحين وقال: يخطاء كثيراً أمّا روايته عن الزهري فقد اختلط عليه صحيفته فلا يحتج بشيء يتفرد به عن الثقات. لذا قال ابن حجر في «التقريب»: (لا بأس به في غير الزهري).

стр. 430

رابعاً حفص بن الوليد: حديثه عند النسائي بإسناد صحيح إليه ليس فيه ذكر الدباغ، لكن ذكره أبو داود فيمَن زاد لفظة الدباغ ولم نقِف على هذا الإسناد، ومع هذا فحفص بن الوليد لم يسمع من الزهري كما قال أبو حاتم فهو منقطع، وقال أبو سعيد ابن يونس: لم يسند حفص بن الوليد غير هذا الحديث. خامساً سعيد بن عبد العزيز التنوخي: ذكره أبو داود فيمَن زاد لفظة الدباغ عن الزهري وهو ثقة ثبت عابد فقيه أهل الشام بعد الأوزاعي إلا أنه كان يحدِّث من حفظه وليس له كتاب، قال أبو مسهر: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: ما لي كتاب. وقال مروان بن محمد: كان علم سعيد بن عبد العزيز في صدره، فلعله وهم في ذلك خاصة إذا علم أنَّ هذه اللفظة التي زادها محفوظة في غير هذا الحديث وثابتة. والله أعلم. لذا صحح بعض أهل العلم هذه الزيادة في حديث سفيان بن عيينة لهذه المتابعات وكلها لا تخلو من كلام عدا رواية سعيد بن عبد العزيز إن صحَّ الإسناد إليه فيكون قد تابع سفيان في الوهم. قال البيهقي: (رواه جماعة عن الزهري مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، وغيرهم فلم يذكروا فيه فدبغوه، وقد حفظه سفيان بن عيينة والزيادة من مثله مقبولة إذا كانت لها شواهد. وقد تابعه على ذلك عقيل بن خالد وسليمان بن كثير والزبيدي

стр. 431

فيما روى عنهم وهو في حديثه أيضاً عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح) (١). وقال ابن المنذر: (فإن قيل: ليس في رواية معمر عن الزهري ذكر الدباغ، قيل له: قد روى هذا الحديث ابن عيينة وعقيل والزبيدي وهؤلاء من ثقات أصحاب الزهري وقد ذكروا الدباغ في حديثهم والحفّاظ إذا زادوا في الحديث شيئاً فزيادتهم مقبولة) (٢). وقال ابن عبد البر نحو ما ذكر البيهقي (٣). علة الوهم: ١ أنَّ الدباغة ثابتة في حديث ابن عباس من طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس (٤)، وقد رواها سفيان نفسه عن عمرو بن دينار، وهو من أوثق الناس فيه لطول ملازمته له فكلاهما في مكة فكأنه دخل عليه حديث في حديث فنقل لفظة (الدباغ) من حديث عمرو بن دينار إلى حديث الزهري. ٢ أمّا زيادة ميمونة في الإسناد، فهو أيضاً ثابت في حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار (٥)، والحديث في شاة ميمونة أمّ المؤمنين ﵂ وهي خالة ابن عباس.

стр. 432

٣ أنَّ سفيان كان يحدِّث من حفظه فتارة يجعله من حديث ابن عباس وتارة يجعله من حديث ميمونة. وفي حديث أكثر أصحابه بذكر الدباغ، ورواه عنه ثلاثة من أصحابه بدون ذكر الدباغ هم: قتيبة بن سعيد ويحيى بن حسان ومحمد بن عيسى الدامغاني. ولمّا روجع سفيان في هذه الزيادة ذكر أنه حفظه كذلك ولو كان في كتابه لَقال: هكذا في كتابي. قال الحميدي عقب الحديث: قيل لِسفيان بعد روايته الحديث: فإنَّ معمراً لا يقول فيه: (فدبغوه)، ويقول: كان الزهري ينكر الدباغ، فقال سفيان: لكني قد حفظته. والله تعالى أعلم. الخلاصة: زاد سفيان بن عيينة في هذا الحديث ميمونة ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحاب الزهري، إذ خالفه أحد عشر راوياً من أصحاب الزهري لم يذكروا ميمونة، وتابعهم سفيان في رواية أخرى فلم يذكرها. أمّا في المتن فزاد فيه ذكر الدباغ وأعلَّ ذلك الإمام أحمد ومحمد بن يحيى الذهلي إذ أنه خلاف المحفوظ عن الزهري، وأنَّ الزهري كان ينكر الدباغ ويجيز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدبغ وبعده، فكيف يخالف ما يرويه؟! والله تعالى أعلم (١).

