الحديث (١):
١٢٥٠ - قال ابن حبان ﵀ (١٥٨٨): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ، خَافَ أَنْ يَحْسِبِهَا النَّاسُ سُنَّةً.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير ابن خزيمة وهو إمام ثقة ثبت مصنف.
وأخرجه محمد بن نصر المروزي في قيام الليل (ص ٧٧ مختصره) عن عبد الوارث به (وسقط من الإسناد عبد الوارث بن سعيد جد عبد الوارث).
стр. 5322
هكذا قال عبد الوارث: عن عبد الصمد، عن أبيه، عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله المزني أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب.
خالفه أحمد بن حنبل (١) فرواه عن عبد الصمد بهذا الإسناد دون أن يذكر أن النبي ﷺ صلاها بل ذكر أمره بها.
وكذلك رواه أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج (٢)، وعبيد الله بن عمرالقواريري (٣)، وعفان بن مسلم (٤)، وحسين بن محمد المروزي (٥)، ومحمد بن عبيد بن حساب (٦)، خمستهم عن عبد الوارث بن سعيد فلم يذكروا هذه الزيادة من فعله ﷺ .
قال ابن القيم: وأما الركعتان قبل المغرب فإنه لم ينقل عنه ﷺ أنه كان يصليهما، وصح عنه أنه أقر أصحابه عليهما، وكان يراهم يصلونها فلم يأمرهم ولم ينههم (٧).
وقال ابن حجر: وقال القرطبي وغيره: ظاهر حديث أنس أن الركعتين بعد المغرب (٨) وقبل صلاة المغرب كان أمراً أقر النبي ﷺ
стр. 5323
أصحابه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب .. ، وأما كونه لم يصليهما فلا ينفي الاستحباب بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث (١).
وقال الألباني: شاذ … ، فهؤلاء خمسة ثقات اتفقوا على رواية الحديث عن عبد الوارث بن سعيد دون الزيادة وهذا مما يلقي اليقين في القلب على شذوذها، وخطأ من زادها في إسناد ابن حبان عن ابن خزيمة، ولعل يؤيد ما ذكرت أن ابن خزيمة أعرض عن إيرادها في صحيحه إلى رواية أبي معمر الخالية منها (٢).
стр. 5324
عبد الوهاب بن عطاء
عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، أبو نصر العجلي، مولاهم البصري، سكن بغداد.
روى عن: سليمان التيمي، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وابن عون، ومالك، وابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة ولازمه وعرف بصحبته، وجماعة.
وعنه: أحمد، وإسحاق، وابن معين، وإسحاق الكوسج، والحارث بن أبي أسامة وجماعة.
قال أحمد: كان يحيى القطان حسن الرأي فيه، كان يعرفه معرفة قديمة، وقال أيضاً: كان عالماً بسعيد.
قال المروذي: قلت لأحمد: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ قال: ما تقول! إنما الثقة يحيى القطان.
وقال الدوري عن ابن معين: ثقة.
وقال ابن الغلابي عن ابن معين: يكتب حديثه.
وقال ابن أبي خيثمة وعثمان الدارمي عن ابن معين: لا بأس به.
стр. 5325
وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وهو يحتمل.
وقال الساجي: صدوق ليس بالقوي عندهم.
وقال النسائي: ليس بالقوي عندهم.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه محله الصدق.
وقال ابن سعد: كان صدوقاً إن شاء الله.
مات سنة ٢٠٤ وقيل ٢٠٦.
قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثاً في فضل العباس يقال دلسه عن ثور، من التاسعة.
قلت: والحديث أخرجه الترمذي (٣٧٦٢) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ثور بن يزيد، عن مكحول عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لهم بدعوة ينفعك الله بها وولدك … الحديث.
قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وصححه الألباني (٢٩٦٢) في تعليقه على الترمذي.
وقال ابن معين: موضوع، وقال أبو زرعة: روى عن ثور بن يزيد حديثين ليسا من حديث ثور، وانظر تاريخ بغداد (١١/ ٢٤)، وتهذيب الكمال (١٨/ ٥١٤)، والعلل المتناهية لابن الجوزي (٤٦٥)، روى له مسلم تسعة أحاديث كلها بالعنعنة كما في روايات المدلسين في صحيح مسلم (ص ٢٤٢).
стр. 5326
الحديث (١):
١٢٥١ - قال ابن خزيمة ﵀ (١٣٣٨): حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سليمان التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«الصلاة الوسطى صلاة العصر».
