وطال الأمرُ عليه، فجاؤوا بـ "أيْنَ" مشتملاً على جميع الأمكنة، وضمنوه معنى الاستفهام، فاقتضى الجوابَ من أولِ مرة.
ووجب أن تُبنَى على السكون، لوقوعها موقع همزة الاستفهام، إلَّا أنه التقى في آخره ساكنان، فحُركت النون لاجتماعهما، وفُتحت طلبا للخفة واستثقالًا للكسرة بعد الياء، فآثروا تخفيفَها لكثرة دَوْرها، وسعةِ استعمالها.
وفيهما معنى المجازاة لإبهامهما ووقوعِهما على كل اسم يقع بعد حرف الجزاء، ألا ترى أنك إذا قلت: "متى تَقُمْ أَقُمْ"، كان معناه: "إنْ تقم يومَ الجمعة، أقم فيه، إنْ تقم يومَ السبْت أقم فيه"؟ وكذلك إذا قلت: "أيْنَ بيتُك آتِه"، معناه: أين بيتُك، إنْ أعرفه آتِه، و"أين تكن أكن" معناه: إن تكن في المسجد، أكن فيه، إن تكن في السوق، أكن فيه. فلما كانت "مَتَى" و"أيْنَ" يشتمِلان على كل اسم من أسماء الزمان والمكان، ويقع الجوابُ عنهما معرفة ونكرة، ولم يكونا مضافَيْن إلى ما بعدهما كـ"إذْ" و"إذا"، جازت المجازاةُ بهما. قال الشاعر [من الوافر]:
أنا ابنُ جَلَا وطَلاع الثنايَا ... متى أَضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُوني (١)
وقال [من الخفيف]:
٦٤٦ - أَيْنَ تَصْرِفْ بها العُداةَ تَجِدْنا ... نصرِفُ العِيسَ نَحْوَها للتلاقِي
стр. 1017
وقد تدخل "ما" "أَيْنَ" و"مَتَى" للجزاء زائدة مُؤكدة، نحو: "متى ما تَقُمْ أَقُمْ"، و"أَيْنَمَا تَجْلِسْ أَجْلِسْ معك". قال الشاعر [من الطويل]:
٦٤٧ - متى ما يَرَ الناسُ الغَنِي وجارُه ... فَقِيرٌ يقولوا: عاجِز وجَلِيدُ
وقال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (١)، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢). فإذا دخلت عليهما "مَا"، زادتْهما إبهامًا, وازدادت المجازاةُ بهما حُسْنًا.
فإن قيل: ولِمَ جُوزِيَ بـ "مَتَى"، ولم يُجاز بـ"إذا"؟ وما الفصلُ بينهما؟ قيل: قد تقدم أنّ "إذا" للزمان المعين، وهو الآتي، و"مَتَى" لزمان مبهم، فلذلك جوزي بـ "متى"، ولم يجاز بـ "إذا". ألا ترى إلى قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٣) و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٤)، لو وُضع مكانَ "إذا" "إنْ"، فقيل: "إن الشمسُ كوّرت"، و"إن السماء انشقت"، لم يحسن، لأنك تجعل ما هو متيقنُ الوجودِ مشكوكًا فيه؟
وأمّا "أيانَ"، فظرف من ظروف الزمان مبهمٌ بمعنى "مَتَى". والفرقُ بينها وبين "مَتَى" أنّ "مَتَى" لكثرة استعمالها صارت أظهرَ من "أيانَ" في الزمان. ووجهٌ آخرُ من الفرق أن "مَتَى" يُستعمل في كلّ زمان، و"أيانَ" لا يُستعمل إلَّا فيما يراد تفخيمُ أمره وتعظيمُه، نحو قوله تعالى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (٥)، أي: متى مرساها؟ وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (٦).
стр. 1018
وبُني لتضمنه همزةَ الاستفهام، وحرك آخِره لالتقاء الساكنين , وفُتح على طريق الإتباع لما قبله، إذ الألفُ من جنس الفتحة، أو إتباعًا للفتحة قبله، إذ الألفُ حاجر غيرُ حصين، كما فعلوا فى "شَتانَ" كذلك.
وأما "لَما" فظرف زمان إذا وقع بعده الماضي، نحو قولك: "جئت لما جئتَ". ومعناه معنى "حينَ"، وهو الزمان المبهم. وهو مبني لإبهامه واحتياجِه إلى جملة بعده، كبناءِ "إذْ" و"إذَا". وهو مركب من "لِمَ" النافية و"ما"، فحصل فيها بالتركيب معنى لم يكن لها، وهو الظرفية. وخرجتْ بذلك إلى حيّز الأسماء، فاستحالت بالتركيب من الحرفية إلى الاسمية، كما استحالت "إذ" بدخول "مَا" عليها من الاسمية إلى الحرفية، وتغير معناها بالتركيب من المُضي إلى الاستقبال.
* * *
[أمس]
قال صاحب الكتاب: و"أَمسِ" وهي متضمنة معنى لام التعريف مبنية على الكسر عند الحجازيين، وبنو تميم يمنعونها الصرفَ، فيقولون: "ذَهَبَ أَمْسُ بما فيه"، و"ما رأيتُه مُذ أمسَ". قال [من الرجز]:
٦٤٨ - لَقَد رأيتُ عَجَبًا مُذ أَمسَا ... عَجائِزًا مِثْلَ السعالِي خَمْسَا
* * *
стр. 1019
قال الشارح: اعلم أن "أمْسِ" ظرف من ظروف الزمان أيضًا، وهو عبارة عن اليوم الذي قبلَ يومك الذي أنت فيه، ويقع لكلّ يوم من أيام الجُمْعة. وللعرب فيه خِلافٌ، فأهلُ الحجاز يبنونه على الكسر، فيقولون: "فعلتُ ذاك أَمْسِ"، و"مضى أمسِ بما فيه". واحتجّ أبو العباس وأبو بكر بن السَّراج بأنه مبهمٌ، ووقع في أول أحواله معرفة، فمعرفتُه قبل نكرته، فجرى مجرى "الآنَ". والصوابُ أنه إنما بُني لتضمنه لام المعرفة، وبها صار معرفة، والاسمُ إذا تضمن معنى الحرف، بُني. وكان حقُه تسكينَ الآخِر على ما يقتضيه البناء، وإنما التقى في آخِره ساكنان، وهما السين والميمُ قبلها، فكُسرت السين لالتقاء الساكنين.
فإن قيل: فلِمَ حُذفت اللام من "أمس"، وضُمن معناها، وأُلْزِمت "الآنَ"، وهما سواء في التعريف والظرفية؟ قيل: لأن "أمس" يقع على اليوم المتقدّم ليومك من أوله إلى آخِره، فأمرُه واضحٌ، فاستغنى بوُضوحه عن علامة التعريف، وليس كذلك "الآنَ"؛ لأنه الحَدّ الفاصل بين الزمانَيْن، وهو من أَلْطَفِ ما يُدرَك، فلم يستغن لذلك عن علامةِ تكون فيه.
فإن قيل: ولِمَ وجب تعريفُ "أمس"، ولم يجب تعريفُ "غَدٍ"، وهما سَواء، فـ "أمس" اسم لليوم الذي قبل اليوم الذي أنت فيه, و"غَد" اسم لليوم الذي يَلِي اليومَ الذي أنت فيه؟ فالجواب أن "أمس" قد حضر وشوهد، فحصلت معرفتُه بالمشاهدة، فأغنى ذلك عن علامة، وليس كذلك "غد"، فأقاموا المشاهدةَ في "أمس" مقامَ أداة التعريف. ولم يكن في "غد" مثلُ ذلك ما يقوم مقامَ علامة التعريف، فهو نكرة حتى تدخل عليه العلامةُ المُعرفةُ.
وأما بنو تميم، فيعربونه ويجعلونه معدولاً عن اللام، فاجتمع فيه التعريف والعدلُ، فيُمنعُ من الصرف لذلك، فيقولون: "مضى أمسُ بما فيه"، بالرفع من غيرِ تنوين، و"فعلتُه أمسَ" بالنصب، قال الراجز، أنشده سيبويه:
لَقَدْ رأيتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا ... عَجائِزًا مِثْلَ السعالِي خَمْسَا
يَأْكُلْنَ ما في رَحْلهن نَهْسَا ... لا تَرَكَ الله لَهُن ضِرْسَا
الشاهد فيه أنه خفض بـ"مُذْ"، واعتقد فيها الحرفيةَ، والفتحةُ علامةُ الخفض. والفرق بين المعدول عن الحرف والمتضمّن له، أنك إذا عدلتَ عن الحرف، جاز لك إظهارُه واستعمالُه، وإذا ضمنتَه إياه، لم يجز إظهارُه. ألا ترى أنه لا يجوز إظهارُ همزة الاستفهام مع "أيْنَ" و"كَيْفَ" ونظائرِهما؟ وقد حكى بعضهم أن من العرب من يعتقد فيه التنكيرَ، ويعربه، ويصرفه، ويُجْريه مُجْرى الأسماء المتمكنة، فيقول: "مضى أمس بما فيه" على التنكير، وهو غريب في الاستعمال دون القياس، فاعرفه.
[" قطّ "و"عوض "]
قال صاحب الكتاب: "قَط"، و"عَوضَ"، وهما لزماني المُضِي والاستقبالِ على
стр. 1020
سبيلِ الاستغراق، تقول: "ما رأيته قَط"، و"لا أَفْعَلُه عَوْضَ" ولا يُستعملان إلَّا في موضع النفي. قال [من الطويل]:
٦٤٩ - رَضِيعَي لِبان ثَدْيَ أُم تَقاسَمَا ... بأَسْحَمَ داج عَوْضَ لا نَتَفَرقُ
وقد حُكي "قُط" بضم القاف، و"قَطُ" خفيفةَ الطاء، و"عَوْضُ" مضمومة.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ قَط بمنى الزمان الماضي، يقال: "ما فعلتُه قَط"، ولا يقال: "لا أفعلُه قطّ". وهي مبنية على الضم؛ لأنها ظرفٌ. وأصلُ الظروف أن تكون مضافة، فلما قُطعت عن الإضافة، بُنيت على الضم كـ"قَبْلُ" و"بَعْدُ". قال الكسائي: كان "قَطُط" على زنةِ "فَعُل" كـ"عَضُد"، فلما سكن الحرفُ الأول للادّغام، حُرك الآخر بحركته. والذي أراه أنه "فَعْل" كـ"قَبْل" و"بَعْد"؛ لأنّ الحركة زيادة، ولا يُحكَم بها إلَّا بدليل، ولأن أكثرَ ظروف الزمان كذلك، نحو: "يَوْم"، و"شَهْر"، و"دَهْر". ومنهم منٍ يقول: "قُط"، بضم القاف والطاء، يُتْبع الضم الضم، مثلَ "مُدُّ" و"شُدُّ"، ومنهم من يُخفف، فيحذف إحدى الطاءين تخفيفًا، ويُبقِي الحركةَ بحالها دلالة وتنبيها على أصلها، كما قالوا: "رُبَ" حين خففوها، أبقوا الفتحةَ دلالة على المحذوف. ومنهم
стр. 1021
من يُتبع الضم الضم في المخفف أيضًا، فيقول: "قُطُ"، وهو قليل.
وأمّا "عَوْضَ"، فهو اسم من أسماء الدهر، وهو للمستقبل من الزمان، كما أن "قط" للماضي. وأكثرُ استعماله في القَسَم، تقول: "عَوْضَ لا أُفارِقُك"، أي: لا أُفارِقك أبدًا، كما تقول: "قط ما فارقتُك". و"عَوْضَ" مبنية لقَطْعها عن الإضافة، وفيها لغتان: الفتحُ والضمُّ، فمَن فتح,. فطلبًا للخفة، ومن ضم، فتشبيهَا بـ "قَبْلُ" و"بَعْدُ"، كما قالوا: "حَوْثَ"، و"حَوْثُ". قال الأعشى [من الطويل]:
رضيعَي لبان ... إلخ
الشاهد فيه قوله: "عوض لا نتفرق"، أي: لا نتفرّق أبدًا، يريد أنهما تَحالفا في بطن أُمّهما. ودل عليه قوله: "بأسحم داج". والأسحمُ: الأسودُ، ويقال: الدمُ تُغمَس فيه اليَد عند التحالُف، ويقال بالرحِم. فإن أضفته، أعربتَه، تقول: "لا أفعلُه عوضَ العائِضين"، أي: دَهْرَ الداهِرِينَ، فيكون معربًا. وانتصابُه على الظرف، لا على حده في "عَوْضَ لا نتفرق". و"عوض" من لفظ العِوَض ومعناه، وذلك أنّ الدهر لا يمضي منه جزءٌ إلَّا ويخلُفه جزء آخر، فصار الثاني كالعِوَض من الأول.
