وقالوا: "كم رجلٍ أفضلُ منك؟ " حكاه يونُس (١) عن أبي عمرو عن العرب، جعل "أفضل" خبرًا. وتقول: "كم منهم شاهدٌ على فلان؟ " فتكون "كم" في موضع رفع بالابتداء، و"شاهدٌ" الخبر، و"عَلَى" متعلّقةٌ بـ "شاهد"، والمميّزُ محذوفٌ. وتقول في الخبر "كم غلام لك ذاهبٌ! " فـ "كَمْ" في موضع مبتدأ أيضًا، و"ذاهبٌ" الخبر، و"لَكَ" في موضع الصفة لـ"غلام"، ويتعلّق بمحذوفٍ تقديره: استقرّ لك، أو مستقِرٌّ لك.
وإذا كانت منصوبة، فعلى ثلاثة أضرب: مفعولٌ به، ومفعولٌ فيه، ومصدرٌ. فمثالُ المفعول به قولك: "كم رجلًا رأيتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع منصوب بـ "رأيتَ"، وهي استفهامٌ هنا، ولذلك نصبتْ مميِّزَها، وتقديمُ المفعول هنا لازمٌ؛ لأنّ "كَم" استفهامٌ، والاستفهائم له صدرُ الكلام، والتقديرُ: أعشرين رجلاً رأيتَ، ونحوه. وتقول في الخبر: "كم غلامٍ ملكتُ! " فـ "كَمْ" في موضع نصب بـ "ملكت"، وقُدّم لِما تقدّم من كونِ "كَمْ" لها صدرُ الكلام أيضًا في الخبر على حدّها في الاستفهام، وحملاً على "رُبَّ" لمضارَعتها إيّاها على ما تقدّم.
وأمّا المفعول فيه، فقولك: "كم يومًا عبدُ الله ماكِثٌ؟ " فـ "عبدُ الله" مبتدأ، و"ماكثٌ" الخبر، فـ "كَمْ" هنا زمانٌ، وهي في موضع نصب مفعولٌ فيه، ومثل ذلك: "كم شَهْرًا ضُمْتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع منصوب بـ "صمت". وتقول: "كم فَرْسَخًا سِرْتَ؟ "، و"كم مِيلاً قطعتَ؟ " فـ "كَمْ" هنا مكان.
ومثالُ المصدر: "كم ضَرْبَةً ضربتُ؟ " و"كم وَففَةً وقفتُ؟ " فتكون "كم" في موضع مصدر منصوب بما بعده من الفعل. والمرادُ عددُ المرّات. فـ "كَمْ"، يُسأل بها عن كل مقدار، فلذلك جاز أن يسأل بها عن الزمان والمكان، وعن المصادر، وعن الأسماء، فعَنْ أيِّ شىء سُئل بها عنه، صارت من ذلك الجنس، وُيوضح أمرَها مميِّزها.
وأمّا إذا كانت مجرورة، فإنَّ ذلك يكون بحرف جر، أو بإضافة اسم مثله إليه، فمثالُ حرف الجرّ: "بكَمْ رجلاً مررتَ؟ " فـ "كَمْ" في موضع مخفوض بالباء، والجارُّ والمجرور في موضع نصب بـ "مررت"، و"رجلاً" منصوبٌ بـ "كَمْ"؛ لأنّها استفهامٌ. فإن أردتَ الخبر، خفضتَ "رجلاً"، وقلت: " بكم رجلٍ مررت! ".
والفرقُ بينهما أنّه في الاستفهام يسأل عن عددِ من مرّ بهم من الرجال، وفي الثاني يخبر أنّه مرّ بكثير من الرجال، فالمسألةُ الأُولى تقتضي جوابًا، والثانية لا تقتضي جوابًا. وتقول: "على كم جِذْعًا بُني بيتُك؟ " فـ "كم" أيضًا مخفوضةٌ بـ "عَلَى"، و"عَلَى" وما بعده في موضع نصب بما بعده من الفعل، وهو فعلٌ بُني للمفعول، و"جذعًا" منصوبٌ بـ "كَمْ". وقد حكى الخليلُ (٢) أنّ من العرب من يخفض "جدْعًا"، ويقول: "على كم
стр. 1052
جذع بيتُك مبنيٌّ". والوجه النصب؛ لأنّه ليس موضعَ تكثير، وإنّما هو سؤالٌ واستفهامٌ عن عدة الجُذوع. والذين خفضوا فإنّما خفضوا بإضمارِ "مِنْ"، وحسُن حذفُها ها هنا؛ لأنّ "عَلَى" في أوّل الكلام صارت عوضًا منها (١)، كما حسُن حدفُ حرف القَسَم في قولهم: "لا ها الله لا أفعلُ"، و"اللهِ لتَفْعَلَنَّ"، حيث جعلوا هاء التنبيه وألفَ الاستفهام عوضًا من واو القسم، كذلك ها هنا. وتقول في الإضافة: "رِزدْقَ كم رجلًا أطلقتَ"؟ فـ "رزق" منصوب بأنّه مفعولُ "أطلقت" وهو مضاف إلى "كم"، والتقديرُ: أَرِزْقَ عشرين رجلًا أطلقت؟ ونحوه من العدد ممّا فيه نونٌ، أو تنوين مقدّرٌ، نحو: "خمسةَ عشرَ" وبابِه، وبإضافته إلى "كَمْ" سرى إليه الاستفهامُ، فصار مستفهمًا عنه. ألا تراك تقول: "من عندك؟ " ويكون الجوابُ "زيدٌ"، أو "عمرٌو"، أو"هندٌ" ونحو ذلك ممّا يعقل، ولو قلت: "غلامُ مَنْ عندك؟ " لم يكن الجوابُ إلا "غلامُ زيد"، أو"غلامُ عمرو"، فعلمتَ أنّ السؤال إنما وقع عن المضاف لا المضاف إليه، وتقول إذا كانت خبرًا: "رزقَ كم رجلٍ أطلقتُ" بخفضِ "رجل"، فيكون التكثيرُ للرزق دون العدد؟ فاعرفه.
فصل [حذف مميز "كم" الاستفهامية]
قال صاحب الكتاب: وقد يحذف المميز فيقال كم مالك؟ أي كم درهماً أو ديناراً مالك؟ وكم غلمانك؟ أي كم نفساً غلمانك؟ وكم درهمك؟ أي كم دانقاً درهمك، وكم عبد الله ماكث؟ أي كم يوماً أو شهراً، وكذلك كم سرت؟ وكم جاءك فلان؟ أي كم فرسخاً وكم مرة أو كم فرسخ وكم مرة.
* * *
قال الشارح: يجوز حذف المفسِّر مع "كَمْ"، كما كان لك أن تحذفه في العدد من نحو "عشرين" ونظائره، وتكتفى بدليلٍ عليه إمّا بتقدُّمِ ذكره، أو دليل حال، وذلك نحو: "كم مالُك؟ " والمراد: كم درهمًا، أو دينارًا مالُك؟ ولا يجوز في "مالُك" إلا الرفع على الابتداء، و"كَم" الخبرُ، أو"كم" المبتدأ و"مالك" الخبر. وجاز حذفُ المُمَيِّز للعلم بمكانه ووضوح أمره.
ولا يُحْسَن حذفُ المميز مع "كم" إلا إذا كانت استفهامًا، ولا يحسن مع الخبريّة, لأنّ الخبريّة مضافةٌ، وحذفُ المضاف إليه، وتَبْقِيَةُ المضاف قبيحٌ. ومثله: "كم غلمانُك؟ " والمعنى: كم غلامًا غلمانُك، أو نفسًا، ونحوهُما من التقديرات. وتقول: "كم درهمُك؟ " والمراد: كم دانَقًا، أو قِيراطًا؟ فالسؤال وقع عن أجزاء
стр. 1053
درهم واحد له، ولو نصب فقال: "كم درهمًا لك؟ " لكان سائلًا عن عددِ دراهمه.
وتقول "كم عبدُ الله ماكثٌ؟ " فـ "عبدُ الله" مبتدأ، و"ماكثٌ" الخبر، و"كَمْ" ظرفُ زمان منتصبٌ بـ "ماكث"، والمميّزُ محذوف، والتقدير: كم يومًا، أو شهرًا عبدُ الله ماكث؟ فالمسألةُ عن مقدارِ مَكْثه من الزمان. ولذلك قُدّر بالزمان. وكذلك تقول: "كم سرتَ؟ " ولا تذكر مفسِّرًا، فيحتمل أن تريد ما سارَهُ من المسافة، فيكون ظرفَ مكان، كأنك قلت: "كم فرسخًا سرت؟ " أو"كم مِيلاً؟ " ونحو ذلك. وإذا أردت ما ساره من الأيّام، فهو ظرفٌ من الزمان، وتقديرُه: كم يومًا سرتَ، أو ساعةً؟ فتكون "كم" في موضعِ نصب بالفعل، وكذلك "كم جاءك فلان؟ " والمراد: كم مرّة جاءك؟ وقد قدّر صاحب الكتاب المفسِّر المحذوفَ بالنصب والخفض، فالنصبُ على الاستفهام، والخفضُ على الخبر، وقد تقدّم أنّ تقديره منصوباً أحسنُ، إذ حذفُ المضاف إليه قبيحٌ، فاعرفه.
فصل [مميز "كم" الاستفهامية]
قال صاحب الكتاب: ومميز الاستفهامية مفرد لا غير, وقولهم كم لك غلماناً؟ المميز فيه محذوف، والغلمان منصوبة على الحال بما في الظرف من معنى الفعل، والمعنى كم نفساً لك غلماناً؟
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أن "كم" الاستفهاميّة تُفسَّر بالواحد المنكور، نحو: "رجل" و"غلام" و"درهم" و"دينار" ونحوها من الأنواع، وذلك لأنّها في الاستفهام مقدّرةٌ بعدد منوَّن، أو فيه نونٌ، نحو: "خمسةَ عشرَ"، و"عشرين"، و"ثلاثين"، ونحو ذلك من الأعداد المنوَّنة. وتفسيرُ هذه الأعداد إنّما يكون بالواحد المنكور، نحو: "عندي خمسةَ عشرَ غلامًا، وعشرون عمامة"، فكذلك ما كان في معناها، فلذلك فُسرت "كم" في حال الاستفهام بالواحد.
فأمّا الخبريّة، فإنّه يجوز تفسيرُها بالمفرد والجمع، نحو: "كم رجل عندك! ". و"كم عِمامةٍ لك! " و"كم رجالٍ عندك! " و"كم غِلْمانٍ لك! " لأنها في تقديرِ عدد مضاف. والعددُ المضاف منه ما يضاف إلى جمع، نحو: "ثلاثةُ أثوابٍ"، و"عشرةُ غلمانٍ"، ومنه ما يضاف إلى واحد، نحو: "مائةُ دينار"، و"ألفُ درهم". وكانت "كَمْ" تشمَل النوعَيْن، فأضيفت إليهما. وقال أبو عليّ: أصلُها أن تضاف إلى واحد، وإنّما أضيفت إلى الجمع على الأصل المرفوض؛ لأن الأصل في "مائةُ درهم": "مائة من الدراهم"، فحذفوا "من" تخفيفًا، واكتفوا عن الجمع بالواحد، كما قالوا: "ثلاثُ مائةٍ"، والأصلُ: ثلاثُ مِئِين. فأمّا قولهم: "كم لك غلمانًا؟ " فـ "كَمْ" في موضع مبتدأ، و"لَكَ" الخبرُ، والمميِّزُ
стр. 1054
محذوف، والتقدير: كم نفسًا لك غلمانًا؟ أي: في خِدْمتهم، أو كم وَلَدًا لك غلمانًا؟ أي: شَبابًا.
والعاملُ في الحال الجارُّ والمجرور النائبُ عن "استقرّ" ونحوه، والصاحبِ المضمرِ فيه. ولو قلت: "كم غلمانًا لك"، لم يجز ألبتّةَ، لأنّك إن جعلتَه تفسيرًا، امتَنع لكونه جمعًا، وإن جعلتَه حالًا، امتنع لتقدُّمه على العامل المعنويّ، وهو"لَكَ"، وكان بمنزلة: "زيد قائمًا فيها" لتقدُّم الحال على العامل المعنويّ.
