من الشاذّ في جمع "فَعْلٍ". وقد كسّروه في الكثير على "فُعْلان". قالوا: "حَمَلٌ"، و"حُمْلانٌ"، و"سَلَقٌ"، و"سُلْقانٌ". والسَّلَقُ: المكان المطمئنّ. وقالوا: "بَرَقٌ"، و"بِرْقانٌ"، و"وَرَلٌ"، و"وِرْلانٌ"، كسّروه على "فِعْلان" بكسر الفاء، و"البَرَقُ": الحَمَلُ، و"الوَرَلُ": دُوَيْبَّةٌ تُشْبِه الضَّبَّ. وقالوا: "أسَدٌ"، و"أُسُدٌ"، وَ"وَثَنٌ" و"وُثُن"، وقد قرأ عَطاء بن أبي رَباح: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلّا أُثْنًا﴾ (١)، والمراد: وُثْنًا، فسُكّنت العين على حدّ "رُسُْلٍ"، و"كُتُْبٍ"، وقُلبِتْ الواو همزةٌ لانضمامها على حدّ قلبها في "أُقْتٍ"، و"أُجُوهٍ".
وقد أنكر بعضهم أن يكون لفظُ الجمع أقل من لفظ الواحد، فتأوّله على أن يكون مخفَّفًا من "أُسُدٍ" مضمومَ العين، و"أُسُدٌ" مقصورٌ من "أُسُودٍ"، فأمّا "إزارٌ" و"أُزُرٌ"، فهو أيضًا مقصورٌ من "أُزُورٍ". ومثله قول الشاعر [من الرجز]:
٧١٦ - فيها عَيائيلُ أسودٌ ونُمُرْ
وقد يُدْخلون الهاء على "فُعُولٍ" و"فِعالٍ" هنا، كما أدخلوها عليهما في تكسير "فَعْلٍ"، فيقولون: "ذُكُورَةٌ"، و"أُسُودَةٌ"، و"ذِكَارَةٌ"، و"جِمالَةٌ"، و"حِجارةٌ"، وقالوا: "حِجارٌ" أيضًا، وهو أقيسُ، و"حِجارَةٌ" أكثرُ. قال الشاعر [من البسيط]:
٧١٧ - كأنّه من حِجارِ الغَيْلِ لَبَّسَها ... مَضارِبُ الماءِ لَوْنَ الطُحْلُبِ اللَّزِبِ
стр. 1122
الغَيْل: الماء البخاري، واللَّزِبُ: اللازم. فأمّا ما كان منه مضاعفًا، فإنّه يلزم بناءَ أدنى العَدَد، ولا يُجاوِزه. قالوا: "لَبَبٌ"، و"ألْبابٌ"، و"مَدَدٌ"، و"أمْدادٌ"، و"فَنَنٌ"، و"أفْنانٌ"، اجتزؤوا في المضاعف ببناء القلّة عن بناء الكثرة، كما قالوا: "أرْسانٌ"، و"أقْلامٌ"، فاقتصروا على "أفْعالٍ"، ولم يجاوزوه.
وأمّا "فَعِلٌ" بفتح الفاء وكسر العين، فإنّه يكسَّر على "أفْعالٍ". قالوا: "كَبِدٌ"، و"أكْبادٌ"، و"فَخِذٌ"، و"أفْخاذٌ"، و"نَمِرٌ"، و"أنْمارٌ". ولا يكادون يَتجاوزونها إلى بناء الكثرة، وذلك من قِبَل أنّ "فَعِلاً" أقلُّ من "فَعَل" بكثير، كما أنّ "فَعَلًا" أقلُّ من "فَعْل". والبناءُ إذا كثُر، توسّعوا في جمعه، ألا ترى أنّ "فَعْلًا" ساكنَ العين لمّا كان أكثرَ من "فَعَلٍ"، جاؤوا لمضاعفه ببناءِ قلّة وبناءِ كثرة، نحوٍ قولهم: "صَكٌّ"، و"أصُكٌّ"، و"صِكاكٌ"، و"صُكُوكٌ". ولم يجىءْ في مثل "مَدَدٍ"، و"فَنَنٍ": "مِدادٌ"، و"فِنانٌ"، ولا "مُدُودٌ"، و"فُنُونٌ". و"فَعِلٌ" أقلُّ من "فَعَلٍ"، فنقص تصرّفُه عنه بأن لزم بناءَ القلّة، ولم يتجاوزه، وقد قالوا: "النُّمُورُ"، و"الوُعُول". ولم يكثر فيه كثرتَه في "فَعَلٍ"، وإنما ذلك على التشبيه بـ"الأُسود".
فأمّا "فَعُلٌ" بفتح الأوّل وضمّ الثاني، فهو كـ"فَعِلٍ" يأتي على "أفْعالٍ"، قالوا: "عَجُزٌ"، و"أعجازٌ"، و"عَضُدٌ"، و"أعْضادٌ"، ولم يتجاوزه إلى غيره، كما لم يتجاوز "فَعِلٌ"؛ لأنّ "فَعُلًا" مضمومَ العين، أقلُّ من "فَعِلٍ" مكسورَ العين. وإذا لم يُجاوِزوا "فَعِلًا" أدنَى العدد لقلّته، كان ذلك في "فَعُلٍ" أولى؛ لأنه أقلُّ. وقد قالوا: "رَجُلٌ" و"رِجالٌ"، و"سَبُعٌ"، و"سِباعٌ". جاؤوا به على "فِعالٍ" على التشبيه بـ"فَعَلٍ". وقد قالوا: "ثلاثةُ رِجْلَةٍ"، كأنّهم استغنوا بها عن "رِجالٍ"، وليس "رِجْلَةٌ" بتكسير "رَجُلٍ"، وإنّما هو اسمٌ للجمع.
وأمّا "فِعْلٌ" بكسر الأوَّل وسكون الثاني، فإنّه يكسَّر في القلّة على "أفْعالٍ"، وفي الكثير على "فُعُولٍ"، و"فِعالٍ". و"فُعُولٌ" فيه أكثرُ، قالوا: "حِمْلٌ"، و"أحْمالٌ"، و"حُمُولٌ"، و"عِدْلٌ"، و"أعْدالٌ"، و"عُدُولٌ"، و"بِئْرٌ"، و"أبْآرٌ"، و"بِئارٌ"، و"ذِئْبٌ"، و"ذِئابٌ".
ويجتزئون بـ"أفْعالٍ" عن "فُعُولٍ"، و"فِعالٍ". قالوا: "خِمسٌ"، و"أخْماسٌ". و"الخِمْسُ" من أظْماء الإبل، و"شِبْرٌ"، و"أشْبارٌ"، و"سِتْرٌ"، و"أسْتارٌ"، و"طِمْرٌ"، و"أطْمارٌ". استغنوا بـ"أفْعالٍ" هنا كما استغنوا بـ"أفْعالٍ" فيما تقدّم، نحوِ: "رَسنٍ"
стр. 1123
و"أرْسانٍ"، و"قَدَمٍ"، و"أقْدامٍ" عن بناء الكثرة، وكما استغنوا بـ "أفْعُلَ" في "كفِّ"، و"أكُفّ" ولم يتجاوزوه.
وقد جاؤوا به على "فِعَلَةَ". قالوا: "قِرْدٌ"، و"قِرَدَةٌ"، و"حِسْلٌ"، و"حِسَلَةٌ". والحِسْلُ: ولد الضَّبّ، جعلوه للقليل، قالوا: "ثلاثةُ قِرَدَةٍ"، كأنّهم استغنوا بـ"قِرَدَةٍ" عن "أقْرادٍ".
وقد كسّروه على "فُعْلانَ" بضم الفاء، قالوا "ذِئْبٌ"، و"ذُؤْبانٌ"، و"صِرْمٌ"، و"صُرْمانٌ"، وعلى "فِعْلان" بكسر الفاء، قالوا: "رِئْدٌ"، و"رِئْوانٌ"، والرِّئْدُ: التِّرْبُ، و"شِقْذٌ"، و"شِقْذانٌ"، وهو فَرْخ العَظاء والحِرْباءِ. وقالوا: "صِنْوٌ"، و"صِنْوانٌ"، و"قِنْوٌ" (١)، و"قِنْوانٌ"، وقد يُضَمّان، فيقال: "صُنْوان"، و"قُنْوانٌ". وكثُر في كلامهم، فهو في الكثرة عديلُ "فَلْسٍ"، و"كَعْبٍ"، فلذلك توسّعوا في أبنية تكسيره.
وقد يجيء في القلّة على "أفْعُل"، وذلك قليل يُسمع ولا يُقاس عليه، قالوا: "ذِئْبٌ"، و"أذْؤُبٌ"، و"قِطْعٌ"، و"أقْطُعٌ". والقِطْعُ: نَضل عريض يصير للسَّهْم. وقالوا: "قِدْرٌ"، و"أقْدُرٌ". وأنكر الجَرْميّ "أقْدُرٌ". وقالوا: "جِرْوٌ" و"أجْرٍ"، و"رِجْلٌ" و"أرْجُلٌ"، ولم يتجاوزوا "أرْجُلاً" إلى غيره من جموع الكثرة، كما لم يتجاوزوا "أكُفّا".
فأمّا "فِعَلٌ" بكسر الفاء وفتح العين، فإنّه في القلّة على "أفْعالٍ"، نحوِ: "عِنَبٍ"، و"أعْنابٍ"، و"ضِلَعٍ"، و"أضْلاعٍ"، و"مِعًا"، و"أمْعاءٍ"، و"إرَم"، و"آرامٍ"، والإرَمُ: العَلَم في الطريق. وفي الكثير: "فُعُولٌ"، قالوا: "ضُلُوعٌ"، و"أُرُومٌ"، ولم يقولوا: "عُنُوبٌ"، ولا "مُعِيّ"، اجْتَزؤوا عنه بمثال القلّة، كما اكتفوا بـ"أرْسانٍ" عن "رُسُونٍ". وقد قالوا في القلّة: "أضْلُعٌ"، شبْهوه بـ"أزْمُنٍ"، أو لأنّه عَظْمٌ قالوا: "أضْلُعٌ"، كما قالوا: "أعْظُمٌ".
فأمّا "فِعِلٌ" بكسر الفاء والعين، فتكسيرُه في القلّة على "أفَعالٍ". قالوا: "إبِلٌ"، و"آبالٌ"، و"إطِلٌ"، و"آطالٌ"، والإطلُ: الخاصِرَةُ، ولم يتجاوزوه إلى غيره، بل اكتفوا بهذا المثال عن مثال الكثرة، لقلّته في كلامهم، ولم يتوسّعوا فيه.
وأمّا "فُعْلٌ" بضمّ الفاء وسكون العين، نحوُ: "قُفْلٍ"، و"بُرْدٍ"؛ فبابُه أن يجيء في القلّة على "أفْعالٍ"، نحوِ: "أقْفالٍ"، و"أبْرادٍ"، ويُجمع في الكثرة على "فُعُولٍ"، و"فِعالٍ". و"فُعُولٌ" أكثرُ فيه، قالوا: "بُرْدٌ"، و"بُرُودٌ"، و"أبْرادٌ"، و"بُرْجٌ"، و"بُرُوجٌ"، و"أبْراجٌ"، و"جُنْدٌ"، و"جُنُودٌ" و"أجْنادٌ". وأمّا مجيئُه على "فِعالٍ"، فقالوا: "جُمْدٌ"، و"أجْمدٌ"، و"جِمادٌ"، والجُمْدُ: الأرض المرتفعة، و"قُرْطٌ"، و"قِراطٌ"، و"أقْراطٌ".
و"فِعالٌ" في المضاعف أكثرُ. قالوا: "قُفٌّ"، و"قِفافٌ" لِما ارتفع من الأرض، وقالوا: "خُفٌّ"، و"خِفافٌ"، و"أخْفافٌ" في القلّة، و"خُصٌّ"، و"أخْصاصٌ"، و"خِصاصٌ"، و"عُشٌّ"،
стр. 1124
و"عِشاشٌ"، و"أعْشاشٌ"، وقالوا: "عُشُوشٌ" أيضًا قال رؤبة [من الرجز]:
لِصِبْيَةٍ كَأَفْراخِ العشوش (١)
وقالوا في المعتل: مدى و"أمْداء"، ولم يتجاوزوه لقلّته وقد كسروه أيضًا على "فِعَلَة". قالوا: "جُحْرٌ"، و"أجْحارٌ"، و"جِحَرَةٌ"، و"قُلْبٌ"، و"أقْلابٌ"، و"قِلَبَةٌ"، وقالوا: "خُرْجٌ"، و"خَرَجَةٌ"، ولم يقولوا: "أخْراجٌ"، وقالوا: "رُكْنٌ"، و"أرْكانٌ"، و"جُزْءٌ"، و"أجْزاءٌ"، ولم يجاوزوه كما لم يجاوزوا "خِرَجَة".
وقد كسّروا حرفًا منه على "فُعْلٍ" كما كسّروا عليه "فَعَلٌ" بفتح العين، قالوا: "الفُلْكُ" للواحد والجمع. قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٣)، فَجَعَلَه جمعًا كأنّهم حملوا "فُعْلاً" على "فَعَلٍ"؛ لأنّ "فُعْلًا" يكون جمعًا لـ"فَعَلٍ"، نحوَ: "أسَدٍ"، و"أُسْدٍ".
و"فُعْلٌ"، و"فَعَلٌ" قد يشتركان في "أفْعالٍ". نحوِ: "صُلْبٍ"، و"أصْلابٍ"، و"أسَدٍ"، و"آسادٍ"، فشُورك بينهما في هذا الضرب من الجمع، فـ "الفلْكُ" إذا أُريد به الواحدُ، فبمنزلة "قُفْلٍ"، وإذا أُريد به الجمعُ، فهو بمنزلة "أسْدٍ". وكثُر توسُّعُهم في هذا البناء لكثرته في كلامهم، فهو في الكثرة قريبٌ من كثرة "فَلْسٍ" و"كَعْبٍ".
وأمّا "فُعَلٌ" بضمّ الفاء، وفتح العين نحوُ "صُرَدٍ"، و"صِرْدانٍ"، و"جُرَذٍ"،
و"جِرْذانٍ"، فقد تقدّم ذكرُه، وقد شَذَّ منه: "رُبَعٌ" و"أرْباعٌ"، و"الرُّبَعُ" من الإبل: ما نُتج في الربيع، و"رُطَبٌ" و"أرْطابٌ"، وإنّما قالوا ذلك, لأنّ "الرُّبَع" جَمَلٌ، فجمعوه جمعَه، و"الرُّطَبُ" ثَمَرٌ، فكسّروه تكسيرَه مع أنّه ليس بواحدٍ، وإنّما هو جمعُ "رُطَبَةٍ".
وأمّا "فُعُلٌ" بضمّ الفاء والعين نحوُ: "عُنُقٍ" و"طُنُبٍ" و"أُذُنٍ"، فهو قليل كـ"فِعَلٍ"، نحوِ: ضِلَع. قالوا فيه: "عُنُقٌ"، و"أعْناقٌ"، و"أُذُنٌ"، و"آذانٌ"، فلم يجاوزوه إلى غيره لقلّته، كما لم يجاوزوا "إبِلًا" و"آبالًا" وبابَه فاعرفه. فجميعُ أبنية جموع الثلاثيّ عشرةٌ على ما ذكرنا، منها خمسةُ أبنية مَقيسةٍ مطّرِدةٍ، وهي "أفْعُلُ"، و"أفْعالٌ" و"فُعُولٌ"، و"فِعالٌ"، و"فِعْلانُ". فأمّا "أفْعُلُ" و"أفْعالٌ" فبناءان للقليل، وأمّا "فُعُولٌ" و"فِعالٌ" فأخوان، وهما للكثير، و"فُعُولَةُ" و"فِعالَةُ" مؤنَّثاهما يجريان مجراهما، وليس "أفْعُل" و"أفْعَالٌ" أخوَيْنِ؛ لأنّ ما يجيء فيه "فُعُولٌ" يجيء فيه "فِعَالٌ" بعينه، وليس كذلك "أفْعُل" و"أفْعالٌ"، وباقي الأمثلة شاذّةٌ من جهة الاستعمال، وبعضُها أكثرُ من بعض.