فصل ["كيف "]
قال صاحب الكتاب: و"كيف" جار مجرى الظروف, ومعناه السؤال عن الحال, تقول: "كيف زيد؟ " أي: على أي حال هو؟ وفي معناه "أني". قال الله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أني شئتم﴾ (١). وقال الكميت [من المنسرح]:
٦٥٠ - أنى ومن أين آبك الطرب ... [من حيث لا صبوة ولا ريب]
стр. 1022
إلا أنهم يجازون بـ "أنى" دون "كيف". قال لبيد [من الطويل]:
٦٥١ - فأصبحت أني تأتها تلتبس بها ... [كلا مركبيها تحت رجليك شاجرُ]
وحكى قطرب عن بعض العرب: "انظر إلى كيف يصنع".
* * *
قال الشارح: "كَيْفَ" سؤال عن حال, وتضمّنت همزة الاستفهام، فإذا قلت: "كيف زيدٌ؟ " فكأنك قلت: "أصحيح زيد أم سقيم؟ أآكل زيدٌ، أم شاربٌ؟ إلى غيرِ ذلك من أحواله. والأحوالُ أكثرُ من أن يحاط بها، فجاؤوا بـ "كَيْفَ" اسم مبهم يتضمن جميعَ الأحوال. فإذا قلت: "كيف زيدٌ؟ " أغنى عن ذلك كلِّه. وقوم يُجْرون "كَيْفَ" مُجرى الظروف، ويُقدرونها بحرف الجر، فإذا قلت: "كيف أنت؟ " فتقديرُه: على أي حال.
والصحيحُ أنها اسمٌ صريح غيرُ ظرف، وإن كان قد يُؤدِّىِ معناها معنى "على أيِّ حال". والذي يدلّ على ذلك أنك تُبْدِل منها الاسم، فتقول: "كيف أنت: أصحيح أم
стр. 1023
سقيمٌ؟ " ويقع الجوابُ بالاسم، فتقول في جواب من قال: "كيف أنت": "صحيح"، أو "سقيم"، ونحوهما من أحواله. ولو كانت ظرفا، لوقع البدلُ منها، والجوابُ عنها بالظرف. ألا ترى أن "أيْنَ" لمّا كانت ظرفًا، لم يُجَبْ عنها إلَّا بظرف، نحو: "أين أنت؟ " فيقال: "في المسجد" أو "في السوقُ". ولو قال في جواب من قال: "كيف أنت؟ ": "على حالِ كذا"، لم يمتنع، وكان الجوابُ معنويًّا، لا على اللفظ. ولو قال: "على أي حال زيد؟ " فقيل: "على حالِ شِدة، أو حالِ رَخاء"، لكان الجوابُ على اللفظ. ولو قال: "صالحٌ"، أو"سقيمٌ"، لم يمتنع نظرًا إلى المعنى.
ومما يُؤيد كونَ "كَيْفَ" اسمًا لا ظرفًا أنها لو كانت ظرفًا أو في تقدير الظرف، لم يمتنع دخولُ حروف الجر عليها، كما لم يمتنع دخولُها على "أَيْنَ" و"مَتَى". وهي مبنيّة لما ذكرناه من وقوعها موقعَ ألف الاستفهام، وتضمُنها معناه، وبُنيت على السكون، فالتقى في آخرها ساكنان، وهما الياء والفاءُ، فحركوا الفاء بالفتح استثقالًا للكسرة بعدَ الياء، والعربُ يُجيزون الخفّةَ فيما يكثر استعماله.
فإن قيل: ومن أيْنَ زعمتم أنّ "كَيْفَ" اسم؟ وهلّا قلتم إِنّها حرف لامتناعِ خَواص الأسماء والأفعالِ منها. قيل: إنما قلنا ذلك؛ لأنّها لا تخلو إمّا أن تكون اسمًا، أو فعلًا، أو حرفًا. فلا تكون حرفًا؛ لأنها تُفيد مع الاسم الواحد، ويكون كلامًا، نحو: "كيف أنت؟ " والحرفُ لا يفيد مع الاسم إلَّا في باب النداء. وليس هذ بنداء، ولا تكون فعلًا؛ لأنّها تفيد مع الفعل، نحو: "كيف أصبحتَ؟ " والفعلُ لا يفيد مع الفعل، ولا يكون منهما كلام، وأيضا فإنه على زنةِ "فَعْلَ"، بسكون العين، وليس في الأفعال ما هو على هذه الزنة.
فإن قيل: فإذا كان اسمًا على ما ذكرتم، فلِمَ امتنعتْ منه حروفُ الجر، ولم تدخل عليه كما دخلت على "أَيْنَ"، إذا قلت: "من أين؟ " و"إلى أين؟ " فالجواب أن "أَيْنَ" لما كانت سؤالًا عن الأمكنة، ونائبة عن اللفظ بها، وكانت الأمكنةُ المنوبُ عنها مما تدخلها حروفُ الجر، فتقول: "من السوق"، و"من الجامع"، و"إلى السوق"، و"إلى الجامع" جار أن تدخل على ما ناب عنها وقام مقامَها، وأمّا "كَيْفَ " فإنما هي سؤال عن الأحوال، والأحوالُ لا تدخل عليها حروفُ الجر. ألا تراك لا تقول: "أَمِن صحيح" ولا "أمِن سقيم"، فكذلك سائرُ الأحوال، فلم تدخل على "كيف"، كما لم تدخل على ما ناب عنه. وقد حكى قُطْرُبٌ: "انظُر إلى كيف يصنع"، وقالوا: "على كيف تَبِيعُ الأحمَرَيْن؟ " وذلك شاذ، شبهوها بـ "أَيْنَ".
وفي "كيف" لغتان، قالوا: "كَيْفَ"، و"كَيْ". قال الشاعر [من البسيط]:
٦٥٢ - أو راعِيانِ لبُعْران لنا شَرَدَتْ ... كَيْ لا يُحِسانِ من بُعْرانِنَا أَثَرَا
стр. 1024
قالوا: "كَيْ" هنا بمعنى "كيف" استفهام. وقال قومٌ: أراد: "كيف"، وإنما حذف الفاء تخفيفًا، كما قالوا: "سَو أفعلْ"، والمرادُ: سَوْفَ.
ولا يُجازَى بـ "كيف" كما جُوزي بـ "أَيْنَ" لضُعْفها ونَقْصها عن تصرُفِ أخواتها بكونها اسمًا , ولا يُخبَر عنها، فلا يقال: "كيف في الدار؟ "، كما يقال: "من في الدار؟ "، و"ما عندك؟ " على الابتداء والخبر. ولا يعود إليها ضمير، فلا يقال: "كيف ضربتَه؟ "، والهاء تعود إلى "كيف". ولا يكون جوابُها إلَّا نكرة، وجوابُ أخواتها يكون معرفة ونكرة، فإذا قلت: "كيف زيدٌ"، فيقال: "صالح"، أو"سقيم"، ولا يقال: "الصالحُ". فلما نقص تصرُّفُه عن تصرُّفِ أخواته، ولم تكن ثم ضرورة تدعو إلى المجازاة به, لأنّه يقوم مقامَه: "على أي حال تكن أكُنْ".
وأما "أنى"، فظرفُ مكان يُستفهم بها كـ"أَيْنَ"، قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (١)، أي: من أيْنَ لك هذا؟ ويجازون بها. يقولون: "انى تقم أقم". قال لبيد [من الطويل]:
فأصبَحْتَ أنى تَأْتِها تَشْتَجِر بها ... كِلَا مَرْكَبَيْها تَحْتَ رِجْلَيْكَ شاجرُ (٢)
وقال بعضهم: إِنّها تؤدي معنى "كيْفَ"، نحو قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣)، أي: كيف شئتم. والمجازاةُ بها دليلٌ على استعمالها استعمالَ "أَيْنَ". وهي مبنية لتضمُنها همزة الاستفهام، وسكن آخِرُها على قياس البناء، فأما قول الكُمَيْت [من المنسرح]:
أَنى ومِن أَيْنَ آبَكَ الطرَبُ ... من حيثُ لا صَبوَةٌ ولا رِيَبُ (٤)
الشاهد فيه استعمالُ "أَنى" بمعنى "كيف". ألا ترى أنه لا يحسن أن تكون بمعنى "أَيْنَ"؛ لأن بعدها "من أَيْنَ"، فتكون تكرارًا. ويجوز أن تكون بمعنى "من أين"، وكُررت على سبيل التوكيد، وحسُن التكرارُ لاختلاف اللفظَيْن، فاعرفه.
стр. 1025
المركبات
فصل [نوعا المركبات]
قال صاحب الكتاب: هي على ضربين: ضرب يقتضي تركيبه أن يبني الإسمان معاً، وضرب لا يقتضي تركيبه إلا بناء الأول منهما. فمن الضرب الأول نحو "العشرة" مع ما نيف عليها, وقولهم: "وقعوا في حيص بيص" (١)، و"لقيته كفة كفة" (٢)، و"صحرة بحرة" (٣)، و"هو جاري بيت بيت" (٤)، و"وقع بين بين"، و"آتيك صباح مساء, ويوم يوم"، و"تفرقوا شغر بغر, وشذر مذر, وخذع مذع" (٥)، و"تركوا البلاد حيث بيث, وحاث باث". ومنه "الخاز باز" والضرب الثاني نحو قولهم: "افعل هذا بادي بدي"، و"ذهبوا أيدي سبا" (٦)، ونحو: "معد يكرب"، و"بعلبك"، و"قالي قلا" (٧).
* * *
стр. 1026
قال الشارح: لما كانت المبنيّات منقسمة إلى مفرد ومركب، وتقدم الكلامُ على المفرد منها، إذ كان المفردُ أصلًا للمركب، وجب أن ينتقل إلى الكلام على الأسماء المركبة، والمركب من الأسماء ضربان ضرب يجب فيه البناء لكِلَا الاسمين، نحو: "أَحَدَ عَشَرَ"، و"خَمسَةَ عَشَرَ"، ونحوهما، و"حَيْصَ بَيْصَ" ونحوها مما ذكره في هذا الفصل. وضربٌ آخر يُبنى فيه الاسم الأوّل دون الثاني، وهو"قَالِي قلا" و"حَضْرَمَوْتُ" ونحوهما، وسيُذكر الفصل بينهما بعدُ، إن شاء الله تعالى.
فصل [الفرق بين ضربي المركبات]
قال صاحب الكتاب: والذي يفصل بين الضربين أن ما تضمن ثانية معنى حرف, بني شطراه لوجود علتي البناء فيهما معاً, أما الأول, فلأنه تنزل منزلة صدر الكلمة من عجزها، وأما الثاني, فلأنه تضمن معنى الحرف, وما خلا ثانيه من التضمن أعرب وبني صدره.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ التركيب على ضربَيْن: تركيب من جهة اللفظ فقط، وتركيب من جهة اللفظ والمعنى. فأما التركيبُ من جهة اللفظ فقط، فهو الضرب الأول من التركيبَيْن اللذَيْن ذكرهما، وهو في الأعداد، نحو: "أَحَدَ عَشَرَ" وبابِه، و"لقيتُه كَفةَ كَفةَ"، و"حَيْصَ بَيْصَ"، ونحوهما. فهذا يجب فيه بناء الاسمَيْن معًا. وذلك لأنّ الاسم الثاني قد تضمن معنى الحرف. ألا ترى أن الأصل في "أحد عشر": "أحدٌ، وعَشَرَةٌ"، فحُذفت الواو من اللفظ، والمعنى على إرادتها؟ ألا ترى أن المراد "أحد وعشرة"؟ فـ "عشرة" عدّة معلومة أضيفت إلى العدد الأول، فكمل من مجموعهما مقدارٌ معلومٌ، فهما اسمان، كل واحد منهما منفرد بشيء من المعنى، فلما كانت الواو مرادة؛ تَضمنها الاسمُ الثاني، وبُني لذلك، وبُني الاسم الأول؛ لأنه صار بالتركيب كبعضِ اسم بمنزلةِ صدر الكلمة من عَجُزها، فهما علتان. وكذلك باقي هذا الضرب من نحو: "كَفةَ كَفةَ"، و"خَازِ بَازِ"، وسيوضَح ذلك إن شاء الله تعالى.