فصل [الفصل بين "كم" الخبرية وبين مميزها]
قال صاحب الكتاب: وإذا فصل بين الخبرية ومميزها نصب، تقول "كم في الدار رجلاً" قال [من البسيط]:
٦٦٨ - كم نالني منهم فضلاً على عدم ... [إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل]
وقال [من المتقارب]:
٦٦٩ - تؤم سناناً وكم دونه ... من الأرض محدودباً غارها
стр. 1055
وقد جاء الجر في الشعر مع الفصل. قال [من الكامل]:
٦٧٠ - كم في بني سعد بن بكر سيد ... ضخم الدسيعة ماجد نفاع
* * *
قال الشارح: اعلم اْنّ "كَمْ" يجوز الفصلُ بينها وبين مميِّزها بالظرف وحروف الجرّ جوازًا حسنًا من غيرِ قُبْح، نحو: "كم لك غلامًا"، و"كم عندك جاريةً"، ولا يحسن ذلك
стр. 1056
فيما كان في معناها من الأعداد، نحو: "عشرين"، و"ثلاثين" ونحوهما من الأعداد المنوّنة. والفصلُ بينهما أنّ "كم" كانت مستحِقّةً للتمكّن في الأصل بحكمِ الاسميّة، ثمّ مُنعتْه بما أوجب البناء لها، فصار الفصلُ، واستحسانُ جوازه كالعوض ممّا مُنعتْه من التمكّن مع كثرة استعمالها في كلامهم.
فإن قيل: فهلّا كان الفصلُ بين "خمسة عشر" ومميِّزها إلى "تسعة عشر" حسنًا أيضًا؛ لأنّها مُنعت التمكّنَ بعد استحقاقه. قيل: قد جعلنا كثرة الاستعمال أحدَ وصفَي العلّةِ، ولم يوجَد في "خمسة عشر" وبابه.
فإن قيل: فِلمَ قُبح الفصلُ بين العدد ومميِّزه، ولم يحسن: "قبضتُ خمسةَ عشرَ لك درهمًا"، و"رأيت عشرين في المسجد رجلاً"؟ قيل: إنّما كان كذلك لضُعْفِ عملِ "العشرين" ونحوها فيما بعدها؛ لأنّها عملت على التشبيه باسم الفاعل، ولم تَقْوَ قوّتَه مع أنّه قد جاء ذلك في الشعر. قال الشاعر [من المتقارب]:
٦٧١ - على أنّني بَعْدَ ما قد مَضَى ... ثلاثون للهَجْرِ حَوْلاً كَمِيلا
وأنشد سيبوبه لعبد بني الحَسْحاس [من الطويل]:
٦٧٢ - فأَشْهَدُ عند اللَّهِ أن قد رأيتُها ... وعشرون منها إصْبَعًا من وَرائِيا
стр. 1057
واعلم أن "كم" الاستفهاميّةَ لا يكون مميّزُها إلا واحدًا منصوبًا، و"كم" الخبريةَ تفسَّر بالواحد والجمع، وتضاف إلى مفسِّرها. وبعض العرب ينصب بـ "كَمْ" في الخبر، كما ينصب في الاستفهام، وهم بنو تميم، كأنّهم يقدّرون فيها التنوينَ، وينصبون. ومعناها منوَّنةً وغيرَ منوّنة سواءٌ، وهو عربيٌّ جيّدٌ، والخفضُ أكثرُ.
فإذا فُصل بين "كم" ومميِّزها في الخبر، عدلوا إلى لغةِ الذين يجعلونها بمنزلةِ عدد منوّن، وينصبون بها؛ لأنّه قبيحٌ أن يُفصَل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنّ المضاف إليه من تمام المضاف، فصارا كالكلمة الواحدة، والمنصوبُ يجوز أن يُفصل بينه وبين ما عمِل فيه، ألا تراك تقول: "هذا ضاربُ اليومَ زيدًا"، ولا تقول: "هذا ضاربُ اليومَ زيدٍ" إلا في ضرورة؟ فأمّا قول القُطاميّ [من البسيط]:
كم نالَنِي مِنْهُمُ فَضْلاً على عَدَمٍ ... إذ لا أَكادُ مِن الإقْتارِ أَحْتَمِلُ (١)
فالشاهد فيه أنّه لمّا فصل بين "كم" ومميِّزها، وهو فَضْلة، عدل إلى لغةِ من ينصب لقُبْح الفصل بين الجارّ والمجرور، ولا سيّما بغير الجارّ والمجرور، و"كم" ها هنا خبريّةٌ؛ لأنّه مدحٌ بتكثير الأفضال عليه عند عدمه لشدّة الزمان، وبلوغِ الفقر على حالٍ لا يُمْكِنه الارتحالُ للانتجاع وطلب الرزق. و"أحتملُ" من "التحمّل"، وهو الرَّحِيل، ويُروى "أجتمل" بالجيم، والمعنى: أَجْمَعُ العِظامَ، وأُخْرِجُ وَدَكَها، وأَتعلّلُ به، مأخوذٌ من "الجَمِيل"، وهو الوَدَك. ومن رواه كذلك قال: "إذ لا أزالُ". ومثلُ هذا الفصل والنصبِ قولُ زُهَيْر [من المتقارب]:
تؤمّ سِنانا (٢) ... إلخ
стр. 1058
الشاهد فيه نصبُ "محدودبًا" حيث فصل بينه وبين "كم" بالظرف والجارّ والمجرورِ، وعدل إلى لغةِ من ينصب. يصف ناقتَه، فيقول: تؤمّ سِنانًا، وهو الممدوحُ على بُعْدِ المسافة. والغارُ: الغائرُ من الأرض المطمئنّ، وجعله مُحْدَوْدِبًا لِما يتّصل به من الإكام ومُتونِ الأرض.
وربّما جرّوا بها مع الفصل على حدّ قوله [من البسيط]:
كأنّ أصْوات من إيغالِهِنَّ بنا ... أواخِرِ المَيْسِ أصواتُ الفَراريجِ (١)
وذلك في الشعر، نحو قول الشاعر [من الرمل]:
٦٧٣ - كم بجُودٍ مقْرِفٍ نالَ العُلا ... وكَرِيمٍ بُخلُهُ قد وَضعَة
يُروى "مقرف" بالجرّ، ويجوز فيه النصبُ والرفعُ، فالجرُّ بإضافةِ "كم" مع الفصل، والنصبُ على التمييز، والرفعُ على الابتداء، و"كم" الخبرُ. وحسُن الابتداءُ به، وهو نكرةٌ لوصْفه بقوله: "نال العُلا"، أو يكون "كم" مبتدأ، و"مقرف" الخبر. وأما قول الفرزدق [من الكامل]:
كم في بني سعد بن بكر (٢) ... إلخ
стр. 1059
فالشاهد فيه خفضُ "سيّد" بـ "كَمْ" مع الفصل ضرورةً. والدَّسِيعةُ: العَطيّةُ، وهو مِن "دَسَعَ البعيرُ بجِرَّته" إذا دفعها، ويقال هي الجَفْنَةُ. والمرادُ أنَّه واسعُ المعروفِ. والماجدُ: الشريفُ.
فصل [عودة الضمير علي "كم "]
قال صاحب الكتاب: ويرجع الضمير إليه على اللفظ والمعنى، تقول كم رجل رأيته ورأيتهم، وكم امرأة لقيتها ولقيتهن وقال تعالى: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً﴾ (١).
* * *
قال الشارح: اعلم أن "كَمْ" اسمٌ مفرد مذكّر موضوع للكثرة، يُعبَّر به عن كلِّ معدود، كثيرًا كان أو قليلًا، وسواءٌ في ذلك المذكّرُ والمؤنّثُ، فقد صار لها معنى ولفظ. وجرت في ذلك مجرَى "كُلّ"، و"أيّ"، و"مَنْ"، و"ما" في أنّ كلَّ واحد منها له لفظٌ ومعنًى، فلفظُه مذكّر مفرد، وفي المعنى يقع على المؤنّث والتثنية والجمع. فإذا عاد الضميرُ إلى "كم" من جملةٍ بعدها، جاز أن يعود نظرًا إلى اللفظ، وجاز أن يعود حملاً على المعنى، فتقول: "كم رجل جاءك" فتُفرِد الضميرَ، وتُذكُره حملاً على اللفظ، ولو قلت: "جاءاك" بلفظ التثنية، أو"جاؤوك" بلفظ الجمع، لجاز أن ترُد الضميرَ تارةً إلى اللفظ، وتارةً إلى المعنى، وكذلك في المؤنّث تقول: "كم امرأهٍ جاءك" على اللفظ، و"جاءتْك"، و"جاءتاك"، و"جِئْنَك" على المعنى. قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢)، فجمع الضميرَ نظرًا إلى المعنى. ولو حمل على اللفظ، لقال: شفاعتُه.
وأمّا تمثيلُه بـ "كَمْ رجل رأيتُه"، فهو على لفظِ "كم"، و"رأيتُهم" على المعنى؛ لأنّ المراد التكثيرُ. وقوله: "وكم امرأةٍ لقيتُها"، فالضمير عائدٌ فيه على المعنى. ولو أراد اللفظَ، لقال: "لقيتُه"؛ لأنّ "كم" مذكّرُ اللفظ، "ولقيتُهنّ" على المعنى أيضًا؛ لأنّه واقعٌ على مؤنّث في معنى الجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ (٣)، فأنّث الضمير على المعنى أيضًا, لأن "كم" مفسرةٌ بـ "القرية". ولو جاء على اللفظ، لقال: "أهلكناه". ولا يكون الضميرُ في "أهلكناها" عائدًا إلى "القرية"؛ لأنّ خبرَ المبتدأ إذا كان جملة، فالضميرُ منها إنّما يعود إلى المبتدأ نفسه لا إلى تفسيره، ثمّ قال: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (٤) لأنّ المراد بالقرية أهلُها فاعرفه.
стр. 1060
فصل
قال صاحب الكتاب: وتقول كم غيره لك، وكم مثله لك، وكم خيراً منه لك، وكم غيره مثله لك، تجعل مثله لـ "غيره", فتنصبه نصبه.
* * *
قال الشارح: تقول: "كم غيرَه لك"، و"كم مثلَه لك". كل ذلك جائزٌ، فتكون "كم" في موضعِ مبتدأ، و"لَكَ" الخبرَ، و"غيرَه"، و"مثلَه" ينتصبان بـ "كم" لأنّهما نكرتان، وإن كانا مضافيْن، وقد مضى تفسيرُهما، وكذلك يجوز أن يُفسِّرهما العددُ من نحو "عشرين"، و"ثلاثين" فيما حكاه سيبويه عن يونس (١). وتقول": "كم خيرًا منه لك"؛ لأنّ "خيرًا" نكرةٌ، وإن قاربت المعرفةَ. وتقول: "كم غيرَه مثلَه لك"، فتنصب "غيرًا" بـ "كم"، وتنصب "مثلَه" لأنّه صفةٌ لِـ "غيرٍ"، فينتصب انتصابَه.
فصل [أوجه إعراب الاسم بعد "كم" في قول للفرزدق]
قال صاحب الكتاب: وقد ينشد بيت الفرزدق [من الكامل]:
٦٧٤ - كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت عليَّ عشاري
على ثلاثة أوجه: النصب على الاستفهام، والجر على الخبر، والرفع على معنى "كم مرة حلبت علي عماتك".
* * *
стр. 1061
قال الشارح: هذا البيت يُنشَد على ثلاثة أوجه: رفعٍ، ونصبٍ، وجرٍّ. فالرفعُ على أنّه مبتدأ، وحسُن الابتداء به حيث وُصف بالجارّ والمجرور، وهو "لَكَ". وقوله: "قد حلبت عليّ عِشارِي". في موضع الخبر وتكون "كم"، واقعةً على الحَلَبات، فتكون مصدرًا، والتقديرُ: "كم مرّةٍ، أو حَلْبَةٍ عَمَّةٌ لك قد حلبتْ عليّ عشاري". ويجوز أن تكون "كم" واقعةً على الظرف، فيكون التقدير: كم يومًا، أو شهرًا، ونحوهما من الأزمنة.
ومن نصب، فعلى لغة من يجعل "كم" في معنى عددٍ منوّنٍ، ونصب بها في الخبر، وهم كثيرٌ، منهم الفرزدقُ؛ لأنّ هذا ليس موضعَ استفهام مع أنّه لا يبعد الاستفهام على سبيل التقرير، فتكون "كم" مبتدأ في موضع مرفوع، وقوله: "قد حلبت عليّ عشاري" في موضع الخبر، وتكون "كم" واقعةً على العَمّات.