وقوله: "فأفْعالٌ أعَمُّها"، يريد: أعمّها استعمالًا؛ لأنه ورد في الأبنية العشرة، وهو شاذّ في بناءَيْن منها، وذلك قولهم: "أفْراخٌ" و"أرْآدٌ"، و"أرْباعٌ" و"أرْطابٌ"، مطّردٌ في الباقي.
стр. 1125
ثم "فُعالٌ" أكثرُ من بقيّة الأبنية؛ لأنّه يرد في ستّة أمثلة في "فَعْلٍ" مفتوحَ الأوّل ساكنَ الثاني، نحوِ: "كِباشٍ"، و"زِنادٍ"، وفي "فِعْلٍ" بكسر الفاء، نحوِ: "قِدْح"، و"قِداح"، و"فُعْلٍ" بضمّ الفاء، نحوِ: "خُفّ"، و"خِفافٍ"، وفي "فَعَلٍ" بفتح الأوّل والثاني، نحوِ: "جَمَلٍ" و"جِمالٍ"، وفي "فُعَلٍ" بضمّ الأوّل وفتح الثاني، نحوِ: "رُبَعٍ" و"رِباعٍ"، وفي "فَعْلٍ" بضمّ الثاني، نحوِ: "سَبُعٍ" و"سِباعٍ".
ثمّ "فُعُولٌ" بعد "فِعالٍ" في الكثرة، ترد في خمسة أمثلة، قالوا: "فُلُوسٌ" في جمع "فَلْسٍ"، و"عُرُوقٌ" في جمع "عِرْقٍ"، و"جُرُوحٌ" في جمع "جُرْحٍ"، فهذه ثلاثةُ أمثلةٍ ساكنةُ العين متحرّكةُ الفاء بالحركات الثلاث، وقالوا: "أُسُود" و"نُمُورٌ" في جمع "أسَدٍ" و"نَمِرٍ".
و"فِعْلانُ" مقاربٌ في الكثرة لـ"فُعُولٍ". قالوا: "رِئْلانٌ"، و"صِنْوانٌ"، و"عِيدانٌ"، و"خِرْبانٌ"، و"صِرْدانٌ"، في جمع "رَأْلٍ"، و"صِنْوٍ"، و"عُودٍ"، و"خَرَبٍ"، و"صُرَدٍ".
ثم "أفْعُلٌ" في الكثرة بعد "فِعْلان" ورد في أربع أمثلة: قالوا: "أفْلُسٌ"، و"أرْجُلٌ"، و"أزْمُنٌ"، و"أضْلُعٌ"، في جمع "فَلْسٍ"، وَ"رِجْلٍ" و"زمَنٍ" و"ضِلْعٍ".
و"فُعْلانٌ" مضمومَ الفاء، و"فِعَلَةٌ" بكسر الفاء وفتح العين، وهما متساويان في الكثرة، قالوا: "بُطْنانٌ"، و"ذُؤْبانٌ"، و"حُمْلانٌ"، في جمع "بَطْنٍ"، و"ذِئْبٍ"، و"حَمَلٍ"، وقالوا: "عِوَدَةٌ"، و"قِرَدَةٌ"، و"قِرَطَةٌ"، في جمع "عَوْدٍ"، وهو البَعيرُ الهرِمُ، و"قِرْدٍ"، و"قُرْطٍ"، وهو الحَلْقة في الأُذْن.
وباقي الأمثلة متقاربةٌ في القلّة والكثرة، فأمّا "حِجْلَى" في جمع "حَجَلٍ"، فهو قليل لم يأت منه في الثلاثيّ، إلّا هذا المثالُ، ولذلك لم يذكره صاحب الكتاب مع أمثلة المجموع. قال الأصمعيّ: هو لغةٌ في "الحَجَل". والصحيحُ أنّه جمعٌ، ونظيرُه "ظِرْبَى" في جمع "ظَرِبانٍ" على زنة "قَطِرانٍ"، وهو دُوَيْبَّةٌ مُنْتِنَةٌ. والذي يدلّ أن "حِجْلَى"، و"ظِرْبَى" جمعان تأنيثُهما، يُقال: "هي الحِجْلَى والظِّرْبَى"، و"هو الحَجَلُ" حكى ذلك أبو زيد، ولو كان لغةً في "الحَجَل" كما قال الأصمعيّ، لكان مذكّرًا مثلَه. وقال أبو الحسن: "حِجْلى" يكون واحدًا، ويكون جمعًا كـ"الفُلْك" و"الهِجانِ". فعلى هذا يكون بناءً ثالثًا، فأمّا البيت الذي أنشده، وهو [من الكامل]:
ارْحَمْ أُصَيْبِيَتِي الذين كأنّهم ... حِجْلَى تَدَرَّجُ في الشَّرَبَّةِ وُقّعُ (١)
فهو لعبد الله بن الحَجّاج، والشاهدُ فيه استعمالُ "حِجْلَى" جمعًا. و"أصَيْبِيَتِي" تصغير "أصْبِيةٍ"، وهو جمع "صَبِيٍّ" كـ"رَغِيفٍ" و"أرْغِفَةٍ". وحقّره على لفظه، ولم يردّه إلى الواحد؛ لأنّه بناءُ قلّة. شَبَّهَ صِبْيَتَه لضُعْفهم عن الكَسْب بحجل تدرّج من أماكنه، ولا يَطِيرُ لعَجْزه عن الطَّيَران. والشَّرَبَّةُ: موضعٌ، وهو بناءٌ غريبٌ.
стр. 1126
فصل [أوزان جمع الثلاثي المجرد الذي لحقته تاء التأنيث]
قال صاحب الكتاب: وما لحقته من ذلك تاء التأنيث, فأمثلة تكسيره "فِعالٌ"، "فُعُولٌ", "أفْعُلٌ، "فِعَلٌ"، "فُعَلٌ"، "فُعْلٌ". نحو: "قصاعٍ", و"لقاح", و"برام", و"رقاب", و"بدور" و"حجوز" و"أنعم", و"أينق" و"بدرٍ", و"لقح" و"تير", و"معد" و"نُوَبٍ" و"بُرَق" و"تخم" و"بُدن".
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما لحقتْه التاءُ من الثلاثيّ ستّةُ أبنية: "فَعْلَةُ" بفتح الأوّل وسكون الثاني، و"فَعَلَةُ" بفتح الأوّل والثاني، و"فَعِلَةُ" بفتح الأوّل وكسر الثاني، و"فُعْلَةُ" بضمّ الأوّل وسكون الثاني، و"فِعْلَةُ" بكسر الأوّل وسكون الثاني، و"فُعَلَةُ" بضمّ الأوّل وفتح الثاني.
فأمّا الأوّل، وهو "فَعْلَةُ"، فجمعُه لأدنى العدد بالألف والتاء، نحوُ: "قَصْعَةٍ"، و"قَصَعاتٍ"، و"جَفْنَة"، و"جَفَنات"، و"صَحْفَة"، و"صَحَفات". وإذا أردت الكثيرَ، كسّرته على "فِعالٍ"، وذلك: "قَصْعةٌ"، و"قِصاعٌ"، و"جَفْنَةٌ"، و"جِفانٌ"، و"صَحْفَةٌ"، و"صِحافٌ". هذا هو الباب، وقد يجيء على "فُعولٍ". قالوا: "بَدْرَةٌ"، و"بُدُورٌ"، و"مَأنَةٌ"، و"مُؤُونٌ"، و"المَأنَةُ". أسفلُ البطن. أدخلوا "فُعُولًا" على "فِعالٍ"، لأنهما أُختان، كما دخلت عليها في جمع "فَعْلٍ"، نحوِ: "فَلْسٍ"، و"فُلُوسٍ"، إلّا أنّ "فُعُولاً" في جمع "فَعْلَةَ" قليلٌ، وفي "جمع فَعْلٍ" كثيرٌ، وذلك لأنّ "فَعْلًا" أخفُّ من "فَعْلَة" وأكثرُ استعمالًا، فكانت أكثرَ تصرُّفًا.
وإنّما اختصّ "فَعْلَةُ" بـ"فِعالٍ"؛ لأنّه أخفُّ البناءَيْن، والمعتل والمضاعف في ذلك كالصحيح، قالوا في المعتل العين: "ضَيْعَةٌ"، و"ضَيْعاتٌ"، و"ضِياعٌ"، و"عَيْبَةٌ"، و"عَيْباتٌ"، و"عِيابٌ"، وقالوا: "رَوْضةٌ"، و"رَوْضاتٌ"، و"رِياضٌ"، قال الله تعالى: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ (١).
وقالوا في المعتلّ اللام: "ظَبْيَةٌ"، و"ظَبَياتٌ"، و"ظِباءٌ"، و"رَكْوَةٌ"، و"رَكَواتٌ"، و"رِكاءٌ"، و"قَشْوَةٌ"، و"قَشَواتٌ"، و"قِشاءٌ"، وربّما كسّروه على "فُعَلٍ". قالوا: "نَوْبَةٌ"، و"نُوَبٌ"، و"جَوْنَةٌ"، و"جُوَنٌ"، ومثله "قَرْيَةٌ"، و"قُرّى". وليس ذلك بقياس مطّرد، إنّما هو محمول على غيره، حملوه على "فُعْلَةَ"، حيث قالوا: "غُرَفٌ" و"ظُلَمٌ"، كما حملوا "فَعْلًا" ساكنَ العين على "فُعَلٍ"، فجمعوه على "فِعْلان". قالوا: "حَشٌّ"، و"حِشّانٌ"،
стр. 1127
و"عَبدٌ"، و"عِبْدانٌ"، و"صُرَدٌ"، و"صِرْدانٌ"، و"نُغَرٌ"، و"نِغْرانٌ". وقد يجيء على "فِعَلٍ" بكسر الفاء وفتح العين، قالوا: "خَيْمَةٌ"، و"خِيَمٌ"، و"هَضْبَةٌ"، و"هِضَبٌ"، و"جَفْنَةٌ"، و"جِفَنٌ". وليس ذلك أيضًا بقياس، إنما هو مقصور من "فِعالٍ"، نحوِ: "هِضابٍ"، و"جِفانٍ". والمضاعفُ منه كالصحيح، قالوا: "سَلَّةٌ"، و"سَلّاتٌ"، و"سِلالٌ"، و"جَرَّةٌ" و"جَرّاتٌ"، و"جِرارٌ"، و"رَبَّةٌ"، و"رَبّاتٌ"، و"رِبابٌ". وقد يستغنون بجمع القلّة، فلا يجاوزونه، قال سيبويه (١): وقد يجمعون بالتاء، وهم يريدون الكثرةَ.
وأمّا الثاني، وهو "فَعَلَةُ" بالتحريك، فإنّه يجمع في القلة بالتاء، وفي الكثرة على "فِعالٍ". قالوا: "رَقَبَةٌ"، و"رَقَباتٌ"، و"رِقابٌ"، و"رَحَبَةٌ"، و"رَحَباتٌ"، و"رِحابٌ"، و"الرحبةُ": ساحةُ المسجد وغيرِه بتحريك الحاء. وحكى أبو زيد: "رَحْبَةٌ"، بالسكون. والمعتلُّ كذلك، قالوا: "ناقَةٌ"، و"نِياقٌ"، والقليل "ناقاتٌ"، وربّما كسّروه على "فُعْلٍ"، قالوا: "ناقةٌ"، و"نُوقٌ"، و"قارَةٌ"، و"قُورٌ"، و"القارةُ": الأكَمَةُ. قال الراجز:
٧١٨ - هل تَعرِفُ الدارَ بأعْلَى ذي القُورْ ... قد دَرَسَتْ غَيْرَ رَمادٍ مَكْفُورْ
ومثله من الصحيح خَشَبَةٌ، وخُشْبٌ، وبَدَنَةٌ، وبُدنٌ، قال الله تعالى:
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (٣) قُرىء بالإسكان والضمّ (٤)، وليس ذلك بالأصل، إنما "فُعْلٌ" مخفَّفٌ من "فُعُلٍ" مقصورٌ من "فُعُولٍ"، وقد
стр. 1128
كُسرت أيضًا على "فِعَلٍ" قالوا: قامَةٌ، وقِيَمٌ، وتارَةٌ، وتِيَرٌ، قال الراجز:
٧١٩ - يَقُومُ تاراتٍ ويَمْشِي تِيَرًا
و"فِعَلٌ" هنا مقصور من "فِعَالٍ". ويؤيّد ذلك عندك قلبُ الواو ياءً في "قِيَمٍ"، كما قُلب في "سَوْطٍ"، و"سِياطٍ"، و"حَوْضٍ"، و"حِياضٍ"، إذ لو كان أصلًا، لصحّت الواوُ فيه كما صحّت في "زَوْجٍ"، و"زِوَجَةٍ"، و"عَوْدٍ" و"عِوَدَةٍ".
وأمّا المعتل اللام، فنحوُ: "قَناةٍ"، و"قَطاةٍ"، و"حَصاةٍ"، فأكثرُ ما يجيء جمعُه كجمع الأجناس، أو جمعِ السلامة بالألف والتاء، فأمّا الأوّل، فنحوُ: "قَناةٍ"، و"قَنًا"، و"قَطاةٍ"، و"قَطًا".
وأمّا الثاني: وهو جمع السلامة، فنحوُ: "قَنَواتٍ" و"قَطَواتٍ"، و"حَصَياتٍ"، وقد جاءت على "فِعَالٍ". قالوا: "أضاةٌ"، و"إضاءٌ"، قال الشاعر [من الطويل]:
٧٢٠ - عُلِينَ بكِدْيَوْنٍ وأُبْطِنَّ كُرَّةً ... فَهُنَّ إضاءٌ صافِياتُ (١) الغَلائِلِ
стр. 1129
وقالوا: "أمَةٌ"، و"إماءٌ". ويجيء أيضًا على "فُعُولٍ" كما جاء الصحيح. قالوا: "صَفاةٌ"، و"صُفِيٌّ"، فـ"صُفِيّ" "فُعُولٌ"، وأصلُه "صُفُويٌ". وإنّما قلبوا الواو ياءً لوقوعها ساكنةً مع الياء. قال الشاعر [من الرجز]:
٧٢١ - كأنّ مَتْنَيْهِ من النَّفيِّ ... من طُولٍ إشرافٍ على الطَّوِيِّ
مَواقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيِّ
وقالوا: "دَواةٌ"، و"دُوِيٌّ"، وهو "فُعُولٌ" أيضًا، فعُمل به ما تقدّم ذكرُه. وما جاء من المضاعف، فحكْمه حكمُ الصحيح، لكنّه عزيزٌ.
وأمّا الثالث: وهو "فُعْلَةُ"، فإنه يجمع في القلّة بالألف والتاء. قالوا: "رُكْبَةٌ"، و"رُكُباتٌ"، و"ظُلمَةٌ"، و"ظُلُماتٌ"، قال الله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (١)، وقال: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ (٢). ويجمع في الكثير على "فُعَلٍ"، قالوا: "رُكَبٌ"، و"ظُلَمٌ"، و"غُرَفٌ". هذا هو الباب كما كان "فِعالٌ"، نحوُ: "خِفانٍ"، و"قِصاعٍ" هو البابَ في "فَعْلَةَ".
