← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وقال [من الوافر]: ٦٨٥ - فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين * * * قال الشارح: اعلم أنّ المحذوفَ العجز، وهو الساقطُ اللام، على ضربَيْن: ضربٌ

стр. 1087

يُرَدّ إليه الحرف الساقط في التثنية، وضربٌ لا يردّ إليه. فمتى كانت اللام الساقطة ترجع في الإضافة، فإنّها تردّ إليه في التثنية. لا يكون إلا كذلك، وإذا لم يرجع الحرفُ الساقطُ في الإضافة، لم يرجع في التثنية، فمثالُ الأوّل: "أخٌ" و"أبٌ"، تقوله في تثنيتها: "هذان أخَوان وأبَوان"، و"رأيت أخوَيْن وأبوَيْن"، و"مررت بأخوَين وأبوَيْن"؛ لأنّك تقول في الإضافة: "هذا أبوك وأخوك"، و"رأيت أباك وأخاك"، و"مررت بأبيك وأخيك"، فترى اللامَ قد رجعت في الإضافة، فكذلك رددتَها في التثنية. وذلك لأنّا رأينا التثنية قد ترُدّ الذاهبَ الذي لا يعود في الإضافة، كقولك في "يَدٍ": "يَدَيانِ"، وفي "دَمٍ": "دَمَيانِ"، وأنت تقول في الإضافة: "يَدُك" و"دمُك"، لا تردّ الذاهب. فلمّا قويت التثنيةُ على ردّ ما لم تردّه الإضافةُ، صارت أقوى من الإضافة في باب الردّ، فإذا ردّت الإضافةُ الحرفَ الذاهب، كانت التثنية أوْلى بذلك وأجدر. ومثالُ الثاني "يَدٌ" و"دمٌ"، فإنّك تقول في التثنية: "يَدانِ" و"دَمانِ"، فلا تردّ الذاهب؛ لأنّك لا تردّه في الإضافة، فأمّا قول الشاعر [من الكامل]: يَدَيانِ بَيْضاوانِ عند محَلِّمٍ ... قد تَمنَعانِكَ أن تضامَ وتُضْهَدَا ويُروى: محَرِّقٍ. والشاهد فيه قوله: "يَدَيان" بردّ الساقط. ومثلُه قول الآخر [من الوافر]: فلو أنّا على حجر ... إلخ وحمله أصحابُنا على القلّة والشذوذ، وجعلوه من قبيل الضرورة. والذي أراه أنّ بعض العرب يقول في "اليَدِ": "يَدّى" في الأحوال كلّها، يجعله مقصورًا كـ "رَحى" و"فَتًى". منْ ذلك قولُ الراجز: ٦٨٦ - يا رُبَّ سارٍ باتَ ما تَوَسَّدَا ... إِلّا ذِراعَ العَنْسِ أو كَفَّ اليَدَا

стр. 1088

وتثنيتُها على هذه اللغة: "يَدَيانِ" مثلُ "رَحَيانِ"، وكذلك "دَمٌ"، يقال منقوصًا ومقصورًا. وعليه قولُ الشاعر [من الطويل]: ٦٨٧ - فلَسْنَا على الأَعْقابِ تَدْمَى كُلْومُنا ... ولكِنْ على أَقْدامِنا يَقْطُرُ الدَّمَا فلذلك قال: "جَرَى الدَّمَيان"، كما تقول: "فَتَيان" و"رَحَيان". ومُحَلِّمٌ: ملكٌ من ملوك اليَمَن، وقوله: "جَرَى الدَّمَيان بالخبر اليقين" يصف ما بينهما من العَداوة والبَغضاء،

стр. 1089

حتىّ إنّهما لو ذُبحا على حجر واحد، لَمَا امتزج دِماؤهما. والبيت لمِرداس بن عمرو وقيل للأَخْطَل، وقبله: لَعمْرُكَ إنَّنِي وأَبَا رَباحٍ ... على طولِ التَّجاوُرِ بَعْدَ حِينِ لأبْغِضُة ويُبغِضُنِي وأَيْضًا ... يَرانِي دُونَه وأراهُ دُونِي وأمّا "هَنٌ"، فمن قال فيه: "هنك"، ولم يردّ الذاهبَ في الإضافة؛ قال في تثنيته: "هَنانِ"، و"هَنَيْن" ومن. قال: "هذا هَنُوك"، و"رأيت هَنَاك"، و"مررت بهَنِيك"، قال في التثنية: "هَنَوان وهَنَوَيْن"، فردّ الساقطَ، فاعرفه. فصل [تثنية الجمع] قال صاحب الكتاب: وقد يثنى الجمع على تأويل الجماعتين والفرقتين وأنشد أبو زيد [من الطويل]: ٦٨٨ - لنا إبلان فيهما ما علمتم ... [فعن أيها ما شئتم فتنكبوا]

стр. 1090

وفي الحديث: "مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين" (١). وأنشد أبو عبيد [من البسيط]: ٦٨٩ - لأصبح الحي أوباداً ولم يجدوا ... عند التفرق في الهيجا جمالين وقالوا: "لقاحان سوداوان", وقال أبو النجم [من الرجز]: ٦٩٠ - [تبقلت في أول التبقل] ... بين رماحي مالك ونهشل * * *

стр. 1091

قال الشارح: القياس يأبى تثنيةَ الجمع، وذلك أنّ الغرض من الجمع الدلالةُ على الكثرة، والتثنيةُ تدلّ على القلّة، فهما معنيان متدافِعان. ولا يجوز اجتماعُهما في كلمة واحدة، وقد جاء شيءٌ من ذلك عنهم على تأويلِ الإفراد، قالوا: "إبِلان"، و"غَنَمان"، و"جملان". ذهبوا بذلك إلى القطيع الواحد، وضمّوا إليه مثلَه، فثنّوه. أنشد أبو زيد [من الطويل]: هُما إِبِلانِ فيهما ما عَلِمْتُمُ ... فَعَنْ أَيّها ما شِئْتُمُ فتَنَكبُوا وقالوا: "لِقاحان سَوْداوان" حكاه سيبويه (١)، وإنَّما "لِقاحٌ" جمعُ "لِقْحَةٍ"، وقالوا: "جِمالان" يريدون قطيعَيْن منها. قال الشاعر [من البسيط]: لأصبح الحي ... إلخ فالتثنية تدلّ على افتراقها قطيعَيْن. ولو قال: "لِقاحٌ"، أو"جِمالٌ"، لَفُهم منه الكثرةُ، إلا أنّه لا يدلّ على أنّها مفترقةٌ قطيعين. وهو في "إبلان" أسهلُ؛ لأنّه جنسٌ، فهو مفردٌ، وليس بتكسير كـ "جَمَل" و"جِمال"، ومن ذلك قول أبي النَّجْم [من الرجز]: تَبَقَّلَتْ في أوّلِ التَّبَقُّلِ ... بين رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ أَعلمَ بالتثنية افتراقَ رماح هؤلاء من رماح هؤلاء. فأمّا قوله ﵇: "مَثَلُ المُنافِقِ كالشاة العائِرة بين الغَنَمَيْنِ"، فإنّه شبّه المنافقَ، وهو الذي يُظْهِر أنّه من قوم وليس منهم، بالشاة العائرة، وهي المتردّدة بين الغنمَيْن، أي: بين القطيعَيْن، لا تعلم من أيِّ القطيعين هي. يقال: سَهْمٌ عائرٌ، وحَجَرٌ عائرٌ، إذا لم يُعلَم من أَيْنَ هو، ولا مَن رماه. فصل [جعل المثني علي لفظ الجمع] قال صاحب الكتاب: وتجعل الاثنان على لفظ الجمع إذا كانا متصلين (٢) كقولك:

стр. 1092

"ما أحسن رؤسهما! " وفي التنزيل: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ (١) وفي قراءة عبد الله ﴿أيمانهما﴾ (٢) , وفيه: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ (٣).وقال [من السريع]: ٦٩١ - [ومهمهين قذفين مرتين] ... ظهراهما مثل ظهور الترسين فاستعمل هذا والأصل معاً. ولم يقولوا في المنفصلين: "أفراسهما", ولا "غلمانهما". وقد جاء: "وضعا رحالهما". * * * قال الشارح: اعلم أن كلَّ ما في الجَسد منه شيءٌ واحدٌ لا ينفصل كالرأس، والأنف، واللسان، والظهر، والبطن، والقلب، فإنّك إذا ضممتَ إليه مثلَه؛ جاز فيه ثلاثةُ أوجه: أحدُها الجمع، وهو الأكثر، نحو قولك: "ما أحسن رؤُوسهما! " قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٤). وإنّما عبّروا بالجمع، والمرادُ التثنية من حيث إنّ التثنية جمعٌ في الحقيقة؛ ولأنه ممّا لا يُلْبِس ولا يُشكِل؛ لأنّه قد عُلم أنّ الواحد لا يكون له إلا رأسٌ واحدٌ، أو قلب واحد، فأرادوا الفصل بين النوعَيْن، فشبّهوا هذا النوع بقولهم: "نحن فعلنا"، وإن كانا اثنين في التعبير عنهما بلفظ الجمع. وكان الفرّاء يقول: إنّما خُصّ هذا النوع بالجمع نظرًا إلى المعنى؛ لأنّ كلَّ ما في الجسد منه شيءٌ واحدُ فإنّه

стр. 1093

يقوم مقامَ شيئَيْن، فإذا ضُمّ إلى ذلك مثلُه، فقد صار في الحكم أربعةً، والأربعةُ جمعٌ. وهذا من أصول الكوفيين الحسنة، ويؤيّد ذلك أنّ ما في الجسد منه شيء واحد؛ ففيه الدِّيَةُ كاملةٌ كاللسان والرأس، وأمّا ما فيه شيئان، فإنّ فيه نصفَ الدية. والوجه الثاني التثنية على الأصل وظاهرِ اللفظ، نحو قولك: "ما أحسنَ رَأْسَيْهما وأسلمَ قلبيهما! " قال الشاعر [من الطويل]: ٦٩٢ - بِمَا في فُؤادَيْنا من الهَمِّ والهَوَى ... فيَبْرَأُ مُنْهاضُ الفُؤادِ المُشَعَّفُ (١) فأمّا قول خِطام المُجاشِعيّ [من الرجز]: ومهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظَهْراهما مِثْلُ ظُهورِ التُّرْسَيْنْ جِبْتُهما (٢) بالنَّعْت لا بالنَّعْتَيْنِ فإنَّ الشاهد فيه تثنيةُ "الظَّهْر" على الأصل. والكثيرُ الجمع لما ذكرناه مع كَراهيةِ اجتماع التثنيتَيْن في اسم واحد؛ لأنّ المضاف إليه من تمام المضاف. يصف مفازة قَطَعَها، والمَهْمَهُ: القَفْرُ، والقَذَفُ بالفتح: البعيدُ، والمَرْتُ: الأرض التي لا تنبُت، كأنّهما فَلاتان لا نَبْتَ فيهما، ولا شخصَ يُستدلّ، فشبّههما بالتُّرْسَيْن. وجَمَعَ بين اللغتَيْن بقوله: "ظهراهما مثل ظهور الترسَيْن". وقوله: "جُبْتُهما (٢) بالنعت"، أي: خرقتُهما بالسير، أىِ: بأنْ نُعِتَا لي مرّةً واحدةً.