стр. 433

الحديث السابع (١): ٩٠ - قال الإمام مسلم (٢/ ٨٥١) ح (١١٩٣) (٥٢): وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد: قالوا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري بهذا الإسناد وقال: أهديت له من لحم حمار وحش. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. وأخرجه ابن ماجه (٣٠٩٠)، وأحمد (٤/ ٣٧ - ٣٨)، والحميدي (٧٨٣)، والدارمي (١٨٣٠)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٩٠٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٦٩/ ١٠٠)، والشافعي (٥/ ١٠٣)، وابن حبان (١٣٦)، والبيهقي (٥/ ١٩٢) من طرق عن سفيان به وروايته عند ابن ماجه (حمار وحش) إلا أنه رواه مقروناً مع الليث ولم يسق مسلم إسناده ولفظه، وتمامه كان كما جاء في «المسند»: حدثنا سفيان عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة، قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا بالأبواء أو بودان فأهديت له من لحم حمار وحش وهو محرم، فردَّه عليَّ، فلمّا رأى

стр. 434

في وجهي الكراهية قال: «إنه ليس بنا ردّ عليك ولكنا حرم». هكذا قال سفيان: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة (لحم حمار وحش). خالفه أصحاب الزهري فرووه عنه بهذا الإسناد فقالوا: (حمار وحش)، منهم: الإمام مالك بن أنس (١)، والليث بن سعد (٢)، ومعمر (٣)، وصالح بن كيسان (٤)، ويونس بن يزيد (٥)، وابن جريج (٦)، وشعيب بن أبي حمزة (٧)، ومحمد بن الوليد الزبيدي (٨)، ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري (٩)، وابن أبي ذئب (١٠)، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر (١١)، وإسحاق بن راشد الجزري (١٢)، وعبيد الله بن عمر العمري (١٣)، وعبد الرحمن بن إسحاق (١٤)، ومحمد بن عمرو بن

стр. 435

علقمة (١)، وعبد الله بن أبي لبيد (٢)، وعبد الرحمن بن الحارث المخزومي (٣). قال الإمام الشافعي: (وحديث مالك أنَّ الصعب أهدى للنبيِّ ﷺ حماراً أثبت من حديث مَنْ حدَّث أنه أهدى له من لحم حمار. والله أعلم) (٤). قال الترمذي: وقد روى بعض أصحاب الزهري عن الزهري هذا الحديث وقال: (أهدى له لحم حمار وحش)، وهو غير محفوظ (٥). وقال الحميدي عقب الحديث: وكان سفيان يقول: حمار وحش. ثم صار إلى: لحم حمار وحش (٦). وقال البيهقي: وكان ابن عيينة يضطرب فيه، فرواية العدد الذين لم يشكوا فيه أَولى (٧). وقال الحافظ: (لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك وتابعه عامة الرواة عن الزهري، وخالفهم ابن عيينة عن الزهري فقال: لحم حمار وحش) أخرجه مسلم. ولكن بيّن الحميدي صاحب سفيان أنه كان يقول في هذا الحديث: حمار وحش، ثم صار يقول: لحم حمار وحش.

стр. 436

فدلَّ على اضطرابه فيه، وقد توبع على قوله: حمار وحش، من أوجه فيها مقال) (١). وقال يعقوب بن سفيان: قال الحميدي: كان سفيان يقول في الحديث: أهديت لرسول الله ﷺ لحم حمار وحش. ثم قال سفيان: يقطر دماً، وربما لم يقل. وكان سفيان فيما خلا ربما قال: حمار وحش، ثم صار إلى: لحم، حتى مات (٢). وممّا يدل على وهم مَنْ قال: (لحم حمار) ما جاء في رواية ابن جريج، قال: قلت لابن شهاب: الحمار عقير؟ قال: لا أدري. لذا قال ابن خزيمة: (في مسألة ابن جريج الزهري وإجابته إياه دلالة على أنَّ مَنْ قال في خبر الصعب: أهديت له لحم حمار أو رجل حمار، واهم فيه إذ الزهري قد أعلمه أنه لا يدري الحمار كان عقيراً أم لا حين أُهدي للنبيِّ ﷺ ، وكيف يروي أنَّ النبيَّ ﷺ أُهدي له لحم حمار أو رجل حمار وهو لا يدري كان الحمار المهدي إلى النبيِّ ﷺ عقيراً أم لا) (٣). وسيأتي الحديث في باب محمد بن إسحاق (٣١٠) فإنه قال: رجل حمار وحش وفي باب أبي داود الطيالسي (٤٧١) فإنه قال: لحم صيد.