التعليق:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي صالح واسمه ميزان روى له الترمذي، وقال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، وسقط عن المزي ترجمته في التهذيب، وأخرجه البيهقي (١/ ٤٦٠) من طريق محمد بن عبيد الله بن المنادي، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٩٠) من طريق محمود بن خداش كلاهما عن عبد الوهاب بن عطاء به.
هكذا قال عبد الوهاب: (عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
خالفه يحيى بن سعيد القطان (٢)، ومحمد بن عبد الله
стр. 5327
الأنصاري (١)، وسهل بن يوسف (٢)، وبشر بن المفضل (٣)، وإسماعيل بن إبراهيم (ابن علية) (٤)، ومعتمر بن سليمان (٥).
فرووه عن سليمان التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفاً، وقد صحح الموقوف يحيى بن معين والدارقطني.
وقد رواه عبد الوهاب أيضاً موقوفاً.
كذا رواه عنه يحيى بن معين (٦)، ويحيى بن جعفر (٧).
قال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز: سألت يحيى بن معين عن محمود بن خداش فقال: ثقة لا بأس به، قلت: حدث عن الخفاف عن التيمي عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في صلاة الوسطى؟ قال: ليس بشيء أخطأ فيه حدثناه الخفاف عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفاً.
قلت: أبو صالح هذا من هو؟ قال: ميزان (٨). اه.
وكذا قال الإمام أحمد: ليس هو أبو صالح ولا باذام هذا بصري أراه ميزان، يعني: اسمه ميزان أبو صالح (٩).
стр. 5328
وقال الدارقطني: يرويه سليمان التيمي واختلف عنه فرواه عبد الوهاب بن عطاء عن سليمان التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ووقفه يحيى القطان وبشر بن المفضل والأنصاري ومعتمر عن التيمي والموقوف هو المحفوظ (١).
وقال البيهقي: كذا روى بهذا الإسناد وخالفه غيره فرواه عن التيمي موقوفاً على أبي هريرة (٢).
الخلاصة:
اختلف في هذا الحديث على عبد الوهاب على وجهين:
فرواه عن أحمد بن منيع، ومحمد بن عبيد الله (٣)، ومحمود بن خداش (٤)، هذا الحديث موصولاً وهؤلاء كلهم ثقات.
وروى يحيى بن معين (٥)، ويحيى بن جعفر (٦)، هذا الحديث موقوفاً بمثل رواية الجماعة عن التيمي.
وحمل الوهم يحيى بن معين منه على محمود بن خداش، وحمله الدارقطني على ما يبدو على عبد الوهاب بن عطاء وهو الأظهر
стр. 5329
لأنه رواه عنه جماعة من الثقات على الرواية الموصولة، وقد قال البخاري وأبو حاتم عنه: ليس بالقوي عندهم زاد البخاري وهو يحتمل وثقه ابن معين في رواية وقال مرة أخرى: يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس بالقوي.
والله تعالى أعلم.
стр. 5330
عبد بن حميد
عبد بن حميد بن نصر الكسي، أبو محمد المعروف بالكشي، قيل: إن اسمه عبد الحميد.
روى عن: إسماعيل بن أبي أويس، وجعفر بن عون، وحجاج بن منهال، وأبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، وسليمان بن حرب، وعبد الرزاق، وعفان، وعثمان بن عمر بن فارس وجماعة.
روى عنه: مسلم، والترمذي، وابنه محمد بن عبد بن حميد، والبخاري تعليقاً في صحيحه.
قال ابن حبان في ثقاته: (كان ممن جمع وصنف، مات سنة تسع وأربعين ومائتين).
وقال السمعاني: إمام جليل القدر ممن جمع وصنف وكانت إليه الرحلة من أقطار الأرض.
قال الذهبي في السير: الإمام الحافظ الحجة الجوال، ولد بعد سنة ١٧٠.
قال ابن حجر: ثقة حافظ من الحادية عشر.
الحديث الأول (١):
١٢٥٢ - قال الإمام الترمذي ﵀ (٣٠١٥): حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول:
مرضت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني وقد أغمي علي، فلما أفقت قلت: كيف أقضي في مالي؟ فسكت عني حتى نزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ … (١١)﴾ [النساء: ٧].
التعليق:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد بن حميد فمن رجال مسلم.
هكذا قال عبد بن حميد، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أنه مرض فقال للنبي ﷺ : كيف أقضي في مالي فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ … (١١)﴾.