стр. 1094

والوجه الثالث: الإفراد، نحو قولك: "ما أحسن رأسَهما! " و"ضربتُ ظَهْرَ الزيدَيْن". قال الشاعر [من البسيط]: ٦٩٣ - كأنه وَجْهُ تُرْكِيَّيْن قد غَضِبَا ... [مُسْتَهدِفٌ لِطعانٍ غير مُنْجَحِرِ] وذلك لوضوح المعنى، إذ كلُّ واحد له شيءٌ واحدٌ من هذا النوع، فلا يُشْكِل، فأتى بلفظ الإفراد، إذ كان أخفّ. فإن كان ممّا في الجسد منه أكثرُ من واحد، نحو: "اليَد"، و"الرِّجْل"، فإنّك إذا ضممته إلى مثله، لم يكن فيه إلا التثنيةُ، نحو: "ما أبسطَ يَدَيْهما، وأخف رِجْلَيْهما! " لا يجوز غيرُ ذلك، فأمّا قوله تعالى: ﴿وَاَلسَّارِقُ وَاَلسَارِقَةُ فَاَقْطَعوَأ أَيدِيَهُمَا﴾ (١)، فإنّما جمع؛ لأنّ المراد الايْمانُ، وقد جاء في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿فاقطعوا أيْمانَهما﴾. وكذلك المنفصل من نحو"غلام"، و"ثوب"، إذا ضممت منه واحداً إلى واحد، لم يكن فيه إلا التثنية، نحو: "غلامَيْهما"، و"ثَوْبَيْهما" إذا كان لكلّ واحد غلامٌ وثوبٌ. ولا يجوز الجمعُ في مثلِ هذا؛ لأنه ممّا يُشْكِل ويُلْبس، إذ قد يجوز أن يكون لكلّ واحد غِلْمانٌ وأثوابٌ، وقد حكى بعضُهم: "وَضَعَا رِحالَهما"، كأنّهم شبّهوا المنفصل بالمتّصل، وهو قليل، فاعرفه.

стр. 1095

ومن أصناف الاسم المجموع فصل [نوعاه] قال صاحب الكتاب: وهو على ضربين: ما صح فيه واحده، وما كسر فيه, فالأول ما آخره واو أو ياء مكسور ما قبلها بعدها نون مفتوحة، أو ألف أو تاء, فالذي بالواو والنون لمن يعلم في صفاته وأعلامه كـ "المسلمين" و"الزيدين"، إلا ما جاء من نحو: "ثبون", و"قلون" و"أرضون" و"أحرون" و"إوزون". والذي بالألف والتاء للمؤنث في أسمائه وصفاته كـ "الهندات" و"التمرات" و"المسلمات". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الجمع ضَمُّ شيء إلى أكثرَ منه، فالتثنيةُ والجمعُ شريكان من جهةِ الجمع والضمّ، وإنّما يفترقان في المقدار والكَمّيّة. والغرضُ بالجمع الإيجازُ والاختصارُ، كما كان في التثنية كذلك، إذ كان التعبيرُ باسم واحد أخفّ من الإتيان بأسماء متعدّدةٍ. وربّما تَعذّر إحصاء جميع آحادِ ذلك الجمع، وعطفُ أحدها على الآخر. وهو على ضربَيْن: جمعُ تصحيح، وجمعُ تكسير. فجمعُ الصحّة ما سلم فيه واحدُه من التغيير، وإنّما تأتي بلفظه البتّةَ من غير تغيير، ثمّ تزيد عليه زيادة تدلّ على الجمع، كما فُعل في التثنية، ويقال له: جمعٌ سالمٌ؛ لسلامة لفظِ واحده من التغيير، ويقال: جمعٌ علي حد التثنية لسلامةِ صدره كما كان المثنّى كذلك. وربّما قالوا: جمعٌ على هِجائَيْن؛ لأنّه يكون مرّة بالواو والنون، ومرّة بالياء والنون. وإنّما جُعل التثنية أصلًا في السلامة؛ لأنّ المثنّى لا يكون إلّا سالمًا، والجمعُ قد يكون منه سالمٌ، وغيرُ سالم. ألا ترى أنَّه ليس كلُّ الأسماء يُجمع جمعَ السلامة، فإنّه لا يقال في "مَسْجِدٍ": "مسجدون"، ولا في "حَجَرٍ": "حَجَرون"؟ وإنّما المجموعُ منها جمعَ السلامة أسماءٌ مخصوصةٌ، وليست التثنيةُ كذلك، إذ لا تكون إلّا سالمةً مصحَّحًا فيها لفظ الواحد نحو قولك في "مسجد": "مسجدان"، وفي "حَجَر": "حَجَران". والمجموع جمعَ السلامة على ضربَيْن: مذكّرٌ ومؤنّثٌ، فالمذكّر يكون آخِرُه في الرفع بالواو والنون نحو: "الزيدُونَ"، و"المسلمُونَ"، وفي الجرّ بالياء المكسورِ ما قبلها

стр. 1096

والنون، نحو: "الزيدِينَ" و"المسلمِينَ". والنصبُ محمول على الجرّ كما كان كذلك في التثنية. وإنما اشتُرط في الياء أن يكون ما قبلها مكسورًا تحرُّزًا من ياء التثنية، فإن التثنية في الجرّ والنصب بالياء، ويكون ما قبل يائها مفتوحًا. ولم يُشترط في الواو أن يكون ما قبلها مضمومًا؛ لأنّ من المجموع ما يكون ما قبل الواو فيه مفتوحًا، وهو المقصور، نحو: "المُصْطَفَوْنَ"، و"المُعَلَّوْنَ". وقد تقدّمت العلّةُ في جعلِ، رفع الاثنين بالألف ورفعِ الجمع بالواو في فصل التثنية بما أغنى عن إعادته. وهذه الواو حرفُ الإعراب كما كانت الألف في التثنية كذلك، وهي علامةُ الرفع والجمع والقلّةِ، فإنه لا يُجمع على هذا الجمع إلّا ما كان من الثلاثة إلى العشرة، فهو من أبنيةِ القلة، فإن أُطلق بإزاء الكثير، فتجَوُّزٌ. والحقيقةُ ما ذكرناه، وإنما كان كذلك؛ لأنّ هذا الضرب من الجمع على منهاج التثنية، فكان مثله في القلّة. وليس كل الأسماء يُجمع هذا الجمعَ، إنما يُجمع منها بالواو والنون ما كان مذكرًا عَلَمًا لمن يعقل، أو لصفاتِ من يعقل، وذلك نحو: "الزيدون"، و"المسلمون"، فلو قلت في "هِنْد": "هِنْدون"، لم يجز؛ لأنّه وإن كان عَلمًا يعقل، فليس مذكّرًا، ولو قلت في "حَجَرٍ": "حجرون"، أو في "صَخرٍ": "صَخْرون"، لم يجز؛ لأنّه ليس بعَلَم عاقل، فلو سميتَ رجلًا بـ"حجر" أو"صخر"، جاز جمعه بالواو والنون؛ لأنه بالتسمية قد جَمع الأوصافَ الثلاثة. وإنّما قال: "لمن يعلم"، ولم يقل: "لمن يعقل"؛ لأنّ هذا الجمع قد وقع على القديم سبحانه، نحو قوله: ﴿والْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (٢) وقوله: ﴿أَمْ نَحنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٣)، وهو كثير، فلذلك عدل عن اشتراط العقل إلى العلم, لأنّ البارئ يوصَف بالعلم ولا يوصف بالعقل. وإنّما قال: "لمن يعلم"، ولم يقل: "لأوُلي العلم"؛ لأنّ البارئ سبحانه عالمٌ لذاته، لا بعِلْمٍ عنده، فجرى في العبارة على قاعدةِ مذهبه. فإن قيل: ولِمَ كان الجمع بالزيادة، ولم يكن بالنُّقْصان؟ قيل: لما كان الجمع تكثيرَ الواحد، وجب تكثيرُ حروف الواحد للدلالة على الجمع، لتكون الزيادةُ كالعوض من الأسماء الساقطة. هذا هو القياس إلّا أن توجَد علّةٌ تقتضي الحذفَ والتخفيفَ. فإن قيل: ولِمَ فُرق بين جمع من يعقل، وما لا يعقل؟ قيِل: القياس يقتضي التفرقةَ بين جمعِ من يعقل، وبين جمع ما لا يعقل، وبين كل مختلفَيْن في لفظٍ، أو معنى. هذا هو الأصل، إلّا أن يدخل شيءٌ في غير بابه لضرب من المشاكلة. فإن قيل: ولِمَ اختصّ هذا الجمعُ بأعلامِ من يعقل وصفاتهم؟ قيل: لمّا كانت الحاجة ماسّةً إلى الأعلام للإخبار عن كل شخص ممن (٤) يعقل بما له أو عليه، من تبايُع

стр. 1097

ومُعامَلة وغيرِها، كانوا بثباتها مُعتنين. وتصحيح ألفاظها لفرطِ اهتمامهم بها، فجعلوا لجمعها لفظًا يحفظ صيغتَها من التغيير والتكسير. وأمّا صفاتُهم؛ فإنّها جارية مجرى الأفعال، فزادوا عليها بعد تمامها على الجمع، كما يُفعل ذلك بالفعل في نحو: "يَقُومُونَ"، و"يَضْرِبُونَ" فكما جمعوا أفعالَهم بالواو والنون، كذلك جمعوا صفاتِهم؛ لأنّ الصفة تجري مجرى الفعل. وأمّا النون فكالعوض من الحركة والتنوين اللذَيْن كانا في الواحد على ما بيّنّاه في فصل التثنية، وتحريكُها لالتقاء الساكنين، وهما النون، وما قبلها من حروف اللِّين. وخُصّ الجمع بالفتح، ليُفرَّق بين نون الجمع ونون التثنية، وقد تقدم ذلك. فقد جاءت أسماءٌ مجموعةٌ جمعَ السلامة، وهي مؤنّثةٌ، وليست واقعةً على من يعقل، وهي "ثُبَةٌ"، و"قُلَةٌ"، و"أَرْضٌ"، و"حَرَّةٌ"، و"إوَزَّةٌ". وذلك من حيث كانت أسماء معتلّة منتقصًا منها، وأكثرُها محذوفةُ اللام، فجُعل جمعُها بالواو والنون كالعوض من الذاهب منها، فـ"ثُبَةٌ" بمعنى الجماعة من الناس وغيرهم، وأصلُه: "ثُبوة". والذي يدلّ على ذلك قولُهم: "ثبَّيْتُ الشيء" إذا جمعتَه. قال لَبِيدٌ [من الطويل]: ٦٩٤ - تُثَبِّي ثَناءً من كَرِيمٍ وَقَوْلِه ... ألا انْعَمْ على حُسْنِ التَّحِيةِ واشْرَبِ فـ"ثَبَّيْتُ" يدلّ على أن اللام حرفُ علّة، وأن الثاء فاءٌ، والباء عينٌ، ولا يدلّ أنّه من واو أو ياء؛ لأنّ الواو إذا وقعتْ رابعةً طرفًا، لا تثبت، ألا تراهم قالوا: "عَدّيْتُ"، و"خَلَيْتُ"، وهو من "العَدْو"، و"الخَلْوَة". لكن لما كان الأكثرُ فيما حُذفت لامُه من الواو، نحو: "أخٍ"، و"أَبٍ"، و"غَدٍ"، و"هَنٍ"، قُضي عليه أنه من الواو، والأكثر في

стр. 1098

جمعها "ثُباتٌ" على قياسِ جمع الأسماء المؤنَّثة. قال الله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (١)، فـ"ثُباتٌ" كقولك جماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، قال [من الطويل]: ٦٩٥ - فلمّا جَلاها بالإِيامِ تَحَيَّزَتْ ... ثُباتٍ عليها ذُلُّها واكْتِئابُها وقد ذهب أبو الحسن إلى أنّه ثُبَةُ الحوْض، وهي وَسَطُه، من "ثابَ الماء إليها"، وأنّ الكلمة محذوفةُ العين. والصوابُ أن يكون المحذوف فيه اللامَ، ويكون من "ثبيْتُ". وذلك أن مجتمع الماء وسطُه. هذا مع كثرةِ ما حُذف لامه من الأسماء، وقلةِ المحذوف العين، ألا ترى أنّه لم يأتِ مما حُذف عينه إلّا في كلمتَيْن، قالوا: "سُهٌ" في "اسْتٍ"، وقالوا: "مُذْ" في "مُنْذُ"؟ وأما "قُلَةٌ" فأصله "قُلْوَة" لقولهم: "قَلَوْتُ بالقُلَة"، وجمعُه "قُلاتٌ"، و"قُلُونَ" لِما ذكرناه، وله نظائرُ من كلامهم، قالوا: "بُرَةٌ"، و"بُرُونَ"، و"سَنَةٌ" و"سِنُونَ"، و"مائَةٌ" و"مِئُونَ". كل ذلك إنما جُمع بالواو والنون عوضا ممّا حُذف لامه، وربّما كسروا أوّله، فقالوا: "ثِبُونَ"، و"قِلُونَ"، و"سِنُونَ". كأنّهم أرادوا أن يدخله ضربٌ من التكسير، ليُعلَم أنّه ليس مصحّحًا من كل وجه، إنّما ذلك لأمر عرض فيه. ويؤكّد عندك أنهم إنّما جمعوه بالواو والنون لضرب من التعويض، أنّهم إذا جمعوه بالتاء، ردّوا ما حُذف منه، وقالوا: "سَنَواتٌ"، وإذا حذفوا، قالوا: "سِنُونَ"، وهذا ظاهرٌ. وأمّا "أَرْضٌ"، و"أَرَضُونَ"، فإنّه وإن لم يكن منتقصًا منه شيءٌ، فيكونَ جمعُه بالواو

