← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فـ "الجىء" الدعاء للشرب، و"الهِيء" الدعاء للعَلَف، يقال: "هَأْهَأْتَ بها" إذا دعوتَها للعلف. ومن الأصوات "حَلْ"، وهو زجز للناقة، وهو مبنيٌ على السكون؛ لأنه لم يلتق في آخِره ساكنان، فبقي على سكونه، يقال منه: "حَلْحَلْتُ بالناقة" إذا قلت لها: "حَلْ حَلْ"، ويدخله تنوينُ التنكير، فيقال: "حَلٍ". قال رُؤْبَةُ [من الرجز]: ٦١٥ - وطُولُ زَجْرٍ بحَلٍ وعاجٍ وقالوا: "حَبْ" بالحاء غير المعجمة، وهو صوت يُزجَر به الجمل عند البروك، يقولون: "حَبْ لا مَشَيْتَ"، والإحباب في الإبل كالحِران في الخيل، قال الشاعر [من الرجز]: ٦١٦ - ضَرْبَ البَعِيرِ السوْءِ إذْ أَحَبا وهو مبني على السكون؛ لأنّه لم يُوجَد في آخِره ما يُوجِب الحركة. وقالوا: "هِدَعْ" بكسر الهاء، وفتح الدال، وهو صوت تُسكن به صغارُ الإبل إذا تَفرقت، وهو ساكنُ الآخِر على أصل البناء.

стр. 982

وقالوا: "دوهٍ"، وهو دعاء للربع، والربَعُ. الفَصِيل ينتَج في الربيع، وهو أول النتاج. يقال: "ما له رُبَعٌ، ولا هُبَعٌ" (١)، والهُبَعُ: ما يُنتَج في آخِر النتاج. وقالوا: "نَخَّ" مشدّدة، وهو صوت يقال عند إناخة البعير، وفُتح آخره لالتقاء الساكنين، وهما الخاءان، وخُص بالفتح لثقل التضعيف، وإتباعا لفتحة النون، وقد يُخفف بحذف إحدى الخاءَيْن، فإذا حُذفت إحدى الخاءين، يُسكن آخِره؛ لأن الموجب للحركة قد زال، وهو اجتماع الساكنين، ويقال منه: "نَخنَختُ الناقةَ، فتنخنخت"، أي: أبركتُها، فبركتْ. قال العَجاج [من الرجز]: ٦١٧ - ولو أَنَخْنَا جَمعَهُم تَنَخْنَخُوا وقالوا: "هِيخِ"، و"إيخِ" مثله يقال لإناخة البعير. وقالوا: "هُس"، وهو صوت يزجر به الراعي الغنمَ. وهو مفتوح الآخر لثقل التضعيف. ويقال: "راعٍ هسهاسٌ، وهُساهِسٌ"، إذا رعاها لَيْلَهُ كلهُ، كأنه قيل له ذلك لزَجْره إياها بـ "هُس". وقالوا: "فاعِ"، والمشهور: "فَعْ"، فعلى ذلك تكون الألف إشباعًا عن فتحة الفاء، يقال: "فَعْفَعَ بالغنم"، إذا قال لها: "فعْ فَعْ"، ومنه: "راعِ فَعْفاعٌ". وقالوا: "بُسْ"، وهو صوت يُدعَى به الغنم. قال أبو زيد: أَبْسَستُ بالغنم إذا أشليتَها إلى الماء، وقال أبو عُبَيد: يقال: بسستُ الإبل وأبسستُها, لغتان إذا قلت لها: بُس بُس، ومصدرُه: الإبساسُ، وهو صوت للراعي يسكن به الناقة عند الحَلْب. وقالوا: "هَجْ" في خَسءِ الكلب وزجرِه، ساكنُ الآخِر مخفف على أصل البناء

стр. 983

كـ "صَهْ" و"مَة"، وهو زجر للغنم. وربما قالوا فيه: "هَجَا" بألف، فأمّا قوله، وهو الحارث بن الخَزْرَج [من الكامل]: سَفَرَت فقلتُ لها هَجِ ... إلخ (١) فشاهد على الاستعمال، ونوّن "هَج"؛ لأنّه أراد النكرة. يهجو امرأة، ويصفها بالقَباحة، وأنها حين سفرت، زجَرَها زَجْر الكلاب، وحين تبرقعتْ، أشبهتِ الكلابَ. و"ضبار" اسم كلب. وقالوا: "هِيج"، وهو صوت يُصوت به الحادى، ويزجر، به إبلَه. وحج وهو صوت يزجر به الضأن. ومثله "عَهْ"، و"عِيزِ". وقالوا: "ثِىء" وهو دعاء للتَيس عند السفاد، وهو ساكنُ الآخِر؛ لأنه لم يُوجَد فيه ما يُوجب تحريكه. وقالوا: "دَجْ" بفتح الأول وإسكان الثاني، وهو صوتُ يُدعَى به الدجاج، يقال: "دَجْدَجْتُ بالدجاجة"، إذا قلت لها: "دج" تدعوها. وقالوا: "سَأ" بالسين غير المعجمة، و"تشؤ" بالشين المعجمة، وهو صوت يُدعى به الحمار إلى الشرب. قال الأحمر: "سَأسَأتُ بالحمار" إذا دعوته إلى الشرب، وقلتَ له: "سَأسَأْ" بالسين غير المعجمة. وقال أبو زيد: "شَأْشَأْتُ بالحمار": دعوتُه، وقلت له: "تُشؤْ تشؤْ". وقال رجل من بني الحِرْماز: "تشَأْ تُشَأْ" بضم التاء وفتح الشين، يُقال: "شَأشَأت". وفي المَثَل: "إذا وقف الحمارُ على الردْهة، فلا تَقُل له سَأ" (٢). وفي روايةِ: "قَرب الحمارَ من الردهة ولا تقل له سَأْ". والردهةُ: نقْرَة في صخرةِ الجبل يستنقِع فيها ماءُ السماء، والمراد: قرب الحمار من الماء فهو يشرب، ولا حاجة إلى أن تدعوه إلى الشرب بهذا اللفظ. وقالوا: "جاهِ" مكسورَ الآخِر لالتقاء الساكنين، وهو صوت يزجَر به البعير دون الناقة. هكذا نقله الجَوهَري، وربْما قالوا: "جاه" بالتنوين، وأنشد [من الطويل]: ٦١٨ - إذا قلتَ جاهٍ لجَّ حتى تَرُدهُ ... قُوَى أدَمٍ أطْواقُها في السلاسِلِ

стр. 984

وصاحب الكتاب قال: هو زجرٌ للسبع. وقالوا: "قُوسْ"، وهو صوت يُدعَى به الكلب، وهو ساكنُ الآخِر وإن اجتمع فيه ساكنان، كأنه موقوف عليه، فإن وُصل بكلام يُوجِب تحريكَه، ضُم للإتباع. وقالوا: "طِيخِ" بكسر الطاء، وهو حكايةُ صوت الضاحك. وقالوا: "عِيطْ" ساكنَ الطاء، وهو حكايةُ صوت الصبيان إذا تصايحوا. يُقال: "عَطْعَطَ القومُ"، إذا تصايحوا، والمصدر: العَطْعَطَةُ. ولا أراه من لفظِ "عِيطْ"، إنما الفعلُ منه "عيّطوا". ويجوز أن يكون الأصل في "عِيطْ": "عِطْ" مثلَ "جِىءْ" و"ثِىءْ"، والياءُ حدثت عن إشباعِ كسرة العين، كما قالوا في "صَهٍ": "صَاهٍ"، فأشبعوا فتحةَ الصاد، فصارت ألفًا، فعلى هذا تكون العَطْعَطَة. و"شِيبِ" حكايته صوت مَشافِرِ الإبل عند الشرب، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]: تَداعَيْنَ باسْمِ الشِّيبِ في مُتَثَلّمٍ ... جَوانِبْه من بَصْرَة وسِلامِ (١) و"شِيبِ" مكسورُ الباء للساكن قبله. وقالوا: "ماءِ" مكسورَ الهمزة لسكون الألف قبلها. وهو حكايةُ صوت بُغام الظَّبْية، وقد تقدم. وقالوا: "غاقِ"، وهو حكايةُ صوت الغراب، وهو مكسور الآخِر لسكون الألف قبل آخِره، وقد يُنوَّن، فيقال: غاية، قال القُلاخ [من الرجز]: ٦١٩ - مُعاوِد للجُوع والإمْلاقِ ... يَغْضَبُ إنْ قال الغُرابُ غاق أبعدكن الله من نياقِ

стр. 985

وقالوا: "طاقِ" حكايةُ صوت الضرْب، وهو مكسور للساكن قبله. "وطَقْ" حكايته وقعِ الحجارة بعضِها على بعض، يُقال: "طَقْطَقَتِ الحجارة"، إذا جاء صوتها طَقْ طَقْ، والطقْقَقَةُ صوتُ وقعِ حَوافر الخيل على الصلاب مثلُ الدقدقة، وهو ساكنُ الآخِر؛ لأنّه لم يُوجَد في آخِره ما يُوجِب الحركة. وقالوا: "قَبْ" ساكنَ الباءِ أيضًا، وهو حكايةُ صوت وقعِ السيف على الضَرِيبة.