стр. 5333
والمحفوظ في حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه حتى نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ هكذا رواه جماعة من أصحاب سفيان الثقات منهم:
الإمام أحمد (١)، وعمرو الناقد (٢)، وابن المقريء (٣)، ومحمد بن منصور المكي (٤)، وقتيبة بن سعيد (٥)، وهشام بن عمار (٦)، وأبو بكر بن خلاد (٧)، والفصل بن الصباح البغدادي (٨)، والحميدي (٩)، وعبد الرحمن بن بشر (١٠).
ورواه أبو بكر بن شيبة عن سفيان فقال: حتى نزلت آية الكلالة (١١).
ورواه إسحاق بن راهويه عن سفيان فقال: حتى نزلت آية المواريث يرونها يستفتونك (١٢).
ورواه عبد الجبار بن العلاء عن سفيان فقال: حتى نزلت آية
стр. 5334
الميراث ﴿ .. إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ … (١٧٦)﴾، وقال مرة: آية الكلالة (١).
ورواه الإمام البخاري عن عبد الله بن محمد الجعفي (٢).
وقتيبة بن سعيد (٣)، وعلي بن المديني (٤) ثلاثتهم عن سفيان بهذا الإسناد، فلم يذكروا الآية واقتصروا على قولهم آية الميراث.
ورواه الطحاوي عن أحمد بن الحسن الكوفي عن سفيان فقال: حتى نزلت آية الميراث (٥).
وهم عبد بن حميد (أو يحيى بن آدم) والراجح الأول لما سيأتي على ابن عيينة في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾، وإنما كان سفيان يذكر حتى نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.
وذكر الآية في الحديث من إدراج ابن عيينة كما نبه عليه الحافظ في الفتح (٨/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
يدل عليه رواية إسحاق بن راهويه عنه فقال: يرونها يستفتونك، وقد أخرجها البخاري كما سبق من طريق قتيبة وغيره عن سفيان بدون ذكر الآية لهذه العلة.
стр. 5335
ومما يؤيد أنه من إدراج ابن عيينة أن شعبة (١) وسفيان الثوري (٢) رووه عن محمد بن المنكدر واقتصروا على قول آية الفرائض أو الميراث، وفي رواية لشعبة عند مسلم من طريق بهز. قال شعبة: فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … (١٧٦)﴾ قال: هكذا أنزلت.
وقد رواه آخرون عن شعبة فأدرجوا الآية ولم يميزوا كما فعل بهز منهم: أبو داود الطيالسي (٣)، وحجاج بن محمد (٤) في رواية.
وقد جاء ذكر الآية في متن الحديث من طريق أبي الزبير عن جابر (٥)، فذكر قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فكانت موافقة لرواية الجماعة عن سفيان.
وقد تقدم في باب ابن جريج ح (٢٨٢).
علة الوهم:
روى عبد بن حميد قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد أخبرنا
стр. 5336
عمرو بن أبي قيس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: فذكر الحديث وفيه فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … (١١)﴾ الآية (١).
فمن هنا دخل الوهم على عبد بن حميد فأدخل لفظ عمرو بن قيس في لفظ حديث سفيان بن عيينة.
ولأجل هذا حملنا الوهم في هذا الحديث عليه ولم نحمله على يحيى بن آدم وهو الذي في طبقته جرى الخلاف والله أعلم.
стр. 5337
الحديث الثاني (١):
١٢٥٣ - قال عبد الحميد في المنتخب (١٥٥١): حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال:
لما نزل بعتبة بن أبي سفيان اشتد جزعه فقيل: ما هذا الجزع؟ فقال: أما إني سمعت أم حبيبة يعني أخته تقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة حرم الله لحمه على النار»، فما تركتهن بعد.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح.
هكذا رواه عبد بن حميد، عن روح، عن الأوزاعي، عن حسان، عن عنبسة (٢)، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ قال: «من صلى
стр. 5338
في يوم ثنتي عشرة ركعة حرم الله لحمه على النار».
خالفه أحمد بن حنبل (١)، ومحمد بن إسحاق الصغاني (٢)، ومحمد بن عبيد الله المنادي (٣).
فرووه عن روح بهذا الإسناد وقالوا فيه: (لما نزل بعنبسة بن أبي سفيان الموت اشتد جزعه … الحديث وفيه أن النبي ﷺ قال: «من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها، حرم الله لحمه على النار».
وكذلك رواه موسى بن أعين (٤)، ويزيد بن يوسف (٥) كلاهما عن الأوزاعي به بهذا اللفظ.