стр. 437

علة الوهم: جاء من طرق أخرى عن ابن عباس ﵄ أنَّ الذي أهداه صعب بن جثامة إلى النبيِّ ﷺ لحم حمار، وفي رواية: عجز حمار، وفي رواية: رجل حمار وحش (١). أمَّا رواية الزهري فلم يذكر أصحابه إلا أنه حمار، أي أنه حيّ ليس مذبوحاً، ولعله من هنا دخل الشك على سفيان كما ذكر الحميدي. والله تعالى أعلم.

стр. 438

الحديث الثامن (١): ٩١ - قال الإمام مسلم (٣/ ١٣١٢) ح رقم (١٦٨٤): حدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر، واللفظ ليحيى، قال ابن أبي عمر: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. وهو في مسند إسحاق (٩٨٣)، ومن طريقه أخرجه النسائي (٨/ ٤٥١) وفي «الكبرى» (٧٤٠٨)، ورواه الترمذي (١٤٤٥) من طريق علي بن حجر، والنسائي أيضاً (٨/ ٤٥١) من طريق قتيبة بن سعيد، وابن الجارود (٨٢٤) من طريق محمد بن عبد الله المقرئ وعبد الله بن هاشم بن حيان، وأحمد (٦/ ٣٦)، ومن طريقه أبو داود (٤٣٨٣)، وأبو عوانة (٦٢٠٧)، والطحاوي (٣/ ١٦٣) من طريق يونس بن عبد الأعلى،

стр. 439

وابن حبان (٤٤٥٩) من طريق عبد الجبار بن العلاء، وأبو عوانة (٦٢٠٧)، والبيهقي (٨/ ٢٥٤) من طريق أحمد بن شيبان الرملي، وعبد الله بن المبارك في مسنده (١٥٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٣/ ٣٨٠) من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو، كلهم عن سفيان به. هكذا قال سفيان عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً) فجعله من فعل النبيِّ ﷺ . وخالفه: يونس بن يزيد الأيلي (١)، وإبراهيم بن سعد (٢)، ومعمر بن راشد (٣)، وسليمان بن كثير العبدي (٤)، وعبد الرحمن بن خالد (٥)، وزمعة بن صالح (٦). وتابعهم الأوزاعي (٧)، وابن أخي الزهري (٨)، ومالك (٩). فرووه عن الزهري بهذا الإسناد عن عائشة قالت: قال النبيُّ ﷺ : «تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً».

стр. 440

وفي رواية: «القطع في ربع دينار». فجعلوه من قول النبيِّ ﷺ وأمره. وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن الأنصاري (١)، وسليمان بن يسار (٢)، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٣)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٤)، ومحمد بن عبد الرحمن بن زرارة (٥)، عن عمرة عن عائشة عن النبيِّ ﷺ قال: «تقطع اليد في ربع دينار». وقد رواه جماعة عن سفيان فجعلوه من قول النبيِّ ﷺ ؛ منهم: الإمام الشافعي (٦)، والحميدي (٧)، وإسحاق بن راهويه (٨)، وإبراهيم بن سعيد الجوهري (٩)، ومحمد بن عبيد بن حسان (١٠)، وحجاج بن المنهال (١١). والحميدي وهو أثبت الناس في ابن عيينة، قد جاء في حديثه

