الخاتمة
وهم الإمام المحدِّث شيخ الإسلام سفيان بن عيينة فيما وقفنا عليه وحررناه في ست وستين حديثاً.
١ ثمانية وعشرون حديثاً في المتن والباقي في الإسناد.
٢ منها تسعة عشر حديثاً على الإمام الزهري وهو يعدُّ في الطبقة الأولى من أصحاب الزهري مع الإمام مالك ومعمر ويونس بن يزيد، وقدمه بعضهم على معمر وعلى يونس وعلى مالك أيضاً، وأبى ذلك بعضهم فقدم معمراً عليه، وقدم بعضهم أيضاً يونس عليه.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد (القطان) يقول: ابن عيينة أحب إليّ في الزهري من معمر (١). وقال محمد بن عبد الرحيم صاعقة: سمعت عليًّا قال: أثبت الناس في الزهري سفيان بن عيينة وزياد بن سعد، ثم مالك ومعمر ويونس من كتابه (٢). وقال محمد بن
стр. 702
يحيى الذهلي: سمعت علي بن المديني يقول: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة.
وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب الزهري مالك وابن عيينة (١).
وقال عبد الله بن المبارك: الحفّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك ومعمر وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به وتركنا الآخر (٢).
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: أيما أثبت أصحاب الزهري؟ فقال: لكلِّ واحد منهم علة إلا أنَّ يونس وعقيلاً يؤديان الألفاظ وشعيب بن أبي حمزة وليس هم مثل معمر، معمر يقاربهم في الإسناد. قلت: فمالك؟ قال: مالك أثبت في كل شيء، ولكن هؤلاء الكثرة، كم عند مالك؟ ثلاثمائة حديث أو نحو ذا، وابن عيينة نحو من ثلاثمائة حديث. ثم قال: هؤلاء الذين رووا عن الزهري الكثير يونس وعقيل ومعمر …
قلت: فهؤلاء أصحاب الزهري، أثبتهم مالك؟ قال: نعم، مالك أثبتهم ولكن هؤلاء قد بقروا علم الزهري يونس وعقيل ومعمر. قلت له: فبعد مالك مَنْ ترى؟ قال: ابن عيينة (٣).
وقال الدارمي: سمعت أحمد بن صالح يقول: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحداً. قال أحمد: سمعت أحاديث يونس على الزهري فوجدت الحديث الواحد ربما سمعه من الزهري مراراً، وكان
стр. 703
الزهري إذا قدم أيلة نزل على يونس وإذا سار إلى المدينة زامله يونس (١).
وخالفه يحيى القطان.
قال علي بن المديني: وأخبرني يحيى بن سعيد قال: لمّا قدم ابن المبارك من عند معمر قلت له: اكتب لي حديث الإفك. قال: فقال لي: ما تصنع به، إنما عرض معمر على الزهري أكتب لك حديث يونس. قال: لا أريده (٢).
وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان بعض أهل الحديث يقول: هو أثبت الناس في حديث الزهري (٣).
وقال الذهبي: ما في أصحاب الزهري أصغر سنًّا منه، ومع هذا فهو أثبتهم (٤).
إلا أنَّ هناك مَنْ قدَّم مالكاً ومعمراً ويونس بن يزيد على سفيان في الزهري.
قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين عن أصحاب الزهري قلت له: معمر أحب إليك في الزهري أم مالك؟ فقال: مالك. فقلت: يونس أحب إليك أم مالك؟ قال: مالك. فقلت: فابن عيينة أحب إليك أم معمر؟ فقال: معمر.
стр. 704
فقلت: فإنَّ بعض الناس يقولون سفيان أثبت الناس في الزهري؟ فقال: إنما يقول ذاك مَنْ سمع منه، وأيّ شيء كان سفيان، إنما كان غليماً أيام الزهري (١).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كنت أنا وعلي بن المديني فذكرنا أروى مَنْ يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان بن عيينة. وقلت أنا: مالك بن أنس. وقلت: مالك أخطأ عن الزهري وابن عيينة يخطاء في نحو من عشرين حديثاً عن الزهري، في حديث كذا وكذا. فذكرت منها ثمانية عشر حديثاً، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك. فجاء بحديثين أو ثلاثة فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثاً (٢).
ممّا سبق يتضح أنَّ يحيى بن سعيد القطان قدم ابن عيينة على معمر في حديث الزهري، وأنَّ علي بن المديني قدم سفيان على جميع أصحاب الزهري، وقدم أبو حاتم مالكاً وابن عيينة، وقدم الإمام أحمد مالكاً ثم ابن عيينة في الإتقان ويونس ومعمراً في الكثرة.
وقدم يحيى بن معين مالكاً ثم معمراً على سفيان، وقدم أحمد بن صالح يونس على أصحاب الزهري وذلك لطول ملازمته له.
وبالنظر إلى ما وقفنا عليه من أوهام مالك ومعمر وسفيان ويونس نجد أنَّ ما ذهب إليه أحمد بن صالح أرجح (٣).
стр. 705
فمجموع ما وهم سفيان على الزهري ١٩ حديثاً كان القول قول يونس في ستة عشر حديثاً ومعمر في خمسة عشر حديثاً ومالك في أحد عشر حديثاً.
ووهم معمر على الزهري في خمسة عشر حديثاً كان القول قول يونس في أربعة عشر حديثاً وسفيان في خمسة أحاديث ومالك في ستة أحاديث.
ووهم يونس في ثلاثة أحاديث كان القول فيها قول مالك ومعمر وسفيان في حديث واحد منها.
علة وهم سفيان في حديث الزهري:
١ - سفيان سمع من الزهري وهو غلام وكان سنّه آنذاك نحواً من ستة عشر عاماً وقد تقدم قول ابن معين في ردِّه على مَنْ قدم سفيان على معمر: (إنما كان غليماً أيام الزهري).
قال البيهقي في تفضيل حديث يونس على سفيان في الزهري خاصة: وأما ابن عيينة فإنه قال: ولدت سنة سبع ومائة وجالست الزهري وأنا ابن ستة عشر وشهرين ونصف، قدم علينا الزهري سنة ثلاث وعشرين ومائة وخرج إلى الشام ومات.