و"فَعَلاتُ" كـ"جَفَناتٍ"، و"قَصَعاتٍ" أشدُّ تمكُّنًا من "غُرفات"، و"ظُلُماتٍ"، وذلك
стр. 1130
لأمرَيْن: أحدُهما: أن "فَعْلَةَ" كـ"جَفْنَةٍ"، و"قَصْعَةٍ" أكثرُ من "فُعْلَةَ" بالضمّ، وأخفُّ لفظًا، فكان التوسّع فيه أكثرَ. والثاني: كراهيةُ الضمّتَيْن؛ إذا قلت: "رُكُباتٌ". وقد يجيء على "فِعالٍ" في المضاعف، قالوا: "جُبّةٌ" و"جِباب"، و"قُبَّةٌ" و"قِبابٌ"، وهو كثيرٌ. وقالوا في غير المضاعف: "بُرْمَةٌ"، و"بِرامٌ"، و"نُقْرَةٌ"، و"نِقارٌ"، و"بُرْقَةٌ"، و"بِراقٌ". شبّهوه بـ"قَصْعَةٍ" أو"قِصاعٍ".
وقالوا فيما اعتلّت عينه: "دُولَةٌ"، و"دُولاتٌ"، و"دُوَلٌ"، وقالوا في المعتلّ اللام: "خُطْوَةٌ"، و"خُطُواتٌ"، و"خُطى"، و"عُرْوَةٌ"، و"عُرُواتٌ"، و"عُرًى". والمعتلُّ بالياء في الكثير كذلك، قالوا: "كُلْيَةٌ"، و"كُلًى"، و"مُدْيَةٌ"، و"مُدًى". ولا يكادون يجمعونه بالتاء، كأنّهم كرهوا جمعه بالتاء لِما يلزم من ضمّ العين، فيقال: "كُلُياتٌ"، فتقع الياء بعد ضمّة، فيثقل النُّطْقُ بها، فاجتزؤوا ببناء الكثرة عنه، وقالوا: "ثلاث غُرَفٍ ورُكَبٍ"، فأضافوا عدد القليل إلى بناء الكثرة، كما قالوا: "ثلائةُ قِرَدَةٍ"، و"ثلاثةُ جُرُوحٍ"، فأضافوه إلى بناء الكثرة. والمضاعفُ مثلُه، قالوا: "سُرَّةٌ"، و"سُرّاتٌ"، و"سُرَرٌ"، و"مُدَّةٌ"، و"مُدّاتٌ"، و"مُدَدٌ"، و"جُدّةٌ"، و"جُدّاتٌ"، و"جُدَدٌ".
وأمّا الرابع: وهو "فِعْلَةُ"، فإنّه يجمع في القلّة بالألف والتاء، نحوَ: "سِدْراتٍ"، و"كِسراتٍ"، وفي الكثير يُكسَّر على "فِعَلٍ". قالوا: "سِدَرٌ"، و"كِسَرٌ"، وقد يقولون: "ثلاثُ كِسَرٍ"، و"ثلاثُ فِقَرٍ"، فيُوقِعونه على القليل، كما قالوا: "ثلاث غُرَفٍ"، فأوقعوه على القليل. و"ثلاثُ كِسَرٍ" أقوى من "ثلاث غُرَفٍ" لأنّ جمعَ "فُعْلَةَ" مضمومَ الفاء بالألف والتاء أكثرُ من جمعِ "فِعْلَةَ" بكسر الفاء بهما، فـ "غُرُفاتٌ" أكثرُ من "كِسِراتٍ"، وذلك من قبل أن التقاء الكسرتَيْن في كلمة واحدة أقلُّ من التقاء الضمَّتَيْن، ولذلك قلّ بابُ "إبِلٍ"، و"إطِلِ"، وكثُر بابُ "طُنُبٍ" و"جُنُبٍ".
والمعتلُّ اللام بهذه المنزلة، قالوا: "لِحْيَةٌ"، و"لِحًى"، و"فِرْيَةٌ"، و"فِرًى"، و"رِشْوَةٌ"، و"رِشًى". ولا يكادون يجمعونه بالألف والتاء؛ لأنه كان يلزم كسرُ ثانيه، فيقال: "رِشِواتٌ". وإذا كرهوا اجتماعَ الكسرتين في الصحيح، كانوا له في المعتلّ أكرهَ، وقالوا في المعتلّ العين: "قِيمَةٌ"، و"قِيماتٌ"، و"دِيمَةٌ"، و"دِيماتٌ"، و"قِيَمٌ"، و"دِيَمٌ" جمعوه في القلّة بالألف والتاء؛ لأنه لا يجتمع فيه كسرتان، كما اجتمعتا في المعتل اللام، وقالوا في المضاعف: "قِدَّةٌ"، و"قِدّاتٌ"، وقِدَدٌ، وعِدَّةٌ، وَ"عدّات"، و"عِدَدٌ" وربّما كسّروا "فِعْلَةَ" على "أفْعُلَ"، قالوا: "نِعْمَةٌ"، و"أنْعُمٌ"، و"شِدَّةٌ"، و"أشُدٌّ"، وذلك قليل، ليس بالأصل. والذي عليه المحقِّقون أنّ "أنْعُمًا" جمعُ "نُعْم" على القياس، و"النُّعْمُ" المصدرُ، و"أشُدٌّ" جمعُ "شَدٍّ" "كقَدٍّ" و"أقُدٍّ". قال أبو عُبَيْدةَ مَعْمَرُ بن المُثَنَّى: أشُدٌّ جمعٌ لا واحدَ له.
стр. 1131
الخامس: وهو "فَعِلَةُ" بفتح الأوّل وكسر الثاني، نحوُ: "نَقِمَةٍ" و"مَعِدَةٍ"، فتكسيرُهُ في الكثير "فِعَلٌ" بكسر الفاء، وفتح العين، نحوُ: "نِقَم" و"مِعَدٍ". وليس ذلك بقياس، والذي سوّغ لهم ذلك أنهم يقولون: "نِقْمَةٌ" و"مِعْدَةٌ" بسكون الثاني، فيصير كـ"كِسْرَةٍ"، و"خِرْقَةٍ"، فيُكسَّر تكسيرَه، وفي القلّة بالألف والتاء، نحوَ: "نَقِماتٍ" و"مَعِداتٍ"، ولا يُغيَّر.
السادس: ما كان على "فُعَلَةَ" بضمّ الفاء وفتح العين، وذلك نحوُ: "تُخَمَةٍ"، و"تُهَمَةٍ"، فتكسيرَه في الكثرة على "تُخَم"، و"تُهَم"، بضمْ الأوّل وفتح الثاني. أجروا هذا القبيل من الأسماء في الجمع مجرى "فُعْلةَ"، كـ"ظُلْمَةٍ" و"غُرْفَةٍ"، كما أجروا "فَعَلَةَ" بفتحِ الفاء والعين مجرى "فَعْلَةَ" ساكنَ العين. فقالوا: "رِقابٌ" كما قالوا: "جِفانٌ". وليس "تُخمٌ". و"تُهَمٌ" كـ"رُطَبٍ", لأنّ "رُطَبًا" ونحوه جنسٌ، فهو بمنزلة "تَمْرٍ" و"بُرٍّ"، فهو اسمُ واحد يقع للجنس، ألا ترى أنّه يُذكَّر، فيقال: "هو الرطب"، كما يُقال: "هو التمر". و"التُخَمُ" ونحوُه مؤنَّثٌ، نحوُ قولك: "هي التخم". ولو صغّرت "رطبًا"، لصغّرتَه على لفظه، فقلت: "رُطَيْبٌ"، ولو كان تكسيرًا، لكنت تقول: "رُطيْباتٌ". فلو صغّرت "تخمًا"، لقلت: "تُخَيْماتٌ"، فتردّه إلى الواحد، ثمّ تجمعه بالألف والتاء؛ لأنه جمعٌ مكسّرٌ.
فجميعُ أبنية جمع هذه الأسماء ستة على ما ذُكر، فأعمُّها "فِعالٌ"؛ لأنّه يكون في أربعةٍ منها، وذلك أنّه يَكون في "فَعْلَةَ"، نحوِ: "جَفْنَةٍ" و"جِفانٍ"، و"فِعْلَةَ" كـ"لِقْحَةٍ" و"لِقاحٍ". و"اللّقْحَةُ": الناقة تُحلَب، وفي "فُعْلَةَ" بالضمّ كـ" بُرْمَةٍ" و"بِرام"، و"البرمةُ": القِدْرُ، وفي "فَعَلَةَ" كـ"رقَبَةٍ" و"رِقابٍ"، و"فِعالٌ" في "فَعْلَةَ" و"فَعَلَةَ" بسكون العين وتحريكها قياسٌ مطّردٌ، وهو فيما عداهما شاذّ.
و"فُعَلٌ" في "فُعَلَةَ" و"فُعْلَةَ" بضمّ الفاء أصلٌ، وما عداه فهو شاذّ.
و"فِعَلٌ" في "فِعْلَةَ" بكسر الفاء أصلٌ، وغيرُه فيها شاذّ. وأمّا "فَعِلَةُ" كـ"مَعِدَةٍ"، فقد ذُكر أمرها، فاعرفه.
فصل [جمع الصفات]
قال صاحب الكتاب: وأمثلة صفاته كأمثلة أسمائه، وبعضها أعم من بعض, وذلك قولك أشياخ وأجلاف وأحرار وأبطال وأجناب وأيقاظ وأنكاد وأعبد وأجلف وصعاب وحسان ووجاع, وقد جاء وجاعي ونحوه: حباطي وحذاري وضيفان وإخوان ووغدان وذكران وكهول ورطلة وشيخة وورد وسحل ونصف وخشن, وقالوا: سمحاء في جمع "سمح".
стр. 1132
قال الشارح: اعلم أنّ تكسير الصفة ضعيفٌ، والقياسُ جمعُها بالواو والنون. وإنّما ضعُف تكسيرها؛ لأنها تجري مجرى الفعل، وذلك أنّك إذا قلت: "زيدٌ ضاربٌ"، فمعناه: يَضْرِبُ، أو ضَرَبَ، إذا أردتَ الماضي، وإذا قلت: "مضروبٌ"؛ فمعناه: يُضْرَبُ، أو ضُرِبَ، ولأنّ الصفة في افتقارها إلى تقدم الموصوف، كالفعل في افتقاره إلى الفاعل.
والصفةُ مشتقة من المصدر كما أن الفعل كذلك، فلمّا قاربت الصفةُ الفعلَ هذه المقارَبةَ، جرت مجراه، فكان القياس أن لا تُجمع كما أنّ الأفعال لا تُجمع، فأمّا جمعُ السلامة، فإنّه يجري مجرى علامة الجمع من الفعل إذا قلت: "يَقُومُونَ"، و"يَضْرِبُونَ"، فأشبهَ قولُك: "قائمون": "يقومون". وجرى جمعُ السلامة في الصفة مجرى جمع الضمير في الفعل؛ لأنّه يكون على سلامة الفعل، فكل ما كان أقربَ إلى الفعل، كان من جمع التكسير أبعدَ، وكان البابُ فيه أن يُجمع جمعَ السلامة، لِما ذكرناه من أنّ "ضاربون"، و"مضروبون" يُشْبِه "يَضرِبون"، و"يُضْرَبون" من حيثُ سلامةُ الواحد في كل واحد منهما، وأن الواو للجمع والتذكير كما كانت في الفعل كذلك.
وقد تُكسَّر الصفة على ضُعْفٍ لغَلَبَة الاسميّة. وإذا كثُر استعمالُ الصفة مع الموصوف، قَوِيَت الوصفيّةُ، وقيل دخولُ التكسير فيها، وإذا قلّ استعمالُ الصفة مع الموصوف، وكثر إقامتُها مُقامه، غلبت الاسميّةُ عليها، وقوي التكسير فيها.
وتكسير الصفة على حد تكسير الاسم، وقولُه: "وأمثلهُ صفاته كأمثلة أسمائه"، يريدُ أن أبنية تكسير الصفة كأبنية تكسير الاسم. والضميرُ في قوله: و"أمثلةُ صفاته كأمثلة أسمائه" يعود إلى الاسم الثلاثيّ. والمرادُ أنّ تكسير الصفة، إذا كانت ثلاثيّة، كتكسير الاسم إذا كان ثلاثيًا، وأبنيةُ الثلاثيّ من الصفات سبعةُ أبنية: "فَعْلٌ" بفتح الأوّل وسكون الثاني، و"فِعْلٌ" بكسر الأوّل وسكون الثاني، و"فُعْلٌ" بضمّ الأوّل وسكون الثاني، و"فَعَلٌ" بفتحهما، و"فَعِلٌ" بفتح الأوّل وكسر الثاني، و"فَعُلٌ" بفتح الأوّل وضمّ الثاني، و"فُعُلٌ" بضمّهما.
فما كان من الأوّل، وهو "فَعْل"، فتكسيره على "فِعَالٍ"، قالوا: "صَعْبٌ"، و"صِعابٌ"، و"فَسْلٌ"، و"فِسالٌ"، و"خَذلٌ"، و"خِدالٌ". والفسلُ: الرَّذْلُ، والخدلُ: الممتلىءُ. هذا هو الغالب المطرد، وإنما جاء على "فُعُولٍ". قالوا: "كَهْلٌ"، و"كُهُولٌ"، دخلت "فُعُولٌ" على "فِعَالٍ" هنا على حد دخولها عليها في الأسماء، نحوِ: "كَعْبٍ"، و"كِعابٍ"، و"كُعُوبٍ"، إلّا أنها في الاسم أقعدُ منها في التكسير، فكان التوسعُ فيها أكثر، وقد جاء على "فُعُلٍ" أيضًا. قالوا: "رجلٌ كَثُّ اللِّحْيَة"، و"قومٌ كُثٌّ"، وقالوا: "رجلٌ ثَطٌّ، للكَوْسَج، و"قومٌ ثُطٌّ"، و"ثَوْبٌ سَحْلٌ"، و"ثيابٌ سُحُلٌ" وهو الأبيض، وقالوا: "فرسٌ وَرْدٌ"، و"خَيْلٌ وُرْدٌ"، وهو قليل. وربّما قالوا: "كِثاثٌ"، و"ثِطاطٌ"، و"وِرادٌ" على القياس، وقالوا: سَمْحٌ، و"سُمَحاءُ"، فجاؤوا به على معناه؛ لأنّه في معنى اسم الفاعل
стр. 1133
فجاء على "عَالِم"، و"عُلَماءَ"، و"صالِحٍ"، و"صُلَحاءَ"، وما أقربَه من "المَذاكِير"، و"المَلامِحِ"، كأنّه جاء على غير المستعمل
ولا يُكسَّر القليل على "أفْعُلَ"، فلا يُقال في "صَعْبٍ": "أصْعُبٌ" ولا في "فَسْلٍ": "أفْسُلٌ"، كما قالوا في الاسم: "أكْعُبٌ"، و"أفْلُسٌ"، وذلك أنّ الغرض من المجيء بأبنية القلّة أنّ تُضاف أسماءُ أدنى العدد إليها من نحو: "ثلاثةُ أثوابٍ"، و"خمسةُ أكْلُبٍ"، وأنت لا تضيف إلى الصفة؛ لأنّ الغرض بيانُ نوع المعدود، ولا يحصل ذلك بالإضافة إلى الصفة. ألا ترى أنك إذا قلت: "ثلاثةُ طِوالٍ" مَثَلًا، لم يدلّ على نوع دون نوع, لأنّ الطُّول يشترِك فيه أنواعٌ كثيرةٌ. فلمّا كان كذلك، لم يُحْتَج إلى أمثلة القلّة في الصفات، فإذا احتيج إلى ذلك؛ جمعوه جمعَ السلامة يقع للقليل، فاستغنوا به.