стр. 441

زيادة تدلّ على ضبط ابن عيينة لهذا الحديث حين تحديثه إياه حيث قال: ثنا سفيان، قال: وحدثناه أربعة عن عمرة، عن عائشة لم يرفعوه عبد الله بن أبي بكر وزريق بن حكيم الأيلي ويحيى بن سعيد وعبد ربّه بن سعيد والزهري أحفظهم كلهم إلا أنَّ في حديث يحيى ما دلَّ على الرفع: (ما نسيت ولا طال علي القطع في ربع دينار) (١). قال المعلمي: (فهذا يدل أنَّ ابن عيينة لما حدث الحميدي اعتنى بالحديث واحتفل له وذلك أحرى أن يتحرى التحقيق في روايته ولعله راجع أصل كتابه) (٢). لذا لم يخرِّج الإمام البخاري حديث سفيان للاختلاف عليه في لفظه كما قال البيهقي وابن حجر. قال الحافظ: وكان البخاري أراد الاستظهار لرواية الزهري عن عمرة بموافقة محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عنها لما وقع في رواية ابن عيينة عن الزهري من الاختلاف في لفظ المتن هل هو من قول النبيِّ ﷺ أو من فعله. وكذا رواه ابن عيينة عن غير الزهري عن يحيى بن سعيد وعبد ربّه بن سعيد (٣) وزريق صاحب أيلة (٤) أنهم سمعوا عمرة عن عائشة قالت: (القطع في ربع دينار فصاعداً). وادَّعى الطحاوي (٥) اضطراب الزهري في هذا الحديث لاختلاف الرواة عنه في لفظه ورد بأنَّ من شروط الاضطراب أن تتساوى وجوهه

стр. 442

فأمّا إذا رجح بعضها فلا، ويتعيّن الأخذ بالراجح وهو هنا كذلك لأن جلّ الرواة عن الزهري ذكروه عن لفظ النبيِّ ﷺ على تقرير قاعدة شرعية في النصاب وخالفهم ابن عيينة تارة ووافقهم تارة، فالأخذ بروايته الموافقة للجماعة أَولى، وعلى تقدير أن يكون ابن عيينة اضطرب فيه فلا يقدح ذلك في رواية من ضبطه (١). والله تعالى أعلم. أثر الوهم: احتج الطحاوي بحديث ابن عيينة وردَّ به حديث يونس بن يزيد، وقال إنَّ عائشة أخبرت عمَّا قطع فيه رسول الله ﷺ فهي قوَّمته بربع دينار وقيمته عند غيرها أكثر من ربع دينار، وقال: إن سفيان أثبت من يونس، وقد ردَّ مزاعمه وفنَّدها البيهقي فقال: (٢) (زعم أنها ﵂ أخبرت عمَّا قطع فيه رسول الله ﷺ فيحتمل أن يكون ذلك لأنها قوَّمت ما قطع فيه فكانت قيمته عندها ربع دينار، فجعلت ذلك مقدار ما كان النبيُّ ﷺ يقطع فيه وقيمته عند غيرها أكثر من ربع دينار … ). قال البيهقي: (والبخاري لم يخرِّج حديث ابن عيينة هذا في «الصحيح» وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الرواة في لفظه ولاضطرابه فيه … فرجع الطحاوي إلى ترجيح رواية ابن عيينة، بأن قال: يونس بن يزيد عندكم لا يقارب ابن عيينة وكان ينبغي له أن ينظر في تواريخ أهل العلم بالحديث ويبصر مدارج الرواة ومنازلهم في الرواية ثم يلزمهم ما وقف عليه من أقاويلهم، لو قال ابن عيينة لا

стр. 443

يقارب يونس في الزهري لكان أقرب إلى أقاويل أهل العلم … ). إلى أن قال: (والحديث في الصحيحين من حديث إبراهيم وسليمان بن كثير وعند مسلم من حديث معمر أيضاً كلهم عن الزهري منقولاً عن لفظ رسول الله ﷺ . كما رواه يونس وكلهم حفّاظ ثقات وفي ذلك دلالة على أنَّ أصل الحديث عن لفظ رسول الله ﷺ كما رواه الشافعي وغيره عن ابن عيينة. وأمّا مَنْ رواه عنه عن فعل رسول الله ﷺ فيحتمل أن يكونا محفوظَين كأن يقطع في ربع دينار ويقول: القطع في ربع دينار فصاعداً فيؤديه ابن عيينة مرة بالفعل دون القول ومرة بالقول دون الفعل.