روى ذلك عنه البخاري عن ابن المديني وكان الزهري يقول: ما رأيت عالماً بالعلم أصغر منه، وكان يجلس على فخذه يحدِّثه، فكم بين سماع هذا وسماع مَنْ صحب الزهري أربع عشرة سنة، فسمعه يبدي الحديث ويعيده وينسبه ويكرره.
٢ - سفيان حافظ فكان يعتمد على حفظه بخلاف يونس بن يزيد فإنه يحدِّث من كتابه، ولا يقبل منه أن يحدِّث من غير كتابه.
стр. 706
٣ - خمسة أحاديث وهم فيها سفيان على شيوخ من بلده مكة مع كثرة رواياته عنهم وخمسة وخمسون حديثاً من شيوخ الأمصار الأخرى ويرجع ذلك إلى أسباب، أهمها:
أ قصر صحبة الراوي لشيوخه من الأمصار الأخرى، فقد لا يسمع الحديث منه إلا مرة واحدة بخلاف شيوخ بلده فإنه قد يسمعه منه مراراً.
ب جهل الراوي بشيوخ الأمصار الأخرى، فيقع منه الوهم خاصة في أسماء مَنْ يحدِّث عنهم شيخه. والله تعالى أعلم.
стр. 707
رقم الحديث شيخ سفيان فيه مصره أو بلده الوهم الصحيح ١ عمرو بن دينار مكة جابر بن زيد عن ابن عباس جابر، عن ابن عباس، عن ميمونة ٢ يحيى بن سعيد الأنصاري المدينة إن شئت أعطيتها ما بقي (حديث بربرة) أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئاً) ٣ الزهري مدني سكن الشام سعيد بن المسيب حديث: «اشتكت النار إلى ربِّها» (أدخل حديثاً في حديث) أبو سلمة بن عبدالرحمن حديث: «اشتكت النار إلى ربِّها» ٤ عبدالرحمن بن القاسم المدينة ضحَّى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر (في حجة الوداع) أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر ٥ الزهري تقدم أنَّ النبيَّ ﷺ فرَّق بين المتلاعنين أنَّ زوجها فارقها بعد أن تلاعنا قبل أن يأمره النبيُّ ﷺ ٦ الزهري تقدم ١ ابن عباس عن ميمونة
٢ أنَّ النبيَّ ﷺ أمرهم بالانتفاع من الجلد بالدباغة أنه من مسند ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ أمرهم فقط بالانتفاع بالجلد ولم يذكر الدباغة
стр. 708
رقم الحديث شيخ سفيان فيه مصره أو بلده الوهم الصحيح ٧ الزهري تقدم أهديت له من لحم حمار وحش حمار وحش (حديث الصعب بن جثامة) أنه من قول النبيِّ ﷺ ٨ الزهري تقدم كان رسول الله ﷺ يقطع السارق . . . (فجعله من فعله) الحديث من قوله: تقطع اليد في ربع دينار ٩ عمرو بن دينار مكة أبو العباس، عن عبدالله بن عمرو بن العاص أبو العباس، عن عبدالله بن عمر بن الخطاب ١٠ عبدالملك بن عمير الكوفة الكمأة من المنّ الذي أنزل الله -على بني إسرائيل الكمأة من المنّ ١١ يحيى بن سعيد المدينة عيسى بن طلحة عن طلحة بن عبيدالله عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة ١٢ يحيى بن سعيد تقدم عمر بن عبدالعزيز عن أبي بكر المخزومي عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) ﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾ الصحيح بهذا الإسناد حديث الإفلاس (قاله محمد بن يحيى الذهلي) . والله أعلم. ١٣ يحيى بن سعيد تقدم سعيد بن المسيب عن علي (حديث: جمع النبيُّ ﷺ لسعد أبويه يوم أُحد) سعيد بن المسيب عن سعد ١٤ يحيى بن سعيد تقدم أنَّ النبيَّ ﷺ بدأ بأيمان اليهود في حديث القسامة أنَّ النبيَّ ﷺ بدأ بأيمان الأنصار
стр. 709
رقم الحديث شيخ سفيان فيه مصره أو بلده الوهم الصحيح ١٥ سالم أبو النضر المدينة أنَّ أبا جهيم أرسل بسر بن سعيد إلى زيد بن خالد (يسأله عن حديث المرور بين يدَي المصلِّي) فجعل الحديث من مسند زيد بن خالد والصحيح أنه من مسند أبي جهيم أنَّ زيد بن خالد أرسل بسر بن سعيد إلى أبي جهيم ١٦ سالم أبو النضر تقدم زرعة بن مسلم بن جرهد عن جدِّه جرهد زرعة بن عبدالرحمن بن جرهد عن أبيه أنَّ جرهداً ١٧ عاصم الأحول البصرة فليفطر على تمر فإنه بركة فليفطر على تمر ١٨ عاصم الأحول تقدم عاصم، عن عبدالرحمن بن عوسجة، عن عبدالرحمن بن الرباح، عن عائشة عاصم، عن عبدالله بن الحارث، عن عائشة ١٩ عبدالله ومحمد ابنَى أبي بكر المدينة رخص للرعاة أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً رخص للرعاء في البيتوتة خارج منى يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ٢٠ عمرو بن يحيى المازني المدينة ١ - عبدالله بن زيد الذي أُريَ الآذان
٢ - مسح برأسه مرتين عبدالله بن زيد بن عاصم المازني (وليس الذي أُريَ النداء) مسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر بهما ٢١ عطاء بن السائب الكوفة . عطاء، عن عرفجة، عن عتبة بن فرقد عطاء، عن عرفجة، عن رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ حدَّث في مجلس عتبة
стр. 710
رقم الحديث شيخ سفيان فيه مصره أو بلده الوهم الصحيح ٢٢ الأعمش الكوفة الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء، فلم يشكنا الأعمش، عن عمارة، عن أبي معمر، عن خباب: كيف كنتم تعرفون قراءة رسول الله ﷺ ٢٣ ابن جريج مكة ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عبدالله بن السائب ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي سلمة بن سفيان وغيره، عن عبدالله بن السائب ٢٤ إبراهيم بن المنتشر الكوفة إبراهيم، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير إبراهيم، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير ٢٥ عبدالكريم بن مالك الجزري حران زياد بن أبي مريم زياد بن الجراح ٢٦ عمارة بن القعقاع الكوفة عمارة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة عمارة، عن أبي زرعة، عن رجل، عن ابن مسعود ٢٧ منصور السلمي الكوفة منصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن عبادة منصور، عن طلحة بن مصرف، عن هزيل بن شرحبيل أنَّ سعداً ٢٨ عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة المدينة عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي صعصعة ٢٩ عبدالملك بن عمير الكوفة عبدالملك بن عمير عن عمارة بن رويبة، عن النبيِّ ﷺ عبدالملك بن عمير، عن ابن عمارة بن رويبة، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ
стр. 711
رقم الحديث شيخ سفيان فيه مصره أو بلده الوهم الصحيح ٣٠ عبدالملك بن عمير تقدم عبدالملك عن ربعي، عن حذيفة بن اليمان عبدالملك عن ربعي، عن طفيل بن سخبرة ٣١ إبراهيم بن عقبة المدينة إبراهيم بن عقبة عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد إبراهيم عن كريب، عن أسامة بن زيد ٣٢ طلحة بن يحيى المدينة أصوم يوماً مكانه زيادة شاذة ٣٣ هشام بن عروة المدينة أبو وجزة أبو خزيمة عمرو بن خزيمة ٣٤ هشام بن عروة تقدم ١ - زينب بنت أبي سلمة عن أمِّ حبيبة
٢ - قول: انكح أختي درة بنت أبي سفيان درة بنت أبي سلمة عن أمِّ حبيبة انكح أختي بنت أبي سفيان، قيل اسمها: عزة، وقيل: حمنة، ولهذا الاختلاف حذف البخاري اسمها عمداً ٣٥ يزيد بن عبدالله بن الهاد المدينة يزيد بن الهاد عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت يزيد بن الهاد عن عبيدالله بن الحصين، عن هرمي بن عبدالله، عن خزيمة بن ثابت ٣٦ إسحاق بن عبدالله المدينة إسحاق عن امرأة عبدالله بن أبي طلحة، عن أبي قتادة إسحاق عن حميدة ابنة عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك، عن أبي قتادة ٣٧ محمد بن عجلان المدينة صاعاً من دقيق لم يتابع في ذكر الدقيق في زكاة الفطر ٣٨ محمد بن عجلان تقدم ابن عجلان عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ابن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة
стр. 712
رقم الحديث شيخ سفيان فيه مصره أو بلده الوهم الصحيح ٣٩ عبيدالله بن أبي يزيد مكة عبيدالله بن أبي يزيد عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أمِّ كرز حديث أقروا الطير في مكناتها عبيدالله عن سباع، عن أمِّ كرز ٤٠ عبيدالله بن أبي يزيد تقدم عبيدالله عن أبيه، عن سباع، عن أمِّ كرز حديث ذهبت النبوَّة وبقيت المبشرات عبيدالله عن سباع، عن أمِّ كرز ٤١ الأعمش ومنصور تقدم قبل أن يفرض التشهد زيادة شاذة ٤٢ عاصم بن كليب الكوفة عن أبي بكر، عن علي عن أبي بردة، عن علي ٤٣ مسعر بن كدام الكوفة المختار بن فلفل عن أنس بكير بن الأخنس عن أنس ٤٤ عمرو بن دينار مكة دبر غلاماً له فمات ولم يترك مالاً دبر غلاماً له ولم يترك مالاً ٤٥ سعيد بن أبي عروبة البصرة سعيد عن قتادة، عن حسان عبدالكريم عن حسان، عن عمار ٤٦ معمر البصرة/ اليمن معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة معمر عن الزهري مرسلاً ٤٧ معمر تقدم معمر عن ثابت، عن أنس معمر عن قتادة، عن أنس ٤٨ الزهري مدني سكن الشام عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل حديث: (أنَّ النبيَّ كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته) عن أبي هريرة وزيد بن خالد ٤٩ الزهري تقدم عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل (الأمة تزني قبل أن تحصن) عن أبي هريرة وزيد بن خالد
стр. 713
رقم الحديث شيخ سفيان فيه مصره أو بلده الوهم الصحيح ٥٠ الزهري تقدم عروة، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القارّي حميد بن عبدالرحمن عن عبدالرحمن بن عبدٍ القارّي ٥١ الزهري تقدم ابن أبي خزامة عن أبيه أبي خزامة عن أبيه ٥٢ الزهري تقدم محمود بن الربيع أنَّ عتبان بن مالك استأذن النبيَّ ﷺ عن التخلف عن الصلاة لأنه أعمى فلم يرخص محمود بن الربيع أنَّ عتبان طلب من النبيِّ ﷺ أن يصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى فأجابه ٥٣ الزهري تقدم وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة لم يتابع على هذه الزيادة ٥٤ الزهري تقدم عمرة عن عائشة عروة عن عائشة ٥٥ الزهري تقدم إنَّ أرواح الشهداء إنَّ نسمة المؤمن ٥٦ الزهري تقدم ورسول الله ﷺ يصلِّي بالناس بعرفة ورسول الله ﷺ يصلِّي بالناس بمنى ٥٧ الزهري تقدم الزهري عن سالم، عن ابن عمر، أنه رأى النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة الزهري أنَّ رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون بين يدَي الجنازة. وقال الزهري: عن سالم أنَّ ابن عمر كان يمشي بين يدَي الجنازة. ٥٨ الزهري تقدم الزهري عن عيسى بن طلحة، عن عبدالله بن عمرو الزهري عن عبدالله بن عمرو ٥٩ الزهري أو أخيه تقدم الزهري عن عروة، عن أسماء أخو الزهري عن مولاة لأسماء، عن أسماء
стр. 714
رقم الحديث شيخ سفيان فيه مصره أو بلده الوهم الصحيح ٦٠ الزهري تقدم أنَّ النبيَّ ﷺ أمر أم حبيبة أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها أمرها أن تغتسل لكلِّ صلاة (أدخل حديثاً في حديث) ٦١ الزهري تقدم عن سعد بن أبي وقاص قال: مرضت عام الفتح عام حجة الوداع ٦٢ الزهري تقدم يجزئ عنك الثلث أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ٦٣ الزهري تقدم وما فاتكم فاقضوا وما فاتكم فأتموا ٦٤ محمد بن عجلان المدينة سعيد عن صيفي مولى أبي السائب صيفي أبي سعيد عن أبي السائب ٦٥ أيوب تقدم عن ابن أبي أوفى عن زيد بن أرقم ٦٦ جعفر بن محمد المدينة أن النبي ﷺ نحر ستاً وستين بدنة وعلي نحر أربعاً وثلاثين أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين بدنة ونحر عليّ سبعاً وثلاثين
стр. 715
المقدمة
[ترجمة الإمام مالك ﵀] (١)
ذكر اسمه ونسبه ومناقبه ﵀
هو الإمام الحافظ فقيه الأمة شيخ الإسلام، أبو عبد الله الأصبُحي المدني إمام دار الهجرة، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان.
