وكذلك رواه أنس بن مالك ﵁ سمعه من محمود بن الربيع ثم سمعه من عتبان بن مالك، قال الإمام مسلم في صحيحه (٣٣)(٥٤): حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة قال: حدثنا ثابت عن أنس بن مالك قال: حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال: قدمت المدينة فلقيت عتبان فقلت: حديث بلغني عنك. قال: أصابني في بصري بعض الشيء فبعثت إلى رسول الله ﷺ : إني أحب أن تأتيني فتصلِّي في منزلي فأتخذه مصلّى. قال: فأتى النبيُّ ﷺ ومَن شاء من أصحابه فدخل وهو يصلِّي في منزلي وأصحابه يتحدثون بينهم.
ثم رواه مسلم (٣٣)(٥٥) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن عتبان بن مالك بنحوه.
وقد أنكر هذا الحديث الإمام الشافعي كونه مخالف لما رواه الإمام مالك والجماعة عن الزهري وأنَّ النبيَّ ﷺ أذِن لعتبان. قال الشافعي:
«هكذا حدثناه سفيان وكان يتوقاه ويعرف أنه لا يضبطه وقد أوهم فيه فيما نرى. والله أعلم.
والدلالة على ذلك أنَّ مالكاً أخبرنا عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، وكان يؤمّ قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : إنها تكون الظلمة والمطر والسيل وأنا رجل ضرير البصر. فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكاناً أتخذه مصلّى. قال: فجاءه رسول الله ﷺ فقال: «أين تحب أن أصلِّي؟» فأشار له إلى مكان من البيت، فصلَّى فيه رسول الله ﷺ .
стр. 632
قال: وأخبرنا أيضاً إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، عن محمود، عن عتبان بن مالك أنه كان يؤمّ قومه وهو أعمى».
قال البيهقي: اللفظ الذي رواه ابن عيينة في هذا الإسناد إنما هو قصة ابن أمّ مكتوم الأعمى، وتلك القصة رُويت عن ابن أمّ مكتوم من أوجه، ورُويت في حديث أبي هريرة، وإنما المراد، والله أعلم: لا أجد لك عذراً أو رخصة تلحق فضيلة مَنْ حضرها، فقد رخص لعتبان بن مالك في التخلف عن حضورها. وبالله التوفيق (١).
قال ابن عبد البرّ في «التمهيد» (٦/ ٢٢٩): قد حدَّث ابن عيينة عن الزهري بحديث لعتبان بن مالك أنكره الشافعي، وقال: حديث مالك هذا يردّه.
ثم روى ابن عبد البرّ بسنده من طريق عبيد الله بن محمد عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة إن شاء الله عن عتبة بن مالك أنه سأل رسول الله ﷺ عن التخلف عن الصلاة. قال: «أتسمع النداء؟» فلم يرخص له.
قال ابن عبد البرّ: وهذا عندنا على الجمعة فلا تتعارض الأحاديث، وحديث مالك لعتبان في الظلمة والسيل والمطر.
علة الوهم:
وردت أحاديث بعدم الرخصة للتخلف عن الجماعة لمجرد عذر البصر في شأن عمرو بن أمّ مكتوم.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني
стр. 633
إلى المسجد. فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلِّي في بيته فرخص له، فلمّا ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء؟» فقال: نعم. قال: «فأجِب» (١).
وروى عاصم عن أبي رزين عن عمرو بن أمّ مكتوم، قال: جئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، كنت ضريراً شاسع الدار … الحديث (٢).
وروى جابر بن عبد الله قال: أتى ابن أمّ مكتوم النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، منزلي شاسع وأنا مكفوف البصر … (٣).
فهذه الأحاديث جاءت بعدم الرخصة للتخلف عن الجماعة بمجرد العمي، ومن هنا أحسب، والله أعلم، دخل الوهم على سفيان بن عيينة (٤).
стр. 634
الحديث الثالث والخمسون (١):
١٣٦ - قال أبو عبد الرحمن النسائي في «الكبرى» (٧١٥٦): أخبرنا محمد بن منصور المكي، قال: ثنا سفيان عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال:
سمعت عمر يقول: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإنَّ الرجم حق على مَنْ زنا إذا أحصن وكانت البيِّنة أو كان الحبل أو الاعتراف، وقد قرأناها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ وقد رجم رسولُ الله ﷺ ورجمنا بعده.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن منصور وهو ثقة، قال النسائي عنه في مشيخته: (ثقة).
وقال الدارقطني: ثقة. وقد تابعه غير واحد كما سيأتي.
فقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٨٧٧٦) عن سفيان به.
стр. 635
وأخرجه ابن ماجه (٢٥٥٣) من طريق ابن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، وأبو عوانة (٦٢٥٧) والبيهقي (٨/ ٢١١) من طريق الحسن بن محمد الزعفراني، ثلاثتهم عن سفيان به.
وكذلك رواه علي بن عبد الله المديني عن سفيان به ذكره الحافظ في «الفتح» (١٢/ ١٤٣) ونسبه إلى الإسماعيلي.
هكذا روى هذا الحديث سفيان عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃ وزاد في آخره: (وقد قرأناها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾).