стр. 1099

والنون عوضًا منه، فإن "أرضًا" اسمٌ مؤنثٌ، والقياسُ في كل اسم مؤنّث أن يدخله علمُ التأنيث، للفرق بينه وبين المذكّر، نحو: "قائم"، و"قائمة"، و"ظريف"، و"ظريفة"، و"رَجُل"، و"رَجُلَة" وأمّا ما تُركت منه العلامةُ، فللخفّة والثِّقةِ بدلالةِ باقي الكلام عليه، قبله أو بعده، و"أرْضٌ" مؤنّثةٌ، فكان فيها هاءٌ مرادةٌ، وكان التقدير: أَرْضَةٌ، فلمّا حُذفت الهاء التي كان القياس يُوجِبها ويستحِقّها عَلَمُ الفرق، عوّضوا منها الجمعَ بالواو والنون، فقالوا: "أَرَضونَ"، وفتحوا الراء في الجمع، ليدخل الكلمةَ ضربٌ من التغيير استيحاشًا من أن يوفوه لفظَ التصحيح ألبتّةَ، وليُعْلِموا أيضًا أن "أرضًا" ممّا سبيلُه لو جُمع بالتاء أن يُفتَح راؤه، فيقال: "أرَضاتٌ"؛ لأنّ "فَعْلَةَ" إذا كان اسمًا، وجُمع بالألف والتاء، فإنّ عينه تُحرَّك في الجمع بالفتح أبدًا، نحو قولهم في "جَفنَةٍ": "جَفَناتٌ"، وفي "قَضعَةٍ": "قَصَعاتٌ"، فرقًا بين الاسم والصفة. وأمّا "حَرَّةٌ"، فهي أرضٌ ذاتُ حجارة سُود كالمُحْرَقة، يقال: "حَرَّةٌ"، و"أَحَرَّةٌ"، والجمعُ "حَرُّون" و"أَحَرَّونَ"، قال الشاعر [من الرجز]: ٦٩٦ - لا خِمْسَ إلا جَنْدَلُ الأَحَرِّينْ ... والخِمْسُ قد أَجْشَمَكَ الأمَرَّينْ وأصله: "أَخرَرَةٌ" على زنةِ "أَفْعَلَةَ"، فكرهوا اجتماعَ مثلَيْن متحرّكَيْن، فنُقلت حركةُ الأول إلى ما قبله، وهي الحاء، ثمّ ادُّغم أحدهما في الآخر. ومثله "إوزَّةٌ" و"إِوَزُّونَ". قال الشاعر [من البسيط]: ٦٩٧ - تلْقى الإوَزُّونَ في أَكْنافِ دارَتِها ... فَوْضًى وبين يَدَيها التِّيْنُ مَنْثُورُ

стр. 1100

والعمل فيهما واحدٌ، لِما دخل هذا الضربَ من التغيير والادّغام، فيُجُرونه بجمعه على لفظٍ يحفظ صيغةَ واحده، ولا يدخله تغييرٌ آخرُ بسبب الجمع، وقالوا: "حَرَّةٌ"، و"حَرُّونَ"، فجمعوه أيضًا بالواو والنون حملًا على "أَحَرَّينَ"؛ لأنّه من لفظه ومعناه. قال الشاعر [من الرجز]: ٦٩٨ - فَمَا حَوَتْ نَقْدَةُ ذاتُ الحَرِّينْ مع أن فيه من الادّغام مثلَ ما في "الأَحَرّين"، فاعرفه. وأمّا المؤنّث، فجمعُه السالمُ بالألف والتاء، نحو: "الهِنْدات" و"المسلمات"، وكذلك ما أُلحق بالمؤنّث ممّا لا يعقل من نحو: "جِبال راسِياتٍ"، و"جِمالٍ قائماتٍ" فهذا الضربُ من الجمع إذا زدتَ في آخِره الألفَ والتاء، كالجمع المذكّر السالم في سلامةِ واحده. وقد اختلفوا في هذه الألف والتاء، فقال بعضُ المتقدّمين: التاء للجمع والتأنيث، ودخلت الألف فارقةً بين الجمع والواحد، وقال قومٌ: التاء للتأنيث والألفُ للجمع. والذي عليه الأكثرُ أنّ الألف والتاء للجمع والتأنيث من غيرِ تفصيل. والذي يدلّ على ذلك أمران: أحدهما: إسقاطُ التاء الأولى التي كانت في الواحد في قولك: "مسلماتٌ"،

стр. 1101

فلولا دلالةُ الثانية على التأنيث كدلالتها على الجمع؛ لم تسقط التاء الأولى، لئلا يُجمع في كلمة واحدة بين علامتَيْ تأنيث. والأمر الثاني: أنّك لو أسقطتَ أحدهما، لم يُفهَم من الحرف الثاني ما يفهم من مجموعهما من الجمع والتأنيث. فإن قيل: ولِمَ كانت الزيادةُ حرفَيْن؟ وهلّا كانت حرفًا واحدًا. قيل: إنّما زادوا حرفَيْن؛ لأنّ جمعَ المؤنّث السالم فرعٌ على جمع المذكّر السالم، فكما أن المَزيد في جمع المذكر السالم حرفان، كذلك كان مثله في جمع المؤنّث، وكان الزائد الأول حرفَ مدّ ولِين كما كان في التثنية والجمع. وإنّما اختيرت الألفُ دون الواو والياء لخفتها وثقلِ الجمع والتأنيثِ. واختيرت التاء معها لوجهَيْن: أحدهما: أنّها تُشْبه الواوَ، ولذلك أُبدلت منها في مواضعَ كثيرةٍ، نحو: "تُكَأَةٍ"، و"تُخَمَةٍ"، والواو أختُ الألَف. والوجة الثاني: أنّها تدل على التأنيث، فرُكّبت مع الألف ليدلّا على الجمع والتأنيث. وهذه التاء هي حرفُ الإعراب في هذا الجمع؛ لأنها حرفٌ صيغت الكلمةُ عليه لمعنى الجمع، فكانت كالواو والياء في الجمع المذكر السالم، فالتاءُ والضمّةُ عليها بمنزلة الواو في "الزيدون"، والتاء والكسرةُ بمنزلة الياء في "الزيدين". * * * قال صاحب الكتاب: والثاني يعم من يعلم وغيرهم في أساميهم, وصفاتهم كـ "رجال" و"أفراس", و"جعافر" و"ظراف", و"جياد". * * * قال الشارح: قوله: "الثاني" يريد الثاني من ضربَي الجمع، وهو جمع التكسير، وهو يعُم من يعقل وما لا يعقل، نحو: "رِجالٍ"، و"أَفْراَسٍ" والمذكّرَ والمؤنّثَ، نحو: "هُنُودٍ"، و"زُيُودٍ". وإنّما قيل له: "مكسَّرٌ"، لتغيُّرِ بنيته عمّا كان عليها واحدُه، فكأنّك فككتَ بناء واحده، وبنيتَه للجمع بناء ثانيًا، فهو مشبَّهٌ بتكسير الأبنية لتغيُّر بِنْيتها عن حال الصحّة. وهذا التغييرُ يكون تارةً بزيادةٍ، وتارة بنقصٍ، وتارةً بتغييرِ بنيةِ الواحد من غيرِ زيادة ولا نقصٍ في الحروف. فأما التغيير بالزيادة، فنحو: "رَجُلٍ"، و"رِجالٍ"، و"فَرَسٍ"، و"أَفْراسٍ". ومثالُ التغيير بالنقص "إزارٌ"، و"أُزُرٌ"، و"خِمارٌ"، و"خُمُر". وأمّا تغييرُ البناء، فهو راجع إلى تغيير الحركات، نحو: "أَسَدٍ"، و"أُسُدٍ"، و"وَثَنٍ"، و"وُثْنٍ". والأصل في ذلك الجمعُ بالزيادة لِما ذكرناه، نحو: "فَلْسٍ" و"أَفْلُسٍ" و"فُلُوسٍ"، و"كَعْبٍ"، و"أَكْعُبٍ"، و"كِعابٍ". فأمّا "إزازٌ"، و" أُزُرٌ"، و"خِمارٌ"، و"خمُرٌ"، و"أسَدٌ"، و"أُسُدٌ"، و"وثَنٌ"، و"وُثُنٌ"، فمنتقصٌ منه ومقصورٌ من "فُعُولٍ"، وأصله "أُزُورٌ"، و"أُسُودٌ"، لكنّهم حذفوا منه الواو لضرب من التخفيف. واعلم أن إعراب هذا الضرب يكون باختلاف الحركات، نحو: "هذه دُورٌ

стр. 1102

وقُصُورٌ"، و"رأيت دورًا وقصورًا"، و"مررت بدورٍ وقصورٍ" بخلافِ جمع الصحّة. وإنّما كان إعرابُه بالحركات؛ لأنّه أشبه المفردَ؛ لأنّ الصيغهَ تستأنف له كما تستأنف للمفرد، وليس كذلك جمعُ السلامة، فإن الصيغة فيه هي صيغةُ المفرد. وإنما زيد عليه زيادة تدل على الجمع، ويؤكّد شَبَهَ التكسير بالمفرد أنهم قد يصفون المفردَ بجمع التكسير، نحو قولهم: "بُرْمَةٌ أعْشارٌ" (١)، و"ثَوْبٌ أَسْمالٌ" (٢)، و"قِدْرٌ أَكْسارٌ" (٣)، ولا يفعلون ذلك في جمع السلامة فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وحكم الزيادتين في "مسلمون" نظير حكمهما في مسلمان: الأولى علم ضم الإثنين فصاعداً إلى الواحد، والثانية عوض عن الشيئين، وتسقط عند الإضافة. * * * قال الشارح: حكم الزيادتَيْن في الجمع السالم، وهما الواو والنون في الرفع، والياء والنون في الجرّ والنصب، حكم الزيادتَيْن في التثنية، فكما كانت الألف في التثنية عوضًا من ضمِّ اسم إلى اسم، وهو معنى الدلالة على التثنية، والثاني، وهو النون، عوضًا من الحركة والتنوين على ما قرّرناه، فكذلك الواو في الجمع السالم، والياء عوضٌ من ضمِّ الاسمَيْن فصاعدًا إلى الاسم المذكور، وهو معنى الجمع. وفي هذه الواو ستُّ علامات: الجمعُ والتذكيرُ؛ لأنّ هذا الضرب من الجمع إنما هو للمذكرين ممّن يعقل، والسلامةُ، والقلّةُ، وعلامةُ الرفع، وحرف الإعراب، وكذلك الياء. هذا مذهبُ سيبويه، وقد تقدّم ذكرُ الخلاف فيه. وأمّا النون؛ فعوضٌ من الحركة والتنوين اللذَيْن كانا في الواحد على حدّ ما ذكرناه في التثنية، قال: "وتسقطان في الإضافة"، يعني نون التثنية، ونون الجمع، نحو قولك: "جاءني مسلمُو زيدٍ"، و"رأيت مسلمِي زيد"، و"مررت بمسلمِي زيد"، كما تقول: "جاءني غلاما زيد" و"رأيت غلاميْ زيد"، و"مررت بغلامَيْ زيد". وإنّما حُذفت هذه النون في الإضافة؛ لأنها عوضٌ من الحركة والتنوين اللذَيْن كانا في الواحد، والتنوينُ يُحذف مع الإضافة، فحُذفت النون ها هنا كحَذْفه. فإن قيل: فإذا كانت النون عوضًا من الحركة والتنوين جميعًا، فما بالُها تُحذف مع الإضافة مع ثبوتِ أحد بدلَيْها، وهو الحركةُ؟ قيل: لمّا ثبتتْ مع الألف واللام مع حذف أحد