وأمّا الضرب الثاني، وهو المركّب من جهة اللفظ والمعنى، نحو: "حَضْرَمَوْتَ"، و"قَاليقَلا"، و"مَعديكَربَ" ونحوها من الأعلام المركبة، فهذا أصله الواو أيضًا، حُذفت من اللفظ، ولم تُرَدْ من جهة المعنى، بل مُزج الاسمان، وصارا اسمًا واحدًا بإزاء حقيقة، ولم ينفرد الاسم الثاني بشيء من معناه، فكان كالمفرد غير المركب، فبُني الاسم الأوّل؛ لأنه كالصدر من عجز الكلمة، وجزءُ الكلمة لا يُعرَب؛ لأنّه كالصوت. وأُعرب الثاني؛ لأنه لا يتضمن معنى الحرف، إذ لم يكن المعنى على إرادته, لأنّ العَلَم إنما هو وَضْعُ لفظ بإزاء مسمى من غيرِ إفادة معنى من اللفظ، وقد ذكر صاحبُ الكتاب "بَادِي بَدَا"،
стр. 1027
و"أَيَادِي سَبَا" من هذا الضرب، وليس منه، وإنّما هو من الضرب الأوّل؛ لأنهما ليسا عَلَمَيْن، وسيوضح أمرُهما إن شاء الله تعالى.
فصل [حكم الأعداد المركبة]
قال صاحب الكتاب: والأصل في العدد المنيف على العشرة أن يعطف الثاني على الأول، فيقال: "ثلاثة وعشرة"، فمزج الأسمان وصيرا واحداً لوجود العلتين.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إن من الأسماء المركبة العَدَدَ من "أحَدَ عَشَرَ" إلى "تِسْعَة عَشَرَ"، من نحوِ "ثلاثةَ عشرَ"، و"خمسةَ عشرَ"، ونحوِ ذلك، جعلتَ النيفَ والعشرةَ اسمًا واحدًا، وبنيتَهما على الفتح. والذي أوجب بناءَهما أنّ التقدير فيهما: خمسةٌ وعشرةٌ، فحُذفت الواو، وركبوا أحدَ الاسمَيْن مع الآخر، وجعلوهما كالاسم الواحد الدال على مسمى واحد، ليجري مجرى سائر الأعداد المفردةِ، نحوِ: "خمسة"، و"ستة"؛ لأنّه أخصرُ. وربما احتاجوا إلى ذلك في بعضِ الاستعمال، وذلك أنّك لو قلت: "أعطيتُ بهذه السلْعة خمسةً وعشرة"، جاز أن يتوهم المخاطَبُ أنهما صَفْقَتان، أُعْطي بها مرّة خمسة، ومرةَ عشرةٌ. فإذا ركبت، زال هذا الاحتمالُ، وارتفع اللبْس، وتَحقق المخاطبُ أنك أعطيتَ بها هذا المقدارَ من العدد. ولا يلزم هذا فيما زاد على العشرين والثلاثين فما فوقَهما من العُقود كالستّين والسبعين؛ لأن مجرى هذه العقود مجرى جمع السلامة، وإعرابُها كإعرابه، والتركيبُ لا يتطرّق على المثنيات والمجموعات، إنما بابُ ذلك المفرداتُ. فلذلك لم تُركب هذه العقود مع النيف عليها كما رُكبت العشرة مع ما انضم إليها مما هو دونها من الأعداد، مع أنه قَل ما يتباين حكمُ مُثَمنٍ في التقويم حتى يُعطِيَ تارة درهمًا، وتارة عشرين درهمًا. وما زاد على العشرين من العقود كالثلاثين والأربعين، فالتبايُنُ أفحشُ، واللبسُ أبعدُ.
وبُني على حركة؛ لأنّ له أصلًا في التمكن، فعُوّض من تمكنه بأن بُني على حركة تمييزًا له على ما بُني، ولا أصلَ له في التمكن، نحوِ: "مَنْ"، و"كَمْ". وفُتح طلبًا للخفة، إذ ليس الغرضُ في تحريكه إلَّا تمييزَه مما (١) بُني على السكون، وبالفتحة نصل إلى هذا الغرض، فلم يكن بنا حاجةٌ إلى تكلفِ ما هو أثقلُ منها.
* * *
стр. 1028
قال صاحب الكتاب: ومن العرب مَن يسكن العينَ، فيقول: "أحَدَ عْشَرَ" احتِراسًا من تَوالي المتحركاتِ في كلمة.
* * *
قال الشارح: من العرب من يقول: "أحدَ عْشَرَ, ثَلاثَةَ عْشَرَ"، فيُسكن العين، وذلك أنهم لما ركبوا الاسمَيْن اسمًا واحدًا، تَوالَى في "أحَدَ عَشَر" ست متحركات، وفي "ثلاثة عشر"، و"خمسة عشر" خمسُ متحرّكات، ولا يتوالى في كلمة أكثرُ من ثلاثِ حركات إلَّا أن يكون مخففا من غيره، فيجتمع فيه أربعُ متحركات، نحوُ: "عُلَبِط" (١) و"هُدَبِد" (٢)، وأصلُهما: "عُلابِطٌ" و"هُدابِدٌ"، فحُذفت الألف تخفيفًا. فلا يجتمع في كلمة أكثرُ من أربعِ متحركات، فلما اجتمع في "أحَدَ عَشَرَ" ست متحركات وفي "خَمْسَةَ عَشَرَ" خمسُ متحركات، أسكنوا الحرفَ الذي بتحريكه يكون الخروجُ عن منهاجِ الأسماء وطريقِها.
ومَن فعل ذلك من العرب، فإنه لا يفعله في "اثْنَيْ عَشَرَ"، لئلا يجمع بين ساكنَيْن، وليس في كلامهم جمع بين ساكنين إلا أن يكون الأول حرفَ مد ولِينٍ، والثاني مدّغَمًا، نحوَ: "دابة" و"شابة"، مع أن الياء في النصب، والألف في الرفع ساكنان، فلم يَتوالَ فيهما من التحركات ما تَوالَى في "أحد عشر" ونحوِه. وأيضًا فإن الإسكان في "أحد عشر" ونحوه إنما كان لتوالِي المتحرّكات في كلمة واحدة، لأجل التركيب وجعلهما كلمة واحدةً، وأما "اثني عشر" فغيرُ مركبة، فلم يكونا كلمة واحدةً، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وحرفُ التعريف والإضافةُ لا يُخِلّان بالبناء، تقول: "الأحَدَ عَشرَ"، و"الحادِيَ عَشرَ" إلى "التسْعةَ عَشرَ"، و"التاسِعَ عَشرَ"، وهذه "أحَدَ عَشرَكَ"، و"تسعةَ عشرَكَ". وكان يَرَى الأخفشُ فيه الرفعَ إذا أضافه، وقد استرذله سيبويه (٣)، وإن سُمي رجل بـ "خَمْسةَ عَشَر"، كان فيه الرفعُ والإبقاءُ على الفتح.
* * *
قال الشارح: إذا أردتَ تعريفَ هذا العدد، أدخلتَ عليه الألفَ واللام أو الإضافةَ، وتركتَه علي بنائه؛ لأنّ الألف واللام والإضافة لا تُخْرِجانه عن لفظه وتركيبِه، فكان باقيًا علي بنائه، فلذلك تقول مع الألف واللام: "أخذتُ الخمسةَ عشرَ درهمًا"، وكذلك إلى
стр. 1029
"التسعةَ عشرَ" و"الحادِيَ عَشَرَ"، و"الخامِسَ عَشَرَ"، بفتح الآخِر منهما إلى "التاسِعَ عَشَرَ"، وتقول في الإضافة: "خمسةَ عشرَك" و"خامسَ عشرَك"، فلا يختلف حكمُ البناء في الإضافة لِما ذكرناه من العلّة.
وكان الأخفش يرى إعرابَها إذا أضفتها، وهي عددٌ، فتقول: "هذه الدراهمُ خمسةَ عَشَرُك". قال سيبويه: وهي لغة رديئة، وكان يحتجّ بأنّ "خمسة عشر" في تقديرِ تنوين، ولذلك عمِل في مُميزه، فَمَتَى أضفتَه إلى مالِكه، لم يصلح تقديرُ التنوين، لمعاقَبةِ التنوين الإضافةَ، فصار بمنزلةِ اسم لا ينصرف، فإذا أُضيف، انصرف، وأُعْرِب. وهذا الاعتلالُ فاسد؛ لأن تقدير التنوين فيه لم يكن سببَ بنائه حتى يُعْرَبَ عند زَواله، إنّما البناءُ لتضمنه حرفَ العطف، وذلك باقٍ بعد الإضافة كما قبلها. ثمّ ما ذكره منتقِضٌ بدخول الألف واللام، فإنه لا يُعرَب لذلك كما أُعرب بالإضافة، ولا فَرْقَ بينهما في معاقبة التنوين.
فإن سُمّي رجل بـ "خمسةَ عشرَ" ونحوِه من المركبات، ففيه وجهان:
أحدهما: أن تعربه، فتضمّ الراءَ في الرفع، وتفتحها فى النصب والجر، وتُجْريه مُجْرَى اسم لا ينصرف، نحوِ: "بَعْلَبَك" و"مَعْدِيكَرِبَ"، لزوالِ معنى العطف. وعلى هذا، إذا أضفت، صرفتَه، ودَخلَه الجرُّ، نحوُ: "جاءني خمسةَ عشَرُك"، و"رأيت خمسةَ عشرَك"، و"مررت بخمسةَ عشرِك".
والوجهُ الثاني: تَبْنيه بعد التسمية؛ لأنّ التركيب والبناء وقع قبل التسمية، فلمّا سمّيتَ بهما، حكيتَ حالَهما قبل التسمية.
فصل [معاني الألفاظ المركبة]
قال صاحب الكتاب: وكذلك الأصل وقعوا في حيص وبيص، أي في فتنة تموج بأهلها متأخرين ومتقدمين, ولقيته كفة وكفة، أي ذوي كفتين؛ كفة من اللاقي, وكفة من الملقى؛ لأن كل واحد منهما في وهلة التلاقي كاف لصاحبه أن يتجاوزه.
* * *
قال الشارح: العرب تقول: "وقع الناسُ في حَيْصَ بَيْصَ"، إذا وقعوا في فِتْنة واختلاط من أمرهم، لا مَخْرَجَ لهم منه، وهما اسمان رُكبا اسمًا واحدًا، وبُنيا بناءَ "خمسةَ عشرَ". والذي أوجب بناءَهما تقديرُ الواو فيهما، وذلك أن الأصل "وقعوا في حَيْص وبَيص"، ثم حُذفت الواو إيجازًا وتخفيفًا، والمعنى على العطف، فتضمن معنى حرف العطف، فبُني لذلك كما فعلوا في "خمسةَ عشرَ" وبابِه. و"حَيْصٌ" مأخوذ من "حَاصَ يَحِيصُ" إذا فَر، يقال: "ما عنه مَحِيص"، أي: مَهْرَبٌ، و"بَيْصٌ" مأخوذ من قولهم: "بَاصَ يَبُوصُ"، أي: فاتَ وسَبَقَ؛ لأنّه إذا وقع الاختلاطُ والفتنةُ، فمنهم هارب، ومنهم فائت. ولذلك فسرهما بفِتْنة تموج بأهلها متأخرين ومتقدمين، فالحَيْصُ: التأخّر
стр. 1030
والهَرَبُ، والبَوْصُ: التقدم والسبْق، وكان ينبغي أن يُقال: "حَيْصَ بَوْصَ"، غيرَ أنهم أتبعوا الثاني الأولَ. قال الشاعر [من الرجز]:
٦٥٣ - عَيْناءُ حَوْراءُ منَ العِين الحِيَرْ
والكلام: "الحُور"، لأنها جمعُ " حَوْراءَ"، كـ "حَمْراءَ" و"حُمْر"، لِيَزْدَوِجَا، ولا يختلفا. ومثلُه "العَشايَا والغَدايَا". ولو انفردت "الغَداةُ"، لم تُجمع على "غَدايَا"، وفي مَثَلِ: "أخذه ما قَدُمَ وما حَدُثَ" (١)، بضم الدال من "حدث". ولو انفردت، لم تكن إلَّا مفتوحة، نحوَ: "حَدَثَ الأمرُ"، وهو كثيرٌ.
وفي "حيص بيص" لغات، قالوا: "حَيْصَ بَيْصَ" بالفتح فيهما، وهو الكثير المشهور. وأنشد الأصمعي لأُمَيةَ بن أبي عائذٍ الهُذَلي [من الكامل]:
٦٥٤ - قد كنتُ خَراجًا ولوجا صَيرَفًا ... لم تَلْتَحِصنِي حَيْصَ بَيْصَ لَحاصِ
стр. 1031
وقالوا: "حَيصِ بَيْصِ"، بكسر الآخِر منهما، قال الشاعر [من الرجز]:
٦٥٥ - صارت عليه الأرضُ حَيْصِ بَيْصِ ... حتى يَلُقَّ عِيصَهُ بعِيصِي
وربما كسروا الأولَ منهما في اللغتَين، فقالوا: "حِيصَ بِيصَ"، و"حِيصِ، بِيصِ". وعلى هذا تكون الواوُ في "بيص" قد إنقلبت ياءَ لسكونها وانكسارِ ما قبلها على حد انقلابها في "مِيزان"، و"مِيعادِ". وقد ينونونهما، فيقولون: "حيصٍ بيصٍ"، و"حيصًا بيصًا". حكى ذلك أبو عمرو (١). ومَن فتحهما، فقد طلب الخفّةَ، كما قلنا في "خمسةَ عشرَ". ومَن كسر، فلالتقاء الساكنين، ويجوز أن تجعله صوتًا كأنه حكايةُ ما يقع في الاختلاط والفتنة، وعلى هذا لا يكون مشتقًّا من شيء، فتكسره كما تكسر الأصوات، نحوَ: "غاقِ، غاقِ" إذا قدرتَه تقديرَ المعرفة، وتُنونه إذا نويتَ النكرة.