جدّه أبو عامر، صحابي جليل، شهد المغازي كلها مع رسول الله ﷺ خلا بدر. وابنه مالك جد الإمام مالك من كبار التابعين وعلمائهم، وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان ليلاً إلى قبره.
قال أبو مصعب الزبيري: مالك بن أنس من العرب صليبة، وحِلفه في قريش في بني تيم بن مرة. وكذا قال الواقدي: إنهم من حمير، وإنهم حلفاء لبني تيم إلى عثمان بن عُبَيْد الله أخي طلحة بن
стр. 716
عبيد الله (١).
قال الإمام ابن عبد البر: ولا أعلم أن أحداً أنكر أن مالكاً ومَن ولده كانوا حلفاء لبني تيم بن مُرّة، ولا خالف فيه إلا محمد بن إسحاق، فإنه زعم أن مالكاً وأباه وجدّه وأعمامه موالي لبني تيم بن مُرّة.
قال: وهذا السبب لتكذيب مالك لمحمد بن إسحاق وطعنه عليه (٢).
قال أبو مصعب الزبيري: قدم مالك بن أبي عامر المدينة متظلماً من بعض وُلاة اليمن، فمال إلى بعض بني تيم بن مرة، فعاقده وصار معهم (٣).
* حملت به أمه سنتين، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: سنة.
* واختُلف في عام ولادته:
قيل: سنة (٩٣ هـ)، ونُسِبَ هذا القول إليه.
قال الذهبي: وهذا أصح الأقوال (٤).
وقيل: (٩١ هـ)، وقيل: (٩٠ هـ)، وقيل: (٩٤ هـ) (٥)، وفيها ولد الليث بن سعد.
وقيل: (٩٧ هـ).
стр. 717
* وكان ﵀ أشقر شديد البياض، رَبْعَة من الرجال، كبير الرأس أصلع.
* وكان لا يَخْضِب شَيبه، ويَكْرَه حلق الشارب ويَعِيبُه ويراه من المُثْلة، وكان يترك سَبْلَتين طويلتين، ويحتج بفتل عمر ﵁ لشاربه إذا أهمّه أمر.
[رواية شيوخه وأقرانه عنه]
قال ابن عبد البر: روى عن مالك ﵀ جماعة من شيوخه الذين روى عنهم، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو الأسود القرشي المعروف ب: يتيم عروة، وزياد بن سعد.
وروى عنه من الأئمة دون هؤلاء: أبو حنيفة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وشعبة بن الحجاج، والأوزاعي، والليث بن سعد، وكلهم مات قبله إلا ابن عيينة.
وقيل: إنه روى عنه ابن شهاب، ولا يصح؛ وإنما روى عن عمِّه أبي سهيل نافع بن مالك حديثاً واحداً، فقال: حدثني نافع بن مالك مولى التيميين.
وقد رُوي عن مالك أنه قال: ليته لم يَرْوِ عنا شيئاً (١).
стр. 718
قال ابن عبد البر: وما زال العلماء يروي بعضهم عن بعض، ولكن رواية هؤلاء الجلّة عن مالك وهو حيّ، دليل على جلالة قدره ورفيع مكانه في علمه ودينه وحفظه وإتقانه. وأما الذين رووا عنه الموطأ والذين رووا عنه الحديث ومسائل الرأي، فأكثر من أن يُحصوا، قد بلغ فيهم الدارقطني في كتابٍ (١) جمعه في ذلك نحو ألف رجل (٢).
[إجلال مالك للعلم]
ذكر أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالكاً يقول: أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئاً من العلم، وإنهم لممّن يؤخذ عنهم العلم (٣).
وبسنده إلى إسماعيل بن أبي أويس (٤) قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذوا دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين وأشار إلى مسجد رسول الله ﷺ فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أميناً، إلا أنهم لم يكونوا من
стр. 719
أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه.
وبسنده إلى معن بن عيسى ومحمد بن صدقة قالا: كان مالك بن أنس يقول: لا يؤخذ العلم من أربعة ويؤخذ ممن سواهم: لا يؤخذ من سفيه، ولا صاحب هوى يدعو إلى بدعته، ولا كذّاب يكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يُتّهم في حديث رسول الله ﷺ ، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحمل وما يُحدث به.
و من كلامه ﵀
ما حدَّث به مطرف قال:
سمعت مالكاً يقول: قَلَّ ما كان رجل صادق لا يكذب في حديثه، إلا مُتِّع بعقله ولم تصبه مع الهرم آفةٌ ولا خَرَف.
ومن كلامه: الدنو من الباطل هَلَكة، والقول الباطل بُعْد عن الحق، ولا خير في شيء وإن كثر من الدنيا يُفْسِد دين المرء ومروءته.