وقد كسّروا بعض الصفات تكسيرَ الأسماء، فجاؤوا بها على "أفْعُلَ". قالوا: "عبدٌ"، و"أعْبُدٌ"، و"عَبِيدٌ"، كما قالوا: "كَلْبٌ"، و"أكْلُبٌ"، و"كَلِيبٌ"، وقالوا: "شَيْخٌ"، و"أشْياخٌ"، كما قالوا: "بَيْتٌ"، و"أبْياتٌ". وقالوا: "عِلْجٌ"، و"عِلَجَةٌ"، و"أعْلاجٌ"، كما قالوا: "أجْذاعٌ" في "جِذْعٍ". وقالوا: "شِيخانٌ" و"ضِيفانٌ" على حدّ "رَألٍ" و"رِئْلانٍ". وقالوا: "شِيَخَةٌ" كما قالوا: "زِوَجَةٌ"، و"عِوَدَةٌ" في الاسم، وقالوا: "وَغْدٌ"، و"وُغْدانٌ" بالضمّ على زنةِ "فُعْلانَ"، كما قالوا: "ظَهْرٌ"، و"ظُهْرانٌ". وقالوا: "وِغْدانٌ" بكسر الفاء كما قالوا: "جَحْشٌ" و"جِحْشانٌ"، و"عَبْدٌ"، و"عِبْدانٌ"، فجاءت أمثلتُه على تسعةِ أبنية، منها بناءٌ واحدٌ مطّردٌ، وهو "فِعالٌ"، والبواقي شاذّةٌ تُسمَع ولا يُقاس عليها. وبعضُها أكثرُ من بعض، وذلك لأنّهم أجروها مجرى الأسماء، ألا ترى أنّهم لا يكادون يستعملونها مع موصوفاتها، فلا يقولون: "رجلٌ عبدٌ"، ولا "رجلٌ شيخٌ"، ولو سمّيت رجلًا بصفة، لكان حكمُها حكمَ الأسماء.
وأمّا الثاني: وهو "فِعْلٌ"، فإنّه يكسّر على "أفْعالٍ"، نحوِ: "جِلْفٍ"، و"أجْلافٍ"، والجِلْفُ: الشاة المسلوخة بلا رأسٍ ولا قوائمَ. وقالوا: "نِضْوٌ"، و"أنْضاءٌ"، وهو المهزول، وحكى أبو زيد: "خِلْوٌ" بالكسر، و"أخْلاءٌ"، جعلوا "أفْعالًا" هنا بدلاً من "فُعُولٍ" و"فِعَالٍ". ولذلك لا يجيء معهما، فلا يُقال: "أجْلافٌ"، و"جُلُوفٌ"، ولا "جِلافٌ". وقال بعضهم: "أجْلُفٌ"، كما قالوا: "أذْؤُبٌ"، أجروه مجرى الأسماء، وقالوا: "رجلٌ صِنْعٌ"، و"قَوْمٌ صِنْعُونَ"، لم يجاوزوا ذلك. والصِّنْعُ: الحاذق. وليس شيءٌ من هذه الصفات يمتنع من الجمع بالواو والنون.
وأمّا الثالث: وهو "فُعْلٌ"، بضمّ الفاء وسكون العين، فهو مثلُ "فِعْلٍ" المكسورِ الفاء في القلّة، قالوا: "رجلٌ حُلْوٌ"، و"قومٌ حُلْوُونَ"، وقالوا: "مُرٌّ"، و"أمْرارٌ"، و"حُرٌّ"، و"أحْرارٌ،" كما قالوا: "جِلْفٌ"، و"أجْلافٌ"؛ لأنّ "فِعْلًا"، و"فُعْلًا" قد يشتركان في "أفْعالٍ". وقالوا: "رجلٌ جُدٌّ" لذي الحَظّ، و"رجالٌ جُدُّونَ"، لم يجاوزوا فيه الواو
стр. 1134
والنون، كما قالوا: "صِنْعُونَ"، ولم يجاوزوه. والتوسّعُ في "فُعْلٍ" أقل من التوسع في "فِعْلٍ"؛ لأنّه أقل في الصفة كما كان أقل منه في الأسماء.
وأمّا الرابع: وهو "فَعَلٌ"، فقد كسّروه على "فِعَالٍ"، فقالوا: "حَسَنٌ"، و"حِسانٌ"، و"سَبَطٌ"، و"سِباطٌ"، وهو الشَّعْر المسترسِل غيرُ الجَعْد، وقالوا: "قَطَطٌ"، و"قِطاطٌ" للشَّعْر إذا كان شديدَ الجُعودة، حملوه على الاسم في نحوِ: "جَبَلٍ"، و"جِبالٍ"، و"جَمَلٍ"، و"جِمالٍ". اتّفق "فَعَلٌ" و"فَعْلٌ" في الصفة كما اتّفقا في "كِلابٍ"، و"جِبالٍ". وربّما كسّروه على "أفْعالٍ", لأنه ممّا يكسّر عليه في الاسم، نحوِ: "أجْبالٍ"، و"أجْمالٍ"، واستغنوا به عن "فِعَالٍ"، وذلك قولك: "بَطَلٌ"، و"أبْطالٌ"، و"عَزَبٌ"، و"أعْزابٌ". وقالوا: "خَلَقٌ"، و"أخْلاقٌ"، و"سَمَلٌ" و"أسْمالٌ". قال لَبِيدٌ [من الكامل]:
٧٢٢ - تَهْدِي أوائَلَهنّ كلُّ طِمِرَّةٍ ... جَرْداءُ مِثْلُ هِراوَةِ الأعْزابِ
وَلا يمتنع منه ما كان مذكّرًا يعقل من الواو والنون، نحوُ: "حَسَنُونَ"، و"عَزَبُونَ"، ومن الألف والتاء للمؤنث، كقولهم: "حَسَنَةٌ"، و"حَسَناتٌ"، و"سَبَطَةٌ"، و"سَبَطاتٌ"، و"بَطَلَةٌ"، و"بَطَلاتٌ". وربّما كسّروه على "فِعَالٍ". قالوا: "حَسَنٌ"، و"حِسانٌ"، و"سَبَطٌ"، و"سِباطٌ". وقالوا: "صنَعٌ"، و"صَنَعُونَ" للحاذقِ الصَّنْعة، وقالوا: "رَجَلُ الشَّعْر، ورَجَلُونَ" لمن رَجِلَ شَعْرُه، ولم يُكسِّروهما. استُغني عن تكسيرهما بجمع السلامة، وذلك لقوّة الجمع السالم في الصفة.
وأمّا الخامس: وهو "فَعِلٌ"، بفتح الأوّل وكسر الثاني، فإنّه يكسّر على "أفْعالٍ"، قالوا: "نَكِدٌ"، و"أنْكادٌ"، وحملوه على نظيره من الأسماء، وهو "كِبِدٌ"، و"أكْبَادٌ". والصفاتُ قد تُحمَل على الأسماء في التكسير؛ لأنها أشدُّ تمكُّنًا في التكسر من الصفات. فمتى احتجتَ إلى صفة، ولم تعلم مذهبَ العرب في تكسيرها، فإنّك تكسّرها تكسيرَ الاسم الذي هو على
стр. 1135
بنائها؛ لأنها أسماءٌ، وإن كانت صفاتٍ، وذلك في الشعر، فأمّا في الكلام، فالجمعُ بالواو والنون، والألف والتاء، لا غيرُ، إلا أن تعلم مذهب العرب في تكسيرها، فلا يُعدَل عنه.
وقالوا: "وَجِعٌ"، و"قومٌ وِجاعٌ" كأئهم حملوه على "حَسَنٍ"، و"حِسانٍ"، و"سَبَطٍ"، و"سِباطٍ"، فوافَقَ "فَعِلٌ" "فَعَلاً" في الصفة، كما وافقه في الاسم حيث قالوا: "جَمَلٌ"، و"أجْمالٌ"، كما قالوا: "كَتِفٌ" و"أكْتافٌ".
وقالوا: "أسَدٌ"، و"أُسُودٌ"، كما قالوا: "نَمِرٌ"، و"نُمُورٌ"، فلمّا اتّفقا في الاسم، اتّفقا في الصفة. وقالوا: "وَجِعٌ" و"وَجْعَى" جاؤوا به على "فَعْلَى"، كما قالوا: "هَلْكَى"، و"زَمْنَى"؛ لأنّها بَلايا وآفات، فأجروها مجرى "قَتْلَى"، و"جَرْحَى"، وسيوضَح ذلك في موضعه. وقالوا أيضًا: "وُجاعَى"، وهو أيضًا بناءٌ لِما يكون آفةٌ وبليّة، إلّا أن "فَعْلَى" فيه أكثرُ. وحكى أبو عمر الجَرْميّ: "فَرِحٌ" و"أفْراحٌ"، ويُقال: "فِراحٌ". قال الشاعر [من الوافر]:
٧٢٣ - وُجوهُ الناسِ ما عُمّرْتَ بِيضٌ ... طلِيقاتٌ وأنْفُسُهُمْ فِراحُ
والباب فيه أن يُجمع بالواو والنون، نحوَ "فَرِحُون"، و"وَجلون". قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ (٢).
السادس: وهو "فَعُلٌ" بفتح الأوّل، وضمّ الثاني، وحكمُه حكم "فَعِلٍ"؛ لأنّ "فَعُلًا"، و"فَعِلًا" قد كثُر في الكلمة والواحدة، نحوَ: "حَذُرٍ" و"حَذِرٍ"، و"يَقُظٍ"، و"يَقِظٍ"، و"فَطُنٍ"، و"فَطِنٍ"، لتقارُب الحركتَيْن تَعاقَبتا على الكلمة الواحدة. وقد كسّروا بعضَ ذلك على "أفْعالٍ". قالوا: "يَقُظٌ"، "أيْقاظٌ". قال الشاعر [من الطويل]:
٧٢٤ - لقد عَلِمَ الأيْقاظُ أخْفِيَةَ الكرَى ... تَزجُّجَها من حالكٍ واكْتِحالَها
стр. 1136
فأمّا "يَقْظانُ"، فتكسيره على "أيْقاظٍ"، والبابُ فيه جمعُ السلامة كما تقدّم.
السابع: وهو "فُعُلٌ"، بضمّ الأوّل والثاني، وهو قليل في الصفات. قالوا: "رجلٌ جُنُبٌ"، أي: ذو جَنابةٍ، وفيه لغتان، قوم من العرب يجمعونه، فيقولون: "أجْنابٌ"، و"جُنُبان" حكاه الأخفش، وقومٌ يُفرِدونه في جميع الأحوال، فيقولون: "رجلٌ جُنُبٌ"، و"رجلانِ جُنُبٌ"، و"رجالٌ جُنُبٌ". قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١)، جعلوه مصدرًا، فلذلك وحّدوه.
فقد صارت أبنيةُ جمع الصفات سبعةَ أبنية، فأعمَّها "أفْعالٌ"؛ لأنّها ترد على جميعِ أبنية الصفات، وهي "فَعْلٌ" كـ"شَيْخٍ"، و"أشْياخٍ"، و"فِعْلٌ" كـ"جِلْفٍ"، و"أجْلافٍ"، و" فُعْلٌ" كـ"حُرّ"، و"أحْرارٍ"، و"فَعَلٌ" كـ"بَطَلٍ"، و"أبْطالٍ"، و"فَعُلٌ" كـ"يَقُظٍ" و"أيْقاظٍ"، و"فَعِلٌ" كـ"نَكِدٍ" و"أنكادٍ"، و"فُعُلٌ" كـ"جُنُبٍ" و"أجْنابٍ". ثمّ "فِعالٌ"؛ لأنّه يقع على ثلاثةِ أبنية: منها "فَعْلٌ"، نحوُ: "صَعْبٍ" و"صِعابٍ"، و"فَعَلٌ"، نحوُ: "حَسَنٍ"، و"حِسانٍ"، وفَعِلٌ، نحوُ: "وَجِعٍ"، و"وِجاعٍ"، وباقي الأبنية متساويةٌ.
* * *
قال صاحب الكتاب: والجمع بالواو والنون فيما كان من هذه الصفات للعقلاء الذكور غير ممتنع, كقولك: صعبون وصنعون (٢) وحسنون وجنبون (٣) , وحذرون وندسون.
* * *
стр. 1137
قال الشارح: لا يمتنع شيءٌ من هذه الصفات من الجمع بالواو والنون إذا كان مذكّرًا ممّن يعقل، بل هو القياس فيها، لِما ذكرناه من أنّها جاريةٌ مجرى الأفعال في جَرْيها صفة على ما قبلها، كما تكون الأفعالُ كذلك، وواوُ "ضَارِبُونَ" تُشْبِه واوَ الضمير في "يضربون"؛ لأنها مثلُها في مَجيئها بعد سلامةٍ ما قبلها، وأنّها للجمع، فجاز أن تُجمع هذا الجمعَ، فتقول: "صَعْبُونَ" كما تقول: "يَضعُبُونَ". قال الشاعر [من الرجز]:
٧٢٥ - قالت سُلَيْمَى: لا أُحِبُّ الجَعْدِينْ ... ولا السِّباطَ إنهُم مَناتِينْ
وقالوا: "رجلٌ صِنْعٌ"، و"قومٌ صِنْعُونَ" للحاذقِ الصَّنْعة. وقالوا: "رجلٌ حَسَنٌ"، و"قومٌ حَسَنُونَ"، و"رجلٌ جُنُبٌ"، و"قومٌ جُنُبُونَ"، و"حَذِرٌ"، و"حَذِرُونَ". والحَذِرُ: الكثيرُ الحَذَر، يُقال: "رجلٌ حَذُرٌ وحَذِرٌ"، بالضمّ والكسر إذا كان مستيقِظًا مُتَحرِّزاً. وقالوا: "رجلٌ ندُِسٌ"، و"قومٌ ندسون". يُقال: "نَدُسٌ ونَدِسٌ" بالضمّ والكسر، أي: فَهِمٌ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وأما جمع المؤنث منها بالألف والتاء فلم يجيء فيه غيره وذلك نحو عبلات وحلوات وحذرات و"يقظات" إلا مثال "فعلة", فإنهم كسروه على "فعال" كـ"جعاد" و"كماش" ,و"عبال" (١). وقالوا علج في جمع علجة (٢).
* * *
قال الشارح: قد تقدّم الكلام أنّ الباب في الصفة جمعُ السلامة، وأنّ التكسير فيهما
стр. 1138
على خلاف الأصل، فإذا بعُد التكسيرُ في المذكر، كان في المؤنّث أبعدَ؛ لأنّ التأنيث يزيده شَبَهًا بالفعل، ولذلك كان من الأسباب المانعة للصرف، فإذًا الوجهُ في جمعِ ما كان مؤنّثًا بالتاء من الأسماء الثلاثية، نحوِ: "عَبْلَةٍ"، و"حُلْوَةٍ"، و"عِلْجَةٍ"، و"حَذِرَةٍ"، و"يَقُظَةٍ" أن يُجمع بالألف والتاء، فيقال: "عَبْلاتٌ"، و"حُلْواتٌ"، و"عِلْجاتٌ"، و"حَذِراتٌ"، و"يَقُظاتٌ". ولم يُسمع التكسير في شيء منها إلّا في مِثال واحد، وهو "فَعْلَةُ"، فإنّهم كسّروه على "فِعالٍ"، قالوا: "عَبْلَةٌ"، و"عِبالٌ"، و"كَمْشَةٌ"، و"كِماشٌ". يُقال: "رجلٌ كَمشٌ"، و"امرأةٌ كَمْشَةٌ" بمعنى الماضي السريع، كأنّهم لكثرةِ "فَعْلَةَ" تَصرّفوا فيها على نحوِ من تصرّفهم في "فَعْلٍ".