وقالوا: "لقيتُه كَفةَ كَفةَ" إذا فاجأتَه، وهما اسمان رُكّبا اسمًا واحدًا، وبنيا على الفتح بناءَ "خمسةَ عشرَ". والأصل: "كَفة وكَفة"، أي: كفة منه وكفة منّي. ويجوز أن يكون الأصل: كفّةَ على كفّهٍ، أو كفّةً، عن كفة وذلك أن المتلاقيَين إذا تلاقيا، فقده كَف كل واحد منهما صاحبَه عن مجاوَزته إلى غيره في وقتِ التقائهما، فـ "كَفةٌ كَفةٌ" مصدران في موضع الصفة، ومحلُهما نصبٌ على الحال، كأنك قلت: "لقيته متكافَّيْن" مثلَ قولك:
стр. 1032
"لقيتُه قائمَين"، تريد حالًا منك، وحالًا منه، نحوَ قول الشاعر [من الوافر]:
مَتَى ما تَلْقَني فَرْدَيْن تَرْجُفْ ... رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارَا (١)
* * *
قال صاحب الكتاب: و"صَحْرَة وَبَحْرَة"، أي: ذَوَيْ صحرةِ وبحرةِ، أي: انكشاف واتساع لا سُتْرةَ بيننا. ويُقال: "أخبرتُه بالخبر صحرةَ بحرةَ"، ويقولون: "صحرةً بحرةً نَحْرَة"، فلا يبنون لئلا يمزُجوا ثلاثةَ أْشياءَ، وهو "جارِي بَيتٌ إلى بيتٍ، أو بيتٌ لبيتٍ"، أي: هو جاري مُلاصِقًا، و"وقع بَينَ هذا، وبين هذا". قال عَبِيد [من مجزوء الكامل]:
٦٥٦ - [نَحْمي حَقيقَتَنا] وَبَعْضُ ... القَوْمِ يَسْقُطُ بَينَ بَيْنَا
* * *
قال الشارح: يُقال: "لقيتُه صَحْرَةَ بَحْرَةَ"، أي: ليس بيني وبينه ساتر، وهما مركبان، والتقديرُ: صحرة وبحرة، فحُذفت الواو، وتضمن الكلامُ معناها، فبُني لذلك، وفُتح للخفة، وموضعُهما حال. والتقدير: لقيتُه بارزًا، واشتقاقُهما من "الصحْراء"، و"البَحْر"، و"صحرة" و"بحرةٌ" مصدران، أي: ذوَيْ صحرةٍ وبحرةٍ، أي: ذوي انكشافٍ واتّساع. ويقولون: "لقيتُه صَحْرَةً بَحْرَةً نَحْرَةً"، فيُعربونها، وينصبونها منونة؛ لأنّهم لا يُركبون ثلاثة أشياء اسمًا واحدًا، و"نَحْرَة" من "نَحْرِ الشهْر"، وهو أولُه، أي: لقيتُه مكشوفصا نهارًا.
стр. 1033
وقالوا: "هو جارِي بيتَ بيتَ"، يريدون القُرْبَ والتلاصُقَ، وهو مركّبُ أيضًا مبنيٌّ على الفتح كـ "خمسةَ عشرَ"، والأصلُ: بيتًا لبيتٍ، أو بيتًا فبيتًا، أو بيتًا إلى بيتٍ، فحُذف الحرف، وضُمّن معناه، فبُني لذلك، وهما في موضع الحال، كأنّك قلت: هو جاري مُلاصِقًا، والعامل في الحال ما في "جاري" من معنى الفعل. ولا يجوز تقديمُ الحال فيه على العامل، لو قلت: "بيتَ بيتَ هو جاري"، لم يجز؛ لأنّ العامل ليس فعلًا، ولا اسمَ فاعلٍ، ويجوز التقديمُ في "كفّة كفّة"، فتقول: "كَفَّةَ كَفَّةَ لقتُه", لأنّ العامل فعلٌ. ولو قلتَ: "جاوَرَني، أو مُجاوِري بيتَ بيتَ"، جاز التقديمُ حينئذٍ، فتقول: "بيتَ بيتَ هو مُجاوِري"، فتُقدِّمه؛ لأنّ العامل اسمُ فاعلٍ، واسمُ الفاعل يجوز تقديمُ منصوبه عليه، ولو قلت: "بيتَ بيتَ جاوَرَني"، لكان بالجواز أجدَر، إذ كان فعلًا، فاعرفه.
وقالوا: "وقع هذا الأمرُ بَيْنَ بَينَ"، فيبنونهما اسمًا واحدًا، لأن الأصل: بينَ هذا، وبينَ هذا، فلمّا سقطت الواوُ تخفيفًا والنيّةُ نيّةُ العطف، بُني لتضمُّنه معنى الحرف، وهو في موضع الحال أيضًا، إذ المرادُ بقولهم: "وقع بينَ بينَ"، أي: وَسَطًا، فأمّا قول عَبِيد بن الأبْرَص [من مجزوء الكامل]:
نَحْمِي حَقِيقَتَنَا وبعـ ... ـضُ القَوْمِ يَسْقُطُ بَيْنَ بَيْنَا
فهو شاهد على صحّة الاستعمال، والحقيقةُ ما يجبُ على الرجل أن يحميه، يُقال: "رجلٌ حامِي الحقيقةِ"، أي: شَهْمٌ لا يُضام له حَرِيمٌ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وأتيته صباحاً ومساءً، ويوماً ويوماً"، أي كل صباح ومساء, وكل يوم, و"تفرقوا شغراً وبغراً"، أي منتشرين في البلاد هائجين, من "اشتغرت عليه ضيعته", "إذا فشت وانتشرت"، و"بغر النجم": هاج بالمطر. قال العجاج [من الرجز]:
٦٥٧ - بغرة نجم هاج ليلاً فانكدر
стр. 1034
و"شذراً ومذراً" من "التشذر" وهو التفرق والتبذير، والميم في "مذر" بدل من الباء, و"خذعاً ومذعاً" أي منقطعين منتشرين من الخذع وهو القطع. ومن قولهم فلان مذاع، أي كذاب يفشي الأسرار وينشرها, وحيثاً وبيثاً من قولهم فلان يستحيث ويستبيث، أي يستبحت ويستثير.
* * *
يُقال: "أتيتُه صَباحَ مَساءَ، ويَوْمَ يَوْمَ "، والكلام فيه كالكلام فيما قبلَه، وذلك أنّه بُني لتضمُّنه معنى الحرف، وهو الواوُ، كأنّك قلت: "صباحًا ومساءً، ويومًا ويومًا". فلمّا حذفت الواو، بُنيا لذلك، وليس المرادُ صباحًا بعينه، أو يومًا بعينه. ولو أضفتَ، فقلت: "صباحَ مساءٍ"، لجاز، كأنّك نسبته إلى المساء، أي: صباحًا مقترِنًا بمساءٍ. وجاز إضافتُه إليه لتصاحُبهما، وكذلك الإضافةُ جائزةٌ في جميع ما تقدّم من نحوِ: "بيتَ بيتٍ"، و"بينَ بينٍ"، و"كَفَّةَ كَفَّةٍ"، يُنسَب أحدهما إلى الآخَر لَاتّفاقهما في وقوع الفعل منهما، فإن دخل على جميعِ ذلك حرفُ جرّ، لم يكن إلَّا مضافًا مخفوضًا، وبطلَ البناءُ، نحوَ: "آتيك في كلِّ صباحٍ ومساءٍ"؛ لأنّه بدخولِ حرف الجرّ، خرج عن باب الظروف، وتَمكَّن في الاسميّة، فلم يُبْنَ؛ لأن هذه الأسماء إنّما تُبنَى إذا كانت حالًا أو ظرفًا؛ لأنّه حال تَنْقُص تمكُّنَها، فلم تُقدَّر فيها الواو.
وقالوا: "تَفرْقوا شَغَرَ بَغَرَ"، أي: في كلِّ وجه لا اجتماعَ معه. وهما اسمان رُكّب أحدهما مع الآخر، فصارا اسمًا واحدًا، وبُنيا لِما تضمّناه من معنى الواو، وكان الأصل فيه: "سَغَرًا وبَغَرًا"، فحُذفت الواو لِما ذكرناه من إرادة الإيجاز والتخفيفِ، وتضمّنا معناها. والمعنيّ بالتضمّن إرادةُ معنى الحرف مع حذفه، فبُني لذلك بناءَ "خمسة عشرَ". و"شَغَرَ" مأخوذ من قولهم: "اشتغر في البلاد"، إذا أبعد فيها، أو مِن "شَغَرَ الكلبُ"، إذا رفع إحدى رِجْليه ليَبُول، فباعَدَها من الأُخرى. و"بَغَرَ" من "بَغَرَ النجمُ"، أي: سقط، وهاج بالمطر، قال العَجَاج [من الرجز]:
بَغْرَةَ نَجمٍ هاجَ لَيْلًا فانْكَدَرْ
أو من "البَغَر"، وهو العَطَش يأخذ الإبلَ، فلا تَرْوَى، وربّما ماتت به. قال الفرزدق [من البسيط]:
٦٥٨ - فَقُلتُ ما هو إلَّا الشَّأْمُ تَرْكَبُه ... كأنَّما المَوتُ في أجْنادِه البَغَرُ
стр. 1035
فجُعل مع "شَغَرَ" في التَّفرّق الذي لا اجتماعَ معه، كما يكون في العطش كذلك. ومثله "شَذَرَ مَذَرَ"، كلّه من معنى التفرّق الذي لا اجتماع معه، وهو مركّب أيضًا مبنيّ لتضمُّنه معنى الحرف. ويحتمل أن يكون مأخوذًا من "الشَّذْر"، وهو الذهبُ، يُلقَط من المَعْدِن من غيرِ ذَوْب الحجارة، فهو متفرِّقٌ فيه متبدِّدٌ، أو من "الشَّذْر"، وهو صِغارُ اللُؤْلُؤ، كأنّه لصِغَره متفرّقٌ لا يُجمَع بالنَّظْم. و"مَذَرَ" من "مَذِرَت البَيْضَةُ"، إذا فسدت وأبعدتْ، أو من "البَذْر" وهو الزَّرْعُ؛ لأنَّ فيه تفريقَ الحَبّ، ومنه التبذير، وهو تفريقُ المال إِسرافًا، فتكون الميمُ على هذا بدلًا من الباء، ويُؤْيِّد ذلك قولُهم فيه: "شَذَرَ بَذَرَ" بالباء على الأصل.
وقالوا في معناه: "خِذَعَ مِذَعَ". وهو مركب مبنيّ لتضمُّنه حرف العطف، والمراد: خِذعًا ومِذَعًا، فرُكّبا، والعطفُ مرادٌ في النِّيَّة، وهو مأخوذ من "الخَذْع"، وهو القطعُ، يُقال: "لَحْمٌ مُخَذَّغ"، أي: مُقَطَّعٌ. و"مِذَعَ" من قولهم: "مَذَعَ السِّرَّ"، إذا أفشاه ولم يكتُمه، كأنّه تفريقٌ له.
وقالوا: "تركوا البلادَ حَيْثَ بَيْثَ، وحاثِ باثِ، وحَوْثَ بَوثَ" إذا تَفرَّقوا، وربَّما نوّنوا تشبيهًا لها بالأصوات المنكورة. وقالوا: "حَيْثًا بَيْثًا"، وذلك إذا تفرّقوا وتبدّدوا، وهو من استحاثَ الشيءَ: إذا ضاع في التُّراب. ومثلُه "اسْتَباثَ"، وهو البَحْث عن الشيء بعد ضَياعه. قال الشاعر [من الوافر]:
٦٥٩ - لَحَقُّ بَنِي شغارةَ أن يقولوا ... لِصَخْرِ الغَيِّ: ماذا تَسْتَبِيثُ
أي: تطلب.
стр. 1036
فصل [لغات "خاز باز "]
قال صاحب الكتاب: وفي "خاز باز" سبع لغات، وله خمسة معان, فاللغات "خازِ بازِ"، و"خازَ بازَ" و"خازِ بازُ، و"خازَ بازُ"، وخازُ بازٍ", و"خازِ باءُ" كـ "قاصعاء" (١) و"خزباز" كـ "قرطاس".