خالفه يونس بن يزيد (١)، ومالك (٢)، ومعمر (٣)، وصالح بن كيسان (٤)، وعقيل (٥)، وعبيد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٦).
فرووا هذا الحديث بهذا الإسناد عن الزهري ولم يذكروا هذه الزيادة.
وقد روى هذا الحديث البخاري في صحيحه (٦٨٢٩) من طريق علي بن عبد الله المديني عن سفيان إلا أنه حذف هذه الزيادة وهي قوله: (وقد قرأناها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾).
стр. 636
وقد أخرجه الإسماعيلي في رواية جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله المديني شيخ البخاري فذكر هذه الزيادة.
قال الحافظ في «الفتح» (١٢/ ١٤٣): (ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمداً) (١).
قلت: وقد روى مسلم في صحيحه (١٦٩١) هذا الحديث من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان ولم يسق إسناده بل أحال على حديث يونس.
قال النسائي عقب الحديث (٤/ ٢٧٣): (لا أعلم أنَّ أحداً ذكر في هذا الحديث ﴿الشيخ والشيخة فارجموهما البتة﴾ غير سفيان وينبغي أنه وهم. والله أعلم).
قال الحافظ في «الفتح» (١٢/ ١٤٣): وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك ويونس ومعمر وصالح بن كيسان وعقيل وغيرهم من الحفّاظ عن الزهري فلم يذكروه.
قلت: وقد روى ابن المقري هذا الحديث عن سفيان ولم يذكر هذه الزيادة (٢).
علة الوهم:
قد وردت هذه الزيادة في غير هذا الحديث عن عمر، منها: حديث سعيد بن المسيب (٣) وأسلم مولى عمر (٤)، كلاهما عن عمر.
стр. 637
إلا أنها في حديث ابن عباس عن عمر غير محفوظة لذلك حذفها البخاري عمداً كما قال الحافظ.
وقد جاءت أيضاً في حديث أُبيّ بن كعب (١) وزيد بن ثابت (٢)، ﵃ أجمعين.
стр. 638
الحديث الرابع والخمسون (١):
١٣٧ - قال ابن حبان في صحيحه (٧١٩٥): أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي ببغداد، حدثنا سُريج بن يونس، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵂:
أنَّ رسول الله ﷺ سمع قراءة أبي موسى فقال: «لقد أُوتي هذا من مزامير آل داود».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير شيخ ابن حبان، وثَّقه الدارقطني وغيره، ونعته الذهبي بالإمام المحدِّث الثبت، قال: وكان من بقايا المسندين. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٤٤) و (٤/ ١٠٧) عن سفيان، عن الزهري، عن عروة أو عن عمرة، عن عائشة.
ورواه الدارمي (١٤٨٩) عن أبي نعيم عن سفيان به وقال فيه: (أراه عن عروة).
стр. 639
هكذا رواه سفيان فقال: (عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ .
ورواه مرة أخرى على الشك فقال: (عن الزهري، عن عروة أو عمرة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ (١). وفي رواية: (أراه عن عروة).
ورواه مرة ثالثة فقال: (عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ . ووافقه على هذه الرواية معمر (٢).
وهذا هو الصحيح وهو الذي ثبت عليه سفيان آخراً وترك ذكر عروة أو الرواية بالشك ورواه عنه أكابر أصحابه مثل: الحميدي وأحمد وعبد الرزاق.
قال الحميدي عقب الحديث: (وكان سفيان ربما شك فيه فقال: عن عمرة أو عروة. لا يذكر فيه الخبر ثم ثبت على عروة وذكر الخبر فيه غير مرة وترك الشك).
علة الوهم:
سفيان كان يشك في هذا الإسناد فيقول: عمرة أو عروة. ثم ثبت أخيراً على عروة فحمله عنه كذلك أكابر أصحابه الذين لزموه لفترات أطول من سريج إذ إن سريج بغدادي وسفيان حجازي مكي.
стр. 640
الحديث الخامس والخمسون (١):
١٣٨ - قال أبو عيسى الترمذي (١٦٤١): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال:
«إنَّ أرواح الشهداء في طير خضر تَعلُق من ثمرة الجنة أو: شجر الجنة».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ابن أبي عمر من رجال مسلم، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه أحمد (٦/ ٣٨٧) وسعيد بن منصور (٢٥٦٠) عن سفيان به إلا أنه عند سعيد بن منصور وقع سقط أو وهم فلم يقُل عن أبيه. وإسنادهما على شرط الشيخين.
стр. 641
وأخرجه ابن أبي عاصم في «الجهاد» (٢٠٢) من طريق ابن كاسب، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ١٢٥) من طريقه أيضاً، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٠/ ١٧٧) من طريق سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، كلهم عن سفيان به.
هكذا رواه سفيان عن عمرو بن دينار عن الزهري فقال فيه: «إنَّ أرواح الشهداء».
خالفه أصحاب الزهري فرووه عنه بهذا الإسناد فقالوا: إنَّ نسمة المؤمن». (وفي رواية: المسلم)، منهم:
مالك بن أنس (١)، ومعمر (٢)، والليث بن سعد (٣)، وشعيب بن أبي حمزة (٤)، وصالح بن كيسان (٥)، ويونس بن يزيد (٦)، وأبو
стр. 642
أويس (١)، والحارث بن فضيل (٢)، والأوزاعي (٣).