стр. 444

الحديث التاسع (١): ٩٢ - قال الإمام مسلم في صحيحه (٣/ ١٤٠٢ ح ١٧٧٨): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير، جميعاً عن سفيان، قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي العباس الشاعر الأعمى، عن عبد الله بن عمرو قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فلم ينَل منهم شيئاً فقال: «إنّا قافلون إن شاء الله». قال أصحابه: نرجع ولم نفتحه! فقال لهم رسول الله ﷺ : «اغدوا على القتال». فغدوا عليه فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله ﷺ : «إنّا قافلون غداً». قال: فأعجبهم ذلك فضحك رسول الله ﷺ . التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين. إلا أنَّ فيه وهماً وهو قوله عن (عبد الله بن عمرو بن العاص)

стр. 445

والحديث إنما هو حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ كما هو عند البخاري وغيره من طريق سفيان نفسه. وهذا الحديث اختلف فيه على سفيان بن عيينة: فرواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعبد الله بن كثير ثلاثتهم عن سفيان فقالوا: عن عبد الله بن عمرو. وتابعهم على ذلك عبد الجبار بن العلاء (١)، وزكريا بن يحيى بن أسد المروزي (٢)، ومحمد بن أبي عمر (٣)، هؤلاء أيضاً رووه عن سفيان فقالوا: (عبد الله بن عمرو). وخالفهم علي بن المديني (٤)، وقتيبة بن سعيد (٥)، وعبد الله بن محمد الجعفي (٦)، والحميدي (٧)، وسعيد بن منصور (٨)، وزهير بن حرب (٩)، والحسن بن محمد الزعفراني (١٠)، وأحمد بن حنبل (١١)،

стр. 446

وإبراهيم بن بشار (١). هؤلاء التسعة رووه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي العباس الشاعر الأعمى، عن عبد الله بن عمر ﵁. قال أبو عوانة في مسنده (٤/ ٢٨٣): بلغني أنَّ إسحاق بن موسى الأنصاري وغيره قالوا: عبد الله بن عمرو. ورواه عنه أصحابه ممَّن يفهم ويضبط فقالوا: عبد الله بن عمر. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ٤٤): قد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه وقال: الصواب عبد الله بن عمر بن الخطاب. ثم قال الحافظ: والصواب كما رواه علي بن المديني وكذلك الحميدي وغيرهما من حفّاظ أصحاب ابن عيينة، وكذا أخرجه الطبراني من رواية إبراهيم بن بشار وهو ممَّن لازم ابن عيينة جدًّا. والذي قال عن ابن عيينة في هذا الحديث (عبد الله بن عمر) وهم الذين سمعوا منه متأخراً كما نبَّه عليه الحاكم. وقد بالغ الحميدي في إيضاح ذلك فقال في مسنده في روايته لهذا الحديث عن سفيان: (عبد الله بن عمر بن الخطاب). وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٦٧) من طريق عثمان الدارمي عن علي بن المديني قال: حدثنا به سفيان غير مرة يقول: عبد الله بن عمر بن الخطاب. لم يقُل: عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة فقال: (عبد الله بن عمرو) (٢). وكذا رواه عنه مسلم.

стр. 447

وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عنه فزاد قال أبو بكر: سمعت ابن عيينة مرة أخرى يحدِّث به عن ابن عمر (١). وقال المفضل العلائي عن يحيى بن معين: أبو العباس عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر في فتح الطائف، الصحيح ابن عمر (٢). انتهى كلام الحافظ. قلت: وفات الحافظ رواية الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١١) فلم يشِر إليها. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمر، قيل لسفيان: ابن عمرو؟ قال: لا، ابن عمر أنَّ النبيَّ لمَّا حاصر الطائف … الحديث. قال الشيخ العلَّامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٦/ ٢٦٩): ومن البيِّن الواضح أنهم كلهم لم ينتبهوا إلى رواية الإمام أحمد هنا، وهو من أحفظ أصحاب ابن عيينة إن لم يكُن أحفظهم، وإثباته بالقول الصريح الواضح أنَّ ابن عيينة سئل: ابن عمرو؟ يعني ابن العاص، فقال: لا، ابن عمر يعني ابن الخطاب. فهذا يرفع كل خلاف ويقطع بأنَّ مَنْ روى بِفتح العين أخطأ جدًّا، سواء أكان ممَّن روى عن سفيان بن عيينة أم كان ممَّن بعدهم أم كان من أصحاب نسخ الصحيحين. قلت: والوهم في هذا الحديث والله أعلم إنما هو من ابن عيينة فقد رواه عنه جماعة من الحفَّاظ الأثبات بذكر عبد الله بن عمرو