واستوى "فَعْلٌ"، و"فَعْلَةُ" في "فِعَالٍ" إذا كانا صفتَيْن، كما استويا في الاسم من نحو: "كَلْب"، و"كِلابٍ"، و"جَمْرَةٍ"، و"جِمارٍ"، ولم يتجاوزوا "فِعالًا" في "فَعْلَةَ"؛ لأنّ التكسير لا يتمكّن في الصفة تمكُّنَه في الاسم.
وقالوا: "عِلَجٌ"، و"عِلَجَةٌ"، وهو قليل، جاؤوا به على نحوٍ من تكسير الأسماء، نحوِ: "خِرْقَةٍ"، و"خِرَقٍ"، و"كِسْرَةٍ"، و"كِسَرٍ"، فاعرفه.
فصل [جمع المؤنث الثلاثي الساكن الوسط المنتهي بالتاء]
قال صاحب الكتاب: والمؤنث الساكن الحشو لا يخلو من ان يكون أسماً أو صفة, فإذا كان اسماً تحركت عينه في الجمع إذا صحت بالفتح في المفتوح الفاء, كـ "جمرات", وبه وبالكسر في المكسورها, كـ"سدرات", وبه وبالضم في المضمومها كـ "غرفات". وقد تسكن في الضرورة في الأول، وفي السعة في الباقين في لغة تميم.
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما كان من هذه الأسماء الثلاثية المؤنّثة بوزنِ "فَعْلَةَ"، كـ"قَصْعَةٍ"، و"جَفْنَةٍ"، فإنّك تفتح العين منه في الجمع أبدًا إذا كان اسمًا، نحوَ: "جَفَناتٍ"، و"قَصَعاتٍ"، كأنّهم فرقوا بذلك بين الاسم والصفة، فيفتحون عين الاسم، ويقولون: "تَمَراتٌ"، ويسكّنون الصفة، فيقولون: "جاريةٌ خَذلَةٌ" (١)، و"جَوارٍ خَذلات"، و"حالةٌ سَهْلَةٌ"، و"حالاتٌ سَهْلات". وإنّما فتحوا الاسم، وسكّنوا النعت، لخفّة الاسم وثِقَلِ الصفة؛ لأنّ الصفة جاريةٌ مجرى الفعل، والفعلُ أثقلُ من الاسم؛ لأنّه يقتضي فاعلاً، فصار كالمركّب منهما، فلذلك كان أثقلَ من الاسم، ولا يجوز
стр. 1139
إسكانُه إلّا في ضرورة الشعر، نحوِ قول ذي الرُّمّة [من الطويل]:
٧٢٦ - أتَتْ ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحْشاءَ قَلْبِهِ ... خُفُوقًا ورَفْضاتُ الهَوَى في المَفاصِلِ
وقال الآخر [من الرجز]:
٧٢٧ - [علّ صروفَ الدهر أو دولاتِها ... تدلْننا اللمةَ من لمّاتِها]
أو تَسْتَرِيحُ النَّفْسُ مِن زَفْراتِها
стр. 1140
وقيل: إنّها لغةٌ.
فإن كان مضمومَ الفاء كـ"ظلمة" و"غُرْفَة"، فإنّك تُحرِّك العين بالضمّ، نحوَ: "ظلُماتٍ"، و"غُرُفاتٍ"، و"رُكُباتٍ". وإنما ضمّوها تشبيهًا، بـ"فَعْلَةَ" و"فَعَلاتَ" من قولهم: "جَفْنَةٌ"، و"جَفَناتٌ"، ومنهم من يفتح فيقول: "ظُلَماتٌ"، و"رُكَباتٌ". وقد رُوي [من الطويل]:
٧٢٨ - فلمّا رَأوْنا بادِيًا رُكَباتُنا ... على مَوْطِنٍ لا نَخلِطُ الجِدَّ بالهَزْلِ
مفتوحًا، والكثيرُ الضمّ، فالضمُّ للإِتْباع، والفتحُ للخفّة. وقال بعض النحويّين: إنّ "رُكَباتٍ" بالفتح جمعُ "رُكَبٍ"، و"رُكَبٌ" جمعُ "رُكْبَةٍ"، ولو كان كما قالوا، لمَا جاز "ثلاثُ ركباتٍ"؛ لأنّ هذا الضرب من العدد لا يُضاف إلّا إلى أبنية القلّة، أو ما كان في معناها. و"ركباتٌ" على هذا كثير؛ لأنّه جمعُ جمع، والإسكانُ في "ظُلُمات" جائزٌ، فيقال: "ظُلْمات"، و"غُرْفات"، وهو تخفيفٌ لثقل الضمّة، كما قالوا في "رُسُلٍ": "رُسْلٌ".
стр. 1141
وإذا كانوا يستثقلون الضمّة الواحدة في مثل "عَضُدٍ"، فيُسكِّنون، فهم للضمَّتَيْن أشدّ استثقالًا، ولا يحرّكون منه ما كان مضاعفًا من نحو: "جُدّاتٍ"، و"سُرّاتٍ"؛ لأنهم ادغموا في الواحد لاجتماع المثلَيْن، فلم يُبْطِلوا ذلك في الجمع. ولهم عنه مندوحةٌ إلى جمع آخر، وهو المكسر، نحوُ: "جُدَدٍ" و "سُرَرٍ".
وما كان منه مكسور الفاء من نحو: "كِسْرَةٍ"، و"سِدْرَةٍ"، فإنّك تَكْسِر عينه في الجمع، نحوِ: "كِسِرات"، و"سِدِرات"، وهو أقلُّ من "غُرُفات"، و"ظُلُمات"؛ لأنّ، اجتماع الكسرتَيْن في أوّل الكلمة أقلُّ من اجتماع الضمّتَيْن، ولذلك قل نحوُ: "إبِلٍ"، و"إطِلٍ"، وكثُر نحوُ: "جُنُبٍ"، و"طُنُبٍ". ومنهم من يفتح العين كما يفتح في نحو: "ظُلْمة"، ويقول: "كِسَراتٌ"، و"سِدَرأتٌ"، كما يقول: "ظُلَماتٌ"، فالكسرُ للإتباع، والفتحُ للتخفيف. ومنهم من يحذف الكسرة تخفيفًا، فيقول "كِسْراتٌ" و"سِدْراتٌ"، كما يقول في "إبِلٍ": "إبْلٌ"، وفي "كَتِفٍ": "كِتْفٌ".
[جمع المؤنث الثلاثي الساكن الوسط المعتلُّه المنتهي بالتاء]
قال صاحب الكتاب: فإذا اعتلت فالإسكان كـ "بيضات" و"جوزات" و"ديمات" و"دولات"، إلا في لغة هذيل قال قائلهم [من الطويل]:
٧٢٩ - أخو بيضات رائحٌ متأوبٌ ... [رفيقٌ بمسح المنكبين سبوح]
* * *
قال الشارح: والمراد إذا اعتلّت العين من الاسم المؤنّث، فما كان منه بوزن "فَعْلَة"
стр. 1142
كـ"جَوْزَةٍ"، و"عَيْبَةٍ"، فإنّك تسكّن حرفَ العلّة منه، فتقول: "جَوْزاتٌ"، و"عَيْباتٌ"، قال الله تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ (٢)، ولا يحرّكون، فيقولوا: "جَوْزاتٌ"، و"بَيْضاتٌ" كما يقولون: "جَفْناتٌ"، و"تَمْراتٌ"، كأنهم كرهوا حركةَ حرف العلّة، وقبله مفتوحٌ، فيُقلبُ ألفًا، فيقال: "جازاتٌ"، و"باضاتٌ"، فيلتبس "فَعْلَةُ" ساكنةَ العين، بـ"فَعَلَةَ" مفتوحةَ العين، نحوِ: "دارَةٍ"، و"داراتٍ"، و"قامَةٍ"، و"قاماتٍ"، ومنهم من يقول: "جَوَزاتٌ"، و"بَيَضاتٌ"، فيفتح، ولا يقلب؛ لأنّ الفتحة عارضةٌ، كما لم يقلب الواو من ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى﴾ (٣)، و ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ (٤)، وهي لغةٌ لهُذَيْلٍ. قال الشاعر [من الطويل]:
أخُو بَيَضاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ ... رَفِيقٌ بمَسْحِ المَنْكِبَيْنِ سَبُوحُ
وذلك قليل، والأوّلُ عليه الكثيرُ.
وحكمُ المضمومِ الفاء والمكسورة في إسكان عينه، كحكم المفتوح، نحوُ: "دِيماتٍ"، و"دُولات" حملوه فيَ الإسكان على: "بيضات" و"عَوْرات"، فأمّا المعتلُّ اللام من نحو: "غَدْوَةٍ"، و"قَرْيَةٍ"، فإنّك تحرّك وتجري فيه على قياس الصحيح، نحوِ: "غَدَواتٍ"، و"قَرَياتٍ". لتحصُّن حرف العلّة عن القلب بوقُوع ألف الجمع بعده، إذ لو قلبتَه، لزمك حذفُ أحدهما لاجتماع الألفَين، وكان يلتبس بالواحد ممّا هو على "فَعَلَةَ" بتحريك العين من نحو: "قَناةٍ"، و"فتاة"، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وتسكن في الصفة لا غير, وإنما حركوا في جمع "لجبة", و"ربعة"؛ لأنهما كأنهما في الأصل اسمان, وُصف بهما, كما قالوا: "امرأة كلبة", و"ليلة غم".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ ما كان بوزن "فَعْلَةَ" صفةٌ، وجمعتَه بالألف والتاء، لم تُحرِّك وَسَطَهُ، بل تُسكِّنه فَرْقًا بين الصفة والاسم، نحوَ: "عَبْلاتٍ"، و"خَدْلاتٍ".
فأمّا قولهم: "لَجْبَةٌ"، و"لَجَباتٌ" بالتحريك، ففيه وجهان:
أحدُهما: أن من العرب من يقول: "شاةٌ لَجَبَةٌ"، بفتح الجيم بوزن "أكَمَةٍ"، وهي التي وَلَّى لبنُها وقَلَّ، وأجمعوا في الجمع على هذه اللغة.
والوجهُ الثاني: أنّ "لجبة" في الأصل اسمٌ، وُصف به، فرُوعِيَ أصلُه بأن حُرّك في الجمع، وكذلك: "رَبْعَةٌ" اسمٌ في الأصل، يدلّ على ذلك ثبوتُ تاء التأنيث فيه مع المذكّر، كثبوتها مع المؤنّث، فتقول: "رجلٌ رَبْعَةٌ"، كما تقول: "امرأةٌ رَبْعَةٌ"، فهو اسمٌ يقع على المذكّر والمؤنّث، وُصف به كما يُقال: "رجالٌ خمسةٌ"، و"خمسةٌ" اسمٌ، وُصف به المذكّر.
стр. 1143
وهم قد يصفون بالأسماء على تخيُّل معنى الوصفية فيها، نحوَ قولك: "ليلة غَمٌّ"، أي: مُظْلِمَةٌ، و"امرأةٌ كَلْبَةٌ" على معنَى: دَنِيّة. ولو كان "ربعة" صفةٌ في الأصل، لفُصل به بين المذكّر والمؤنّث بحذف التاء، كما تقول: "رجلٌ عالمٌ"، و"امرأةٌ عالمةٌ". وقالوا: "العَبَلاتُ" بالفتح لقوم من قُرَيْش سُقوا بذلك, لأنّ أُمّهم كان اسمها "عَبْلَةَ"، والصفةُ إذا سمّي بها، خرجت عن حكم الصفة، وجُمعت جمعَ الأسماء، ولذلك قالوا: "الأحاوصُ"، فاعرفه.
فصل [جمع المؤنث الساكن الوسط غير المنتهي بالتاء]
قال صاحب الكتاب: وحكم المؤنث مما لا تاء فيه كالذي فيه التاء. وقالوا: "أرضاتٌ", و"أهلات" في جمع "أهل" و"أرض". قال [من الطويل]:
٧٣٠ - فهم أهلات حول قيس بن عاصم ... [إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا]
وقالوا: "عرساتٌ", و"عيراتٌ" في جمع "عرسٍ", و"عير". قال الكميت [من الخفيف]:
٧٣١ - عيرات الفعال والسؤدد العدد ... إليهم محطوطة الأعكام
* * *
стр. 1144
قال الشارح: حكم المؤنّث الذي لا تاءَ فيه في فتحِ ثانيه إذا جُمع بالألف والتاء حكمُ ما فيه التاءُ، فتقول في امرأةٍ اسمُها "دَعْدٌ" أو "وَعْدٌ": "دَعَداتٌ"، و"وَعَداتٌ"، كما تقول: "تَمَراتٌ"، و"جَفَناتٌ". لمّا جمعتَ ما لا تاءَ فيه بالألف والتاء كجمع ما فيه تاءٌ، صار حكمُه كحكمه في انفتاحِ ثانيه. ومن ذلك "أرْضٌ" هي مؤنّثةٌ، ولذلك تظَهر التاءُ في تحقيرها، فتقول "أُرَيْضَةٌ"، فإذا جمعتَها بالتاء، فتحتَ الراء منها، فقلت: "أرَضاتٌ"، كما قالت: "دَعَداتٌ"، و"وَعَداتٌ".
وأمّا "أهَلاتٌ"، فهو جمعُ "أهْلَةٍ" بالتاء، وليس بجمع "أهْل" كما ظنّه صاحبُ الكتاب، ألا ترى أنّ "أهْلاً" مذكّرٌ، يُجمع بالواو والنون، نحوَ: "أهْلُونَ". قال الشاعر، وهو الشَّنْفَرَى [من الطويل]:
٧٣٢ - ولِي دُونَكُم أهْلُونَ سِيدٌ عَمَلَّسٌ ... وأرْقَطُ زُهْلُولٌ وعَرْفاءُ جَيْألُ
стр. 1145
لأنّهم لمّا وصفوا به، أجروه مجرى الصفات في دخول تاء التأنيث للفرق، فقالوا: "رجلٌ أهْلٌ"، و"امرأةٌ أهْلَةٌ"، كما يقولون: "ضارِبٌ"، و"ضارِبَةٌ". قال الشاعر [من الطويل]:
٧٣٣ - وأهْلَةِ وُدٍّ قد تَبَرَّيْتُ وُدَّهُمْ ... وألبستُهمْ في الحَمْد جَهْدي ونائلي
ولمّا قالوا في المذكّر: "أهلٌ"، و"أهلون"، وفي المؤنّث "أهْلةٌ"، و"أَهلاتٌ"؛ أشبه "فَعْلَةَ" في الصفات، فجمعوه بالألف والتاء، وأسكنوا الثاني منه، فقالوا: "أهْلاتٌ"، كما فَعلوا ذلك بسائر الصفات من نحو: "صَعْباتٍ"، و"عَبْلاتٍ". ومن العرب من يقول: "أهَلاتٌ"، فيفتح الثاني، كما فتحوه في "أرَضاتٍ"؛ لأنه اسمٌ مثلُه، وإن أشبه الصفةَ. قال المُخبَّل السَّعْديّ [من الطويل]:
فهُمْ أهَلاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بنِ عاصِمٍ ... إذا أدْلَجوا باللَّيلِ يَدعُون كَوْثَرَا (١)
فأمّا "عُرُساتٌ"، فهو جمع "عُرُسٍ"، و"عُرُسٌ" جمع " عَرُوسٍ"، و"العروس" صفةٌ تقع للذَّكَر والأنُثى.