هؤلاء التسعة كلهم رووه عن الزهري بلفظ: «نسمة أو: روح المؤمن». وقال معمر: «المسلم». ولم يقُل: «أرواح الشهداء» إلا سفيان في روايته هذه ومعمر (٤) في رواية عنه.
وقد وافق سفيان الجماعة في رواية أخرى فقال: «نسمة المؤمن». رواه عنه هكذا الحميدي (٥) وهو من ألزم أصحابه له وأكثرهم رواية عنه.
علة الوهم:
قد روى سفيان مثل ذلك في ثواب الشهداء.
فقد روى الترمذي (٣٠١١) قال: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾.
فقال: أما إنّا قد سألنا عن ذلك فأخبرنا أنَّ أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش .... الحديث).
стр. 643
وأخرجه مسلم (١٨٨٧) من طريق أبي معاوية وعيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش به.
فمن هنا والله أعلم دخل الوهم على سفيان فقال في حديثه عن الزهري: «أرواح الشهداء». وخالفه أصحاب الزهري فيه كما سبق وبيَّناه.
أثر الوهم:
عقد الترمذي في سننه باب (ما جاء في ثواب الشهداء) فأورد فيه هذا الحديث.
وكذلك فعل سعيد بن منصور فأورد هذا الحديث في باب (ما جاء في أرواح الشهداء).
فجعلوا هذا الثواب خاصًّا لمَن استشهد في سبيل الله.
بينما هو في الصحيح كما رواه أصحاب الزهري عامًّا لأرواح المؤمنين وليس خاصًّا بالشهداء دون غيرهم من المؤمنين. والله تعالى أعلم.
وقد سبق في التنبيه إلى هذا الوهم محققو «مسند الإمام أحمد» جزاهم الله خيراً (٤٥/ ١٤٣).
стр. 644
الحديث السادس والخمسون (١):
١٣٩ - قال الإمام أحمد (١/ ٢١٩): حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس ﵁، قال:
جئت أنا والفضل ونحن على أتان ورسول الله ﷺ يصلِّي بالناس بعرفة، فمررنا على بعض الصف فنزلنا عنها وتركناها ترتع ودخلنا في الصف، فلم يقُل لي رسول الله ﷺ شيئاً.
التعليق:
هذا إسناد على شرط الشيخين.
وأخرجه الحميدي (٤٧٥) وابن أبي شيبة (٢٨٨٦) كلاهما عن سفيان.
وأخرجه مسلم في صحيحه (٥٠٤)(٢٥٦) من طريق يحيى بن يحيى، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن سفيان به. (ولم يسق لفظه بل أحال على ما قبله).
وأخرجه النسائي (٢/ ٦٤) من طريق محمد بن منصور، وابن ماجه (٩٤٧) من طريق هشام بن عمار وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١١١٦) من طريق القعنبي وإبراهيم بن يسار وإسحاق بن إبراهيم، قال: ولم يقل القعنبي: (بعرفة).
стр. 645
وابن الجارود في «المنتقى» (١٦٨) من طريق ابن المقري ومحمد بن آدم، وابن خزيمة (٨٣٣) من طريق محمد بن المثنى وعبد الجبار بن العلاء وسعيد بن عبد الرحمن، وأبو يعلى (٢٣٨٢) من طريق أبي خيثمة. وأبو عوانة (١٤٣٠) من طريق شعيب بن عمرو الدمشقي وابن جرير في «تهذيب الآثار» (١/ ٢٨٥ الجزء المفقود) من طريق يونس بن عبد الأعلى وأحمد الدولابي، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٥٩) من طريق يونس، والبيهقي (٢/ ٢٧٦) من طريق سعدان بن نصر.
كلهم عن سفيان بن عيينة به.
هكذا رواه هؤلاء الأئمة عن سفيان بن عيينة وفيه قال: (يصلِّي بالناس بعرفة).
ورواه الدارمي (١٤١٥) عن الفضل بن دكين، عن سفيان على الشك (فقال: بمنى أو: بعرفة).
ورواه أبو داود (٧١٥) عن عثمان بن أبي شيبة عن سفيان مقروناً بطريق القعنبي عن مالك وفيه: (يصلِّي بالناس بمنى). وقال: وهذا لفظ القعنبي.
هكذا رواه سفيان عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، فقال: (بعرفة).
خالفه مالك (١)، ويونس بن يزيد (٢)، ومعمر (٣)، ومحمد بن
стр. 646
عبد الله بن مسلم الزهري (١)، وعبد الرحمن بن إسحاق (٢).
فرووه عن الزهري بنفس الإسناد وقالوا: (بمنى).
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٥٧٢): (قوله يصلِّي بالناس بمنى) كذا قال مالك وأكثر أصحاب الزهري، ووقع عند مسلم من رواية ابن عيينة (بعرفة). قال النووي: يحمل ذلك على أنهما قضيتان، وتعقب بأنَّ الأصل عدم التعدد ولا سيما مع اتحاد مخرج الحديث، فالحق أنَّ قول ابن عيينة: (بعرفة) شاذ.
قلت: يدل على ذلك أنَّ سفيان قد رواه على الشك فقال: (بمنى أو بعرفة) (٣).