وكذلك رواه غير واحد عن عنبسة عن أم حبيبة بهذا اللفظ (٦)، ورواه كذلك محمد بن أبي سفيان عن أم حبيبة (٧).
علة الوهم:
دخل عليه حديث في حديث، روى مسلم في صحيحه (٧٢٨) من طريق النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس (٨)، عن عنبسة بن أبي
стр. 5339
سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث بشار إليه قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُني له بهن بيت في الجنة».
قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ .
وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة.
وقال عمرو بن أوس: فما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة.
وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس.
فهذان حديثان عن عنبسة:
الأول: ما رواه حسان بن عطية عن عنبسة عن أم حبيبة عن النبي ﷺ ولفظه: «من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرم الله لحمه على النار».
الثاني: حديث عمرو بن أوس عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ : «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة».
روى الأوزاعي عن حسان بن عطية الحديث الأول، ورواه عن الأوزاعي هكذا موسى بن أعين، ويزيد بن يوسف، وروح بن عبادة.
ورواه عن روح بن عبادة هكذا أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عبيد الله وخالفهم عبد بن حميد فرواه عنه روح بهذا الإسناد، وخالف في اللفظ فرواه بلفظ الحديث الثاني فوهم. والله تعالى أعلم.
стр. 5340
عقبة بن مكرم
عقبة بن مكرم بن أفلح العمي، أبو عبد الملك الحافظ البصري.
روى عن: ابن مهدي، ويحيى القطان، وغندر، ووهب بن جرير وغيرهم.
وعنه: مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم.
قال أبو داود: ثقة من ثقات ثقات الناس، فوق بُندار في الثقة عندي.
وقال النسائي: ثقة.
قال ابن قانع: مات بالبصرة سنة ٢٤٣ وفيها أرخه غيره، وذكره ابن حبان في الثقات وقال مات سنة ٢٥٠ أو بعدها أو قبلها بقليل.
قال ابن حجر: ثقة، من الحادية عشرة، مات في حدود سنة ٢٢٠.
روى له مسلم نحو أربعة عشر حديثاً وهي: (١/ ٧٨، ٢/ ٦٣٨، ٨٣٧، ٣/ ١٢٢٣، ١٢٧٤، ١٤٦١، ١٦٥٨، ٤/ ١٧٠٣، ١٧٢٣، ١٧٢٦، ١٨٦٥، ١٩٧١، ٢٠٨٣، ٢٢٣٦).
стр. 5341
الحديث (١):
١٢٥٤ - قال الإمام الترمذي ﵀ (٢٤١): حدثنا عُقْبَةُ بن مُكْرَمٍ ونَصْرُ بن عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ قالا حدثنا أبو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بن قُتَيْبَةَ عن طعمة بن عَمْرٍو عن حَبِيبِ بن أبي ثَابِتٍ عن أَنَسِ بن مَالِكٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً في جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ له بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ من النَّارِ وَبَرَاءَةٌ من النِّفَاقِ»، قال أبو عيسَى: وقد روي هذا الْحَدِيثُ عن أَنَسٍ مَوْقُوفاً ولا أَعْلَمُ أَحَداً رفعه إلا ما روى مسلم بن قتيبة عن طعمة بن عمرو.
وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البجلي عن أنس بن مالك قوله.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير طعمة بن عمرو وهو صدوق، وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٧٣٥) من طريق الترمذي.
стр. 5342
ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٢٦١٢) (٢٨٧٢ ط. العلمية) من طريق أبي العباس محمد بن إسحاق عن عقبة بن مكرم العمي به.
وابن الأعرابي في معجمه (١٢٠٦) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن عقبة به.
هكذا قال عقبة بن مكرم: (عن سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ .
خالفه نصر بن علي (١)، وأبو حفص الفلاس عمرو بن علي (٢) فقالا: عن سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس، عن النبي ﷺ .
إلا أن نصر بن علي لم ينسبه ذكره مهملاً إلا ما جاء في رواية الترمذي هنا، وكذلك ميزه البزار فقال: عن حبيب، يعني ابن أبي ثابت (٣)، ورواه في مسند حبيب بن أبي ثابت، لم ينسبه الباقون ونسبه عمرو بن علي فقال: هو الحذاء.
стр. 5343
وذكر الدارقطني أن نصر بن علي لم ينسبه (١).
وكذلك رواه أبو العلاء الخفاف خالد بن طهمان عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس (٢).