ومن جرّ، فعلى أنّه خبرٌ بمعنى "رُبَّ". وأجودُها الجرُّ؛ لأنّه خبرٌ، والأظهر في الخبر الجرُّ. والمراد الإخبار بكثرة العمّات الممتهِنات بالخِدْمة. وبعده النصبُ، لأنه خبرٌ أيضًا في معنى عمّاتٍ. هاذا رُفعت، لم تكن إلا واحدة؛ لأنّ التمييز يكون، بواحدٍ في معنى جمع. وإذا رفعتَ، فلست تريد التمييزَ. ألا ترى أنّه إذا قيل: "كم درهمٌ لك"، كان المعنى: "كم دانَقًا هذا الدرهمُ الذي سُئلتَ عنه"؟ فالدرهمُ واحدٌ, لأنّه خبرٌ، وليس. بتميينرٍ، وصاحب الكتاب فسّره في حال الرفع بالجمع، وفيه نظرٌ. والصوابُ ما ذكرتُه لك. وهذا البيت يهجو به جَرِيرًا، ويصف أنّ نِساءه راعياتٌ له يَحْلُبْنَ عليه عِشارَه، وهي النُّوق التي أتى عليها من حِينِ أُرسل عليها الفَحْلُ عشرةُ أشهر، ثمّ لا يزال ذلك اسمًا لها حتى تَضَع، فاعرفه.
فصل [إضافة "كم" الخبرية إلي ما بعدها]
قال صاحب الكتاب: والخبرية مضافة إلى مميزها عاملة فيه عمل كل مضاف في
стр. 1062
المضاف إليه. فإذا وقعت بعدها من وذلك كثير من استعمالهم منه قوله تعالى: ﴿وكم من قرية﴾ (١)، ﴿وكم من ملك﴾ (٢) , كانت منونة في التقدير, كقولك كثير من القرى ومن الملائكة. وهي عند بعضهم منونة أبداً والمجرور بعدها بإضمار "من".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ "كم" في الخبر في تأويل اسم منصرف في الكلام، يجُرّ ما بعده إذا أُسقط التنوين منه، نحو: "مائةُ درهم"، و"مائتَيْ دينارٍ". وتدخل "من" على مميِّزها كثيرًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٣)، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ (٤)؛ لأنّ الإضافة فيها مقدَّرةٌ بـ "مِنْ" على حدِّ "بابُ ساجٍ"، و"جُبَّةُ صُوفٍ". فإذا قلت: "كم قريةٍ"، و"كم ملكٍ"، فكأنّك قلت: "كثيرٌ من القرى، وكثيرٌ من الملائكة". فإذا أظهرتَ "مِنْ"، كان العملُ لها دون "كم"، والكوفيون (٥) يخفضون ما بعد "كم" على كلِّ حال بـ "من"، فإن أظهرتَها، فهي الخافضةُ، وإن لم تُظْهِرها، فهي مرادةٌ مقدَّرةٌ كما تُحذَف "رُبَّ" وتُقدَّر، ولذلك حسُن الفصلُ بين "كم" والمخفوض بعدها. وتكون "كم" عندهم في تقدير اسم منوّنٍ على كل حال. وهو ضعيف؛ لأنّ المجرور داخلٌ فيما قبله، فهما في موضع اسم واحد، ولا يحسن حذفُ بعض الاسم، فاعرفه.
فصل ["كأين" ولغاتها]
قال صاحب الكتاب: وفي معنى "كم" الخبرية "كأين", وهي مركبة من كاف التشبيه و"أي", والأكثر أن تستعمل مع "من". قال الله : ﴿فكأين من قرية أهلكناها﴾ (٦). وفيها خمس لغات: كأين، وكاءٍ بوزن "كاعٍ"، وكيء بوزن كيع، وكأي بوزن كعي، وكإ بوزن كع.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "كَأَيِّنْ" اسمٌ معناه معنى "كم" في الخبر، يكثُر به عدّةُ ما يضاف إليه، نحو قوله [من الطويل]:
٦٧٥ - وكاءٍ ترى مِنْ صامتٍ لكَ مُعْجِبٍ ... زِيادتُه أونقْصُه في التكَلُّمِ
стр. 1063
ونحو قوله [من الوافر]:
وكاءٍ بالأبَاطِحِ من صَدِيقٍ ... يَراني لو أَصِبْتُ هو المُصابا (١)
وهي مركبة، أصلُها: "أيٌّ"، زيد عليها كافُ التشبيه، وجُعلا كلمةً واحدةً، وحصل من مجموعهما معني ثالثٌ، لم يكن لكلّ واحد منهما في حال الإفراد. ولذلك نظائرُ من العربيّة وغيرها، ولكونهما صارا كلمةً واحدةً، لم تتعلّق الكافُ بشيء قبلها من فعلٍ، ولا معنى فعل، كما لا تتعلَّق في "كَأَنّْ" و"كَذَا" بشيء مع كونها عاملةً فيما دخلتْ عليه؛ لأنّ حرف الجرّ لا يُعلَّق عن العمل. ألا ترى أنّ "مِنْ" في قولك: "ما جاءني من أحد" زائدةٌ لا تتعلّق بشىء، وهي مع ذلك عاملةٌ. وكذلك الباء في قولك: "ليس زيد بقائمٍ" عاملةٌ مع كونها زائدةً غيرَ متعلّقة بفعلٍ قبلها. وكذلك الكافُ في "كأيّ" زائدةٌ غيرُ متعلّقة بشيء، وهي مع ذلك عاملةٌ.
وهي تنصب ما بعدها، فتقول: "كأيٍّ رجلًا رأيت"، فتكون "كأيّ" في موضعِ منصوب بـ "رأيت" نَصْبَ المفعول به، كما أنّك إذا قلت: "رأيت كذا وكذا رجلًا"، كان "كَذَا" في موضعِ نصب بـ "رأيت". وتقول: "كأيٍّ أتانى رجلاً"، فتكون "كأيّ" في موضع مبتدأ، و"أتاني" الخبرُ، كما تكون "كم" كذلك. وإنّما نصبوا بها للزوم التنوين لها، والتنوين مانعٌ من الإضافة، فعُدل إلى النصب؛ لأنّها للتكثير بمنزلةِ "كم" في الخبر، تخفض مميِّزَها عند قومٍ، وتنصبه عند آخرين. والخفضُ ها هنا ممتنعٌ. قال سيبويه (٢): لأنّ المجرور بمنزلة التنوين، فلذلك نصبوا ما بعدها كما نصبوا ما بعد "كذا وكذا درهمًا". وأكثر العرب لا يتكلّمون بها إلا مع "مِنْ"، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ (٣).
стр. 1064
وإنّما ألزموها "مِنْ" توكيدًا، فصارت بمنزلةِ تمام الاسم، ومثله زيادةُ "ما" في "لا سِيَّما زيدٌ". وإنّما اختاروا ذلك لتوهّم لبسٍ ربّما وَقَعَ، وذلك أنّك إذا قلت: "كَأيٍّ رجلاً أهلكت"، جارّ أن يكون "رجلاً" منصوبًاب "كَأَيٍّ"، فيكون واحدًا في معنى جمع، ويجوز أن يكون منصوبًا بالفعل بعده، ويكون "كأيٍّ" ظرفًا، كأنّه قال: "كأيٍّ مرّةً"، فيكون "رجلًا" واحدًا لفظًا ومعنًى، كأنّه قال: "أهلكتُ رجلاً مِرارًا". قال سيبويه (١): إنّما ألزموها "مِنْ" لأنّها توكيدٌ، فجُعلت كأنّها شيء يتمّ به الكلامّ. قال (٢): ورُبَّ تأكيدٍ لازم حتّى يصير كأنّه من الكلمة. وهذا هو المعنى الأوّل، وذلك أنّ التأكيد إنّما يُؤتَى به لإزالةِ لَبْس، أو قَطْعِ مَجاز، فلمّا كان الموضع موضعَ لبس، لزم التأكيد.
وفيها خمسُ لغات على ما ذُكر، قالوا: "كَأَيٍّ"، و"كاءٍ"، و"كَيْءٍ"، و"كَأْي"، و"كَإ". حكى ذلك أحمدُ بن يَحْيَى ثَعْلَبٌ. فمن قال: "كَأَيٍّ"، فهي "أَيٌّ" دخلتْ عليها الكافُ، ورُكّبتا كلمةً واحدةً على ما تقدّم، ومن قال: "كاءٍ" فهي "كأَيٍّ " أيضًا، تَصرّفوا فيها لكثرة استعمالهم إيّاها، فقدّموا الياء المشدّدة، وأُخّرت الهمزة، كما فعلوا ذلك في "قِسِّي"، و"أشياء"، و"جاءٍ" في قول الخليل، فصار "كَيِّىءٍ" فأشبه "هَيِّنًا"، و"لَيِّنًا"، فحذفوا الياء الثانيةَ تخفيفًا، فصار "كَيْء"، كما قالوا: "هَيْنٌ"، و"لَيْنٌ"، ثمّ قلبوا الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها كما فعلوا في "طائيٌّ"، والأصلُ: طَيْئِيٌّ، وكما قالوا: "حارِيٌّ" في النِّسَب إلى الحِيرَة، وقالوا: "آيَةٌ" وهو"فَعْلَةٌ" ساكنَ العين في قولِ غير الخليل، ولذلك نظائرُ، فصار"كاءٍ".
وكان أبو العبّاس المبرّد يذهب إلى أنّ الكاف لمّا لحقتْ أوّل "أيٍّ"، وجُعلتْ معها اسمًا واحدًا، بنوا منهما اسمًا على زنةِ "فاعلٍ"، فجعلوا الكافَ فاءً، وبعدها ألفُ "فاعلٍ"، وجعلوا الهمزةَ التي كانت فاءً في موضع العين، وحذفوا الياء الثانية من "أيٍّ"، والياء الباقيةُ في موضع اللام، ودخل عليها التنوينُ الذي كان في "أيٍّ"، فسقطت الياء لالتقاء الساكنَيْن، فصارت "كَاءٍ". ولزمت النونُ عوضًا من الياء المحذوفة. وكان يونس يزعم أن "كائنْ" فاعلٌ من "كَانَ يَكُونُ". فعلى القولَيْن الآخِرَيْن يكون الوقفُ عليها بالنون، وعلى القول الأوّل تقِف بالهمزة والسكون، وتحذف التنوينَ.
وأما "كَيِّىءٍ" بياء مشدَّدة وهمزة بعدها، فإنّه لمّا أصاره القلبُ والتغييرُ إلى "كَيِّىءٍ"، وُقف عند ذلك، ولم تُحذَف إحدى الياءَيْن، وإنما أُخّر الهمزة، وقُدّم الياء، فصار كـ "سَيِّد" و"جَيِّد"، فخفّ بكثرة النظير.
وأمّا "كَيْءٍ" بوزنِ "كَيْع"، فلغةٌ حكاها أبو العبّاس. وذلك أنّه لمّا أصاره القلبُ والتخفيفُ بحذف إحدى الياءَيْن إلى "كَيْءٍ" بوزن "بَيْتٍ"، لم تُقلَب الياء ألفًا لسكونها.
стр. 1065
وأمّا "كَأْيٍ" بوزن "كَعْي" بهمزة ساكنة، وياء مكسورة خفيفةٍ، فحكاها أبو الحسن بن كَيْسانَ. فإنّه لمّا أدخل "الكافَ على "أيٍّ"، وركّبهما كلمةً واحدةً، وصار اللفظُ "كأيٍّ"، خفّف بحذف إحدى الياءَيْن، وأسكن الهمزة، كأنّه بني من المجموع اسمًا على زنةِ "فَعْلٍ"، مثلَ: "فَلْس" و"كَعْبٍ".
وأمّا "كَإٍ" بوزن "كَعٍ"، فحكاها أيضًا أبو الحسن بن كيسان، وذلك أنّهم بنوا منه اسمًا على زنةِ "فَعِلٍ" بكسر العين، وفتح الفاء كـ "عمٍ"، و"شَجٍ".
فهذا ما بَلَغَنا من لغاتها، وأصلُ هذه اللغات، وأفصحُها "كَأَيِّ" بياء مشدّدة، والوقفُ عليها بغيرِ تنوين، وبعدها في الفصاحة والكثرةِ "كَاء"، بوزن "كَاعٍ "، وهي أكثرُ في أشعار العرب من الأوُلى، ثمّ باقِي اللغاتِ متقارِبةً في الفصاحة.
فصل ["كيت" و"ذيت": استعمالها ولغاتها]
قال صاحب الكتاب: وكيت وذيت مخففتان من كية, وذية. وكثير من العرب يستعملونهما على الأصل. ولا يستعملان إلا مكررتين, وقد جاء فيهما الفتح والكسر والضم, والوقف على "بنت" و"أخت".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أنّ هذه الأسماء كناياتٌ عن الحديث، فتقول: "كان من الأمر كَيْتَ وكَيْتَ، وذيْتَ وذَيْتَ". وفي "كَيْتَ" و"ذَيْتَ" ثلاثُ لغات: الفتح والكسر والضمّ، وأصلُه أن يكون ساكنَ الآخِر على أصل البناء، وتحريكُه لالتقاء الساكنين. فمَن فتح، فَطَلبًا للخفة لثقل الكسرة بعد الياء، كما قالوا: "أَيْنَ" و"كَيْفَ". ومن كسر، فعلى أصل التقاء الساكنين. ومن ضم، فتشبيهاً بـ "قبل" و"بَعْدُ".