стр. 647
الحديث السابع والخمسون (١):
١٤٠ - قال أبو عبد الرحمن النسائي في «المجتبى» (٤/ ٥٦) وفي «الكبرى» (١/ ٦٣٢ ح ٢٠٧١): أنبأنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر وقتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄ أنه رأى النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
التعليق:
هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه أبو داود (٣١٧٩)، والترمذي (١٠٠٧)، وابن ماجه (١٤٨٢)، وأحمد (٢/ ٨)، والطيالسي (١٨١٧)، والحميدي (٦٠٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٧٧)، وأبو يعلى (٥٤٢١) و (٥٤٨٢) و (٥٥٣٢)، والطحاوي (١/ ٤٧٩)، والروياني (١٣٨٨)، وابن حبان (٣٠٤٥) و (٣٠٤٦)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٣/ ٦٧)، كلهم من طرق عن سفيان به.
стр. 648
هكذا رواه سفيان فقال: (عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، أنه رأى النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة).
خالفه مالك ومعمر فرويا هذا الحديث مرسلاً وقد فصله معمر فميز فيه قول الزهري.
رواية مالك:
فقد روى يحيى عن مالك، عن ابن شهاب، أنَّ رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة والخلفاء هلم جرًّا وعبد الله بن عمر (١).
رواية معمر:
فرواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون بين يدَي الجنازة.
قال معمر: وأخبرني الزهري، قال: أخبرني سالم أنَّ أباه كان يمشي بين يدَي الجنازة (٢).
ورواه شعيب بن أبي حمزة، وابن جريج، ويونس بن يزيد، وعقيل بن خالد، وزياد بن سعد على وجوه تحتمل الاتصال، والصحيح أنها مرسلة.
стр. 649
رواية شعيب بن أبي حمزة:
رواه عمرو بن عثمان بن سعيد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، أنَّ عبد الله بن عمر كان يمشي بين يدَي الجنازة، قال: وإنَّ رسول الله ﷺ كان يمشي بين يديها وأبا بكر وعمر وعثمان.
قال الزهري: وكذلك السنَّة (١).
وهذا ظاهره الإرسال لأن سالماً يحكي عن فعل أبيه لا عن قوله؛ لذا فإنَّ قوله: قال: وإنَّ رسول الله ﷺ كان يمشي … هو إما من قوله أو من قول الزهري.
والظاهر أنه من قول الزهري كما جاء في رواية معمر؛ لذا فالعجب من ابن حبان أن يحتج به في تصحيح رواية سفيان.
رواية ابن جريج:
روى أحمد (٢/ ٣٧) عن عبد الرزاق وابن بكر، قالا: أخبرنا ابن جريج، قال: قال ابن شهاب، حدثني سالم بن عبد الله، أنَّ عبد الله بن عمر كان يمشي بين يدَي الجنازة، وقد كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يمشون أمامها.
ورواه أبو يعلى (٥٥١٩) من طريق أبي عاصم عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أنه كان يمشي بين يدَي الجنازة، وأنَّ رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمامها.
стр. 650
وهذا أيضاً مرسل إما من قول الزهري أو من قول سالم بن عبد الله بن عمر، والأول أظهر.
ويؤيده أنَّ الخطيب رواه من طريق جعفر بن عون عن ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، أنَّ ابن عمر كان يمشي أمام الجنازة، ويُقال: قد مشى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان أمامها.
رواية يونس بن يزيد:
رواه الطحاوي (١/ ٤٧٥): من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، أنَّ عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان.
ورواه الخطيب في «المدرج» (١/ ٣٣٥) من طريق أحمد بن شبيب عن أبيه، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم أنَّ عبد الله بن عمر كان يمشي بين يدَي الجنازة، وكان رسول الله ﷺ يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان، وكذلك السنَّة في اتباع الجنائز.
وهذا ظاهره الإرسال لا شك فيه.
ورواه الطبراني في «الكبير» (١٣١٣٥) من طريق ابن لهيعة عن عقيل ويونس، عن الزهري بمثل رواية ابن عيينة، لكن ابن لهيعة ضعيف.
رواية عُقيل بن خالد:
روى أحمد (٢/ ١٤٠) من طريق الليث بن سعد، وقال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب، أنَّ سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أنَّ
стр. 651
عبد الله بن عمر كان يمشي بين يدَي الجنازة، وأنَّ رسول الله ﷺ كان يمشي بين يديها، وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃.
ورواه الطحاوي (١/ ٤٨٠) والخطيب في «المدرج» (١/ ٢٣٣) من طريق سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب، عن عقيل به.
وزاد قوله: (وكذلك السنَّة في اتباع الجنائز).
وهذا ظاهره الإرسال وأنه من قول سالم أو الزهري إذ إنهما يحكيان عن فعل ابن عمر لا قوله.
رواية زياد بن سعد:
رواه أحمد (٢/ ١٤٠) قال: حدثنا حجاج، قال: قرأت على ابن جريج: حدثني زياد بن سعد أنَّ ابن شهاب قال: حدثني سالم عن عبد الله بن عمر، أنه كان يمشي بين يدَي الجنازة، وقد كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ يمشون أمامها.
