في قولهم لهُودٍ ﵇ (١): ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ (٢)، وهو مأخوذ من "كنَوْت" عن الشيء، و"كنَيْت"، بالواو والياء، إذا عبّرتَ عنه بعبارةٍ أُخرى تَوْرِيَةً. والمضمراتُ كلّها كنايات عمّا تقدّمها من الظَّواهر.
و"فلانٌ" و"فلانةُ": كناياتٌ عن أعلام الأناسيّ خاصةً، ولا يدخلها اللام، إيذانًا بأن المَكْنيّ عنه كذلك. قال الشاعر [من الرجز]:
٨٩ - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَانًا عن فُلِ
أراد: فلانًا عن فلان، وإنّما حذف تخفيفًا، وهذا الحذفُ من تغييرات النداء، واستعمالُه ها هنا، في غير النداء، ضرورة.
و"أبو فلانٍ"، و"أُمُّ فلانٍ": كنايةٌ عن الكُنَى، نحو: "أبي محمّدٍ"، و"أبي القاسم"، و"أُمُّ هانِيء".
وإذا كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا اللام، فقالوا: "الفلان"، و"الفلانة". وذلك لنُقْصانهن عن درجة الأناسيّ في التعريف؛ إذ العلميةُ فيها إنّما كان على التشبيه بالأناسيّ.
فأمّا "هَنٌ"، وَ"هَنَةٌ" فكنايات عن الأجناس. فَـ "هَنٌ": كنايةٌ عن المذكّر، و"هنةٌ" كنايةٌ عن المؤنّث؛ تقول: "عندي هَنُو زيدٍ"، وإذا سُئِلت عنه قلت: كنايةٌ أو توريةٌ بَيانًا له وإيضاحًا. فإن نكرتَ وقلت: "هنٌ"، و"هنةٌ"، كان كناية عن النكرات، كما كان "فلانٌ"
стр. 142
كناية عن المعارف والأعلام. فإن أضفت كانت كناية عن المعارف المضافةِ؛ وأكثرُ ما يُستعمل في المُنْكَرات والشدائد. قال الشاعر [من المتقارب]:
٩٠ - وقد رَابَني قولُها يا هَنا ... هُ وَيْحَكَ أَلْحَقْتَ شَرًّا بِشَرْ
فمعنَى "يا هناهُ": يا رجلُ. و"هناه" لا يستعمل إلَّا في النداء. وقال الآخر [من السريع]:
٩١ - رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ ما فيهما .... وقد بَدَا هَنْكِ من المِئْزَرِ
стр. 143
أراد "هَنُك" بالرفع؛ أعربه بالحركة في حال الإضافة، وهي لغةٌ، وسكّنه تشبيهًا بـ"عَضْدٍ". وليس بأبعدَ من قول امرئ القيسْ [من السريع]:
٩٢ - فاليَوْمَ أَشْرَبْ غيرَ مُستَحْقبٍ ... إثْمًا من اللهِ ولا واغِلِ
لأنه في البيت منفصلٌ، وههنا متصلٌ.
стр. 144
ومن أصناف الاسم " المُعْرَبُ "
فصل
قال صاحب الكتاب: "الكلام في المُعْرَب، وإن كان خليقاً, من قِبَلِ اشتراك الاسم والفعل في الإعراب, بأن يقع في القسم الرابع، إلا أن اعتراض موجبين صوّب إيراده في هذا القسم. أحدهما: أن حق الإعراب للاسم في أصله, والفعل إنما تطفل عليه فيه بسبب المضارعة. الثاني أنه لا بد من تقدم معرفة الإعراب للخصائص في سائر الأبواب".
* * *
قال الشارح: اعلم أن المُعْرَب يفيد الكلمةَ والإعرابَ؛ فالكلمةُ ذات المعرَب التي وقع بها الإعرابُ، اسمًا كان أو فعلًا، إلَّا أن دلالته على الكلمة دلالةُ تسميةٍ ومطابَقةٍ، ودلالتَه على الإعراب دلالةُ التزامٍ؛ فهو من خارجٍ من جهة الاشتقاق، إذ كان من لفظه.
والمراد بالمعرَب ما كان فيه إعرابٌ، أو قابلًا للإعراب. وليس المراد منه أن يكون فيه إعرابٌ لا محالةَ. ألا ترى أنك تقول في "زيد" و"رجل": إنّهما معربان، وإن لم يكن فيهما في الحال إعرابٌ, لأن الاسم إذا كان وحدَه مفردًا من غير ضميمةٍ إليه، لم يستحقّ الإعرابَ, لأن الإعراب إنّما يؤتَى به للفرق بين المعاني، فإذا كان وحده، كان كصَوْتٍ تصوت به، فإن ركّبته مع غيره تركيبًا تحصل به الفائدةُ، نحوَ قولك: "زيدٌ منطلقٌ، وقام بكرٌ"، فحينئذ يستحق الإعرابَ لإخبارك عنه.
وقدّم الكلامَ على المعرب قبل الاعراب، وإن كان المعرب مشتقًّا من الإعراب، والمشتقُّ منه قبل المشتقّ؛ وذلك من قِبَلِ أنّه لمّا كان المعربُ يقوم بنفسه من غير إعرابٍ، والإعرابُ لا يقوم بنفسه، صار المعربُ كالمَحلّ له، والإعراب كالعَرَض فيه، فكما يلزم تقديمُ المَحلّ على الحال، كذلك يلزم تقدمُ المعرب على الإعراب.
واعلم أنّه لمّا رتّب كتابَه أربعةَ أقسام: قِسْمًا في الأسماء، وقسمًا في الأفعال، وقسمًا في الحروف، وقسمًا في المشترَك، قَضَتِ القسمةُ بإيراد الكلام على المعرب في قسم المشترك، من حيث كان يشترِك فيه الاسمُ والفعلُ، فاعتذر عن الوَفاء بذلك بأمرَيْن:
стр. 145
أحدهما: أن أصل الإعراب أن يكون للأسماء دون الأفعال، والأفعالُ محمولة في الإعراب على الأسماء على ما سيوضَح أمرُه في موضعه، فقدّم ذِكْرَه في قسم الأسماء، باعتبارِ أنّه الأصلُ في ذلك؛ والأمرُ الثاني: أنّه لما كانت الحاجةُ ماسّةً إلى تقديمه, لأن إدراك المعاني مرتبِطٌ به، قدّمه لذلك.
فصل [تعريف الاسم المعرب]
قال صاحب الكتاب: "والاسم المعرب ما اختلف آخره باختلاف العوامل, لفظًا أو محلّاً, بحركةٍ أو حرفٍ. فاختلافه لفظًا بحركة في كلِّ ما كان حرف إعرابه صحيحًا أو جاريًا مجراه, كقولك: "جاء الرجلُ", و"رأيت الرجل", و"مررت بالرجل"".
* * *
قال الشارح: "قوله ما اختلف آخِرُه"؛ يريد من الأسماء، لكنّه تركه ثِقَةً بعلم المخاطَب به، ولولا ذلك التقديرُ، لكان اللفظ عامًا يشمَل الاسمَ والفعلَ المعرَبَيْن، وإنمَّا مرادُه تفسيرُ الاسم المُعْرَب لا غيرُ. ويجوز أن يكون أطلق العامَّ، وأراد به الخاصَّ، واحترز بذلك من المبنيّ, لأن المبنّي لا يختلف آخِرُه، وإنّما يلزم طريقةً واحدةً من سكونٍ أو حركةٍ؛ فحركةُ آخره كحركة أوّلِه وحَشوِه في اللزوم والثبات. والمرادُ باختلاف الآخِر اختلافُ الحركات عليه، لا أنّ الحرف في نفسه يختلف ويتغيّر.
وقوله: "باختلاف العوامل"؛ يحترز ممّا قد يتحرّك من المبنيّات على السكون، بغير حركةٍ لالتقاء الساكنَيْن، أو لإلقاء حركةِ غيره عليه.
فالأوّلُ نحوُ: "شُدُّ"، و"شُدَّ"، و"شُدِّ"، و"مُدُّ"، و"مُدَّ"، و"مُدِّ"؛ فهذا وأشباهُه يجوز فيه ثلاثة أوجه: الضمّ والفتح والكسر. فالضمُّ للإتباع، والفتحُ للتخفيف، والكسرُ لالتقاء الساكنَيْن. ومن ذلك قولك: "أخذت مِنَ الرجُل"؛ فتفتح النون لالتقاء الساكنَيْن بسكونها وسكون اللام بعدها، وتقول: "أخذت مِنِ ابْنِكَ"، فتكسرها لسكون النون وما بعدها.
وأمّا ما حُرّك لإلقاء حركة غيره عليه، فنحو قولك: "كَمَ خَذْتَ"؟ في: "كَمْ أخذت"؟ "وكَمِ بِلِكَ"؛ في: "كَمْ إبِلِكَ"؟ و"كَمُ خْتًا لك"؟ في: "كَمْ أُخْتًا لك"؟ ألقيتَ حركاتِ الهمزات على الميم تخفيفًا للهمزة، وقد قُرىء ﴿قَدَ فْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ (١). وهذا يأتي في موضعه مستوفىً. وهذا اختلافٌ كائنٌ في المبنيّات، وليس بإعراب, لأنّه لم يَحْدُث بعامل، فلذلك قيّد الاختلافَ أن يكون بعامل، ولم يُطْلِقْهُ.
стр. 146
وقوله: "لفظًا أو محلاًّ"؛ احترز به من الأسماء التي لا يتبيّن فيها الإعرابُ، وإنّما يُدْرَك البيان من العوامل قبلها، وذلك نحو الأسماء المقصورة، من نحو: "عَصًا"، وَ"رَحًى"؛ والمنقوص في حالتَي الرفع والجرّ, لأن هذه الأسماء معرَبةٌ، وإن لم يظهر فيها إعرابٌ، وإنّما لم يظهر فيها إعراب لنُبُوِّ حرف الإعراب عن تحمُّل الحركات.
وجملة الأمر أنّ المعرب على ضربَيْن: أحدهما: باختلاف في اللفظ بادٍ للأسماع؛ والآخرُ: باختلاف في المحلّ، يقدر تقديرًا من غيرِ أن يُلْفَظ به.
فالاختلافُ في اللفظ يكون بحركة، أو حرف. فالاختلاف بالحركة يكون في كلّ اسم حرفُ إعرابه صحيحٌ، أو جارٍ مجرى الصحيح. فالصحيح ما لم يكن حرفُ إعرابه حرفَ عِلّة، كالواو، والياء، والألف، وذلك نحو: "رجل"، "وفرس". فالآخِرُ من هذه الكَلِم قد اختلف بحسبِ تعاقُب العوامل في أوّلها، وهو: الابتداء، ورأيت، والباء (١).
وقوله: "أو ما كان جاريًا مجراه"؛ يريد أو ما كان جاريًا مجرى الصحيح من المعتل، وذلك إذا سكن ما قبل حرف العلّة منه، وإنّما يتأتى ذلك في الواو، والياء.
فأمّا الألف فلا يمكن سكونُ ما قبلها، وإذا سكن ما قبل حرف العلّة، جرى مجرى الصحيح في تعاقُب حركات الإعراب عليه، نحو قولك: "هذا غَزْوٌ وظَبْيٌ"، و"رأيت غزوًا وظبيًا"، و"مررت بغزوٍ وظبي". وإنما كان كذلك لأنّ الواو إذا انضمّ ما قبلها، والياءَ إذا انكسر ما قبلها، أشبهتا الألفَ، وصارتا مَدَّتَيْن، كما أن الألف كذلك، فحينئذ تثقل الضمّةُ والكسرةُ عليهما، كثقلهما على الألف، إلَّا أن امتناع الألف من الحركة للتعذّر، وامتناعَ الواو والياء منها نوعُ استحسانٍ للثقل، مع إمكان الإتيان بهما فيهما. فأمّا إذا سكن ما قبل الواو والياء، زال المَدّ منهما، وفارقتا الألفَ بذلك، فجرتا لذلك مجرى الصحيح، ولم يثقل عليهما ضمّةٌ وكسرةٌ.
وكذلك الواو المشدّدة، والياء المشدّدة، تدخلهما حركاتُ الإعراب من غير ثقل؛ تقول: "هذا عَدُوٌّ وكُرْسِيٌّ"، و"رأيت عدوًّا وكرسيًّا"، و"مررت بعدوٍّ وكرسيٍّ ". وذلك لأنّ الحرف المشدَّد يُعَدّ بحرفَيْن، الأوّل منهما ساكنٌ، والثاني متحرّك. والواوُ الأولى من "عدوّ" والياءُ الأولى من "كرسيّ" بمنزلة الزاي من "غَزْوٍ"، والباء من "ظَبْي" والحاء من "نُحْيٍ" في السكون، فلذلك كان حكمُهما في تعاقُب الحركات عيهما واحدًا.