وقد رجح الترمذي والدارقطني والبيهقي وابن حجر: أن حبيب هذا ليس حبيب بن أبي ثابت الثقة المعروف، إنما هو حبيب بن أبي حبيب البجلي (٣).
قال الترمذي عقب الحديث: قد روى هذا الحديث عن أنس موقوفاً ولا أعلم أحداً رفعه إلا ما روى سلم بن قتيبة عن طعمة بن عمرو.
وإنما يروى هذا الحديث عن حبيب بن أبي حبيب البجلي عن أنس بن مالك قوله: حدثنا بذلك هناد حدثنا وكيع، عن خالد بن طهمان عن حبيب بن أبي حبيب البجلي عن أنس قوله ولم يرفعه … ).
قال الحافظ: حبيب بن أبي حبيب البجلي ذكره في ترجمة حبيب بن أبي ثابت، وقال الدارقطني في الأفراد: قال نصر بن علي فيه: حبيب الإسكاف، وهو الصواب (٤).
стр. 5344
وقال البيهقي عقب حديث عقبة بن مكرم: في كتابي حبيب بن أبي ثابت وهو خطأ، إنما حبيب بن أبي الحذاء أبو عمير (١).
وفي العلل للدارقطني أنه سئل عن حديث حبيب بن أبي ثابت، عن أنس قال رسول الله ﷺ : من صلى أربعين صباحاً في جماعة كتب الله له براءة من النار وبراءة من النفاق.
فقال: (يرويه أبو العلاء الخفاف خالد بن طهمان وطعمة بن عمرو الجعفري عن حبيب واختلف عنهما:
فرواه عطاء بن مسلم الخفاف عن أبي العلاء عن حبيب بن أبي ثابت عن أنس ووهم في قوله ابن أبي ثابت، وإنما حبيب أبو عميرة الإسكاف شيخ لأهل الكوفة.
وقال الجراح بن مخلد عن أبي قتيبة (سلم بن قتيبة) عن طعمة الجعفري عن حبيب بن أبي ثابت عن أنس ووهم أيضاً.
وخالفه نصر بن علي فرواه عن أبي قتيبة عن حبيب عن أنس ولم ينسبه، وهو حبيب أبو عميرة الإسكاف) (٢).
ومما يدل على أن حبيب هذا هو ليس حبيب بن أبي ثابت التابعي المعروف أن أبا حاتم وابن عدي لم يعرفاه.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه طعمة بن عمرو
стр. 5345
عن حبيب عن أنس عن النبي ﷺ قال: «من صلى أربعين يوماً في جماعة كتب له براءتان … » الحديث.
قلت لأبي: حبيب هذا من هو؟ قال: لا أدري (١).
وقال ابن عدي: هذا الحديث قد ذكر فيه حبيب بن أبي حبيب وروى عنه هذا الحديث طعمة بن عمرو وخالد بن طهمان رفعه عنه طعمة ورواه خالد عنه مرفوعاً وموقوفاً، ولا أدري حبيب بن أبي حبيب هذا هو صاحب الأنماط أو حبيب آخر (٢).
стр. 5346
عكرمة بن عمار
عكرمة بن عمار العجلي، أبو عمار اليمامي، بصري الأصل.
روى عن: عطاء بن أبي رباح، والقاسم بن محمد، وطاوس ونافع، ومكحول، ويحيى بن أبي كثير، والهرماس بن زياد وله صحبة، فهو من عداد صغار التابعين.
وعنه: شعبة، والثوري، وسعيد بن أبي عروبة، وابن مهدي ووكيع والقطان وخلق.
قال يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: ثبت، وقال ثالثة: صدوق ليس به بأس.
وقال أبو داود والعجلي والدارقطني وابن عدي وغيرهم: أنه ثقة، وتكلم بعضهم في حديثه عن يحيى بن أبي كثير.
وقال علي بن المديني: كان عكرمة عند أصحابنا ثقة ثبتاً.
وقال أيضاً: أحاديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير ليست بذاك، مناكير، كان يحيى بن سعيد يضعفها.
وقال أبو داود: ثقة، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب.
стр. 5347
وقد وصفه بالتدليس العلائي في جامع التحصيل ص ١٠٨، وابن العجمي في التبيين (ص ٤٣)، وابن حجر وجعله من الطبقة الثالثة، تعريف أهل التقديس ص ٤٢.
مات سنة ١٥٩.
قال ابن حجر: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، من الخامسة.
روى عنه مسلم من حديثه عن يحيى خمسة أحاديث فقط وصرح في جميعها بالسماع، وقد انتقى مسلم من حديثه عن يحيى مما لا اضطراب فيه (١).