وهذا مثل سابقه ظاهره الإرسال.
رواية النعمان بن راشد:
رواه الخطيب في «المدرج» (١/ ٣٣٤) من طريق وهب بن جرير عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن سالم، أنَّ أباه كان يمشي أمام الجنازة، وقد كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون بين يدَي الجنازة.
وهذا ظاهر الإرسال لا شك فيه.
رواية موسى بن عقبة وأبي عتيق:
رواه الطبراني في «الكبير» (١٣١٣٦) من طريق سليمان بن بلال
стр. 652
عن ابن شهاب، عن سالم، أنَّ عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنازة، وقال: قد كان رسول الله ﷺ يمشي بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان.
وهذا ظاهر الإرسال أيضاً.
رواية هشام الدستوائي:
روى ابن عبد البرّ في «التمهيد» (١٢/ ٩٢) بسنده من طريق وهب الله بن راشد، قال: حدثنا هشام الدستوائي عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه كان يمشي أمام الجنازة ويقول: مشى أمامها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان.
لذا أعلَّ الأئمة الحديث وحذاقه المتقدمون هذا الحديث ورأوا أنَّ سفيان وهم فيه، وأنَّ قول: (إنَّ النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة) إنما هو قول الزهري وكان يدرج كلامه بعد الحديث ولا يفصله.
كان موسى بن عقبة يقول للزهري: افصل كلامك من كلام النبيِّ ﷺ لما كان يحدِّث به من حديث رسول الله ﷺ فيخلطه بكلامه.
قال النسائي عقب الحديث: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة، خالفه مالك؛ مالك رواه عن الزهري مرسلاً.
وقال أيضاً: وإنما أتى هذا لأن الحديث رواه الزهري عن سالم، عن أبيه، أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان النبيُّ ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. وقال: (كان النبيُّ ﷺ إنما هو من قول الزهري.
стр. 653
ونقل الترمذي عن عبد الله بن المبارك والبخاري مثل ذلك.
قال الترمذي: (حديث ابن عمر هكذا رواه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد عن الزهري، عن سالم، عن أبيه نحو حديث ابن عيينة.
وروى معمر ويونس بن يزيد ومالك وغيرهم من الحفّاظ عن الزهري أنَّ النبيَّ ﷺ كان يمشي أمام الجنازة.
وأهل الحديث كلهم يرون أنَّ الحديث المرسل في ذلك أصح.
وسمعت يحيى بن موسى يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسل، أصح من حديث ابن عيينة.
قال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن ابن عيينة) (١).
وقال البخاري: (وإنما يُروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري، أنَّ النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم أنَّ أباه كان يمشي أمام الجنازة) (٢).
стр. 654
وقال الترمذي في «العلل»: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: الصحيح عن الزهري أنَّ النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة (١).
وقال الإمام أحمد: (هذا الحديث (أنَّ رسول الله ﷺ إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر وحديث ابن عيينة كأنه وهم) (٢).
وقال علي بن المديني لسفيان: يا أبا محمد، إنَّ معمراً وابن جريج يخالفانك فيه. فقال: اسكت، الزهري حدثنيه، سمعته من فيه يعيده ويبديه عن سالم، عن أبيه (٣).
وقال الخطيب: والحديث ليس بمسند وإنما أدرج فيه ذكر النبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، وذلك أنَّ الزهري كان يرويه عن سالم (أنَّ ابن عمر كان يمشي أمام الجنازة) ثم يقول الزهري: وقد مشى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان أمامها (٤).
وقال ابن المبارك: الحفّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة. فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به وتركنا القول الآخر (٥).
وقال الحافظ في «التلخيص» (٢/ ١١١) بعد أن ذكر قول الإمام أحمد والترمذي والنسائي، قال: (ذكر الدارقطني في «العلل» اختلافاً كثيراً فيه على الزهري، قال: والصحيح قول مَنْ قال: عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه كان يمشي. قال: وقد مشى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر. واختار البيهقي (٦) ترجيح الموصول لأنه
стр. 655
من رواية ابن عيينة وهو ثقة حافظ، وعن علي بن المديني قال: قلت لابن عيينة: يا أبا محمد، خالفك الناس في هذا الحديث. فقال: استيقن الزهري حدثني مراراً لست أحصيه يعيده ويبديه، سمعته من فيه عن سالم، عن أبيه. قلت: وهذا لا ينفي عنه الوهم، فإنه ضابط لأنه سمعه منه عن سالم، عن أبيه، والأمر كذلك، إلا أن فيه إدراجاً، لعل الزهري أدرجه إذ حدَّث به ابن عيينه وفصله لغيره وقد أوضحته في «المدرج» بأتمّ من هذا، وجزم أيضاً بصحته ابن المنذر وابن حزم وقد روى عن يونس، عن الزهري، عن أنس مثله أخرجه الترمذي). اه.
الترجيح:
رأي الأئمة المتقدمين أحمد والبخاري وعبد الله بن المبارك والترمذي والنسائي والدارقطني ومَن تابعهم (١) أرجح وذلك للتالي:
١ مالك ومعمر قد اجتمعا على خلاف سفيان. قال عبد الله بن المبارك: الحفّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به وتركنا القول الآخر.