стр. 1103

بدلَيْها، وهو التنوين؛ حُذفت مع الإضافة مع ثبوت أحد بدلَيْها، وهو الحركة، ليعتدلا. فإن قيل: فهلّا عُكس الأمر فيهما؟ فالجواب أنّ الإضافة تقتضي الاتّصالَ؛ لأنّ المضاف إليه داخلٌ في المضاف من تمامه، والنونُ تفصل الاسمَ ممّا بعده، فكان إثباتُ النون مع الإضافة نقضًا للغرض بالإضافة. والألفُ واللام يفصلان الاسمَ ممّا بعده؛ لأنهما يمنعان الإضافةَ على حد منع النون؛ فكأنّ في ثبوت النون مع الألف واللام تقريرًا للمعنى، وتأكيدًا له من غيرِ تدافُع. ووجة ثانٍ أنّ الألف قد تلحق الواحدَ المنصوبَ مع الألف واللام في القوافي ورُؤُوسِ الآي، كقوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (١) ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٢) ونحو قول الشاعر [من الوافر]: أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَا (٣) فلو أُسقط النون مع الألف واللام في التثنية، لالتبست بالواحد فيما ذكرناه فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وقد أجرى المؤنث على المذكر في التسوية بين لفظي الجر والنصب، فقيل: "رأيت المسلمات", و"مررت بالمسلمات"، كما قيل: "رأيت المسلمين", و"مررت بالمسلمين". * * * قال الشارح: قد ذكرنا أن إعراب هذا الجمع بالحركات على القياس، وليس الأمرُ فيه كالتثنية والجمع اللذَيْن إعرابُهما بالحروف، وإذا كان إعرابُه بالحركات، فرَفْعُه بالضمّ، نحو: "هذه مسلماتٌ"، وفي الجرّ: "مررت بمسلماتٍ"، والنصبُ محمولٌ على الجرّ، فيكون في موضع النصب مكسورًا. وإنما حُمل النصب فيه على الجرّ لوجهَيْن: أحدهما: أن جمع المؤنّث السالم فرعٌ على جمع المذكّر السالم، فكما حُمل منصوبُ جمع المذكّر على مجروره في مثل: "مررت بالزيدِينَ" و"رأيت الزيدِينَ"، كذلك حُمل منصوبُ جمع المؤنث السالم على مجروره في مثل: "مررت بالمسلماتِ"، و"رأيت المسلماتِ"، ليكون الفرعُ على منهاج الأصل، ولا يُخالِفه. والوجهُ الثاني: أن جمع المؤنّث السالم يوافق جمعَ المذكّر السالم في أشياء، ويخالفه في أشياء. فأمّا الموافقةُ، ففي سلامة الواحد، وزيادةِ الزيادتَيْن لعلامة الجمع، وكون الزائد الأوّل حرفَ مدّ. وأمّا المخالفةُ، فمن جهةِ أنّ الزائد الثاني -وهو التاء- حرُف الإعراب يجري عليها حركاتُ الإعراب، وليس كذلك الجمعُ المذكرُ، فإن النون لا يدخلها إعرابٌ. ومنها أنّ

стр. 1104

الزيادة الأولى التي هي الألف لا تتغير كما تتغيَّر الزيادةُ الأولى في جمع المذكّر، نحو: "الزيدون"، و"الزيدين"، فتكون في الرفع واوًا، وفي الجرّ والنصب ياء. وتثبت الزيادةُ الثانيةُ وهي التاء- في الجمع المؤنّث السالم، ولا تُحذف في الإضافة، نحو: "مسلماتُك". وتُحذف النون من جمع المذكر في الإضافة إذا قلت: "مسلمُوك"، و"مسلمُو زيد". فبالمعنى الذي استويا فيه؛ حُمل أحدهما على الآخر؛ لأنّ الشيء يُقاس على الشيء إذا كانا مشتبِهَيْن في معنًى ما، وإن كانا مختلفَيْن في أشياء أُخَرَ. فبالمشابهة حُمل جمع المؤنّث على جمع المذكّر، بأن جُعل للرفع علامةٌ مفردةٌ، وللجرّ والنصب علامة واحدة اشتركا فيها، فقيل: "جاءني مسلماتٌ"، و"رأيت مسلماتٍ"، و"مررت بمسلماتٍ". ولا يجوز فتحُ هذه التاء عندنا، وأجازه البغداديّون، وأنشدوا لأبي ذُؤَيْب [من الطويل]: فلمّا اجْتَلاها بالإِيامِ تَحَيَّزَتْ ... ثُباتًا عليها ذُلُّها وانْكِسارُها (١) وحكوا أيضًا: "سمعتُ لُغاتَهم". ولا حجّةَ لهم في ذلك، لاحتمالِ أن يكون "لُغاتٌ" و"ثُباتٌ" واحدًا، فأصلُ "ثُبَةٍ": "ثُبْوَةٌ"، وأصلُ "لُغَةٍ": "لُغْوَةٌ" مثل "نُقْرَةٍ"، و"ثُغرَةٍ"، وإن كان استعمالُهما بحذف اللام، إلّا أنّهم تمّموهما، كقولهم: "حُلاةٌ"، و"حُلى"، و"مُهاةٌ"، و"مُهَى". وقال أبو الخَطّاب: "واحدُ الطُّلَى طُلاةٌ"، فكذلك لغاتهم تكون على "فُعْلَةَ". وحكى أحمدُ بن يحيي "سِمٌ"، و"سُمٌ"، و"سُماةٌ"، فرَدَّ اللام، وإن كان الاستعمال بحذفها، فلُغاتٌ مثلُ "سُماةٍ". ومثله في الحذف والإتمام قولهم: "غَدٌ" و"غَدوٌ" في قوله [من الرجز]: لا تَقْلُوَاها وادْلُوَاها دَلْوَا ... إنّ مع اليَوْمِ أَخاه غَدْوَا (٢) ويكون أجرى التاء في المفرد مجراها في الجمع، فردّ اللامَ مع المفرد كما تُرَدّ مع الجمع في قولهم: "أَخَواتٌ"، فإن قالوا: إِضافتُه إلى الجمع تدلّ أنّه جمعٌ؛ قيل: لا تدلّ إضافتُه إلى الجمع على أنّه جمع لاحتمالِ أن يكون من قبيل قوله [من الوافر]: ٦٩٩ - كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فإنّ زَمانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ

стр. 1105

فأمّا قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (١)، فيحتمل أن يكون من قبيل البيت، اكتفى بلفظ الإفراد عن الجمع لعدم الإلباس، ويجوز أن يكون "السمعُ" مصدرًا، والمراد: مواضعُ سمعهم. ومثله قول الشاعر [من البسيط]: ٧٠٠ - إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها مَرَضٌ ... قَتَّلْنَنا ثمَّ لم يُحْيِينَ قَتْلانَا فإنّه أفرد "الطرف"، إذ كان مصدرًا كـ"السمع". فإن قيل: فقد قالوا: "استأصل الله عَرْقاتَهم"، أي: شأفَتَهم، بفتح التاء، هكذا جاء في كتاب العَيْن عن الخليل (٢)، وهذا الاسمُ ليس منتقصًا منه، فيقالَ: تُمِّمَ؛ قيل يحتمل أن يكون "عرقاتهم" واحدًا، والألفُ فيه للإلحاق بـ"دِرْهَم"، فألفُه كألف "مِعْزاةٍ"، و"سِعْلاةٍ"، فاعرفه.

стр. 1106

فصل [جمع القلة وجمع الكثرة] قال صاحب الكتاب: وينقسم إلى جمع قلة وجمع كثرة, فجمع القلة العشرة فما دونها، وأمثلته: "أفعل", "أفعال", "أفعلة"، "فعلة"كـ "أفلس" و"أثواب" و"أجربة", و"غلمة". ومنه ما جمع بالواو والنون، والألف والتاء. وما عدا ذلك جموع كثرة (١). * * * قال الشارح: كان القياس أن يُجعل لكل مقدار من الجمع مثالٌ يمتاز به من غيره، كما جعلوا للواحد والاثنين والجمع، فلمّا تَعذَّر ذلك إذ كانت الأعدادُ غير متناهيةِ الكثرة؛ اقتصروا على الفصل بين القليل والكثير، فجعلوا للقليل أبنيةً تُغايِر أبنيةَ الكثير، ليتميّز أحدهما من الآخر. والمرادُ بالقليل الثلاثة فما فوقها إلى العشرة، وما فوق العشرة فكثيرٌ. أبنيةُ القلّة أربعةُ أمثلةٍ من التكسير، وهي: أَفْعُلُ مثل: "أَفْلُسٍ"، و"أَكْعُبٍ"، وأَفْعالٌ، مثل: "أَجْمالٍ"، و"أَفْراسٍ"، وأَفْعِلَةُ، مثل: "أَرْغِفَةٍ"، و"أَجْرِبَةٍ"، وفِعْلَةُ، مثل: "غِلْمَةٍ"، و"صِبْيَةٍ". ومن ذلك جمعا السلامة بالواو والنون، نحو: "الزيدون"، و"المسلمون"، والألِف والتاء. فهذان البناءان أيضًا من أبنية القلّة؛ لأنّهما على منهاج التثنية، والتثنيةُ قليلٌ، فكانا مثله. ويدل على أن هذه الأبنية للقلّة أمران: أحدهما: أنّك تُصغِّرها على لفظها، فتقول في تصغير "أفْلُس": "أُفَيْلِسٌ"، وفي "أَجْمالٍ": "أُجَيمالٌ"، وفي "أجْرِبَةٍ": "أُجَيْرِبَةٌ"، وفي "غِلْمَةٍ": "غُلَيمَةٌ". ولو كانت للكثير، لرددتَها إلى الواحد، ثمّ تجمعها بالواو والنون إن كانت لمن يعقل، وبالألف والتاء إن كانت لغيره، نحو قولك في "رِجالٍ"، "رُجَيْلُونَ"، وفي "غِلْمانٍ" "غُلَيمُونَ"، وفي "جِمالٍ": "جُمَيْلاتٌ"، وفي "دَراهِمِ": "دُرَيْهِماتٌ". والثاني: أنّك تُفسِّر به العددَ القليلَ، فتقول: "ثلاثةُ أَفْلُسٍ"، و"أربعةُ أجْمالٍ"، و"خمسةُ أرْغِفَيةٍ"، و"ثلاثةُ صِبْيَةٍ". وكذلك الجمع بالواو والنون، والألِف والتاء. تقول: "ثلاثةُ بَنِينَ"، و"ثلاثُ شجراتٍ". فتَميِيزُك بهذه المجموع العددَ القليلَ دليلٌ على ما قلناه، ولذلك عابوا على حَسّانَ قوله [من الطويل]: ٧٠١ - لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... وأَسْيافُنا يَقْطُرْن من نَجْدَةٍ دَمَا

стр. 1107

قالوا: البيت مَدْحٌ، وقد كان ينبغي أن يقول: لنا الجِفانُ البِيضُ؛ لأنّ الغُرّة بَياضٌ يسيرٌ، وكان حقُّه أن يستعمل "السُّيُوف" موضعَ "الأسياف". وهذا، وإن كان الظاهرُ ما ذكروه، إلّا أنّ العرب قد تستعمل اللفظَ الموضوع للقليل في موضع الكثير. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٢)، ولا يعِد الكريمُ سبحانه بأن في الجَنَّة غُرُفاتٍ يسيرةً، وكذلك ليس المراد بقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ العشرةَ فما دونها، وإنما الإخبارُ عن هذا الجنس قليلِه وكثيرِه. وذلك أنّ الجموع قد يقع بعضُها موضعَ بعض، ويُستغنى ببعضها عن بعض، ألا ترى أنّهم قالوا: "رَسَنٌ"، و"أَرْسانٌ"، و"قَلَمٌ"، و"أَقْلامٌ"، واستغنوا بهذا الجمع عن جمع الكثرة؟ وقالوا: "رَجَلٌ"، و"رِجالٌ"، و"سَبُعٌ"، و"سِباعٌ" ولم يأتوا لهما ببناء قلّة؟ وأقيسُ ذلك أن يُستغنى بجمع الكثرة عن القلّة, لأنّ القليل داخلٌ في الكثير. واعلم أنّ هذا الفصل بين أبنية القليل والكثير، إنّما وقع في الثُّلاثيّ لخفّة لفظه وكثرةِ دَوْره، إذ الكلمةُ إذا كثُرت، كثُر التصرُّفُ فيها، ألا ترى أنّهم قد بلغوا ببنات الثلاثة في الزيادة سبعةَ أحرف، نحو: "اشْهيبابٍ" (٣)، فزيد على الثلاثة أربعةُ أحرف، فلم يُزَدْ على الأربعة أكثرُ من ثلاثة أحرف، نحو: "احْرِنْجامٍ" (٤)، ولم يُزد على الخمسة أكثرُ من