وأصلهما "كيَّة" و"ذيَّة"، وقد نطقت بذلك العربُ، فقالت: "كان من الأمر كَيَّةَ وذَيَّةَ"، ثمّ إنّهم حذفوا الهاء، وأبدلوا من الياء التي هي لامٌ تاءً، كما فعلوا ذلك في "ثِنْتَين".
وليست التاء في "كيت" و"ذيت" للتأنيث، يدلّ على ذلك سكونُ ما قبلها، وتاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، والتأنيثُ مستفادٌ من نفس الصيغة. فالصيغةُ في "كَيْتَ" و"ذَيْتَ" رسيلةُ التاء في "كَيَّةَ" و"ذَيَّةَ"، كما كانت التاءُ في "ابْنَةٍ" و"اثْنَتَيْنِ" رسيلةَ الصيغة في "بِنْت" و"ثِنْتَيْن". فأمّا "كَيَّةَ" و"ذَيَّةَ"، فليس فيهما مع الهاء إلا الفتحُ؛ لأنّ الهاء بمنزلةِ اسم ضُمّ إلى اسم، نحوَ: "خمسةَ عشرَ"، و"شَغَرَ بَغَرَ"، فكما أنّ الاسم الأوّل من الاسمَيْن مفتوحٌ لا محالةَ، فكذلك هاء التأنيث.
стр. 1066
فإن قيل: فلِمَ قضيتَ على تاء "كيت"، و"ذيت" بأنّها بدلٌ من ياء؟ وهلاّ قلت: إِنّها بدلٌ من واو كما كانت كذلك في "بِنْتٍ" و"أُخْتٍ". قيل: لو قضينا على تاء "كَيْتَ" و"ذَيْتَ" بأنّها من الواو، لصِرْنا إلى مثالٍ لا نظيرَ له في كلامهم؛ لأنّه ليس في كلام العرب لفظةٌ عينُها ياءٌ ولامُها واوٌ. ألا ترى أنّ سيبويه قضى على واوِ "حَيَوان" بأنّها مبدلةٌ من الياء؟ قال: لأنّه ليس في كلامهم مثلُ: "حَيِوْتُ". وقوله: "ولا يُستعمل كيت وذيت إلا مكرَّرتَيْن"، فإنّه يريد أنّهما لا يُستعملان مفردَيْن، وإنّما تُكرِّرهما، فتقول: "كيت وكيت" و"ذيت وذيت"، ليكون ذلك أدلَّ على الحديث، ولا يُتوهّم أنِّهما كنايةٌ عن لفظَيْن مفردَيْن، فاعرفه.
стр. 1067
ومن أصناف الاسم
المثنَّى
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: وهو ما لحقت آخره زيادتان: ألف أو ياء مفتوح ما قبلها، ونون مكسورة، لتكون الأولى علماً لضم واحد إلى واحد، والأخرى عوضاً مما مُنع من الحركة والتنوين الثنتين في الواحد.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ التثنية ضمُّ اسم إلى اسم مثلِه، واشتقاقُها من "ثَنَّى يُثَنِّي" إذا عطف، يقال: "ثنّى العُودَ" إذا عطفه عليه، فكأنّ الثاني معطوف. وأصلُها العطف، فإذا قلت: "قام الزيدان"، فأصله: زيدٌ وزيدٌ، لكنّهم إذا اتّفق اللفظان، حذفوا أحدَ الاسمين، واكتفوا بلفظ واحد، وزادوا عليه زيادةً تدلّ على التثنية، فصارا في اللفظ اسمًا واحدًا، وإن كانا في الحكم والتقدير اسمَيْن. وكان ذلك أوجزَ عندهم من أن يذكروا الاسمين، ويعطفوا أحدهما على الآخر، فإذا ثنّوا الاسم المرفوع، زادوا في آخِره ألفًا ونونًا، وإذا ثنّوا الاسم المجرور أو المنصوب، زادوا في آخره ياء مفتوحًا ما قبلها ونونًا مكسورةً، فيكون لفظُ المجرور كلفظ المنصوب، فالزائدُ الأوّلُ -وهو الألف أو الياء- يكون عوضًا من الاسم المحذوف، ودالًّا على التثنية، ولذلك كان حرف الإعراب. فالأصلُ في قولك: "الزيدان": زيدٌ وزيدٌ، والذي يدلّ على ذلك أنّ الشاعر إذا اضطُرّ عاود الأصل، نحو قوله [من الرجز]:
٦٧٦ - كَأَنَّ بَيْنَ فكّها والفَكِّ ... فَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ في دسُكِّ
стр. 1068
أراد: بين فَكَّيْها، فلمَّا لم يتّزِن له، رجع إلى العطف، وهو كثيرٌ في الشعر. ويؤيّد ذلك أنّك لا تأتي به في الأسماء المختلفة، نحوِ: "جاءني زيدٌ وعمرٌو"، لكونِ أحدِ اللفظَيْن لا يدلّ على الآخر. وقد قالوا أيضًا: "العُمَران"، والمراد أبو بكر وعُمَرُ، وقالوا: "القَمَران"، والمراد: الشمس والقمر، وذلك لاتّضاح الأمر فيهما وعدم الإشكال. وإنّما كانت هذه الحروف هي المزيدةَ دون غيرها لخفّتها، وذلك أنّ أخفَّ الحروَف حروفُ المدّ واللِّين، وهي الواو والألف والياء. وقد كان القياسُ أن يكون الرفع بالواو، والنصب بالألف، والجرّ بالياء، وكذلك الجمعُ الذي على حدّ التثنية، لتعذُّر الحركات فيها؛ لأنّ حكم العلامات أن تكون بالحركات، إذ كانت أقلّ وأخفّ، فلمّا كانت الحركاتُ متعذّرةً لاستيعاب الواحد لها، عدلوا إلى أشبهها من الحروف، غيرَ أنّهم أرادوا الفصلَ بين إعراب التثنية والجمع. ولم يكن الفصلُ بينهما بنفس الحروف، لأنّها سواكنُ، ففصلوا بينهما بالحركات التي قبل هذه الحروف، فكان ينبغي على ما قدّمناه أن تكون تثنيةُ المرفوع بواو مفتوحٍ ما قبلها، نحوُ قولك: "زيدَوْنِ" و"مسلمَوْنِ"، وتثنيةُ المجرور بالياء، نحوُ: "زيدَيْنِ" و"مسلمَيْنِ"، وتثنيةُ المنصوب بالألف، نحوُ: "زيدَانِ" و"مسلمانِ". ويكون رفعُ الجمع بواو مضمومٍ ما قبلها، نحوُ قولك: "الزيدُونَ" و"المسلمُونَ"، وجمعُ المجرور بياء مكسور ما قبلها، كقولك: "زيدِينَ" و"مسلمِينَ"، وجمعُ المنصوب بالألف، والألفُ لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا، كقولك: "زيدان" و"مسلمان". ولو فعلوا ذلك، لوَقَعَ الفرقُ بين التثنية والجمع في المرفوع والمجرور؛ لأنّ ما قبل الواو والياء في التثنية مفتوحٌ، وفي الجمع على غير ذلك، إلَّا أنّه كان يلتبس تثنيةُ المنصوب بجمعه، فأسقطوا الألف من علامة النصب، وجُعلت علامةَ الرفع في التثنية، فبقي النصبُ بلا علامةٍ، فاُلحق بالجرّ، وكان إلحاقُه بالجرّ أوْلى، لأمُورٍ منها:
أنّ الجرّ أقوى من الرفع؛ لأن الجرّ مختص بالأسماء، ولا يكون في غيرها، فكان إلحاقه به أولى.
الثاني: أنّ النصب أخو الجرّ، وإنّما كان أخاه؛ لأنّه يُوافِقه في كناية الإضمار، نحوِ: "ضربتُكَ"، و"غلامُكَ"، فالكافُ في "ضربتك" في موضعِ نصب، وهي في "غلامك" في موضعِ خفض، فلمّا اتّفقا في الكناية، حُمل أحدهما على الآخر.
стр. 1069
الثالثُ: أنّهما شريكان في وصول الفعل إليهما على سبيل الفضلة، غيرَ أنّ وقوعه على المنصوب بلا واسطةٍ، وعلى المجرور بواسطة حرف الجرّ، ألا ترى أنّه لا فرقَ في المعنى بين قولنا: "نصحتُ زيدًا"، و"نصحتُ لزيدٍ"؟ فلمّا استويا في المعنى سُوّي بينهما في اللفظ.
فإن قيل: فهلّا استُعملت الألف في نصب التثنية والجمع في أحدهما، وأسقطوها من الآخر، إذ اللبسُ إنّما وقع باستعمالها فيهما؟ فالجوابُ أنّ التثنية وهذا الضربَ من الجمع، لمّا كانا على منهاج واحد في سلامة لفظ الواحد، وزيادةٍ مّا تدلّ على التثنية والجمع، ووجب إسقاطُ الألف من أحدهما، أسقطوها من الآخَر، ليتّفقا، ولا يختلفا. ونظيرُ ذلك: "يَعِدُ"، و"يَزِنُ"، والأصلُ: "يَوْعِد"، و"يَوْزِن"، فحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثمّ أتبعوا باقيَ المضارع في الحذف، إذ كان طريقُها في المضارعة واحدًا.
فإن قيل: ولِمَ أزالوا الواو من علامةِ رفع التثنية، وجعلوا مكانَها الألفَ مع حصول الفرق بين التثنية والجمع بفتحِ ما قبل الواو في التثنية وضمِّ ما قبلها في الجمع؟ قيل: كرهوا أن يستعملوا حرفَيْن من حروف المدّ، ويطرحوا الثالثَ، وقد كانت الحركاتُ المأخوذة منهنّ مستعمَلاتٍ في الواحد. واستعملوا الألف في التثنية دون الجمع لوجهَيْن:
أحدُهما: أن ما قبل الياء في التثنية مفتوحٌ مُشاكِلٌ للألف.
والوجهُ الثاني: أنّ التثنية أكثرُ من الجمع، ألا ترى أن كلَّ ما يجوز جمعُه هذا الجمعَ يجوز تثنيتُه، وليس كلُّ ما يجوز تثنيتُه يجوز أن يُجمع جمعَ السلامة؟ فجُعلت الألفُ فيما يكثر استعمالُه لخفّتها؛ لأنّهم يعتنون بتخفيفِ ما يكثر على ألسِنتهم، ولذلك نظائر كثيرةٌ. وإنّما استعملوه في المرفوع دون المجرور؛ لأنّ الجرّ لازم في الاسم لا يكون إلا فيه، وليس كذلك الرفعُ، فإنّه يكون فيه، وفي الفعل، فكان تغييرُ ما ليس بلازمٍ أوْلى.
ووجهٌ آخر: أنَّ الواو أثقلُ من الياء، فلمّا وجب إبدالُ إحداهما بالألف، كانت الواوُ أوْلى لثقلها، مع أنّهم كرهوا أن يقولوا: "الزيدَوْن"؛ لأنّه يُشْبِه لفظَ ما جُمع من المقصور جمعَ السلامة، نحوِ: "المُصْطَفَوْنَ" وَ"المُعَلَّوْنَ".
واعلم أنّ الألف والياء حرفا إعرابٍ بمنزلة الدال من "زيد" والراء من "جعفر". هذا مذهبُ سيبويه، وهو قولُ أبي إسحاق، وابن كَيْسانَ، وأبي بكر بن السَّرّاج. واحتجّوا بأنّ حكمَ الإعراب أن يدخل الكلمةَ بعد دلالتها على معناها، للدلالة على اختلاف أحوالها من الفاعليّة والمفعوليّة ونحوِهما، نحوِ قولك: "جاءني زيدٌ"، و"رأيت زيدًا"، و"مررت بزيدٍ"، فيختلف حالُ الاسم بحسبِ اختلاف الإعراب، وذاتُ الاسم واحدةٌ لا تختلف. فلمّا كان الواحدُ دالاً على مفردٍ، وبزيادة حرفَي التثنية دالاً على اثنين، كان حرفُ التثنية من تمام الاسم، ومن جملةِ صيغةِ الكلمة، وصار كالهاء في "قائمة"، والألف في
стр. 1070
"حُبلَى"؛ لأنّ الألف والهاء زِيدَا لمعنى التأنيث، كما زيد حرفُ التثنية لمعنى التثنية، وصارا حرفَي إعراب كذلك في التثنية.