وأمّا "عِيَراتٌ" فهو جمع "عِيرٍ"، وهي الإبلُ تحمل الطعام والمِيرة، وسيبويه (٢)
стр. 1146
ذكره: "عَيَرات" مفتوحَ الفاء، ثمّ فتح الثاني في الجمع على لغةِ هُذَيْل، نحوِ: "أخُو بَيَضاتٍ"، وحكى ذلك عن العرب، ولا أعرفُ "العير" مؤنّثًا، إلا أن يكون جمع "عيرةٍ" بالتاء، فإنّه يُقال للذكر من الحُمُر: "عَيْرٌ" وللأُنثى "عَيْرَةٌ"، فأمّا قول الكُمَيْت [من الخفيف]:
عِيَراتُ الفَعالِ والسُّؤْدَدِ العِدْد ... إليهم محطوطةُ الأعْكامِ (١)
ويروى: والحَسَبِ العَوْد. وهذا البيت من قصيدةٍ يمتدح بها أهلَ البيت، رضوان الله عليهم أجمعين، أوّلُها [من الخفيف]:
مَن لقَلْبٍ مُتَيَّمٍ مُسْتَهامِ ... غيرِ ما صَبْوَةٍ ولا أحْلامِ
و"الفَعالُ" بفتح الفاء: الكَرَمُ، والسُّؤدَدُ: السِّيادة، والعِدُّ بالكسر: الشيء الكثير، وما له مادّةٌ لا تنقطع، والحَسَبُ: كَرَمُ الرجل، والعَوْدُ: القديم، وقوله: "محطوطةُ الأعكامِ"، أي: تركب الإبل بأعكامها، أي: بأحمالها فيهم بالحسب والرُّشْدِ والأفعال الحسنة.
فصل [حكم المُعتلّ العين من "أفعل" في الجمع]
قال صاحب الكتاب: وامتنعوا فيما اعتلت عينه من "أفعل". وقد شذ نحو: "أقوس", و"أثوب", و"أعين", و"أنيب". و"امتنعوا" في الواو دون الياء من "فعولٍ, كما امتنعوا في الياء دون الواو من "فعال". وقد شذ نحو: "فووجٍ", و"سُوُوق".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أن "فَعْلًا" يُجمع في القلّة على "أفْعُلَ"، نحوِ: "أكْلُبٍ"، و"أفْلُسٍ"، وفي الكثير على "فِعالٍ"، و"فُعُولٍ"، نحوِ: "كِلابٍ" و"فُلُوسٍ"؛ فأمّا المَعتلّ العين من نحوِ: "سَوْطٍ"، و"حَوْضٍ"، و"شَيْخٍ"، و"بَيْتٍ"، فإَنّه إذا أُريد به أدنى العدد، جُمِعَ على "أفْعالٍ"، نحوِ: "ثَوْبٍ"، و"أثوابٍ"، و"سَوْطِ"، و"أسْواطٍ"، و"بَيْتٍ"، و"أبْياتٍ"، و"شَيخٍ"، و"أشْياخٍ". عدلوا في المعتلّ عن "أفْعُلَ"، كراهيةَ الضمَّة في الواو والياء لو قالوا: "أسْوُطٌ"، و"أبْيُتٌ"، إذ الضمّةُ على الواو والياء مستثقَلة، وإن سكن ما قبلهما، وكان عنه مندوحةٌ، فصاروا إلى بناء آخر، وهو "أفْعالٌ".
وقد شذّت ألفاظٌ، فجاءت على القياس المرفوض، قالوا: "أقْوُسٌ"، و"أثْوُبٌ"، و"أعْيُنٌ"، و"أنْيُبٌ". جاؤوا بها على "أفْعُلَ" مَنْبهة على أنّه الأصل، قال الأزْرَق العَنْبَري [من البسيط]:
٧٣٤ - طِرْنَ انقطاعةَ أوْتارٍ مُحَضْرَمةٍ ... في أقْوُسٍ نازَعَتْها أيْمُنٌ شُمُلا
стр. 1147
وكذلك المعتلّ العين بالألف، يُجمع على "أفْعالٍ" من نحوِ: "بابٍ" و"أبْوابٍ"، و"ناب"، و"أنياب". وذلك من قبل أنّ الألف منه منقلبةٌ عن ياء، أو واو متحرّكتَيْن في الأصل، ولذلك اعتلّتا. وإذا كانت الألفُ أصلُها الحركةَ، كانت في الحكم من باب: "فَرَسٍ"، و"قَلَمٍ". وبابُ ذلك "أفْعالٌ"، نحوُ: "أفْراسٍ"، و"أقْلامٍ"، لا "أفْعُلُ". وكان بعضهم يفرق بين المذكّر والمؤنّث، فيجمع منه ما كان مذكرًا على "أفْعالٍ"، كـ"بابٍ"، و"أبوابٍ"، ويجمع ما كان مؤنثًا على "أفْعُلَ" كـ"دَارٍ"، و"أدْوُرٍ"، و"نَارٍ"، و"أَنْور"، وليس دلك بمطّردٍ عند سيبويه (١)، ولا قياسًا، بدليلِ قولهم: "نابٌ"، و"أنْيابٌ".
وإذا تجاوزتَ أدنى العدد، كانت بناتُ الواو على "فِعَالٍ"، نحوِ: "سَوْطٍ"، و"سِياطٍ"، و"حَوضٍ"، و"حِياضٍ"، كأنّهم كرهوا "فُعُولًا" لأجل الضمّة على حرف العلّة مع واو الجمع. فأمّا قلبُ الواو ياءً، فسيُذكَر في موضعه من التصريف، إن شاء الله.
وقد شذّ نحوُ: "فُوُوجٍ"، و"سُوُوقٍ"؛ لِما ذكرناه من إرادة التنبيه على أن ذلك هو الباب. فأمّا بنات الياء، فإنها تجمع على "فُعُولٍ"، نحوِ: "بَيْتٍ"، و"بُيُوتٍ"، و"شَيْخٍ"، و"شُيُوخٍ". وغلب "فُعُولٌ" في بنات الياء، لئلّا تلتبس ببنات الواو، إذ الواو في "فِعَالٍ" تصير إلى الياء، وكانت الضمّة مع الياء أخفَّ منها مع الواو.
فصل [جمع "أفْعُل" و"فُعول" من المعتلّ اللام]
قال صاحب الكتاب: ويقال في "أفعل", و"فعول" من المعتل اللام: "أدل"
стр. 1148
و"أيد" و"دُليٌّ" و"دميٌّ". وقالوا: "نحو" و"قنوٌّ". والقلب أكثر. وقد يكسر الصدر, فيقال: "دليٌّ" و"نحيٌّ", وقولهم: "قسيٌّ", كأنه جمع "قسوٍ" في التقدير.
* * *
قال الشارح: أمّا ما كان معتل اللام من نحو: "دَلْوٍ"، و"حَقْوٍ"، و"جَرْوٍ"، فإنّه يجمع في أدنى العدد على القياس، فيقال: "أدْلٍ"، و"أحْق"، و"أجْرٍ". والأصلُ: "أدْلُوٌ"، و"أحْقُوٌ"، فوقعت الواو طرفًا، وقبلها ضمّةٌ، وليس من الأسماء المتمكنة ما هو بهذه الصفة، فكرهوا المَصِيرَ إلى بناء لا نظيرَ له، فأبدلوا من الضمّة كسرة، ثمّ قلبوا الواو ياء، لتطرُّفها ووقوعِ الكسرة قبلها، فصار من قبيلِ المنقوص، كـ"قاضٍ"، و"غازٍ". قال الشاعر [من البسيط]:
لَيْثٌ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عند خِيسَتِهِ ... بالرَّقْمَتَيْن له أجْرٍ وأعْراسُ (١)
ومثله "قَلَنْسُوَةٌ"، و"قَلَنْسٍ"، و"قَمَحْدُوَةٌ"، و"قَمَحْدٍ". لمّا حُذفت التاء للفرق بين الجمع والواحد، صارت الواو طرفًا، وقبلها ضمّةٌ، فعُمل فيها ما تقدّم، وجُمع في الكثير على "فِعالٍ"، و"فُعُولٍ". وقالوا: "دُلِيٌّ"، و"دُمِيٌّ"، و"دِماءٌ"، والأصل: " دُمُويٌ"، و"دُلُووٌ"، فحوَّلوه إلى "دُلِيٍّ"، و"دُمِيٍّ"، ومثله "عُصِيٌّ" في جمع "عَصًا". والعلّةُ في تحويله إلى ذلك اجتماعُ أمرَيْن:
أحدُهما: كونُ الكلمة جمعًا، والجمعُ أثقل من الواحد.
والثاني: أنّ الواو الأوُلى مدّةٌ زائدةٌ لم يُعتدّ بها فاصلةً، فصارت الواو التي هي لامُ الكلمة كأنّها وَلِيَت الضمّةَ، وصار في التقدير "عُصُوٌ" و"دُلُوٌ"، فقُلبت الواو ياءً على حد قلبها في "أدْلٍ"، و"أحْقٍ"، ثمّ اجتمعت هذه الياء المنقلبة عن الواو مع الواو التي قبلها للجمع وهي ساكنةٌ، فقُلبت الواو ياءً، وادّغمت في الياء الثانية على حد: "طَوَيْتُه طَيًّا"، و"لَوَيْتُه لَيًّا". ومنهم مَنْ يُتْبع ذلك ضمّة الفاء فيكسرها، ليكون العملُ من وجه واحد، فيقول: "دَلِيٌّ"، و"عِصِيٌّ". ومنهم من يُبْقيها على حالها مضمومةً، ويقول: "دُلِيٌّ"، و"عُصِيٌّ".
فأمّا "دُمِيٌّ"، فاللامُ ياءٌ من غيرِ قلب، فاجتمعت مع الواو قبلها ساكنة، فقُلبت ياء، وأُدُّغمت كما فُعل بـ"عِصِيّ" و"دِلِيّ"، ولو كان مثلُ "عُصُوٍّ"، و"دُلُوٍّ" اسمًا واحدًا، لا جمعًا؛ لم يجبْ فيه القلبُ لخفّته، ألا تراك تقول: "مَغْزُوٌّ"، و"مَدْعُوٌّ"، و"عُتُوٌّ". و"عُتُوٌّ": مصدر "عَتا يَعْتُو". هذا هو الوجه المختار، ويجوز القلب في الواحد، فيقال: "مَغْزِيٌّ"، و"مَدْعِيٌّ". قال الشاعر [من الطويل]:
٧٣٥ - وقد عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةُ أنَّنِي ... أنا اللَّيثُ مَعْدِيًّا عليه وعادِيا
стр. 1149
أنشده أبو عثمان "مَعْدُوًا" بالواو على الأصل، ورواه غيرُه "مَعْدِيًّا". فأمّا الجمع من نحو: "حُقِيٍّ"، و"عُصِيٍّ"، فلا يجوز فيه إلَّا القلبُ، وقد شذّت ألفاظٌ من هذا الجمع، فجاءت على الأصل غيرَ مقلوبة، كأنّهم صحّحوها مَنْبَهة على أنّ أصلها ذلك. قال الشاعر [من الوافر]:
٧٣٦ - ألَيْسَ مِن البَلاءِ وَجِيبُ قَلْبِي ... وإيضاعِي الهُمُومَ مع النُّجُوِّ
أراد جمع "نَجْوٍ" من السَّحاب. وحكى سيبويه (١) عن بعض العرب أنَّه قال: "إنّكم
стр. 1150
لَتنظرون في نُحُوٍّ كثيرةٍ"، يريد جمعَ "نَحْوٍ"، أي: جهاتٍ. وقالوا: "بَهْوٌ"، و"بُهُوٌّ" في الصدر، و"بُهِيٌّ" أيضًا. وحكى ابن الأعرابيّ: "أبٌ"، و"أُبُوٌّ"، و"أخٌّ"، و"أُخُوٌّ". وأنشد القَنانيّ [من الطويل]:
٧٣٧ - أبَى الذّمّ أخْلاقُ الكِسائيّ وانْتَهَى ... به المَجْدُ أخْلاقَ الأُبُوِّ السَّوابقِ
وأمّا "قُِسِيٌّ" من "قُوُوسٍ"، ووزنُه "فُِلُوعٌ" مقلوبٌ من "فُِعُولٍ" كأنّه في التقدير جمعُ "قَسْوٍ"، ثمّ قُلبت الواو فيه ياءً كـ"دَلْوٍ"، و"دُلِيٍّ"، فاعرفه.
فصل [جمع ذي التاء من المحذوف العجز]
قال صاحب الكتاب: وذو التاء من المحذوف العجز يجمع بالواو والنون مغيراً أوله، كـ "سنون", وقلون، وغير مغير كـ "ثُبون" و"قُلون"، وبالألف والتاء مردوداً إلى الأصل كـ "سنوات", و"عضوات"، وغير مردود كـ "ثُبات" و"هنات", وعلى "أفْعُلَ" كـ "آم". وهو نظير "آكم".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ أقلّ الأسماء أُصولًا ما كان على ثلاثة أحرف، فأمّا ما كان منها على حرفَيْن، وفيه تاءُ التأنيث، نحوُ: "قُلَةٍ"، و"ثُبَة"، و"بُرَة"، و"كُرَة"، و"سَنَةٍ"، و"مِئَة"، فإنّها أسماءٌ منتقصٌ منها محذوفةُ اللامات، فأصلُ "قُلَةٍ": "قُلْوَة"، فحُذفت الواو تخفيفًا، والقُلَةُ: اسمُ لُعْبة، وهو أن يُؤخَذ عُودان صغيرٌ وكبيرٌ، يُوضَع الصغير على الأرض، ويُضرَب بالكبير، وهو من الواو، لقولهم: "قَلَوْتَ بالقُلَةِ" إذا لعبتَ (١) بها.
стр. 1151
و"الثُّبَة": الجماعة من قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (١)، وأصلُ "ثُبَةٍ": ثُبْوَةٌ، كـ"ظُلْمَةٍ"، و"غُرْفَةٍ". وقد بينتُ أمره في أوّلِ هذا الفصل، هو من قولهم: "ثَبَّيْتُ"، أي: جمعتُ، فهذا يدلُّ أنّ اللام حرفُ علّة، ولا يدلّ أنّه من الواو والياء؛ لأنّ الواو إذا وقعت رابعة، تُقلَب ياءً، نحوَ "أعْطَيْتُ"، و"أرْضَيْتُ"، وهو من "عَطا يَعْطُو"، و"الرِّضْوانِ". وإنّما قلنا: إنها من الواو, لأنّ أكثرَ ما حُذف لامه من الواو، نحوَ: "أخٍ"، و"أبٍ".
وأما "البُرَةُ"، فأصلُها: "بروة"، واللامُ محذوفة، و"البرةُ": حَلْقة تُجعَل في أنف البعير لينقادَ، وهي معتلّةُ اللام؛ لقولهم في جمعها "بُرَى". وينبغي أن يكون المحذوف واوًا حملًا على الأكثر. و"كُرَةٌ" كذلك لقولهم: "كَرَوْتُ بالكُرَة". و"سَنَةٌ" من الواو لقولهم "سَنَواتٌ"، ومن قال: "سانَهْتُه"، كان المحذوف منه الهاءَ، والهاءُ مشبّهةٌ بحرف العلّة، فحُذفت كحذفه.
وأمّا "مِئَةٌ"، فأصلُها "مِئْيَةٌ" بالياء؛ لقولهم: "أمْأيْتُ الدراهمَ" إذا كمّلتَها مائة، وقالوا في معنى مائةٍ: "مأَى". وهذا قاطعٌ على أنّه من الياء. فإذا أُريد جمعُ شيء من ذلك، كان بالألف والتاء، نحوَ: "قُلاتٍ"، و"ثُبات"، و"بُرات"، و"كُرات"، و"مِئات". هذا هو الوجه في جمعها؛ لأنّها أسماءٌ مؤنّثةٌ بالتاء، فكان حكمها في الجمع حكمَ "قَصْعَةٍ"، و"جَفْنَةٍ"، ولم يكسّروها علي بناء يردّ المحذوفَ، فيكون نقضًا للغرض، وتراجُعًا عمّا اعتزمه فيها، فلذلك وجب جمعُها بالألف والتاء.