стр. 1108

حرف واحد، نحو: "عَضْرَفُوطٍ" (١)، فثبت بما ذكرناه كثرةُ تصرُّفهم في الثلاثيّ، وقلّةُ تصرُّفهم في الرباعي والخماسيّ. فلذلك كان لكل مثال من أمثلة الثلاثي أمثلة كثيرة في الكثرة والقلّة، ولم يكن للرباعيّ إلّا مثالٌ واحدٌ، القليلُ والكثيرُ فيه سواء، وهو "فَعالِلُ"، نحو: "خَناجِرَ"، و"بَراثِنَ". ولم يكن للخماسيّ مثال في التكسير، لانحطاطه عن درجة الرباعيّ في التصرّف، وكان محمولًا على الرباعيّ في جمعه، نحو: "فَرازِدَ" (٢)، و"سَفارِجَ" (٣)، كـ "جَعافِرَ". فهو بناءٌ واحدٌ للكثير والقليل بخلاف الثلاثيّ الذي له أبنيةٌ كثيرةٌ. واعلم أن أبنية القلّة أقربُ إلى الواحد من أبنية الكثرة، ولذلك يجري عليه كثيرٌ من أحكام المفرد. ومن ذلك جوازُ تصغيره على لفظه خِلافًا للجمع الكثير، ومنها جوازُ وصف المفرد بها، نحو: "ثَوْبٌ أَسْمالٌ"، و"بُرْمَةٌ أَعْشار". ومنها جوازُ عَوْدِ الضمير إليها بلفظ الإفراد، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (٤). فصل [إعراب جمع المذكر السالم بالحركات في بعض اللغات] قال صاحب الكتاب: وقد يجعل إعراب ما يجمع بالواو والنون في النون, وأكثر ما يجيء ذلك في الشعر، ويلزم الياء, إذ ذاك قالوا: "أتت عليه سنين", وقال [من الطويل]: ٧٠٢ - دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيباً وشيبننا مُردا

стр. 1109

وقال سحيم [من الوافر]: ٧٠٣ - وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين * * * قال الشارح: اعلم أنّ من العرب من يجعل إعرابَ ما يُجمع بالواو والنون في النون، وذلك إنما يكون فيما يُجمع بالواو والنون عوضًا من نقصٍ لحِقه، نحو قولك: "سِنُونَ"، و"قُلُون" (١)، و"ثُبُون" (٢). والشيخُ قد أَطلق ها هنا، والحق ما ذكرتُه.

стр. 1110

ويلزم فيه الياءُ، فتقول: "هذه سِنِينٌ"، و"رأيت سنينًا"، و"مررت بسنينٍ". وإنّما جاز إعرابُ النون في هذا الضرب من الجمع؛ لأنّ النون فيه قامت مقامَ الحرف الذاهب، فجعلوها [من] (١) كلام الكلمة. وإنّما ألزموه الياءَ ليصير نظيرَ "غِسْلِينٍ" (٢) ونحوه من الأسماء المفردة، و"غِسْلِين"، "فِعْلِينٌ" من "الغُسالة". وأجاز أبو العباس المبرّد التزامَ الواو، فيكون مثلَ "زَيْتُونٍ"، فأمّا قوله [من الطويل]: دَعانِيَ من نَجْدٍ فإنّ سِنِينَة ... إلخ وقبله: لَحَى اللهُ نَجْدًا كَيْفَ يَتْرُكُ ذا الغِنَى ... فَقِيرًا وحُرَّ القَوْمِ تَحْسِبُة عَبدا البين للصِّمَّة بن عبد الله القُشَيري، والشاهدُ فيه أنّه جمع بين النونَين والإضافةِ في قوله: "سِنِينَهُ". والقياسُ فيه "سنيّه"، لكنّه جعل النونَ حرفَ الإعراب، وألزمه الياء، ليكون كـ"غِسْلِين". ومثله قوله فيما أنشده أبو زيد [من الوافر]: ٧٠٤ - سِنِينِيَ كُلَّها لاقَيْتُ حَرْبًا ... أُعَدُّ مع الصَّلادِمَة الذُّكُورِ وقال الآخر [من الكامل]: ٧٠٥ - وَلَقَدْ وَلَدْتَ بَنِينَ صِدْقٍ سادَةً ... ولأنْتَ بَعْدَ اللهِ كُنْتَ السَّيِّدا

стр. 1111

فأمّا قول سُحَيْم بن وَثِيل: وماذا يَدَّرِي ... إلخ فذهب قومٌ إلى أنّ النون في "الأربعين" حرفُ الإعراب، والكسرة فيه علامةُ الجرّ، ويكون من قبيلِ ما جُمع بالواو والنون عوضًا من المحذوف، كـ"سِنُون"، و"قُلُون". وذلك أن "ثلاثين" ونحوَه من قولك: "أربعين"، ليس بجمعِ "ثلاثٍ"، و"أربعٍ" على الحقيقة، إذ لو كان "ثلاثون" جمعَ "ثلاث"؛ لَوجب أن يُستعمل في تِسْعة, لأنّ الواحد من تَثْليثها ثلاثة، وفي اثني عشرَ, لأنّ الواحد من تثليثها أربعةٌ، وفي خمسةَ عشرَ, لأنّ الواحد من تثليثها خمسةٌ، إلى أن تتجاوز به الثلاثين من الأعداد التي الواحد من تثليثها فوق العشرة. وكذلك "الأربعين" ونحوُها من الخمسين إلى تسعين. وإذا ثبت أنّ "ثلاثين" ليس بجمع "ثلاث"، و"أربعين" ليس بجمع "أربع"، عُلم أنّه اعتقد فيه أن له واحدًا مقدَّرًا، وإن لم يجر به استعمالٌ، فكأن "أربعين" جمعُ "أربع"، و"أربعٌ" جماعةٌ، فكأنّه قد كان ينبغي أن يكون فيه الهاءُ، فعُوّض بالواو والنون، وصار الأمرُ فيه كحالِ "أرْضٍ" و"أرَضِينَ". ونحوٌ من ذلك قولُهم في اسم البلد: "قِنَّسْرُونَ"، و"فَلَسْطُونَ" كأنهم جعلوا كل ناحيةٍ من "قنّسرين" و"فلسطين" "قِنَّسْرَ وفَلَسْطَ"، والناحيةُ والجهةُ مؤنّثتان، فكان القياس في واحده لو نُطق به: "قِنَّسْرَةُ"، و"فَلَسْطَةُ"، فعوّضوا من ذلك الجمعَ بالواو والنون. والحقُّ فيه أنّ النون في قوله [من الوافر]: وقد جاوزتُ حَدَّ الأربعينِ (١) ليست حرفَ إعراب، ولا الكسرةُ فيه علامةَ جرّ، إنما هي حركةُ التقاء الساكنين، وهما الياء والنون. وكُسرت على أصل التقاء الساكنين؛ لأنّ حركة التقاء الساكنين لم تأتِ

стр. 1112

على منهاح واحد، بل تأتي تارةً كسرةً، وهو الأصل، وتارةً ضمّةً، نحوَ: "شُدُّ"، و"مُدُّ"، وتارةً فتحةً، نحو: "شُدَّ" فيمَن فتح، و"أيْنَ"، و"كَيْفَ". فلمّا اضطُرّ الشاعر إلى الكسر، لئلا تختلف حركةُ حرف الرَويّ، كَسَرَ؛ لأنّ الأبيات مجرورةُ القوافي مطلقةٌ. وممّا يدلّ أنّ الكسرة في نون "الأربعين" ليست جرًّا، إنّما هي كسرةُ التقاء الساكنين، قولُ ذي الإصْبَع [من البسيط]: ٧٠٦ - إنِّي أبِيٌّ أبِيٌّ ذو مُحافَظَةٍ ... وابْنُ أبِيٍّ أبِيٍّ مِن أبِيِّينِ فـ "أبِيُّونَ" جمعُ "أبِيٍّ" مثلُ: "ظريف"، و"ظريفون"، فكما لا يُشَكّ في كسرة نون "أبيّينِ" أنّها لالتقاء الساكنين، لأنّه جمعٌ صحيحٌ مثلُ: "مسلمين"، و"صالحين"، فكذلك ينبغي أن تكون كسرةُ النون في "الأربعينِ". ومثله قول الآخر [من البسيط]: ٧٠٧ - [ما سَدَّ حَيٌّ وَلا مَيْتٌ مَسَدَّهُما] ... مِثْلُ الخَلائِفِ من بَعْدِ النَّبِيِّينِ

стр. 1113

فهذا جمعٌ بُني على الصحة. وإنما كُسرت نونُ الجمع ضرورةً، وأُجريت في الكسر مُجرى نون التثنية. واعتمدوا في الفصل بين التثنية والجمع بحركة ما قبل الياء في الجرّ والنصب؛ وأمّا في الرفع؛ فالفصلُ بينهما ظاهرٌ؛ لأنّ رفع الاثنين بالألف، ورفع الجميع بالواو، فاعرفه. فصل [أوزان جمع الاسم الثلاثي المجرد] قال صاحب الكتاب: وللثلاثي المجرد إذا كسر عشرة أمثلة: "أفْعالٌ"، "فِعالٌ"، "فُعُولٌ"، "فِعلانُ", "أفعُلٌ", "فُعلانُ"، "فِعَلَةُ"، "فُعْلٌ"، "فُعْلةُ". فـ "أفعالٌ" أعمها, تقول: أفراخٌ وأحمال وأركان وأجمال وأعجاز وأعناق وأفخاذ وأعناب وأرطاب وآبال, ثم فعال تقول: زناد, وقداح, وخفاف وجمال ورباع وسباع, ثم فعول وفعلان وهما متساويان تقول فلوس وعروق وجروح وأسود ونمور ورئلان وصنوان وعيدان وخربان وصردان, ثم أفعل تقول أفلس وأرجل وأزمن وأضلع، ثم فعلان وفعلة وهما متساويان تقول بطنان وذؤبان وحملان وغردة وقردة وقرطة, ثم فعل تقول سقف وفلك, ثم فعلة وفعل تقول جيرة ونمر. وقد جاء "حجلى" في جمع حجل قال [من الكامل]: ٧٠٨ - [فارحم أصيبيتي الذين كأنهم] ... حجلي تدرج في الشربة وقع] * * *