وأما ثناء الأئمة عليه
[حديث عالم المدينة]:
روى الترمذي بسنده إلى سفيان بن عيينة في قوله ﷺ : «يوشك
стр. 720
أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة» (١).
وقد روي عن ابن عيينة أنه قال: أظنه مالك بن أنس.
وقال مَرّة: إنه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الزاهد العمري العابد، مات سنة (١٨٤ هـ) لم يُخَرّج له في الستة، وإنما خرّج له أبو داود في المراسيل.
قال: وذكر الزبير بن بكّار أنه كان إذا حدّث بهذا الحديث في حياة مالك يقول: أراه مالكاً. فأقام على ذلك زماناً، ثم رجع بعد ذلك فقال: أُراه عبد الله بن عبد العزيز العمري.
قال ابن عبد البر: ليس العمري هذا ممّن يلحق في العلم والفقه بمالك بن أنس، وإن كان عابداً شريفاً.
[ثناء بقيّة العلماء عليه]
ذكر ابن عبد البر بسنده إلى سفيان بن عيينة قال: رحم الله مالكاً ما كان أشد انتقاءً للرجال.
وقال أيضاً: وما نحن عند مالك إنما كنا نتتبع آثار مالك، وننظر الشيخ إن كتب عنه مالك كتبنا عنه (٢).
стр. 721
وقال أيضاً: وما أرى المدينة إلا سَتَخْرب من موت ابن أنس (١).
وقال أيضاً: وقد ذكر حديثاً فقيل له: إن مالكاً يخالفك في هذا الحديث. قال: أتقرنني بمالك؟ ما أنا ومالك إلا كما قال جرير:
وابن اللّبون إذا ما لزَّ في قرن … لم يستطع صولة البُزْل القناعيس (٢)
وبسنده إلى الشافعي ﵀ قال: مالك وابن عيينة القرينان، ولولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز.
وقال أيضاً: العلم يدور على ثلاثة:
مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد (٣).
وجاء حمَّاد بن زيد نعي مالك، فسالت دموعه حتى جعل يمسحها بخِرقة كانت معه، وقال: رحم الله أبا عبد الله، لقد كان من الدين بمكان. ثم قال: سمعت أيوب يقول: لقد كانت له حَلْقة في حياة نافع (٤).
وعن الشافعي ﵀: إذا جاءك الحديث عن مالك فشُدّ به يديك (٥).
стр. 722
وقال أيضاً: إذا جاءك الأثر، وفي رواية: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنَّ عليَّ في علم الله من مالك بن أنس.
وعنه أنه قال: مالك معلّمي وعنه أخذت العلم.
وعن الشافعي قال: قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسراً، وسمعت من لفظه أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدّثهم عن مالك امتلأ منزله وكثُر الناس عليه حتى يضيق بهم المنزل، وإذا حدثهم عن غير مالك من شيوخ الكوفيين لم يجئه إلا اليسير. وكان يقول: ما أعلم أحداً أسوأ ثناءً على أصحابكم منكم، إذا حدثتكم عن مالك ملأتم عليَّ الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابكم يعني الكوفيين إنما تأتون مكرهين (١).
وقال ابن مهدي: لا أقدِّم على مالك في صحّة الحديث أحداً (٢).
وقال يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين: مالك أمير المؤمنين في الحديث (٣).
وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا (٤).
وقال أبو مصعب: سمعت مالكاً يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك (٥).
стр. 723
وروي أيضاً: حتى قال لي ثلاثون مُعَمَّماً: أفتِ. فأفتيتُ وأنا ابن أربع عشرة سنة وكان في ذلك الزمان لا يتعمم تحت حلقة إلا فقيه.
قال أبو عمر ابن عبد البر: كان مالك يفتي في زمان كان يفتي فيه يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، ومثلهم.
وقال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمّاد بن زيد بالبصرة (١).
وقيل للإمام أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، رجل يريد أن يحفظ حديث رجل واحد بعينه، حديث مَنْ ترى له؟ قال: يحفظ حديث مالك (٢).
وقال أبو حاتم الرازي: الحجة على المسلمين الذين ليس فيهم لَبْس: سفيان الثوري، وشعبة، ومالك، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد (٣).
وقال أبو داود صاحب «السنن»:
رحم الله مالكاً كان إماماً، رحم الله الشافعي كان إماماً، رحم الله أبا حنيفة كان إماماً.
وعن مصعب الزبيري: قال: كان مالك بن أنس يجلس إلى
стр. 724
ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعنه أخذ مالك العلم، ثم اعتزله. فجلس إليه أكثر مَنْ كان يجلس إلى ربيعة، فكانت حَلْقة مالك في زمن ربيعة مثل حلقة ربيعة أو أكثر (١).
وعن مطرف قال: حدثنا مالك قال: لَمّا أجمعت تحويلاً عن مجلس ربيعة، جلست أنا وسليمان بن بلال في ناحية المسجد، فلما قام ربيعة بن أبي عبد الرحمن من مجلسه عدل إلينا فقال: يا مالك تلعب بنفسك، زفنت وصفَّق لك سليمان بن بلال، أبلغتَ إلى أن تتخذ مجلساً لنفسك؟ ارجع إلى مجلسك (٢).
[ورع مالك في الفتوى]
وقال عبد الرحمن بن واقد: رأيت باب مالك بالمدينة كأنه باب الأمير (٣).
وعن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنين وثلاثين منها: لا أدري (٤).
وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة فسألته عنها، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل (٥).
стр. 725
وقال مالك: كان ابن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم قول: لا أدري، أُصيبت مقاتله.
وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس (١).
وروى ابن وهب عن مالك قال: سمعت عبد الله بن يزيد بن هرِم يقول: ينبغي للعالم أن يوَرِّث جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري (٢).
وصحّ عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: «لا أدري نصف العلم» (٣).
[وقار مالك وهيبته]
* كان ﵁ ذا وقار ومهابة. قال الزبير بن بكّار عن مشايخه قالوا: كان جلساء مالك بن أنس كأنّ على رؤوسهم الطير تزمتاً. أي: سكوتاً ووقاراً.