стр. 986

الظروف فصل [ظروف الغايات] قال صاحب الكتاب: منها الغايات، وهي قبل وبعد وفوق وتحت وأمام وقدام ووراء وخلف وأسفل ودون ومن عل. وابدأ بهذا أول. وقد جاء ما ليس بظرف غاية، نحو حسب ولا غير وليس غير. والذي هو حد الكلام وأصله أن ينطق بهن مضافات، فلما اقتطع عنهن ما يضفن إليه، وسكت عليهن؛ صرن حدودًا ينتهي عندها، فلذلك سمين غايات. * * * قال الشارح: إنما قيل لهذا الضربَ من الظروف: غايات؛ لأن غايةَ كل شيء ما ينتهي به ذلك الشيءُ، وهذه الظروفُ إذا أُضيفت، كانت غايتُها آخِرَ المضاف إليه؛ لأن به يتم الكلامُ، وهو نهايتُه. فإذا قُطعت عن الإضافة، وأُريد معنى الإضافة، صارت هي غاياتِ ذلك الكلام، فلذلك من المعنى قيل لها: غايات. وهي مبنية على الضم، أما بناؤها؛ فلأن هذه الظروف حقُها أن تكون مضافة؛ لأنها من الأسماء الإضافية التي لا يتحقّق معناها إلَّا بالإضافة، ألا ترى أنّ "قَبْلًا" إنّما هو بالإضافة إلى شيء بعده، و"بَعْدا" إِنما هو بالإضافة إلى ما قبله؟ فلذلك كان حقها الإضافةَ، نحوَ: "جئتُ قبلَ يوم الجمعة، وبعدَ يومِ خُروجِك"، فلما حُذف ما أُضيفت إليه مع إرادته، واكتُفي بمعرفة المخاطب عن ذكره، وفُهم منها (١) بعد الحذف ما كان مفهوما منها (١) قبل الحذف، صارت بمنزلةِ بعض الاسم؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، وبعضُ الاسم مبني لا يستحِق الإعرابَ. وأمّا كونُها على حركة، فلأن لها أصلًا في التمكن، ألا ترى أنها تكون معرفة إذا كانت مضافة، نحوَ قولك: "جئتُ قَبْلَكَ، ومن قَبْلِك، وبعدَك، ومن بَعدِك"، أو نكرة، في نحوِ: "جئت قَبلًا، وبَعدًا"، وإنما تكون مبنية إذا قُطعت عن الإضافة، فلمّا كان لها هذا القَدَمُ في التمكن، وجب بناؤها على حركة تمييزا لها على ما بُني، ولا أصلَ له في

стр. 987

التمكن من نحوِ: "مَنْ"، و"كَمْ". وليس تحريكُها لالتقاء الساكنين كما يظن بعضُهم، ألا ترى أن من جملة الغايات "أوَّلُ"، و"مِن عَلُ" وآخِرُهما متحرك، ولم يلتق فيه ساكنان؟ وأمّا الضم فيها خاصةً؛ فلأن الضمّة حركةٌ لم تكن لها في حال إعرابها وتمكُنها، ألا ترى أنها في حال إعرابها تكون منصوبة ومجرورة، نحوَ قولك: "جئتُ قَبْلَك، وبَعْدَك"، و"جئت من قَبْلِك ومن بَعْدِك"؟ فلما بُنيت، ووجب لها الحركةُ؛ ضموها لئلا يُتوهم أنّها معرفة إذ الضمة غريبة منها. وقيل: حُركت بأقوى الحركات، وهي الضمة، لتكون كالعِوَض من حذفِ ما أُضيف إليه. وقيل: بُنيت على الضم لشَبَهها بالمنادى المفرد من نحوِ "يا زيدُ"، ووجهُ الشبَه بينهما أن المنادى المفرد متى نُكر، أو أُضيف، أعرب، نحوَ قوله [من الطويل]: ٦٢٠ - أدارًا بحُزْوَى هِجْتِ للعَيْن عَبْرَةً ... [فَمَاء الهَوَى يَرْفَضُ أَو يَتَرقْرَقُ] وقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ (١). وإذا أُفرد معرفة، بُني، وقد كان له حالةُ تمكُن، وكذلك "قَبْلُ"، و"بَعْدُ" إذا نُكر وأُضيف، أُعرب، وإذا أُفرد معرفة، بُني، فلذلك قالوا: "جئتُ قَبْلُ، وبَعْدُ ومِن قَبْلُ، ومن بعدُ". قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٢)، والمرادُ: من قَبْلِ كلّ شيء، ومن بعدِ كل شيء، وكذلك بقيةُ الظروف. قال الشاعر [من الطويل]: ٦٢١ - [إذا أنا لم أُومَنْ عليكَ] ولم يَكُنْ ... لِقاؤك إلَّا من وَراءُ وَرَاءُ

стр. 988

وقال [من الرجز]: ٦٢٢ - [يا رُب يوم لي لا أظللُة] ... أرْمَضُ مِنْ تَحْتُ وأضْحَى مِن عَلُهْ

стр. 989

وحكُم "أوَّلُ"، و"حَسْبُ" وَ"لَيسَ غَيرُ" حكمُ "قَبْلُ" و"بَعْدُ"، قال الشاعر [من الطويل]: ٦٢٣ - لَعَمْرُكَ ما أدرِي وإني لأوْجل ... على أينَا تغْدو المَنِيةُ أوَّلُ فاعرفه. * * * [بناء ظروف الغايات وإعرابها] قال صاحب الكتاب: وإنما يُبْنَينَ إذا نُوي فيهن المضافُ إليه، فإن لم يُنوَ، فالإعراب، كقوله [من الوافر]: ٦٢٤ - فساغَ لِيَ الشَرابُ وكنتُ قَبْلا ... أكاد أغَص بالماءِ الفُراتِ

стр. 990

وقد قُرىء ﴿لله الأمْرُ من قَبْل وَمِن بَعْد﴾ (١)، ويقال: "ابدأ به أولاً". * * * قال الشارح: قد تقدم القول: إن المضاف إليه من تمام المضاف إذ كان مُعرفًا له، فهو بمنزلة اللام من "الرجل" و"الغلام"، فإذا حُذف المضاف إليه مع إرادته، كان ما بقي كبعض الاسم، وبعضُ الاسم لا يستحق الإعرابَ. وأمّا إذا حُذف، ولم يُنْوَ ثبوتُه، ولا التعريفُ به، كان المضاف تامًا، فيُعرَب كسائر النكرات، نحو: "فَرَسٍ"، و"غلامٍ". فتقول: "جئت قَبْلاً، وبَعْدًا، ومِن قَبْلٍ ومن بَعْدٍ". وأما قول الشاعر [من الوافر]: فساغ لي الشراب ... إلخ فشاهد على إعرابِ "قَبْلٍ" حيث حُذف منها المضاف إليه، ولم يُنْوَ، والمشهورُ فيه الرواية: "بالماء الفرات"، ورواه الثعالبِيّ عن أبي عمرو: "بالماء الحميمِ"، وهو المحفوظ. وقُرىء ﴿لله الأمرُ من قبل ومن بعدِ﴾ (٢) بالجرّ والتنوين على إرادة النكرة، وقَطْعِ النظر عن المضاف إليه، وقرأ الجَحْدَري، وعونٌ العُقْيْليّ: ﴿من قبلِ ومن بعدِ﴾ بالجرّ من غير تنوين على إرادة المضاف إليه وتقديرِ وجوده. ومثله في إرادة النكرة قولُهم: "ابْدَأْ بذلك أولًا"، أي: مُقدمًا , ولم يتعرّض للتقدم

стр. 991

على ماذا، فصار نكرةً يُفهَم منه مفردًا غيرُ ما يُفهَم منه مضافًا، ألا ترى أنّك إذا أضفتَه، تُفهم منه التقدمَ علي شيء بعينه، وإذا لم تضفه، فهمتَ منه التقدمَ مطلقًا. وقيل: معنى التنكير فيه أنه إذا أضيف إلى نكرة، كان نكرة، وإذا حُذف المضاف إليه، بقي على تنكيره، فكان معربًا لذلك. * * * قال صاحب الكتاب: ويُقال: "جئتُه من عَلٍ"، وفي معناه. "من عالٍ", و"من معال" ,و"من عَلَا". ويقال: "جئته مِن عَلْوَ وعَلْوُ وعَلْوِ"، وفي معنَى "حَسْبُ": "بَجَل". قال [من الرجز]: ٦٢٥ - رُدّوا علينا شَيخنا ثُم بَجَلْ * * * قال الشارح: اعلم أنهم يقولون: "جئته من عَل" , ومعناه: من فَوْق، وفيه لغات، قالوا: "جئته من عَلٍ" منقوص كـ "عَمٍ" و"شَجٍ"، قال امرؤ القيس [من الطويل]: ٦٢٦ - [مِكَرٍّ مِفَر مُقْبِل مدبِر مَعًا] ... كَجلمودِ صَخْرٍ حَطهُ السيلُ من عَلِ

стр. 992

وقالوا: "مِن عال" كـ "قاض"، و"غاز"، قال الشاعر [من الرجز]: ٦٢٧ - قباء من تحت وريا من عال ويروى: تَظْمَأ مِن تَحْتُ وتَرْوَى مِن عالْ وقالوا في معناه: "مِن مُعالٍ"، قال ذو الرُّمة [من الرجز]: ٦٢٨ - ونَغَضانُ الرحْل من مُعالِ

стр. 993

وقالوا: "مِن عَلَا" مقصورًا كـ"عَصًا"، و"رَحَى"، قال [من الرجز]: فَهْيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلَا ... نَوْشًا به تَقْطَعُ أجْواز الفَلَا (١) وقالوا: "من عَلُ" بضم اللام. قال الشاعر [من الكامل]: ٦٢٩ - وَلَقَدْ سَدَدْتُ عَلَيْكَ كُلَّ ثَنِية ... وأتَيْتُ فَوْقَ بني كلَيْب مِن عَلُ وقالوا: "مِن عَلْوُ"، و"من عَلْوَ"، و"من عَلْوِ" بالضم والفتح والكسر، قال أعشى باهِلَةَ [من البسيط]: ٦٣٠ - إني أتَتْني لِسانٌ لا أُسَرُّ بها ... مِن عَلْوَ لا عَجَب منها ولا سَخَرُ

стр. 994

يروى بالضم والفتح والكسر. وهذه اللغاتُ، وإن اختلفت ألفاظُها، فالمراد بها معنى واحد، وهو "فَوق". و"فَوْق" من الأسماء التي لا تنفكّ من الإضافة؛ لأنه إنما يكون فوقًا بالنسبة إلى ما يُضاف إليه، كما كانتْ "قَبْلُ" و"بَعْدُ" كذلك، فوجب أن يكون "عَلُ" وسائر لغاتها مضافةً إلى ما بعدها. فإذا أُضيف إلى معرفة، وقطع عن الإضافة، وكان المضافُ إليه مرادًا منويًا، كان معرفةً، وبُنى لما ذكرناه من تنزله منزلةَ بعض الاسم إذ كان إنما يتم تعريفه بما بعده مما أضيف إليه. وإن قُطع النظر عن المضاف إليه، كان معربًا منكورًا، وكذلك لو أضفته إلى نكرة، وقطعتَه عنه، كان معربا أيضًا؛ لأنه منكور كما كان. فمعناه مع قطع الإضافة كمعناه مضافًا. فإذا قلت: "جئتُ من عَل" بالخفض، جعلتَه منكورًا، كأنك قلت: "جئتُ من فوقٍ"، ويحتمل أن تكون الكسرة إعرابا، وهو محذوفُ اللام، ويحتمل أن تكون الكسرة فيه بناء، وكسرةُ الإعراب محذوفة لثِقَلها على الياء التي هي لام مبدلة من الواو، والياءُ حُذفت لسكون التنوين بعدها على حد "قاضِ". وإذا قلت: "مِن عَلُ" بالضم، فهو معرفة محذوفُ اللام، والضم فيه كـ "قَبْل" و"بَعدُ". وإذا قلت: "عَلْوُ"، و"عَلْوَ"، وَ"عَلْوٍ"؛ فقد تممت الاسم، ولم تحذف منه شيئًا، فمن قال: "عَلوِ"، و"عَلوَ" بالكسر أو الفتح، فكأنه تَوهم الحركةَ فيه لالتقاء الساكنين، فالكسر على أصل التقاء الساكنين، والفتحُ طلبًا للخفّة، وإتباعًا لفتحة العين إذ كانت اللام ساكنة، فهي حاجز غير حصين. وكذلك من قال فيه: "عَلَا"، وجعله مقصورًا، فهو أيضًا تامٌّ غيرُ منتقص منه، وألفُه