стр. 1114

قال الشارح: إنما بدأ بحَصْرِ ألفاظ الجمع، ولم يذكر أبنيةَ الثُّلاثيّ التي في الآحادُ التي تُكسَّر عليها الجموعُ؛ لأنّ الباب بابُ الجمع، فجاء بالتفصيل على وَفْق التَّرْجمة. ونحن نجمع بينهما؛ لأنّ الفائدة مرتبطةٌ بهما، فالأسماء الثلاثيّة المجرَّدة من الزيادة لها عشرةُ أمثلةٍ، "فَعْلٌ" بفتح الأوّل وسكون الثاني، مثلُ: "فَلْسٍ"، و"كَعْبٍ"، و"فَعَلٌ" بفتح الأوّل والثاني، نحوُ: "فَرَسٍ"، و"جَمَلٍ"، و"فَعِلٌ" بفتح الأوّل، وكسر الثاني، نحوُ: "كَتِفٍ"، و"فَخِذٍ"، و"فَعُلٌ" بفتح الأوّل وضمّ الثاني، نحوُ: "عَضُدٍ"، و"يَقُظٍ"، و"فِعْلٌ" بكسر الأوّل وسكون الثاني، نحوُ: "حِبْرٍ"، و"عِدْلٍ"، و"فِعَلٌ" بكسر الأوّل وفتح الثاني، نحوُ: "عِنَبٍ"، و"نِطَعٍ"، و"فِعِلٌ" بكسر الأوّل والثاني، نحوُ: "إبِلٍ"، و"إطِلٍ"، و"فُعْلٌ" بضم الأوّل وسكون الثاني، نحوُ: "قُفْلٍ"، و"بُرْدٍ"، و"فُعَلٌ" بضم الأوّل وفتح الثاني، نحوُ "صُرَدٍ" (١) و"نُغَر" (٢)، و"فُعُلٌ" بضمّ الأوّل والثاني، نحوُ "عُنُقٍ"، و"طُنُبٍ". فأمّا "فَعْلٌ"، فالقياس في تكسيره أن يجيء في القلّة على "أفْعُل"، نحوِ: "كَلْبٍ"، و"أكْلُبٍ"، و"كَعبٍ" و"أكْعُبٍ"، وقالوا في المضاعف: "صَكٌّ"، و"أصُكٌّ"، و"ضَبٌّ" و"أضُبٌّ". وأمّا الكثير، فبابُة أن يجيء على "فِعَالٍ"، و"فُعُولٍ"، نحوِ قولك: "كَلْبٌ"، و"كِلابٌ"، و"فَلْسٌ"، و"فُلُوسٌ". وربّما تَعاقبا على الاسم الواحد، قالوا: "فَرْخٌ"، و"فِراخٌ"، و"فُرُوخٌ"، و"كَعْبٌ"، و"كِعابٌ"، و"كُعُوبٌ". قال الشاعر [من الوافر]: ٧٠٩ - وكُنْتُ إذا غَمَزْتُ قَناةَ قَوْمٍ ... كَسَرْتُ كُعُوبَها أو تَسْتَقِيمَا

стр. 1115

وباقي الأمثلة تُجمع في القلّة على "أفْعالٍ"، نحو: "أفراسٍ"، و"أكْتافٍ"، "أعْضادٍ"، و"أجبالٍ"، و"أعْنابٍ"، و"آطالٍ"، و"أبْرادٍ"، و"أعْناقٍ"، وجمعُها الكثير "فِعالٌ" و"فُعُولٌ"، نحوُ: "جَمَلٍ"، و"جِمالٍ"، و"بُرْد"، و"بُرُود"، ما خلا "فُعَلًا"، فإنّ بابه أن يُجمع على "فِعْلانَ"، نحوِ: "صُرَدٍ"، و"صِرْدانٍ"، و"جُرَذٍ"، و"جِرْذانٍ" يستوي فيه القليلُ والكثيرُ، وأصلُه الكثرة، والقلّةُ داخلةٌ عليه، ويُفرَق بينهما بقرِينة. فإن قيل: ولِمَ اختصّ جمعُ القلة بـ"أفعُلَ"، و"أفْعالٍ"؟ فالجواب أنّه لما كان بين جمع القلّة والواحد من المشابهة، ما تقدّم ذكرُه من كونِ صيغته مستأنفةً له، ويجري عليه كثيرٌ من أحكام المفرد، من نحوٍ عود الضمير مفردًا إليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (١)، وجوازِ تصغيره على لفظه، ووصفِ المفرد به من نحوِ: "بُرْمَةٍ أعشارٍ"، و"ثَوْبٍ أسْمالٍ"؛ اختاروا هذَيْن البناءَيْن؛ لأنّهما لا يكاد يُوجَد لهما نظيرٌ في الآحاد، ليُعلَم أنّهما للجمع، ولا يقع فيهما التباسٌ بالواحد. فإن قيل: ولِمَ اختصّ "أفْعُلُ" بـ"فَعْلٍ" ساكنَ العين مفتوحَ الفاء؟ قيل: لخفّته وكثرةٍ استعماله؛ اختاروا له أخفَّ اللفظَيْن وأقلَّهما حروفًا؛ لأنّ بنية الجمع على حسب واحده، فإذا كان الواحد خفيفًا قليلَ الحروف، قلّت حروفُ جمعه وحركاتُه اللاحقةُ لتكسيره، وإذا ثقُل الواحد، وكثُرت حروفه، كثُر ما يلحق جمعَه لِما ذكرناه من أن الجمع يكون بزيادةٍ على الواحد. فإن قيل: ولِمَ اختصّ "فُعَلٌ" مضمومَ الفاء مفتوحَ العين بِـ"فِعْلان"، نحوِ: "نُغَرٍ"، و"نِغْرانٍ"، و"جُرَدٍ" و"جِرْذانٍ"؟ قيل: لوجهَيْن: أحدُهما: أنّ هذا البناء لمّا اختصّ بضرب من المسمَّيات، وهو الحَيَوانُ، ولزِمه، فلم يفارقه إلى غيره، ولم يكن غيرُه من الأسماء كذلك، فإنّها لا تلزم مسمّى خصّوه بهذا

стр. 1116

الجمع، كما خصّوا بـ "فَعْلَى" ما كان به آفَةٌ من نحوٍ: "قَتْلَى"، و"مَرْضَى"، ولا يُجمع عليه إلّا ما أصابته بليّةٌ، نحوُ: "جَرِيحٍ"، و"جَرْحَى"، و"زَمِينٍ"، و"زَمْنَى". والوجه الآخر: أن يكون منتقصًا من "فُعالٍ"، و"فُعَالٌ" يُجمع في الكثرة على "فِعلان"، نحو: "غُرابٍ" و"غِرْبان"، و"عُقاب" و"عِقْبانِ". وممّا يؤيّد ذلك أنّ "فُعَلًا" لا يكاد [يأتي] إلا مغيرًا من غيره، نحوَ: "عُمَرَ"، و"زُفَرَ" عَدْلًا من "عامِرٍ"، و"زافِرٍ"، و"فُسَقَ"، و"خُبَثَ"، والمراد: فاسِقٌ وخَبِيثٌ. فلمّا كان قد تَغيَّر عن "فاعِلٍ"، و"فَعِيلٍ"، كان تغييرُه عن "فُعالٍ" أوْلى؛ لأنّه ليس بين البناءَيْن إلا طرحُ الألف، فهو أقربُ إليه. واعلم أنّ الاسم الثلاثي لكثرته وسعةِ استعماله، كثُرت أبنيةُ تكسيره، وكثُر اختلافها، حتى لا يكاد يخلو بناءٌ منها من الشذوذ، والقياسُ ما تقدّم ذكُره. والمرادُ بقولنا أنّه القياسُ أنّه لو ورد اسمٌ، ولم يُعرف كيف جمعُه، لكان القياسُ أن يُجمع على المنهاج المذكور، فعلى هذا لو سمّيتَ بالمصدر من نحوِ: "ضَرْبٍ"، و"قَتْل"، لكان القياس في جمعه أن تقول في القلّة: "أضْرُبٌ" و"أقْتُلٌ"، قياسًا على "أْفْلُسٍ" و"أكْعُبٍ"، وفي الكثير: "ضُرُوبٌ" أو"ضِرابٌ"، و"قُتُولٌ" أو "قِتالٌ"، قِياسًا على "فُلُوسٍ" و"كِعابٍ". ولا بدّ من ذكرِ ما شذّ من ذلك ليُعلم؛ حتّى لو اضطُرّ شاعرٌ أو ساجعٌ إلى مثله، لم يكن مُخْطِئًا؛ لأنّه استند إلى أصلٍ من استعمالهم. فمن الشاذّ تكسيرُهم "فَعْلًا" في القلّة على "أفْعالٍ" (١)، والقياس "أفْعُلٌ" على ما تقدّم، قالوا: "رَأْدٌ"، و"أرْآدٌ"، و"الرَّأدُ": أصل اللَّحْيَيْن، وقالوا: "زَنْدٌ"، و"أزْنادٌ"، و"الزَّنْدُ": العُود الذي يُقدَح به النار، وهو الأعلى، والزَّنْدَةُ السُّفْلى فيها ثَقْبٌ، وهي الأُنثى، فإذا اجتمعا قيل: "زَنْدانِ"، ولم: يُقَل: "زندتان". وقالوا: "فَرْخٌ" و"أفْراخٌ"، و"أنْفٌ" و"آنافٌ". جمعوا هذه الأسماءَ على "أفْعالٍ" حَمْلًا لها على ما هي في معناه، وذلك أنّ "رَأدًا"

стр. 1117

في معنى "ذَقَنٍ"، و"زَنْذٌ" في معنى "عُودٍ"، و"فَرْخٌ" في معنى "طَيْرِ" أو"وَلَدٍ"، و"أنْفٌ" في معنى "عُضوٍ"، فكما قالوا: "أذْقانٌ"، و"أعْوادٌ"، و"أطيارٌ"، و"أعْضاءٌ"، فكذلك قالوا: "أرْآدٌ"، و"أفْراخٌ"، و"أزْنادٌ"، و"آنافٌ"، لأنّها في معناها، فأعطوها حُكْمَها. وقيل: إنما قالوا "أرْآدٌ"؛ لأنّ الهمزة مُقارَبة للألف، ومن مَخرَجها، فعاملوها مُعامَلتَها في الجمع، فكما قالوا: "بابٌ" وأبْوابٌ"، و"نابٌ" و"أنْيابٌ"، كذلك قالوا: "رَأدٌ" و"أرْآد". والنونُ في "زَنْدٍ"، و"أنْفٍ" ساكنةٌ، فهي غُنَّةٌ، فجرت لغُنّتها مجرى المتحرّكة، والراءُ في "فَرْخ" حرفٌ مكرَّرٌ، فجرى تكريرُه مجرى الحركة فيه، فلذلك قالوا: "أفْراخٌ" (١). وربّما تَوارد البناءان على الاسم الواحد منها، قالوا: "أزنُدٌ"، و"أزْنادٌ". قال الشاعر [من المتقارب]: ٧١٠ - وُجِدْتَ إذا اصْطلَحُوا خَيْرَهمْ ... وزَنْدُكَ أثْقَبُ أَزْنادِهَا وقالوا: "أفَرُخٌ"، و"أفْراخٌ". قال الواجز: ٧١١ - لولا هُباشاتٌ من التَّهْبِيشِ ... لصِبْيَةٍ كأفْرُخٍ العُشُوشِ

стр. 1118

وقال الشاعر [من البسيط]: ٧١٢ - ماذا تقول لأفْراخٍ بذي مَرَخٍ ... زُغْبِ الحَواصِلِ لا ماءٌ ولا شَجَرُ فالبيت الأوّل على القياس، والثاني على الشاذّ، وقالوا: "أنْفٌ" و"آنافٌ" و"آنُفٌ". قال الأعْشى [من الطويل]: ٧١٣ - إذا رَوَّحَ الراعِي اللِّقاحَ مُعَزِّبًا ... وأمْسَتْ على آنافِها غَبَراتُها

стр. 1119

فأمّا "الرَّأدُ" فلم يُسمع فيه إلّا "أرْآدٌ". وقد جاء الكثير على "فُعْلانَ"، بضمّ الفاء. قالوا: "ظَهْرٌ"، و"ظُهْرانٌ"، و"بَطْنٌ"، و"بُطنانٌ"، و"ثَعْبٌ"، و"ثُعْبانٌ"، والثَّعْبُ: مَسِيلُ الوادي، وقالوا: "جَحْشٌ"، و"جِحْشانٌ"، و"عَبْدٌ"، و"عِبْدانٌ"، فكسّروه على "فِعْلانَ" بكسر الفاء. وربّما كسّروه على "فُعُولَةَ"، و"فِعالَةَ"، فيأتون فيه بتاء التأنيث لتحقيق تأنيث الجمع، فقالوا: "الفِحالَةُ"، و"البُعُولَةُ"، و"العُمُومَةُ". وقد جاء أيضًا على "فِعَلَه". قالوا: "جَبْءٌ"، و"جِبَأةٌ"، و"فَقْعٌ" و"فِقَعَةٌ" لضربَيْن من الكَمأة، وقالوا: "قَعْبٌ"، و"قِعَبَةٌ". وقد جاء أيضًا على "فَعِيلٍ"، قالوا: "عَبْدٌ"، و"عَبيدٌ"، و"كَلْبٌ"، و"كَلِيبٌ". قال الشاعر [من السريع]: ٧١٤ - والعِيسُ يَنْغُضْنَ بِكيرانِها ... كأنّما يَنهَشُهُنَّ الكَلِيبْ وذلك كله قليلٌ شاذٌ، لا يُقاس عليه، وبعضُه أشذُّ من بعض، فـ "الكَلِيبُ" و"العَبيدُ"، أقلُّ من "فِقَعَةٍ"، و"قِعَبَةٍ"، و"فِقَعَةٌ"، و"قِعَبَةٌ" أقلُّ من "فُعْلان"، و"فِعْلانَ"، وسيبويه (١) كان