* * *
قال الشارح: قد ورد في "الخازِ باز" اللغاتُ التي ذكرها، وهي سبعُ لغات، قالوا: "خازِ بازِ" بكسر الأوّل والثاني، و"خازِ بازُ" بكسر الأوّل وضمّ الثاني، و"خازَ بازَ" بفتحهما معًا، و"خازَ بازُ" بفتح الأوّل وضمّ الثاني، و"خازُ بازٍ" بإضافة الأوّل إلى الثاني، و"خازِ باءُ" مثلَ "قاصِعَاءَ"، "ونافِقاءَ" (٢)، و"خِزْبازٌ" كـ" قِرْطاسٍ" و"كِرْياسٍ"، والكرياسُ: الكَنِيفُ في أعلَى السَّطْح، وهو معرَّب.
فمن قال: "خازِ بازِ"، فإنّه جعلهما اسمَيْن غيرَ مركّبين، وأجراهما مُجرى الأصوات، نحوِ: "غاقِ غاقِ"، وكسر كلَّ واحد لالتقاء الساكنين.
ومن قال: "خازِ بازُ"، فإنه ركّبهما اسمًا واحدًا، وبنى الأوّلَ؛ لأنّه صار
كالجزء من الثاني بمنزلة الصدر له، وسكّنه على أصل البناء، إلَّا أنّه التقى في
آخره ساكنان، فكسر لالتقاء الساكنين. وأعرب الثاني تشبيهًا بـ "مَعْدِيكَرِبَ"، في
لغةِ من يعرب، فيقول: "هذا معديكربُ"، و"رأيت معديكربَ"، و"مررت
стр. 1037
بمعديكربَ" إلَّا أنّه لم يلتقِ في آخِرِ "معديكرب" ساكنان، فبقي على سكونه.
ومن قال: "خازَ بازَ" ففَتَحَهما، فإنّه ركّبهما وجعلهما اسمّا واحدًا، وبناهما على الفتح تشبيهًا بـ "خمسةَ عشرَ".
ومن قال: "خازَ بازُ"، فإنّه ركّبهما اسمًا واحدًا، وشَبَّهَه بـ "حضرموت" في لغةِ من أعرب، وقال: "هذا حضرموتُ"، فأعربه كإعرابه، وفَتَحَ الأوّل؛ لأنّه يُنزِّل الثاني من الأوّل منزلةَ تاء التأنيث، وفتح ما قبل الثاني كما يفتح ما قبل تاء التأنيث.
ومن قال: "خازُ بازٍ"، فإنّه أضاف الأوّل إلى الثاني، كما قالوا: "بَعْلَبَكِّ" و"معديكربٍ"، فيمن أضاف، وجعل "كرب" مذكّرًا. وطريقُ إضافة هذه الأسماء طريقُ إضافة الاسم إلى اللقب، نحوِ "قَيْسُ قُفِّةَ"، و"سَعِيدُ كُرْزٍ".
ومن قال: "خازِ باءُ"، فإنّه بناه على "فَاعِلَاء"، وجعل همزتَه للتأنيث مثلَ "قاصِعاءَ"، و"نافِقاءَ".
ومن قال: "خِزْبازٌ"، فإنّه بني منهما اسمًا واحدًا على مثالِ "قِرطاسِ" و"كِرْياسٍ"، فهو معربٌ بوُجوهِ الإعراب كلِّها منصرفٌ.
* * *
قال صاحب الكتاب: والمعاني: ضرب من العشب قال [من الرجز]:
٦٦٠ - [رعيتها أكرم عودٍ عودا ... الصِّلَّ والصفصل واليعضيدا]
والخاز باز السنم المجودا ... [بحيث يدعو عامرٌ مسعودا]
стр. 1038
وذباب يكون في العشب قال [من الوافر]:
٦٦١ - [تفقأ فوقه القلع السواري] ... وجن الخاز باز جنونا
وصوت الذباب وداء في اللهازم قال [من الرجز]:
٦٦٢ - يا خاز باز أرسل اللهازما ... [إني أخاف أن تكون لازما]
والسنور.
* * *
стр. 1039
قال الشارح: للخازِ بازِ معانٍ خمسةٌ على ما ذُكر، حكاها أبو سَعِيد، وهو ضربٌ من العُشْب. أنشد ابن الأعرابيّ [من الرجز]:
رَعَيْتُها أكْرَمَ عُودٍ عُودَا ... الصِّلَّ والصِّفْصِلِّ واليَعْضِيدَا
والخازِ بازِ السَّنِمَ المَجُودَا ... بِحَيْثُ يَدْعُو عامرٌ مَسْعُودَا
عامر ومسعود: راعيان، والصلُّ والصفصلّ: نبتٌ، واليعضيدُ: بقلةٌ، والسَّنِمُ: المرتفعُ، وهو الذي خرجتْ سُنْبُلَتُه، كأنّه يدعوه للفرح بالخِصْب.
وذبابٌ أزرقُ يكون في العُشْب، قال ابنُ أحْمَرَ [من الوافر]:
تَفَقَّأ فَوقَهُ القَلَعُ السَّوارِي ... وجُنَّ الخازِ بازِ به جُنُونَا
فيحتمل أن يريد بـ "الخاز باز" العشبَ، ويحتمل أن يريد به الذبابَ نفسَه، فإنّه يُقال: "جُنَّ النبتُ"، إذا خرج زَهْرُه، قال [من المتقارب]:
٦٦٣ - تَبَرَّجَتِ الأرْضُ مَعْشُوقَةً ... وجُنَّ على وجهها كُلُّ نَبْتِ
ويُقال أيضًا: "جُنَّ الذبابُ"، إذا طار وهاج. قال الأصمعي: "الخازِ بازِ": حكايةُ صوت الذباب، وسمّاه به، وقوله: "تَفَقَّأ"، أي: تَشَقَّقَ بمائه، وقوله: "فَوْقَهُ"، أي: فوق الهَجْل، وهو المُطمئنّ من الأرض، أو فوق العُشْب، و"الَقَلعُ": جمعُ "قَلَعَةٍ"، وهي القطعة العظيمة من السَّحاب، و"السَّواري": جمعُ "ساريةٍ"، وهي السحابة تأتي ليلًا.
стр. 1040
وقال: "الخازِ بازِ"، فأدخل عليه الألف واللام، وتركه علي بنائه، كما تقول: "الخمسةَ عشرَ"، فتُدخِل عليه الألف واللام، وهو علي بنائه.
ويكون بمعنَى داءٍ في الأعناق واللَّهازمِ، قال الشاعر، أنشده الأخفش [من الكامل]:
٦٦٤ - مِثلُ الكِلابِ تَهِرُّ عند بُيُوتِها ... وَرِمَتْ لَهازِمُها من الخِزْبازِ
وقال الراجز، وهو العَدَوِيُّ [من الرجز]:
يَا خازِ بازِ أرْسِلِ اللَهازِمَا ... إنّي أخافُ أن تكون لازِمَا
واللهازمُ: جمعُ لِهْزِمَةٍ، واللِهْزِمَتان: عَظْمان ناتِئان تحت الأُذْن.
وحكى أبو سَعِيد: إنّه السِّنَّوْر، وهو أغْربُها.
فصل [أصل "بادي بدي" و"بادي بدا" ومعناهما]
قال صاحب الكتاب: "افعل هذا بادي بدي, وبادي بدا" أصله "بادئ بديء", و"بادي بداء", فخفف بطرح الهمزة والإسكان, وانتصابه على الحال. ومعناه مبتدئاً به قبل كل شيء. وقد يستعمل مهموزاً, في حديث زيد بن ثابت "أما بادئ بدء فإني أحمد الله".
* * *
قال الشارح: العرب تقول: "افعلْ هذا بَادِي بَدَا"، بياء خالصة وألف خالصة، والمعنى: أوّلَ كلّ شيء، فـ "بادي بدا" اسمان رُكّبا وبُنيا على تقديرِ واو العطف، وهو منكورٌ بمنزلةِ "خمسةَ عشرَ"، ولذلك كان حالًا، وأصفه "بادِىءَ بدَاءٍ" على زنةِ "فَعالٍ"
стр. 1041
مهموزًا؛ لأنّه من الابتداء، فخُفّفت الهمزة من "بادِىءَ" بقَلْبها ياءً خالصةً، لانكسارِ ما قبلها على حدّ قلبها في "بِيرٍ" و"بِيَارٍ"، وأصلُهما الهمزة، ولمّا صارت ياءً، أُسكنت على حدّ إسكانها في "قالِي قَلَا" و"مَعْدِيكَرِبَ". وأمّا "بَدَا" فأصلُه "بَداءٌ"، فخفّفوه بأن قصروه بحذف ألفه، فبقي "بَدَأٌ"، فخُفِّفت الهمزة بقلبها ألفًا لانفتاحِ ما قبلها على حدّ قلبها في قوله [من الكامل]:
٦٦٥ - [رَاحَتْ بِمَسْلَمَةَ البِغَالُ عَشِيَّةً ... فارْعَيْ فَزارَةُ لا هَناكِ المَرْتَعُ
وأصلُه: لا هَنَأَكِ المرتعُ، ونحوِ قوله [من البسيط]:
٦٦٦ - سَالَتْ هُذَيْل رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ... [ضَلَّتْ هُذيلٌ بما جاءَتْ وَلَمْ تُصِب]
стр. 1042
وأصلُه: سَألَتْ، مهموزًا. وقيل: كان أصلُه "بَداء"، على زنة "فَعالٍ"، فحُذفت الهمزة تخفيفًا كما حذفوها من "سَا يَسُو"، و"جَا يَجِي"، وأصلُه: "جَاءَ يَجِيءُ"، و"سَاءَ يَسُوءُ"، وإلى هذا أشار صاحبُ الكتاب بقوله: "فخُفّف بطرح الهمزة والإسكانِ"، يريد: بطرح الهمرة من "بداءٍ" والإسكان في "بادى".
وقالوا: "بادي بَدٍ" بالإضافة من غيرِ بْناء، وأصلُه: "بَدِيءٍ" على زنة "فَعِيلِ"، فقُصر بحذف الياء، ثمّ أُبدلت الهمزة ياءً، لانكسارِ ما قبلها على حدّ قلبها في "بادي"، أو حُذفت الهمزة حذفًا لكثرة الاستعمال، كما حُذفت في "بَدَا". فوزنُ "بَدَا" من "بادي بَدَا" على القول الأوّل: "فَعَلٌ"، وعلى القول الثاني: "فَعَا" مْحذوفَ اللام. وفيه لغاتٌ أخَرُ، قالوا: "بادي بَدْءٍ" على زنة "فَعْلٍ" بالهمزة في الثاني دون الأوّل، و"بادي بَدِيءٍ" على زنة "فَعِيلٍ" على الأصل، و"بادِىءَ بَدءٍ" على زنة فَعْلٍ بالهمزة فيهما، وعليه حديثُ زيد بن ثابتٍ: "أمّا بادِىءَ بَدْءٍ". وقال بعضهم: معنَى "بادي بدَا": ظاهرًا، مأخوذٌ من "بَدَا يَبْدُو" إذا ظهر. والوجهُ هو الأوّل لمَجِيئه مهموزًا في حديثِ زيد: "أمّا بادِىءَ بَدْءٍ" ونحو: "بادئ بَدْءٍ".
فصل [معني"أيدي سبا "]
قال صاحب الكتاب: يقال ذهبوا أيدي سبا وأيادي سبا أي مثل أيدي سبأ بن يشجب في تفرقهم وتبددهم في البلاد حين أرسل عليهم سيل العرم, والأيدي كناية عن الأبناء والأسرة، لأنهم في التقوي والبطش بهم بمنزلة الأيدي.
* * *
قال الشارح: يُقال: "ذهبوا أيْدِي سَبَا". وفيه لغتان: "أيْدِي سَبَا"، و"أيادِي سَبَا" فـ "أيدي" جمعُ "يَدٍ"، وهو جمعُ قلّة، وأصلُه: "أيْدُيٌ" على زنة "أفْعُلٍ"، نحوِ: "كَعْبٍ" و"أكْعُبٍ"،وإنّما كسروا العين منه لئلّا تنقلب الياءُ منهْ واوًا لانضمامِ ما قبلها، فيصير آخرُ الاسم واوًا، قبلها ضمّةٌ، وذلك معدومٌ في الأسماء المتمكّنة. ومثلُه قوله [من البسيط]:
стр. 1043
٦٦٧ - لَيْثٌ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عند خِيسَتِهِ ... بالرَّقْمَتَينِ له أجْرٍ وأعْراسُ
فأبدلوا من الضمّة كسوةً، ومن اواو ياءً، فصار: "أجْرٍ"، كما ترى من قبيل المنقوص. و"أيَادِي" جمعُ الجمع. قالوا: "أيْدٍ" و"أيادٍ". وفيه لغتان:
إحداهما: أن تُرِكِّبهما اسمًا واحدًا، وتبنيهما لتضمُّن حرف العطف، كما فُعل بـ "خمسةَ عشرَ" وبابِه.