وقد يجمعون ذلك بالواو والنون، فيقولون: "قُلُونَ"، و"بُرُونَ"، و"ثُبُونَ"، و"سِنُونَ"، و"مِئُونَ"، ونحوَ ذلك، كما يجمعون المذكر ممّن يعقل من نحو: "المسلمين"، و"الصالحين"، كأنّهم جعلوا جمعه بالواو والنون عوضًا ممّا مُنعه من جمع التكسير.
ومنهم من يكسر أوّلَ هذه الأسماء، فيقولون: "قِلُونَ"، و"ثِبُونَ"، و"سِنُونَ". وإنّما فعلوا ذلك للإيذان بأنّه خارجٌ عن قياسِ نظائره؛ لأنّه ليس في الأسماء المؤنّثة غيرِ المنتقص منها ما يُجمع بالواو والنون، وقد قال بعضهم في "مِئُونَ": إنّ الكسرة في الجمع غيرُ الكسرة في الواحد، كما أنّ الضمّة في قولهم: "يا مَنْصُ" في لغةِ من قال: "يا حارُ" بالضمّ، غيرُ التي كانت في "مَنْصُورٍ". وقال أبو عمر الجَرْميّ: إِن الجمع بالألف والتاء للقليل، وبالواو والنون للكثير، فيقولون: "هذه ثباتٌ قليلةٌ"، و"ثُبُونَ كثيرةٌ". ولا أرى لذلك أصلًا، وكأن الذي حمله على ذلك أنّهم إذا صغروه، لم يكن إلّا بالألف والتاء، نحوَ: "سُنَيّاتٍ"، و"قُلَيّات"، و"ثُبَيات"، وإنّما ذلك لأنّه إذا صُغّر، يُرَدّ إليه المحذوف، فيصير كالتامّ، فيُجمع بالألف والتاء كما يُجمع التامّ.
وقد يجمعون من ذلك بالألف والتاء ما لا يجمعونه بالواو والنون، قالوا: "ظُباتٌ"،
стр. 1152
و"سِياتٌ"، ولم يقولوا: "ظُبُونَ"، ولا "سِيُونَ"، كأنّهم استغنوا عنه بالألف والتاء. وفي
ذلك دليلٌ على أن الجمع بالألف والتاء هو الأصلُ في هذه الأسماء؛ لأنّك تجمع بالألف
والتاء كل ما تجمعه منها بالواو والنون، ولستَ تجمع بالواو والنون كل ما تجمعهُ بالألف
والتاء منها.
والوجهُ ألا تردّ المحذوفَ في الجمع في نحو: "قُلات"، و"ثُبات"؛ لِما ذكرناه من إرادة التخفيف فيها، وتعويضِ التاء عن المحذوف، ولذلك استغنوا عن تكسيرها. وقد ردّوا المحذوف في شيء منها تنبيها على الأصل، وأنَّسَ بذلك أنّ تاء التأنيث التي هي عوضٌ قد انحذفت، قالوا: "سَنَةٌ"، و"سَنَواتٌ"، وقالوا: "هَنَةٌ"، و"هَنَواتٌ"، و"هَناتٌ". قال الشاعر [من الطويل]:
أرَى ابنَ نِزارٍ قد جَفاني ومَلَّني ... على هَنَواتٍ شَأْنُها مُتَتابِعُ (١)
وقالوا "عِضةٌ"، وَ"عضاه"، و"عِضَواتٌ". قال الشاعر [من الرجز]:
٧٣٨ - هذا طَرِيقٌ يَأزِمُ المآزِمَا ... وعِضَواتٌ تَقطَعُ اللَّهازِمَا
وقد كسّروا شيئًا منها تكسيرَ التامّ، قالوا: "أمَةٌ"، وفي القليل: "آمٍ" وفي الكثير:
стр. 1153
"إماءٌ"، فـ "أمَةٌ" "فَعَلَةُ" بتحريك العين، وجُمعت في القلّة على "أفْعُلَ"، كما قالوا: "أكَمَةٌ". وأصلُ "آمٍ": "آمُوٌ"، فأبدلوا من الضمّة كسرةً، ومن الواو ياءً، كما فعلوا في "أدْلٍ"، و"أجْرٍ". وقالوا في الكثير: "إماءٌ"، كما قالوا: "إكامٌ"، ولم يقولوا: "أمُونَ"، فيجمعوه بالواو والنون، كما قالوا "سِنُونَ"؛ لأنّهم قد كسّروه. والجمعُ بالواو والنون، إنما هو عوضٌ من التكسير، ولم يجمعوه بالألف والتاء، فيقولوا: "أمَواتٌ" كما قالوا "سَنَواتٌ"؛ لأنّهم استغنوا عن ذلك بـ"آمٍ"، إذ كان جمعَ قلّة مثلَه، فاعرفه.
فصل [جمع الرُّباعيّ]
قال صاحب الكتاب: ويجمع الرباعي - إسماً كان, أو صفة، مجرداً من تاء التأنيث, أو غير مجرد - على مثال واحد, وهو "فعالل", كقولك: "ثعالب" و"سلاهب", و"دراهم", و"هجارع", و"براثن", و"جراشع", و"قماطر", و"سباطر", و"ضفادع", و"خضارم".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول إنّ الرباعيّ، لثِقَله بكثرة حروفه، لم يتصرّفوا فيه تصرُّفَهم في الثلاثيّ، فلم يضعوا له في التكسير إلّا مثالًا واحدًا، كالوا به جميعَ أبنية الرباعي القليلَ والكثيرَ، وهو "فَعالِلُ"، أو ما كان على طريقته ممّا ثالثُ حروفه ألفٌ، وبعدها حرفان، وذلك نحو: "ثَعْلَبٍ"، و"ثَعالِبَ"، و"بُرْثُنٍ"، و"بَراثِنَ"، و"جُرْشُعٍ"، و"جَراشِعَ"، و"قِمَطْرٍ"، و"قَماطِرَ"، و"سِبَطْرٍ". و"سَباطِرَ"، و"ضِفْدِعٍ"، و"ضَفادِعَ"، و"خِضْرِمٍ"، و"خَضارِمَ". و"البُرْثُنُ" من السباع والطير كالأصابع من الإنسَان، والمخالِبُ كالظُّفْر، والجُرْشُعُ من الإبل: العظيمُ، والقِمَطْرُ: وعاءٌ تُصان فيه الكُتُب، ومنه قول الشاعر [من الرجز]:
٧٣٩ - ليس بعِلْمٍ ما يَعِي القِمَطْرُ ... ما العِلْمُ إلّا ما وَعاهُ الصَدْرُ
стр. 1154
والسبَطْرُ كالبسيط وهو المُمْتَدّ، والضِّفْدِعُ معروفةٌ من دَوابّ الماء، وهو ضِفْدِعٌ بكسر الضاد والدال كـ"زِبْرِجٍ" (١)، وقد تُفتح الدال، وهو قليل. والخِضْرِم من أوصاف البَحْر يقال: "بحرٌ خضرمٌ" أي: كثيرُ الماء، و"رجلٌ خضرمٌ": كثيرُ العطيّة، فهذا وزنُه "فَعالِلُ"؛ لأنّ حروفه كلّها أصولٌ. وقالوا "مَسْجِدٌ"، و"مَساجِدُ"، فهذا وزنُه "مَفاعِلُ"، وقالوا في المُلْحَق به "جَدْوَلٌ"، و"جَداوِلُ"، وهذا وزنُه "فَعاوِلُ".
والبناء في هذا كلّه على طريقة واحدة، وإنّما اختاروا هذا البناء لخفته، وذلك أنّه لمّا كثُرت حروف الرباعيّ، فطال، ثقُل، ووجب طلبُ الخفّة له، ولِما ذكرناه من ثِقَله، كان الرباعيّ في الكلام أقل من الثلاثي، ولزم جمعُه طريقةً واحدةً، ولم يزد في مثال تكسيره إلا زيادةً واحدةً هَرَبًا من الثقل. واختاروا أَخَفَّ حروف اللين، وهي الألفُ، وفتحوا أوّلَه لخفّة الفتحة، وكسروا ما بعد الألف حملًا على التصغير؛ لأنّ الألف في التكسير وسيلةُ ياء التصغير، فكما كسروا ما بعد ياء التصغير، كسروا ما بعد الألف في التكسير.
والذي يدلّ أن الفتحة في "ثَعالِبَ"، و"جَعافِرَ" غيرُ الفتحة في "ثعْلَبٍ"، و"جَعْفَرٍ"؛ فتحها في "سَباطِرَ"، و"بَراثِنَ" مع أن الأوّل في "سِبَطْرٍ"، و"بُرْثُنٍ" ليس مفتوحًا.
ولم يجيئوا في الرباعيّ ببناء قلّة، وإنّما بناء أدنى عدده وأقصاه بناء واحد وهو "فعالِلُ"، فتقول: "ثلاثةُ قَماطِرَ"، فتستعمله في القليل، وهو للكثير؛ لأنّك لا تصل إلى الجمع بالألف والتاء, لأنه مذكر، ولا يمكن الإتيانُ ببناء أدنى العدد إلا بحذف حرف من نفس الاسم. ألا ترى أنّك لو أخذتَ تكسّر نحو: "ضِفْدِع" على "أَفْعُلَ"، و"أَفْعالٍ"، لوجب أن تقول: "أَضْفُدٌ"، و"أَضْفادٌ"؟ فلمّا كان يؤدّي بناء القلّة إلى حذفِ شيء من الاسم، وكان عنه مندوحةٌ، رُفض.
وإذا اجتُزىء ببناء الكثرة عن بناء القلّة حيث لا حَذْفَ، نحو: "شُسُوعٍ"؛ كان هنا أُولى. ولا فَرْقَ في ذلك بين الاسم والصفة، ألا تراهم يقولون في "ثَعْلَبٍ"، و"جَعْفَرٍ"، "ثَعالِبُ"، و"جَعافِرُ". وكذلك تقول في "سَلْهَبٍ"، و"صَقْعَبٍ"، "سَلاهِبُ"، و"صَقاعِبُ"، والسلهب: الطويل، وكذلك الصقعب. وكما قالوا: "ضِفْدِعٌ"، و"ضَفادِعُ"، و"زِبْرجٌ"،
стр. 1155
و"زَبارجُ"، قالوا: "خِضْرِمٌ"، و"خَضارِمُ"، و"صَمْرِدٌ"، و"صَمارِدُ". والصمرد: الناقةُ القليلةُ اللبن، وكذلك الباقي، لا فرق فيه بين الاسم والصفة، وذلك أنهم إذا استثقلوا الاسمَ، وراموا تخفيفَه، فلأن يخفّفوا الصفة لثقلها بتضمنها ضميرَ الموصوف، كان ذلك أَوْلى.
وكذلك ما فيه تاء التأنيث حكمُه في التكسير حكمُ ما لا تاء فيه، نحو:"زردمةٍ", و"زَرادِمَ"، و"جُمْجُمَةِ"، و"جماجِمَ"، و"مَكْرُمةٍ"، و"مَكارِمَ"، تجمعه جمعَ ما لا تاء فيه؛ لأن التاء زائدة تسقط في التكسير، إلاَّ انك إذا أردت أدنى العدد، جمعتَه بالألف والتاء، نحو: "زَرْدَمات"، و"جُمْجُمات"، و"مكرمات"، لمكان تاء التأنيث، فاعرفه.
[جمع الخماسيّ]
قال صاحب الكتاب: وأما الخماسي, فلا يكسر إلا على استكراه, ولا يتجاوز به إن كسر هذا المثال بعد حذف خامسه, كقولهم في "فرزدق": "فرازد"، في "جحمرشٍ" جحامر.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّه لا يجوز جمعُ الاسم الخماسي؛ لإفراطه في الثقل بطُوله، وكثرة حروفه، وبُعْدِه عن المثال المعتدل، وهو الثلاثيّ، وتكسيرُه يزيده ثِقَلاً بزيادة ألف الجمع، فكرهوا تكسيرَه لذلك. فإذا أريد تكسيرُه، حذفوا منه حرفاً، وردوه إلى الأربعة، وذلك الحرفُ الآخِرُ. وإنما حذفوا الآخر لوجهَيْن: أحدهما: أنّ الجمع يسلم حتى يُنتهى إليه، فلا يكون له موضعٌ. الثاني: أن الحرف الآخر هو الذي أثقلَ الكلمة، فلولا الخامسُ، ما كان ثقيلاً، فلذلك تَنكبوا تكسيرَ بنات الخمسة؛ لكراهِيَتهم أن يحذفوا من الأصول شيئًا، وذلك قولك في "سَفَرْجَل": "سَفارِجُ"، وفي "شَمَرْدَلٍ" (١): "شَمارِدُ"، وكذلك جميعُ الخماسي؛ تحذف اللامَ، وتبنيه على مثالٍ من أمثلة الرباعيّ، نحو: "جَعْفَر"، و"زِبْرِج"، ونحوهما، ثم تجمعه جمعه. وقالوا في "فَرَزْدَق": "فَرازِقُ"، والجيدُ: "فَرازِدُ". وإنما حذفوا الدال؛ لأنها من مَخْرج التاء، والتاء من حروف الزيادة، فلما كان كذلك، وقُربت من الطرف؛ حذفوها. ومن قال ذلك، لم يقل في "جَحْمَرِشٍ" (٢): "جَحارِشُ"؛ لتباعُد الميم من الطرف.
* * *
قال صاحب الكتاب: ويقال: "دهثمون" و"هجرعون", و"صهصلقون", و"حنظلاتٌ" و"بهصلات", و"سفرجلات", و"جحمرشات".
* * *
стр. 1156
قال الشارح: يريد أن الاسم الخماسي لا يُجمع مكسرًا لِما ذكرناه، ويُجمع سالمًا؛ لأن الزيادة التي تلحقه في جمع السلامة غيرُ معتد بها من نفس الكلمة؛ لأنها زيادة عليها بعد سلامة لفظ الواحد بمنزلة الزيادة للإعراب. والنحويون يقدّرون التثنية وجمعَ السلامة تقديرَ ما عُطف من الأسماء، فإذا قلت: "الزيدان"، فهو بمنزلةِ "زيدٌ، وزيدٌ"، وإذا قلت: "الزيدون"، فهو بمنزلةِ "زيد، وزيد، وزيد". فكما أن المعطوف أجنبى من المعطوف عليه، كذلك ما قام مقامه، فإذا كان الاسم الخماسيّ عَلَمًا، جمعتَه جمعَ السلامة، نحو: "فَرَزْدَقٍ"، و"فرزدقون"، وكذلك إذا كان صفة من صفات من يعقل، وذلك قولهم: "دَهْثَمٌ"، و"دَهْثَمُونَ"، و"هِجْرَعٌ"، و"هِجْرَعُونَ". الدهثمُ: السهْلُ الخُلُق، وأرضٌ دهثمةٌ أي: سهلة. والهجرع: الطويل. وقالوا: "صَهصَلِقٌ"، "وصَهْصَلِقون". والصهصلق: الصوت الشديد، يقال: "رجلٌ صهصلقُ الصوت، وقوم صهصلقون".
وقوله "حَنْظَلات"، و"بُهْصُلات"، و"سَفَرْجَلات"، و"جَحْمَرِشات"؛ يريد أنّ الاسم الرباعي والخماسي إذا كان فيهما تاء التأنيث، جمع لأدنى العدد بالألف والتاء، نحو: "حنظلة"، و"حنظلات"، وهي الشَّرْيُ، و"بهصلة"، و"بهصلات"، والبهصلة، بالباء المضمومة والصاد غير المعجمة المضمومة: المرأةُ القصيرة. وقالوا في الخماسيّ: "سفرجلةٌ"، و"سفرجلات"، و"جحمرش"، و"جحمرشات"، والجحمرشُ: العجوز المُسِنّة، جمعوها بالتاء؛ لأنها مؤنّثة وإن لم تكن فيه علامة، فاعرفه.