стр. 1120

يذهب إلى أنّ "الكليب" ونحوه اسمٌ للجمع كـ"الجامِل" (١)، و"الباقِر" (٢)، وكذلك "فِقَعَةٌ"، و"قِعَبَةٌ"، وليس بجمع مكسَّر. فعلى هذا، لو صُغّر، لصُغّر على لفظه، ولم يُردّ إلى الواحد. وذهب الأخفش إلى أن ذلك كلّه تكسيرٌ وإن قَلَّ استعمالُه. وقال قومٌ: "فِعَلَة" وبابُه مقصورٌ من "فِعالَة"، فالأصلُ في "فِقَعَةٍ": "فِقاعَةٌ" كـ"حِجارَةٍ"، فاعرفه. فأمّا "فَعَلٌ" بفتح الفاء والعين، فالقياسُ أن يأتي في القلّة على "أفْعالٍ" كـ"جَمَلٍ"، و"أجْمالٍ"، وفي الكثير "فِعالٌ" و"فُعُولٌ"، نحوُ: "جِبالٍ"، و"جِمُالٍ"، و"أُسُودٍ"، و"ذُكُورٍ". و"فِعالٌ" في هذا الباب أكثرُ من "فُعُولٍ". وقد جاء على غير المنهاج المذكور، قالوا في القليل: "زَمَنٌ"، و"أزْمُنٌ"، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]: ٧١٥ - أمَنْزِلَتَيّ مَيٍّ سلامٌ عَلَيكُما ... هَلِ الأزْمُنُ اللاتي مَضَيْنَ رَواجِعُ وحكى سيبويه (٣): "جَبَلٌ"، و"أَجْبُلٌ". وقالوا في المعتلّ: "عَصَا"، و"أعْصٍ" كـ"أدْلٍ"، و"أحْقٍ"، وذلك من حيث كان "الزَّمَنُ" دَهْرًا، و"الجَبَلُ" تَلاًّ، فحملوه على معناه. وفي الجملة إن الأسماء الثلاثيّة لمّا اشتركت في عدّة واحدة، وأصلٍ واحد؛ جاز أن يُشبَّه بعضُها ببعضٍ، فيدخل كلُّ واحد منها على الآخر، ولُزومُ "فَعَلٍ" مفتوحَ العين لـ"أَفعَل"، وبناؤه عليه أكثرُ من لزوم "فَعْلٍ" ساكنَ العين لـ"أَفْعل"، وذلك لخفّة "فَعْلٍ" وكثرتِه تَوسّعوا فيه أكثرَ من توسّعهم في "فَعَلٍ". ولذلك كان الشاذُّ في جمع "فَعَلٍ" أقلَّ

стр. 1121

من الشاذّ في جمع "فَعْلٍ". وقد كسّروه في الكثير على "فُعْلان". قالوا: "حَمَلٌ"، و"حُمْلانٌ"، و"سَلَقٌ"، و"سُلْقانٌ". والسَّلَقُ: المكان المطمئنّ. وقالوا: "بَرَقٌ"، و"بِرْقانٌ"، و"وَرَلٌ"، و"وِرْلانٌ"، كسّروه على "فِعْلان" بكسر الفاء، و"البَرَقُ": الحَمَلُ، و"الوَرَلُ": دُوَيْبَّةٌ تُشْبِه الضَّبَّ. وقالوا: "أسَدٌ"، و"أُسُدٌ"، وَ"وَثَنٌ" و"وُثُن"، وقد قرأ عَطاء بن أبي رَباح: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلّا أُثْنًا﴾ (١)، والمراد: وُثْنًا، فسُكّنت العين على حدّ "رُسُْلٍ"، و"كُتُْبٍ"، وقُلبِتْ الواو همزةٌ لانضمامها على حدّ قلبها في "أُقْتٍ"، و"أُجُوهٍ". وقد أنكر بعضهم أن يكون لفظُ الجمع أقل من لفظ الواحد، فتأوّله على أن يكون مخفَّفًا من "أُسُدٍ" مضمومَ العين، و"أُسُدٌ" مقصورٌ من "أُسُودٍ"، فأمّا "إزارٌ" و"أُزُرٌ"، فهو أيضًا مقصورٌ من "أُزُورٍ". ومثله قول الشاعر [من الرجز]: ٧١٦ - فيها عَيائيلُ أسودٌ ونُمُرْ وقد يُدْخلون الهاء على "فُعُولٍ" و"فِعالٍ" هنا، كما أدخلوها عليهما في تكسير "فَعْلٍ"، فيقولون: "ذُكُورَةٌ"، و"أُسُودَةٌ"، و"ذِكَارَةٌ"، و"جِمالَةٌ"، و"حِجارةٌ"، وقالوا: "حِجارٌ" أيضًا، وهو أقيسُ، و"حِجارَةٌ" أكثرُ. قال الشاعر [من البسيط]: ٧١٧ - كأنّه من حِجارِ الغَيْلِ لَبَّسَها ... مَضارِبُ الماءِ لَوْنَ الطُحْلُبِ اللَّزِبِ

стр. 1122

الغَيْل: الماء البخاري، واللَّزِبُ: اللازم. فأمّا ما كان منه مضاعفًا، فإنّه يلزم بناءَ أدنى العَدَد، ولا يُجاوِزه. قالوا: "لَبَبٌ"، و"ألْبابٌ"، و"مَدَدٌ"، و"أمْدادٌ"، و"فَنَنٌ"، و"أفْنانٌ"، اجتزؤوا في المضاعف ببناء القلّة عن بناء الكثرة، كما قالوا: "أرْسانٌ"، و"أقْلامٌ"، فاقتصروا على "أفْعالٍ"، ولم يجاوزوه. وأمّا "فَعِلٌ" بفتح الفاء وكسر العين، فإنّه يكسَّر على "أفْعالٍ". قالوا: "كَبِدٌ"، و"أكْبادٌ"، و"فَخِذٌ"، و"أفْخاذٌ"، و"نَمِرٌ"، و"أنْمارٌ". ولا يكادون يَتجاوزونها إلى بناء الكثرة، وذلك من قِبَل أنّ "فَعِلاً" أقلُّ من "فَعَل" بكثير، كما أنّ "فَعَلًا" أقلُّ من "فَعْل". والبناءُ إذا كثُر، توسّعوا في جمعه، ألا ترى أنّ "فَعْلًا" ساكنَ العين لمّا كان أكثرَ من "فَعَلٍ"، جاؤوا لمضاعفه ببناءِ قلّة وبناءِ كثرة، نحوٍ قولهم: "صَكٌّ"، و"أصُكٌّ"، و"صِكاكٌ"، و"صُكُوكٌ". ولم يجىءْ في مثل "مَدَدٍ"، و"فَنَنٍ": "مِدادٌ"، و"فِنانٌ"، ولا "مُدُودٌ"، و"فُنُونٌ". و"فَعِلٌ" أقلُّ من "فَعَلٍ"، فنقص تصرّفُه عنه بأن لزم بناءَ القلّة، ولم يتجاوزه، وقد قالوا: "النُّمُورُ"، و"الوُعُول". ولم يكثر فيه كثرتَه في "فَعَلٍ"، وإنما ذلك على التشبيه بـ"الأُسود". فأمّا "فَعُلٌ" بفتح الأوّل وضمّ الثاني، فهو كـ"فَعِلٍ" يأتي على "أفْعالٍ"، قالوا: "عَجُزٌ"، و"أعجازٌ"، و"عَضُدٌ"، و"أعْضادٌ"، ولم يتجاوزه إلى غيره، كما لم يتجاوز "فَعِلٌ"؛ لأنّ "فَعُلًا" مضمومَ العين، أقلُّ من "فَعِلٍ" مكسورَ العين. وإذا لم يُجاوِزوا "فَعِلًا" أدنَى العدد لقلّته، كان ذلك في "فَعُلٍ" أولى؛ لأنه أقلُّ. وقد قالوا: "رَجُلٌ" و"رِجالٌ"، و"سَبُعٌ"، و"سِباعٌ". جاؤوا به على "فِعالٍ" على التشبيه بـ"فَعَلٍ". وقد قالوا: "ثلاثةُ رِجْلَةٍ"، كأنّهم استغنوا بها عن "رِجالٍ"، وليس "رِجْلَةٌ" بتكسير "رَجُلٍ"، وإنّما هو اسمٌ للجمع. وأمّا "فِعْلٌ" بكسر الأوَّل وسكون الثاني، فإنّه يكسَّر في القلّة على "أفْعالٍ"، وفي الكثير على "فُعُولٍ"، و"فِعالٍ". و"فُعُولٌ" فيه أكثرُ، قالوا: "حِمْلٌ"، و"أحْمالٌ"، و"حُمُولٌ"، و"عِدْلٌ"، و"أعْدالٌ"، و"عُدُولٌ"، و"بِئْرٌ"، و"أبْآرٌ"، و"بِئارٌ"، و"ذِئْبٌ"، و"ذِئابٌ". ويجتزئون بـ"أفْعالٍ" عن "فُعُولٍ"، و"فِعالٍ". قالوا: "خِمسٌ"، و"أخْماسٌ". و"الخِمْسُ" من أظْماء الإبل، و"شِبْرٌ"، و"أشْبارٌ"، و"سِتْرٌ"، و"أسْتارٌ"، و"طِمْرٌ"، و"أطْمارٌ". استغنوا بـ"أفْعالٍ" هنا كما استغنوا بـ"أفْعالٍ" فيما تقدّم، نحوِ: "رَسنٍ"