فإن قيل: "قد اشترطتم في الاسم المعرب بالحركات أن يكون حرفُ إعرابه صحيحًا، فما تعنون بحرف الإعراب"؟ فالجواب: أن المراد بقولنا: "حرف الإعراب":
стр. 147
محلُّ الإعراب، وهو من كل معرب آخِرُه، نحوُ الدال من "زيد"، والباء من "يَضْرِبُ". وعلى هذا لا يكون للمبنيّ حرفُ إعراب، لأنه لا إعرابَ فيه، وربمّا سُمي آخِرُ الكلمة مطلقًا حرفَ إعراب، سواء كانت معربة، أو لم تكن معربة، فعلى هذا حرفُ الإعراب مِن "ضَرَبَ": "الباءُ"؛ على معنَى أنّه لو أُعْرب، أو كان ممّا يُعْرَب، لكان محلَّ الإعراب.
فإن قيل: "ولِمَ كان الإعراب في آخر الكلمة، ولم يكن في أوّلها، ولا في وَسَطها"؟ قيل: إنّما كان كذلك لوجهَيْن: أحدهما: أن الإعراب دليلٌ، والمعربَ مدلولٌ عليه. ولا يصحّ إقامةُ الدليل، إلَّا بعد تقدُّم ذكرِ المدلول عليه؛ فلذلك كان الإعراب آخرًا. الوجهُ الثاني: أنه لمّا احتيج إلى الإعراب، لم يَخْلُ من أن يكون أوّلاً، أو وسطًا، أو آخرًا. فلم يجز أن يكون أوّلاً, لأن الحرف الأول لا يكون إلّا متحرّكًا. فلو جُعل الإعراب أوّلاً، لم يُعْلَم إعرابٌ هو أم بناءٌ. ومع ذلك، فإنّ من جملة الإعراب الجزمَ الذي هو سكونٌ في آخِر الأفعال. فلو كان الإعرابُ أوّلاً لامتنع منها الجزم، إذ الأوّل لا يمكن أن يكون ساكنًا. ولم يُجْعَل وسطًا، لأن بوسط الكلمة يُعْرَف وزنها: هل هي على "فَعَلٍ"، كـ "فَرَسٍ"، أو"فَعِلٍ"، كـ "كَتِفٍ"، أو على "فَعُلٍ" كـ "عَضُدٍ"، مع أنّ من الأسماء ما هو رباعيٌّ لا وسطَ له. فلمّا امتنع الاْوّلُ والوسطُ بما ذكرناه، لم يبق إلَّا جَعْلُ الإعراب آخِرًا، فاعرفه.
* * *
[المُعرب بالحروف]
قال صاحب الكتاب: "واختلافه لفظًا بحرف في ثلاثة مواضع: في الأسماء الستة مضافة, وذلك نحو:"جاءني أبوه, وأخوه, وحموه, وهنوه, وفوه, وذو مال", ورأيت أباه", و"مررت بأبيه", وكذلك الباقية؛ وفي "كلا" مضافًا إلى مضمر, تقول: "جاءني كلاهما", و"رأيت كليهما", و"مررت بكليهما"؛وفي التثنية والجمع على حدّها, تقول: "جاءني مسلمان ومسلمون" ورأيت مسلمينِ ومسلمينَ", و"مررت بمسلمين ومسلمين"".
* * *
قال الشارح: اعلم أن أصل الإعراب أن يكون بالحركات، والإعرابُ بالحروف فَرْعٌ عليها. وإنمّا كان الإعراب بالحركات هو الأصل لوجهَيْن: أحدهما: أنّا لمّا افتقرنا إلى الإعراب للدلالة على المعنى، كانت الحركات أوْلى, لأنها أقلُّ وأخفُّ، وبها نَصِلُ إلى الغرض، فلم يكن بنا حاجةٌ إلى تكلُّفِ ما هو أثقل. ولذلك كثرتْ في بابها، أعني الحركات، دون غيرها، ممّا أُعْرب به. وقُدّر غيرها بها ولم تُقدَّر هي به. الوجه الثاني: أنَّا لمّا افتقرنا إلى علامات تدل على المعاني وتفرق بينها، وكانت الكَلِم مركَّبة من
стр. 148
الحروف، وجب أن تكون العلامات غيرَ الحروف؛ لأنّ العلامة غيرُ المعلَّم، كالطَّراز في الثوب. ولذلك كانت الحركات هي الأصلَ؛ هذا هو القياس. وقد خُولف الدليل، وأعربوا بعضَ الكلم بالحروف لأمرٍ اقتضاه، وذلك في مواضعَ. منها: الأسماء الستّة المعتلّة؛ إذا كانت مضافة؛ ومنها "كِلا"؛ ومنها التثنية، والجمع السالم.
فأمّا الأسماء الستّة المعتلّة، وهي: "أخوك"، و"أبوك"، و"حموك"، و"فوك"، و"هنوك"، و"ذو مال"، فهذه الأسماء إذا أُضيفت إلى غير ضميرِ متكلّم، كان رفعها بالواو، ونصبها بالألف، وجرّها بالياء؛ نحوَ قولك: "هذا أخوك وأبوك"، و"رأيت أخاك وأباك" و"مررت بأخيك وأبيك". وكذلك سائرها.
وإنما أُعربت هذه الأسماء بالحروف, لأنها أسماءٌ حُذفت لاماتها في حال إفرادها، وتضمّنت معنى الإضافة، فجُعل إعرابها بالحروف كالعوض من حذفِ لاماتها. واحترزنا بقولنا: "وتضمّنت معنى الإضافة"، عن مثل "يَدٍ"، و"دَم"، و"غَدٍ"، وشِبْهِها ممّا حُذفت لامه.
فإن قيل: قولكم: "تضمّنت معنى الإضافة" زيادةُ وصف لا تاثيرَ له، وإلحاقُه بالعلّة يكون حَشْوًا، فلا يكون جُزْء للعلّة. فالجواب لا نُسِلّم أنَّه لا تأثير له، وذلك لأنه إذا تضمّن معنى الإضافة، صار في معنى التثنية، لدلالته على شيئَيْن، مع أنّا نقول: إن إلحاق الوصف بالعلّة، مع عدم المناسَبة إذا ذُكر احترازًا من وُرود نَقصٍ، جاز كما لو كان له تأثير؛ وذلك لأنّ الأوصاف في العلّة تفتقر إلى شيئَيْن: أحدهما: أن يكون لها تأثيرٌ، والثاني: أن تكون للاحتراز. فكما لا يكون ما له تأثير حشوًا، كذلك لا يكون ما فيه احتراز حشوًا.
وقال قوم: إنّما أُعربت هذه الأسماء بالحروف توطئة لإعراب التثنية والجمع بالحروف؛ وذلك أنهم لمّا اعتزموا إعرابَ التثنية والجمع بالحروف؛ جعلوا بعض المفردة بالحروف، حتى لا يُسْتوحش من الإعراب في التثنية والجمع السالم (١) بالحروف. ونظيرُ التوطئة ها هنا قول أبي إسحاق: "إنّ اللام الأوُلى، في نحو قولهم: "واللهِ لَئنْ زُرْتَني لأكرمتُك"، إنّما دخلت زائدة مُؤْذِنة باللام الثانية التي هي جوابُ القسم ومعتمَدُه".
وقد اختلفوا في هذه الحروف؛ فذهب سيبويه إلى أنهّا حروف إعرابٍ، والإعراب فيها مقدَّرٌ، كما يقدَّر في الأسماء المقصورة؛ وإنّما قُلبت في النصب والجرّ للدلالة على الإعراب المقدَّر فيها, ولا يلزم مثلُ ذلك في الأسماء المقصورة, لأنّهم أرادوا اختلافَ أواخر هذه الأسماء توطئة للتثنية والجمع، على ما ذكرنا، فلم يلزم في غيرها ممّا كان في معناها.
стр. 149
وذهب الأخفش إلى مثلِ مذهب سيبويه في أنّها حروف إعراب، ويدلّ على الإعراب في أحد قولَيْه، إلَّا أنه لا يقول: إنّ فيها إعرابًا مَنْوِيًّا.
وذهب الجَرْمِيّ إلى أن الانقلاب فيها بمنزلة الإعراب. وفيه ضعفٌ؛ لأنّه يلزم أن تكون في حال الرفع غيرَ معربة, لأنّ الواو لامُ الكلمة في الأصل، ولم تنقلب عن غيرها.
وذهب المازني إلى أنّها معربة بالحركات، وأن الباء في "أبيك" حرفُ الإعراب، والخاء في "أخيك" حرف الإعراب، وكذلك الباقيةُ، وهذه الحروف، أعني "الواو"، و"الألف"، و"الياء"، إشباعٌ حدث عن الحركات؛ وإشباعُ حركات الإعراب حتّى ينشأ عنها هذه الحروفُ كثيرٌ، في الشعر وغيره، وتُؤيِّده عنده لغةُ من يُعْرِب بالحركات في حال الإضافة، نحوَ: "هذا أبُك"، و"رأيت أبَك"، و"مررت بأبِك"، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنّ هذا الإشباع إنّما يكون في ضرورة الشعر، ولا داعِيَ يدعو إليه في حال الاختيار، ولا دليل عليه. مع أنّه يلزم منه أن يكون لنا اسمٌ ظاهرٌ معربٌ، على حرف واحد، وهو: "فُوك"، و"ذُو مالٍ"، وذلك معدوم.
وذهب الزِّياديّ إلى أنها أنفسَها إعرابٌ. وذلك فاسد أيضًا؛ لأنّه يلزم منه أن يكون اسم معرب على حرف واحد، وهو "فوك، وذو مال".
وكان عليّ بن عيسى الرَّبعيّ يذهب إلى أنها معربةٌ بالحركات، وأن هذه الحروف، أعني: الواو والألف والياء، لاماتٌ؛ فإذا قلت: "هذا أخوك"، فأصلُه: "أَخَوُكَ"، وإنما نُقلت الضمّة من الواو إلى الخاء، لئلاّ تنقلب ألفًا لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها؛ وإذا قلت: "أخيك"، فأصله "أخَوِكَ"، فنقلت الكسرة من الواو إلى الخاء، ثمّ قلبتَها ياء لسكونها وانكسارِ ما قبلها. ولا ينفكّ من ضُعْف أيضًا, لأن نقل الحركة إنما يكون إلى حرف ساكن.
وذهب الكوفيون (١) إلى أنها معربة من مكانَيْن، بالحروف والحركاتِ التي قبلها؛ فإذا قلت: "هذا أخوك"، فهو مرفوع، والواو علامةُ الرفع، والضمّةُ التي قبلها؛ وإذا قلت: "رأيت أخاك"، فالألف علامة النصب، والفتحةُ التي قبلها؛ وإذا قلت: "مررت بأخيك"، فالياء علامة الجرّ، والكسرةُ التي قبلها. وهو قول ضعيف من قِبَلِ أن الإعراب أمارةٌ على المعنى، وذلك يحصل بعلامة واحدة، ولم يكن لنا حاجة إلى أكثر منها.
واعلم أن هذه الأسماء قد خُولف فيها القياس بحذف لاماتها في حال إفرادها، لأنّك إذا قلت: "أخٌ"، فأصله: "أخَوٌ"؛ "وأبٌ"، فأصله: "أبَوٌ"،
стр. 150
و"حَمٌ"، فأصله: "حَمَوٌ"؛ و"هَنٌ"، فأصله: "هَنَوٌ". والذي يدلّ على ذلك قولُهم في التثنية: "أخَوَانِ"، و"أبوان"، و"حموان"، و"هنوان". وقالوا في الجمع: "هَنَواتٌ". قال الشاعر [من الطويل]:
٩٣ - أرَى ابنَ نِزارٍ قد جَفاني وَمَلَّني ... على هَنَواتٍ شَأنُها مُتَتابِعُ
وكان مقتضى القياس فيها أن تقلب الواو فيها ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، إلَّا أنهم حذفوها تخفيفًا، مبالغة في التخفيف. والقياسُ ما قدّمناه؛ ألا ترى أنهم لم يحذفوا اللام في مثل "عَصًا"، وَ "رَحًى".
ويُحْكَى أن "بَلْحارِثِ" يأتون بها على القياس مقصورةً، فيقولون: "هذا أبًا وأخًا، ورأيت أبًا وأخًا". قال الشاعر [من الرجز]:
٩٤ - إن أبَاها وأبا أباها ... قد بَلَغَا في المَجْد غايَتاها
стр. 151
وَيُحْكَى أن منهم من يحذف لاماتِها في كلّ حال، ويُعْرِبها بالحركات في حال إضافتها، فيقول: "هذا أبُكَ"، و"رأيت أبَكَ"، و"مررت بأبِكَ".