стр. 448

ويشكل تواطؤهم على ذلك، ويدل على ذلك ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة أنه سمع ابن عيينة يحدِّث به مرة عن ابن عمر ومرة عن ابن عمرو، ذكره البيهقي في «الدلائل» (٥/ ١٦٨). ومنشأ الوهم كون أبي العباس الشاعر لم يحدِّث إلا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص ليس له رواية في الحديث عن غيرهما (١)، فلعله اشتبه على سفيان فكان يجعل الحديث أحياناً من مسند ابن عمر وأحياناً من مسند عبد الله بن عمرو، ثم حدَّث به آخر الأمر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب كما ذكر الحاكم. والله تعالى أعلم. وقال الحميدي: (هكذا أخرجه البخاري في «الأدب» وقال فيه: (عن عبد الله بن عمر) وأخرجه هو ومسلم في المغازي وفيه عندهما عن (عبد الله بن عمرو)، والحديث من حديث ابن عيينة وقد اختلف فيه عليه؛ منهم مَنْ قال عنه هكذا ومنهم مَنْ قال عنه هكذا ومنهم مَنْ رواه بالشك. قال أبو بكر البرقاني: وعبد الله بن عمر أصح. وهكذا أخرجه أبو مسعود في مسند ابن عمر. وليس للسائب في مسند ابن عمر غير هذا الحديث المختلف فيه) (٢).

стр. 449

الحديث العاشر (١): ٩٣ - قال الإمام مسلم (٢٠٤٩): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت عمرو بن حريث يقول: سمعت سعيد بن زيد يقول: قال رسول الله ﷺ : «الكمأة من المنّ الذي أنزل الله -على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين». التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ابن أبي عمر من رجال مسلم. وأخرجه الحميدي عن سفيان به (٨١)، وأخرجه ابن ماجه (٣٤٥٤) من طريق محمد بن الصباح، وأبو يعلى (٩٦٥) من طريق عبيد الله القواريري، وأبو عوانة (٨٣٥٥) من طريق علي بن حرب وشعيب بن عمرو، والذهبي في «سير النبلاء» (١/ ١٢٥) من طريق علي بن حرب، كلهم عن سفيان بن عيينة به.

стр. 450

هكذا رواه ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «الكمأة من المنِّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين». خالفه أصحاب عبد الملك بن عمير فرووه عنه بهذا الإسناد فقالوا: «الكمأة من المنِّ وماؤها شفاء للعين»، منهم: شعبة (١)، وسفيان الثوري (٢)، وجرير بن عبد الحميد (٣)، وعمر بن عبيد (٤)، ومحمد بن شبيب (٥)، وشهر بن حوشب (٦)، وشعيب بن صفوان (٧)، وأبو عوانة وضاح اليشكري (٨)، وعبيد الله بن عمرو (٩)، ومعتمر بن سليمان (١٠)، وعمر بن زياد الهلالي (١١)، وإبراهيم بن عثمان (١٢)، وأبو حفص (١٣)، وزائدة بن قدامة (١٤)، وزياد

стр. 451

البكائي (١)، والجراح بن الضحاك (٢)، وشريك بن عبد الله (٣)، ويزيد بن عطاء (٤)، وقيس بن الربيع (٥)، وعبد الحكيم بن منصور (٦)، ومحمد بن جحادة (٧)، وعبيدة بن حميد (٨)، وعنبسة بن عبد الواحد (٩)، وشيبان بن عبد الرحمن (١٠). زاد ابن عيينة في روايته: «الذي أنزل الله على بني إسرائيل»، وهي غير محفوظة في حديث عبد الملك لأنه لم يذكره هذا العدد الكبير من أصحاب عبد الملك بن عمير. وقد رواه سفيان مرة أخرى بغير هذه الزيادة، رواه عنه بدونها الإمامان الشافعي (١١) وأحمد بن حنبل (١٢) وسعدان بن نصر (١٣). وهذا الحديث مداره على عمرو بن حريث ولم يروِه عنه إلا عبد الملك بن عمير والحسن العرني وسلمة بن كهيل. والمحفوظ في رواية عبد الملك بن عمير وسلمة بن كهيل (١٤)