стр. 995

منقلبة عن الواو، فإن نوى فيه المضافَ إليه، وجعله معرفة، كانت الألف في تقديرِ ضمة، ومن جعله نكرة، كانت الألف في تقدير كسرة، كما تكون "عَصا" كذلك. وكذلك "عالٍ"، و"مُعالٍ"، فهو تامٌّ، إذا كانت نكرة، كان مجرورًا ونوّن، وإذا كان معرفة، حُذف منه التنوين، وكان بالياء، وكانت الضمة فيه منوية. هذا هو القياس. فأما "بَجَلْ"، فهي اسم من أسماء الأفعال معناها: "اكْتَفِ"، و"اقْطَعْ". وهي مبنية على السكون لوقوعها موقعَ الفعل المبني، وسكنت على مقتضى القياس في كل مبني. وقد يُدْخِلون عليها الكافَ، فيقولون: "بَجَلْكَ"، كما يقولون: "قَطْكَ"، و"قَدْكَ"، إلا أنهم يقولون في إضافته إلى النفس: "بَجَلِي"، ولا يكادون يقولون: "بَجَلنْي" كما يقولون: "قَطنِي". وإنما ذُكرت هاهنا, لأنها في معنَى "حَسْبُ"، فاعرفه. فصل [أحكام "حيث "] قال صاحب الكتاب: وشبه "حَيْثُ" بالغايات من حيث ملازمتها الإضافة. ويُقال "حَيْثُ" و"حَوْثُ" بالفتح والضم فيهما, وقد حكى الكسائي: "حَيْثِ" بالكسر. ولا يُضاف إلى غير الجملة, إلا ما روي من قوله [من الرجز]: ٦٣١ - أما ترى حيث سهيل طالعاً ... [نجمًا يضيء كالشهاب لامعا] أي مكان سهيل وقد روى ابن الأعرابي بيتاً عجزه [من الطويل]: ٦٣٢ - [ونطعنهم حيث الحبي بعد ضربهم ... ببيض المواضي] حيث لي العمائم

стр. 996

ويتصل به "ما", فيصير للمجازاة. * * * قال الشارح: في "حَيْثُ" أربعُ لغات. قالوا: "حيثُ" بالضم، و"حيثَ" بالفتح، و"حَوْثُ"، و"حَوْثَ ". وهي مبنية في جميعِ لغاتها، والذي أوجب بناءَها أنّها تقع على الجهات الست، وهي "خَلْف"، و"قُدامٌ "، و"يمِينٌ"، و"شِمالٌ"، و"فَوْقٌ"، و"تَحْت"، وعلى كلّ مكان، فأبهمتْ "حَيْثُ" ووقعتْ عليها جميعًا، فضاهتْ بإبهامها في الأمكنة "إذ" المبهمةَ في الأزمنة الماضية كلها. فكما كانت "إذْ" مضافة إلى جمله تُوضِحها، أُوضحتْ "حَيْثُ" بالجملة التي تُوضَح بها "إذْ" من ابتداء وخبر، وفعل وفاعل. وحين افتقرتْ إلى الجملة بعدها، أشبهتْ "الّذِي" ونحوَها من الموصولات في إبهامها في نفسها وافتقارِها إلى جمله بعدها تُوضِحها، فبُنيت كبناء الموصولات. ووجهٌ ثان أنه ليس شيء من ظروف الأمكنة يُضاف إلى جمله إلَّا "حَيْثُ". فلمّا خالفت أخواتِها؛ بُنيت لخروجها عن بابها. ووجب أن يكون بناؤها على السكون؛ لأنّ المبنيّ على حركة ما كان له أصل في التمكن، وحالةٌ يكون معربا فيها، نحوَ: "يا زيدُ"، وبابِه في النداء، و"قبلُ"، و"بعدُ" ونحوِهما من الغايات. فأما "حَيْثُ" فلما لم تكن لهما هذه الحالةُ؛ كانت ساكنةَ الآخِر إلَّا أنّه التقى في آخرها ساكنان، وهما الياء والثاء، فمنهم مَن فتح طلبًا للخفة لثقل الكسرة بعد الياء كـ "أيْنَ" و"كَيْفَ"، ومنهم من شبّهها بالغايات، فضَمها كـ "قَبْلُ" و"بَعْدُ". ووجهُ الشبَه بينهما أن حق "حَيْثُ" من جهةِ أنها ظرف أن تُضاف

стр. 997

إلى المفرد كغيرها من ظروف الأمكنة، نحوِ: "أمامَك"، و"قُدامَك" ونحوِهما، فلما أُضيفت إلى الجملة، صارت إِضافُتها كلَا إضافةٍ، فأشبهتْ "قَبْلُ"، وَ"بَعْدُ" في قطعهما عن الإضافة، إلَّا أن الحركة في "حَيْثُ" لالتقاء الساكنين، وفي "قَبْلُ"، وَ"بَعْدُ" للبناء. وحكى الكسائيّ عن بعض العرب الكسرَ في "حَيْث"، فيقول: "من حَيْثِ لا يعلمون"، فكَسَرَها مع إضافتها إلى الجملة، ووجهُ هذه اللغة أنهم أجروا "حَيْث"، وإن كانت مكانا، مُجرى ظروف الزمان في إضافتها إلى الجمل، وإذا أُضيفت إلى الجملة، كان فيها وجهان: الإعرابُ والبناءُ، نحوُ قوله [من الطويل]: على حِينَ عاتبتُ المَشِيبَ على الصبَا ... وقلتُ: ألَما أصْحُ والشَيْبُ وازع (١) ويروى: "على حينِ" بالكسر، فمن فتح، بناه، ومَن كسر، أعربه. ويجوز أن يكون من قال: "حَيْثِ" بناه أيضًا، إلَّا أنه كسر على أصل التقاء الساكنين، ولم يُبالِ الثقلَ، كما قالوا: "جَيْرِ"، و"وَيبِ"، فكسروا، وإن كان قبل الآخِر ياءٌ. ومن العرب من يضيف "حَيْثُ" إلى المفرد ويجرّه، أنشد ابنُ الأعرابي [من الطويل]: ونَطْعُنُهُمْ حَيْثُ الحُبَى بَعْدَ ضَرْبهم ... ببِيضِ المَواضي حيثُ لي العَمائِمِ فهذ بناه، وأضافه إلى المفرد، كما قال: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٢)، فأضاف "لدن" مع كونه مبنيًّا ,ولم يمنعْه ذلك من الإضافة. ولا يُجازَى بـ "حَيْثُ" كما جُوزي بأخواتها من نحوِ "أيْنَ"، و"أنى" من حيث كانت مضافة إلى الجملة بعدها. والإضافةُ مُوضِحة مُخصصةٌ، والجزاءُ يقتضي الإبهامَ، فيتنافى مع (٣) معنى الإضافة والجزاء، فلم يُجمع بينهما. فإذا أُريد ذلك، أُتي معها بمَا يقطعها عن الإضافة، ويصير الفعلَ بعدها مجزومًا بعد أن كان مجرورَ الموضع، ولا تفسير بدخولِ "مَا" عليها حرفًا، كما صارت "إذْ" عند سيبويه حرفًا بدخولِ "مَا" عليها، وذلك لقوةِ "حَيْثُ" وكثرةِ مواضعها، وتشعُّبِ لغاتها على ما سيوضح في موضعه من هذا الكتاب. وقد يُستعمل "حَيْثُ" بمعنى الزمان، نحوَ قوله [من المديد]: ٦٣٣ - لِلفَتَى عَقْل يَعِيشُ به ... حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهْ فاعرفه.

стр. 998

فصل [أحكام "منذ "] قال صاحب الكتاب: ومنها "منذ"، وهي إذا كانت إسماً على معنيين: أحدهما: أول المدة كقولك: "ما رأيته منذ يوم الجمعة"، أي: أول المدة التي انتفت فيها الرؤية ومبدؤها ذلك اليوم. والثاني: جميع المدة كقولك: "ما رأيته منذ يومان"، أي مدة انتفاء الرؤية اليومان جميعاً. و"مذ" محذوفة منها, وقالوا: هي لذلك أدخل في الأسمية, وإذا لقيها ساكن بعدها ضمت رداً إلى أصلها. * * * قال الشارح: اعلم أن "مُذْ"، و"مُنْذُ" يختصان بالزمان، فلا يدخلان إلا على زمان، فمحلهما من الزمان محل "مِنْ" من المكان. فـ "مِن" لابتداء الغاية في المكان، ولا يُستعمل في غيره. تقول: "ما سرْتُ مِن بغدادَ"، أي: ما ابتدأتُ السيرَ من هذا المكان. و"مُنْذُ"، و"مُذ" لهذا المعنى في الزمان، ولا يُستعملان في غيره. وذهب الكوفيون (١) إلى أن "من" يصلح للزمان والمكان، و"مُذْ"، و"مُنْذُ" لا يصلحان إلَّا للزمان، وتَعلقوا بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ﴾ (٢)، و"أوّلُ يوم" من الزمان؛ وقد دخلتْ "من" على الزمان، ومنه قولُ زُهَيْر [من الكامل]: ٦٣٤ - لِمَنِ الدِيارُ بقُنةِ الحِجرِ ... أقْوَيْنَ مِن حِجَج ومِن دَهْرِ