وأمَّا "فَمٌ"، فأصله: "فَوْهٌ"، بزنة "فَوْزٍ". يدلّك على ذلك قولك في تكسيره: "أفَوَاهٌ"، وفي تصغيره: "فُوَيْهٌ". فهذا وحدَه لامُه هاءٌ، والهاءُ مشبَّهة بحروف العِلّة لخفائها، وقُرْبها في المَخْرَج من الألف، فحُذفت كحذفِ حرف العلّة، فبقيت الواو، التي هي عينٌ، حرفَ الإعراب، وكان القياس قلبَها ألفًا لتحرّكها بحركات الإعراب وانفتاح ما قبلها، ثمّ يدخل التنوين على حدّ دخوله في نحو: "عَصًا"، و"رَحًى"، فتحذف الألف لالتقاء الساكنَيْن، فبقي الاسم المعرب على حرف واحد، وذلك معدومُ النظير. فلمّا كان القياس يُؤدِّي إلى ما ذُكر، أبدلوا من الواو ميمًا, لأن الميم حرفٌ جَلْدٌ، يتحمّل الحركاتِ من غير استثقال. وهما من الشفتَيْن فهما متقاربان، وقلت: "هذا فَمٌ"، و"رأيت فَمًا"، و"مررت بفَمٍ".
وأمّا "ذو مالٍ" فأصلُ "ذو" فيه "ذَوًا"، مثلُ "عَصًا"، و"قَفًا"، يدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ (١). وأن تكون لامه ياءً أمثلُ من أن تكون واوًا، وذلك لأنّ القضاء عليها بالواو يُصيِّرها من باب "القُوَّة"، و"الهُوَّة"، ممّا عينه ولامه من واد واحد؛ والقضاءُ عليها بالياء يصيّرها من بابِ "شَوَيْتُ"، و"لَوَيْتُ"، وهو أكثر من الأوّل، والعملُ إنّما هو على الأكثر.
وأمّا "ذُو" فلا تُستعمل إلَّا مضافةً، ولا تضاف إلَّا إلى اسم جنس، من نحوِ: "مال" و"عَقْل"، ونحوهما. ولا تضاف إلى صفة، ولا مضمرٍ؛ فلا يُقال: "ذو صالحٍ"، ولا "ذو
стр. 152
طالحٍ"، ولا يجوز "ذُوهُ"، ولا "ذُوكَ". لأنّها لم تدخل إلَّا وُصْلَةً إلى وصف الأسماء بالأجناس، كما دخلت "الَّذِي" وصلةً إلى وصف المعارف بالجُمَل، وكما أُتي بـ "أيًّ" وصلةً إلى نِداءِ ما فيه الألف واللام في قولك: "يا أيُّهَا الرجلُ"، "ويَا أيُّها الناسُ". وقد جاء مضافًا إلى المضمر. قال كَعْب بن زُهَيْر [من الوافر]:
٩٥ - صَبَحْنا الخَزْرَجِيَّةَ مُرْهَفاتٍ ... أبارَ ذَوِي أرُومَتِها ذَوُوهَا
وقال الآخر [من مجزوء الرمل]:
٩٦ - إنَّما يَعْرِفُ ذَا الفَضْ ... ـلِ من الناسِ ذَوُوهُ
والذي جسّر على ذلك كونُ الضمير عائدًا إلى اسم الجنس.
وأضعفُ من ذلك قولُ من يقول: "اللَّهُمَّ صَل على محمَّدٍ وذَوِيهِ"، من قِبَلِ أن مضمره لا يعود إلى جنس. والذي حسّنه قليلاً أنّها ليست بصفةٍ موجودةِ الموصوفِ، فجرت مجرَى ما ليس بصفة.
стр. 153
فأمّا قوله تعالى، في قراءة ابن مسعود: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، فالأشبهُ بالقياس أن يكون "العالم" ها هنا مصدرًا كـ "الفالج"، و"الباطل". فكَأنّه قال: "وفوق كلّ ذي عِلْم عليمٌ"، فالقراءتان في المعنى سَواءٌ. ويجوز أن يكون على مذهب من يرى زيادةَ "ذِي"، فيكون حاصلُه: و"فوق كل عالمٍ عليمٌ". ويجوز أن يكون من إضَافة المسمّى إلى الاسم، أي: و"فوق كلّ شخص يسمّى عالماً، أو يُقال له: عالمٌ، عليمٌ"؛ وذلك على حد قول الشاعر [من الطويل]:
إليكم ذوِي آلِ النبي تَطلّعتْ ... نَوازعُ من قَلْبِي ظِماءٌ وَأَلْبُبُ (٢)
على ما سنذكر في موضعه.
والموضع الثاني: ما اختلف آخِرُه في اللفظ بحرف، وهو"كِلا". اعلمْ أنّ "كِلا" اسمٌ مفردٌ، يفيد معنى التثنية؛ كما أنّ "كُلاًّ" اسم مفرد، يفيد معنى الجمع والكثرةِ. هذا مذهب البصريين (٣).
وذهب الكوفيون إلى أنَّه اسمٌ مُثَنًّى لفظًا ومعنًى. والصوابُ مذهب البصريين؛ بدليل جوازِ وقوع الخبر عنه مفردًا، نحوَ قولك: "كِلَا أخوَيْك مُقْبِلٌ". قال الشاعر [من الوافر]:
٩٧ - كِلا يَوْمَيْ أُمامَةَ يومُ صَدًّ ... وإنْ لم نَأْتِها إلَّا لِماما
стр. 154
وقال الآخر [من الوافر]:
٩٨ - أُكاشِرُهُ وأَعْلَمُ أنْ كِلانا ... على ماساءَ صاحِبُهُ حَرِيصُ
فأخبر عنها بالمفرد، وهو"يوم صدّ"، و"حريص"؛ وكلاهما مفردٌ، ولو كانت تثنيةً حقيقيّةً، لفظًا ومعنًى، كما زعموا، لَمَا جاز إلَّا "يَوْمَا صَدًّ" و"حريصان"؛ ألا ترى أنّه لا يجوز بوجهٍ أن تقول: "الزيدان قائمٌ".
وممّا يدل على إفرادها من جهة اللفظ جوازُ إضافتها إلى المثنّى؛ كقولك: "جاءني كلا أخوَيْك، وكلا الرجلَيْن"، و"مررت بهما كلَيْهما". ولو كانت تثنيةً على الحقيقة، لم يجز ذلك، ولَكان من قبيلِ إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك ممتنع؛ ألَّا ترى أنه لا يُقال: "مررت بهما اثنَيْهما"، كما تقول: "مررت بهما كِلَيْهما".
وممّا يدلّ على إفرادها أنّك متى أضفتها إلى ظاهر، كانت بالألف على كلّ حال، وليس المثنّى كذلك.
فإن قيل: فقد عاد الضمير إلهيا بلفظ التثنية، نحوَ قوله [من البسيط]:
٩٩ - كِلاهما حِينَ جدَّ الجَرْيُ بينهما ... قد أقْلَعَا وكِلَا أنْفَيْهِما رابِي
стр. 155
فقال: "قد أقلعا"، وأنت لا تقول: "زيدٌ قامَا". فالجواب: أن هذا محمولٌ على المعنى، كما يُحْمَل على معنَى "كُلٍّ"، و"مَنْ"؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٣). وفي موضع آخر: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٥)؛ فأعاد الضمير على اللفظ تارةً بالإفراد، وعلى المعنى أُخْرَى بالجمع، فكذلك "كِلا" لفظة مفردة، ومعناها التثنية، فلَكَ أن تحمل الخبرَ تارة على اللفظ فتُفْرِده، وتارة على المعنى فتثنّيه.
ونوّنه صاحبُ الكتاب، فقال: "كِلا" (٦)؛ لأنّه عنده مفرد، من قبيل المقصور، وهو غير مضاف، وألفُ "كلا" لامٌ، وليست زائدة، لئلاّ يبقى الاسم الظاهر على حرفَيْن، وليس ذلك في كلامهم أصلاً. وذهب بعضهم إلى أنّها منقلبة عن ياء، وذلك لأنّه رآها قد أميلت. قال سيبويه: لو سمّيتَ بـ "كِلاً"، وثنّيتَ، لقلبتَ الألف ياءً, لأنّه قد سُمع فيها
стр. 156
الإمالة. والأمثل أن تكون منقلبة عن واو, لأنّها قد أُبدلت تاءً في "كلتا"، وإبدالُ التاء من الواو، أضعافُ (١) إبدالها من الياء؛ والعملُ إنّما هو على الأكثر. وإنما أميلت لكسرة الكاف، ولأئها تنقلب ياءً، وذلك إذا أُضيفت إلى مضمر في حال النصب والجرّ، نحوَ: "ضربت الرجلَيْن كِلَيْهما"، و"مررت بهما كِلَيْهما". وإنّما قلبوها في هذه الحال تشبيهًا بـ "عَلَيْكَ"، و"إلَيْكَ"، و"لَدَيْكَ". ووجهُ الشَبَه بينهما أنّ آخِرَها ألفٌ، كأواخرِ هذه الكلم؛ وهي ملازِمةٌ للإضافة، كما أنّ تلك كذلك؛ وليس لها تصرّفُ غيرها، ممّا يُستعمل مفردًا ومضافًا، فجرت مجرى الأدَوات، نحو: "عَلَى"، و"إلَى"، والظروفِ غير المتمكّنة، نحو: "لَدَى"، فقلبوا ألفها لذلك ياءً، كما قلبوا الألف في "عليك"، و"إليك"، و"لديك"، ولم يقلبوها في الرفع ياءً، فيقولوا: "قام الرجلان كليهما"، لانّها بعُدت برفعها عن شَبَهِ "عليك"، و"إليك"، و"لديك"؛ إذ كُنَّ لا حَظَّ لهنّ في الرفع. فهذه الألفُ، وإن فُهم من اختلافها الإعرابُ، فليس الاختلافُ في الحقيقة لأجل الإعراب، بل لِمَا ذكرتُ لك.
وحالُ "كِلْتَا" كحالِ "كلا" في الإفراد والانقلاب، إلَّا أنّها مؤنّثة. قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ (٢).
وقد اختلف العلماءُ في هذه التاء. فذهب سيبويه إلى أن الألف للتأنيث (٣)، والتاء بدلٌ من لام الكلمة، كما أُبدلت منها في "بِنْت"، و"أُخْت"، ووزنُها "فِعْلَى" كـ "ذِكْرى" و"حِفْرَى"، وهو نَبْتٌ.
وذهب أبو عمر الجَرْميّ إلى أن التاء للتأنيث، والألف لام الكلمة، كما كانت في "كِلا".
واَلأوْجَه الأوَّل، وذلك لأمرَيْن: أحدهما: ندرةُ البناء، وانّه ليس في الأسماء "فِعْتَلٌ". والثاني: أنّ تاء التأنيث لا تكون في الأسماء المفردة إلَّا وقبلها مفتوحٌ، نحوَ: "حَمْزَةَ"، و"طَلْحَةَ"، و"قائمةٍ"، و"قاعدةٍ"؛ و"كلتا" اسمٌ مفردٌ عندنا، وما قبل التاء فيه ساكنٌ، فلم تكن تاؤه للتأنيث، مع أن تاء التأنيث لا تكون حشوًا في كلمة؛ فلو سمّيت رجلاً بـ "كلتا"، لم تصرفه في معرفة ولا نكرةٍ، كما لو سمْيت بـ "ذِكْرَى"، و"سَكْرَى"، لأنّ الألف للتأنيث.
وقياسُ مذهب أبي عمر الجرمي أن لا تصرفه في المعرفة، وتصرفه في النكرة, لأنه كـ "قائمة"، و"قاعدة" إذا سُمّي بهما، فاعرفه.
فأما التثنية وجمع السلامة فإنهما يُعْرَبان بالحروف، وتختلف أواخرُهما بها. فأمّا التثنية فإن إعرابها بحرفَيْن؛ الألف والياء. فالألفُ للرفع، والياءُ للنصب والجر، إلَّا أنّك
стр. 157
تفتح ما قبل الياء، فتقول: "جاءني الزيدان والعمران"، و"رأيت الزيدَيْن والعمرَيْن"؛
و"مررت بالزيدّيْن والعمرَيْن".
والجمعُ السالمُ إعرابه بحرفَيْن أيضًا، وهما الواو والياء، فالرفع بالواو، نحو قولك: "جاءني الزيدون والمسلمون"؛ والجر والنصب بالياء؛ إلا أنك تكسر ما قبل الياء في الجمع، فَرْقًا بينه (١) وبين التثنية. تقول: "رأيت الزيدِين، والعمرِين"؛ و"مررت بالزيدِين، والعمرِين". والتثنية والجمع فَصْلان يُستقصى الكلام عليهما فيهما.
* * *
قال صاحب الكتاب: "واختلافه محلاً في نحو: "العصا", و"سعدى" و"القاضي", في حالتي الرفع الجر, وهو في النصب كـ "الضارب"".