الثانيةُ: أن تضيف الأولَ إلى الثاني، كما تقدّم في "بيتَ بيتٍ" و"صباحَ مساءٍ" من جواز التركيب والبناءِ والإضافة، وموضعهما النصبُ على الحال، والمرادُ: ذهبوا متفرّقين، ومتبدِّدين ونْحوَهما.
فإن قيل: فكيف جاز أن يكون حالًا، وهو معرفةٌ, لأن "سَبَا" اسم رجل معرفةٌ؟ ميل: أمّا إذا ركّبتَهما، فقد زال بالتركيب معنَى العَلَميّة، وصار اسمًا واحدًا، فـ "سَبَا" حينئذ كبعضِ الاسم، وهو نكرةٌ، وأمّا إذا أضفتَ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنّه معرفةٌ وقع موقعَ الحال، وليس بالحال على الحقيقة، وإنّما هو معمولُ الحال، والموادُ: ذهبوا مُشْبِهين أيادي سَبَا، ثمّ حُذفت الحال، وأُقيم معمولها مُقامها على حدٍّ "أرسلها العرِاكَ" (١)، أي. مُعْتَرِكَة العراكَ، و"رجع عَوْدَه على بَدْئه" (٢)، أي: عائدًا عوده.
стр. 1044
والوجهُ الثاني: أن تجعل "سَبَا" في موضعِ منكور، وإذا كان كذلك، فلا يمتنع كونُه حالًا، وطريقُ تنكيره أن تريد: مِثْلَ سَبَا، فتكون الإضافةُ في الحقيقة إلى "مثْل"، و"مثلٌ" نكرةٌ، وإن أُضيف إلى معرفة، كما قالوا: "قَضِيَّةٌ ولا أبَا حسنٍ لها" (١)، والمرادُ: ولا مثلَ أبي حسن، ولولا ذلك؛ لم يجز أن تعمل فيه "لَا"؛ لأنّ "لَا" يختصّ عملُها بالنكرات. ومثلُه [من الرجز]:
لا هَيْثَمَ الليلةَ للمَطِيّ (٢)
والمراد: لا مثلَ هَيْثَمٍ. و"سَبَا" أصلُه الهمزة، وإنما تُرك الهمزة تخفيفًا لطُول الاسم، وكثرةِ الاستعمال مع ثِقَل الهمزة، كما قالوا: "مِنْساةٌ"، وهو من "نَسَأْتُ"، فصار من قبيل المقصور، فإذا اعتُقد فيه التركيب والبناءُ، كانت الألف في تقديرِ مفتوح، نحوِ فتحةِ "كَفَّةَ كَفَّةَ"، و"بيتَ بيتَ" إذا رُكّبت وبُنيت، وإذا أَضَفْتَ؛ كان في موضعِ مخفوض.
وأصلُ هذا المثَل أنّ سَبَأ بن يَشْجُبَ بن يَعْرُبَ بن قَحْطانَ لمّا أُنْذِروا بسَيْل العَرم، خرجوا من اليَمَن متفرِّقين في البلاد، فقيل لكلِّ جماعة تَفرَّقتْ: "ذهبوا أيدي سَبَا" (٣)، والمرادُ بـ "الأيدي" الأبناءُ والأسْرَةُ، لا نفسُ الجارحة, لأنّ التفرّق بهم وقع، واسْتعير اسمُ "الأيْدي"؛ لأنّهم في التَّقَوِّي والبَطْش بهم بمنزلة الأيْدي، فاعرفه.
فصل [لغتا "معديكرب "]
قال صاحب الكتاب: في معد يكرب لغتان: إحداهما التركيب ومنع الصرف، والثانية الإضافة. فإذا أضيف جاز في المضاف إليه الصرف وتركه، تقول: هذا معديكرب ومعدي كربِ ومعد كربَ. وكذلك قالي قلا وحضرموت وبعلبك ونظائرها.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ في "معديكرب" لغاتٍ. يُقال: "هذا معديكربُ" بالرفع، وهذا: "معدِي كربٍ" بالخفض والتنوين، و"هذا معدي كربَ" بالفتح من غير تنوين، فمن قال: "هذا معديكربُ"، فإنّه ركّبهما، وجعلهما اسمًا واحدًا، وأعرب الثاني، إلَّا أنّه منعه الصرفَ لاجتماع التعريف والتركيب، وهما علّتان من مَوانعِ الصرف. وبنى الأوّلَ لأنّه
стр. 1045
منزَّلٌ منزلةَ الجزء من الكلمة، فهو كصدر الكلمة من عَجُزها. وكان القياس فتحَ الياء من "معديكرب" على حدّ نظائرها من الصحيح، نحوِ: "حَضْرَمَوْتُ" و"بَعْلَبَكٌّ"، إلَّا ائهم تركوا الفتح وأسكنوه، فقالوا: "هذا معدِيكربُ"، و"رأيت معدِيكربَ" و"مررت بمعدِيكربَ"، وكذلك جميعُ ما جاء من ذلك بالياء، من نحوِ: "قالِيقَلَا" و"أيادِي سَبَا"، و"ثَمانِي عشرَة". والعلّةُ في إسكانها أمران:
أحدهما: أنهما لمّا رُكّبا، وصارا كلمة واحدة، ووقعت الياءُ حَشْوا، أشبهتْ ما هو من نفس الكلمة، نحوَ ياءِ "دَرْدَبِيس" (١)، و"عَيْطَمُوس" (٢)، فأُسكنت على حدّ سكونهما.
والوجه الثاني: أنّ الاسمَيْن إذا جُعلا اسمًا واحدًا، وكان آخِرُ الأوّل منهما صحيحًا، بُني على الفتح، والفتحُ أخفُّ الحركات، والياءُ المكسورُ ما قبلها أثقلُ من الحروف "الصحيحة" فوجب أن تُعطَى أخفَّ ممّا أُعطي الحرفُ الصحيح، ولا أخفَّ من الفتحة إلَّا السكونُ.
فإن قيل: ولِمَ أُعرب "معديكرب" ونظائرُه من نحوِ "حضرموت" و"بعلبكّ" مع أنّه مركّبٌ؟ وهلاّ بُني على حد "خمسةَ عشرَ" و"بيتَ بيتَ" فيمن ركّب؟ قيل: التركيبُ ها هنا ليس كالتركيب في "خمسةَ عشرَ"، وذلك أن "معديكرب" و"حضرموت"، وشِبْهَهما من المركّبات مشبّهة بما فيه هاءُ التأنيث من نحوِ: "طلْحَةَ" و"حَمْزَةَ"، فأُعرب كإعرابه, لأنّ اتّصال الاسم الثاني بالاسم الأوّل كاتّصال هاء التأنيث من جهةِ أنّه زيادةٌ فيه، بها تَمامُه من غيرِ أن يكون له معنًى ينفرد به. ولو كان للثاني معنًى ينفرد به، لكان كـ "خمسةَ عشرَ" في البناء. ألا ترى أنّ العشرة عدّةٌ معلومةٌ كما أنّ الخمسة كذلك، فلمّا اجتمعا، انتهيا إلى مقدارٍ آخرَ من العدد، ليس لكل واحد منهما، كما لو جمعتَهما بحرف العطف. فمعنى العطف بعد التركيب مرادٌ، والتركيبُ إنّما كان من جهة اللفظ لا غيرُ. وليس كذلك "معديكرب"؛ لأنّ "كَرِبَ" لا ينفرد بمعنًى من الجملة، فصار كتاءِ "طَلْحَةَ" و"حَمْزَةَ" ونحوِهما من الأسماء المفردة ممّا في آخِره تاءُ التأنيث.
واللغة الثانية: أن تقول: "هذا معدِيكربٍ"، فتضيف "معدي" إلى "كرب"، وتجعل "كربًا" اسمًا مذكّرًا، وتصرفه لذلك، وتُنوِّنه.
فإن قيل: فإذا كان مضافًا، فهلاّ فُتحت ياؤه في النصب، فقلتَ: "رأيت معدِيَ كربٍ"، كما تقول: "رأيت قاضِيَ واسطٍ"؟ فالجوابُ أنها لمّا أُسُكنت في حال التركيب، نحوَ: "هذا معدِيكرب"، وهو موضعٌ ينفتح فيه الصحيحُ، نحو: "حضرَموت"، أُسكنت
стр. 1046
في حال الإعراب؛ للُزوم السكون لها في حال البناء. ووجةٌ ثانٍ أنّهم أسكنوا الياءَ في حالٍ، وهو حالُ الإضافة، ليكون دليلًا على أنّ لها حالًا تسكن فيه، وهو حالُ التركيب، كما فتحوا الراء في "أرَضُون"، ليكون ذلك دليلًا على أنّ لها حالًا تُفتَح فيه، وهو الجمع المؤنّث، نحو: "أرَضاتٌ".
ومن قال: "هذا مَعْدِيكَرِبَ"، ففتح على كل حال، فيحتمل أمرَيْن:
أحدُهما: أن يكون "معدي" مضافًا إلى "كرب"، وتجعل "كرب" عَلَمًا مؤنّثًا، فتمنعه الصرفَ، فيكون الاسمان معربَيْن على هذا.
والاْمرُ الثاني: أن يكونا مركّبَيْن مبنيَّيْن على حدِّ "خمسةَ عشرَ"، كأنّه ركّبهما، وبناهما قبل التسمية على إرادة الواو، ثمّ سمّى بهما بعد التركيب، وحكى حالَهما في البناء قبل التسمية.
وفي "معديكرب" شُذوذان: أحدهما إسكانُ الياء في موضع الفتح، والآخرُ قولهم "مَعْدِي" والقياس "مَعْدَى" بالفتح؛ لأن "المَفْعَل" من المعتلّ اللام، سَواءً كان من الواو أو من الياء، فبابُه الفتح، نحوُ: "المَغْزَى" و"المَرْمى"، وسَواءٌ في ذلك الحَدَثُ والزمانِ والمكانُ. فلمّا جاء "مَعْدِي" مكسورًا كان خارجًا عن مقتضى القياس. واشتقاقُ "مَعْدِي" من "عَداه يَعْدُوه" إذا تَجاوزه، و"كرب" من "الكَرْب"، وهو الغَمّ، وتفسيرُ "معديكرب": عَداه الكَرْبُ، فاعرفه.
стр. 1047
الكنايات
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي: "كم", و"كذا" و"كيت" و"ذيت". فـ "كم" و"كذا" كنايتان عن العدد على سبيل الإبهام, و"كيت" و"ذيت" كنايتان عن الحديث والخبر, كما كني بـ "فلانٍ" و"هن" عن الأعلام والأجناس, تقول: "كم مالك؟ " و"كم رجل عندي؟ " و"له كذا وكذا درهماً"، و"كان من القصة كيت وكيت، وذيت وذيت".
* * *
قال الشارح: الكناية التَّوْرِيَةُ عن الشيء بأن يُعبَّر عنه بغيرِ اسمه، لضرب من الاستحسان، نحوَ قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (١)، كنى به عن قَضاء الحَاجة، إذ كان أكْلُ الطعام سببًا لذلك. ومثلُه قوله تعالى في جوابِ قولِ قوم هُودٍ، صلواتُ الله عليه لهُود: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فكَنَى عن تكذيبهم وأحسنَ. ومن ذلك الكناياتُ في الطَّلاق، وهو التعبيرُ عنه بألفاظٍ غير ظاهرة فيه، وهو مأخوذ من "كَنَيْتُ عن الشيء"، إذا عبّرتَ عنه بغيرِ الذي له. ومنه الكُنْيَةُ، لأنّها تَوْريةٌ عن الاسم.
والغرض هنا الكُنَى المبنيّةُ، فمن ذلك "كَمْ"، وهي كنايةٌ عن العدد المُبْهَم، تقع على القليل منه والكثيرِ والوَسَطِ. ولها موضعان: الاستفهامُ والخبرُ، وأصلُها الاستفهام. والاستفهام يكون بالمبهم لِيُشْرَح ما يُسأل عنه. وليس الأصلُ في الإخبار الإبهامَ، ولذلك كان في الخبريّة شيء من أحكامِ الاستفهام، وهو أن لها صدرَ الكلام كالاستفهاميّة، وتُفسَّر بالمنكور، ويجوز تفسيرُها بالواحد، كأنّهم تركوا عليها بعضَ أحكام الاستفهام، ليدلّ على أنّها مُخْرَجةٌ عنه إلى الخبر. وإنما أُخرجت إلى الخبر للحاجة إلى المبالغة في تكثير العدّة، وهي في كلا الموضعَيْن اسمٌ مبنيٌّ على السكون.