стр. 999

و"حِجج" معناه: سِنون، وقد دخل عليها "مِنْ". ولا حجةَ في ذلك لاحتمالِ أنّ يكون المراد بقوله: "من أول يوم": من تأسيسِ أول يوم، ثم حُذف المضاف، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه. وقولُ زهير: "من حجج" أي: من مَر حجج، فدخولُ "مِنْ" إنّما هو على الحدث، لا على الزمان. قال سيبويه (١): و"مُذْ" تكون ابتداءَ غاية الأيّام والأحيان كما كانت "مِنْ"، لا يدخل واحد منهما على الآخر، يعني أنّ "مُذْ" لا تدخل على "مِنْ"، و"مِنْ" لا تدخل عليها. و"مُذْ" مخفّفة من "مُنْذُ" بحذف عينها، كما كانت "لَدُ" مخففةَ من "لَدُنْ" بحذف لامها. والذي يدلّ على ذلك أنّك لو سميت بـ "مُذْ"، وصغرتَها, لقلت: "مُنَيْذ"، فتُعيد المحذوفَ. والعرب تستعملهما اسمَيْن وحرفَيْن. والأغلبُ على "مُنْذُ" أن تكون حرفًا، ويجوز أن تكون اسمَا. والأغلبُ على "مُذْ" أن تكون اسما للحذف الذي لحقها، والحذفُ بابُه الأسماء من نحوِ: "يَدٍ"، و"دَمٍ"، والأفعالُ من نحوِ "خُذْ"، و"كُلْ"؛ وأما الحروف، فليس الأصلُ فيها الحذفَ إلَّا أن تكوَن مضاعَفة، فتُخفَف نحوَ: "إن"، ولكِن، و"رُبَّ". وإنما قل الحذفُ في الحروف, لأن الحذف ضرب من التصرف، والحروفُ لا تصرفَ لها لجُمودها وكونِها بمنزلةِ جزء من الاسم والفعل، وجزءُ الشيء لا تصرفَ له. وشيءِ آخَرَ، وهو أن الحروف إنما جيءَ بها لضرب من الإيجاز والاختصار، وهو النيابةُ عن الأفعال لتُفيد فائدتَها مع إيجاز اللفظ، ألا ترى أنّ همزة الاستفهام نائبة عن

стр. 1000

"أسْتَفْهِمُ"، وواوُ العطف نائبة عن "عطفتُ"، وكذلك سائرُ الحروف؟ وإذا كانت الحروفُ إنما جيء بها للإيجاز والاختصار، فلو ذهبتَ تحذف منها شيئًا، لكان اختصارَ المختصر، وهو إجحاف. فلذلك كان الغالبُ على "مُنْذُ" الحرفيةَ، والغالبُ على "مُذ" الاسميّةَ. فإذا كانت حرفًا، كان ما بعدها مخفوضًا، وكانت بمعنى الزمان الحاضر، نحوَ قولك: "ما رأيتُه مُذُ الساعةِ"، أي: في هذه الساعة الحاضرة، وكذلك "مُنْذُ الشهرِ"، و"منذُ العامِ"، كلُه بمعنى الحاضر. فـ "مُنْذُ" أوصلتْ معنى الفعل إلى ما بعدها من الزمان. ومثلُه: "مُذْ كَمْ سرتَ؟ " فـ"مُذْ" أوصلتُ معنَى "سرت" إلى "كَمْ"، كما كانت الباءُ كذلك في قولك: "بمن تَمُرُّ؟ " وتقول: "ما رأيتُه مُذ اليومِ إلى ساعتك هذه"، جعلتَ "اليوم" أوّلَ غايتِك، فأُجْريتْ في بابها كما جرتْ "مِنْ" إذا قلت: "مِن مكانِ كذا". وتقول: "ما رأيتُه مُذْ يومَيْن"، جعلتهما غايةَ ابتدائها. وإذا كانت اسمًا فلها معنيان: أحدُهما: أن تكون بمعنى الأمَد، فتنظِم أوّلَ الوقت إلى آخره. والآخَرُ: أن تكون بمعنَى أولِ الوقت. مثالُ الوجه الأول قولُك: "ما رأيتُه مذ يومان"، و"منذ ليلتان "، والمعنى: أمدُ ذلك يومان وليلتان، والنكرةُ ممّا يختصّ بهذا الضرب؛ لأن الغرض عدة المُدّة التي انقطعت فيها الرؤيةُ. وذلك أنّها وقعتْ جوابًا عن "كم مدةُ انقطاعِ الرؤية؟ " أو "مذ كم يومًا لم تَرَه؟ " فوجب أن يكون الجوابُ عددًا؛ لأنّ "كَمْ" عَدَدٌ، والجوابُ ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، ولا يلزم تخصيصُ الوقت وتعيينُه. فإن أتيتَ بمعرفةِ تشتمِل على عددٍ، جاز ولم يمتنِع، نحوَ قولك: "لم أرَه مذ المحرمُ" ومذ الشتاءُ"؛ لاشتمالهما على مدة معدودة، كأنك قلت: "لم أره مذ ثلاثون يومًا، ومذ ثلاثةُ أشهرٍ"؛ لأن تعريفه لم يُخْرِجه عن إفادة العدد، فقد وفيتَ بجوابِ "كَمْ" وزيادة. وأما الوجه الآخر: فيُذكَر فيه ابتداءُ الوقت على جهة التعريف، كقولك: "ما رأيتُه مذ يومُ الجمعة"، والمعنى: ابتداءُ ذلك يومُ الجمعة، وأوّلُ ذلك يومُ الجمعة. وهذا الوجهُ الثاني لا يجوز فيه إلَّا التوقيتُ والإشارة إلى وقتِ بعينه. وذلك أنّ جميعَ ذلك جوابُ كلام، كأنّه لما قال: "لم أرَك"، قال: "كم مدّةُ ذلك؟ " و"ما أوّلُ ذلك؟ " فجوابُ الأول العددُ، وما له مقدار معلوم من الزمان على ما ذُكر. وجوابُ الثاني، وهو "ما أوّلُ ذلك؟ " و"ما ابتداءُ ذلك؟ " أن تذكر له أوقاتًا معلومة، نحوَ: "يومُ كذا"، و"سنةُ كذا". والمرادُ: ما رأيتُه مذ ذلك الوقت إلى وقتي هذا، إلَّا أنّك تركتَ ذِكْرَ منتهَى الغاية للعِلْم به، إذ لو كان وقعت رؤيتُه بعدُ، ولم تكن الرؤيةُ انقطعتْ من الوقت الذي ذكره، لكان الإخبار غيرَ صحيح. واعلم أنّك إذا رفعتَ ما بعد "مُذْ"، فالكلامُ مبتدأ وخبر، فـ "مُذ" أبتداء، وما بعده

стр. 1001

الخبرُ؛ لأن "مُذْ" واقعة موقعَ "الأمَد"، كأنّك قلت: "أمدُ ذلك يومان"، أو"أوَّلُ أمدِه يومُ الجمعة"، فكما يكون الأمدُ مبتدأ، فكذلك ما وقع موقعَه. وقال بعضهم: "يومان" هو المبتدأ، و"مُذ" الخبر، وتُقدر "مُذْ" تقديرَ ظرف المكان، كأنّه قال: "بيني وبينه يومان". والأوّلُ أظهرُ، فالكلامُ إذا رفعتَ ما بعد "مُذْ" جملتان، وإذا خفضتَ وقلت: "مذ يومَيْن"، فالكلامُ جملة واحدة. وذهب الفرّاء إلى أنّ "مُنْذُ" مركبة من "مِنْ"، و"ذُو"، فحذفوا الواو تخفيفًا وما بعدها من صلة الذال، وقال غيره: هي مركّبة من "مِنْ" و"إذْ"، فحُذفت الهمزة تخفيفًا، وغُيرت بضمّ أوّلها، وحُرّكت الذال لسكونها، وسكونِ النون قبلها، وضُمتْ إتباعًا لضمة الميم. وهذه دَعاوَى لا دليلَ عليها، والأصلُ عدمُ التركيب. وقد ذهب بعضُ أصحابنا (١) إلى أن "مُذْ" و"مُنْذُ" اسمان على كل حال، فإذا رفعتَ ما بعدهما، فعلى الابتداء والخبر على ما سبق، وإذا خفضت ما بعدهما، فعلى تقديرِ اسمين مضافين، وإن كانا مبنيين، كقولك: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٢) أضفتَ "لدن" إلى "حكيم"، وإن كان مبنيًّا. ومثلُه في خفضِ ما بعده ورفعِه "كَمْ". تقول: "كم رجل جاءني؟ " فيكون بمنزلةِ عدد مضاف، وتقول: "كم دراهمُك؟ " فيكون في موضع مبتدأ، وما بعده الخبرُ. وهو قول متين، إلا أن الجواب عنه أن "مُذْ" و"مُنْذُ" لابتداء الغَاية في الزمان، فهي نظيرةُ "مِنْ" في المكان، فكما أتى "مِنْ" حرفٌ، فكذلك ما هو في معناه. فإن قيل: فلِمَ بُنيت "منذ" و"مذ"؟ قيل: أما إذا كانت حرفًا، فلا كلامَ في بنائها، إذ الحروفُ كلها مبنيّة، وإذا كانت اسمًا، فهي مبنية أيضًا؛ لأنّها اسم في معنى الحرف، فكان مبنيا كـ"مَنْ" و"مَا" إذا كانا استفهامًا، أو جزاءً، وحقهما السكون؛ لأن أصل البناء على السكون. وإنما حُركت "مُنْذُ"، لكون النون قبلها ساكنةً، وضُمّت إتباعًا لضم الميم، إذ النونُ خفية، لأنها غُنَّة في الخَيْشوم ساكنةٌ، فكانت حاجزًا غيرَ حصين. ولو بنوها على الكسر بمقتضى التقاء الساكنين، لَخرجوا من ضم إلى كسر، وذلك قليلٌ في كلامهم. ومثلُه في الإتباع قولُهم: "مُنْتُن"، فمنهم من يضم التاء إتباعًا لضمة الميم، ومنهم من يقول: "مِنْتِنٌ"، بكسر الميم إتباعًا لكسرة التاء، إذ النونُ لخَفائها وكونِها غنةً في الخيشوم حاجر غيرُ حصين. وأمّا "مُذْ" فساكنةٌ, لأنه لم يلتق في آخِرها ما يوجب لها الحركةَ، فإن لَقِيَها ساكن بعدها، ضُمّت لالتقاء الساكنين، نحوَ: "مُذُ اليومُ"، و"مُذُ