فصل [جمع الثلاثي المزيد بحرف الذي ثالثة مدة]
قال صاحب الكتاب: وما كانت زيادته ثالثة مدة فلأسمائه في الجموع أحد عشر مثالاً: أفعلة، فعل، فعلان، فعائل، فعلان، فعلة، أفعال، فعال، فعول، أفعلاء، أفعل. وذلك نحو أزمنة وأحمرة وأغربة وأرغفة وأعمدة وقذل وخمر وقرد وكثب وزُبُر وغزلان وصيران وغربان وظلمان وقعدان وشمائل وأفائل وذنائب وزُقّانٍ وقضبان وغلمة وصبية وأيمان وأفلاء وفصال وعنوق وأنصباء وألسن. ولا يجمع على أفعل إلا المؤنث خاصة نحو عناق وأعنق وعقاب وأعقب وذراع وأذرع. وأمكن من الشواذ.
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما كان من الأسماء على أربعة أحرف وثالثُه حرفُ لِين، فأبنيةُ تكسيره أحدَ عشرَ بناء على ما ذَكَرَ. والأسماء التي تُكسر من هذا البناء خمسةُ أبنية: "فَعَال" كـ "زَمان"، و"فِعالٌ"، كـ"حِمار" و"فُعالٌ"، كـ"غُراب"، و"فَعِيلٌ"، كـ"رَغِيف"، و"فَعُولٌ"، كـ"عَمُود".
стр. 1157
فما كان من الأول وهو "فَعالٌ"؛ فإنه يُجمع في القلة إذا كان اسمًا مذكرًا على "أَفْعِلَةَ"، نحو: "زَمانٍ"، و"أَزْمِنَةٍ"، و"قَذالٍ"، و"أقْذِلَةٍ"، و"فَدانٍ"، و"أَفْدِنةٍ"، وكذلك كل ما كان على أربعة أحرف ثالثُه حرفُ مدّ ولِين، نحو: "حِمار"، و"أَحْمِرَةٍ"، و"غُراب"، و"أغربة", و"رَغِيف"، و"أرغفة"، و"عَمُود"، و"أعمدة"؛ لأنها سواء في الزيادة والحركة والسكون. وإنما جمعوه على "أَفْعِلَةَ" في القلة؛ ليكون على منهاج "أَفْعُلَ" في جمع "فَعْل" بسكون العين، كانّهم تَوهموا حذفَ الزائد. وذلك أنّ هذه الأسماء، إنما زادت على "فَعْل" بحرف اللين، وهو مَدة زائدة، وما قبله من الحركة من تَوابعه وإعراضه، إذ لا يكون حرفُ المدَّ واللين إلَّا وقبله من جنسه (١).
وكما جمعوا "فَعلاً" على "أَفْعُلَ"، نحو: "كَلْب"، و"أَكْلُبٍ"، كذلك جمعوا هذه الأسماء على "أَفْعِلَةَ"، إذ لا فَرْقَ بين "أَفْعُلَ"، و"أَفْعلَةَ"، إلَّا زيادةُ عَلَم التأنيث، فأما الهمزةُ، ففي أولهما جميعاً. والضمةُ التي في عينِ "أَفْعُلَ" كالكسرة التي في عين "أَفْعِلَةَ"، مع أنْ هذه الضمة قد تفسير كسرةٌ مع المعتل في نحو: "أَدْلٍ"، و"أَظْبٍ". فإذا أردت بناء الكثرة، قلت: "فَدانٌ"، و"فُدْنٌ"، و"قَذالٌ"، و"قُذُلٌ". وقد يستغنون ببناء القلة، فلم يجاوزوه، نحو: "زمانٍ"، و"أَزْمِنَةٍ"، و"مَكانٍ"، و"أَمْكِنَةٍ". وقد كسروه على "فُعُولٍ"، قالوا: "عَناقٌ"، و"عُنُوق".
وأما الثاني، وهو"فِعالٌ" بكسر الفاء، فحكمُه في جمع الكثرة كحكم "فَعالٍ", لأنه ليس بينهما في البناء إلَّا فتح الأول وكسرُه، ولذلك استويا في بناء جمع الكثرة، كما استويا في القليل، فتقول في القليل: "حِمارٌ"، و"أَحْمِرَةٌ"، و"خِمارٌ"، و"أَخْمِرَةٌ"، كما كان كذلك في "فَعالٍ". وقالوا في الكثير: "حُمُر"، و"خُمُر"، و"أُزُرٌ"، وقالوا: "شِمالٌ" لليَد، و"شَمائلُ"، كسروه على "فَعائلَ"، كأنهم جعلوه من ذوات الأربعة بزيادة الألف التي فيه، فصار كـ"قِمَطْر" (٢) و"قَماطِرَ"، فأما قول أبي النَجْم [من الرجز]:
٧٤٠ - يأتي لها من أَيْمُن وأَشْمُلِ
стр. 1158
وقول الأزرَق العَنبَري [من البسيط]:
نازَعَتها أَيْمُنٌ شُمُلا (١)
فإنهما قدّرا حذف الألف، فصار ثلاثيًّا، ثم جمعاه على "أَفْعُلَ"، و"فُعُل"، نحو "أَكْلُبٍ"، و"أُسُدٍ"، ومثله، "لِسانٌ"، و"أَلسُنٌ".
وأمّا "فُعال" مضمومَ الفاء، نحو: "غرابٍ"، و"غُلام"، و"خُراج"، فإنه يُكسر لأدنى العدد على "أَفعِلَةَ" على حدّ تكسيرِ "فَعال" و"فِعال"؛ لأنّه ليس بينهما إلَّا ضم الفاء. وذلك قولك: "غُرابٌ"، و"أَغرِبَةٌ"، و"خراج"، و"أَخْرِجَة". ولم يقولوا: "أَغْلِمَةٌ"، كأنهم استغنَوا عنه بـ"غِلْمَةٍ"؛ لأن "غِلْمَةٌ" على زنةِ "فِعْلَةَ"، وهو من أبنية أدنى العدد، وربما رُدّ في التصغير إلى الباب، يقولون "أُغَيْلِمَة".
وقالوا في الكثير: "فِعلانُ"، نحو: "غُراب"، و"غِرْبانٍ"، و"غُلام"، و"غِلْمان". وقيل: إِنما قالوا في الكثير: "فِعلان", لأن ألفة مدة زائدة، فلما حذفت، صار كأنه "غُرَبٌ"، و"غلَمٌ" على مثال "صرَد"، و"جُرَذٍ". فكما قالوا: "صِردانٌ"، و"جِرْذانٌ"، كذلك قالوا: "غِرْبان"، و"غِلمان".
وأما "فَعِيلٌ"، فإنه يُكسر في أدنى العدد على "أَفْعِلَةَ" كـ"فَعالٍ"، و"فِعالٍ"؛ لأنّهن أخواتٌ في الزنة والحركاتِ والسكونِ. وذلك قولك: "جَريبٌ"، و"أَجرِبَةٌ"، و"كَثِيبٌ"، و"أَكْثِبَةٌ"، و"رَغِيفٌ"، و"أَرْغِفَةٌ". وربما كسروه في القلة على "فِعْلَةَ"، نحو: "صَبِى"، و"صِبْيَة"، كما قالوا: "غِلمَةٌ"، وعلى "أَفْعالٍ"، نحو: "يَمِين" و"أيْمانٍ"، كأنهم حذفوا الزائد، وكسروا ذوات الثلاثة.
فإذا جاوزتَ أدنى العدد، فإنه يجيء على "فعُلٍ" كأخواته، وعلى "فُعلانَ"، نحو قولك: "قَضِيبٌ"، و"قُضُب"، و"قُضْبان"، و"رَغِيفٌ"، و"رُغُف"، و"رُغفانٌ"، و"كَثِيبٌ"، و"كُثُبٌ"، و"كُثبان"، هذا بابُه، وعليه قياسُ ما جُهل أمره، وما عدا ذلك، فشاذ يُسمَع ولا يقاس عليه.
وقالوا: "نَصِيبٌ"، و"أَنصِباء"، و"خَمِيسٌ"، و"أَخمِساء"، فجمعوه على "أفعِلاء"، كأنهم شبّهوه بالصفة، حيث قالوا: "شَقِيٌ"، و"أَشقِياء"، و"تَقِي"، و"أَتْقِياءُ". ولأنهم يجمعون عليه ما كان معتلاً أو مضاعفًا؛ جاؤوا بهذا البناء في الكثير على منهاج بناء القلة، ألا ترى أنّه لا فرقَ بينهما إلا إبدالُ عَلَم التأنيث، وهو التاء بغيره.
وقد كسروه على "فِعلانَ" بكسر الفاء, وهو قليل أيضًا، قالوا: "ظَلِيمٌ"،
стр. 1159
و"ظِلْمانٌ"، و"قَضِيبٌ"، و"قِضْبانٌ"، ويقال: "قُضْبانٌ" أيضًا، وقالوا: "فَصِيلٌ"، و"فُصْلانٌ"، و"عَرِيضٌ"، و"عُرْضانٌ"، كأنّهم شبّهوه بـ "فُعالٍ"، وكسّروه تكسيرَه، نحو: "غُرابٍ"، و"غِرْبانٍ". والعَرِيضُ: التيْسُ، كأنّهم جاؤوا به على حذف الزائد. وقالوا "أَفِيلٌ"، و"آفالٌ"، و"أَفائِلُ"، فمن قال: "آفالٌ"، جمعه على حذف الزيادة، وجعله ثلاثيًا، ومن قال: "أَفائِلُ"، جمعه على الزيادة، كما قالوا: "شَمائِلُ". وقالوا: "أديمٌ"، و"أَدَمٌ"، و"أَفِيقٌ"، و"أَفَقٌ"، وهما اسمان للجمع، وليسا بتكسير الواحد.
وأما "فَعُولٌ"، فمجراه في التكسير مجرى "فَعِيلٍ"، وذلك لاستوائهما في العدد والحركات والسكون، ليس بينهما فرقٌ إلَّا أنّ زيادة "فَعُول" الواو، وزيادة فَعِيلٍ الياء، والياء أختُ الواو، فإذا أردت أردت العدد، بنيتَه على "أَفْعِلَةَ"، كما كان "فعيل" كذلك، فتقول: "عَمُودٌ" و"أَعْمِدَة"، و"خَرُوف"، و"أَخْرِفَة"، و"قَعُود"، و"أَقْعِدَة"، وتقول في الكثير "عُمُدٌ" و"عُتُدٌ"، و"قُدُمٌ"، في جمع "قَدُومٍ"، كسروه على حد "قَلِيبٍ"، و"قلُبٍ"، و"كَثِيبٍ"، و"كُثُبٍ".
وقد قالوا: "خِرْفان"، و"قِعْدان"، و"عِتْدان" في جمع "عَتُود"، شبهوه بـ "غُراب"، و"غِرْبان"، و"غُلام"، و"غِلْمان". والبابُ الأوّل، خالفتْ "فَعُول"، "فَعِيلًا" هنا كما خالفتها "فُعالٌ".وقالوا: "ذَنُوبٌ"، للدَّلو، و"ذَنائِبُ"، كسّروه بالزيادة، كما قالوا: "أَفائِلُ"، وقد جاؤوا به في القلة على "أَفْعالٍ"، نحو: "فَلُو"، و"أَفْلاء"، كسروه على حذف الزيادة.
واعلمْ أن كل ما جاء من ذلك على "فُعُلٍ"، فيجوز تسكينُه تخفيفًا، نحو قولك في "كُتُب": "كُتْبٌ"، وفي "رُسُل": "رُسْلٌ"، وهي لغةُ بني تميم. قالوا: كل ما أصله الحركة يجوز تسكينُه تخفيفًا، وحُكي عن أبي الحسن: أن كل "فُعل" في الكلام، فتثقيله جائزٌ، إلَّا ما كان صفة، نحو: "حُمْرٍ"، أو معتل العين، نحو: "سُوقٍ". فالأولُ يجوز في الكلام وحال السعة، والثاني لا يجوز إلَّا في الشعر. فقد صار أمثلةُ تكسيره أحدَ عشرَ مثالًا، من ذلك "أَفْعِلَةُ"، وهي القياس فيه لأدنى العدد، يشترك فيه الأبنيةُ الخمسةُ: "فَعالٌ"، نحو: "زَمانٍ"، و"أَزمِنَةٍ"، و"فِعال"، كـ"حِمار"، و"أَحْمِرَة"، و"فُعال"، كـ"غُراب"، و"أَغرِبَة"، و"فَعِيل"، كـ"رَغِيف"، و"أَرْغِفَة"، و"فَعُول"، كـ"عَمُود" و"أَعْمِدَة". ومن ذلك "فُعُل" بضم الفاء والعين، وهو القياس في الكثير، وقد جاء في الأمثلة الخمسة، من ذلك "فَعالٌ"، قالوا: "قَذالٌ"، و"قُذُلٌ"، وهو مؤخر الرأس، ومَعْقِد العِذار من الفرس، و"فِعالٌ"، نحو: "حِمار" و"حُمُر"، و"فُعال"، نحو: "قُراد"، و"قُرُد". والقُراد: صِغارُ الحَلَم، ويُجمَع على "قِرْدانٍ" أيضًا، و"فَعِيلٌ"، نحو: "كَثِيب"، و"كُثُب"، وهي تِلالُ الرمل، و"فَعُولٌ" نحو: "زَبُور"، و"زُبُر"، وهو الكتاب، وهو "فَعُولٌ" بمعنى "مَزبُور"، أي: مكتوب فيه. ومنه "فِعلانُ"، وقد جاء أيضًا في الأمثلة الخمسة، قالوا: "غَزالٌ"،
стр. 1160
و"غِزلان" و"صِوار"، و"صِيرانٌ"، والصّوارُ: القطيع من البَقَر، وهو أيضًا وعاء المِسْك. قال الشاعر [أمن الوافر]:
٧٤١ - إذا لاحَ الصوارُ ذكرتُ لَيْلَى ... وأَذكُرُها إذا نَفَحَ الصوارُ
فجمع بينهما. و"فُعال": "غُرابٌ"، و"غِرْبانٌ"، و"فَعِيلٌ": "ظَلِيمٌ"، و"ظِلمانٌ"، و"فَعُولٌ": "قَعُودٌ"، و"قِعْدانٌ". ومن ذلك "فَعائِلُ" جاء في بنائَيْن "فَعِيل"، و"فَعُولٍ"، قالوا في "فَعِيل": "أَفِيلٌ"، و"أَفائِلُ"، وهي صغار الإبل، وقالوا في "فَعُولٍ": "ذَنُوبٌ"، و"ذَنائِبُ". والذنوب: الدلْوُ المملوءة.
ومن ذلك "فُعلانُ"، وهو في بناءين: "فُعالٍ"، نحو: "زقاقٍ"، و"زُقانٍ"، و"فعِيل"، نحو: "قَضِيب"، و"قُضبانٍ". ومن ذلْك "فِعلَة"، وهو منها في بناءين أيضًا: "فُعالٍ"، قالوا: "غُلامٌ"، و"غِلمَةٌ"، و"فَعِيل"، نحو: "صَبِىٍّ"، و"صِبيةٍ"، وهي من أبنية أدنى العدد.
ومن ذلك "أَفعال"، وهو في بناءَين: "فَعِيلٍ"، و"فعُولٍ"، قالوا لليَد: "يَمِينٌ"، و"أَيمانٌ"، و"فَلُوٌّ"، و"أَفْلاءٌ". والفَلُوُّ: المُهرُ، سُمي بذلك؛ لأنه يُفتلى عن أمه، أي: يُقطَع.
ومن ذلك "فِعالٌ" لم يأت إلَّا في مثال واحد، وهو"فَعِيل". قالوا: "فَصِيلٌ"، و"فِصالٌ".