والذي يدل على كونها اسمًا أُمورٌ: منها دخولُ حرف الجرّ عليها، تقول: "بكَمْ مررتَ؟ " و"على كم نزلتَ؟ " و"إلى كم تصنع كذا؟ " وتضاف، ويضاف إليها، فتقول:
стр. 1048
"صاحبُ كم أنْتَ؟ " و"كم رجلِ عندك؟ " ويُخبَر عنها، نحوَ: "كم غلامًا عندك؟ " ويُبدَل منها الاسمُ، نحوَ: "كم دينارًا لك أعشرون، أم ثلاثون؟ " ويعود إليها الضميرُ، نحوَ: "كم رجلاً جاءك؟ " وإن شئت: "جاؤوك". وتكون مفعولةً، نحوَ: "كم رجلًا ضربتَ؟ " وهذا كلُّه يدلّ على كونها اسمًا.
وأمّا الذي أوجب بناءَها، فإنّها إذا كانت استفهامًا، فقد تضمّنت معنى الحرف، ووقعت موقعَه، فإذا قلت: "كم غلامًا لك؟ " أو"كم مالُك؟ " فمعناه: "أعشرون غلامًا لك، أم ثلاثون؟ " ونحوُهما من الأعداد، لأنه يُسأل بها عن جميع الأعداد، فأغنتْ "كَمْ" عن همزة الاستفهام وما بعدها من العدد. وإذا كانت خبرًا، فهي مبنيّة أيضًا؛ لأنّها بلفظِ الاستفهاميّة. وتقع في الخبر موقعَ "رُبَّ"، و"رُبَّ" حرفٌ، فضارعتْها "كَمْ" في الخبر، فبُنيت كبنائها. والمرادُ بمضارعتها لها أنّ "رُبَّ" لتقليل الجنس، و"كَمْ" في الخبر لتكثيره، وكلّ جنس فيه قليلٌ وكثيرٌ، فالكثيرُ مركّبٌ من القليل، والقليلُ بعضُ الكثير، فهما شريكان لذلك. وبُنيت على الوقف؛ لأنّ أصل البناء على الوقف.
وأمّا "كَذَا"، فهي كنايةٌ عن عدد مبهم بمنزلةِ "كَمْ"، يُقال: "لي عليه كذا وكذا درهمًا". إذا أراد إبهامَ العدد، كنى عنه بـ "كَذَا"، كما يكنون عن الأعلام بـ "فلان". والأصلُ "ذَا"، والكافُ زائدة، وليست على بابها من التشبيه؛ لأنّه لا معنَى للتشبيه ها هنا، إنّما المعنى: لي عليه عددٌ مَا. لم يكن هنا تشبيهٌ، فالكافُ إذًا زائدةٌ إلا أنها زيادةٌ لازمةٌ، و"ذَا" في موضع مجرور بها. ويدلّ على أنّ الكاف في "كَذَا" جازةٌ، و"ذَا" في موضعِ مجرور بها قولُهَ تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (١)، فالكاف في "كأيّ" هي الكافُ في "كذا". فظهورُ الجرّ في "أيّ" حين زيد عليها الكافُ دليل على أن "ذَا" مجرورٌ بها، إلا أنّه لا يَتَبيَّن فيها الإعرابُ حيث كانت مبنيّة. وإذا كانت زائدة، لا تُفيد معنى التشبيه؛ لم تكن متعلّقة بفعلٍ ولا معنَى فعل، كما كانت الباءُ في "ليس زيدٌ بقائمٍ" غيرَ متعلّقة بشيء، حيث كانت زائدة.
والذي يدلّ على أنّ الكاف في "كذا، وكذا" زائدةٌ ممزوجةٌ بـ "ذَا" امتزاجَ الكلمة الواحدة، أنك لا تصف "ذَا"، ولا تُؤكِّدها، ولا تُؤنِّثها، فلا تقول: "كَذِهِ"؛ لأنّه جرى مجرَى "حَبَّذَا" في امتزاجها كلمةً واحدةً. وعلى هذا قالوا: "إنّ كذا وكذا مالُك"، فجعلوها في موضعِ مُخْبَرٍ عنه، كما قالوا: "حَبَّذَا زيدٌ"، فجعلوه في موضعِ مبتدأ مُحدَّثٍ عنه.
وأمّا "كيْتَ" وكيْتَ، فكنايتان عن الحديث المُدْمَج، كُني بها عن الحديث كما كُني بـ "فلان" عن الأعلام، وبـ "هن" عن الأجناس. وهي مبنيّةٌ، وفيها لغاتٌ تأتي بعدُ.
стр. 1049
فصل ["كم الاستفهامية و"كم" الخبرية]
قال صاحب الكتاب: "و"كم" على وجهين: استفهامية وخبرية, فالاستفهامية تنصب مميزها مفرداً كمميز "أحد عشر" تقول: "كم رجلاً عندك؟ " كما تقول: "أحد عشر رجلاً", والخبرية تجره مفرداً أو مجموعاً كمميز "الثلاثة" و"المائة". تقول: "كم رجل عندي", و"كم رجال"، كما تقول "ثلاثة أثواب", و"مائة ثوب".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِن لـ"كَمْ" موضعَيْن: الاستفهام والخبرَ، فإذا كانت استفهامًا، كانت بمنزلةِ عدب منوَّنٍ، أو فيه نونً، نحو: "أحدَ عشرَ"، و"عشرين"، و"ثلاثين". فإذا قلت: "كم مالُك؟ " فقد سألتَ عن عدد؛ لأن "كَمْ" سؤالٌ عن عدد. فإن فسّرتَ ذلك العدد، جئت بواحد منكورٍ، فتنصبه على التمييز، فتقول: "كم درهمًا لك؟ " و"كم غلامًا عندك؟ " كما تقول: "أعشرون درهمًا لك؟ " فتُغمِل "كم" في "الدرهم" كما تُعمِل "العشرين"؛ لأنّ "العشرين" عددٌ منوّنٌ، فكذلك "كَمْ" عددٌ منوّنٌ. فكلُّ ما يحسن أن تُعمِل فيه "العشرين"، تعمل فيه "كَمْ". وإذا قُبح "العشرين" أن يعمل فيه، قُبح ذلك في "كَمْ"؛ لأنّ مجراهما واحد. وإنّما قدّرها بـ "أحدَ عشرَ"، ولا تنوينَ فيه، من قِبَل أنّه في حكم المنوّن، إذ كان المراد منه العطفَ. وإنّما حُذف منه التنوين للبناء كما يُحذف فيما لا ينصرف، نحو: قولك: "هؤلاء حواجُّ بيتَ الله"، فتنصب "بيت الله" بـ "حواجّ" مع حذف التنوين؟ لأنّ التنوين لم يكن حُذف منه لمعاقَبة الإضافة، وإنّما حُذف لعلّةِ مَنْع الصرف ومشابَهةِ الفعل. فكذلك "أحدَ عشرَ" أصلُه التنوين، وإنّما أوجب سقوطَه البناء ومشابهةُ الحرف.
وحكمُ "كم" حكمُ العشرين. و"الأحد عشر" في أن أصلها الحركة والتنوينُ، وإنّما سقطا لمكان البناء. فكذلك نُصب ما بعد "كم" بتقدير التنوين، كما يُنصَب ما بعد "أحد عشر" بتقدير التنوين.
وأمّا الخبريّة، فإنّها تُبيَّن بالواحد والجمع، وتُضاف إلى المعدود، وذلك نحو "كم رجلٍ عندك! " و"كم غِلْمانٍ لك! " لأنّها بمنزلةِ اسم منصرف في الكلام منوّنٍ يجُرّ ما بعده إذا سقط التنوين، وذلك نحو: "مائَتَا درهمٍ"، فانْجَرَّ "الدرهمُ" لمّا سقط التنوين، ودخل فيما قبله؛ لأنّ المضاف إليه داخلٌ في المضاف. وإنّما كان كذلك من قِبَل أنّ "كم" واقعةٌ على العدد، والعددُ منه ما ينصب مميِّزَه، نحو قولك: "عندي خمسةَ عشرَ ثَوْبًا، وعشرون عِمامَةً". ومنه ما يضاف إلى مميِّزه، وذلك على ضربَيْن: منه ما يضاف إلى الجمع نحو "ثلاثةُ أثوابٍ إلى العشرة"، ومنه ما يضاف إلى الواحد، نحو: "مائةُ درهمٍ"،
стр. 1050
و"ألفُ دينارٍ"، فمُيّزت "كَمْ" بجميع أنواعِ ما مُيّز به العددُ. وهذا مع إرادةِ الفرق بين موضعيها، إذ كان لفظُهما واحدًا، ولها معنيان، فـ "كَمْ" و"مُذْ"، و"حَتَّى" من جهة اللفظ على هيئة واحدة، وتعمل عَمَلَيْن.
فإن قلت: ولِم خُصّت الخبرية بالخفض، والاستفهاميّة بالنصب؟ فالجوابُ أنّ التي في الخبر تُضارع "رُبَّ"، وهي حرفُ خفض، فخفضوا بـ "كَمْ" في الخبر حملاً على "رُبَّ". ولمّا وجب للخبريّة الخفضُ بمضارَعتها "رُبَّ"، وجب للأخرى النصبُ؛ لأنّ العدد يعمل إمّا خفضًا، وإمّا نصبًا، ويُؤيِّد ذلك أنّ الاستفهام يقتضي الفعلَ، والفعلُ عملُه النصب. والقياسُ في "كَمْ" أن تُبيَّن بالواحد من حيث كانت للتكثير، والكثيرُ من العدد، يُبين بالواحد، نحو: "مائةُ ثوب" و"ألف دينارٍ"، فاعرفه.
فصل [إعراب "كم "]
قال صاحب الكتاب: وتقع في وجهيها مبتدأة، ومفعولة، ومضافاً إليها, تقول: كم درهماً عندك؟ وكم غلام لك! على تقدير أي عدد من الدراهم حاصل عندك؟ وكثير من الغلمان كائن لك، وتقول كم منهم شاهد على فلان؟، وكم غلاماً لك ذاهب! تجعل لك صفة لـ "الغلام"، و"ذاهباً" خبراً لـ "كم". وتقول في المفعولية: كم رجلاً رأيت؟ " و"كم غلام ملكت! وبكم مررت! وعلى كم جذعاً بني بيتك؟ وفي الإضافة: رزق كم رجلاً وكم رجل أطلقت.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إن "كَمْ" اسمٌ بدليلِ دخولِ حرف الخفض عليها، والإخبارِ عنها، إلا أنّها مبنيّةٌ لما ذكرناه من أمرها، فلا يظهر فيها إعرابٌ، إنّما يُحكَم على محلّها بالرفع والنصب والخفض. فإذا كانت مرفوعةَ الموضع؛ فالابتداء لا غيرُ، ولا تكون فاعلةً؛ لأن الفاعل لا يكون إلا بعد فعل، و"كَمْ" لا تكون إلا أوّلاً في اللفظ، فإذا كان الفعلُ لها، فإتما يرتفع ضميرُها به، وهي مرفوعةٌ بالابتداء. فمثالُ كونها مبتداة قولُك في الاستفهام: "كم درهمًا عندك؟ " فـ "كَم" في موضع رفع مبتدأةٌ، و"درهمًا" منصوبٌ بـ "كَمْ"؛ لأئها في تقديرِ عدد منوّنٍ، أو فيه نونٌ، و"عندك" الخبرُ. والمعنى: أيُّ عددٍ من الدراهم كائنٌ عندك، أو حاصلٌ، ونحو ذلك. وتقول: "كم رجلًا جاءك؟ " فتكلون "كم" أيضًا في موضع مرفوع بالابتداء، و"جاءك" الخبرُ، وفيه ضميرٌ يرجع إلى المبتدأ، وتقول في الخبر: "كم غلام لك! " فـ "كَمْ" في موضع رفع بالابتداء، و"غلام" مخفوضٌ بإضافةِ "كَمْ" إليه، و"لَكَ" الخبرُ، والمعنى: كثير من الغِلْمان لك: لأنّ كم في الخبر للتكثير. هذا تفسيرُ المعنى، وأمّا تقديرُ الإعراب، فكأنّك قلت: "مائةُ غلامٍ لك"، ونحوه من العدد الكثيرِ، نحو: "مائة" و"ألف" وغيرهما من الذي قد حُذف تنوينه للإضافة.