стр. 1002

الليلةُ". ومنهم من يكسرها، فيقول: "مُذِ اليومُ"، و"مذِ الليلةُ"، فمَن ضمّ، فإنّه أتْبَعَ الضم الضم، وإذا كانوا أتبعوا في "مُنْذُ" مع الحاجز، فأن يُتْبِعوه مع عدم الحاجز أوْلى. ويجوز أن يكون لما وجب التحريكُ لالتقاء الساكنين، حرّكوه بالحركة التي كانت له، كما قالوا: "رُبَ"، فحركوها في حال التخفيف بالحركة التي كانت لها قبل التخفيف، فاعرفه. فصل [أحكام "إذْ" و "إذا "] قال صاحب الكتاب: ومنها "إذ" لما مضى من الدهر، و"إذا" لما يستقبل منه, وهما مضافتان أبداً, إلا أن "إذ" تضاف إلى كلتا الجملتين، وأختها لا تضاف إلا إلى الفعلية, تقول: "جئت إذ زيد قائم"، و"إذا قام زيد"، و"إذ يقوم زيد"، و"إذ زيد يقوم", وقد استقبحوا: "إذ زيد قام". وتقول: "إذا قام زيد"، و"إذا يقوم زيد". قال الله تعالى: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى﴾ (١) , ونحو قوله [من الرجز]: ٦٣٥ - إذا الرجال بالرجال التفت ارتفاع الاسم فيه بمضمر يفسره الظاهر. * * * قال الشارح: "إذْ"، و"إذا" ظرفان من ظروف الأزْمِنة، فـ "إِذْ" ظرفٌ لِما مضى منها، و"إذَا" لِما يُستقبل، وهما مبنيان على السكون. والذي أوجب لهما البناءَ شَبَهُهما بالموصولات، وتنزلُ كل واحد منهما منزلةَ بعض الاسم. فأما "إذْ" فإنّها تقع على الأزمنة الماضية كلها مبهمةً فيها, لا اختصاصَ لها ببعضها دون بعض، فاحتاجت لذلك إلى ما يوضحها، ويكشِف عن معناها، وإيضاحُها يكون بجملة بعدها، فصارت بمنزلةِ بعض الاسم، وضارعتْ "الّذِي"، والأسماءَ الناقصةَ المحتاجةَ إلى الصلات, لأن الأسماء موضوعةٌ للدلالة على المسميات، والتمييزِ بين بعضها وبعض. فإذا وُجد منها ما يتوقّف معناه على ما بعده، حل مع ما بعده من تَمامه محل الاسم الواحد، وصار هو بنفسه

стр. 1003

بمنزلةِ بعض الاسم، وبعضُ الاسم مبنيّ؛ لأنّ بعض الاسم لا يُوضَع للدلالة على المعنى. وبُنيت على السكون على أصل البناء على ما تقدم. فـ "إذْ" تُوضح بالمبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، فمثالُ المبتدأ والخبر قولُك: "جئتُك إذ زيدٌ قائم"، ومثال الفعل والفاعل قولك: "جئتُك إذ قام زيدٌ"، و"إذ يقوم زيد". وإذا كان الفعل مضارعًا؛ حسن تقديمهُ وتأخيرهُ، نحوُ: "جئتُك إذ يقوم زيد"، و"إذ زيد يقوم". وإذا كان ماضيًا، لم يحسن تأخيرُه، لا يكادون يقولون: "إذ زيد قام"، وذلك لأنّ "إذْ" ظرفُ زمان ماض، فإذا كان معك فعلٌ ماض، استحبوا إيلاءه إياه لتشاكُلِ معناهما، وما بعد "إذْ" في موضعِ خفض بإضافةِ "إذْ" إليه، إذ كانت زمانًا، والزمانُ يضاف إلى الجُمل، نحوَ: "جئتُك زمانَ زيد أمير، وزمنَ قام زيدٌ، وزمنَ يقوم زيد". وأما "إذَا"، فهي اسمٌ من أسماء الزمان أيضًا، ومعناها المستقبَل، وهي مبنيةٌ لإبهامها في المستقبل، وافتقارِها إلى جملةٍ بعدها، تُوضِحها وتُبينها كما كانت الموصولات كذلك، على ما ذكرنا في "إذْ"، مضافَا ذلك إلى ما فيها من معنى الشرط، فبُنيت كبناء أدوات الشرط، وسكن آخِرُها؛ لأنّه لم يلتقِ فيه ساكنان. ولِما تضمنتْه من معنى الجزاء، لم يقع بعدها إلَّا الفعلُ، نحوُ: "آتيك إذا احمر البُسْرُ، وإذا يقوم زيدٌ". فأمّا قول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ (١) فشاهد على جوازِ وقوعِ كلّ واحد من المضارع والماضي بعدها، فإذا وقع الاسمُ بعدها مرفوعا، فعلى تقدير فعلِ قبله؛ لأنّه لا يقع بعدها المبتدأ والخبر، لِما تضمنته من الشرط والجزاء. والشرطُ والجزاء مختصان بالأفعال، وذلك نحوُ قوله، وهو جَحْدَرُ بن ضبَيْعَةَ جاهلى [من الرجز]: إذا الرجالُ بالرجالِ الْتَفتِ وبعده: أمُخْدَج في الحَرْب أمْ أتَمَّتِ ويروى: إذا الكُماةُ بالكُماة التفتِ و: إذا العَوالي بالعوالي التفتِ والمُخدَج: الولدُ يولَد ناقصًا، وإن تمت أيّامُ حَمْله، كأنه قال: "إذا التفّت الرجالُ بالرجال التفت"، ومثله قوله [من الطويل]: إذا ابنُ أبي مُوسَى بِلالًا بَلَغْتِهِ ... فقامَ بفَأسٍ بين وَصلَيْكِ جازِرُ (٢)

стр. 1004

والمراد: إذا بُلغ ابنُ أبي موسى بلال بلغتِه. وعليه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (١) و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (٢). كله بإضمارِ فعلٍ يُفسره الظاهرُ. وأجاز الكوفيون وقوعَ المبتدأ والخبر بعدها لأنها ليست شرطًا في الحقيقة. * * * قال صاحب الكتاب: وفي "إذا" معنَى المُجازاة دونَ "إذْ"، إلَّا إذا كُفُتْ، كقول العَباسِ بن مِرْداسٍ [من الكامل]: ٦٣٦ - إذْما دخلتَ على الرسولِ فقُلْ له ... حَقًّا عَليكَ إذا اطْمَأن المَجْلِسُ وقد تقعانِ للمُفاجَأة، كقولك: "بَينَا زيدٌ قائم إذ رأى عمرًا"، و"بينما نحن بمكان كذا إذا فلانٌ قد طلع علينا"، و"خرجتُ فإذا زيدٌ بالباب". قال [من الطويل]: ٦٣٧ - وكنتُ أُرَى زيدًا كما قيلَ سَيدًا ... إذا إنه عَبْدُ القَفا واللهازِمِ

стр. 1005

وكان الأصمعيّ لا يستفصِح إلَّا طَرْحَهما في جواب "بَينَا"، و"بَينَمَا"، وأنشد [من الوافر]: ٦٣٨ - بينا نحنُ نَرْقُبُه أتانَا ... مُعَلقَ وَفْضَة وزِنادِ راعِ

стр. 1006

وأمثالًا له. ويُجاب الشرط بـ "إذا" كما يُجاب بالفاء. قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (١). * * * قال الشارح: إنما كان في "إذا" معنى المجازاة؛ لأن جوابها يقع عند الوقت الواقع، كما تقع المجازاةُ عند وقوع الشرط. ومثلُه قولك: "الذي يأتيني فلَهُ درهمٌ"، فيه معنى المجازاة؛ لأنه بالإتيان يستحق الدرهمَ. ولا يُجازَى بها، فيُجْزَمَ ما بعدها؛ لِما تقدم من توقيتها، وتعيينِ زمانها، فلذلك كان ما بعدها من الفعل مرفوعًا، نحوَ قوله [من البسيط]: ٦٣٩ - تُصغِى إذا شَدها للرحْل جانِحَة ... حتى إذا ما استَوَى في غَرْزِها تَثِبُ ولا يُجزَم بها إلا في الشعر، نحوِ قوله [من الطويل]: ٦٤٠ - إذا قَصُرَتْ أسْيافُنا كان وَصلُها ... خُطانَا إلى أعْدائِنا فنُضارِبِ

стр. 1007

فجزمُ ما عُطف على الجواب دليل على جزم الجواب. وليست "إذْ" كذلك لتبيين وقتها وكونِه ماضيًا، والشرطُ إنّما يكون بالمستقبل، فلذلك ساغ أن يليها الاسمُ والفعلُ. فإذا دخلتْ عليها "مَا"، كفتْها عن الإضافة، نحوَ قوله، وهو العَباس بن مِرْداس [من الكامل]: إذ ما أتَيْتَ على الرسول فقُلْ له ... إلخ الشاهد فيه مُجازاتُه بـ "إذْمَا"، ودل على ذلك إتيانُه بالفاء جوابًا, لأنّها صارت بدخولِ "مَا" عليها، وكَفِّها لها عن الإضافة المُوضِحةِ الكاشفةِ عن معناها، مبهمة بمنزلةِ "مَتَى"، فجازت المجازاةُ بها، كما يُجازَى بـ "متَى". والفرقُ بيِن "مَتَى" و"إذْ" أن "متى" للزمان المطلق، و"إذْ" للزمان المعين إلَّا أنّ "إذْ" تفسير بتركيب "مَا" معها حرفا من حروف الجزاء عند سيبويه (١)، وتخرج عن حَيزِ الأسماء، وسيوضَح ذَلك في موضعه من الجزاء. وقد تكون "إذا" للمُفاجأة، فتكون فيه اسما للمكان، وظرفًا من ظروفه، فتقول: "خرجتُ فإذا زيدٌ قائم"، و"خرجتُ فإذا زيدٌ قائمًا"، و"خرجتُ فإذا زيد". فإذا قلت: "خرجتُ فإذا زيد قائم". كان "زيد" المبتدأ، و"قائم" الخبرَ، و"إذا" ظرفَ مكان عمِل فيه الخبرُ، كما تقول: "في الدار زيد قائم"، والمرادُ: بحَضْرتي زيدٌ قائمٌ، أي: فاجَأني عند خروجي. وإذا قلت: "فإذا زيدٌ قائمًا"، جعلتَ "إذا" الخبرَ؛ لأنّه ظرفُ مكان، وظروفُ