стр. 726
وعن أبي مصعب أنه قال: سمعت مالكاً يقول: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين وهو على فراشه، وإذا بصبي يخرج ثم يرجع. فقال لي: أتدري مَنْ هذا؟ فقلت: لا، قال: هذا ابني وإنما يفزع من هيبتك.
* وكان إذا سئل عن المسألة فقال فيها: لم يَجْتَرِاء أحد أن يسأله من أين رأى ذلك؟
وقال الشافعي ﵀: كان مالك شديد الهيبة كثير الصمت، لا يكاد يتكلم إلا أن يُسأل، وربما سُئِل فصمت كثيراً حتى يتوهم السائل أنه لا يحسن، ثم يجيبه بعد مدة، فإذا أجاب فرح السائل بجوابه واستغنمه، وربما احتاج أن يستفهمه فمن هيبته يسكت (١).
وعن أبي إبراهيم المِزِّي قال: حججت سنة فأتيت المدينة، فحدثني إسماعيل بن جعفر الخيّاط قال: نزلت بي مسألة فأتيت مالك بن أنس فسألته عنها، فقال لي مالك: انصرف حتى أنظر في مسألتك.
قال: فانصرفت وأنا مُتهاون بعلم مالك، وقلت: هذا الذي تُضرب إليه المطيّ لم يُحْسِن مسألتي. قال: فنمت فأتاني آت في منامي فقال: أنت المتهاون بعلم مالك بن أنس؟ أما إنه لو نزل بمالك أدقّ من الشعر، وأصلب من الصخر، لقوِيَ عليه باستعانته عليه بما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله (٢).
* وكان يكثر من قول: ما شاء الله.
قال رجل: ما أكثر ما يقول مالك: ما شاء الله. قال: فأُتي في
стр. 727
منامه فقيل له: أنت القائل: ما أكثر ما يقول (مالك) (١): ما شاء الله. لو شاء مالك أن يثقب الخردَل بقوله: ما شاء الله، لفعل.
وعن ابن حبيب العبدي قال: كنا نأتي مالك بن أنس نجلس في دهليز (٢) له، فتجيء بنو هاشم، وتجيء قريش فتجلس على منازلها، ثم نجيء نحن فنجلس. وتخرج جارية له بالمراوِح فيأخذ الناس يتروّحون، فيقوم الشيخ بِمِصْراع الباب فيفتحه، فيخرج فنَنْظر إلى قريش فكأن على رؤوسها الطير إذا نظروا إليه إجلالاً.
وفي ذلك يقول الشاعر:
يأبى الجواب فما يُراجَع هيبة والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعزُّ سلطان التُّقى فهو الأمير وليس ذا سلطان (٣)
[كاتبه]
* وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له: حبيب (٤)، يقرأ للجماعة، وليس أحد ممّن حضر يدنو منه، ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهمه هيبة له وإجلالاً.
стр. 728
* وكان حبيب إذا قرأ فأخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلاً.
وقال ابن وهب: حججت سنة ثمان وأربعين وصائح يصيح لا يفتي بالناس إلا مالك، وعبد العزيز بن الماجشون (١).
[تعظيم مالك للحديث النبوي]
* وكان ﵀ شديد التعظيم لحديث رسول الله ﷺ .
قال يحيى بن بُكَير: كان مالك إذا عُرِض عليه الموطأ تهيّأ ولبس ثيابه وعمامته، ثم أطرق لا يَتَنَخَّم ولا يعبث بشيء من لحيته، حتى يفرغ من القراءة إعظاماً لحديث رسول الله ﷺ (٢).
وعن إسماعيل بن أبي أويس قال: كان مالك إذا أراد أن يحدِّث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرَّح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدَّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحبّ أن أُعظّم حديث رسول الله ﷺ .
وكان يكره أن يحدِّث في الطريق أو هو قائم أو يستعجل، ويقول: أحب أن أتفهّم ما أُحدِّث به عن رسول الله ﷺ (٣).
وعن معن بن عيسى قال: كان مالك إذا أراد أن يحدِّث بحديث
стр. 729
رسول الله ﷺ اغتسل وتبخّر وتطيّب، فإذا رفع أحدٌ صوته عنده قال له: اغضض من صوتك، فإن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ … (٢)﴾ [الحجرات: ٢]، فمَن رفع صوته عند حديث رسول الله ﷺ فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي ﷺ (١).
وعن عبد الله بن المبارك قال: كنت عند مالك بن أنس وهو يحدثنا، فجاء عقرب فلدغته ست عشرة مرة، ومالك مُتَغير لونه ومُتَصبِّر، ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ . فلمّا فرغ وتفرّق الناس عنه قلت له: يا أبا عبد الله لقد رأيت منك عجباً؟! قال: نعم، أنا صبرت إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ (٢).
* وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكِبَرِ سِنِّه ويقول: لا أركب في مدينة فيها جُثّة رسول الله ﷺ مدفونة.
[أخباره مع الرشيد والمهدي]
وعن عتيق بن يعقوب الزبيري قال: قدم هارون الرشيد المدينة وكان قد بلغه أن مالك بن أنس عنده الموطأ يقرؤه على الناس، فوجَّه إليه البرمكي فقال: أَقْرِئه السَّلام، وقل له يحمل إليَّ الكتاب فيقرؤه عليَّ.
فأتاه البرمكي، فقال: أقرئه السلام وقل له: العلم يُزَار ولا يزور، وإن العلم يُؤتى ولا يأتي. فأتاه البرمكي فأخبره، وكان عنده أبو
стр. 730
يوسف القاضي فقال: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهل العراق أنك وجَّهت إلى مالك بن أنس في أمر فخالفك، اعزم عليه.