وقال أبو الحسن: ليست هذه الحروف حروفَ إعراب، ولا إعرابًا، لكنّها دليلُ الإعراب، فإذا رأيتَ الألف، علمتَ أنّ الاسم مرفوعٌ، وإذا رأيت الياء؛ علمت أنّ الاسم مجرورٌ أو منصوب. وإليه ذهب أبو العبّاس محمّد بن يزيد، واحتجّ بأنّها لو كانت حروفَ إعراب، لَمَا عرفتَ بها رفعًا من نصب، ولا جرٍّ، كما أنّك إذا سمعتَ دالَ "زيد"، لم تدلّ على رفع ولا نصب ولا جرّ، فلمّا دلّت على الإعراب، عُلم أنّها ليست حروفَ إعراب.
وهذا الاعتلالُ ليس بلازمٍ؛ لأنّه يجوز أن يكون الحرف من نفس الكلمة، ويفيد الإعرابَ. ألا ترى أنّا لا نختلف أن الأفعال المعتلّةَ الآخِر، نحوَ: "يَغْزُو"، و"يَرْمِي"، و"يَخْشَى" جزمُها بسقوطِ هذه الحروف منها، وذلك كقولك: "لم يَقْضِ"، و"لم يَغْزُ"، و"لم يَخْشَ". فإذا كان الإعرابُ قد يكون بحذفِ شيء من نفس الكلمة، جاز أن يكون بإثباته، ومن ذلك قولُك: "أبوك"، و"أخوك"، و"أباك"، و"أخاك"، و"أبيك"، و"أخيك"، فالواوُ قد أفادت الرفعَ، والألفُ قد أفادت النصب، والياءُ قد أفادت الجرّ، وهنّ حروفُ الإعراب بلا خلاف عندنا.
فإن قيل: فهلّا دلّ انقلابُ ألف التثنية إلى الياء في حال الجرّ، وإلى الواو في حال الرفع، أنّها ليست حروف إعراب، قيل: انقلابُها لا يُخْرِجها عن كونها حروفَ إعراب بعد أن قام الدليلُ على ذلك. ألا ترى أنّا لا نختلف في أنّ ألفَ "كِلَا" حرفُ الإعراب منها، وأنت مع ذلك تقلبها ياءً في النصب والجرّ، نحوَ قولك: "جاءني الزيدان كلاهما"، و"رأيتُهما كِلَيْهما"، و"مررت بهما كِلَيْهما"؟ ومن ذلك الأسماءُ المعتلّة، نحوُ: "أخوك"، و"أبوك"، وأخواتِهما، فإنّها تكون في الرفع واوًا، وفي النصب ألفًا، وفي الجرّ ياءً، ومع ذلك لا نختلف في أنّها حروفُ إعراب على ما سبق.
وأمّا قوله: إنّها ليست بإعرابٍ، فهو صحيحٌ، وهو مذهب سيبويه، وقيل: مذهبُ سيبويه أن الألف والياء في التثنية إعرابٌ، فالألف بمنزلة الضمّة، والياء بمنزلة الكسرة والفتحةِ. والأولُ المشهور من مذهبه. وقال أبو عمر الجَرميّ: الألفُ حرفُ إعراب كما قال سيبويه، وانقلابُها هو الإعراب. ولا يكاد ينفكّ من ضُعْف، وذلك أنّه يجعل الإعرابَ في الجرّ والنصب معنّى، لا لفظًا؛ لأنّ الانقلاب معنى؛ واللفظُ هو المقلوب، فيجعل إعرابَه في الرفع لفظًا لا معنًى. فخالف بين جهات الإعراب في اسم واحد، وذلك معدومُ النظير.
وكان الزِّياديّ والفرّاء يذهبان إلى أنّ الألف في التثنية إعرابٌ، وكذلك الياء. وقد تقدّم القول بأنّ الإعراب إذا أُزيل، لم يختلّ معنى الكلمة، وأنت متى أسقطتَ الألف أو الياء، اختلّ معنى التثنية، فعُلم بذلك أنّهما ليستا بإعراب. ويدل على أن الألف في التثنية
стр. 1071
ليست إعرابًا قولُهم: "مِذْرَوانِ" (١)، ألا ترى أنّ الألف لو كانت إعرابًا؛ لَوجب أن تنقلب الواوُ في "مِذْرَوان" ياءً, لأنّها رابعةٌ، وقد وقعتْ طرفًا كما قُلبت في "أغْزَيْتُ"، و"أدْعَيْتُ". ووجودُ هذه الألف في اسم العدد من نحوِ "اثنان" دليلٌ على أنّها ليست إعرابًا؛ لأن أسماء العدد كلَّها مبنية، نحوَ: "ثلاثهْ، أربعهْ، خمسهْ"؛ لأنها كالأصوات موقوفةُ الآخِر.
وأمّا الزيادة الثانية، وهي النون، فهي عوضٌ من الحركة والتنوين اللذَيْن كانا في الواحد، وذلك أن الاسم، بحُكْم الاسميّة والتمكُّنِ، تلزمه حركةٌ وتنوينٌ. فالحركةُ دليلُ كونه فاعلاً أو مفعولاً ونحوَهما من المعاني، والتنوينُ دليلُ كونه منصرفًا متمكّنًا. وأنتَ إذا ثنّيتَه بضمِّ غيره إليه، امتنع من الحركة والتنوين، ولم تُزِل التثنيةُ ما كان له بحقّ الاسمية والتمكُّن، فعُوِّض النون من الحركة والتنوين.
فإن قيل: فأنت تقول: "الرجلان" و"الزيدان"، فتُثْبِت النونَ مع الألف واللام، والتنوينُ لا يثبت مع الألف واللام، فلِمَ قلتم: إِنّ النون عوضٌ من الحركة والنون جميعًا؟ فالجواب أنّ النون دخلت قبل دخول الألف والسلام عوضًا من الحركة والتنوين، ثمّ دخلت الألف واللام للتعريف؛ لأنّ التثنية لا تصحّ مع بقاء تعريفه. ألا ترى أنّك لو رُمْتَ تثنية "الرجل" مع بقاءِ ما فيه من التعريف، لرُمْتَ مُحالاً؛ لأنّ "الرجل" معيَّنٌ مقصودٌ إليه، فإذا ثنّيناه، زال التعيينُ، وصار من أُمّةٍ كل واحد له مثلُ اسمه. وهذان معنيان متدافعان، فصحّ أنّك لمّا أردتَ تثنيتَه، نزعتَ عنه الألفَ واللام، حتى صار نكرةً، ودخلت النون عوضًا من الحركة والتنوينِ، ثمّ دخلت الألف واللام حينئذ للتعريف، ولم يُزيلا النونَ كما أزالا التنوينَ؛ لأنّ التنوين ساكنٌ زائلٌ في الوقف، والنون متحرّكةٌ ثابتةٌ في الوقف، فلم يقويا على حذفها. وإنّما كان المعوَّض نونًا من قِبَل أنّه كان ينبغي أن يكون أحدَ حروف المدّ واللِّين لِما تقدّم من خفّتها، ولو فعلوا ذلك، لزِمهم قلبُها أو حذفُها لاجتماعها مع ألف التثنية أو يائها. فلمّا كان يؤدّي إلى تغيير أحدها، عدلوا إلى أقرب الحروف شَبَهًا بها، وهي النون، فزيدت، وكانت ساكنة، وقبلها الألفُ أو الياءُ ساكنةً، فكُسرت لالتقاء الساكنين.
فإن قيل: ولِمَ حُرّكت النون لالتقاء الساكنين؟ وهلّا حُذفت الألف لذلك. فالجوابُ أنّه كان القياس حذفَ الألف لالتقاء الساكنين؛ لأنّ حرف المدّ إذا لَقِيَه ساكنٌ بعده، فإنّه يُحذف لالتقاء الساكنين؛ لأن حركةَ ما قبله تدل عليه، وذلك نحوُ: "لم يَخَفْ"، و"لم يَهَبْ"، و"لم يَقُلْ"، و"لم يَبعْ". والأصل: يَخَاف، ويَهاب، ويَقُول، ويَبِيع. وإنما لمّا سكن حروفُ الإعراب للجازم، التقى في آخِر الفعل ساكنان: حرفُ الإعراب، وما قبله من حروف المدّ، فحُذف حرفُ المدّ لالتقاء الساكنين. وإنّما امتنع حذفُ حرف التثنية،
стр. 1072
لسكون النون بعده من قِبَل أنّه جيء به للدلالة على معنى التثنية. فلو حذفتَه، لذهبتْ دلالتُه، وكان يكون نقضًا للغرض كما لو ادُّغم، نحوُ: "مَهْدَدٍ" (١)، و"قَرْدَدٍ" (٢)، فلذلك حُرّكت النون، ولم تُحذف الألف لهذا المانع.
فإن قيل: ولِمَ خُصّت بالكسر دون غيرها من الحركات؟ قيل: لوجهَيْن:
أحدُهما: أنّ الأصل في حركةِ التقاء الساكنين الكسرُ، فكُسرت نونُ التثنية على أصل التقاء الساكنين.
والوجهُ الثاني: أنّهم أرادوا الفرق بين نون التثنية ونون الجمع. ولمّا كان ما قبل نون التثنية ألفًا، وما قبل نون الجمع واوًا، والألفُ أخفُّ من الواو، كسروها مع الألف، وفتحوها مع الواو، لتكون الكسرةُ التي هي ثقيلةٌ مع الألف التي هي خفيفةٌ، والفتحةُ التي هي خفيفةٌ مع الواو التي هي ثقيلةٌ، فيعتدل الأمرُ.
فإن قيل: فأنت تقول في الجرّ والنصب: "مررت بالزيدَيْنِ"، و"ضربت الزيدَيْنِ"، وقبلها ياءٌ، فهلّا عدلتَ إلى الفتحة، لأجل الياء كما فعلتَ في "أيْنَ" و"كَيْفَ"؟ قيل: الياء في التثنية ليست بلازمة على حدّ لزومها في "أين" و"كيف"، ألا تراك تقول في الرفع الذي هو الأصل: "رجلان"، و"فرسان"، فلا تلزم النونَ الياءُ كما تلزم الياءُ النونَ والفاءَ في "أين" و"كيف"؟ فلِعدم لزوم الياء في التثنية، وكونِ الرفع هو الأصلَ، أجروا البابَ على حكم الأصل الذي هو الألفُ، وإنّما الياءُ بدلٌ مع تنكّبِ اختلافِ حالِ نون التثنية، على أنّ من العرب من يفتح نون التثنية في حال الجرّ والنصبَ، ويُجْرِي الياء، وإن كانت غيرَ لازمة، مُجرى الياء اللازمة في نحوِ "أيْنَ" و"كَيْفَ"، فيقول: "مررت بالزيدَيْنَ"، و"ضربتُ الزيدَينَ". حكى ذلك البغداديّون، وأنشدوا لحُمَيْد بن ثَوْر [من الطويل]:
٦٧٧ - على أحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ... فما هي إلا لَمْحَهٌ فَتَغِيبُ
стр. 1073
وأنشد قُطْرُبٌ لامرأةٍ من فَقْعَسَ [من الرجز]:
٦٧٨ - يا رُبَّ خالٍ لك مِن عُرَيْنَة ... حَجَّ على قُلَيِّصٍ جُوَيْنَة
فَسْوتُهُ لا تَنْقَضِي شَهرَيْنَهْ ... شَهْرَيْ رَبِيعٍ وجُمادَيَيْنَهْ
وقد فتحها بعضُهم في موضع الرفع، أنشد أبو زيد في نَوادِره [من الرجز]:
أعْرِفُ منها الجِيدَ والعَينانا ... ومَنْخَرَيْن أشْبَهَا ظَبْيانَا (١)
وقد حُكي عن بعضهم أنّه ضمّ النون في التثنية، نحوَ: "الزيدانُ" و"العمرانُ". وهذا من الشذوذ بحيث لا يُقاس غيرُهما عليهما.
стр. 1074
وهذا معنى قوله: "لِتكون الأُولى عَلَمًا لضمِّ اسم واحد إلى اسم واحد"، يعني الألف في الرفع، والياء في الجرّ والنصب. جعلوهما دليلاً على التثنية، وعوضًا من الاسم المحذوف.
و"الأُخرى عوضًا ممّا مُنع من الحركة والتنوين"، يعني النون على ما ذكرنا.
