قال الشارح: يريد أن الاسم الخماسي لا يُجمع مكسرًا لِما ذكرناه، ويُجمع سالمًا؛ لأن الزيادة التي تلحقه في جمع السلامة غيرُ معتد بها من نفس الكلمة؛ لأنها زيادة عليها بعد سلامة لفظ الواحد بمنزلة الزيادة للإعراب. والنحويون يقدّرون التثنية وجمعَ السلامة تقديرَ ما عُطف من الأسماء، فإذا قلت: "الزيدان"، فهو بمنزلةِ "زيدٌ، وزيدٌ"، وإذا قلت: "الزيدون"، فهو بمنزلةِ "زيد، وزيد، وزيد". فكما أن المعطوف أجنبى من المعطوف عليه، كذلك ما قام مقامه، فإذا كان الاسم الخماسيّ عَلَمًا، جمعتَه جمعَ السلامة، نحو: "فَرَزْدَقٍ"، و"فرزدقون"، وكذلك إذا كان صفة من صفات من يعقل، وذلك قولهم: "دَهْثَمٌ"، و"دَهْثَمُونَ"، و"هِجْرَعٌ"، و"هِجْرَعُونَ". الدهثمُ: السهْلُ الخُلُق، وأرضٌ دهثمةٌ أي: سهلة. والهجرع: الطويل. وقالوا: "صَهصَلِقٌ"، "وصَهْصَلِقون". والصهصلق: الصوت الشديد، يقال: "رجلٌ صهصلقُ الصوت، وقوم صهصلقون".
وقوله "حَنْظَلات"، و"بُهْصُلات"، و"سَفَرْجَلات"، و"جَحْمَرِشات"؛ يريد أنّ الاسم الرباعي والخماسي إذا كان فيهما تاء التأنيث، جمع لأدنى العدد بالألف والتاء، نحو: "حنظلة"، و"حنظلات"، وهي الشَّرْيُ، و"بهصلة"، و"بهصلات"، والبهصلة، بالباء المضمومة والصاد غير المعجمة المضمومة: المرأةُ القصيرة. وقالوا في الخماسيّ: "سفرجلةٌ"، و"سفرجلات"، و"جحمرش"، و"جحمرشات"، والجحمرشُ: العجوز المُسِنّة، جمعوها بالتاء؛ لأنها مؤنّثة وإن لم تكن فيه علامة، فاعرفه.
فصل [جمع الثلاثي المزيد بحرف الذي ثالثة مدة]
قال صاحب الكتاب: وما كانت زيادته ثالثة مدة فلأسمائه في الجموع أحد عشر مثالاً: أفعلة، فعل، فعلان، فعائل، فعلان، فعلة، أفعال، فعال، فعول، أفعلاء، أفعل. وذلك نحو أزمنة وأحمرة وأغربة وأرغفة وأعمدة وقذل وخمر وقرد وكثب وزُبُر وغزلان وصيران وغربان وظلمان وقعدان وشمائل وأفائل وذنائب وزُقّانٍ وقضبان وغلمة وصبية وأيمان وأفلاء وفصال وعنوق وأنصباء وألسن. ولا يجمع على أفعل إلا المؤنث خاصة نحو عناق وأعنق وعقاب وأعقب وذراع وأذرع. وأمكن من الشواذ.
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما كان من الأسماء على أربعة أحرف وثالثُه حرفُ لِين، فأبنيةُ تكسيره أحدَ عشرَ بناء على ما ذَكَرَ. والأسماء التي تُكسر من هذا البناء خمسةُ أبنية: "فَعَال" كـ "زَمان"، و"فِعالٌ"، كـ"حِمار" و"فُعالٌ"، كـ"غُراب"، و"فَعِيلٌ"، كـ"رَغِيف"، و"فَعُولٌ"، كـ"عَمُود".
стр. 1157
فما كان من الأول وهو "فَعالٌ"؛ فإنه يُجمع في القلة إذا كان اسمًا مذكرًا على "أَفْعِلَةَ"، نحو: "زَمانٍ"، و"أَزْمِنَةٍ"، و"قَذالٍ"، و"أقْذِلَةٍ"، و"فَدانٍ"، و"أَفْدِنةٍ"، وكذلك كل ما كان على أربعة أحرف ثالثُه حرفُ مدّ ولِين، نحو: "حِمار"، و"أَحْمِرَةٍ"، و"غُراب"، و"أغربة", و"رَغِيف"، و"أرغفة"، و"عَمُود"، و"أعمدة"؛ لأنها سواء في الزيادة والحركة والسكون. وإنما جمعوه على "أَفْعِلَةَ" في القلة؛ ليكون على منهاج "أَفْعُلَ" في جمع "فَعْل" بسكون العين، كانّهم تَوهموا حذفَ الزائد. وذلك أنّ هذه الأسماء، إنما زادت على "فَعْل" بحرف اللين، وهو مَدة زائدة، وما قبله من الحركة من تَوابعه وإعراضه، إذ لا يكون حرفُ المدَّ واللين إلَّا وقبله من جنسه (١).
وكما جمعوا "فَعلاً" على "أَفْعُلَ"، نحو: "كَلْب"، و"أَكْلُبٍ"، كذلك جمعوا هذه الأسماء على "أَفْعِلَةَ"، إذ لا فَرْقَ بين "أَفْعُلَ"، و"أَفْعلَةَ"، إلَّا زيادةُ عَلَم التأنيث، فأما الهمزةُ، ففي أولهما جميعاً. والضمةُ التي في عينِ "أَفْعُلَ" كالكسرة التي في عين "أَفْعِلَةَ"، مع أنْ هذه الضمة قد تفسير كسرةٌ مع المعتل في نحو: "أَدْلٍ"، و"أَظْبٍ". فإذا أردت بناء الكثرة، قلت: "فَدانٌ"، و"فُدْنٌ"، و"قَذالٌ"، و"قُذُلٌ". وقد يستغنون ببناء القلة، فلم يجاوزوه، نحو: "زمانٍ"، و"أَزْمِنَةٍ"، و"مَكانٍ"، و"أَمْكِنَةٍ". وقد كسروه على "فُعُولٍ"، قالوا: "عَناقٌ"، و"عُنُوق".