فبينا هو كذلك إذ دخل مالك بن أنس فسلّم وجلس، فقال: يا ابن أبي عامر، أبعث إليك فتُخالفني؟
فقال مالك: يا أمير المؤمنين أخبرني الزّهري وذكر سنده عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه ﵀ قال: «كنت أكتب الوحي بين يدَيْ رسول الله ﷺ : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]، قال: وابن أم مكتوم عند النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير، وقد أنزل الله في فضل الجهاد ما قد علمت. فقال النبي ﷺ : «لا أدري» وقلمي رطب ما جفَّ، حتى وقع فخذ النبي ﷺ على فخذي، ثم أغمي على النبي ﷺ ، ثم جلس فقال ﷺ : «يا زيد اكتب: ﴿ .. غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ … (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]».
فيا أمير المؤمنين: حرف واحد بُعث فيه جبرائيل والملائكة من مسيرة خمسين ألف عام، ألا ينبغي لي أن أُعِزّه وأُجِلّه؟ وأن الله تعالى رفعك وجعلك في هذا الموضع بعلمك، فلا تكن أنت أول مَنْ يضع عن العلم فيضع الله عزك.
قال: فقام الرشيد فمشى مع مالك إلى منزله يسمع منه الموطأ، وأجلسه معه على المنصّة، فلما أراد أن يقرأه على مالك قال: تقرؤه عليّ؟ قال مالك: ما قرأته على أحد منذ زمان.
قال: فَتُخرج الناس عني حتى أقرؤه أنا عليك، فقال مالك: إن العلم إذا مُنع من العامّة لأجل الخاصة لم ينفع الله به الخاصة. فأمر له معن بن عيسى القزَّاز ليقرأه عليه.
стр. 731
فلما بدأ ليقرأه قال مالك بن أنس لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أدركتُ أهل العلم ببلدنا وإنهم ليحبون التواضع للعلم. ونزل هارون عن المنصة فجلس بين يديه (١).
قال ابن ناصر الدين: وقد رويت هذه القصة أطول من هذا عن عبد الله بن وهب، وهذه أمثل.
وأخرج الخطيب عن أبي بكر ابن أبي زيد الزبيري قال: قال الرشيد لمالك: لم نرَ في كتابك ذكراً لعلي وابن عباس، فقال: لم يكونا ببلدي، ولم ألقَ رجالهما.
وذكر الدّولابي عن حسين بن عروة قال: قدم المهدي المدينة فبعث إلى مالك بألفيّ دينار أو بثلاثة آلاف. ثم أتاه الربيع بعد ذلك فقال له: أمير المؤمنين يحب أن تعادله إلى مدينة السلام. فقال مالك: قال رسول الله ﷺ : «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (٢)، والمال عندي على حاله (٣).
[محنة الإمام مالك]
وأمّا سبب محنته ﵀ ومَن ضربه فيها فاختلف فيهما:
فروى ابن عبد البر بسنده عن مروان الطاطري أن أبا جعفر
стр. 732
المنصور نهى مالكاً عن الحديث: «ليس على مستكره طلاق» (١).
ثم دسّ إليه مَنْ يسأله عنه، فحدّث به على رؤوس الناس فضربه بالسِّيَاط (٢).
قال إبراهيم بن حماد: كان يُنظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه يحمل يده اليمنى أو يده اليسرى بالأخرى.
وروي عن محمد بن عمران قال: لما دُعي مالك بن أنس وشُووِر وسمع منه وقُبِل منه، حسده الناس وبَغَوْه بكل شيء، فلمّا وَلِيَ جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله المدينة، سعوا به إليه وكَثّروا عليه عنده، وقالوا: إنه لا يرى أَيْمان بَيْعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز.
فغضب جعفر بن سليمان، فدعا بمالك فاحتج بما رفع إليه عنه، ثم جرَّده ومدَّه فضربه بالسياط، وَمُدّت يده حتى انخلعت كتفه، وارْتُكِب منه أمرٌ عظيمٌ. فوالله ما زال مالك بعد ذلك الضرب في رِفْعَة من الناس وعلوّ من أمره وإعظام الناس له، وكأنما كانت تلك السياط التي ضرب بها حُلِيًّا حُلِّي به (٣).
وذكر ابن الجوزي في «شذور العقود» في سنة (١٤٤ هـ) قال: وفيها ضُرب الإمام مالك سبعين سوطاً، لأجل فتوى لم تُوَافق غرض السلاطين، والله أعلم.
وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات
стр. 733
والجمعة والجنائز، ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد، وكان يصلي وينصرف إلى مجلسه. وترك حضور الجنائز، وكان يأتي أصحابها فيعزِّيهم، ثم ترك ذلك كله؛ فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحداً يعزيه، ولا يقضي له حقاً، فاحتمل الناس له ذلك، فكانوا أرغب ما كانوا منه وأشد له تعظيماً حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بِعُذْره.
[احتضاره ووفاته]
قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر: ولم يختلف أصحاب التواريخ من أهل العلم بالخبر والسِّيَر، أنَّ مالكاً ﵀ توفي سنة (١٧٩ هـ) (١).
وبسنده إلى إسماعيل بن أبي أويس قال: اشتكى مالك بن أنس، فسألت بعض أهلنا عمّا قال عند الموت، قالوا: تشهَّد، ثم قال: للّه الأمر من قبل ومن بعد (٢).
وعن بكر بن سليم الصوّاف قال: دخلنا على مالك بن أنس في العَشِيّة التي قُبِض فيها فقلنا: يا أبا عبد الله، كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم، إلا أنكم ستعاينون غداً من عفو الله ما لم يكن لكم في حساب.
стр. 734
قال: ثم ما بَرِحنا حتى أغمضناه رحمه الله تعالى (١).
وحكى الحُمَيدي في كتاب «جذوة المقتبس» قال: حدّث القعنبي قال: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي توفي فيه، فسلّمت عليه ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟
قال: فقال لي: يا ابن قعنب، وما لي لا أبكي ومَن أحق بالبكاء مني! والله لوَدِدْت أني ضُرِبت بكل مسألة أفتيت برأيي فيها بسوط سوط، وقد كانت لي السّعة فيما سُبِقت إليه، وليتني لم أفتِ بالرأي أوكما قال (٢).