روى له مسلم ثمانية وثلاثين حديثاً منها (٢٩) حديثاً صرح فيها بالسماع (٢).
(١/ ٥٩، ٨٤، ٩٨، ١٠٧، ١٢١، ٢١٣، ٢٣٦، ٢٥٠، ٥٣٤، ٥٦٩، ٢/ ٧١٨، ٧٣١، ٨١٣، ٨٤٣، ١١٠٥، ١١٨٢، ٣/ ١٣٥٤، ١٣٧٤، ١٣٧٥، ١٣٨٣، ١٤٠٢، ١٤٣٣، ١٤٤٠، ١٤٤١، ١٥٧٦، ١٥٩٩، ٤/ ١٨٠٥، ١٨٣٥، ١٨٨٣، ١٩٢٩، ١٩٣٨، ١٩٤٥، ١٩٤٨، ٢٠٠٩، ٢١٠٤، ٢١١٧، ٢٢٢٩، ٢٢٩٢).
واستشهد به البخاري في صحيحه في حديث واحد (٥٧٥٢) باب من أكفر أخاه بغير تأويل.
стр. 5348
الحديث الأول (١):
١٢٥٥ - قال الإمام مسلم في صحيحه (١/ ٢١٣ ح ٢٤٠): حدثني محمد بن حاتم وأبو معن الرقاشي قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أو حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني سالم مولى المهري، قال: خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبي بكر في جنازة سعد بن أبي وقاص، فمررنا على باب حجرة عائشة، فذكر عنها عن النبي ﷺ مثله. اه.
التعليق:
هذا الحديث أخرجه مسلم في الشواهد وتتمة الحديث قال: فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فتوضأ عندها فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للأعقاب من النار».
стр. 5349
وأخرجه كذلك أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٣٧٧)، والطبري في التفسير (١١٥٠٩)، والطبراني في الأوسط (٥٣٠٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٠)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥).
هكذا قال عكرمة: (عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سالم مولى المهري).
خالفه الأوزاعي (١)، وشيبان النحوي (٢)، وحسين المعلم (٣)، وحرب بن شداد (٤)، وعلي بن المبارك (٥) فقالوا:
عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، ولم يذكروا أبا سلمة بن عبد الرحمن في الإسناد.
لذا حكم أئمة الحديث ونقاده على هذا الإسناد بالخطأ.
قال البخاري: وقال عكرمة عن يحيى حدثني أبو سلمة حدثني
стр. 5350
أبو سالم المهري ولا يصح (١).
وسئل أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٥٧ رقم ١٤٨) عن حديث يرويه الأوزاعي وحسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن سالم الدوسي (فذكر الحديث).
ورواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سالم مولى المهريين قال: دخلت مع عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة (فذكر الحديث).
فقال أبو زرعة: الحديث حديث الأوزاعي وحسين المعلم.
وقال الخطيب: كذا رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير وهو وهم، والصواب عن يحيى عن سالم نفسه، ولا وجه لإدخال أبي سلمة في الإسناد وقول عكرمة عن مولى المهري خطأ، إنما هو سالم الدوسي كما ذكرناه عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير، ووافق شيبان على رواية أبو عمرو الأوزاعي، وعلي بن المبارك وحسين المعلم، فرووه جميعاً عن يحيى عن سالم الدوسي. اه.
نكتة:
قال ابن التركماني في الجوهر النقي: في القضية إشكال وهو أن عبد الرحمن توفي سنة ثلاث وخمسين كذا ذكر أكثر العلماء ولم يذكروا اختلافاً، وفي الاستيعاب: هذا الأكثر، ولم يختلفوا أن سعد بن أبي وقاص توفي بعد هذا التاريخ فلم يدرك عبد الرحمن وفاته).
وقال ابن عمار الشهيد في علل أحاديث في كتاب الصحيح
стр. 5351
لمسلم بن الحجاج (٤): (وهذا حديث قد خالف أصحاب يحيى بن أبي كثير عكرمة بن عمار، رواه علي بن المبارك، وحرب بن شداد، والأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني سالم، وقد قيل عن عكرمة في هذا الحديث: حدثني أبو سالم وليس بمحفوظ، وقد روي عن أبي سلمة عن عائشة من غير رواية يحيى بن أبي كثير من غير ذكر سالم فيه).