قال صاحب الكتاب: ومن شأنه إذا لم يكن مثنَّى منقوصٍ أن تبقَى صيغةُ المفرد فيه محفوظةً، ولا تسقُط تاءُ التأنيث إلا في كللمتَيْن: "خُصْيانِ"، و"ألْيانِ"، قال [من الرجز]:
٦٧٩ - كأَنَّ خُصْيَيْهِ من التَّدَلْدُلِ ... [ظَرفُ عَجُوزٍ، فيه ثِنْتَا حَنْظَلِ]
وقال [من الرجز]:
٦٨٠ - يَرْتَجُّ ألْياهُ ارْتِجاجَ الوَطْبِ
* * *
стр. 1075
قال الشارح: ومن شرط المثنّى أن تسلم صيغةُ واحده في التثنية، ولا تُغيَّر عمّا كانت عليه في حال الإفراد، وذلك من قِبَل أنّ لفظ الاسم المثنّى دالّ على المحذوف، فلو غُير بزيادةٍ فيه أو نقصٍ منه، لم يبق دالا على ما حُذف، وشيءٌ آخرُ أنّ المثنّى في معنى العطف. فكما أنّك في حال العطف لا تُغيِّر المعطوف عليه، كذلك في التثنية التي هي في معناه، ولا فرق في ذلك بين المذكّر والمؤنّث. فإن كان في المؤنث علامةُ تأنيث، فإنّها تثبت، ولا تُحذف كما حُذفت في الجمع، نحوِ: "مسلماتٍ" و"صالحاتٍ"، بل تأتي بها، فتقول: "قائمتانِ"، و"قاعدتانِ"، فتُثبِت التاء لِما ذكرتُه، ولأنّ التاء علمُ التأنيث. فلو حُذفت، لالتبس بالمذكّر، وليس كذلك الجمعُ في مثلِ "مُسْلماتٍ" و"قائماتٍ"؛ لأنّ التاء الثانية تُغْنِي عنها في الدلالة.
ولم تُحذف التاء في التثنية إلَّا في موضعَيْن شَذَّا عن القياس. قالوا: "خُصْيان"، و"ألْيان" والقياس: خُصْيَتانِ، وألْيَتانِ، لأنّ الواحدة خُصْيَةٌ, وألْيَةٌ، قالت امرأةٌ من العرب [من الرجز]:
٦٨١ - لَسْتُ أُبالِي أنْ أكونَ مُحْمِقَهْ (١) ... إذا رأيتُ خُصْيَة مُعَلَّقَهْ
وربّما قالوا: "خِصْيَةٌ" بالكسر، كأنّهم ثنّوا "خُصْيًا" بغيرِ تاء، جاؤوا في المثنّى على
стр. 1076
ما لم يُستعمل، كما جاؤوا بشيء من المجموع على غير واحده، نحوِ: "حاجَةٍ"، و"حَوائِجَ"، و"شَبَهٍ"، و"مَشايِهَ"، و"ذَكرٍ"، و"مَذاكِيرَ". ويجوز أن يكون بنوا "خصيتان"، و"أليتان" على التثنية، كم بنوا "مذْرَوانِ"، ثمّ أسقطوا التاء حينئذ، لئلّا يصير عَلَمُ التأنيث حَشوًا من كلّ وجه. وليس كـ "قائمتان"؛ لأنّ التثنية في تقدير الانفصال. قال أبو عمرو: الخُضيَتان: البَيْضَتان، والخُصْيان: الجِلْدتان اللتان فيهما البيضتان، فأمّا قول الراجز، أنشده سيبويه [من الرجز]:
كأن خُصْيَيْهِ من التَّدَلْدُلِ ... ظَرْفُ عَجُوزٍ فيه ثِنْتَا حَنْظلِ
فشاهد على حذف التاء في التثنية، وذلك على قولِ من لا يفرق، وفيه شذوذان: أحدهما حذف التاء من "خُصْيَةٍ" في التثنية، هذا الشذوذُ من جهة القياس دون الاستعمال، والآخرُ قوله: "ثنتا حنظل"، والقياسُ أن يقول: "حَنْظَلَتانِ". والتَّدَلْدُلُ: الاضطراب، وخصّ ظرفَ العجوز، لأنّها لا تستعمل طِيبًا ولا غيرَه ممّا تتصنّع به النساءُ للرجال، وإنّما تذخَر فيه ما تتعانى به من الحنظل ونحوه. فأمّا "ألْيَة"، فلم يُسمَع فيها إلا الفتح. وفي التثنية: ألْيانِ، وأنشد [من الرجز]:
يرتح ألْياهُ ارتجاجَ الوَطْبِ
والقياس: ألْيَتاه، فحذف التاء لِما ذكرناه، وحذف النون للإضافة. والوَطْبُ: النَّحْيُ، أو ارتجاجُه: اضطرابُه إذا كان مملوءًا.
وقوله: "إذا لم يكن مثنَّى منقوصِ" يريد إلا أن يكون الاسم المثنّى منتقصًا منه في حال الإفراد، نحوِ: "أخٍ" و"أبٍ"، فإنّك تُغيره برَدّه إلى أصله من ظهورِ ما حُذف منه، نحوِ: "أخَوانِ"، و" أبَوانِ"، فاعرفه.
* * *
[سقوط نون المثني بالإضافة وألفه بملاقاة ساكن]
قال صاحب الكتاب: وتسقط نونه بالإضافة كقولك غلاماً زيد، وثوبي عمرو، وألفه بملاقاة ساكن كقولك التقت حلقتا البطان (١).
* * *
قال الشارح: وتسقط نون التثنية للإضافة، نحوَ: "جاءني غلاما زيد"، و"رأيت
стр. 1077
ثَوْبَيْ عمرو". والأصل: غلامان وثوبَيْن. وذلك أنّ النون عوضٌ من الحركة والتنوين، والتنوينُ لا يثبت مع الإضافة، فكذلك ما هو بدلٌ منه.
فإن قيل: النون عوضٌ من الحركة والتنوين جميعًا على ما قرّرتم، والحركةُ تثبت مع الإضافة، نحوَ قولك: "جاءني غلامُ زيد"، و"رأيت غلام زيد"، و"مررت بغلامِ زيد"، فلِمَ حذفتم النون في الإضافة مع ثبوتِ أحدِ بَدَلَيْها، وهو الحركةُ؟ فالجواب: أنّه لمّا ثَبُتَتِ النون مع الألف واللام في نحو: "الرجلان"، و"الغلامان" مع أنّ أحد بدلَيْها - وهو التنوين - لا يثبت معهما، حُذفت مع الإضافة، مع أنّ أحد بدلَيْها -وهو الحركة- لا يُحذف، كأنّ ذلك لضرب من التعادُل والتَّقاصِّ.
فإن قيل: فهلّا ثبتتْ مع الإضافة، وحُذفت مع الألف واللام، قيل: المضاف إليه محلّه محلُّ التنوين آخِرًا، ومحلُّ الألف واللام أوّلاً، فكان حذفُ النون مع الإضافة أوْلى لوجودِ ما يقوم مقامَه، ويحُلّ محلَّه. ووجهٌ ثانٍ، وهو أنّ المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، والنونُ والتنوينُ يفصلان الكلمةَ عمّا بعدها، والألفُ واللام تفصل الكلمةَ أيضًا؛ لأنّهما يمنعان إضافة ما يدخلان عليه كفصلِ النون والتنوين، فكأنّ زيادة النون مع الألف واللام فيه تأكيدٌ لمعناها، ومع الإضافة نقضٌ للغرض بالإضافة. ومع ذلك لو حذفوها مع الألف واللام، ربّما وقعوا في لبسٍ؛ لأنّهم قد يُلْحقون الواحدَ المنصوبَ ألفَ الإطلاق في القوافي، وفي أواخرِ الآي، نحوِ قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (١) ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٢)، ونحوِ قول الشاعر [من الوافر]:
أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَا (٣)
فلو أسقطوا النون في حالِ دخول الألف واللام، لم يُعلَم: أواحدٌ هو، أم مثنًّى.
وقد ذهب بعضهم إلى أنّ للنون في التثنية أحوالاً ثلاثةً: حالاً تكون فيه عوضًا من الحركة والتنوين، وحالًا تكون فيه عوضًا من الحركة وحدَها، وحالًا تكون فيه عوضًا من التنوين وحدَه.
أمّا كونُها عوضًا من الحركة والتنوين، ففي كلّ موضع لا يكون الاسمُ المتمكِّن فيه مضافًا، ولا معرّفًا بالألف واللام، نحوَ: "رجلان" و"غُلامان". ألا ترى أنّك إذا أفردتَ الواحد على هذا الحدّ، وجدتَ فيه الحركة والتنوين جميعًا، نحوَ: "رجلٌ" و"غلامٌ"، فالنون عوضٌ عمّا يجب في ألفِ "رجلان" التي هي حرف الإعراب بمنزلةِ لامِ "رجل".
فأمّا الحال التي تكون فيها نونُ التثنية عوضًا من الحركة وحدَها، فمع لام
стр. 1078
التعريف، نحوَ: "الرجلان" و"الغلامان". ألا ترى أنّك لو أفردتَ هذا الاسم، لم تجد فيه إلا الحركةَ وحدَها، نحوَ قولك: "الرجلُ"، و"الغلامُ".
والحالُ التي تكون فيها النونُ عوضًا من التنوين وحدَه، فهو إذا كان مضافًا، نحوَ: "غلاما زيدٍ"، و"فرسا خالدٍ". ألا تراك تحذفها كما تحذف التنوينَ للإضافة؟ والصحيحُ المذهب الأوّل، وقد تقدّمت الدلالةُ على صحّته.
واعلم أنّه قد تُحذف أيضًا ألفُ التثنية، وذلك إذا لقيها ساكنٌ بعدها من كلمة أُخرى، كقولك: "جاءني غلاما ابْنك" و"الْتَقَتْ حَلْقَتَا البِطانِ" (١). حُذفت النون للإضافة، والألفُ لسكونها وسكونِ ما بعدها، وهو الباء في "ابنك"، واللام في "البطان"؛ لأنّ الهمزة زائلةً في الوصل.
فإن قلت: فأنت قد منعت من حذفها لسكون نون التثنية بعدها، فما بالُك حذفتها ها هنا؟ وما الفرقُ بين الموضعين؟ فالجواب أنّ الفرق بينهما أنّ نون التثنية لازمةٌ للمثنّى بمنزلةِ حرف من حروف الكلمة، وليس كذلك إذا كان من كلمتَيْن؛ لأنّه ليس بلازمٍ أن يُضاف إلى ما فيه ألفَّ ولامٌ، أو همزةُ وصلٍ. ألا تراك تقول: "هذان غلاما زيد، وصاحبا عمرو"، فكان الساكنُ إذا كان من كلمة أُخرى أمرًا عارضًا، والعارضُ لا اعتدادَ به. ألا تراك لا تُعيد المحذوفَ في "رمتِ المرأةُ" و"لم يقمِ الرجل"، وإن كانت التاء والميم قد تحرّكتا، إذ الحركةُ فيهما ليس أمرًا لازمًا، ولذلك قال: وتُحذف ألفه، يريد ألف المثنّى بمُلاقاةِ ساكنٍ، يعني من كلمتَيْن على ما ذكرنا، فاعرفه.
فصل [تثنية المقصور]
قال صاحب الكتاب: ولا يخلو المنقوص (٢) من أن تكون ألفه ثالثة, أو فوق ذلك. فإن كانت ثالثة وعرف لها أصلٌ في الواو أو الياء, ردت إليه في التثنية كقولك قفوان وعصوان وفتيان ورحيان، وإن جهل أصلهما نظر فإن أميلت قلبت ياء كقولك: متيان وبليان في مسمين بـ "متى" و"بلى"، وإلا قلبت واواً كقولك: "لدوان" و"إلوان" في مسمين بـ "لدي" و"إلى".
* * *
قال الشارح: اعلم أنك إذا ثنّيتَ المقصور، وهو كلّ اسم وقعتْ في آخِره ألفٌ مفردةٌ، نحوُ: "رَحّى"، و"عَصًا"، فلا يخلو إمّا أن يكون ثُلاثيًّا، أو زائدًا على الثلاثة.
стр. 1079
فإن كان ثلاثيًّا، نظرتَ، فإن كانت ألفُه منقلبة عن ياء، رددتَها في التثنية إلى الياء، كقولك في "رَحًى": "رَحَيانِ"، وفي "فَتًى": "فَتَيانِ". قال الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ (١).
فإن قيل: فمن أين علمتم أن ألفَ "رحى"، و"فتى" من الياء؟ قيل: لقولهم فيه: "رَحَيْتُ بالرحى" إذا طحنت بها، ولقولهم في جمعِ "فَتًى": "فِتْيانٌ" و"فِتْيَةٌ"، فظهورُ الياء فيما ذكرنا دليلٌ على أنّها من الياء.