وأما الثاني، وهو"فِعالٌ" بكسر الفاء، فحكمُه في جمع الكثرة كحكم "فَعالٍ", لأنه ليس بينهما في البناء إلَّا فتح الأول وكسرُه، ولذلك استويا في بناء جمع الكثرة، كما استويا في القليل، فتقول في القليل: "حِمارٌ"، و"أَحْمِرَةٌ"، و"خِمارٌ"، و"أَخْمِرَةٌ"، كما كان كذلك في "فَعالٍ". وقالوا في الكثير: "حُمُر"، و"خُمُر"، و"أُزُرٌ"، وقالوا: "شِمالٌ" لليَد، و"شَمائلُ"، كسروه على "فَعائلَ"، كأنهم جعلوه من ذوات الأربعة بزيادة الألف التي فيه، فصار كـ"قِمَطْر" (٢) و"قَماطِرَ"، فأما قول أبي النَجْم [من الرجز]:
٧٤٠ - يأتي لها من أَيْمُن وأَشْمُلِ
стр. 1158
وقول الأزرَق العَنبَري [من البسيط]:
نازَعَتها أَيْمُنٌ شُمُلا (١)
فإنهما قدّرا حذف الألف، فصار ثلاثيًّا، ثم جمعاه على "أَفْعُلَ"، و"فُعُل"، نحو "أَكْلُبٍ"، و"أُسُدٍ"، ومثله، "لِسانٌ"، و"أَلسُنٌ".
وأمّا "فُعال" مضمومَ الفاء، نحو: "غرابٍ"، و"غُلام"، و"خُراج"، فإنه يُكسر لأدنى العدد على "أَفعِلَةَ" على حدّ تكسيرِ "فَعال" و"فِعال"؛ لأنّه ليس بينهما إلَّا ضم الفاء. وذلك قولك: "غُرابٌ"، و"أَغرِبَةٌ"، و"خراج"، و"أَخْرِجَة". ولم يقولوا: "أَغْلِمَةٌ"، كأنهم استغنَوا عنه بـ"غِلْمَةٍ"؛ لأن "غِلْمَةٌ" على زنةِ "فِعْلَةَ"، وهو من أبنية أدنى العدد، وربما رُدّ في التصغير إلى الباب، يقولون "أُغَيْلِمَة".
وقالوا في الكثير: "فِعلانُ"، نحو: "غُراب"، و"غِرْبانٍ"، و"غُلام"، و"غِلْمان". وقيل: إِنما قالوا في الكثير: "فِعلان", لأن ألفة مدة زائدة، فلما حذفت، صار كأنه "غُرَبٌ"، و"غلَمٌ" على مثال "صرَد"، و"جُرَذٍ". فكما قالوا: "صِردانٌ"، و"جِرْذانٌ"، كذلك قالوا: "غِرْبان"، و"غِلمان".
وأما "فَعِيلٌ"، فإنه يُكسر في أدنى العدد على "أَفْعِلَةَ" كـ"فَعالٍ"، و"فِعالٍ"؛ لأنّهن أخواتٌ في الزنة والحركاتِ والسكونِ. وذلك قولك: "جَريبٌ"، و"أَجرِبَةٌ"، و"كَثِيبٌ"، و"أَكْثِبَةٌ"، و"رَغِيفٌ"، و"أَرْغِفَةٌ". وربما كسروه في القلة على "فِعْلَةَ"، نحو: "صَبِى"، و"صِبْيَة"، كما قالوا: "غِلمَةٌ"، وعلى "أَفْعالٍ"، نحو: "يَمِين" و"أيْمانٍ"، كأنهم حذفوا الزائد، وكسروا ذوات الثلاثة.
فإذا جاوزتَ أدنى العدد، فإنه يجيء على "فعُلٍ" كأخواته، وعلى "فُعلانَ"، نحو قولك: "قَضِيبٌ"، و"قُضُب"، و"قُضْبان"، و"رَغِيفٌ"، و"رُغُف"، و"رُغفانٌ"، و"كَثِيبٌ"، و"كُثُبٌ"، و"كُثبان"، هذا بابُه، وعليه قياسُ ما جُهل أمره، وما عدا ذلك، فشاذ يُسمَع ولا يقاس عليه.
وقالوا: "نَصِيبٌ"، و"أَنصِباء"، و"خَمِيسٌ"، و"أَخمِساء"، فجمعوه على "أفعِلاء"، كأنهم شبّهوه بالصفة، حيث قالوا: "شَقِيٌ"، و"أَشقِياء"، و"تَقِي"، و"أَتْقِياءُ". ولأنهم يجمعون عليه ما كان معتلاً أو مضاعفًا؛ جاؤوا بهذا البناء في الكثير على منهاج بناء القلة، ألا ترى أنّه لا فرقَ بينهما إلا إبدالُ عَلَم التأنيث، وهو التاء بغيره.