стр. 1051
وقالوا: "كم رجلٍ أفضلُ منك؟ " حكاه يونُس (١) عن أبي عمرو عن العرب، جعل "أفضل" خبرًا. وتقول: "كم منهم شاهدٌ على فلان؟ " فتكون "كم" في موضع رفع بالابتداء، و"شاهدٌ" الخبر، و"عَلَى" متعلّقةٌ بـ "شاهد"، والمميّزُ محذوفٌ. وتقول في الخبر "كم غلام لك ذاهبٌ! " فـ "كَمْ" في موضع مبتدأ أيضًا، و"ذاهبٌ" الخبر، و"لَكَ" في موضع الصفة لـ"غلام"، ويتعلّق بمحذوفٍ تقديره: استقرّ لك، أو مستقِرٌّ لك.
وإذا كانت منصوبة، فعلى ثلاثة أضرب: مفعولٌ به، ومفعولٌ فيه، ومصدرٌ. فمثالُ المفعول به قولك: "كم رجلًا رأيتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع منصوب بـ "رأيتَ"، وهي استفهامٌ هنا، ولذلك نصبتْ مميِّزَها، وتقديمُ المفعول هنا لازمٌ؛ لأنّ "كَم" استفهامٌ، والاستفهائم له صدرُ الكلام، والتقديرُ: أعشرين رجلاً رأيتَ، ونحوه. وتقول في الخبر: "كم غلامٍ ملكتُ! " فـ "كَمْ" في موضع نصب بـ "ملكت"، وقُدّم لِما تقدّم من كونِ "كَمْ" لها صدرُ الكلام أيضًا في الخبر على حدّها في الاستفهام، وحملاً على "رُبَّ" لمضارَعتها إيّاها على ما تقدّم.
وأمّا المفعول فيه، فقولك: "كم يومًا عبدُ الله ماكِثٌ؟ " فـ "عبدُ الله" مبتدأ، و"ماكثٌ" الخبر، فـ "كَمْ" هنا زمانٌ، وهي في موضع نصب مفعولٌ فيه، ومثل ذلك: "كم شَهْرًا ضُمْتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع منصوب بـ "صمت". وتقول: "كم فَرْسَخًا سِرْتَ؟ "، و"كم مِيلاً قطعتَ؟ " فـ "كَمْ" هنا مكان.
ومثالُ المصدر: "كم ضَرْبَةً ضربتُ؟ " و"كم وَففَةً وقفتُ؟ " فتكون "كم" في موضع مصدر منصوب بما بعده من الفعل. والمرادُ عددُ المرّات. فـ "كَمْ"، يُسأل بها عن كل مقدار، فلذلك جاز أن يسأل بها عن الزمان والمكان، وعن المصادر، وعن الأسماء، فعَنْ أيِّ شىء سُئل بها عنه، صارت من ذلك الجنس، وُيوضح أمرَها مميِّزها.
وأمّا إذا كانت مجرورة، فإنَّ ذلك يكون بحرف جر، أو بإضافة اسم مثله إليه، فمثالُ حرف الجرّ: "بكَمْ رجلاً مررتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع مخفوض بالباء، والجارُّ والمجرور في موضع نصب بـ "مررت"، و"رجلاً" منصوبٌ بـ "كَمْ"؛ لأنّها استفهامٌ. فإن أردتَ الخبر، خفضتَ "رجلاً"، وقلت: " بكم رجلٍ مررت! ".
والفرقُ بينهما أنّه في الاستفهام يسأل عن عددِ من مرّ بهم من الرجال، وفي الثاني يخبر أنّه مرّ بكثير من الرجال، فالمسألةُ الأُولى تقتضي جوابًا، والثانية لا تقتضي جوابًا. وتقول: "على كم جِذْعًا بُني بيتُك؟ " فـ "كم" أيضًا مخفوضةٌ بـ "عَلَى"، و"عَلَى" وما بعده في موضع نصب بما بعده من الفعل، وهو فعلٌ بُني للمفعول، و"جذعًا" منصوبٌ بـ "كَمْ". وقد حكى الخليلُ (٢) أنّ من العرب من يخفض "جدْعًا"، ويقول: "على كم
стр. 1052
جذع بيتُك مبنيٌّ". والوجه النصب؛ لأنّه ليس موضعَ تكثير، وإنّما هو سؤالٌ واستفهامٌ عن عدة الجُذوع. والذين خفضوا فإنّما خفضوا بإضمارِ "مِنْ"، وحسُن حذفُها ها هنا؛ لأنّ "عَلَى" في أوّل الكلام صارت عوضًا منها (١)، كما حسُن حدفُ حرف القَسَم في قولهم: "لا ها الله لا أفعلُ"، و"اللهِ لتَفْعَلَنَّ"، حيث جعلوا هاء التنبيه وألفَ الاستفهام عوضًا من واو القسم، كذلك ها هنا. وتقول في الإضافة: "رِزدْقَ كم رجلًا أطلقتَ"؟ فـ "رزق" منصوب بأنّه مفعولُ "أطلقت" وهو مضاف إلى "كم"، والتقديرُ: أَرِزْقَ عشرين رجلًا أطلقت؟ ونحوه من العدد ممّا فيه نونٌ، أو تنوين مقدّرٌ، نحو: "خمسةَ عشرَ" وبابِه، وبإضافته إلى "كَمْ" سرى إليه الاستفهامُ، فصار مستفهمًا عنه. ألا تراك تقول: "من عندك؟ " ويكون الجوابُ "زيدٌ"، أو "عمرٌو"، أو"هندٌ" ونحو ذلك ممّا يعقل، ولو قلت: "غلامُ مَنْ عندك؟ " لم يكن الجوابُ إلا "غلامُ زيد"، أو"غلامُ عمرو"، فعلمتَ أنّ السؤال إنما وقع عن المضاف لا المضاف إليه، وتقول إذا كانت خبرًا: "رزقَ كم رجلٍ أطلقتُ" بخفضِ "رجل"، فيكون التكثيرُ للرزق دون العدد؟ فاعرفه.
فصل [حذف مميز "كم" الاستفهامية]
قال صاحب الكتاب: وقد يحذف المميز فيقال كم مالك؟ أي كم درهماً أو ديناراً مالك؟ وكم غلمانك؟ أي كم نفساً غلمانك؟ وكم درهمك؟ أي كم دانقاً درهمك، وكم عبد الله ماكث؟ أي كم يوماً أو شهراً، وكذلك كم سرت؟ وكم جاءك فلان؟ أي كم فرسخاً وكم مرة أو كم فرسخ وكم مرة.
* * *
قال الشارح: يجوز حذف المفسِّر مع "كَمْ"، كما كان لك أن تحذفه في العدد من نحو "عشرين" ونظائره، وتكتفى بدليلٍ عليه إمّا بتقدُّمِ ذكره، أو دليل حال، وذلك نحو: "كم مالُك؟ " والمراد: كم درهمًا، أو دينارًا مالُك؟ ولا يجوز في "مالُك" إلا الرفع على الابتداء، و"كَم" الخبرُ، أو"كم" المبتدأ و"مالك" الخبر. وجاز حذفُ المُمَيِّز للعلم بمكانه ووضوح أمره.
ولا يُحْسَن حذفُ المميز مع "كم" إلا إذا كانت استفهامًا، ولا يحسن مع الخبريّة, لأنّ الخبريّة مضافةٌ، وحذفُ المضاف إليه، وتَبْقِيَةُ المضاف قبيحٌ. ومثله: "كم غلمانُك؟ " والمعنى: كم غلامًا غلمانُك، أو نفسًا، ونحوهُما من التقديرات. وتقول: "كم درهمُك؟ " والمراد: كم دانَقًا، أو قِيراطًا؟ فالسؤال وقع عن أجزاء
стр. 1053
درهم واحد له، ولو نصب فقال: "كم درهمًا لك؟ " لكان سائلًا عن عددِ دراهمه.
وتقول "كم عبدُ الله ماكثٌ؟ " فـ "عبدُ الله" مبتدأ، و"ماكثٌ" الخبر، و"كَمْ" ظرفُ زمان منتصبٌ بـ "ماكث"، والمميّزُ محذوف، والتقدير: كم يومًا، أو شهرًا عبدُ الله ماكث؟ فالمسألةُ عن مقدارِ مَكْثه من الزمان. ولذلك قُدّر بالزمان. وكذلك تقول: "كم سرتَ؟ " ولا تذكر مفسِّرًا، فيحتمل أن تريد ما سارَهُ من المسافة، فيكون ظرفَ مكان، كأنك قلت: "كم فرسخًا سرت؟ " أو"كم مِيلاً؟ " ونحو ذلك. وإذا أردت ما ساره من الأيّام، فهو ظرفٌ من الزمان، وتقديرُه: كم يومًا سرتَ، أو ساعةً؟ فتكون "كم" في موضعِ نصب بالفعل، وكذلك "كم جاءك فلان؟ " والمراد: كم مرّة جاءك؟ وقد قدّر صاحب الكتاب المفسِّر المحذوفَ بالنصب والخفض، فالنصبُ على الاستفهام، والخفضُ على الخبر، وقد تقدّم أنّ تقديره منصوباً أحسنُ، إذ حذفُ المضاف إليه قبيحٌ، فاعرفه.
فصل [مميز "كم" الاستفهامية]
قال صاحب الكتاب: ومميز الاستفهامية مفرد لا غير, وقولهم كم لك غلماناً؟ المميز فيه محذوف، والغلمان منصوبة على الحال بما في الظرف من معنى الفعل، والمعنى كم نفساً لك غلماناً؟
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أن "كم" الاستفهاميّة تُفسَّر بالواحد المنكور، نحو: "رجل" و"غلام" و"درهم" و"دينار" ونحوها من الأنواع، وذلك لأنّها في الاستفهام مقدّرةٌ بعدد منوَّن، أو فيه نونٌ، نحو: "خمسةَ عشرَ"، و"عشرين"، و"ثلاثين"، ونحو ذلك من الأعداد المنوَّنة. وتفسيرُ هذه الأعداد إنّما يكون بالواحد المنكور، نحو: "عندي خمسةَ عشرَ غلامًا، وعشرون عمامة"، فكذلك ما كان في معناها، فلذلك فُسرت "كم" في حال الاستفهام بالواحد.
فأمّا الخبريّة، فإنّه يجوز تفسيرُها بالمفرد والجمع، نحو: "كم رجل عندك! ". و"كم عِمامةٍ لك! " و"كم رجالٍ عندك! " و"كم غِلْمانٍ لك! " لأنها في تقديرِ عدد مضاف. والعددُ المضاف منه ما يضاف إلى جمع، نحو: "ثلاثةُ أثوابٍ"، و"عشرةُ غلمانٍ"، ومنه ما يضاف إلى واحد، نحو: "مائةُ دينار"، و"ألفُ درهم". وكانت "كَمْ" تشمَل النوعَيْن، فأضيفت إليهما. وقال أبو عليّ: أصلُها أن تضاف إلى واحد، وإنّما أضيفت إلى الجمع على الأصل المرفوض؛ لأن الأصل في "مائةُ درهم": "مائة من الدراهم"، فحذفوا "من" تخفيفًا، واكتفوا عن الجمع بالواحد، كما قالوا: "ثلاثُ مائةٍ"، والأصلُ: ثلاثُ مِئِين. فأمّا قولهم: "كم لك غلمانًا؟ " فـ "كَمْ" في موضع مبتدأ، و"لَكَ" الخبرُ، والمميِّزُ
стр. 1054
محذوف، والتقدير: كم نفسًا لك غلمانًا؟ أي: في خِدْمتهم، أو كم وَلَدًا لك غلمانًا؟ أي: شَبابًا.
والعاملُ في الحال الجارُّ والمجرور النائبُ عن "استقرّ" ونحوه، والصاحبِ المضمرِ فيه. ولو قلت: "كم غلمانًا لك"، لم يجز ألبتّةَ، لأنّك إن جعلتَه تفسيرًا، امتَنع لكونه جمعًا، وإن جعلتَه حالًا، امتنع لتقدُّمه على العامل المعنويّ، وهو"لَكَ"، وكان بمنزلة: "زيد قائمًا فيها" لتقدُّم الحال على العامل المعنويّ.
فصل [الفصل بين "كم" الخبرية وبين مميزها]
قال صاحب الكتاب: وإذا فصل بين الخبرية ومميزها نصب، تقول "كم في الدار رجلاً" قال [من البسيط]:
٦٦٨ - كم نالني منهم فضلاً على عدم ... [إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل]
وقال [من المتقارب]:
٦٦٩ - تؤم سناناً وكم دونه ... من الأرض محدودباً غارها
стр. 1055
وقد جاء الجر في الشعر مع الفصل. قال [من الكامل]:
٦٧٠ - كم في بني سعد بن بكر سيد ... ضخم الدسيعة ماجد نفاع
* * *
قال الشارح: اعلم اْنّ "كَمْ" يجوز الفصلُ بينها وبين مميِّزها بالظرف وحروف الجرّ جوازًا حسنًا من غيرِ قُبْح، نحو: "كم لك غلامًا"، و"كم عندك جاريةً"، ولا يحسن ذلك