* * *
قال الشارح: يريد أن اختلاف الآخِر يقْدَّر تقديرًا، من غيرِ أن يُلْفَظ به، وذلك إذا كان حرفُ الإعراب نابِيًا عن تحمُّل الحركة؛ بأن يكون حرفَ عِلّة، كالألف في "عَصًا" و"حُبْلَى"، والياء في "قاضٍ"؛ لأنّ الكلمة في نفسها معربةٌ بحُكْم الاسميّة، إذ لم يعرض فيها ما يُخْرِجها عن التمكّن، واستحقاقِ الإعراب. وإنما حرفُ الإعراب في "عصا" وشِبْهه ألفٌ، والألف لا تتحرَّك بحركة، لأنّها مَدَّةٌ في الحَلْق، وتحريكُها يمنعها من الاستطالة والامتدادِ، ويُفْضِي بها إلى مُخْرَج الحركة. فكونُ الإعراب لا يظهر فيها لم يكن لأنّ الكلمة غيرُ معربة، بل لنُبُوّ في محل الحركة. بخلافِ "مَنْ"، و"كَمْ"، ونحوِهما من المبنيات، فإنّ الإعراب لا يتعذر على حرف الإعرابُ منها، لأنه حرفٌ صحيح يمكن تحريكُه. فلو كانت الكلمةُ في نفسها معربة، لَظهر الإعرابُ فيها، وإنّما الكلمةُ جَمْعًا في موضعِ كلمة معربة. وكذلك ياءُ "المَاضي"، و"الداعي"، لا يظهر فيهما الرفعُ والجرُّ، لثقلِ الضمّة والكسرة على الياء المكسورِ ما قبلها، فهي نابيةٌ عن تحمّلِ الضمّة والكسرة.
واعلم أن صاحب الكتاب لم يستقصِ الكلام على المقصور والمنقوص، وإنمّا أشار إليهما إشارة، ولا بد من التنبيه على نُكَت بابَيْهما، بما فيه مَقْنَعٌ إن شاء الله تعالى.
المقصور: اعلم أن المقصور كلُّ اسم وقعتْ في آخره ألف مفردةٌ، نحوُ: "العَصَا"، و"الفتَى"، و"حُبْلَى"، و"سَكْرَى".
وقولُنا: "مفردة"، احترازٌ من مثل: "حَمْرَاءَ، وصحراء"، وبابِهما. فإنّ هذه الأسماء في آخِرها ألفان: ألفُ التأنيث المنقلبةُ همزةً، وألفٌ أُخرى قبلها للمَدّ. وإنّما سمّي مقصورًا لأنه قُصر عن الإعراب كلَّه، أي حُبس عنه، فلم يدخله رفعٌ ولا نصبٌ ولا جرٌّ.
стр. 158
فتقول في الرفع "هذه عصًا ورحى يا فَتَى"؛ وفي الجرّ: "مررت بعصًا ورحى يا فتى"؛ وفي النصب: "رأيت عصًا ورحًى يا فتى".
والقصرُ: الحبسُ. ومنه قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ (١) أي محبوسات، وإنّما لم يدخله شيء من حركات الإعراب, لأنّ في آخِره ألفًا؛ والألفُ لا تتحرّك بحركة، على ما تقدّم، فكان فيها مقدَّرًا؛ فإذا قلت: في الرفع: "هذه عصا"، ففي الألف ضمّةٌ منويّةٌ؛ وإذا قلت في النصب: "رأيت عصا"، ففي الألف فتحة منويّةٌ؛ وإذا قلت في الجرّ: "مررت بعصا"، ففي الألف كسرة منوية.
والمقصور على ضربَيْن: منصرفٌ، وغيرُ منصرف.
فالمنصرف: ما يدخله التنوينُ وحدَه؛ نحو: "عصا"، و"رحى". ثمّ يلتقي ساكنان الألفُ، التي هي لام الكلمة، والتنوينُ بعدها ساكنٌ، فيحذف لالتقاء الساكنين. وكانت الألف أوْلى بالحذف من التنوين لوجوه ثلاثة:
أحدُها: أن التنوين دخل لمعنًى، ويزول بزَوالِ ذلك المعنى، وليست الألف كذلك لأنّها لام الكلمة.
الثاني: أنّ الألف إذا حُذفت، بقي قبلها ما يدلّ على الألف المحذوفة، وهي الفتحة قبلها؛ وليس على حذف التنوين دليلٌ.
الثالثُ: أن الساكن الأول هو المانع من النطق بالثاني، فكان حذفه هو الوجه لإزالة المانع، فلذلك تقول: "هذا عصًا"، و"رأيت عصًا"، و"مررت بعصًا"، بالتنوين من غير ألف.
وغير المنصرف: ما كان في آخِره ألفُ التأنيث المفردةُ؛ نحو: "حُبْلَى" وَ"سَكْرَى". فهذا لا يدخله شيءٌ من الإعراب, لأنّ في آخِره ألفًا، والألفُ لا تقبل الحركةَ؛ ولا يدخله التنوين, لأنّه غير منصرف، لأجل التأنيث اللازم، فتقول: "هذه حُبْلَى وسَكْرَى"، و"رأيت حبَلى وسكرَى"، و"مررت بحبلَى وسكرَى"، فالألفُ ثابتةٌ على كلّ حال لا تُحْذَف، إلَّا إذا لقِيها ساكنٌ بعدها من كلمة أخرى، نحوَ: "حُبْلَى الْقَوْمِ" و"سَكْرَى ابْنِكَ". فاعرفه.
والمنقوص: كل اسم وقعت في آخره ياء قبلها كسرةٌ، نحو: "القاضِي"، و"الداعِي"، و"قاضٍ"، و"داع". فهذا يدخله النصبُ وحده مع التنوين، ولا يدخله رفعٌ، ولا جرٌّ. وإنّما سمّي منقوصًا لأنه نقص شيئَيْن: حركةً وحرفًا. فالحركةُ هي الضمّة، أو الكسرة حُذفت للثقل؛ والحرفُ هو الياء، حُذف لالتقاء الساكنين. فتقول في الرفع: "هذا قاضٍ، يا فَتَى"؛ وفي الجرّ: "مررت بقاضٍ، يا فتى". وكان الأصل: "هذا قاضِىٌ"، بضمّ الياء وتنوينها، و: "مررت
стр. 159
بقاضِي"، بكسر الياء وتنوينها أيضًا؛ فاستُثقلت الضمّة والكسرة على الياء المكسورِ ما قبلها، لأنهّا قد صارت مَدَّةً كالألف، لِسَعَةِ مَخْرَجها وكونِ حركةِ ما قبلها من جنسها، على ما تقدّم، فحُذفت الضمّة والكسرةُ لما تقدّم، ولمّا حُذفت سكنت الياءُ، وكان التنوين بعدها ساكنًا، فحُذفت لالتقاء الساكنين، على ما ذكرناه في المقصور. فلذلك تقول في الرفع: "هذا قاضٍ"؛ وفي الجرّ: "مررت بقاضٍ. قال الله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (١)، وقال: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ (٢)؛ وتقول في النصب: "رأيت قاضِيًا"، تُثْبِت الفتحة لخفتها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (٣)، وقال: ﴿أجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (٤). فاعرفه.
فصل [نوعا الاسم المعرب]
قال صاحب الكتاب: "والاسم المعرب على نوعين؛ نوع يستوفي حركات الأعراب والتنوين, كـ "زيد" و"رجل" ويسمى المنصرف؛ ونوع يختزل عنه الجر والتنوين, لشبه الفعل, ويحرك بالفتح في موضع الجر, كـ "أحمد" و"مروان" إلا إذ أضيف, أو دخله لام التعريف, ويسمى غير المنصرف. واسم المتمكن يجمعهما, وقد يقال للمنصرف, الأمكن".
* * *
قال الشارح: اعلم أن الاسم المعرب على ضربَيْن؛ منصرفٌ، وغيرُ منصرف. فالمنصرف: ما دخلتْه الحركات الثلاث مع التنوين، سواءٌ كان دخولها عليه لفظًا، أو تقديرًا. فاللفظُ نحوُ: "هذا رجلٌ، وفرسٌ، وزيدٌ، وعمرٌو"؛ و"رأيت رجلًا، وفرسًا، وزيدًا، وعمرًا"؛ و"مررت برجلٍ، وفرسٍ، وزيدٍ، وعمرٍو"؛ والتقديرُ نحو قولك: "هذا عما ورحًى"؛ و"رأيت عصًا ورحًى"، و"مررت بعصًا ورحًى". فهذه الأسماءُ كلُّها متمكنةٌ، وما كان مثلها، وإن لم يظهر فيها الإعرابُ؛ لأنّ عدمَ ظهور الإعراب إنّما كان لنُبُوّ حرف الإعراب عن تحمُّل الحركة على ما ذكرنا. والمتمكّن وصفٌ راجع إلى جملة المعرب. وأصلُ الصرف التنوينُ وحده، على ما سنذكر في موضعه، وهذا الضربُ من الأسماء سُمّي المتمكنَ الأمْكَنَ.
فالمتمكنُ أعم من الأمكن؛ فكل أمكنَ متمكن، وليس كلُّ متمكّن أمكنَ. والتمكّنُ: رُسوخُ القَدَم في الاسمية. وقولُنا: اسم متمكنٌ؛ أي: راسخُ القدم في الاسمية. وقولنا: اسمٌ متمكنٌ؛ أي: هو بمكانٍ منها؛ أي: لم يخرج إلى شَبَه الحرف، فيمتنعَ من الإعراب.
стр. 160
والأمكنُ، على زنة "أفْعَلَ" التي للتفضيل؛ أي: هو أتمُّ تمكُنًا من غيره، لم يعرض فيه شَبَهُ الحرف، فيُخْرجَه إلى البناء؛ ولم يشابه الفعلَ، فينقُصَ تمكُّنُه، ويمتنعَ منه بعضُ حركات الإعراب، وهو الجرّ، ويمتنعَ منه التنوينُ الذي هو من خصائص الأسماء؛ فكان بذلك أمكنَ من غيره؛ أي: أرسخَ قدمًا في مكانه من الاسميّة. وقد ذهب بعضهم إلى أن "المَكان" مأخوذٌ من "كَانَ يَكُونُ"، فهو"مَفْعَلٌ" منه، كـ "المَقام"، و"المَراح". ولا أراه صحيحًا، لقولهم: "تَمَكَّنَ". ولو كان من الكَوْن، لقيل: تَكَوَّنَ. فأمَّا "تَمَسْكَنَ"، و"تَمَدْرَعَ" فقليل، من قبيل الغلط، لا يُقاس عليه. وقد قالوا في الجمع: "أمْكِنَةٌ". وهذا نَصّ.
الضرب الثاني، وهو غير المنصرف. وهو ما يشابه الفعلَ من وجهَيْن؛ فلم يدخله جرٌّ ولا تنوينٌ، ويكون آخِره في الجرّ مفتوحًا؛ نحوَ: "هذا أَحْمَدُ، وعُمَرُ"؛ و"رأيت أحمدَ وعمرَ"؛ و"مررت بأحمدَ وعمرَ". والبغداديّون يسمّون بابَ ما لا ينصرف: بابَ ما لا يُجْرَى. والصرفُ قريبٌ من الإجراء, لأنّ صَرْف الاسم إجراؤُه على ما له من الأصل، من دخولِ الحركات الثلاث التي هي علامات الإعراب، ويدخله التنوينُ أيضًا؛ وذلك لأنّ الاسم بإطلاقه يستحقّ وجوهَ الإعراب للفرق بين المعاني الطارئة عليه بعد دلالته على مسمّاه.
والاسم على ضربَيْن: نكرةٌ، ومعرفةٌ. والنكرةُ هي الأصل، والأخفُّ عليهم، والأمكنُ عندهم. والمعرفةُ فرعٌ. فلمّا كانت النكرةُ أخفّ عليهم، ألحقوها التنوينَ دليلًا على الخفّة. ولذلك لم يلحق الأفعالَ لثِقَلها.
ولا بدّ من بيانِ ثقل الأفعال. فإنّ مَدارَ هذا الباب على شَبَهِ ما لا ينصرف بالفعل (١) في الثقل، حتىّ جرى مجراه فيه، ولذلك حُذف التنوين ممّا لا ينصرف لثقله، حَمْلاً على الفعل. وإنمّا قلنا: إن الأفعال أثقلُ من الأسماء لوجهَن:
أحدهما: أنّ الاسم أكثرُ من الفعل؛ من حيثُ أنّ كلّ فعلٍ لا بدّ له من فاعلٍ اسم يكون معه، وقد يستغني الاسمُ عن الفعل. وإذا ثبت أنّه أكثرُ في الكلام، كان أكثر استعمالًا؛ وإذا كثُر استعماله، خَفَّ على الألسِنة لكثرة تداوُله. ألا ترى أن العَجَميّ إذا تعاطَى كلامَ العرب، ثقُل على لسانه لقِلّة استعماله له؛ وكذلك العربي إذا تعاطى كلامَ العجم، كان ثقيلًا عليه لقلّة استعماله له.