٢ أنَّ معمراً قد جوَّد هذا الحديث فميَّز قول الزهري وبيَّنه وقد كان الزهري يدرج هذه الكلمة فربما لم يميزها عند حديثه لسفيان بهذا الحديث فأدى سفيان ومَن تابعه ما سمعوا.
٣ مالك ومعمر مقدمان على سفيان في الزهري.
стр. 656
قال ابن معين: معمر ويونس عالمان بالزهري، ومعمر أثبت في الزهري من ابن عيينة (١).
وسئل أحمد: أيّ أصحاب الزهري أحب إليك؟ قال: مالك أحبهم إليَّ في قلة روايته وبعده معمر، وما يُضمَّن إلى معمر أحد إلا أصبت معمراً يفوقه وأطلب منه للحديث (٢).
٤ قال الإمام أحمد: كنت أنا وعلي بن المديني، فذكرنا أثبت مَنْ يروي عن الزهري فقال علي: سفيان بن عيينة. وقلت أنا: مالك بن أنس. وقلت: مالك أقلّ خطأً عن الزهري وابن عيينة يخطاء في نحو من عشرين حديثاً عن الزهري، في حديث كذا وكذا. فذكرت منها ثمانية عشر حديثاً، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك. فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثاً (٣).
علة الوهم:
الإدراج؛ فكان الزهري يروي عن سالم، عن أبيه عبد الله بن
стр. 657
عمر، أنه كان يمشي أمام الجنازة ثم يقول الزهري: وكان النبيُّ ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
فمن هنا دخل الوهم على سفيان. والله تعالى أعلم.
وسيأتي الحديث في باب يونس بن يزيد (٧٤١) فانظره.
الدلالة الفقهية:
قال الترمذي: اختلف أهل العلم في المشي أمام الجنازة، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيِّ ﷺ وغيرهم أنَّ المشي أمامها أفضل وهو قول الشافعي وأحمد.
وقال ابن عبد البرّ في «التمهيد» (١٢/ ٩٤): واختلف الفقهاء في المشي أمام الجنازة وخلفها وفي أي ذلك أفضل.
فقال مالك والليث والشافعي: السنَّة المشي أمام الجنازة وهو الأفضل.
وقال الثوري: لا بأس بالمشي خلفها وأمامها والفضل في ذلك سواء.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: المشي خلفها أفضل، ولا بأس عندهم بالمشي أمامها.
قال أبو عمر: روي عن ابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي أسيد الساعدي وأبي قتادة وعبيد بن عمير وشريح أنهم كانوا يمشون أمام الجنازة ويأمرون الناس بذلك، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين وأكثر الحجازيين.
وقال الزهري: المشي خلف الجنازة من خطأ السنَّة.
стр. 658
وقال أحمد بن حنبل: المشي أمامها أفضل. واحتج بتقديم عمر بن الخطاب الناس في جنازة زينب بنت جحش، وضعَّف أحمد حديث علي بن أبي طالب أنه قال: فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ …
стр. 659
الحديث الثامن والخمسون (١):
١٤١ - قال الإمام النسائي في «السنن الكبرى» (١٣٧٢): أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عبد الله بن يزيد مولى آل عمر، وهو ثقة وثَّقه النسائي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابنه ابن أبي حاتم: صدوق ثقة. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، وقد توبع.
وهو في مسند الشهاب (٢٦٩) من طريقه، والبزار (٢٤١٩) من طريق أحمد بن داود الواسطي عن سفيان بهذا الإسناد.
ورواه ابن عبد البرّ في «التمهيد» (١٣/ ٤٩) من طريق حامد بن يحيى البلخي عن سفيان بهذا الإسناد.
стр. 660
هكذا قال سفيان: (الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو).
وخالفه محمد بن إسحاق (١) فقال: (عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو)، ومالك (٢) فقال: (عن الزهري، عن عبد الله بن عمرو) وهذا منقطع، الزهري لم يدرك عبد الله بن عمرو.
قال النسائي (٣): هذا خطأ، والصواب: الزهري عن عبد الله بن عمرو مرسل. ثم قال: خالفه محمد بن إسحاق.
وقال البزار: حديث عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو ولا نعلم رواه إلا ابن عيينة عن الزهري (٤).
وقال ابن عبد البرّ: ورواه الحسين بن الوليد عن مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو، ولم يتابعه على ذلك أحد من رواة مالك وإنما يرويه هكذا عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو، ابن عيينة وحده من بين أصحاب ابن شهاب، على اختلاف على ابن عيينة في ذلك أيضاً.
وقال الدارقطني: تفرد به سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو (٥).
قلت: تفرد سفيان بهذا الحديث عن الزهري ليس بعلة فهو إمام
стр. 661
ثقة حافظ وهو مقدم على محمد بن إسحاق في الزهري وغيره والإمام مالك رواه مرسلاً ولم يذكر الواسطة بينهما إلا أنَّ ما يعلّ الحديث هو ما ذكره الفسوي في كتاب «المعرفة» (٢/ ٧٣٥) حيث قال: قال سفيان: حدثنا الزهري أو حدثت عنه، عن عيسى بن طلحة وربما قال سفيان: أراه عن عيسى بن طلحة، وربما لم يذكر سفيان عيسى بن طلحة أصلاً عن عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم». والله تعالى أعلم.