علة الوهم:
١ ضعف رواية عكرمة بن عمار في يحيى بن كثير، وقد ضعف رواية عكرمة عن يحيى الإمام أحمد وعلي ابن المديني ويحيى بن سعيد والبخاري والنسائي وغيرهم (١).
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه أحمد بن حنبل: عكرمة مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير.
وقال أبو زرعة: سمعت أحمد يضعف رواية أيوب بن عتبة وعكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير وقال: عكرمة أوثق الرجلين.
وقال ابن المديني: أحاديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير، ليست بذاك، كان يحيى بن سعيد يضعفها.
وقال البخاري: مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير ولم يكن عنده كتاب.
стр. 5352
وقال النسائي: ليس به بأس إلا في حديث يحيى بن أبي كثير.
٢ قد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن هذا الحديث عن عائشة ﵂ فربما اشتبه على عكرمة. والله أعلم (١).
стр. 5353
الحديث الثاني (١):
١٢٥٦ - قال مسلم في صحيحه (٤/ ١٩٤٥) ح (٢٥٠١): حدثني عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالا: حدثنا النضر وهو ابن محمد اليمامي، حدثنا عكرمة، حدثنا أبو زميل، حدثني ابن عباس ﵄ قال:
كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : «يا نبي الله ثلاث أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم.
قال أبو زُميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئاً إلا قال: نعم.
التعليق:
وهذا حديث فيه إشكال وحمله بعضهم على عكرمة، ووجه هذا
стр. 5354
الإشكال أن ظاهره أن أبا سفيان هو الذي زوج النبي ﷺ بعد أن أسلم وهذا مردود لأمرين:
١ المشهور المتواتر أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة بعد أن هلك زوجها عبيد الله بن جحش وكان قد تنصر وكان ذلك سنة ست من الهجرة ودخل بها سنة سبع، وأبو سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان.
٢ إن أبا سفيان لما قدم المدينة لتجديد العهد مع رسول الله ﷺ بعد صلح الحديبية دخل على ابنته أم حبيبة، فلما أراد أن يجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟! قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ .
لأجل هذا ادعى ابن حزم الظاهري أن هذا الحديث موضوع قال: والآفة فيه من عكرمة (١).
وكذا قال أبو عبد الله الحميدي عن أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ (٢).
стр. 5355
لذا أنكر بعضهم على مسلم إخراج هذا الحديث في صحيحه.
قال القاضي عياض: تزويج أبي سفيان لها في مسلم غريب جداً وخبرها مع أبي سفيان حين ورد بالمدينة في حال كفره مشهور (١).
وقال ابن حزم: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة ولا يختلف اثنان من أهل المعرفة بالأخبار في أنه ﵊ لم يتزوج أم حبيبة إلا قبل الفتح بدهر وهي بأرض الحبشة وأبوها أبو سفيان يومئذ كافر (٢).
قال ابن الملقن: هو حديث مشهور بالإشكال معروف بالإعضال، ووجه الإشكال أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة وكان الفتح سنة ثمان قطعاً، وكان ﷺ تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل، قال خليفة والجمهور: تزوجها سنة ست، ودخل بها سنة سبع، وقيل: تزوجها سنة سبع، وقيل: سنة خمس، ومن عظم هذا الإشكال طعن جماعة في هذا الحديث … ، وأفصح ابن حزم الظاهري فقال: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة ....
وتبعه على ذلك ابن دحية فقال في كتابه: (التنوير في مولد السراج المنير) هذا حديث موضوع دس في مسلم وركب له إسناد من الموضوعات على الثقات.
стр. 5356
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته (٧/ ١٣٧): قد ساق له مسلم في الأصول حديثاً منكراً، وهو الذي يرويه عن سماك الحنفي عن ابن عباس في الأمور الثلاثة التي التمسها أبو سفيان من النبي ﷺ .
وقال ابن الجوزي في كشف المشكل (٢/ ٤٦٣): وإنما قلنا إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت عند عبد الله بن جحش وولدت له وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت على دينها فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي ليخطبها عليه فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله ﷺ وذلك سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فتلت بساط رسول الله ﷺ حتى لا يجلس عليه ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ولا نعرف أن رسول الله ﷺ أمَّر أبا سفيان.
وقد أنبأنا ابن ناصر عن أبي عبد الله الحميدي قال: حدثنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ قال: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار، ولم يختلف أن رسول الله ﷺ تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر.
قال القاضي عياض: والذي في مسلم هنا أنه زوجها أبو سفيان غريب جداً وخبرها مع أبي سفيان (١) حين ورد المدينة في حال كفره مشهور.