الوجه الثاني: أن الفعل يقتضي فاعلًا ومفعولًا، فصار كالمركَّب منهما، إذ لا يستغني عنهما. والاسم لا يقتضي شيئًا من ذلك، إذ هو سِمَةٌ على المسمى لا غيرُ، فهو مفردٌ، والمفردُ أخفُّ من المركّب.
فقد ثبت بهذا البيان أن الأفعال أثقل من الأسماء. وهي مع ثقلها فروعٌ في الأسماء
стр. 161
من حيث كانت مشتقّة من المصادر، التي هي ضربٌ من الأسماء، على الصحيح من المذهب، وأنها مفتقرة إلى الأسماء من حيث كانت لا تقوم بأنفسها، وكان في الأسماء ما هو فرعٌ على غيره، من حيث إنه ثانٍ له، ودخيلٌ عليه، فحصل بين هذا الضرب من الأسماء، وبين الأفعال، مشاركة ومشابهةٌ في الفَرْعيّة.
والشيءُ إذا أشبهَ الشيءَ أُعطي حُكْمًا من أحكامه، على حسب قوّة الشَّبَه. وليس كل شَبَهٍ بين شيئَيْن يُوجب لأحدهما حُكْمًا هو في الأصل للآخر، ولَكن الشَّبَه إذا قوِي، أوْجَبَ الحكمَ؛ وإذا ضعُف، لم يُوجب. فكلّما كان الشبهُ أخصَّ، كان أقوى؛ وكلّما كان أعمّ، كان أضعف. فالشبهُ الأعمُّ كشَبَهِ الفعل بالاسم من جهةِ أنّه يدل على معنًى؛ فهذا لا يُوجِب له حكمًا، لأنه عامٌ في كل اسم وفعلٍ. وليس كذلك الشبهُ من جهةِ أنّه ثانٍ باجتماع السببَيْن فيه, لأن هذا يختصّ نوعًا من الأسماء دون سائرها فهو خاصٌّ، مُقرَّبٌ الاسمَ من الفعل. فإذا اجتمع في الاسم عِلّتان فَرْعِيَّتان من العِلَل التسع، أو عِلّةٌ واحدةٌ مكرَّرةٌ، على ما سيوضَح فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى؛ فإئه يُشْبِه الفعلَ من وجهَيْن، ويسري عليه ثقلُ الفعل، فحينئذ مُنع الصرف، فلم يدخله جرّ ولا تنوينٌ.
واختلفوا في منع الصرف ما هو؟ فقال قومٌ: هو عبارةٌ عن منعِ الاسم الجرَّ والتنوينَ دفعةً واحدةٌ، وليس أحَدهما تابعًا للآخر؛ إذ كان الفعلُ لا يدخله جرٌّ ولا تنوينٌ. وهو قولٌ بظاهرِ الحال.
وقال قوم ينتمون إلى التحقيق: إن الجرَّ في الأسماء نظيرُ الجزم في الأفعال، فلا يُمْنَع الذي لا ينصرف ما في الفعل نظيرُه، وإنما المحذوفُ منه عَلَمُ الخِفّة، وهو التنوين وحدَه، لثقلِ ما لا ينصرف، لمشابهةِ الفعل. ثمّ يتبع الجرّ التنوينَ في الزَّوال, لأنّ التنوين خاصّةٌ للاسم، والجرّ خاصةٌ له أيضًا، فتتبع الخاصّةُ الخاصّةَ. ويدل على ذلك أنّ المرفوع والمنصوب لا مَدْخَل للجرّ فيه، إنّما يذهب منه التنوينُ لا غيرُ.
قال أبو علي: لو جُرَّ الاسم الذي لا ينصرف، مع حذفِ تنوينه، فقيل: "مررت بأحْمَدِ وإبراهيم"؛ لأشبهَ المبنياتِ؛ نحوَ: "أَمْسِ" و"جَيْرِ". ثم لمّا مُنع الجرّ، ولا بد للجارّ من عَمَلٍ وتأثيرٍ، شارَكَ النصبَ في حركته لتواخِيهما؛ كما شارك نصبُ الفعل جزمَه في مثلِ "لم يَفْعَلَا"، و"لن يَفْعَلَا" وأخواتِهما.
على أنّ أبا الحسن وأبا العبّاس، رحمهما الله، ذهبا إلى أن غير المنصرف مبنيٌّ في حالِ فتحه إذا دخله الجارُّ. والمحققون على خلافِ ذلك. وهو رأي سيبويه. فعلى هذا القول إذا قلت: "نظرت إلى الرجل الأسْمَرِ وأسْمَرِكُم". فالاسمُ باقٍ على منع صرفه، وإن انْجَرَّ؛ لأنّ الشبه قائمٌ، وعَلَمَ الصرف، الذي هو التنوينُ، معدومٌ.
وعلى القول الأول يكون الاسم منصرفًا؛ لأنه لما دخله الألفُ واللام
стр. 162
والإضافةُ، وهما خاصةٌ للاسم، بعُد عن الأفعال، وغلبت الاسميّةُ فانصرف.
وقوله: "واسمُ المتمكنِ يجمعهما"؛ يريد: أنّ ما لا ينصرف متمكنٌ؛ لأنّ التمكّن هو استحقاقُ الاسم الإعرابَ بحكمِ الاسميّة؛ وما لا ينصرف مُعْرَبٌ، فهو متمكَّنٌ لذلك وإن كان غيرُه أمكنَ منه. فاعرفه.
فصل [أسباب منع الصرف]
قال صاحب الكتاب: "والاسم يمتنع من الصرف متى اجتمع فيهب اثنان من أسباب تسعة أو تكرر واحدٌ؛ وهي: العلمية, والتأنيث اللازم لفظًا أو معنى, في نحو: "سعاد" و"طلحة".
ووزن الفعل الذي يغلبه في نحو: "أفعل", فإنه فيه أكثر منه في الاسم, أو يخصه, في نحو: "ضُرِبَ", إن سمي به.
والوصفية, في نحو: "أحمر".
والعدل من صيغة إلى أخرى, في نحو: "عمر" و"ثلاث".
وأن يكون جمعًا ليس علي زنته واحدٌ، كـ"مساجد", و"مصابيح", إلا ما اعتل آخره, نحو: "جوارٍ", فإنه في الرفع والجر كـ "قاضٍ", وفي النصب كـ "ضوارب"، و"حضاجر", و"سراويل" في التقدير؛ جمع "حضجر", و"سروالة".
والتركيب, في نحو: "معد يكرب" و"بعلبك".
والعجمة, في الأعلام خاصّةً.
والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث, في نحو: "سكران", و"عثمان",إلا إذا اضطر الشاعر, فصرف.
* * *
قال الشارح: الأسباب المانعةُ من الصرف تسعة؛ وهي: العَلَميّة، والتأنيث، ووزن الفعل، والوصف، والعدل، والجمع، والتركيب، والعُجْمة، والألف والنون الزوائد.
فهذه التسعةُ متى اجتمع منها اثنتان في اسم، أو واحدٌ يقوم مقامَ سببَيْن، امتنع من الصرف، فلم يدخله جرٌّ ولا تنوينٌ، ويكون في موضع الجرّ مفتوحًا؛ وذلك قولك: "هذا أحْمَدُ وعمرُ"، و"مررت بأحمدَ وعمرَ". وإنّما كان كذلك لشَبَهه بالفعل لاجتماع السببَيْن فيه. وذلك أن كل واحد فرعٌ على غيره، فإذا اجتمع في الاسم سببان، فقد اجتمع فيه فرعان، فصار فرعًا من جهتَيْن:
стр. 163
أحدهما: أنّه لا يقوم بنفسه، ويفتقر إلى اسم يكون معه، والاسمُ لا يفتقر إلى فعل، فكان فرعًا عليه.
والآخَرُ: أنَّه مشتقّ من المصدر الذي هو ضربٌ من الأسماء، فلمّا أشبهَه في الفرعية، امتنع منه الجرُّ والتنوينُ، كما امتنعا من الفعل. والتعريفُ فرعٌ على التنكير, لأنّ أصل الأسماء أن تكون نكرات، ولذلك كانت المعرفةُ ذاتَ علامةٍ وافتقارٍ إلى وَضْع لنقْله عن الأصل؛ كنقلِ "جَعْفَرٍ" عن اسمِ النهر الذي هو نكرةٌ شائعٌ إلى واحد بعينه. فالتعريفُ المانعُ من الصرف هو الذي ينقل الاسمَ من جهةِ أنَّه متضمَّنٌ فيه، من غير علامةٍ تدخل عليه، وهو تعريف العلمية.
والتأنيث فرعٌ على التذكير لوجهَيْن:
أحدهما: أنّ الأسماء قبل الاطلاع على تأنيثها وتذكيرها يعبَّر عنها بلفظ مذكَّر، نحوِ: "شَيْءٍ"، و"حَيَوانٍ"، و"إنسان". فإذا عُلم تأنيثُها، رُكب عليها العلامةُ. وليس كذلك المؤنث.
الثاني: أن المؤنّث له علامةٌ على ما سبق، فكان فرعًا.
وقوله: "التأنيث اللازم" وصفٌ احترز به عن تأنيث الفَرْق؛ وهو الفارقُ بين المذكّر والمؤنّث في مثل: "قائمةٍ"، و"قاعدةٍ"، ونحوهما من الصفات؛ و"امرئٍ"، و"امرأةٍ"، ونحوهما من الأجناس.
ومن ذلك ما كان من التأنيث فارقًا بين الواحد والجمع، مثلَ: "قَمْحٍ"، و"قَمْحَةٍ"، و"شَعِيرٍ"، و"شَعِيرَةٍ". فهذا التأنيثُ لا اعتدادَ به، وإنمّا المانعُ من الصرف التأنيثُ اللازمُ. فإن سُمّي بشيء ممّا ذُكر، وفيه تاءُ التأنيث العارضةُ، لزِمه التأنيثُ بالتسمية، فلم يجز سقوطها، واعتُدّ بها سببًا مانعًا من الصرف إذا انضمّ إليه غيره، نحوَ: "طَلْحَةَ"، و"حَمْزَةَ"، فإنّهما لا ينصرفان لاجتماع التأنيث والتعريفِ، فإذا نُكر انصرف, لأنه لم يبقَ فيه إلَّا التأنيثُ وحدَه.
فأمّا ألف التأنيث المقصورة والممدودة، نحو: "حُبْلَى"، و"بُشْرَى"، و"سَكْرَى"،
و"حَمْراءَ"، و"صَفْراءَ"، فإنّ كلّ واحدة منهما مانعةٌ من الصرف بانفرادها، من غيرِ احتياج إلى سبب آخر، فلا ينوَّن شيء من ذلك في النكرة. فإذا لم ينصرف في النكرة، فأحْرَى أن لا ينصرف في المعرفة، لأنّ المانع باقٍ بعد التعريف، والتعريفُ ممّا يزيده ثقلاً.
وإنّما كان هذا التأنيث وحده كافيًا في منع الصرف لأن الألف للتأنيث، وهي تزيد على تاء التأنيث قوةٌ, لأنّها يُبْنَى معها الاسم، وتصير كبعضِ حروفه، ويتغير الاسم معها عن بنْيةِ التذكير، نحو: "سَكْرانَ"، و"سَكْرَى"؛ و"أحْمَرَ"، و"حَمْراءَ"؛ فبنيةُ كلّ واحد من المؤنَث غيرُ بنيةِ المذكّر. وليست التاء كذلك، إنّما تدخل الاسمَ المذكّرَ من غير تغيُّرِ بِنْيته دلالةً على التأنيث، نحوَ: "قائم"، و"قائمةٌ".
стр. 164
ويؤيِّد عندك ذلك وُضوحًا أن ألف التأنيث إذا كانت رابعةً، تثبت في التكسير، نحو: "حُبْلَى"، و"حَبَالَى"؛ و"سَكْرَى"، و"سُكَارَى"؛ كما تثبت الراءُ في "حَوافِرَ"، والميمُ في "دَراهِمَ". وليست التاء كذلك، بل تُحْذَف في التكسير؛ نحو"طَلْحَةَ"، و"طِلاح"؛ و"جَفْنَةِ"، و"جِفَانٍ". فلمّا كانت الألف مختلطة بالاسم الاختلاطَ الذي ذكرناه، كانت لها مَزِيَّةٌ على التاء، فصارت مشاركتُها لها في التأنيث علَّة، ومزيّتُها عليها علّة أُخرى، كأنّه تأنيثان. فلذلك قال صاحب الكتاب: "متى اجتمع سببان أو تكرّر واحد". ويعبَّر عنها بأنّها علّةٌ تقوم مقامَ علّتَيْن، والفِقْهُ فيها ما ذكرناه.