وقد كسروه على "فِعلانَ" بكسر الفاء, وهو قليل أيضًا، قالوا: "ظَلِيمٌ"،
стр. 1159
و"ظِلْمانٌ"، و"قَضِيبٌ"، و"قِضْبانٌ"، ويقال: "قُضْبانٌ" أيضًا، وقالوا: "فَصِيلٌ"، و"فُصْلانٌ"، و"عَرِيضٌ"، و"عُرْضانٌ"، كأنّهم شبّهوه بـ "فُعالٍ"، وكسّروه تكسيرَه، نحو: "غُرابٍ"، و"غِرْبانٍ". والعَرِيضُ: التيْسُ، كأنّهم جاؤوا به على حذف الزائد. وقالوا "أَفِيلٌ"، و"آفالٌ"، و"أَفائِلُ"، فمن قال: "آفالٌ"، جمعه على حذف الزيادة، وجعله ثلاثيًا، ومن قال: "أَفائِلُ"، جمعه على الزيادة، كما قالوا: "شَمائِلُ". وقالوا: "أديمٌ"، و"أَدَمٌ"، و"أَفِيقٌ"، و"أَفَقٌ"، وهما اسمان للجمع، وليسا بتكسير الواحد.
وأما "فَعُولٌ"، فمجراه في التكسير مجرى "فَعِيلٍ"، وذلك لاستوائهما في العدد والحركات والسكون، ليس بينهما فرقٌ إلَّا أنّ زيادة "فَعُول" الواو، وزيادة فَعِيلٍ الياء، والياء أختُ الواو، فإذا أردت أردت العدد، بنيتَه على "أَفْعِلَةَ"، كما كان "فعيل" كذلك، فتقول: "عَمُودٌ" و"أَعْمِدَة"، و"خَرُوف"، و"أَخْرِفَة"، و"قَعُود"، و"أَقْعِدَة"، وتقول في الكثير "عُمُدٌ" و"عُتُدٌ"، و"قُدُمٌ"، في جمع "قَدُومٍ"، كسروه على حد "قَلِيبٍ"، و"قلُبٍ"، و"كَثِيبٍ"، و"كُثُبٍ".
وقد قالوا: "خِرْفان"، و"قِعْدان"، و"عِتْدان" في جمع "عَتُود"، شبهوه بـ "غُراب"، و"غِرْبان"، و"غُلام"، و"غِلْمان". والبابُ الأوّل، خالفتْ "فَعُول"، "فَعِيلًا" هنا كما خالفتها "فُعالٌ".وقالوا: "ذَنُوبٌ"، للدَّلو، و"ذَنائِبُ"، كسّروه بالزيادة، كما قالوا: "أَفائِلُ"، وقد جاؤوا به في القلة على "أَفْعالٍ"، نحو: "فَلُو"، و"أَفْلاء"، كسروه على حذف الزيادة.
واعلمْ أن كل ما جاء من ذلك على "فُعُلٍ"، فيجوز تسكينُه تخفيفًا، نحو قولك في "كُتُب": "كُتْبٌ"، وفي "رُسُل": "رُسْلٌ"، وهي لغةُ بني تميم. قالوا: كل ما أصله الحركة يجوز تسكينُه تخفيفًا، وحُكي عن أبي الحسن: أن كل "فُعل" في الكلام، فتثقيله جائزٌ، إلَّا ما كان صفة، نحو: "حُمْرٍ"، أو معتل العين، نحو: "سُوقٍ". فالأولُ يجوز في الكلام وحال السعة، والثاني لا يجوز إلَّا في الشعر. فقد صار أمثلةُ تكسيره أحدَ عشرَ مثالًا، من ذلك "أَفْعِلَةُ"، وهي القياس فيه لأدنى العدد، يشترك فيه الأبنيةُ الخمسةُ: "فَعالٌ"، نحو: "زَمانٍ"، و"أَزمِنَةٍ"، و"فِعال"، كـ"حِمار"، و"أَحْمِرَة"، و"فُعال"، كـ"غُراب"، و"أَغرِبَة"، و"فَعِيل"، كـ"رَغِيف"، و"أَرْغِفَة"، و"فَعُول"، كـ"عَمُود" و"أَعْمِدَة". ومن ذلك "فُعُل" بضم الفاء والعين، وهو القياس في الكثير، وقد جاء في الأمثلة الخمسة، من ذلك "فَعالٌ"، قالوا: "قَذالٌ"، و"قُذُلٌ"، وهو مؤخر الرأس، ومَعْقِد العِذار من الفرس، و"فِعالٌ"، نحو: "حِمار" و"حُمُر"، و"فُعال"، نحو: "قُراد"، و"قُرُد". والقُراد: صِغارُ الحَلَم، ويُجمَع على "قِرْدانٍ" أيضًا، و"فَعِيلٌ"، نحو: "كَثِيب"، و"كُثُب"، وهي تِلالُ الرمل، و"فَعُولٌ" نحو: "زَبُور"، و"زُبُر"، وهو الكتاب، وهو "فَعُولٌ" بمعنى "مَزبُور"، أي: مكتوب فيه. ومنه "فِعلانُ"، وقد جاء أيضًا في الأمثلة الخمسة، قالوا: "غَزالٌ"،
стр. 1160
و"غِزلان" و"صِوار"، و"صِيرانٌ"، والصّوارُ: القطيع من البَقَر، وهو أيضًا وعاء المِسْك. قال الشاعر [أمن الوافر]:
٧٤١ - إذا لاحَ الصوارُ ذكرتُ لَيْلَى ... وأَذكُرُها إذا نَفَحَ الصوارُ
فجمع بينهما. و"فُعال": "غُرابٌ"، و"غِرْبانٌ"، و"فَعِيلٌ": "ظَلِيمٌ"، و"ظِلمانٌ"، و"فَعُولٌ": "قَعُودٌ"، و"قِعْدانٌ". ومن ذلك "فَعائِلُ" جاء في بنائَيْن "فَعِيل"، و"فَعُولٍ"، قالوا في "فَعِيل": "أَفِيلٌ"، و"أَفائِلُ"، وهي صغار الإبل، وقالوا في "فَعُولٍ": "ذَنُوبٌ"، و"ذَنائِبُ". والذنوب: الدلْوُ المملوءة.