стр. 452

أنهم لا يذكرون هذه الزيادة وهي قوله: «الذي أنزل الله -على بني إسرائيل»، وهي محفوظة في حديث الحسن العرني (١). وقد روي حديث الكمأة من طرق عن أبي هريرة (٢)، وجابر بن عبد الله (٣)، وأبي سعيد الخدري (٤)، وبريدة (٥)، وابن عباس (٦)، ولم يأتِ فيه ذكر هذه الزيادة التي في حديث ابن عيينة عن عبد الملك والحسن العرني عن عمرو بن حريث. والله تعالى أعلم. قال أبو عوانة: (زاد على «الذي أنزل الله على بني إسرائيل») (٧). قال الدارقطني: وسئل عن حديث عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد عن النبيِّ ﷺ في الكمأة، فقال: «هي من المنِّ وماؤها شفاء للعين». فقال: يرويه عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث واختلف عنه: فرواه الثوري، وزائدة، وجرير بن حازم، وأبو عوانة، وزياد البكائي، وعمر بن عبيد، ومعتمر بن سليمان، وعبيد الله بن عمرو، والجراح بن الضحاك … إلخ، عن عبد الملك فاتفقوا على إسناده ومتنه.

стр. 453

ورواه ابن عيينة عن عبد الملك بهذا الإسناد قال فيه: «الكمأة من المنِّ الذي أُنزل على بني إسرائيل». وكذلك قال الحسن العرني، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد مثل قول ابن عيينة) (١). اه. فائدة: لم يخرِّج الإمام البخاري حديث سفيان بن عيينة هذا في صحيحه مع أنه على شرطه ومناسب للباب الذي عقده، قال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾. أورد فيه حديث الثوري الذي نصّه: «الكمأة من المنِّ وماؤها شفاء للعين»، ولم يورد حديث سفيان الذي فيه: «المنّ الذي أنزل الله -على بني إسرائيل». لذا تعقبه الخطابي فقال: (لا وجه لإدخال هذا الحديث هنا لأنه ليس المراد في الحديث أنها نوع من المنِّ المُنزل على بني إسرائيل فإنَّ ذاك شيء كان يسقط عليهم كالزنجبيل والمراد أنها شجرة تنبت بنفسها من غير استنبات ولا مؤنة) (٢). وقال الحافظ بعد أن أورد اعتراض الخطابي: (وقع في رواية ابن عيينة عن عبد الملك في المنِّ الذي أُنزل على بني إسرائيل وبه تظهر مناسبة ذكره في التفسير) (٣).

стр. 454

فلله درّ الإمام البخاري فإنه إمام في هذا الفن بلا منازع. علة الوهم: سببه أحد أمرين: الأول: أدرج الإمام سفيان بن عيينة: (الذي أنزل الله على بني إسرائيل) صفةً للمنِّ الذي ورد ذكره في الحديث فرواه عنه هكذا أكثر أصحابه، وحيناً لا يذكره كما في رواية الشافعي وأحمد وسعدان بن نصر. الثاني: اختلاف الأمصار. فسفيان بن عيينة مكي هاجر به أبوه من البصرة وهو صغير فسكن بمكة. وعبد الملك بن عمير كوفي؛ لذا فإنَّ رواية أهل العراق أتقن، ومنهم: الثوري، وشعبة، وجرير، وزائدة، وعمر بن عبيد، وزياد البكائي، ومعتمر بن سليمان، وشيبان، ومحمد بن جحادة، وهؤلاء كلهم ثقات من رجال الشيخين. أمّا وجه إخراج الإمام مسلم له فإنه أخرجه متابعة بعد أن ذكر حديث جرير وعمر بن عبيد وشعبة، ثم أتبعها بحديث الحسن العرني الذي يذكر فيه هذه اللفظة: «المنّ الذي أنزل الله على موسى»، وأردفه برواية سفيان بن عيينة الموافقه له. والله تعالى أعلم. تنبيه: وهم الإمام الذهبي في «السير» (١/ ١٧٥) فقال بعد أن أورد الحديث من طريق علي بن حرب عن ابن عيينة.

стр. 455

أخرجه البخاري من طريق ابن عيينة فوقع لنا بدلاً عالياً وتابعه على ذلك المحقق. وسفيان الذي أورد البخاري حديثه إنما هو سفيان الثوري، وقد ذكر ذلك شيخه الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (٤٤٦٥)، وإنما وقع له هذا الوهم لأنَّ الإمام البخاري لم ينسبه بل قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان … وأبو نعيم يروي عن الثوري وابن عيينة. والله تعالى أعلم.

стр. 456

الحديث الحادي عشر (١): ٩٤ - قال ابن ماجه (٣٠٩٢): حدثنا هشام بن عمَّار، ثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن طلحة بن عبيد الله: أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاه حمار وحش وأمره أن يفرقه في الرفاق وهم محرِمون. التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري. وأخرجه الضياء في «المختارة» (٨٢٩) من طريق محمد بن يحيى العدني عن سفيان به.