стр. 1008

المكان تقع أخبارًا عن الجُثَث، و"قائمًا" حال من المضمر في الظرف، والظرفُ وضميرُه عمِلًا في الحال، كما تقول: "في الدار زيدٌ قائمًا". ومن قال: "خرجتُ فإذا زيدٌ"، فـ "زيدٌ" مبتدأ، و"إذا" الخبر، فأمّا قوله، أنشده سيبويه [من الطويل]: وكنتُ أُرَى زيدًا ... إلخ فأوْرده شاهدًا على كونِ "إذا" خبرًا، وذلك إذا فُتحت "أن" على تأويل المصدر المبتدأ، والإخبارُ عنه بـ "إذا"، والتقديرُ: فإذا العُبُوديةُ، كأنه شاهَدَ نفسَ المعنى الذي هو الخِدمةُ والعَمَلُ. فأما إذا كُسرت "إن" فإنه على نيةِ وقوع المبتدأ والخبر بعد "إذا", لأن "إن" تُقدَر تقديرَ الجُمَل، أي: فإذا هو عبدٌ، كأنه شاهَدَ الشخصَ نفسَه من غير صفة العمل. يهجو هذا الرجلَ بأنه كان يظنّ فيه النجْدَةَ، فإذا هو ذليلُ القفا واللهازمِ. واللهازمُ: جمعُ لِهْزِمَة بكسر اللام، وهما لهزمتان، أي: عَظْمان ناتئان في أصل اللحْيَيْن, لأن الخُضوع يكون بالأعناق والرؤوس. و"إذا" هاهنا يجوز أن تكون ظرفَ مكان متعلقة بالخبر، ويجوز أن تكون حرفًا دالًا على المفاجأة، فلا تتعلق بشيء، وقد تقدم نحوُ ذلك في أول الكتاب. وقد تُغنِي "إذا" إذا كانت للمفاجأة عن الفاء في جواب الشرط، تقول: "إن تأتِني فأنا مُكْرِمْ لك"، وإن شئت: "إذا أنا مكرم لك"، وذلك لتقارُب معنيَيْهما؛ لأن المفاجأة والتعقيب متقاربان. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (١)، أي: فهم يقنطون. فأما قولهم: "بَيْنَا زيدٌ قائمٌ إذ رأى عمرًا"، و"بَيْنَمَا نحنُ في مكان كذا إذا طلع فلان علينا"، فقال بعضهم: هي للمفاجأة كما كانت "إذا" كذلك، وقال بعضهم هي زائدة، والمعنى: بينما زيد قائم رأى عمرًا. وكان الأصمعي لا يرى إلَّا طَرْحَ "إذْ" من جواب "بَيْنَا" و"بَيْنَمَا"، ويستضعِف الإتيانَ بها، وذلك من قِبَل أن "بَيْنَا" هي "بَيْنَ"، والألفُ إشباعٌ عن فتحة النون، وهي متعلقة بالجواب، فإذا أتيتَ بـ "إذ"، وأضفتَها إلى الجواب، لم يحسن إعمالُه فيما تقدم عليه، والذي أجازه لأجلِ أنه ظرفٌ، والظروف يُتسع فيها. وأحسنُ أحوالها أن تكون زائدة، فلا تكون مضافة، فلا يقبح تقديمُ ما كان في حيّز الجواب، فأما قوله [من الوافر]: بينا نحن نرقبه ... إلخ فشاهدٌ على استعمالها بغيرِ "إذْ"، وهو الأفصحُ، والمراد بقوله: "بينا نحن بين أوقاتِ نحن نرقبه"؛ لأنه قد أضيف إلى الجملة. وإنّما يضاف إلى الجملة أسماءُ الزمان

стр. 1009

دون غيرها، فلذلك قلنا: إن المراد: بين أوقات نحن نرقبه. ومثله قوله [من الكامل]: بَينَا تَعَنقِهِ الكماةَ وروغِهِ ... يَومًا، أُتِيحَ له جَرِيءٌ سَلفَعُ (١) والمراد: بين أوقاتِ تعنقِه الكماةَ. فصل ["لدي" ولغاتها] قال صاحب الكتاب: ومنها "لدى", والذي يفصل بينها وبين "عند" أنك تقول: "عندي كذا" لما كان في ملكك, حضرك أو غاب عنك، و"لدي كذا" لما لا يتجاوز حضرتك. وفيها ثماني لغات: "لدى", و"لدن" و"لدن" و"لد" بحذف نونها، و"لدن", و"لدن" بالكسر لالتقاء الساكنين، و"لَد" و"لُد" بحذف نونهما. وحكمها أن يجر بها على الإضافة كقوله تعالى: ﴿من لدن حكيم عليم﴾ (٢). وقد نصبت العرب بها "غدوة" خاصة قال [من الطويل]: ٦٤١ - لدن غدوة حتى ألاذ بخفها ... بقية منقوص من الظل قالص تشبيهًا لنونها بالتنوين , لما رأوها تُنزع عنها وتثبت. * * * قال الشارح: أعلم أن "لَدَى" ظرف مْنْ ظْروف الأمكنة بمعنى "عِندَ"، وهو مبني على السكون، والذي أوجب بناءه فَرْطُ إبهامه بوقوعه على كل جهة من الجهات الستّ،

стр. 1010

فليس في ظروف الأمكنة أبْهَمُ منَ "لَدَى"، و"عِنْدَ"، ولذلك لزمت الظرفيّةَ، فلم تتمكن تمكن غيرها من الظروف، فجرت لذلك مجرى الحرف في إبهامه. وكان القياس بناء "عِنْدَ" أيضًا؛ لأنّها في معنى "لَدُنْ" و"لَدَى"، وإنّما أُعربت "عِنْدَ"؛ لأنهم توسعوا فيها، فأوقعوها على ما بحضرتك، وما يبعد، وإن كان أصلها الحاضرَ، فقالوا: "عندي مالٌ"، وإن لم يكن حاضرًا، يريد أنه في مِلْكي. وقالوا: "عندي عِلمٌ" ولا يعنون به الحضرةَ. و"لَدَى" لا يتجاوزون به حضرةَ الشيء، فلهذا القدر من التصرف أعربوا "عِنْدَ"، وإن كان حكمُها البناء كـ "لَدُنْ"، و"لَدَى"، وبها جاء التنزيل. قال الله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (١)، وقال: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ (٢) وقال: ﴿مِنْ لَدُنْا﴾ (٣) وقال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٥). وليست "لَدَى" من لفظ "لَدنْ"، وإن كانت من معناها؛ لأن "لَدَى" معتل اللام، و"لَدُنْ"صحيح اللام. وقالوا فيها: "لَدْنِ" بفتحِ اللام وسكون الدال وكسر النون، فإنّهم استثقلوا ضمة الدال، فسكنوا تخفيفًا، كما قالوا في "عَضُد": "عَضْدٍ". ولمّا سكنت الدالُ، والنونُ ساكنة، كسروا النونَ لالتقاء الساكنين، فقالوا: "لَدْنِ". وقالوا: "لُدْنِ" بضم اللام مع سكون الدال وكسر النون، وذلك أنّهم لما أرادوا التخفيف، نقلوا الضمة من الدال إلى اللام، ليكون ذلك أمارة على الحركة المحذوفة، وكسروا النون لالتقاء الساكنين. فأمّا من قال: "لَدَنْ"، فهي "لَدُنْ" بضم الدال، وإنما سكنوا الدال استثقالًا للضمّة فيها، كما قالوا: "عَضْدٌ"، و"سَبْعٌ". فلما سكنت الدال، وكانت النون بعدها ساكنة، فُتحت الدال لالتقاء الساكنين، وشُبّهت من طريق اللفظ بنحو قولك في الأمر والنهي: "اضْرِبَنْ زيدًا"، و"لا تَضْرِبَنْ عمرًا"، وقد حذفوا النون من "لَدُنْ" تخفيفًا، فقالوا: "من لَدُ الصلاة"، و"لَدُ الحائطِ"، وليس حذفُ النون لالتقاء الساكنين؛ لأنهم قد حذفوها؛ ولا ساكنَ بعدها، أنشد سيبويه [من الرجز]: ٦٤٢ - مِن لَدُ شَوْلًا فإلَى إتْلائِها

стр. 1011

فمنهم من قال: "لدُ"، بضم الدال وإبقاء الضمة بعد الحذف، ليكون دليلًا على المحذوف، وأنه منتقص من غيره، وليس بأصلِ على حِياله. ومنهم من قال: "لُدْ"، فحذف النون بعد نقل الضمّة إلى اللام. ومنهم من قال: "لَدْ"، بفتح اللام وسكون الدال، كأنه حذف الضمة تخفيفًا على ما ذكرنا، ثم حذف النون، وأبقى الدال على سكونها. واعلم أن حكمَ "لَدُنْ" أن يُخْفَض ما بعدها بالإضافة كسائر الظروف، نحو: "أْمامَ"، و"قُدامَ"، و"وَراءَ"، و"فَوْقَ"، و"تحتَ"، ولأنّ نونها من أصل الكلمة بمنزلة الدال من "عِنْدَ"، كما قال : ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (١)، غير أن من العرب من ينصب بها، قال الشاعر [من الطويل]: لدن غدوة حتّى أَلاذَ ... إلخ وقال ذو الرُّمة [من الطويل]: ٦٤٣ - لَدُنْ غُدْوَة حتى إذا امْتَدتِ الضحَى ... وحَث القَطِينَ الشحْشَحانُ المُكَلَّفُ

стр. 1012

يعني الحادي، والقطين: جمع قاطن. وإنما نصبوا بها هاهنا؛ لأنهم شبهوا نونَ "لدن" بالتنوين في "ضاربٍ"، فنصبوا "غدوةً" تشبيها بالمميز في نحو: "عندي راقودٌ خَلاّ، وجُبة صُوفًا"، والمفعولِ في نحو: "هذا ضاربٌ زيدًا، وقاتلٌ بكرًا"، ووجهُ الشَّبَه بينهما اختلافُ حركة الدال قبل النون، يقال: "لَدُنْ"، و"لَدَنْ"، بضم الدال وفتحها على ما سبق. فلما اختلفت الحركتان قبل النون، وكانوا يحذفون النون، فيقولون: "لَدُ غدوة"، شابهت الحركاتُ قبلها باختلافها حركاتِ الإعراب، وشابهت النونُ التنوين بكونها تُحذَف تارة وتُثبَت أخرى، كما يكون التنوين كذلك، فنصبوا بها "غدوةً"، كما نصبوا بـ "ضارب". وقد شبه بعضُهم "غدوةً" بالفاعل، فرفعها فقال: "لدن غدوةٌ"، كما تقول: "قام زيدٌ". ومنهم من يجري على القياس، فيخفض بها، فيقول: "لدن غدوة". ولا يُنصب غيرُ "غدوة" مع "لدن"، وذلك لكثرة استعمالها، فغيروها عن الجر، فلا تقول قياسًا على "لدن غدوةً": "لدن بُكْرَةَ"؛ لأنه لم يكثر في كلامهم كثرةَ "لدن غدوة". واعلم أن "غدوة" قد وقعت بعد "لدن" مصروفة ألبتةَ، فقالوا: "لدن غدوةً"، و"غدوة" وقعتْ في كلامهم معرفةً، و"غَداةٌ" نكرة، ألا ترى أنك تقول: "بالغداة والعَشِي"، ولا تقول: "بالغدوة والعشي" إلَّا في قراءة ابن عامر؟ والوجهُ في ذلك كثرةُ استعمالها , ولكثرة الاستعمال أثر في التغيير، ألا ترى أنهم قالوا: "أيْش"، والمراد: أيُ شيءٍ، وقالوا: "وَيْلُمِّهِ"، وقالوا: "لا أَدْرِ"، فغيروا هذه الأشياء عن مقتضاها لضرب من التخفيف عند كثرة الاستعمال. وصرفُ الاسم حكم عليه بالخفة، وعدل به عن شَبَه الفعل، هذا مع ما في صرفه من إزالةِ لبس، وذلك أنك لو منعتَه الصرفَ، فقلت: "لدن غدوةَ"، ربّما أشكل على السامع، وظَن أنه مخفوض، والفتحةُ علامةُ الخفض، فصرفوها ليُؤْمَنَ هذا اللبسُ فيه. وحملوا الخفضَ والرفع على النصب في الصرف ليجيء الأمرُ فيه على منهاج واحد في الخفيف، كما حملوا "أَعِدُ"، و"نعد"، و"تَعِدُ" على "يَعِدُ" في حذف الواو. ويحتمل وجهًا آخَرَ، وهو أن النصب إنما هو على التشبيه بالتمييز على ما تقدم، والتمييزُ لا يكون إلَّا نكرة، فنوَوْا في "غدوة" التنكيرَ حملاً لها على أُختها، وهي "غداةٌ". وقد اعتقد فيها التنكيرَ من قرأ: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (١). ومن ذلك قولُ طَرَفَةَ [من الطويل]: ٦٤٤ - كأن حُدُوجَ المالِكِيةِ غُدْوَة ... خَلايَا سَفِين بالنواصِفِ مِن دَدِ