ومن ذلك "فُعلانُ"، وهو في بناءين: "فُعالٍ"، نحو: "زقاقٍ"، و"زُقانٍ"، و"فعِيل"، نحو: "قَضِيب"، و"قُضبانٍ". ومن ذلْك "فِعلَة"، وهو منها في بناءين أيضًا: "فُعالٍ"، قالوا: "غُلامٌ"، و"غِلمَةٌ"، و"فَعِيل"، نحو: "صَبِىٍّ"، و"صِبيةٍ"، وهي من أبنية أدنى العدد.
ومن ذلك "أَفعال"، وهو في بناءَين: "فَعِيلٍ"، و"فعُولٍ"، قالوا لليَد: "يَمِينٌ"، و"أَيمانٌ"، و"فَلُوٌّ"، و"أَفْلاءٌ". والفَلُوُّ: المُهرُ، سُمي بذلك؛ لأنه يُفتلى عن أمه، أي: يُقطَع.
ومن ذلك "فِعالٌ" لم يأت إلَّا في مثال واحد، وهو"فَعِيل". قالوا: "فَصِيلٌ"، و"فِصالٌ".
стр. 1161
ومنه "فُعُولٌ"، وهو أيضًا في مثال واحد، وهو"فَعال"، قالوا: "عَناقٌ"، و"عُنُوقٌ"، وهي الأنثى من ولدِ المَعْز.
ومن ذلك "أَفْعِلاء" جاء في بناء واحد أيضًا، وهو "فَعِيلٌ"، قالوا: "نَصِيبٌ" و"أَنْصِباء". ومن ذلك "أَفْعُلُ"، ولا يجمع على "أَفْعُلَ" إلَّا ما كان مؤنثًا، سواء كان على "فَعالٍ"، أو"فُعالِ"، أو" فِعالٍ". قالوا: "عَناق"، و"أَعْنُق"، و"عُقابٌ"، و"أَعْقُبٌ"، و"ذِراعٌ"، و"أَذْرُعٌ". فأمّا "لِسان"، و"أَلْسُن"، فإن فيه لغتَيْن: التأنيث والتذكير، فمن أنث، قال: "أَلْسُنٌ"؛ ومن ذكْر، قال: "أَلْسِنَة"، كأنّهم فرقوا بين جمع المذكّر من هذا البناء والمؤنث؛ كما فصلوا بين جمعِ نحو: "قَصْعَةٍ"، و"كَعْبٍ"، فجمعوه على خلافِ جمع المذكّر؛ لأن المذكر يجمع في القلة على "أَفْعِلَةَ"، وهذا يجمع على "أَفْعُلَ".
وشبّهوه بالعدد يكون في المذكّر بالهاء، نحو: "ثلاثة"، و"أربعة"، وفي المؤنث بغيرها، نحو: "ثلاث"، و"أربع". ولم يجمعوه جمعَ ما فيه تاء التأنيث، نحو: "قَصْعَة"، و"جَفْنَة"، وإن كان على عدته؛ لأنّ زيادته ليست كتاء التأنيث, لأن زيادته مَدّة زائدةٌ كالإشباع، فاعتقدوا سقوطَها، فصار على ثلاثة أحرف، فجُمع على "أَفْعُلَ"، كما يُجمَع الثلاثة عليه، نحو: "كَعْب"، و"أَكْعُبٍ"، و"فَلْس"، و"أَفْلُسٍ"، ولذلك قالوا في الكثير: "عُنُوقٌ"؛ لأن "فُعُولًا"، و"أَفْعُلَ" يترادفان على الثلاثي، نحو: "فَلْسٍ"، و"أَفْلُس"، و"فُلُوسٍ". وربما قالوا: "عُنُقٌ" قصروا "فُعُولًا"، كما قالوا: "أُسُدٌ" في "أُسُودٍ". وربّما خُفف أيضًا؛ فقالوا: "عُنْقٌ"، كما قالوا: "أُسْد". وقد قالوا: "مَكانٌ"، و"أَمْكُنٌ"، فجمعوه جمع المؤنّث، و"المكانُ" مذكرْ جاء ذلك شاذًّا، ومُجازُه أنه على "فَعالٍ". والمكانُ أرضٌ، والأرضُ مؤنثةٌ، فجُمع جمعَ ما هو مؤنثٌ، والمشهورُ "أَمْكِنَةٌ" على القياس، فاعرفه.
* * *
[عدم مجئ "فُعُل" في جمع الثلاثي المضاعف ولا المعتل اللام]
قال صاحب الكتاب: ولم يجيء "فُعُلٌ" من المضاعف ولا المعتل اللام وقد شذ نحو: "ذُبٍّ" في جمع "ذُبابٍ".
* * *
قال الشارح: يريد أنّ المضاعف يجمع في القلّة على "أفعِلَةَ"، نحو: "كِنانٍ"، و"أَكِّنَّةٍ". والكِنانُ: ما يكُنّك، أي: يستُرك من مَطَر أو حَرً أو بَرْدٍ، و"عِنانٍ"، و"أَعنهٍ"، و"خِلالٍ"، و"أخلةٍ". والخِلالُ: العُود يُتخلّل به، وما يُخَل به الثوبُ أيضًا. واقتصروا علي بناء القلة، وإن عنوا الكثيرَ، استغنوا بـ"أَكِنةٍ"، و"أَعنةٍ" عن أن يقولوا "كُنُنٌ"، و"عُنُنٌ"، فيُكرِّروا النون من غير ادّغام، كأنهم استثقلوا ذلك، وكان عنه مندوحةٌ، وهو
стр. 1162
الاجتزاء ببناء القلة. وإذا كانوا قد اجتزؤا ببناء القلّة حيث لا ضرورةَ، نحو: "زَمان"، و"أَزْمِنَةٍ"، و"مَكانٍ"، و"أَمْكِنَةٍ"، و"رَسَنٍ"، و"أَرْسانٍ"، كان مع الضرورة أَوْلى.