فأمّا الألف الزائدة للإلحاق، نحو: "أرْطًى"، و"حَبَنْطًى"، وما أشبه ذلك من الأسماء المذكرة التي في آخرها ألفٌ زائدةٌ، فهي تنصرف في النكرة، نحو: "هذا أرْطى"، و"رأيت أرطًى"، و"مررت بأرطى". فتنوينُه دليل على تذكيره وصرفِه. فإن سمّيت به رجلًا، لم ينصرف للتعريف وشَبَهِ ألفِه بألف التأنيث، من حيثُ إنّها زائدةٌ، وإنها لا تدخل عليها تاءُ التأنيث؛ لأنّ العلمية تحظر الزيادةَ، كما تحظر النقصَ، فتقول: "هذا أرطَى مُقْبلًا"، من غير تنوين.
وقوله "لفظًا أو معنى" يريد باللفظ: أن يكون فيه علامةُ تأنيث في اللفظ، وإن لم يكن مسمّاه مؤئثا كـ "طلحةَ"، و"حمزةَ"، فإنّهما لا ينصرفان للتعريف ولفظِ التأنيث، وإن كان مسمَّى كل واحد منهما مذكرًا.
ويريد بالمعنى: أن يكون مسمّاه مؤنّثًا، وإن لم يكن فيه علامةُ تأنيث ظاهرةً، وإنمّا يقدَّر فيه علامةُ التأنيث تقديرًا، نحوَ: "هِنْدَ"، و"جُمَلَ"، و"سُعادَ"، و"زَيْنَبَ". والذي يدل أنّ علم التأنيث مقدَّرٌ أنَّه يظهر في التصغرِ؛ فتقول: "هُنَيْدَةُ"، و"جُمَيْلَةُ"، فتظهر التاءُ. فأمّا "زينب"، و"سعاد"، فإنّ تاء التأنيث لا تظهر في تصغيرهما, لأن الحرف الزائد على الثلاثة يتنزّل منزلةَ علم التأنيث. ولو سمّيت رجلًا بـ "زينب، وسعاد"، لم تصرفهما أيضًا، لغلبةِ التأنيث على الاسم، فكذلك لو سمّيته بـ "عَناق"، لكان حكمُه حكمَ "سعاد" في غلبة التأنيث، فلا ينصرف.
وأمّا وزن الفعل فهو من الأسباب المانعة للصرف. وهو فرعٌ, لأنّ البناء للفعل؛ إذ كان يخُصّه، أو يغلب عليه، فكان أوْلى به.
وجملةُ الأمر أن وزن الفعل على ثلاثة أضرب: وزنٌ يخصّ الفعلَ، لا يوجَد في الأسماء؛ وضربٌ يكون في الأفعال والأسماء، إلَّا أنّه في الأفعال أغلبُ؛ وضربٌ يكون فيهما من غير غلبةٍ لأحدهما على الآخر.
فالأولُ؛ نحوُ: "ضُرِبَ"، و"ضُورِبَ". فهذان بناءان يخصّان الأفعالَ, لأنّه بناءُ ما لم يسمَّ فاعلُه، فلا يكون مثلُه في الأسماء، وإنما جاء "دُئِلُ"، وهو اسم قبيلةِ أبي
стр. 165
الأسْوَدَ (١)، وقد تقدّم الكلام عليها في الأعلام. فإذا سمّيت بـ "ضُرِبَ"، أو"ضُورِبَ"، لم ينصرف ذلك الاسم في المعرفة، للتعريف ووزن الفعل. فلو خُفّف هذا الاسم، أعني "ضُرِبَ" ونحوهُ، بأن أسكنتَ عينَه، فقلت: "ضُرْبَ"، على حد قولهم في "كَتِفٍ": "كَتْفٌ"، بسكون التاء؛ فسيبويه، ﵀، يصرفه لزَوالِ لفظِ بناء الفعل (٢).
ولأبي العبّاس فيه تفصيلٌ ما أحسنَه! وهو: إن كان التخفيف قبل النقل والتسميةِ انصرف للزُوم الإسكان له، ومَصِيرِه إلى زنة الاسم، نحوِ: "قُفْلٍ"، و"بُرْدٍ"؛ وإن كان الإسكان بعد النقل والتسميةِ لم ينصرف، إذ الإسكان عارضٌ، بدليلِ جوازِ استعمال الأصل. فالحركةُ وإن كانت محذوفة من اللفظ، فهي في حكمِ المنطوق بها.
ولو سمّيت بمثلِ "ردَّ"، و"شُدَّ"، و"قِيلَ"، و"بِيع"، لانْصرف. لأنّ هذا إعلالٌ لازمٌ لرَفْضِ أصله، وهو عدمُ استعماله، فصار كأنّه لا أصلَ له غيرَ البناء الذي هو عليه. والتحق "رُدَّ" و"شُدَّ" بـ "حُبّ"، و"دُرّ"؛ و"قِيلَ"، و"بيع" بـ "فِيلٍ"، و"دِيكٍ".
ومن ذلك "فَعَّلَ" مثلُ "ضَرَّبَ"، و"كَسَّرَ" بتضعيف العين؛ إذا سمّيت بشيء من ذلك لم ينصرف في المعرفة، للتعريف ووزِن الفعل. وينصرف في النكرة، لزوالِ أحد السببَيْن، وهو التعريف؛ لأن هذا أيضًا بناءٌ خاصٌّ للفعل، لا حَظَّ فيه للأسماء. وإنمّا وردت ألفاظٌ في الأعلام. قالوا: "خَضَّمُ"، وهو اسمُ رجل، وهو خضّم بن عمرو بن كِلاب بن تميم. قال الثماعر [من الرجز]:
لولا الإلهُ ما سَكَنَّا خَضَّمَا ... ولاظَلِلْنَا بالمَشائي قُيَّمَا (٣)
يريد بلاد "خضّم"، أي بلاد "بني تميم"؛ قالوا: "عَثرُ"، و"بَذرُ"؛ فـ "عَثَّرُ": اسم مكان، و"بذَّرُ" ماءٌ معروف. قال الشاعر، وهو زُهَيْر [من البسيط]:
١٠٠ - لَيْثٌ بِعَثرَ يصطادُ الرجالَ إذا ... ما كَذبَ اللَّيْثُ عن أقْرانِه صَدَقَا
стр. 166
وقال الآخر، وهو كُثَيَّرٌ [من الطويل]:
١٠١ - سَقَا الله أمْواهًا عَرَفْتُ مَكانَها ... جُرابًا ومَلْكُومًا وَبذَّرَ والغَمْرا
وهذه أعلامٌ؛ ولا اعتدادَ بالأعلام في الأبنية، وقد تقدّم شرحُ ذلك.
فأمّا "بَقَّمُ"، للنبت المصبوغ به، و"شَلَّمُ" لبيتِ المقدسِ؛ فهما أعجميّان (١).
وأمّا الضرب الثاني؛ وهو ما يغلب وُجودُه في الأفعال، نحوُ: "أفْكَلٍ": وهو اسمٌ للرَّعْدَة، و"أيَدَعٍ": وهو صِبْغٌ، و"أرْمَلٍ"، و"أكْلُبٍ"، و"إِصْبَعٍ"، و"يَرْمَعٍ": وهي حجارةٌ دِقاقٌ تلمَع؛ و"يَعْمَلٍ": وهو جمع "يَعْمَلَةٍ"، وهي الناقةُ السريعةُ؛ و"يَلْمَقٍ": وهو من أسماء القَباء؛ فهذه الأبنيةُ في الأسماء، وإن كانت صالحةَ العدّةِ، فهي في الأفعال أعمُّ وأغلبُ, لأن في أوّلها هذه الزوائد، وهي تكثر في أوائلِ الأفعال المضارعة، فكأنّ البناء للفعل. لذلك فـ "أفْكَلٌ"، و"أيْدَعٌ"، و"أرْمَلٌ"، بمنزلةِ "أذْهَبُ"، و"أشْرَبُ"، من الأفعال. و"أكْلُبٌ" بمنزلةِ "أقْتُلُ"، و"أخْرُجُ". و"إصْبَعٌ" بمنزلةِ "اعلَمْ "، و"اسْمَعْ " في الأمر، وفي المضارع فيمن يكسِر حرفَ المضارعة ما
стр. 167
عَدَا الياءَ. و"يَرْمَعٌ"، و"يَعْمَلٌ"، و"يَلْمَقٌ" بمنزلةِ "يَذْهَبُ"، و"يَرْكَبُ".
فإذا سُمّي بشيء من ذلك، لم ينصرف في المعرفة، للتعريف ووزنِ الفعل. لأنّه لمّا غلب في الفعل، كان البناءُ له؛ والأسماء دخيلةٌ عليه.
وأمّا الضرب الثالث، وهو البناء الذي يشترك فيه الأسماءُ والأفعالُ، وذلك بأن يسمَّى بمثلِ "ضَرَبَ"، و"عَلِمَ"، و"ظَرُفَ"؛ فإنّه منصرفٌ، معرفة كان أو نكرةً, لأنّه يكثر في الأسماء كثرتَه في الأفعال من غير غلبةٍ. فنظيرُ "ضَرَبَ" في الأفعال من الأسماء "جَبَلٌ"، و"قَلَمٌ". ونظيرُ "عَلِمَ": "كَتِفٌ"، وَ "رَجِلٌ". ونظيرُ "ظَرُفَ": "عَضُدٌ"، وَ "يَقُظٌ". وليس ذلك في أحدهما أغلبَ منه في الآخر، فلم يكن الفعلُ أوْلى به، فلم يكن سببًا.
وقد ذهب عيسى بن عمر إلى منعِ صرفِ ما سُمّي بشيء من ذلك، واحتجّ بقول الشاعر [من الوافر]:
١٠٢ - أنَا ابنُ جَلَا وطَلّاعُ الثَّنَايَا ... متى أَضعِ العِمامةَ تَعْرِفُونِي
стр. 168
قال الروايةُ: "جَلَا"، من غير تنوين، وهو فعلٌ سُمي به أبوهُ. وليس في ذلك حجّةٌ عند سيبويه (١)، لاحتمالِ أن يكون سُمّي بالفعل، وفيه ضميرُ فاعلٍ، فيكون جملة؛ والجُمَلُ تُحْكَى إذا سُمّي بها، نحوَ "بَرَقَ نَحْرُهُ"، و"شَابَ قَرْنَاهَا"؛ أو يكون جملة غيرَ مسمًّى بها، في موضع الصفةِ لمحذوفٍ، والتقديرُ: "أنا ابنُ رجلٍ جَلَا"، كما قال [من الوافر]:
١٠٣ - كأنّك من جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ بينَ رِجْلَيْه بَشنِّ
والمراد جَمَلٌ من جمال بني أقيش، فلا يكون منه على كِلا الوجهين حجّةٌ.