стр. 457

هكذا قال سفيان: (عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن طلحة بن عبيد الله). خالفه مالك (١) وهشيم (٢) ويزيد بن هارون (٣) وحمّاد بن زيد (٤) فقالوا: (عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمري). وذكر الدارقطني (٥) ممَّن رواه كذلك أيضاً: (علي بن مسهر، وسويد بن عبد العزيز، وأبو ضمرة أنس بن عياض، وعباد بن العوام، والنضر بن محمد المروزي، وعبد الرحيم بن سليمان، ويونس بن راشد) هؤلاء كلهم تابعوا مالكاً وأصحابه فرووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري كذلك. وكذلك رواه يزيد بن الهاد (٦)، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة.

стр. 458

وتابعه عبد ربِّه بن سعيد ويحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم كذلك (١). وهم سفيان فجعله من مسند طلحة بن عبيد الله والصحيح هو من مسند عمير بن سلمة. قال الدارقطني في «العلل» (٤/ ٢٠٩ رقم ٥١٥): هو حديث تفرد به ابن عيينة عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن طلحة، ووهم فيه. وغيره يرويه عن يحيى بن سعيد ويسنده عن عمير بن سلمة الضمري عن النبيِّ ﷺ . وبعضهم قال: عن عمير بن سلمة عن رجل من بهز، والصواب قول مَنْ قال: عمير بن سلمة. كذلك رواه يزيد بن الهاد وعبد ربِّه بن سعيد ويحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم. وقال المزي في «تحفة الأشراف» (٤/ ٢١٧): (قال يعقوب بن شيبة: هذا الحديث لا أعلمه رواه هكذا غير ابن عيينة وأحسبه أراد أن يختصره فأخطأ فيه وقد خالفه الناس في هذا الحديث، رواه مالك بن أنس وحماد بن زيد ويزيد بن هارون وغيرهم جماعة كلهم رووه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن رجل من بهز، عن النبيِّ ﷺ ، وقالوا جميعاً في حديثهم: فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يقسم في الرفاق وهم محرِمون. وقال: ولعل ابن عيينة حين اختصره لحقه الوهم).

стр. 459

وقال ابن حجر في «النكت الظراف» (٤/ ٢١٧): وقد كشف الغطاء عن ذلك علي بن المديني فذكر إسماعيل القاضي عن علي بن المديني أنه قال في كتاب «العلل» بعد أن ساق الحديث عن سفيان بن عيينة مطولاً: قلت لسفيان: إنه كان في كتاب الثقفي: عن يحيى بن سعيد، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن البهزي. فقال لي سفيان: ظننت أنه طلحة وليس أستيقنه، وأمَّا الحديث فقد جئتك به. قال ابن حجر: فلم يلحق سفيان الوهم بسبب اختصاره، بل اعترف أنه لمَّا حدَّث به ظنَّ أنه عن طلحة. وقال في «المطالب العالية» (٧/ ٨٤): ظاهر هذا الإسناد الصحة لكنه معلول؛ بيَّن ذلك علي بن المديني في كتاب «العلل» وأنه قال لابن عيينة: إنَّ الناس يخالفونك؛ لا يقولون عن عيسى بن طلحة عن أبيه. فقال: الحديث قد قصصت لك وكنت أظنه عن أبيه. قال علي: الصواب: عن عيسى بن طلحة عن البهزي. قال البيهقي في «المعرفة» (٧/ ٤٣٣): (قال الشافعي: سفيان يُخالف في هذا الحديث، يقولون: عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن البهزي). قال البيهقي: (هو كما قال الشافعي). وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٣/ ٣٤٣): (فالحديث لعمير بن سلمة عن النبيِّ ﷺ فيما قال حماد بن زيد وتابعه على ذلك جماعة منهم: هشيم وعلي بن مسهر ويزيد بن هارون … ). وكذا قال أبو حاتم في «العلل» (٨٩٨) إنَّ الحديث لعمير (١).

стр. 460

الحديث الثاني عشر (١): ٩٥ - قال الإمام أحمد (٢/ ٢٤٧): حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر الأنصاري، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر المخزومي، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾. التعليق: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وفي هذا السند أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وقد أشار إلى ذلك الترمذي (٢/ ٤٦٣).
следующие страницы →