فإن قيل: ففي "رحى" لغتان: يُقال: "رحَيْت بالرحى"، و"رحَوْت" بالياء والواو، فلِمَ قلتم: "رَحَيانِ" لا غيرُ؟ قيل: الحكمُ في التثنية على الغالب الأكثر، والأكثرُ: "رحيت" بالياء. قال الشاعر [من الوافر]:
٦٨٢ - كَأنَّا غُدْوَةً وَبَنِي أبِينَا ... بجَنْبِ عُنَيْزَةٍ رَحَيَما مُدِيرِ
فإن كانت الألف منقلبةً عن واو، رددتَها في التثنية إلى الواو، نحوَ: "قَفًا"، و"عَصًا"، و"رَجًا" واحدِ أرْجاءِ البِئْر، وإنّما قالوا في "قَفُا": "قَفَوانِ"، لقولك: "قَفَوْتُ الرجلَ" إذا تبعتَه من خَلْفه، وفي "عصًا": "عَصَوانِ"، لقولك: "عَصَوْتُه بالعصا" إذا ضربتَه بالعصا، وتقول في "رَجًا": "رَجَوانِ". قال الشاعر [من الوافر]:
٦٨٣ - فَلَا يُرْمَى بِيَ الرَّجَوانِ إنّي ... أقَلُّ القَوْمِ مَن يُغْنِي مَكانِي
стр. 1080
فإن قيل: ولِمَ قُلبت الألف إلى الواو والياءِ؟ وهلّا حُذفت لالتقاء الساكنين على حدّ الحذف في "إقامةٍ"، و"إصابة"؟ فالجواب أنّه إنّما وجب تحريكُها لالتقاء الساكنين، ولم تُحذف؛ لأنّا لمّا أدخلنا الألفَ للتثنية، اجتمعت مع الألف التي هي لامُ الكلمة، ولم يمكن حذفُ إحداهما خوفًا من لبسٍ، فلمّا بطل حذفُ إحداهما لِما ذكرناه، وجب التحريكُ، ولم يمكن تحريكُ الألف؛ لأنّها مدةٌ لا تكون إلا ساكنةً. وقد عُلم أنّ الاسم إذا كان على ثلاثةِ أحرف، والثالثُ ألفٌ، أنّ الألف منقلبةٌ عن ياء أو واو، فرُدّت في التثنية إلى ما هي منقلبةٌ عنه. وكان ذلك أوْلى من اجتلابِ حرف أجنبيّ، ألا ترى أنّك لو ثنّيت مثلَ "رَحّى"، و"عَصّا"، و"حُبْلَى"، فكان يلزم، إذا أضفتَ، حذفُ النون، قلتَ: "عصَا زيد"، و"رحَا عمرو"، و"حُبْلى القوم"، فيلتبس الواحدُ بالتثنية، ولا يُعلمَ أواحدًا تريد أم اثنين.
فإن جُهل أمرُها، نظرتَ، فإن كان سُمع فيها الإمالة، قُلبت في التثنية ياءً.
فعلى هذا، لو سمّيتَ بـ "بَلى" و"مَتى"، ثمّ ثنّيتَهما، فإنّك تقلب ألفهما ياءً في التثنية؛ لأنّه قد سُمع فيهما الإمالةُ، أمّا "بلى" فإنّها، وإن كانت حرفًا، فإنّها على أبنيةِ الأسماء من ذواتِ الثلاثة، وتَكْفِي في الجواب، فصارت كأنّها دلّت دلالةَ الأسماء، فأُميلت لذلك. وأمّا "متى" فأُميلت لقوّة الاسميّة، فعلى هذا تقول: "مَتَيانِ"، و"بَلَيانِ"، في تثنيةِ مَن اسمُه "مَتَى" و"بَلَى".
ولو سمّيتَ بـ "إلَى" و"لَدَى" و"إذَا"، قلبتَ ألفَهنَّ واوًا؛ لأنّ أمرها مجهولٌ، ولم يُسمع فيهنّ الإمالةُ. وليس شيءٌ من الأسماء أصلُه الياء، وتمتنع منه الإمالةُ. هذا أصلٌ مستمِرٌّ عند البصريين لا يختلفون فيه. وذهب الكوفيون إلى أنّ ما كان من الثلاثيّ مفتوحَ الأوّل كان على العِبْرة التي ذكرناها، وما كان مكسورَ الأوّل أو مضمومَهُ، قلبوه إلى الياء،
стр. 1081
وإن كان من الواو، وكتبوه بالياء، نحوَ: "الضُّحَى"، و"الرُّشَى"، و"الحُبَى". والحقُّ مع البصريين للقياس والسَّماع، أمّا القياس فقد ذُكر، وأمّا السماع فما حكاه أبو الخَطّاب أنّه سمع في تثنيةِ "كِبًا"، وهو العُود الذي يُتبخّر به: "كِبَوانِ"، وحكى الكسائيّ منهم أنّه سمع في "حِمًى" "حِمَوانِ"، وفي "رِضًا" "رِضَوانِ"، وهذا نصٌّ في محلّ النِّزاع، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وإن كانت فوق الثلاثة لم تقلب إلا ياء كقولهم أعشيان وملهيان وحبليان وحباريان (١). وأما مذروان (٢) فلأن التثنية فيه لازمةٌ كالتأنيث في شقاوة (٣).
* * *
قال الشارح: فإن كان المقصور فوق الثلاثة، قُلبت ألفه في التثنية ياءً على كلّ حال، وذلك من قِبَل أنّ المقصور إذا زاد على الثلاثة، لم تكن ألفه منقلبةٌ إلا عن ياء، أو مشبَّهةّ بالمنقلب عنها، سواءً كان أصلُها الياءَ، أو لا أصلَ لها. فمثالُ الأوّل "أعْشَى"، و"ملْهًى"، ونحوُهما من قولك: "مَغْزًى" و"مُعْطًى"، فهذه الألفاظُ أصلها الواو؛ لأنّ "أعْشَى" من عَشَا يَعْشُو من قوله [من الطويل]:
مَتَى تَأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خَيْرُ مُوقِدِ (٤)
و"ملْهًى" من اللَّهْو، و"مَغْزًى" من الغَزْو، و"مُعْطًى" من "عَطَا يَعْطُو". وإنّما لمَّا وقعت الواو رابعةً، قُلبت ياءً. وهذه قاعدةٌ من قواعد التصريف أنّ الواو إذا وقعت رابعةً طرفًا؛ فإنّها تُقلَب ياءً، نحوَ: "أدْعَيْتُ"، و"أغْزَيْتُ". فعلوا ذلك حملاً له على المضارع في "يُغْزي" و"يُدْعى". فأصلُ هذا القلب في الفعل، والاسمُ محمولً عليه، فالأصلُ في "أعْشَى": "أعشَوُ"، وفي "ملْهًى": "ملْهَوٌ"، وفي "مَغْزًى": "مَغْزَوٌ"، وفي "مُدْعًى": "مُدعوٌ"، فحُوّل إلى "أعْشَيٌ" و"مُلْهَيٌ"، و"مَغْزَيٌ" و"مُدْعَيٌ"،، ثْم صارت ألفًا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها. فهذه الألفُ منقلبهٌ عن ياء، والياءُ بدلٌ من الواو.
وأمّا المنقلبة عن الياء أصلاً، فنحوُ: "المَرْمَى"، و"المَجْرَى". تقول: "مَرْمَيانِ"، و"مَجْرَيانِ"، وهو من "رَمَيْتُ، و"جَرَيْتُ". وأمّا المشبَّه بالمنقلب، فنحوُ ألف "حُبْلَى"، و"حُبارَى"، و"أرْطًى"، و"قَبَعثَرى"، فالألفُ في "حُبْلَى" للتأنيث، وليست منقلبة عن شيء، لكنّها في حكم المنقلب عن الياء، إذ الواو لا تقع طرفًا رابعةً، ولذلك تُكتَب ياءً،
стр. 1082
وتسوغ فيها الإمالةُ. ولو صُرْفت لكان بالياء، نحوَ: "حَبْلَيْتُ "، و"حَبْرَيْتُ". والألفُ في "أرْطى" للإلحاق بـ "جَعْفَرٍ"، وألفُ "قبعثرى" زائدةٌ لتكثير الكلمة. وحكمُها في شَبَه المنقلبة عن الياء حكمُ ألف التأنيث، لذلك قُلبت في التثنية ياءً، فقلتَ: "حُبْلَيانِ"، و"أرْطَيانِ"، و"قَبَعْثَريانِ". هذا مذهب البصريين فيما جاوَزَ الثلاثةَ من المقصور، قلّتْ حروفُه أو كثُرت، وأمّا الكوفيون (١) فيحكون عن العرب أنّه إذا تَعدَّى المقصورُ الأربعةَ، وكثُرت حروفُه، حذفوا ألفَه في التثنية. ولم يفرق أصحابُنا بين القليل والكثير.
فأمّا "مِذْرَوانِ" وهما أطرافُ الألْيَتَيْن، وهما أيضًا الموضعان اللذان يقع فيهما الوَتَرُ من القوس. قال عَنْتَرَةُ [من الوافر]:
أحَوْلِي تَنْفُضُ اسْتُكَ مِذْرَوَيْها ... لِتَقْتُلَنِي فَهَا أنَا ذَا عُمارَا (٢)
فقد كان ينبغي أن يُقال: "مِذْرَيَيْها" بالياء على قياسِ تثنية المقصور الزائد على الثلاثة من نحوِ "مَلْهًى"، و"مَغْزًى"، غيرَ أنّ التثنية على ضربَيْن:
أحدُهما: أن يلحق الاسمَ فيها حرفُ التثنية، ويكون في تقدير الانفصال.
والآخرُ: أن تُصاغ على التثنية، ولا يُقدَّر فيها انفصالُ الواحد كما قُدّر في الوجه الأوّل، ولكن بُني على التثنية، فالأوّلُ كقولك: "رجلٌ ورجلان"، و"عَصًا وعَصَوانِ"، وجميعُ ما تقدّم. والثاني كقولهم: "مِذْرَوان"، و"عقلتُه بثِنايَيْن" (٣). فهذا بُني على التثنية، كما بُني نحوُ: "الشَّقاوَة"، و"العَظايَة"، و"الإداوَة" على التأنيث من غير تقديرِ دخول التاء على المذكّر. فلولا ذلك، لانقلبت الواو والياء همزة، كما تنقلب في "رِدَاءَيْن"، فلا مفردَ لكلّ واحد من "مذروَين"، و"ثنايَين"، كما أنّه لا مذكرَ لـ "للإداوة" و "الشقاوة" ونحوهما، فاعرفه.
فصل [تثنية الممدود]
قال صاحب الكتاب: وما آخره لا تخلو همزته من أن يسبقها ألف أو لا.
стр. 1083
فالّتي سبقتْها ألفٌ على أربعةِ أضرب: أصليةٌ كـ "قُرّاءٍ"، و"وُضّاءٍ"، ومنقلبةٌ عن حرفٍ أصلٍ كـ "رِداء" و"كِساءٍ"، وزائدةٌ في حُكْم إلأصلية كـ "عِلْباءٍ" (١) و"حِرْباءٍ" (٢)، ومنقلبةٌ عن ألفِ تأنبث كـ "حَمْراءَ" و"صَحْراءَ". فهذه الأخيرةُ تُقلَب واوًا، لا غيرُ، كقولك: "حَمْراوانِ" و"صَحْراوان". والبابُ في البَواقِي أن لا يُقْلَبْنَ، وقد أُجيزَ القلبُ أيضًا. والتي لا ألفَ قبلها، فبابُها التصحيحُ كـ "رَشَأ" (٣)، "وحِدَأ" (٤).
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ما آخِرُه همزة من الأسماء على ضربَين: ممدودٌ وغيرُ ممدود. فالممدودُ كلّ اسم وقعت في آخره همزة قبلها ألفٌ زائدةٌ، نحوُ: "كِساءِ"، و"رِداءٍ" ونحوِهما من نحو"سِقاءٍ" و"غطاء"، و"شَقاءٍ". وغيرُ الممدود كلُّ اسم كان في آخِره همزةٌ لا ألفَ قبلها، نحوُ: "خَطَأ"، وَ"رَشَأ"، ونحوِهما من نحو"حِدَأ" و"قارِئ" و"مُنْشِىءٍ"، فالمهموزُ أعمُّ من الممدود، إذ كلُّ ممدود مهموزٌ؛ لأن في آخره همزةً، وليس كل مهموز ممدودًا.
والهمزة في آخر الممدود على أربعة أضرب: تكون أصلاً، وبدلاً من أصل، وزائدةً في حكم الأصل، وزائدةً للتأنيث. فالأصلُ نحو: "قُرّاء" و"وُضاء". والذي يدلّ على أنها أصل ثبوتُها في تصرّفها من الفعل، نحوُ: "قَرَأْتُ"، و"تَوَضَّأْتُ"، فتجدُها ثابتةً في تصاريف الفعل.