وأمّا الوصف فهو فرع على الموصوف، وهو علّةٌ في منع الصرف, لأن الصفة تحتاج إلى الموصوف، كاحتياج الفعل إلى الفاعل. فالموصوفُ متقدّمٌ على الصفة، كقولك: "مررت برجلٍ أسمرَ، وثَوْبٍ أحمرَ". والصفةُ مشتقةٌ، كما أن الفعل مشتقٌّ، فكان فرعًا، كما أنّ الفعل فرعٌ. فإذا انضمّ إليه سببٌ آخرُ، مَنَعَا الصرف، نحوَ: "أحْمَرَ"،
стр. 169
و"أصْفَرَ"، و"عَطْشانَ "، و"سَكْرانَ". فـ "أحمرُ"، وشِبْهُهُ، لا ينصرف للصفة ووزنِ
الفعل. وكذلك لو صغّرته، لكان غيرَ منصرف أيضًا؛ لأنّ هذا الفعل قد صُغّر في
التعجّب. قال الشاعر [من البسيط]:
١٠٤ - يا ما أُمَيْلِحَ غِزْلَانًا شَدَنَّ لَنَا ... من هؤُلَيائكُن الضالِ والسَّمُرِ
وأمّا العَدْل فهو اشتقاقُ اسم عن اسم، على طريق التغيير له. نحوُ اشتقاق "عُمَرَ" عن "عامِرٍ". والمشتقُّ فرعٌ على المشتقّ منه. والفرق بين العدل وبين الاشتقاق، الذي ليس بعدل، أنّ الاشتقاق يكون لمعنى آخر، أُخذ من الأول، كـ"ضارِب" من "الضَّرْبِ"؛ فهذا ليس بعدل، ولا من الأسباب المانعة من الصرف, لأنّه اشتُقّ من الأصل بمعنى الفاعل، وهو غيرُ معَى الأصل الذي هو"الضّرْبُ". والعدلُ هو أن تريد لفظًا، ثمّ تعدِل عنه إلى لفظ آخر، فيكون المسموعُ لفظًا، والمرادُ غيره. ولا يكون العدلُ في المعنى، إنما يكون في اللفظ، فلذلك كان سببًا, لأنّه فرعٌ على المعدول عنه. فـ "عُمَرُ" عَلَمٌ معدولٌ عن "عَامِرٍ" عَلَمٍ أيضًا. وكذلك "زُفَرُ" معدولٌ عن "زافرٍ" عَلَمٍ أيضًا. وفي الأعلام
стр. 170
"زافرٌ"، وإليه تُنْسَب "الزافريّة"، و"الزافرُ" من "زَفرَ" الحِمْلَ "يَزْفِرُه" إذا حمله. و"قُثَمُ" معدول عن "قاثمٍ" عَلَمًا، وهو منقول من "القاثم"، وهو اسمُ الفاعل من "قَثَمَ" إذا أَعطَى كثيرًا. و"زُحَلُ" معدول عن "زاحلٍ"، سُمّي بذلك لبُعْده. فهذه الأسماءُ كلّها معدولة. ألا ترى أن ذلك ليس في أُصول النكرات. و"فُعَل" يأتي على ضروبٍ منها ما ذكرناه من المعدول، ومنها أن يجيء جنسًا، نحوَ "صُرَدٍ"، و"نُغَرٍ"، و"سُبَدٍ" لطائر. ويجيء صفةٌ كـ "حُطَمٍ". قال الشاعر [من الرجز]:
١٠٥ - قد لَفَّها الليلُ بسَوّاقٍ حُطَمْ
و"زُفَر" من قوله [من البسيط]:
يَأْبَى الظُلامةَ منها النَّوْفَلُ الزُّفَرُ (١)
ويجيء جمعًا نحوَ "ثُقْبَةٍ"، و"ثُقَبٍ"؛ و"رُطْبَةٍ"، و"رُطَبٍ". فلو سُمّي بشيء من ذلك لانصرف، لأنه منقولٌ من نكرة. واعتبارُ العدل من ضروب "فُعَلَ" بامتناعِ الألف واللام منه. وعرفنا أنّة معدول أنّه ورد في اللغة غيرَ منصرفَ، وليس فيه من موانعِ الصرف سوى التعريف. وكان "عُمَرُ" علمًا معدولاً عن "عامِرٍ" وصفًا، وهو مصروفٌ على أصلِ ما ينبغي أن يكون عليه الأسماءُ، و"عُمَرُ" لفظةٌ من لفظِ "عامر"، وهو غيرُ مصروف، فعُلم أن سببه مع التعريف كونُه مغيَّرًا عنه.
стр. 171
والمعدولُ بابُه السماعُ. ألا ترى أنهم لم يقولوا في "مالِكٍ": "مُلَكُ"، ولا في "حارِثٍ": "حُرَثُ"، كما قالوا: "عُمَرُ"، و"زُفَرُ".
والمعدول على ضربَيْن: معرفةٌ، ونكرةٌ. فالمعرفةُ قد تقدّم ذِكْرُها، وهو نحو "عمر"، و"زفر"، وهو من قبيل المرتجَل, لأنّه يُغير في حال العلميّة، فلو نكر لانصرف، نحوَ قولك: "مررت بزُحَلَ، وزحلٍ آخرَ؛ وعُمَرَ، وعُمَرٍ آخر"، لبَقائه بلا سبب؛ لأنه لمّا زال التعريفُ بالتنكير، زال العدلُ أيضًا؛ لأنه إنما كان عُدل عن معرفة علمٍ؛ فإذا نُكّر، لم يكن ذلك العَلَمُ مرادًا فانصرف.
وأمّا المعدول في حال التنكير، فنحو: "أُحَادَ"، و "ثُلَاثَ"، و"رُبَاعَ"، وما كان منها نكراتٍ، بد ليل قوله تعالي: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١)، فـ "مثنى"، و"ثلاث"، و"رباع"، في موضع الصفة لـ "أجنحة"، وهي نكرةٌ. قال الشاعر [من الطويل]:
١٠٦ - ولكِنَّما اْهْلِي بِواب أنِيسُهُ ... ذِئابٌ تَبَغى الناسَ مَثْنَى ومَوْحَدُ (٢)
فأجراه وصفًا لـ "ذئاب"، وهو نكرةٌ؛ وصفة النكرة نكرةٌ. والمانع له من الصرف
стр. 172
على هذا الوصفُ، والعدلُ عن العدد المكرَّر. فأمَّا الوصف فظاهرٌ؛ وأمّا العدل فالمرادُ بـ "مثنى": اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. وكذلك "ثُلاثُ"، و"رُباعُ"، فالعدلُ هنا يوجِب التكريرَ، فإذا قال: "جاء القومُ ثُلاثَ ورُباعَ"، فمعناه أنهم تحزَّبوا وقتَ المجِيء ثلاثةً ثلاثةً، وأربعةً أربعةً. وقالوا: "مَوْحَدُ" كـ "مَثْنَى"، و"مَثْلَثَ". فأمّا "مَثْلَثُ"، و"مَرْبَعُ" إلى العَقْد، فقياسٌ؛ ولم يُسْمَع. ونظيرُ "ثُلاثَ"، و"رُباعَ" في الصفة والوزنِ "أُحَادُ" و"ثُنَاءُ"؛ وقد سُمِعَا. قال الشاعر [من الوافر]:
١٠٧ - مَنَتْ لك أن تُلاقِينِي المَنايا ... أُحادَ أُحادَ في شَهْرٍ حَلالِ
وأمّا ما وراءَ ذلك إلى "عُشارَ"، فغيرُ مسموع، والقياسُ لا يدفعه، على أنّه قد جاء في شعر الكُمَيْت [من المتقارب]:
١٠٨ - [ولمْ يَسْتَريثُوكَ حَتَّى رمَيتَ ... فوقَ الرجال] خِصالًا عُشارا
стр. 173
فإن سُمّي رجلٌ بـ "مَثْنَى"، و"ثُلاث"، و"رُباع" ونظائِرها، انصرف في المعرفة؛ فتقول فيه: "هذا مَثْنى وثُلَاثٌ" بالتنوين, لأنّ الصفة بالتسمية قد زالت؛ وزال العدلُ أيضًا لزَوالِ معنى العدد بالتسمية، وحَدَثَ فيه سببٌ آخر غيرُهما، وهو التعريف، فانصرف لبَقائه على سبب واحد. فإن نكّرته بعد التسمية لم ينصرف، على قياسِ قول سيبويه: لأنّه أشبه حالَه قبل النقل. وينصرف على قياسِ قول أبي الحسن؛ لخُلُوّه من سببٍ ألبتة.
وحُكي أن ابن كَيْسان قال: قال أهلُ الكوفة: "مَثْنَى"، و"مَوْحَدُ"، بمنزلة "عُمَرَ"، وإن هذا الاسم معرفةٌ، فإذا سمّيت به رجلاً لم ينصرف، كما لم ينصرف، "عمر" اسمُ رجل. ولسائرِ المعدولة فصولٌ يأتي الكلامُ عليها هناك مفصَّلًا، إن شاءَ الله تعالى.
وأمّا الجمع المانع من الصرف، فهو كلُّ جمع يكون ثالثُه ألفًا وبعدها حرفان أو ثلاثةُ أحرف أوْسَطُها ساكنٌ، كـ "دَوَابَّ"، و"مَخَادَّ"، و"مَساجِدَ"، و"مَنابِرَ"، و"دَنانِيرَ"، و"مَفَاتِيحَ". فكلُّ ما كان هذا النوع، فإنّه لا ينصرف نكرةً ولا معرفة. قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١). وقال الله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ (٣). فهذا الجمع، وما كان مثله ممّا فيه شَبَهٌ بالتصغير؛ ووجهُ الشبه بينهما أنّ ثالِثَه حرفٌ لين زائدٌ، وبعد الثالث مكسورٌ، كما أنّه في التصغير كذلك، فـ "دَراهِمُ" في الجمع كـ "دُرَيْهِم"، و"دَنَانِيرُ" كـ "دُنَيْنِيرٍ"، ليس بينهما فرقٌ إلا ضَمُّ أوّل الاسم المصغّر، وفتحُ أوّلِ هذا الجمع. وهو غيرُ مصروف، والذي منعه من الصرف كونُه جمعًا لا نظير له في الآحاد، فصار بعدمِ النظير كأنّه جُمع مرّتَيْن؛ وذلك أن كل جمع له نظيرٌ من الواحد، فحكمُه (٤) في التكسير والصرف كحكم نظيره. فـ "كِلابٌ" منصرفٌ في النكرة والمعرفةِ, لأنّ نظيرَه في الواحد "كتابٌ"، و"إتان" كذلك، فلو كان "كِلابٌ" ممّا يُجْمَع، لكان قياسُ جَمْعه "كُلُبٌ"، على حدّ "كِتابٍ"، و"كُتُبٍ". وكذلك باقي الجموع.
وهذا الجمعُ، أعني "مساجد"، و"دراهم" لما كان الجمعَ الذي ينتهي إليه الجموعُ،
стр. 174
ولا نظيرَ له في الآحاد، مكسَّرٌ على حدّه، صار كأنّه جُمع مرّتَيْن، نحوَ: "كَلْبٍ، وأَكْلُبٍ، وأَكالِبَ"؛و"رَهْطٍ، وأَرْهُطٍ، وأَرَاهِطَ". وكُرّرت العلّةُ، وقامت مقامَ علّتَيْن كما قلنا فيَ ألف التأنيث.
وليس في الأسباب ما يمنع الصرفَ وحده، ويقوم مقامَ علّتين، سوى ألف التأنيث، وهذا الضرب من الجموع، فإذا كان هذا الجمع صحيحًا غيرَ معتَلّ، فإنّه غيرُ منصرف، نحو: "هذهَ مساجدُ ودراهمُ". ويكون في موضع الجرّ مفتوحًا، فإن كان معتلًا بالياء، نحو: "جَوَارٍ"، و"غَوَاشٍ"، فإنّه ينوَّن في الرفع والجرّ، ويُفْتَح في النصب من غير تنوين، نحو: "هذه جوارٍ وغواشٍ"، و"مررت بجوارٍ وغواشٍ"؛ و"رأيت جَوارِيَ وغواشِيَ"؛ كما تقول: "رأيت ضواربَ".
وفيه مذهبان؛ أحدهما: قولُ الخليل وسيبويه أنّه لمّا كان جمعًا، والجمعُ أثقلُ من الواحد، وهو الجمعُ الذي ينتهي إليه الكثرةُ على ما تقدّم، نحو"أكالِب"، و"أَراهِطَ"، و"أَشافٍ"، وكان آخِرُه ياء مكسورًا ما قبلها، وكانت الضمّةُ والكسرةُ مقدَّرتَيْن فيهما، وهما مستثقَلتان، وذلك ممّا يزيده ثقلًا، فحذفوا الياء حذفًا تخفيفًا، فلمّا حذفوا الياء، نقص الاسمُ عن مثال "مَفَاعِل"، فدخله التنوينُ، على حدِّ دخوله في "قِصَاعٍ"، و"جِفَانٍ" لأنّه صار على وَزْنه؛ والذي يدلّ على ذلك أنك إذا صِرْت إلى النصب لم تحذف الياء، لخفّةِ الفتحة، ولأنّهم لما حذفوا الياء في الرفع والجرَّ، ودخله التنوينُ، وافَقَ المفردَ المنقوصَ، فصار قولُك: "هذه جوارِ وغواشٍ"؛ و"مررت بجوارٍ وغواشٍ"، كقولك: "هذا قاضٍ"، و"مررت بقاضٍ"، أرادوا أن يوافقه في النصب، لئلّا يختلف حالاهما.
وذهب أبو إسحاق الزجّاجُ إلى أنّ التنوين في "جوارٍ"، و"غواشٍ" ونحوه، بدلٌ من الحركة الملقاة عن الياء في الرفع والجرَّ لثِقلهما؛ ولمّا دخل التنوينُ، عوضًا على ما ذكرنا، حُذفت الياء لالتقاء الساكنين، سكونها وسكون التنوين بعدها، على ما قلنا في: "قاضٍ"، و"غازٍ". ولا يلزم ذلك في النصب، لثُبوت الفتحة، وهذا الوجهُ فيه ضعفٌ، لأَنّه يلزم أن يُعوَّض في نحوِ: "يَغْزُو"، و"يَرْمِي".
فإن قيل: إن الأفعال لا يدخلها تنوينٌ، فلذلك لم يعوّضوا في: "يغزو"، و"يرمي". فالجواب: إن الأفعال إنّما يمتنع منها تنوينُ التمكين، وهو الدالُّ على الخفّة؛ فأمّا غير ذلك من التنوين فإنّه يدخلها. ألا ترى إلى قوله [من الوافر]:
وقُولِي إنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصابَنْ (١)
стр. 175
وقولِه [من الطويل]:
١٠٩ - ألا أَيُّهَا الليْلُ الطويلُ ألا انْجَلِنْ ... [بصُبْحٍ وما الإصباحُ مِنْكَ بأَمْثَلِنْ]
وقولِ العَجّاج [من الرجز]:
١١٠ - [ما هاجَ أحْزانًا وشَجْوّا قد شجا] ... مِن طَلَلٍ كالأَتْحَمِى أَنْهَجَنْ
وتنوينُ "جوارٍ" و"غواشٍ" ليس بتنوينِ تمكين، إنّما هو عوضٌ؛ فلا يمتنع من الأفعال، كما لا يمتنع تنوينُ الترنُّم.