فإن قيل: فهلا ادغموه، وقالوا: "كُنّ"، و"عُنّ"، قيل: لو فعلوا ذلك؛ لم ينفكّ من ثقل التضعيف، فأمّا قولهم: "ذُبٌّ" في جمع "ذُبابٍ"، فهو شاذّ، فإنه يقال: "ذُبابةٌ" للواحد، و"ذُبابٌ" للجنس، على حد "بَطَةٍ"، و"بَطّ"، و"حَمامةٍ"، و"حَمامٍ"، ويجمع "الذبابُ" في القلة على "أَذِبةٍ"، والكثيرُ "ذِبانٌ"، على حد "غُرابٍ"، و"أَغْرِبِةٍ"، و"غِرْبانٍ". قال النابغة [من الرجز]:
٧٤٢ - ضَرّابَةَ بالمِشْفَرِ الأَذِبهْ
فأما المعتل، فإن كان معتل العين بالياء؛ كان حكمُه حكمَ الصحيح، يقال: "عِيانٌ"، و"أَعْيِنَةٌ"، في العدد القليل، وفي الكثير "عُيُنٌ" بضم الياء؛ لأنّ الضمّة على الياء لا تثقُل ثِقلَهَا على الواو. ومن قال في "رُسُلٍ": "رِسْلٌ"، فخفّف، قال هنا: "عِينٌ" بكسر العين، كما قالوا: "دَجاجةٌ بَيُوضٌ"، و"دجاجٌ بُيُضٌ، وبِيضٌ". وإنما كسروا الفاء لتصح الياء، ولا تنقلبَ واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها على حد قلبها في "مُوسرٍ"، و"مُوقِنٍ". فإن كان من ذوات الواو من نحو: "خوانٍ"، و"رواقٍ"، كُسر في القلة على "أَفْعِلَةَ"، تكسيرَه في الصحيح، نحو: "أَرْوِقَةٍ"، و"أَخْوِنَةٍ". وتقول في الكثير: "خُونٌ"، و"رُوقٌ"، تأتي به على لغة بني تميم بالإسكان، كأنهم استثقلوا الضمّة على الواو، فحذفوها. وكان الأصل "خُوُنٌ"، و"رُوُقٌ"، فإن اضطر الشاعر، رد الأصلَ. قال عَدي [من الكامل]:
٧٤٣ - [عَنْ مبرقاتٍ بالبُرينَ وتَبْدو] ... بالأكُف (١) اللامِعاتِ سُوُرْ
стр. 1163
وما كان من ذلك معتلّ اللام من نحو: "كِساء"، و"رِداء"، و"غِطاء"، و"سَماء"، فإنّك تكسره في القلة على "أَفْعِلَةَ"، نحو: "أَكْسِيَةٍ"، و"أَرْدِيَةٍ"، و"أَغْطيَةِ"، ولا تُجاوِزه إلى بناء الكثرة. وذلك من قبل أن الهمزات التي في أواخر هذه الأسماء أصلُها الواو، لأنه من "غَطَا"، "يَغْطُو"، و"الكِسْوةِ". فلو بنيتَه للكثير على حد "فُدنٍ"، و"قُذُلٍ"، لقلت: "كُسُوٌّ"، و"غُطُوٌ"، و"سُمُوٌ"، فكانت الواو تقع طرفًا، وقبلها ضمةٌ، وذلك معدوِمٌ في الأسماء المتمكنة، وكان يلزم قلبُ الواو ياء والضمةِ كسرةً، على حد صَنِيعك في "أدْلٍ"، و"أَجرٍ". فلما كان يؤدّي إلى هذا التغيير، وكان عنه مندوحةٌ؛ تَجنبوه، واجتزؤوا ببناء القلّة، فأما "رداء"، فلامُه ياء، لقولهم: "حسنُ الردْيَةِ"، ولا يكسّر على "فُعُلٍ"؛ لأنه يلزم وقوعُ الياء طرفًا، وقبلها ضمةٌ، فكان يلزم قلبُها واوًا لضُعْفها بتطرفها، ووقوع الضمّة قبلها، فكان يصير حالُها كحالِ ما لامُه واوٌ، فأما "سماءٌ"، فإذا أريد به المَطَرُ، كُسر في أدنى العدد على "أَسْمِيَةٍ" وفي الكثير، "سُمِيّ". قال العَجّاج [من الرجز]:
٧٤٤ - تَلُفهُ الأرواحُ والسمِيُّ
وهو "فُعُولٌ"، فُعل به ما فُعل بـ "عُصِىٍّ"، و"دُليٍّ"، فاعرفه.
* * *
стр. 1164
[جمع الثلاثي المزيد بحرف والذي ثالثة مدة وينتهي بتاء التأنيث]
قال صاحب الكتاب: ولما لحقته من ذلك تاء التأنيث مثالان: "فعائل", "فعلٌ"، وذلك نحو: "صحائف", و"رسائل" و"حمائم", و"ذوائب", و"حمائل", و"سفن".
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما كان من الأسماء مؤنثًا بالتاء على أربعةِ أحرف، ثالثُه حرف مَد ولين على رنةِ "فَعالَةَ"، كـ "حَمامَةٍ"، و"دَجاجَةٍ"، أو"فِعالَةَ" كـ "رِسالَةٍ"، و"عِمامَةِ"، أو "فُعالَةَ" كـ "ذُؤابَةٍ"، و"ذُبَابَةِ"، أو"فَعِيلَةَ" كـ"صَحِيفَةٍ" و"سَفِينةٍ"، أو"فَعُولَةَ" كـ "حَمُولَةٍ"، و"رَكُوبَة"، فإن بابه أن يُكسر على "فَعائِلَ"، نحو: "حَمائِمَ"، و"دَجائِجَ"، و"رَسائِلَ"، و"عَمائِمَ"، و"ذَوائِبَ"، و"ذَبائِبَ"، و"صَحائِفَ"، و"سَفائِنَ"، و"حَمائِلَ"، و"رَكائِبَ".