стр. 662
الحديث التاسع والخمسون (١):
١٤٢ - قال الإمام إسحاق بن راهويه (٢٢٢٥): أخبرنا سفيان عن الزهري أو أخيه عبد الله بن مسلم قال: وكان عنده. قال: لا أدري من أيهما سمعه حدث عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ .
«يا معشر المؤمنات، مَنْ كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الإمام رأسه من ضيق الثياب».
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح.
وأخرجه أحمد (٦/ ٣٤٩) ومن طريقه الخطيب في تاريخه (٩/ ٢١٧) من طريق سريج بن النعمان عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت أبي بكر.
هكذا قال سفيان: (الزهري أو أخيه في رواية عن عروة، عن أسماء).
стр. 663
وخالفه معمر (١) والنعمان بن راشد (٢) فقالا:
(عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن مولاة لأسماء، عن أسماء).
قال الدارقطني: وهو الصحيح (٣)، وهم سفيان في هذا الإسناد في موضعين:
الأول: قوله عن (الزهري).
وقد ذكر إسحاق أنَّ سفيان كان يشك من أيهما سمعه من الزهري أو أخيه وكلاهما ثقة، ثم إنه في رواية سريج بن النعمان قال: عن الزهري، ولم يشك فيه فوهم.
الوهم الثاني: ذكره عروة في الإسناد وليس هذا من حديث عروة إنما هو من رواية مولاة لأسماء، وقيل: مولى لأسماء، كما جاء في رواية أبي داود وعند الطبراني أنَّ اسمه عبد الله، وهو عبد الله بن عباد.
وقد رواه سفيان مرة أخرى على الصواب فقال: (عن أخي الزهري، عمَّن سمع أسماء، عن أسماء).
هكذا رواه عنه الحميدي (٤) ومحمد بن أبي عمر العدني (٥).
стр. 664
قال الخطيب عقب الحديث: هكذا روى سريج هذا الحديث عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، وليس هو من حديث عروة ولا من حديث الزهري عنه، وإنما رواه عبد الله بن مسلم أخو الزهري عن مولى لأسماء، ويقال: مولاة لأسماء، عن أسماء.
وقال الحافظ المزي: (رواه سريج بن النعمان الجوهري عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء.
وقد وهم سريج في موضعين منه: أحدهما قوله: عن الزهري، والثاني قوله: عن عروة، فإنه ليس من حديث الزهري ولا من حديث عروة، والمحفوظ حديث معمر، وكان ابن عيينة يرويه عن أخي الزهري وربما شك ابن عيينة فيه فقال: عن الزهري أو عن أخيه، عن رجل لم يسمِّه، عن أسماء، حكاه عبد الغني بن سعيد عن الدارقطني، وقيل فيه: عن مولاة لأسماء عن أسماء) (١).
هكذا قال المزي إنَّ الوهم من سريج لكن قد تابعه إسحاق بن راهويه وهو إمام حافظ، وهو قطعاً لم يقف على روايته وإلا لنسب الوهم إلى سفيان مع احتمال أن يكون الوهم في قوله: (الزهري) من سفيان لأنه كان يشك فيه، والوهم في قوله: (عروة) من إسحاق وسريج لأن الحميدي والعدني خالفاهما وإن كان الأول أظهر. والله تعالى أعلم.
قال الدارقطني وقد سئل عن هذا الحديث:
(يرويه الزهري واختلف عنه، فرواه ابن عيينة واختلف عنه:
стр. 665
فقال محمد بن عباد وابن أبي خداش وأبو الأشعث عن ابن عيينة، قال: سمعت الزهري أو أخاً له عن عروة، عن أسماء. وقال الحميدي: عن ابن عيينة حدثنا أخو الزهري، عمَّن سمع أسماء. ورواه النعمان بن راشد ومعمر عن أخي الزهري، عن مولى أسماء، عن أسماء. وهو الصحيح) (١).
علة الوهم:
سفيان ربما شك فقال: (الزهري أو أخوه). وقال ثانية الزهري وقال ثالثة: أخو الزهري، وذكر سبب ذلك أنهما كانا معاً وسمع الحديث من أحدهما.
أمّا وهمه في ذكر عروة في الإسناد وذلك لكثرة ما رواه عروة عن أمه أسماء بنت أبي بكر ﵂. والله تعالى أعلم.
стр. 666
الحديث الستون (١):
١٤٣ - قال النسائي (١/ ١٢١): أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سفيان عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵂:
أنَّ أُمّ حبيبة بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين فسألت النبيَّ ﷺ فقال: «ليست بالحيضة إنما هو عرق» فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها وتغتسل وتصلِّي، فكانت تغتسل عند كل صلاة.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه النسائي أيضاً في (١/ ١٨٣) (٢) وفي «الكبرى» (٢١٥) بنفس الإسناد.
ورواه إسحاق بن راهويه (٥٦٧) و (٢٠٦٢) عن سفيان به.
ورواه أبو عوانة (٩٣٦) من طريق محمد بن الصباح عن سفيان به.
ورواه مسلم (٣٣٤) من طريق محمد بن المثنى ولم يسق لفظه بل قال بنحو حديثهم.