стр. 5357
وقال ابن حزم: هذا الحديث وهم من بعض الرواة لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر وهي بأرض الحبشة وأبوها كافر.
وفي رواية عن ابن حزم أيضاً أنه قال: موضوع، قال: والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل.
قال النووي: وقد أنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ هذا على ابن حزم وبالغ في الشناعة قال: وهذا القول من جسارته فإنه كان هجوماً على تخطئة الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهم ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما وكان مستجاب الدعوة.
ثم ذكر النووي عن ابن الصلاح تأويل ذلك أنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطييباً لقلبه لأنه كان ربما يرى عليه غضاضة من رياسته ونسبه أن تتزوج بنته بغير رضاه.
أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد.
ثم قال النووي ﵀: وليس في الحديث أن النبي ﷺ جدد العقد ولا قال لأبي سفيان أنه يحتاج إلى تجديده فلعله ﷺ أراد بقوله: نعم أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد والله أعلم (١).
стр. 5358
وقال الأبي في شرح صحيح مسلم (٨/ ٤٢٨): وإذا صح أنه تزوجها قبل الفتح فيكون ما وقع في هذا الحديث من طلب أبي سفيان أن يزوجها منه بعد إسلامه خطأً ووهماً، وقد بحث النقاد عمن وقع ذلك الوهم منه فوجدوه وقع من عكرمة بن عمار.
قال ابن الجوزي اتهموه بذلك ....
وقال الحافظ علي بن أحمد: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار.
وقال بعضهم: ومما يحقق الوهم فيه قول أبي سفيان: (أريد أن تُؤَّمِرني).
وقال: ولم يسمع قط أنه أمَّره إلى أن توفي وكيف يخلف رسول الله ﷺ الوعد، ثم قال: وتأول بعض من صح عنده الحديث بأن قال: إن أبا سفيان إنما طلب من النبي ﷺ أن يجدد معه العقد على النية ظناً منه أن ذلك يجوز جهلاً منه بالأحكام الشرعية لحداثة عهده بالإسلام. واعتذر عن عدم تأميره مع وعده له بذلك بأن الوعد لم يكن مؤقتاً وكان يرتقب إمكان ذلك فلم يتيسر إلى أن توفي ﷺ . اه.
وقد ذكر بعض أهل العلم أجوبة عن دفع هذا الإشكال ذكرها ابن القيم في جلاء الأفهام (٣٥٩ - ٣٦٩) وردها كلها وقال: الصواب أن الحديث غير محفوظ بل وقع فيه تخليط والله أعلم.
وذكرها ابن الملقن في الإعلام (٨/ ١٥٣ - ١٥٩)، وفي بعضها تكلف وأحسن ما قيل لدفع هذا الإشكال ما ذكره ابن الملقن عن الحافظ شرف الدين وهو أن قوله: (أزوجكها) أي: أرضى بزواجك
стр. 5359
منها فإنه كان على رغم مني ودون اختياري وإن كان زواجك صحيحاً، وإن أجابته ﷺ بنعم كانت تأنيساً له، ثم أخبر بصحة العقد بأنه لا يشترط رضاك ولا ولاية لك عليها لاختلاف دينكما حالة العقد. والله أعلم.
стр. 5360
الحديث الثالث (١):
١٢٥٧ - قال الإمام مسلم ﵀ في صحيحه (٤/ ٢٢٩٢) ح (٢٩٩٣): حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَيْرٍ حدثنا وَكِيعٌ حدثنا عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ عن إِيَاسِ بن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ عن أبيه ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم واللفظ له حدثنا أبو النَّضْرِ هَاشِمُ بن الْقَاسِمِ حدثنا عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ حدثني إِيَاسُ بن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ أَنَّ أَبَاهُ حدثه أَنَّهُ سمع النبي ﷺ وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فقال له: يَرْحَمُكَ الله، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فقال له رسول الله ﷺ : «الرَّجُلُ مَزْكُومٌ».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم رجال الشيخين غير عكرمة بن عمار فمن رجال مسلم، واستشهد به البخاري في الصحيح، ورواه البغوي في شرح السنة (١٢/ ٣١٣) من طريق مسلم، وأخرجه أبو داود (٥٠٣٧) من طريق يحيى بن زائدة، والترمذي (٢٧٤٣) من طريق ابن المبارك وأحمد (٤/ ٤٦) من طريق بهز، وابن أبي شيبة (٢٥٩٨١) من طريق