وأمّا كونها بدلاً من أصل، فنحوُ: "كِساءٍ"، و"رِداءٍ"، فهذه الهمزة ليست أصلاً ولا زائدةً، وإنما هي بدلٌ من حرف أصليّ، كقولك: "فلانٌ حسنُ الكِسْوَةِ والرِّدْيَةِ". فالواو في "الكسوة" والياء في "الردية" هي الهمزةُ في "كساء" و"رداء" مقلوبة عنهما.
وأمّا كونُها زائدة للإلحاق، فنحوُ: "عِلْباءٍ"، و"حِرْباءٍ" الهمزة فيه للإلحاق بـ "سِرْداحٍ" و"حِمْلاقٍ". والحقُّ من أمرها أنّها بدلٌ من ياء مزيدة للإلحاق كأنّ الأصل "عِلْبايٌ"، و"حِرْبايٌ"، ثمّ وقعت الياء طرفًا بعد الألف زائدةً، فقُلبت اْلفًا، ثمّ قُلبت الألف همزةً، ومثلُه العمل في "كساء" و"رداء".
والذي يدلّ أن الأصل ما ذكرنا من أمرِ هذه الهمزة أتهم لمّا أنّثوا هذا الضربَ،
стр. 1084
أظهروا الحرف المنقلب، وذلك نحوُ: "دِرْحايَةٍ" (١)، و"دِعْكايَةٍ" (٢). وإنّما قال: إنّها في حكم الأصل؛ لأنّها للإلحاق، فالهمزةُ بإزاءِ الحاء في "سِرْداح" (٣)، والقاف في "حِمْلاق" (٤).
وأمّا كونها زائدة للتأنيث، فنحوُ: "حَمْراءَ" و"صَحْراءَ"، فالهمزة فيهما زائدةٌ للتأنيث. والحقٌ فيها أنّها بدلٌ من ألف التأنيث في "حُبْلَى" و"سَكْرَى". وإنما قُلبت همزةً لاجتماعها مع ألف المدّ قبلها، وسيوضَح أمرُها في موضعه من هذا الكتاب.
فإذا ثنّيت الممدودَ، فإن كانت همزتُه للتأنيث، نحوِ: "حمراء" و"صحراء"، قلبتَها واوًا أبذا، نحوَ قولك: "هاتانِ حَمْر اوانِ وصَحْراوانِ"، و"رأيت حمراوَيْنِ وصحراوَيْنِ"، و"مررت بحمراوَيْن وبصحراوَيْن". وإنما قلبوها هنا، ولم يُقِرّوها على لفظها، حملاً لها على الجمع المؤنّث السالم والنسبِ من نحوِ: "صَحْراوات"، و"خُنْفساوات"، و"صَحْراويّ"، و"حمْراويّ"، لاجتماعهنّ في سلامة الواحد وزيادة الزائدَيْن في الآخِر منهنّ للمعنى.
وإنّما قُلبت في النسب، لئلاّ يصير علمُ التأنيث حَشْوًا، مع أنّك لو نسبتَ إليه مؤنّثًا، لاجتمع في الكلمة علامتَا تأنيث، نحوَ: "حَمْرائيّة" و"صَحْرائيّة". وذلك لا يجوز. وأبدلوا منها في الجمع واوًا، لئلّا يجمعوا في اسم بين علامتَيْ تأنيث.
فإن قيل: ولِمَ كان البدلُ واوًا، ولم يكن ياء؟ فالجواب أنّ الذي دعاهم إلى القلب في "صحراوات" و"صحراوِيّ" الفِرارُ من علامتَيْ تأنيث، وكانت الياءُ ممّا يؤنَّث بها في مثلِ "اذْهَبِي"، و"انْطَلِقِي"، فعدلوا عنها إلى الواو؛ لأنّها لا تكون للتأنيث، وقيل: اختاروا الواو للفرق بينها وبين المقصورة.
فإن كانت همزته زائدة للإلحاق، نحوَ: "عِلْباء" و"حِرْباءٍ"، ففيه وجهان:
أجودُهما: إقرار الهمزة بحالها، نحوُ: "علباءانِ" و"حرباءانِ"؛ لأنّ الهمزة فيه ليست للتأنيث.
والثاني: أن تُبدِلها واوًا كما فعلت بهمزة التأنيث، فتقول: "عِلْباوان"، و"حِرْباوان"؛ لأنّها وإن لم تكن للتأنيث، لكنّها شابهتْ "حَمْراءَ" وبابَها بالزيادة، فحُملت عليها. وهذا شَبَهٌ لفظي؛ لأنّا لا نشُكّ أن "حمراء" وبابها لم تُقلَب لكونها زائدة.
وإن كان مثنًّى، نحوِ: "كِساء"، و"رِداء"، فالوجه والباب إقرارُ الهمزة، نحوُ
стр. 1085
قولك: "كساءانِ"، و"رداءانِ"، و"رأيت كِساءَيْن ورداءَيْن"، و"مررت بكساءَيْن ورداءَيْن". ويجوز قلبُها واوًا، فتقول: "جاءني كساوانِ ورداوان"، و"رأيت كساوَيْن ورداوَيْن" حملًا لها على همزة "عِلْباء" و"حِرْباء"، من حيث كانت الهمزة في "كساء" و"رداء" بدلاً من حرفٍ ليس للتأنيث. ثمّ إنّهم تَجاوزوا هذا إلى أن قالوا: "قُرّاوان" و"وُضّاوان"، فشبّهوا همزةَ "قُرّاءٍ" و"وُضّاءٍ" بهمزةِ "كِساء" و"رِداء"، من حيث كانت لامًا غيرَ زائدة، كما أن همزةَ "كساء" و"رداء" غيرُ زائدة.
فإذا القلبُ في "حمراوان" هو الأصل، قال أبو عمرو: وكلُّ العرب تقول: "حمراوان". وربّما قالوا: "حمراءان"، فلم يقلبوها تشبيهًا بهمزة "علباء" من حيث هما زائدان. حكى ذلك محمّد بن يزيد عن أبي عثمان. والقلبُ في "علباء" أقوى منه في "كساء". والقلبُ في "كساء" أقوى منه في "قُرّاء" و"وُضّاء".
والداعي لهم إلى هذه الإلحاقات والحملِ حاجتُهم إلى التوسّع في اللغة. وحكى الكسائيّ عن العرب: "كسايان"، و"ردايان" بالياء، فصار فيه ثلاثُ لغات. وأجاز ذلك أجمعَ في باب "حمراء" فقال: "حمراوان" بالواو، و"حمراءان" بالهمزة، و"حمرايان" بالياء. وأجاز الكوفيون (١) فيما طال من الممدود حذفَ الحرفَيْن الآخِرَيْن، فقالوا: "قاصِعان"، و"نافِقان" في "قاصِعاءَ" (٢)، و"نافِقاءَ" (٣).
فإن ثنّيت نحوَ "رَشَأ" و"فَرَأ" ونحوَهما ممّا هو مهموز غيرُ ممدود فليس إلا وجهٌ واحدٌ، وهو إقرارُ الهمزة نحوُ "رشأان"، و"فرأان" لأنّ الهمزة فيه أصليّةٌ لم يوجَد فيها ما وُجد في الممدود، فاعرفه.
فصل [تثنية المحذوف لامه]
قال صاحب الكتاب: والمحذوف العجز يرد إلى الأصل ولا يرد، فيقال أخوان وأبوان ويدان ودمان وقد جاء يديان ودميان قال [من الكامل]:
٦٨٤ - يديان بيضاوان عند محلم ... [قد تمنعانك أن تضام وتضهدا]
стр. 1086
وقال [من الوافر]:
٦٨٥ - فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ المحذوفَ العجز، وهو الساقطُ اللام، على ضربَيْن: ضربٌ
стр. 1087
يُرَدّ إليه الحرف الساقط في التثنية، وضربٌ لا يردّ إليه. فمتى كانت اللام الساقطة ترجع في الإضافة، فإنّها تردّ إليه في التثنية. لا يكون إلا كذلك، وإذا لم يرجع الحرفُ الساقطُ في الإضافة، لم يرجع في التثنية، فمثالُ الأوّل: "أخٌ" و"أبٌ"، تقوله في تثنيتها: "هذان أخَوان وأبَوان"، و"رأيت أخوَيْن وأبوَيْن"، و"مررت بأخوَين وأبوَيْن"؛ لأنّك تقول في الإضافة: "هذا أبوك وأخوك"، و"رأيت أباك وأخاك"، و"مررت بأبيك وأخيك"، فترى اللامَ قد رجعت في الإضافة، فكذلك رددتَها في التثنية. وذلك لأنّا رأينا التثنية قد ترُدّ الذاهبَ الذي لا يعود في الإضافة، كقولك في "يَدٍ": "يَدَيانِ"، وفي "دَمٍ": "دَمَيانِ"، وأنت تقول في الإضافة: "يَدُك" و"دمُك"، لا تردّ الذاهب. فلمّا قويت التثنيةُ على ردّ ما لم تردّه الإضافةُ، صارت أقوى من الإضافة في باب الردّ، فإذا ردّت الإضافةُ الحرفَ الذاهب، كانت التثنية أوْلى بذلك وأجدر.
ومثالُ الثاني "يَدٌ" و"دمٌ"، فإنّك تقول في التثنية: "يَدانِ" و"دَمانِ"، فلا تردّ الذاهب؛ لأنّك لا تردّه في الإضافة، فأمّا قول الشاعر [من الكامل]:
يَدَيانِ بَيْضاوانِ عند محَلِّمٍ ... قد تَمنَعانِكَ أن تضامَ وتُضْهَدَا
ويُروى: محَرِّقٍ. والشاهد فيه قوله: "يَدَيان" بردّ الساقط. ومثلُه قول الآخر [من الوافر]:
فلو أنّا على حجر ... إلخ
وحمله أصحابُنا على القلّة والشذوذ، وجعلوه من قبيل الضرورة. والذي أراه أنّ بعض العرب يقول في "اليَدِ": "يَدّى" في الأحوال كلّها، يجعله مقصورًا كـ "رَحى" و"فَتًى". منْ ذلك قولُ الراجز:
٦٨٦ - يا رُبَّ سارٍ باتَ ما تَوَسَّدَا ... إِلّا ذِراعَ العَنْسِ أو كَفَّ اليَدَا
стр. 1088
وتثنيتُها على هذه اللغة: "يَدَيانِ" مثلُ "رَحَيانِ"، وكذلك "دَمٌ"، يقال منقوصًا ومقصورًا. وعليه قولُ الشاعر [من الطويل]:
٦٨٧ - فلَسْنَا على الأَعْقابِ تَدْمَى كُلْومُنا ... ولكِنْ على أَقْدامِنا يَقْطُرُ الدَّمَا
فلذلك قال: "جَرَى الدَّمَيان"، كما تقول: "فَتَيان" و"رَحَيان". ومُحَلِّمٌ: ملكٌ من ملوك اليَمَن، وقوله: "جَرَى الدَّمَيان بالخبر اليقين" يصف ما بينهما من العَداوة والبَغضاء،
стр. 1089
حتىّ إنّهما لو ذُبحا على حجر واحد، لَمَا امتزج دِماؤهما. والبيت لمِرداس بن عمرو وقيل للأَخْطَل، وقبله:
لَعمْرُكَ إنَّنِي وأَبَا رَباحٍ ... على طولِ التَّجاوُرِ بَعْدَ حِينِ
لأبْغِضُة ويُبغِضُنِي وأَيْضًا ... يَرانِي دُونَه وأراهُ دُونِي
وأمّا "هَنٌ"، فمن قال فيه: "هنك"، ولم يردّ الذاهبَ في الإضافة؛ قال في تثنيته: "هَنانِ"، و"هَنَيْن" ومن. قال: "هذا هَنُوك"، و"رأيت هَنَاك"، و"مررت بهَنِيك"، قال في التثنية: "هَنَوان وهَنَوَيْن"، فردّ الساقطَ، فاعرفه.
فصل [تثنية الجمع]
قال صاحب الكتاب: وقد يثنى الجمع على تأويل الجماعتين والفرقتين وأنشد أبو زيد [من الطويل]:
٦٨٨ - لنا إبلان فيهما ما علمتم ... [فعن أيها ما شئتم فتنكبوا]
стр. 1090
وفي الحديث: "مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين" (١). وأنشد أبو عبيد [من البسيط]:
٦٨٩ - لأصبح الحي أوباداً ولم يجدوا ... عند التفرق في الهيجا جمالين
وقالوا: "لقاحان سوداوان", وقال أبو النجم [من الرجز]:
٦٩٠ - [تبقلت في أول التبقل] ... بين رماحي مالك ونهشل
* * *