هكذا قال سفيان: عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، أنَّ
стр. 667
النبيَّ ﷺ قال: «ليست بالحيضة إنما هو عرق» فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها وتغتسل وتصلِّي.
خالفه ابن أبي ذئب (١)، والليث بن سعد (٢)، وعمرو بن الحارث (٣)، وإبراهيم بن سعد (٤)، ومعمر (٥)، وصالح بن أبي الأخضر (٦)، وعثمان التيمي (٧)، ويونس بن يزيد (٨)، ومحمد بن إسحاق (٩)، وسليمان بن كثير (١٠)، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد، ولم يذكروا أنَّ النبيَّ ﷺ أمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها.
ولفظ ابن أبي ذئب: (إنَّ أمّ حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فأمرها أن تغتسل، فقال: «هذا عرق» فكانت تغتسل لكل صلاة).
ولفظ الليث: («إنما ذلك عرق فاغتسلي ثم صلِّي» فكانت تغتسل عن كل صلاة).
قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أنَّ رسول الله ﷺ أمر أمّ حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.
стр. 668
ولفظ عمرو بن الحارث: «إنَّ هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلِّي».
ورواه إبراهيم بن سعد ومعمر وصالح ويونس وعثمان التيمي بنحو ذلك.
ورواه ابن إسحاق بلفظ: (فأمرها بالغسل لكل صلاة) وسيأتي في بابه لأنه وهم في ذلك. كما ذكر الليث وغيره أنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمرها بذلك ولكن هي فعلته من نفسها.
وبنحو روايته رواه سليمان بن كثير.
وهم سفيان فأدخل حديثاً في حديث، فإنَّ قوله: (أن تدع الصلاة قدر أقرائها وحيضتها) إنما هو رواية أم سلمة ﵂ في شأن فاطمة بنت أبي حبيش) (١).
لذا قال أبو داود: (وزاد ابن عيينة في حديث الزهري عن عمرة، عن عائشة، أنَّ أمّ حبيبة كانت تستحاض فسألت النبيَّ ﷺ فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها).
قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا في حديث الحفّاظ عن الزهري إلا ما ذكر سهيل بن أبي صالح، وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه: (تدع الصلاة أيام أقرائها) (٢).
وقد وافق سفيان الجماعة فرواه بنحو روايتهم دون أن
стр. 669
يذكر هذه الزيادة، كذا رواه عنه: الإمام الشافعي (١)، والحميدي (٢).
وقال البيهقي: إنَّ هذه اللفظة إنما ذكرها هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش (٣).
علة الوهم:
١ سفيان بن عيينة كان يروي حديث أمّ حبيبة بنت جحش من طريق الزهري ويروي حديث فاطمة بنت أبي حبيش من طريق أيوب السختياني (٤)، فدخل عليه حديث فاطمة بنت أبي حبيش في حديث أمّ حبيبة.
٢ الرواية بالمعنى دون التقيد باللفظ، دلَّ على ذلك قول إسحاق بن راهويه عقب حديثه، قال: قال سفيان: أو نحوه (٥).
وتعقب الألباني أبا داود فقال في صحيح سنن أبي داود (٦):
стр. 670
(وصله مسلم وأبو عوانة في صحيحيهما وابن عيينة ثقة حافظ متقن، وقد تابعه الأوزاعي وغيره من الثقات، فانظر الحديث الآتي رقم (٢٨٣).
وقد خالف الحميدي: محمد بن المثنى ومحمد بن الصباح ومحمد بن إدريس الشافعي الإمام وموسى بن عبد الرحمن المسروقي فكلهم رووه عن ابن عيينة فذكروا فيه هذا الزيادة؛ ورواية هؤلاء مقدمة على رواية الحميدي) اه.
وفيما قاله العلَّامة الألباني نظر من وجوه:
أولاً: قوله أنَّ الشافعي قد خالف الحميدي فرواه عن سفيان بهذه الزيادة، هذا وهم منه فقد رواه الشافعي في «الأُمّ» وفي «المسند» وفي «السنن المأثورة» بدون هذه الزيادة. وكذلك رواه عنه البيهقي كما سبق بيانه، ورواه الطحاوي من طريق الشافعي ولم يسق لفظه بل أحال على ما قبله وهو حديث إبراهيم بن سعد. وأحال حديث إبراهيم بن سعد على حديث الليث، وحديثهما ليس فيه هذه الزيادة فلا أدري من أين دخل الوهم على شيخنا.
ثانياً: قوله أنَّ موسى بن عبد الرحمن المسروقي قد رواه عن ابن عيينة بمثل ما رواه محمد بن الصباح ومحمد بن المثنى.
وهذا وهم فإنَّ موسى بن عبد الرحمن هذا لم يروِ عن ابن عيينة كما في ترجمته في «التهذيب». والذي أوقعه في هذا الوهم ما جاء عند النسائي (١/ ١٨٣ رقم ٣٥٧) قال: أخبرنا موسى، قال: حدثنا سفيان، وقد وقع سقط في المطبوع، والصحيح: أخبرنا أبو موسى، وأبو موسى هو محمد بن المثنى نفسه، والدليل على ذلك أنه أخرجه في