стр. 1013

ولما كان النصب هو الغالبَ عليها، حملوا الرفع والجر عليه، فاعرفه. فصل ["الآن", و"متي", و"أين", و"أيّان" و"لمّا "] قال صاحب الكتاب: ومنها "الآن" وهو للزمان الذي يقع فيه كلام المتكلم. وقد وقعت في أول أحوالها بالألف واللام، وهي علة بنائها, و"متى" و"أين", وهما يتضمنان معنى الاستفهام ومعنى الشرط، تقول: "متى كان ذاك؟ " و"متى تأتني أكرمك" و"أين كنت؟ " و"أين تجلس أجلس". ويتصل بهما "ما" المزيدة فتزيدهما إبهاماً. والفصل بين "متى" و"إذا" أن "متى" للوقت المبهم, و"إذا" للمعين. و"أيان" بمعنى "متى" إذا استفهم بها, و"لما" في قولك: "لما جئتَ جئتُ" بمعني "حين". * * * قال الشارح: "الآنَ" ظرف من ظروف الزمان معناه الزمنُ الحاضرُ، وهو الذي يقع فيه كلامُ المتكلم الفاصلُ بين ما مضى، وما هو آتٍ. وهو مبني على الفتح. وفي علّةِ بنائه إشكال، فذهب قوم إلى أنه بُني؛ لأنه وقع في أول أحواله معرفة بالألف واللام، وحكمُ الأسماء أن تكون منكورةً شائعةً في الجنس، ثم يدخل عليها ما يعرفها من إضافة وألف ولام، فلما خالفت أخواتِها من الأسماء، بأنْ وقعت معرفة في أول أحوالها, ولزمت موضعًا واحدًا، بُنيت لذلك؛ لأن لزومها بهذا الموضع، ألحقها بشَبَه الحروف. وذلك أنّ الحروف لازمة لمواضعها التي وُضعت لها غيرُ زائلة عنها. وهذا رأيُ أبي العباس المبرد، وإليه أشار صاحبُ الكتاب. وقال الفرّاء: أصله "آنَ" مِن "آنَ الشيء يَئِينُ"، إذا أنى وقتُه، يقال: "آنَ لك أن تفعل كذا"، و"أنى لك". قال الشاعر [من الوافر]: ٦٤٥ - تَمَخضَتِ المَنُونُ له بيَوْمٍ ... أَنَى ولكُل حامِلةٍ تَمامُ

стр. 1014

و"آنَ" فعل ماض، فلما أُدخل عليه الألف واللام، تُرك على ما كان عليه من الفتح، كما جاء في الحديث أنَّه ﷺ نَهَى عن قِيلَ وقَالَ (١). و"قيل"، و"قال" فعلان ماضيان، فأدخل الخافضَ عليهما، وتركهما على ما كان عليه، وله قولٌ آخرُ أنّ أصله "أوَان"، فحذفوا الواو، وصار "آنَ"، كما قالوا: "رَيَاحٌ"، و"رَاحٌ". وكلا القولَيْن فاسدٌ، أما الأوّل؛ فلأنه لو كان أصلُه "آنَ"، لافتقر إلى فاعل مع أن الأفعال المحكيّة يدخل عليها العواملُ ولا تُؤثر فيها، نحو: "تَأَبطَ شَرا"، و"بَرَقَ نَحْرُهُ"، ولا يدخل عليها الألفُ واللام. فأما الثاني، فحاصلُه راجع إلى المعنى، وليس بعلة للبناء. وذهب أبو إسحاق إلى أن "الآن" إنما تعريفُه بالإشارة، وأنه إنّما بُني لمّا كانت فيه الألفُ واللام لغيرِ عهد متقدم؛ لأنك تقول: "الآنَ فعلت"، ولم يتقدم ذكرُ الوقت الحاضر. وهذا فاسدٌ، أما قوله: إِن تعريفه بالإشارة؛ فإن أسماء الإشارة لا تدخلها لام (٢)، نحو: "هذا"، و"تِلْكَ". وأما قوله إنه بُني لأن الألف واللام فيه لغير عهد متقدّم، ففاسدٌ أيضًا؛ لأنّا نجد الألفَ واللام في كثير من الأسماء على غيرِ عهد مع كونِ الأسماء معربة، وتلك الأسماء قولك: "يا أيها الرجلُ"، و"نظرتُ إلى هذا الغلام". وقد ذهب جماعة ممن ينتمي إلى التحقيق والحِذْق بهذه الصناعة إلى أنه مبني لتضمنه لامَ التعريف، وتلك اللامُ غيرُ اللام الظاهرة فيه، على حد بنائه في "أَمْسِ". وتلك اللامُ المقدرةُ هي المُعرفة، وذلك لأنه معرفة. وتعريفُه لا يخلو إمّا أن يكون بما فيه من اللام الظاهرة كما يظن بعضُهم، أو أنه من قبيل سائر المعارف، فلا جائزٌ أن يكون تعريفه بما فيه من اللام؛ لأنّا استقرينا جميعَ ما فيه لامُ التعريف، فإذَا إسقاطُ لامه جائزٌ،

стр. 1015

نحو: "الرجل", و"رجل", و"الغلام", و"غلام"، ولم يقولوا: "أفعلُ آنَ ذلك" كما قالوا: الآنَ، فدل ذلك على أن اللام فيه ليست للتعريف. وإذا لم تكن للتعريف، كانت زائدة على حد زيادتها في "الذِي" و"التِي". ألا ترى أن تعريفَ "الذي" و"التي" بالصلة لا بما فيه من اللام. يدل على ذلك أنّ "مَنْ"، و"مَا" معارفُ، وليس فيهما لام، فعلمتَ بذلك أن التعريف بالصلة لا باللام. وإذا ثبت أنها زائدةٌ، لم تكن المُعرفةَ، وليس بمضمرِ؛ لأن المضمرات محصورة، وليس "الآنَ" منها؛ وليس أيضًا بعَلَم؛ لأن العَلَم يقع على كلّ شيء بعينه، و"الآنَ" يقع على كل وقتٍ حاضر لا يخصّ بعضَ ذلك دون بعض. وليس من أسماء الإشارة لِما ذكرناه من دخول اللام عليه، واللامُ لا تدخل على أسماء الإشارة. وليس بمضافٍ، لأنّا لا نُشاهد مضافًا إليه. وإذا ثبت أنّه معرفة، وليس من أنواع المعارف الأربعة، تَعين أن يكون معرفة باللام المقدرة فيه، كما قلنا في "أَمْسِ"، لتعذرِ أن يكون التعريف بهذه اللام الظاهرة فيه. والذي أراه أن تعريفه بما فيه من اللام الظاهرة، وأما لزومُها، فعلى حسبِ إرادة معنى التعريف فيها بخلاف "الرجل" و"الغلام"، فإنه لم تلزمهما اللامُ؛ لأنهما يُستعملان معرفة ونكرة، فإذا أُريد النكرة، لم يأتوا باللام، وإذا أرادوا المعرفة، ألحقوهما اللامَ، وكذلك نظائرُهما. وأما "الآنَ"، فلما أُريد به المعرفة ألبتّة، لزمت أداتُه. وأمّا علةُ بنائه؛ فلإبهامه ووُقوعِه على كلّ حاضر من الأزمنة، فإذا انقضى، لم يصلح له، ولزمه حرفُ التعريف، فجرى مجرى "الذي" و"التي"، فاعرفه. وأما "مَتَى"، فسؤالٌ عن زمانٍ مبهم يتضمن جميعَ الأزمنة، فإذا قيل: "متى الخروجُ؟ " فتقول: "اليومَ"، أو"الساعةَ"، أو"غدًا". والمرادُ بها الاختصار، وذلك أنّك لو سألت إنسانًا عن زمنِ خروجه، لكان القياسُ: "اليومَ تخرج، أم غدًا، أم الساعة؟ " والأزمنةُ أكثرُ من أن يحاط بها، فإذا قلت: "مَتَى"، أغنى عن ذكر ذلك كلّه. وهي مبنيّة على السكون؛ لأنها وقعت موقعَ حرف الاستفهام، وهو الألف، وأصلُ الاستفهام بحروف المعاني، وبُنيت على السكون على أصل البناء، ولم يلتق في آخرها ساكنان، فيجبَ التحريكَ لذلك. وأما "أَيْنَ"، فظرف من ظروف الأمكنة، وهو مبني لتضمنه همزة الاستفهام. والغرضُ به أيضًا الإيجازُ والاختصار، وذلك أنّ سائلًا لو سأل عن مستقَر زيد، فقال: "أفي الدار زيدٌ، أفي المسجد زيد؟ " ولم يكن في واحد منهما، فيُجيب المسؤول بـ "لا"، ويكون صادقًا. وليس عليه أن يُجيب عن مكانه الذي هو فيه؛ لأنه لم يُسأل إلَّا عن هذَيْن المكانَيْن فقط. والأمكنةُ غيرُ منحصرة، فلو ذهب يُعدِّد مكانًا مكانًا، لقَصَرَ عن استيعابها،