стр. 1123

و"أرْسانٍ"، و"قَدَمٍ"، و"أقْدامٍ" عن بناء الكثرة، وكما استغنوا بـ "أفْعُلَ" في "كفِّ"، و"أكُفّ" ولم يتجاوزوه. وقد جاؤوا به على "فِعَلَةَ". قالوا: "قِرْدٌ"، و"قِرَدَةٌ"، و"حِسْلٌ"، و"حِسَلَةٌ". والحِسْلُ: ولد الضَّبّ، جعلوه للقليل، قالوا: "ثلاثةُ قِرَدَةٍ"، كأنّهم استغنوا بـ"قِرَدَةٍ" عن "أقْرادٍ". وقد كسّروه على "فُعْلانَ" بضم الفاء، قالوا "ذِئْبٌ"، و"ذُؤْبانٌ"، و"صِرْمٌ"، و"صُرْمانٌ"، وعلى "فِعْلان" بكسر الفاء، قالوا: "رِئْدٌ"، و"رِئْوانٌ"، والرِّئْدُ: التِّرْبُ، و"شِقْذٌ"، و"شِقْذانٌ"، وهو فَرْخ العَظاء والحِرْباءِ. وقالوا: "صِنْوٌ"، و"صِنْوانٌ"، و"قِنْوٌ" (١)، و"قِنْوانٌ"، وقد يُضَمّان، فيقال: "صُنْوان"، و"قُنْوانٌ". وكثُر في كلامهم، فهو في الكثرة عديلُ "فَلْسٍ"، و"كَعْبٍ"، فلذلك توسّعوا في أبنية تكسيره. وقد يجيء في القلّة على "أفْعُل"، وذلك قليل يُسمع ولا يُقاس عليه، قالوا: "ذِئْبٌ"، و"أذْؤُبٌ"، و"قِطْعٌ"، و"أقْطُعٌ". والقِطْعُ: نَضل عريض يصير للسَّهْم. وقالوا: "قِدْرٌ"، و"أقْدُرٌ". وأنكر الجَرْميّ "أقْدُرٌ". وقالوا: "جِرْوٌ" و"أجْرٍ"، و"رِجْلٌ" و"أرْجُلٌ"، ولم يتجاوزوا "أرْجُلاً" إلى غيره من جموع الكثرة، كما لم يتجاوزوا "أكُفّا". فأمّا "فِعَلٌ" بكسر الفاء وفتح العين، فإنّه في القلّة على "أفْعالٍ"، نحوِ: "عِنَبٍ"، و"أعْنابٍ"، و"ضِلَعٍ"، و"أضْلاعٍ"، و"مِعًا"، و"أمْعاءٍ"، و"إرَم"، و"آرامٍ"، والإرَمُ: العَلَم في الطريق. وفي الكثير: "فُعُولٌ"، قالوا: "ضُلُوعٌ"، و"أُرُومٌ"، ولم يقولوا: "عُنُوبٌ"، ولا "مُعِيّ"، اجْتَزؤوا عنه بمثال القلّة، كما اكتفوا بـ"أرْسانٍ" عن "رُسُونٍ". وقد قالوا في القلّة: "أضْلُعٌ"، شبْهوه بـ"أزْمُنٍ"، أو لأنّه عَظْمٌ قالوا: "أضْلُعٌ"، كما قالوا: "أعْظُمٌ". فأمّا "فِعِلٌ" بكسر الفاء والعين، فتكسيرُه في القلّة على "أفَعالٍ". قالوا: "إبِلٌ"، و"آبالٌ"، و"إطِلٌ"، و"آطالٌ"، والإطلُ: الخاصِرَةُ، ولم يتجاوزوه إلى غيره، بل اكتفوا بهذا المثال عن مثال الكثرة، لقلّته في كلامهم، ولم يتوسّعوا فيه. وأمّا "فُعْلٌ" بضمّ الفاء وسكون العين، نحوُ: "قُفْلٍ"، و"بُرْدٍ"؛ فبابُه أن يجيء في القلّة على "أفْعالٍ"، نحوِ: "أقْفالٍ"، و"أبْرادٍ"، ويُجمع في الكثرة على "فُعُولٍ"، و"فِعالٍ". و"فُعُولٌ" أكثرُ فيه، قالوا: "بُرْدٌ"، و"بُرُودٌ"، و"أبْرادٌ"، و"بُرْجٌ"، و"بُرُوجٌ"، و"أبْراجٌ"، و"جُنْدٌ"، و"جُنُودٌ" و"أجْنادٌ". وأمّا مجيئُه على "فِعالٍ"، فقالوا: "جُمْدٌ"، و"أجْمدٌ"، و"جِمادٌ"، والجُمْدُ: الأرض المرتفعة، و"قُرْطٌ"، و"قِراطٌ"، و"أقْراطٌ". و"فِعالٌ" في المضاعف أكثرُ. قالوا: "قُفٌّ"، و"قِفافٌ" لِما ارتفع من الأرض، وقالوا: "خُفٌّ"، و"خِفافٌ"، و"أخْفافٌ" في القلّة، و"خُصٌّ"، و"أخْصاصٌ"، و"خِصاصٌ"، و"عُشٌّ"،

стр. 1124

و"عِشاشٌ"، و"أعْشاشٌ"، وقالوا: "عُشُوشٌ" أيضًا قال رؤبة [من الرجز]: لِصِبْيَةٍ كَأَفْراخِ العشوش (١) وقالوا في المعتل: مدى و"أمْداء"، ولم يتجاوزوه لقلّته وقد كسروه أيضًا على "فِعَلَة". قالوا: "جُحْرٌ"، و"أجْحارٌ"، و"جِحَرَةٌ"، و"قُلْبٌ"، و"أقْلابٌ"، و"قِلَبَةٌ"، وقالوا: "خُرْجٌ"، و"خَرَجَةٌ"، ولم يقولوا: "أخْراجٌ"، وقالوا: "رُكْنٌ"، و"أرْكانٌ"، و"جُزْءٌ"، و"أجْزاءٌ"، ولم يجاوزوه كما لم يجاوزوا "خِرَجَة". وقد كسّروا حرفًا منه على "فُعْلٍ" كما كسّروا عليه "فَعَلٌ" بفتح العين، قالوا: "الفُلْكُ" للواحد والجمع. قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٣)، فَجَعَلَه جمعًا كأنّهم حملوا "فُعْلاً" على "فَعَلٍ"؛ لأنّ "فُعْلًا" يكون جمعًا لـ"فَعَلٍ"، نحوَ: "أسَدٍ"، و"أُسْدٍ". و"فُعْلٌ"، و"فَعَلٌ" قد يشتركان في "أفْعالٍ". نحوِ: "صُلْبٍ"، و"أصْلابٍ"، و"أسَدٍ"، و"آسادٍ"، فشُورك بينهما في هذا الضرب من الجمع، فـ "الفلْكُ" إذا أُريد به الواحدُ، فبمنزلة "قُفْلٍ"، وإذا أُريد به الجمعُ، فهو بمنزلة "أسْدٍ". وكثُر توسُّعُهم في هذا البناء لكثرته في كلامهم، فهو في الكثرة قريبٌ من كثرة "فَلْسٍ" و"كَعْبٍ". وأمّا "فُعَلٌ" بضمّ الفاء، وفتح العين نحوُ "صُرَدٍ"، و"صِرْدانٍ"، و"جُرَذٍ"، و"جِرْذانٍ"، فقد تقدّم ذكرُه، وقد شَذَّ منه: "رُبَعٌ" و"أرْباعٌ"، و"الرُّبَعُ" من الإبل: ما نُتج في الربيع، و"رُطَبٌ" و"أرْطابٌ"، وإنّما قالوا ذلك, لأنّ "الرُّبَع" جَمَلٌ، فجمعوه جمعَه، و"الرُّطَبُ" ثَمَرٌ، فكسّروه تكسيرَه مع أنّه ليس بواحدٍ، وإنّما هو جمعُ "رُطَبَةٍ". وأمّا "فُعُلٌ" بضمّ الفاء والعين نحوُ: "عُنُقٍ" و"طُنُبٍ" و"أُذُنٍ"، فهو قليل كـ"فِعَلٍ"، نحوِ: ضِلَع. قالوا فيه: "عُنُقٌ"، و"أعْناقٌ"، و"أُذُنٌ"، و"آذانٌ"، فلم يجاوزوه إلى غيره لقلّته، كما لم يجاوزوا "إبِلًا" و"آبالًا" وبابَه فاعرفه. فجميعُ أبنية جموع الثلاثيّ عشرةٌ على ما ذكرنا، منها خمسةُ أبنية مَقيسةٍ مطّرِدةٍ، وهي "أفْعُلُ"، و"أفْعالٌ" و"فُعُولٌ"، و"فِعالٌ"، و"فِعْلانُ". فأمّا "أفْعُلُ" و"أفْعالٌ" فبناءان للقليل، وأمّا "فُعُولٌ" و"فِعالٌ" فأخوان، وهما للكثير، و"فُعُولَةُ" و"فِعالَةُ" مؤنَّثاهما يجريان مجراهما، وليس "أفْعُل" و"أفْعَالٌ" أخوَيْنِ؛ لأنّ ما يجيء فيه "فُعُولٌ" يجيء فيه "فِعَالٌ" بعينه، وليس كذلك "أفْعُل" و"أفْعالٌ"، وباقي الأمثلة شاذّةٌ من جهة الاستعمال، وبعضُها أكثرُ من بعض. وقوله: "فأفْعالٌ أعَمُّها"، يريد: أعمّها استعمالًا؛ لأنه ورد في الأبنية العشرة، وهو شاذّ في بناءَيْن منها، وذلك قولهم: "أفْراخٌ" و"أرْآدٌ"، و"أرْباعٌ" و"أرْطابٌ"، مطّردٌ في الباقي.

стр. 1125

ثم "فُعالٌ" أكثرُ من بقيّة الأبنية؛ لأنّه يرد في ستّة أمثلة في "فَعْلٍ" مفتوحَ الأوّل ساكنَ الثاني، نحوِ: "كِباشٍ"، و"زِنادٍ"، وفي "فِعْلٍ" بكسر الفاء، نحوِ: "قِدْح"، و"قِداح"، و"فُعْلٍ" بضمّ الفاء، نحوِ: "خُفّ"، و"خِفافٍ"، وفي "فَعَلٍ" بفتح الأوّل والثاني، نحوِ: "جَمَلٍ" و"جِمالٍ"، وفي "فُعَلٍ" بضمّ الأوّل وفتح الثاني، نحوِ: "رُبَعٍ" و"رِباعٍ"، وفي "فَعْلٍ" بضمّ الثاني، نحوِ: "سَبُعٍ" و"سِباعٍ". ثمّ "فُعُولٌ" بعد "فِعالٍ" في الكثرة، ترد في خمسة أمثلة، قالوا: "فُلُوسٌ" في جمع "فَلْسٍ"، و"عُرُوقٌ" في جمع "عِرْقٍ"، و"جُرُوحٌ" في جمع "جُرْحٍ"، فهذه ثلاثةُ أمثلةٍ ساكنةُ العين متحرّكةُ الفاء بالحركات الثلاث، وقالوا: "أُسُود" و"نُمُورٌ" في جمع "أسَدٍ" و"نَمِرٍ". و"فِعْلانُ" مقاربٌ في الكثرة لـ"فُعُولٍ". قالوا: "رِئْلانٌ"، و"صِنْوانٌ"، و"عِيدانٌ"، و"خِرْبانٌ"، و"صِرْدانٌ"، في جمع "رَأْلٍ"، و"صِنْوٍ"، و"عُودٍ"، و"خَرَبٍ"، و"صُرَدٍ". ثم "أفْعُلٌ" في الكثرة بعد "فِعْلان" ورد في أربع أمثلة: قالوا: "أفْلُسٌ"، و"أرْجُلٌ"، و"أزْمُنٌ"، و"أضْلُعٌ"، في جمع "فَلْسٍ"، وَ"رِجْلٍ" و"زمَنٍ" و"ضِلْعٍ". و"فُعْلانٌ" مضمومَ الفاء، و"فِعَلَةٌ" بكسر الفاء وفتح العين، وهما متساويان في الكثرة، قالوا: "بُطْنانٌ"، و"ذُؤْبانٌ"، و"حُمْلانٌ"، في جمع "بَطْنٍ"، و"ذِئْبٍ"، و"حَمَلٍ"، وقالوا: "عِوَدَةٌ"، و"قِرَدَةٌ"، و"قِرَطَةٌ"، في جمع "عَوْدٍ"، وهو البَعيرُ الهرِمُ، و"قِرْدٍ"، و"قُرْطٍ"، وهو الحَلْقة في الأُذْن. وباقي الأمثلة متقاربةٌ في القلّة والكثرة، فأمّا "حِجْلَى" في جمع "حَجَلٍ"، فهو قليل لم يأت منه في الثلاثيّ، إلّا هذا المثالُ، ولذلك لم يذكره صاحب الكتاب مع أمثلة المجموع. قال الأصمعيّ: هو لغةٌ في "الحَجَل". والصحيحُ أنّه جمعٌ، ونظيرُه "ظِرْبَى" في جمع "ظَرِبانٍ" على زنة "قَطِرانٍ"، وهو دُوَيْبَّةٌ مُنْتِنَةٌ. والذي يدلّ أن "حِجْلَى"، و"ظِرْبَى" جمعان تأنيثُهما، يُقال: "هي الحِجْلَى والظِّرْبَى"، و"هو الحَجَلُ" حكى ذلك أبو زيد، ولو كان لغةً في "الحَجَل" كما قال الأصمعيّ، لكان مذكّرًا مثلَه. وقال أبو الحسن: "حِجْلى" يكون واحدًا، ويكون جمعًا كـ"الفُلْك" و"الهِجانِ". فعلى هذا يكون بناءً ثالثًا، فأمّا البيت الذي أنشده، وهو [من الكامل]: ارْحَمْ أُصَيْبِيَتِي الذين كأنّهم ... حِجْلَى تَدَرَّجُ في الشَّرَبَّةِ وُقّعُ (١) فهو لعبد الله بن الحَجّاج، والشاهدُ فيه استعمالُ "حِجْلَى" جمعًا. و"أصَيْبِيَتِي" تصغير "أصْبِيةٍ"، وهو جمع "صَبِيٍّ" كـ"رَغِيفٍ" و"أرْغِفَةٍ". وحقّره على لفظه، ولم يردّه إلى الواحد؛ لأنّه بناءُ قلّة. شَبَّهَ صِبْيَتَه لضُعْفهم عن الكَسْب بحجل تدرّج من أماكنه، ولا يَطِيرُ لعَجْزه عن الطَّيَران. والشَّرَبَّةُ: موضعٌ، وهو بناءٌ غريبٌ.
следующие страницы →