وإنما كان الباب فيما لحقته التاء من هذه الأبنية أن يجمع على "فَعائِلَ"؛ لأنّهم أرادوا الفصلَ بين جمع المذكر والمؤنث من هذه الأبنية، كما فصلوا بين جمع "قَصْعَةٍ"، و"فَلْسٍ"، و"رَحَبَةٍ"، و"قَلَمٍ" فنزلوا الزائدَ الذي هو حرفُ المدّ فيها منزلةَ الأصل، فجمعوها على الزيادة التي فيها, ولم يُقدِّروا حذفَها، فصارت كالأربعة من نحو: "جُخْدُبٍ" (١)، و"بُرْثُنٍ" (٢)، فكما قالوا: "جَخادِبُ"، و"بَراثِنُ" قالوا هنا: "حَمائِمُ"، و"رَسائِلُ" لأنّه على طريقةِ "فَعالِلَ"، إذ كان في العدة والحركات مثله، وإن اختلفا في الوزن. فوزنُ "جَخادِبَ"، و"بَراثِنَ"، "فَعالِلُ"، ووزنُ "حَمائِمَ"، و"رَسائِل"، "فَعائِلُ"؛ لأن الثالث منها مَدةٌ زائدةٌ، فقُوبلتْ في المثال بمثلها. والثالثُ من "جُخدُبٍ" أصل، فقُوبل في المثال باللام. فإذا أردت العدد القليل، جمعته بالألف والتاء، نحو: "حَماماتٍ"، و"رِسالاتٍ"، و" ذُؤابابٍ"، و"صَحِيفاتٍ"، و"حَمُولاتٍ".
وربما قالوا: "ثلاثُ صَحائِفَ ورَسائِلَ"، فاستعملوا هذا البناء في القليل، كما قالوا: "ثلاثةُ جَعافِرَ وجَخادِبَ"، إلَّا أن استعمالَ نحو"جَخادِبَ" في القليل عن ضرورة، إذ لا يمكن جمعُها بالألف والتاء، وفي "صَحائفَ" وبابِه استحسان وتشبية بـ"جَخادِبَ".
فإن قيل: ولِمَ قلبتَ حرف المدّ همزة في الجمع؟ قيل: لما جُمع على الزيادة، وقعت ألفُ "حَمامة"، و"رِسالة"، و"ذُؤابة" بعد ألف التكسير، وألفُ التكسير تُكسر ما بعدها من نحو: "جَعافِرَ"، و"زَبارجَ"، و"بَراثنَ"، والألفُ مَدة زائدة لا حظ لها في
стр. 1165
الحركة، فقُلبت إلى أقرب الحروف إليها بما يمكن تحريكُه، وهو الهمزة، فقالوا: "حَمائِمُ"، و"رَسائِلُ"، و"ذَوائِبُ"؛ لامتناع الحركة فيها.
فإن قيل: فإنّكم همزتم الألفَ في "حمائم"، و"ذوائب"، لامتناع الحركة فيها، فما بالُكم همزتموها في "صَحائف"، و"حَمائِل" مع إمكان الحركة في الياء والواو؟ قيل: لما كانت الياء في "صحيفة"، والواوُ في "حمولة" مدّتَيْن زائدتَيْن، لا حظّ لهما في الحركة؛ حملوهما في الهمزة على الألف في "حَمامة"، و"رِسالة"، و"ذُؤابة"، إذ كانت مثلهما في الزيادة والمدّ. ألا ترى انك لا تهمز نحو ياء "مَعِيشَةٍ"، بل تتركها ياء على حالها في الجمع، نحو قولك: "مَعايِشُ"؛ لكون الياء فيها أصلاً متحركةً في الأصل، وهمزُها رديء، ووجهُه ومُجازُه التشبيه بـ "صَحِيفَة"، و"كَتِيبةَ"، وليس مثلهما. وربما قالوا: "سُفنٌ"، و"صُحُفٌ" فكسروه على "فُعُل"، وشبهوه بـ "قليب" (١) و"قُلُب"، كأئهم لم يعتدوا بالهاء، وجمعوا "سفينًا" و"صحيفًا" على "سُفُن" و"صُحُف" كما قالوا: "جَفرَةٌ" (٢)، و"جِفارٌ"، فقدروا الهاء ساقِطةً، وجمعوه جمعَ ما لا هاء فيه، حتى كأنهم جمعوا "جَفرًا"، فاعرفه.
[جمع الوصف المزيد بحرف الذي ثالثه حرف مدّ]
قال صاحب الكتاب: ولصفاته تسعة أمثلة: "فُعلاءُ"، "فُعُلٌ"، "فِعالٌ"، "فُعْلانُ"، "فِعْلانُ", "أَفْعالٌ"، "أفْعِلاءُ"، "أَفعلةُ"، "فُعُولٌ", وذلك نحو: "كُرَماءَ", و"جُبناءَ" و"شُجعاءَ" و"ودداء" و"نُذُرٍ" و"صُبُر" و"صُنُع" و"كُنز", و"كرامٍ", و"جياد", و"هجان" و"ثنيانٍ" و"شجعان" و"خصيانٍ" و"أشراف" و"أعداء" وأنبياء وأشحة وظروف, ويجمع جمع التصحيح, نحو: "كريمون" و"كريماتٌ".