стр. 1016

وطال الأمرُ عليه، فجاؤوا بـ "أيْنَ" مشتملاً على جميع الأمكنة، وضمنوه معنى الاستفهام، فاقتضى الجوابَ من أولِ مرة. ووجب أن تُبنَى على السكون، لوقوعها موقع همزة الاستفهام، إلَّا أنه التقى في آخره ساكنان، فحُركت النون لاجتماعهما، وفُتحت طلبا للخفة واستثقالًا للكسرة بعد الياء، فآثروا تخفيفَها لكثرة دَوْرها، وسعةِ استعمالها. وفيهما معنى المجازاة لإبهامهما ووقوعِهما على كل اسم يقع بعد حرف الجزاء، ألا ترى أنك إذا قلت: "متى تَقُمْ أَقُمْ"، كان معناه: "إنْ تقم يومَ الجمعة، أقم فيه، إنْ تقم يومَ السبْت أقم فيه"؟ وكذلك إذا قلت: "أيْنَ بيتُك آتِه"، معناه: أين بيتُك، إنْ أعرفه آتِه، و"أين تكن أكن" معناه: إن تكن في المسجد، أكن فيه، إن تكن في السوق، أكن فيه. فلما كانت "مَتَى" و"أيْنَ" يشتمِلان على كل اسم من أسماء الزمان والمكان، ويقع الجوابُ عنهما معرفة ونكرة، ولم يكونا مضافَيْن إلى ما بعدهما كـ"إذْ" و"إذا"، جازت المجازاةُ بهما. قال الشاعر [من الوافر]: أنا ابنُ جَلَا وطَلاع الثنايَا ... متى أَضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُوني (١) وقال [من الخفيف]: ٦٤٦ - أَيْنَ تَصْرِفْ بها العُداةَ تَجِدْنا ... نصرِفُ العِيسَ نَحْوَها للتلاقِي

стр. 1017

وقد تدخل "ما" "أَيْنَ" و"مَتَى" للجزاء زائدة مُؤكدة، نحو: "متى ما تَقُمْ أَقُمْ"، و"أَيْنَمَا تَجْلِسْ أَجْلِسْ معك". قال الشاعر [من الطويل]: ٦٤٧ - متى ما يَرَ الناسُ الغَنِي وجارُه ... فَقِيرٌ يقولوا: عاجِز وجَلِيدُ وقال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (١)، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢). فإذا دخلت عليهما "مَا"، زادتْهما إبهامًا, وازدادت المجازاةُ بهما حُسْنًا. فإن قيل: ولِمَ جُوزِيَ بـ "مَتَى"، ولم يُجاز بـ"إذا"؟ وما الفصلُ بينهما؟ قيل: قد تقدم أنّ "إذا" للزمان المعين، وهو الآتي، و"مَتَى" لزمان مبهم، فلذلك جوزي بـ "متى"، ولم يجاز بـ "إذا". ألا ترى إلى قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٣) و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٤)، لو وُضع مكانَ "إذا" "إنْ"، فقيل: "إن الشمسُ كوّرت"، و"إن السماء انشقت"، لم يحسن، لأنك تجعل ما هو متيقنُ الوجودِ مشكوكًا فيه؟ وأمّا "أيانَ"، فظرف من ظروف الزمان مبهمٌ بمعنى "مَتَى". والفرقُ بينها وبين "مَتَى" أنّ "مَتَى" لكثرة استعمالها صارت أظهرَ من "أيانَ" في الزمان. ووجهٌ آخرُ من الفرق أن "مَتَى" يُستعمل في كلّ زمان، و"أيانَ" لا يُستعمل إلَّا فيما يراد تفخيمُ أمره وتعظيمُه، نحو قوله تعالى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (٥)، أي: متى مرساها؟ وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (٦).

стр. 1018

وبُني لتضمنه همزةَ الاستفهام، وحرك آخِره لالتقاء الساكنين , وفُتح على طريق الإتباع لما قبله، إذ الألفُ من جنس الفتحة، أو إتباعًا للفتحة قبله، إذ الألفُ حاجر غيرُ حصين، كما فعلوا فى "شَتانَ" كذلك. وأما "لَما" فظرف زمان إذا وقع بعده الماضي، نحو قولك: "جئت لما جئتَ". ومعناه معنى "حينَ"، وهو الزمان المبهم. وهو مبني لإبهامه واحتياجِه إلى جملة بعده، كبناءِ "إذْ" و"إذَا". وهو مركب من "لِمَ" النافية و"ما"، فحصل فيها بالتركيب معنى لم يكن لها، وهو الظرفية. وخرجتْ بذلك إلى حيّز الأسماء، فاستحالت بالتركيب من الحرفية إلى الاسمية، كما استحالت "إذ" بدخول "مَا" عليها من الاسمية إلى الحرفية، وتغير معناها بالتركيب من المُضي إلى الاستقبال. * * * [أمس] قال صاحب الكتاب: و"أَمسِ" وهي متضمنة معنى لام التعريف مبنية على الكسر عند الحجازيين، وبنو تميم يمنعونها الصرفَ، فيقولون: "ذَهَبَ أَمْسُ بما فيه"، و"ما رأيتُه مُذ أمسَ". قال [من الرجز]: ٦٤٨ - لَقَد رأيتُ عَجَبًا مُذ أَمسَا ... عَجائِزًا مِثْلَ السعالِي خَمْسَا * * *

стр. 1019

قال الشارح: اعلم أن "أمْسِ" ظرف من ظروف الزمان أيضًا، وهو عبارة عن اليوم الذي قبلَ يومك الذي أنت فيه، ويقع لكلّ يوم من أيام الجُمْعة. وللعرب فيه خِلافٌ، فأهلُ الحجاز يبنونه على الكسر، فيقولون: "فعلتُ ذاك أَمْسِ"، و"مضى أمسِ بما فيه". واحتجّ أبو العباس وأبو بكر بن السَّراج بأنه مبهمٌ، ووقع في أول أحواله معرفة، فمعرفتُه قبل نكرته، فجرى مجرى "الآنَ". والصوابُ أنه إنما بُني لتضمنه لام المعرفة، وبها صار معرفة، والاسمُ إذا تضمن معنى الحرف، بُني. وكان حقُه تسكينَ الآخِر على ما يقتضيه البناء، وإنما التقى في آخِره ساكنان، وهما السين والميمُ قبلها، فكُسرت السين لالتقاء الساكنين. فإن قيل: فلِمَ حُذفت اللام من "أمس"، وضُمن معناها، وأُلْزِمت "الآنَ"، وهما سواء في التعريف والظرفية؟ قيل: لأن "أمس" يقع على اليوم المتقدّم ليومك من أوله إلى آخِره، فأمرُه واضحٌ، فاستغنى بوُضوحه عن علامة التعريف، وليس كذلك "الآنَ"؛ لأنه الحَدّ الفاصل بين الزمانَيْن، وهو من أَلْطَفِ ما يُدرَك، فلم يستغن لذلك عن علامةِ تكون فيه. فإن قيل: ولِمَ وجب تعريفُ "أمس"، ولم يجب تعريفُ "غَدٍ"، وهما سَواء، فـ "أمس" اسم لليوم الذي قبل اليوم الذي أنت فيه, و"غَد" اسم لليوم الذي يَلِي اليومَ الذي أنت فيه؟ فالجواب أن "أمس" قد حضر وشوهد، فحصلت معرفتُه بالمشاهدة، فأغنى ذلك عن علامة، وليس كذلك "غد"، فأقاموا المشاهدةَ في "أمس" مقامَ أداة التعريف. ولم يكن في "غد" مثلُ ذلك ما يقوم مقامَ علامة التعريف، فهو نكرة حتى تدخل عليه العلامةُ المُعرفةُ. وأما بنو تميم، فيعربونه ويجعلونه معدولاً عن اللام، فاجتمع فيه التعريف والعدلُ، فيُمنعُ من الصرف لذلك، فيقولون: "مضى أمسُ بما فيه"، بالرفع من غيرِ تنوين، و"فعلتُه أمسَ" بالنصب، قال الراجز، أنشده سيبويه: لَقَدْ رأيتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا ... عَجائِزًا مِثْلَ السعالِي خَمْسَا يَأْكُلْنَ ما في رَحْلهن نَهْسَا ... لا تَرَكَ الله لَهُن ضِرْسَا الشاهد فيه أنه خفض بـ"مُذْ"، واعتقد فيها الحرفيةَ، والفتحةُ علامةُ الخفض. والفرق بين المعدول عن الحرف والمتضمّن له، أنك إذا عدلتَ عن الحرف، جاز لك إظهارُه واستعمالُه، وإذا ضمنتَه إياه، لم يجز إظهارُه. ألا ترى أنه لا يجوز إظهارُ همزة الاستفهام مع "أيْنَ" و"كَيْفَ" ونظائرِهما؟ وقد حكى بعضهم أن من العرب من يعتقد فيه التنكيرَ، ويعربه، ويصرفه، ويُجْريه مُجْرى الأسماء المتمكنة، فيقول: "مضى أمس بما فيه" على التنكير، وهو غريب في الاستعمال دون القياس، فاعرفه. [" قطّ "و"عوض "] قال صاحب الكتاب: "قَط"، و"عَوضَ"، وهما لزماني المُضِي والاستقبالِ على

стр. 1020

سبيلِ الاستغراق، تقول: "ما رأيته قَط"، و"لا أَفْعَلُه عَوْضَ" ولا يُستعملان إلَّا في موضع النفي. قال [من الطويل]: ٦٤٩ - رَضِيعَي لِبان ثَدْيَ أُم تَقاسَمَا ... بأَسْحَمَ داج عَوْضَ لا نَتَفَرقُ وقد حُكي "قُط" بضم القاف، و"قَطُ" خفيفةَ الطاء، و"عَوْضُ" مضمومة. * * * قال الشارح: اعلم أنّ قَط بمنى الزمان الماضي، يقال: "ما فعلتُه قَط"، ولا يقال: "لا أفعلُه قطّ". وهي مبنية على الضم؛ لأنها ظرفٌ. وأصلُ الظروف أن تكون مضافة، فلما قُطعت عن الإضافة، بُنيت على الضم كـ"قَبْلُ" و"بَعْدُ". قال الكسائي: كان "قَطُط" على زنةِ "فَعُل" كـ"عَضُد"، فلما سكن الحرفُ الأول للادّغام، حُرك الآخر بحركته. والذي أراه أنه "فَعْل" كـ"قَبْل" و"بَعْد"؛ لأنّ الحركة زيادة، ولا يُحكَم بها إلَّا بدليل، ولأن أكثرَ ظروف الزمان كذلك، نحو: "يَوْم"، و"شَهْر"، و"دَهْر". ومنهم منٍ يقول: "قُط"، بضم القاف والطاء، يُتْبع الضم الضم، مثلَ "مُدُّ" و"شُدُّ"، ومنهم من يُخفف، فيحذف إحدى الطاءين تخفيفًا، ويُبقِي الحركةَ بحالها دلالة وتنبيها على أصلها، كما قالوا: "رُبَ" حين خففوها، أبقوا الفتحةَ دلالة على المحذوف. ومنهم
следующие страницы →