стр. 176
وكان يُونُسُ، وعِيسَى، وأبو زيد، والكسائيُّ، فيما حكاه أبو عثمان، ينظرون إلى "جوارٍ"، ونحوه من المنقوص؛ فكلّ ما كان له نظيرٌ من الصحيح مصروفٌ، صرفوه؛ وما لم يكن نظيرُه مصروفًا، لم يصرفوه، وفتحوه في موضع الجرّ، كما يفعلون في غيرِ معتلّ (١)، ويسكنونه في موضع الرفع خاصةً. قال الفَرَزْدَق [من الطويل]:
١١١ - ولَوْ كان عبدُ الله مَوْلًى هَجَوْتُهُ ... ولكن عبدَ الله مولَى مَوالِيَا
ففتح في موضع الجرّ، وهو قول أهلِ بغداد؛ والصرفُ قولُ الخليل، وسيبويه (٢)، وأبي عمرو بن العَلاء، وابن أبي إسحاق، وسائرِ البصريّين.
فأمّا قول صاحب الكتاب: "وحَضاجِرُ، وسَراوِيلُ، في التقدير جمعُ حِضجْر، وسِرْوالَةٍ"، فإشكالٌ أورده على نفسه, لأنّه قد تقدّم من قاعدةِ هذا الباب أن يكون جمعًا لا نظيرَ له في الآحاد؛ و"حضاجرُ" على زنةِ "دَراهِمَ"، و"سَواهِمَ": الضَّبُع (٣) مفردٌ.
قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
هَلاَّ غَضِبْتَ لرَحْلِ جا .... رِك إذ تُجرَّده حَضاجِرْ (٤)
стр. 177
و"سراويلُ": اسمٌ مفردٌ لهذا اللباس، فكأنّ في ذلك هَدْمَ هذه القاعدة، بإيرادِ نظير لهذا الجمع من الآحاد، ثّم انفصل عنه بأن قال: "أمّا حضاجرُ، فجمعٌ عند سيبويه، سُميت به الضبعُ"؛ وهو معرفةٌ، والمعارفُ من أسماءِ المُدُن والناسِ، قد سُمّي بالجموع، نحوَ قولهم للقبيلة: "كِلابٌ"، وقالوا: "المَدائنُ" لموضع معروف، وهو كثير. فواحدُ "حضاجر": "حِضجْز"، وقد تقدّم الكلام عليه.
وأمّا "سراويل" فهو عند سيبويه (١)، والنحويّين، أعجميٌّ وَقَعَ في كلام العرب، فوافق بناؤه بناء ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرةٍ؛ وهو"قَنادِيلُ"، و"دَنانيرُ". قال الشاعر، وهو ابن مُقْبِل [من الطويل]:
١١٢ - يُمَشي بها ذَبُّ الرَّيادِ كأنّه ... فَتى فارِسيٌّ في سراويلَ رامِحُ
ويروى: "أتَى دُونها ذلك الرياد"، هكذا أنشده صاحب الصَّحاح (٢). قوله: "ذبُّ الرياد": الثورُ الوحشيُّ. والمراد: فتى فارسيٌّ رامحٌ في سراويل.
ومن الناس من يجعله جمعًا لـ "سِرْوالَةٍ"، وهي قطعةُ خِرْقَةٍ منه، كـ "دَخارِيصَ"، وأنشدوا [من المتقارب]:
١١٣ - عليه من اللُّؤْم سِرْوالَةٌ ... فليس يَرِقُّ لِمُستعْطِفِ
стр. 178
فيكون كـ "عِثْكالَةٍ"، و"عَثاكيلَ"، وهو رأيُ أبي العَباس. ويضعف من جهة المعنى, لأنه لا يريد أن يكون عليه من اللؤم قطعةٌ، وإنِّما هو هَجْوٌ، والسراويلُ: تمامُ اللباس، فأراد أنّه تامُّ التَّرَدِّي باللؤم.
قال أبو الحسن: من العرب من يجعله واحدًا، فيصرفه، والسماعُ حجّةٌ عليه.
قال أبو عليّ: الوجه عندي أن لا ينصرف في النكرة, لأنّه مؤنّث علي بناءٍ لا يكون في الآحاد، فمن جعله جمعًا، فأمره واضحٌ؛ ومن جعله مفردًا، فهو أعجمىٌّ، ولا اعتدادَ بالأبنية الأعجمية.
وأمّا التركيب فهو من الأسباب المانعةِ من الصرف، من حيث كان المركَّبُ فرعًا على الواحد، وثانيًا له, لأنّ البَسِيط قبل المركب، وهو على وجهين؛ أحدهما: أن يكون من اسمَيْن، ويكون لكلّ واحد من الاسمين معنًى، فيكون حكمُهما حكمَ المعطوف أحدهما على الآخر؛ فهذا يستحقّ البناء لتضمُّنه معنى حرف العطف، وذلك نحو: "خمسَة عشرَ"، وبابِه. ألا ترى أن مدلولَ كل واحد من الخمسة والعشرة مرادٌ؛ كما لو عطفت أحدهما على الآخر، فقلت: "خمسةٌ وعشرة"، فلمّا حذفتَ حرف العطف، وتَضمّن الاسمان معناه، بُنِيَا كما بُني "كَيْفَ"، و"أَيْنَ"، لما تضمّنا معنى همزة الاستفهام: وكما بُني "مَنْ" حين تضمّن معنى حرف الجزاء، وهي "إن".
وأمّا القِسم الثاني، وهو الداخل في بابِ ما لا ينصرف، فهو أن يكون الاسمان كشيء واحد، ولا يدلّ كلُّ واحد منهما على معنى، ويكون موقع الثاني من الأوّل موقعَ هاء التأنيث. فما كان من هذا النوع، فإنّه يجري مجرى ما فيه تاء التأنيث، من أنّه لا ينصرف في المعرفة، نحو"حَضْرَمَوْتَ"؛ تقول: "هذا حضرموتَ"، و"مررت بحضرموتَ"، فلا ينصرف؛ لأنّه معرفة مركَبٌ، والاسمُ الثاني من الصدر بمنزلةِ تاء
стр. 179
التأنيث ممّا دخلت عليه. ألا ترى أنّك تفتح آخرَ الأول منهما، كما تفتح ما قبل تاء التأنيث؛ فإن نكرته صرفته، تقول: "هذا حضرَموتُ وحضرَموتٌ آخَرُ"، منعتَ الأولَ الصرفَ؛ لأنّه معرفةٌ، وصرفتَ الثاني؛ لأنه لماّزال التعريفُ، بقيت علّةٌ واحدةٌ، وهو التركيبُ، فانصرف، وفُتح الاسم الأوّل للتركيب. وينزل الثاني من الأوّل منزلةَ تاء التأنيث، ويمتنع الثاني من الصرف للتركيب والتعريف. وكلُّ ما كان من ذلك، كان على ما ذكرنا مع منع الصرف.
ويجوز فيه إضافةُ الأوّل إلى الثاني، فإذا أضفت، أعربت الأوّل بما يستحقّه من الإعراب؛ ونظرت في الثاني، فإن كان ممّا ينصرف، صرفته؛ وإن كان ممّا لا ينصرف، لم تصرفه. فتقول فيما يضاف إلى المنصرف: "هذا حَضْرُمَوْتِ وبَعْلُ بَك"؛ وإن أضفت إلى ما لا ينصرف، قلت: "هذا رَامُ هُرْمُزَ ومارُ سَرْجِسَ"، و"رأيت رامَ هرمزَ ومارَ سرجسَ"؛ و"مررت برامِ هرمزَ وبمارِ سرجسَ". قال جَريرٌ [من الوافر]:
١١٤ - لَقِيتُم بالجَزِيرَة خَيْلَ قَيْسٍ. . . فَقُلْتُم مارَ سَرْجِسَ لاقِتالَا
أنشد على قول من أضاف. فمن لم يضف يقول: "مارَ سرجسُ" بالضمّ, لأنّه يجعله كالاسم الواحد حكمًا؛ يقول: "يا مارَسرجسُ".
وأمّا "مَعْدِيكرِبُ" ففيه الوجهان؛ التركيب والإضافة. فإن ركّبتهما، جعلتهما اسمًا واحدًا، وأعربتهما إعراب ما لا ينصرف، فتقول: "هذا معديكربُ"، و"رأيت معديكربَ"، و"مررت بمعديكربَ"، كما تقول: "هذا طلحةُ"، و"رأيت طلحةَ"، و"مررت بطلحةَ". وإذا أضفت، كان لك في الثاني منعُ الصرف، وصرفُه. فإذا صرفته اعتقدت فيه
стр. 180
التذكيرَ، وإذا منعته الصرفَ، اعتقدت فيه التأنيثَ؛ فتقول في المنصرف: "هذا معدِي كرب"، و"رأيت معدِي كربٍ"، و"مررت بمعدِي كرب"، كما تقول: "هذا غلامُ زيد"، و"رأيت غلام زيد"، و"مررت بغلامِ زيدٍ". وتقول في غير المنصرف: "هذا معدِي كربَ"، و"رأيت معدِي كربَ"، و"مررت بمعدِي كربَ"، كما تقول: "هذا غلامُ زَيْنَبَ"، و"رأيت غلامَ زينبَ"، و"مررت بغلام زينبَ".
واعلم أنّ في "معديكرب" شذوذَيْن: أحدهما: من جهة البِنْية؛ لأنهّم قالوا: "مَعْدِي"، بالكسر، على زنة "مَفْعِل"، والقياسُ "مَفْعَلٌ"، بالفتح، نحو: "المَرْمَى"، و"المَغْزَى". وما اعتلّت فاؤه يجيء المكان منه على "مَفْعِلٍ"، بالكسر، نحو: المَوْرِد، و"المَوْضِع"؛ فهذا وجهٌ من الشذوذ. والوجه الثاني: سكونُ الياء من "معديكرب"، وهو في موضع حركة؛ ألا ترى أنك إذا ركّبت فقلت: "هذا معديكربُ"، كانت الياء بإزاء الراء من "حَضْرَمَوْتَ"، واللام من "بَعْلبَك"، وكِلاهما مفتوحٌ. وإذا أضفت كان ينبغي أن تُسكَّن في موضع الرفع والجرّ، وتفتح في موضع النصب، كما في سائر المنقوصة من نحو: "هذا قاضي زيد"، و"مررت بقاضي زيد"، و"رأيت قاضِيَ زيد". ولم يجز الأمرُ في "معديكرب" كذلك، بل سكنت في حال النصب، كما سكنت في حال الرفع والجرّ؛ وذلك لأتهم شبّهوها في حال التركيبِ وحصولها حشوا بما هو من نفس الكلمة، نحو الياء في "دَرْدَبيسٍ"؛ (١)، والياء في "عَيْضَمُوزٍ" (٢). قال الخليل: شبّهوها بالألف في "مَثنَى"، و"مَعْنًى"؛ وأمّا في حال الإضافة، فسكنوها أيضًا تشبيهًا لها بالمركّبة، للزوم هذا الاسم الإضافة؛ ولأنهّم لما سكّنوها في المركّب، وهو موضعٌ لا تكون (٣) فيه إلاّ مفتوحةٌ، سكنوها ها هنا, لأنه موضعٌ قد تسكن فيه؛ ألا ترى أنّها قد تسكن في الرفع والجرّ، فحُمل النصب في مثل هذا على الرفع والجرّ، لجواز إسكانه في ضرورة الشعر، حملًا على المرفوع والمجرور، تشبيهًا لها بالألف. فاعرفه.
وأمّا العُجْمَة، فإنها من الأسباب المانعة من الصرف, لأنّ المعجمة دخيلةٌ على كلام العرب؛ لأنّها تكون أوّلاً في كلام العجم، ثمّ تُعرَّب، فهي ثانيةٌ له، وفرعٌ عليه.
واعلم أن قولهم: "المعجمة"، ليس المراد منه لغة فارِسَ لا غيرُ، بل كلَّ ما كان خارجًا عن كلام العرب، من رُومٍ ويُونانَ وغيرهم.
وتنقسم العجمةُ إلى قسمين:
أحدهما: ما عُرّب من أسماء الأجناس، فنُقل إلى العربي جنسًا شائعًا، واستُعمل استعمالَ الأجناس، فجرى مجرى العربيّ، فلا يكون من أسباب منعِ الصرف. واعتباره