* * *
قال الشارح: الهاء في قوله: "ولصفاته" تعود إلى "ما" من قوله: "وما كانت زيادته ثالثة مدة ممّا هو على أربعة أحرف"؛ لأن ذلك يكون أسماء، وصفات، فأضاف الصفة إليه إضافةَ البعض إلى الكل، كما يقال: "نَصْلُ السيْف"، و"حَب الحَصِيد"، فإن الباب أن يكسر على "فُعَلاء"، و"فِعالٍ"، فـ "فُعَلاءُ" نحو: "فَقِيهٍ"، و"فُقَهاءَ"، و"بَخِيل"، و"بُخَلاء"، و"كَرِيم"، و"كُرَماءَ". وإنّما جمعوا "فَعِيلًا" إذا كان صفة على "فُعَلاء"، للفرق بينه وبين "فَعِيل" الذي هو اسمٌ، وجعلوا ألفَ التأنيث في آخره بإزاء تاء التأنيث في جمع المذكر، نحو: "أَرْغِفَةٍ"، و"أَجْرِبَةٍ". وإنما أتوا بعَلَم التأنيث في الجمع ليكون كالعِوَض من الزائد المحذوف في الجمع.
стр. 1166
وأما "فِعالٌ"، فنحو: "كَرِيم"، و"كِرام"، و"ظَرِيف"، و"ظِرافٍ"، و"لَئِيم"، و"لِئامٍ". وذلك على حذف الزائد، فَصار ثلاثيًا، فجمعوه جمع الثلاثيّ من الصفات، نحو: "صَعْب"، و"صِعابٍ"، وَ "عبْلٍ"، و"عِبالٍ". وقالوا في المضاعف: "شَدِيدٌ"، و"شِدادٌ"، و"حَديدٌ"، و"حدادٌ". وقالوا: "أَشِداءُ"، و"أَلِبّاءُ"، و"أَشِحاءُ"، جعلوه نظيرَ "فُعَلاء"، كأنهم كرهوا أن يقولوا: "شُدَداء"، و"لُبَبَاءُ"، و"شُحَحاءُ"، فيُكرروا حرفَيْن بلفظ واحد من غير ادغام. وحينِ استثقلوا ذلك عدلوا إلى بناء جمع الاسم من نحو"جَرِيبٍ"، و"أَجْرِبَة"، و"كَثِيبٍ"، و"أكْثِبَةٍ"، إلَّا أنهمِ غيروا عَلَمَ التأنيث؛ لئلا يكون مثله من كل وجه. وقد قالوا: "أَشِحةٌ"، و"أَعِزةٌ"، و"أذِلةٌ"، فأتوا به علي بناء الاسم من غير تغيير. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (١).
وقالوا: "شَقِيٌّ"، و"أَشقِياءُ"، و"غَنِيٌّ"، و"أَغْنِياءُ"، و"صَفِيٌّ"، و"أَصْفِياءُ"، وجعلوا "أَفْعِلاء" فيما اعتلّت لامُه نظيرَ "فُعَلاء" في الصحيح، وذلك أنّهم كرهوا أن يقولوا: "شُقَياء" و"غُنَياء"، فتقع الياء مفتوحةٌ، وقبلها فتحةٌ، وذلك ممّا يُوجِب قلبَها ألفًا، فعدلوا عنه إلى "أَفْعِلاء".
وأما ما كان معتل العين من نحو"طَوِيلٍ"، و"قَوِيمٍ"، فإنه يُكسر على "فِعالٍ" من نحو "طِوالٍ"، و"قِوام"، و"طِيال"، و"قِيام"، وهو قليل. قال الشاعر [من الطويل]:
٧٤٥ - تَبينَ لي أنّ القَماءَةَ ذِلةٌ ... وأن أَعِزّاءَ الرِجالِ طِيالُها
стр. 1167
والكثير: "طِوالُها". ولم يقولوا فيه: "فُعَلاءٌ" ولا "أَفْعِلاء" استغنوا عنهما بـ"فِعَالٍ"؛ لانه أخف. وقد شذ منه قولهم: "بَغِيٌّ"، و"بُغَواءُ"، وكان حقُه أن يقال: "بُغَياء"؛ لأنه من ذوات الياء. وحكى الفراء: "سَرِيٌّ"، و"سُرَواء". ولم يجمع على هذا إلَّا هذان الحرفان.
وقد كسّروه على "فُعُلٍ"، قالوا: "نَذِيرٌ"، و"نُذُرٌ"، شبهوه بالاسم نحو: "كَثِيب"، و"كُثُبٍ"، قال تعالى: ﴿فَكَيفَ كاَنَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (١). وقالو ا: "جَدِيد"، و"جُدُدٌ"، و"سَدِيسٌ"، و"سُدُسٌ"، والسديسُ: التي أتت عليها السنةُ السادسةُ، يقال: "شاةٌ سَدِيسٌ"، "وناقة سديس"، والجمع: "سُدْسٌ" قال الشاعر [من الطويل]:
٧٤٦ - فَطافَ كما طافَ المُصَدقُ وَسْطَها ... يُخير منها في البَوازِلِ والسدْسِ
وقالوا: "صَدِيقٌ"، و"صُدُقٌ"، و"فَصِيحٌ"، و"فُصُحٌ". قال الشاعر [من الكامل]:
٧٤٧ - خُرْسٌ بـ "لا" في كلِّ مَكْرُمَة (٢) ... فُصُحٌ بَقوْلِ نَعَمْ وبالفَعْل
стр. 1168
وقالوا: "لَذِيذ"، و"لُذ"، خفْفوا على حد "رُسُلٍ"، و"رُسل". قال الشاعر [من الكامل]:
٧٤٨ - لُذٌّ بأَطرافِ الحَدِيث إذا ... حُبَّ القِرَى وتُنُورع الفَجَرُ
وقالوا في المعتلّ: "ثَنِيٌّ"، و"ثُنٍ"، والأصِل "ثُنُيٌّ" بضم النون، فأبدلوا من الضمة كسرة؛ لئلا تنقلب الياء واوًا، كما فعلوا في "أدْلٍ"، و"أَجْرٍ". ومن خفف قال: "ثُنْى" بإثبات الياء. وقالوا: "ثُنْيان"، كسروه على "فعْلانَ"، شَبهوه بـ "جَرِيبٍ"، و"جرْبانِ"، ومثله "شَجِيعٌ"، و"شُجعانٌ". وقالوا: "خَصِىُّ"، و"خِصْيانٌ"، كسروه علىَ "فِعلانَ" بكسر الفاء، شبهوه بـ "ظَلِيم"، و"ظِلمانٍ".