* وتوفي صبيحة (١٤) من شهر ربيع الأول سنة (١٧٩ هـ) في خلافة هارون، وصلّى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان أمير المدينة والياً عليها لهارون، صلّى عليه في موضع الجنائز، ومشى في جنازته وحمل نعشه ودُفن بالبقيع (٣).
* وكان يوم مات ابن (٨٥ سنة)، وهذا يوافق ما نقول بأن ولادته سنة (٩٤ هـ).
وقال الواقدي: مات وله (٩٠ سنة).
وروى ابن عبد البر أيضاً بسنده إلى مصعب بن عبد الله الزبيري أنه قال: أنا أحفظ الناس لموت مالك، مات في صفر سنة (١٧٩ هـ) (٤).
стр. 735
الحديث الأول (١):
١٥٠ - قال الإمام البخاري ﵀ (١٨٥): حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه.
أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟
стр. 736
فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل يده مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثاً ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه.
التعليق:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، وهو في الموطأ لمالك برواية، يحيى بن يحيى الليثي (٣٦) وروايه أبي مصعب الزهري (٤٣) ومحمد بن الحسن (٥) والقعنبي (٢٦) وابن القاسم (٤٠١ تلخيص القابسي) وسويد بن سعيد (٧٠/ ٣٩ ط. البحرين أو ٥٣/ ٢٣ ط. دار الغرب).
ورواه مسلم (٢٣٥) من طريق معن بن عيسى ولم يسق لفظه، والنسائي (١/ ٧١) وفي الكبرى (١٠٣) من طريق ابن القاسم وعتبة بن عبد الله، والشافعي في مسنده (ص ١٤) ومن طريقه ابن ماجه (٤٣٤) وأبو عوانة (٦٥٨)، والبيهقي (١/ ٥٩) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، والبغوي في شرح السنّة (١/ ٤٣٤) من طريق أبي مصعب، وابن خزيمة (١٧٣) من طريق عبد الله بن وهب، والطوسي في مختصر الأحكام (٢٩) من طريق يحيى بن بكير.
كلهم عن مالك به، وفيه: (فأفرغ على يديه فغسل يده مرتين).
ورواه ابن حبان (١٠٨٤) من طريق القعنبي فقال: (ثلاثاً).
ورواه أحمد (٤/ ٣٩) والطيالسي (١١٠٢) وابن الجارود (٧٣) وأبو عوانة (٦٥٩) وأبو نعيم في مستخرجه (٥٥٧) وأبو داود (١١٨)
стр. 737
والروياني (١٠٠٦) والشاشي (١٠٨٧) من طرق عن مالك به مطلقاً.
هكذا قال مالك: عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد في هذا الحديث فقال: (فغسل يده مرتين).
خالفه أصحاب عمرو بن يحيى فقالوا: (فغسل يده ثلاثاً)، منهم: وهيب بن خالد (١)، وسليمان بن بلال (٢)، وخالد بن عبد الله الطحّان (٣)، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي (٤)، وفليح بن سليمان (٥).
قال الحافظ: كذا في رواية مالك بإفراد يده، وفي رواية وهيب وسليمان بن بلال عند المصنف، وكذا للدراوردي عند أبي نعيم فغسل يديه بالتثنية فيحمل الإفراد في رواية مالك على الجنس.
وعند مالك (مرتين) وعند هؤلاء (ثلاثاً) وكذا لخالد بن عبد الله عند مسلم، وهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا فزيادتهم (٦) مقدّمة على الحافظ الواحد وقد ذكر مسلم من طريق بهز عن وهيب أنه سمع هذا
стр. 738
الخبر مرتين من عمرو بن يحيى إملاءً فتأكد ترجيح روايته، ولا يقال: يحمل على واقعتين، لأنا نقول: «المخرج متحد والأصل عدم التعدد» (١).
علة الوهم:
جاء في حديث عبد الله بن زيد غسل اليدين إلى المرفقين مرتين مرتين، كما في رواية مالك والجماعة.
فحمل مالك هذا العدد فجعله أيضاً في غسل الكفين أول الوضوء.
والله تعالى أعلم.
الخلاصة:
خالف الإمام مالك ﵀ في هذا الحديث فذكر غسل الكفين في ابتداء الوضوء مرتين، والصحيح في حديث عمرو بن يحيى المازني أنه غسلها ثلاث مرات، وذلك لما يلي:
١ أن الإمام مالك خالفه خمسة وكلهم ثقات من رجال الصحيح، واحتمال الخطأ في حديث الواحد أوْلى من الجماعة وإن كان أحفظهم.
٢ ذكر الإمام مسلم أن وهيباً قال: أملى عليّ عمرو بن يحيى هذا الحديث مرتين، وهذا من أعلى أنواع التحمل.
стр. 739
قال أبو سعد السمعاني وهو يعدد أقسام التحمل: أصح هذه الأنواع أن يملي عليك وتكتبه من لفظه لأنك إذا قرأت عليه ربما يغفل أو لا يستمع، وإن قرأ عليك فربما تشتغل بشيء عن سماعه، وإن قراء عليه وتحضر سماعه كذلك (١).
وقال السخاوي: الإملاء أعلى لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب إذ الشيخ مشتغل بالتحديث والطالب بالكتابة عنه فهما لذلك أبعد عن الغفلة وأقرب إلى التحقيق وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده (٢).
وفي هذا يقول عبد الرحمن بن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره لأنه كتبها إملاءً (٣).
٣ أكثر الأحاديث جاء فيها غسل الكفين ثلاثاً ابتداء الوضوء، منها: حديث عثمان بن عفان (٤)، وحديث علي بن أبي طالب (٥)، وحديث عائشة (٦)، والمقدام بن معد يكرب (٧)، والربيع بنت معوذ بن عفراء (٨)، وأوس بن أوس (٩) ﵃ أجمعين.
стр. 740
وجاء في حديث ميمونة ﵂: مرتين أو ثلاثاً بالشك (١).
وجاء في أحاديث أخرى: غسلهما مطلقاً بدون ذكر العدد.
والله تعالى أعلم.