وقالوا: "يَتِيمٌ"، و"أيتامٌ"، و"شَريفٌ"، و"أَشرافٌ"، جاؤوا به على "أَفْعالٍ"، شبهوا "فعِيلاً" بـ "فاعِلٍ" حيث قالوا: "شاهدٌ"، و"أَشهادٌ"، و"صاحبٌ"، و"أَصْحابٌ"؛ لأنه أربعة على عدته، والزيادةُ فيه حرفٌ ساكنٌ لين مثله. وقالوا: "أَبيلٌ"، و"آبالٌ". والأبيل: القَس، وكان عِيسَى ﵇ يقال له: "أَبِيلُ الأبَيلِينَ"، كما يقال: "قَسُّ القُسوسِ". قال الشاعر [من الطويل]:
٧٤٩ - وما سبح الرُّهبانُ في كل بِيعَةِ ... أَبِيلَ الأَبِيلِينَ المَسِيحَ بنَ مَريَمَا
стр. 1169
وقالوا: "ظريف"، و"ظُرُوف"، جاؤوا به على حذف الزائد، كأنه جمعُ "ظَرْف"، وإن لم يُستعمل على نحو: "فَلْسٍ"، و"فُلُوسٍ". و"ظَرْفٌ" في معنى "ظرِيف" ,كما قالوا: "عَدْلٌ" في معنى "عادِلٍ". وقال أبو عمر (١): هو جمعُ "ظريف" على غير قياس. ونظيرُه "زَنْدٌ"، و"أَزْنادٌ"، و"زَمَانٌ"، و"أَزْمانٌ". قال: ويدل على ذلك أنك لو صغّرت "ظُرُوفًا"، لقلت "ظُرَيفُونَ"، ولا يمتنع ما كان من ذلك لمن يعقل مذكرًا من الواو والنون، نحو: قولك: "ظريفون"، و"لبيبون"، و"حكيمون"، وما كان مؤنثًا بالألف والتاء، نحو: "لبيبة"، و"لبيبات"، و"ظريفة"، و"ظريفات".
و"فُعالٌ" بمنزلةِ "فَعِيل"؛ لأنهما أختان، تقول: "رجل طَوِيل وطُوال"، و"بَعِيدٌ وبِعادٌ"، وقالوا: "شَجِيعٌ وشُجاعٌ"، و"خَفِيفٌ وخُفافٌ"، وتدخل في مؤنّث "فعالٍ" الهاء، كما تدخل في مؤنث "فَعِيلٍ". تقول: امرأةٌ "طويلة وطُوالَةٌ"، و"خفيفةٌ وخُفافَةٌ"، فلما اتفقا في المعنى، اتّفقا في الجمع. وقالوا "شُجاعٌ وشُجَعاء"، كما قالوا: "فَقِيهٌ وفُقَهاء". وقالوا: "طُوالٌ وطِوالٌ" كما قالوا: "كِرامٌ" و"لِئامٌ".
وأما "فَعُولٌ"، فيجيء على ثلاثةِ أبْنية "فعُل"، و"فَعائِلَ"، و"فُعَلاء". فالاولُ قالوا: "صَبُورٌ وصُبُرٌ"، و"غَدُورٌ وغُدُرٌ". هذا هو الباب، المذكر والمؤنث فيه سَواءٌ، وإنما استويا في هذا المثال؛ لأنه لا علامةَ للتأنيث فيه ظاهرة، تقول: "رجل صَبُور"، و"امرأة صَبورٌ"، و"رجلٌ غَدُورٌ"، و"امرأةٌ غدورٌ". فلما استويا المذكّر والمؤنّث في الواحد، استويا في الجمع.
والثاني "فَعَائِلُ" ويختص بالمؤنث، قالوا: "عَجُوز وعَجائِزُ". شبهوهُ بـ "فَعِيلَةَ"؛ لأنه مؤنث مثله، وقالوا: "عُجُزٌ". قال الشاعر [من الكامل]:
٧٥٠ - جاءَتْ به عُجُزمُقابَلَة ... ما هن من جَرْم ولا عُكْلِ
стр. 1170
وقالوا للوالِهِ: "عَجُولٌ، وعُجُلٌ"، وقالوا: "جَدُودٌ وجَدائِدُ"، و"صَعُودٌ وصَعائِدُ"، و"سَلُوبٌ وسَلائِبُ". والجدود: التي قل لَبَنُها، والصعُودُ: التي عطفت على ولدِ غيرها، والسلُوبُ: التي سُلبت ولدَها بموتٍ، أو ذَبْح، أو غيرِ ذَيْنك. جاؤوا بها على "فعَائِلَ"؛ لأنها مؤنّثةٌ، فكان علامةُ التأنيث فيها مقدرة، فصار كـ "صَحيحَة"، و"صَحائِحَ". شبّهوا "فَعُولًا" في الصفة بالاسم، فجمعوه جمعَه، فكما قالوا: "قَدُومٌ، وقُدُمٌ، وقَدائِمُ"، و"قَلُوصٌ، وقُلُص، وقَلاِئصُ" كذلك قالوا: "عَجُوزٌ، وعُجُز، وعَجائِزُ".
وقد يستغنون بأحدهما عن الآخر، قالوا: "عَجائِلُ"، ولم يقولوا: "عُجُلٌ"، وقالوا: "صَعائِدُ"، ولم يقولوا "صُعُدٌ". وقد قالوا في المذكر: "جَزُورٌ، وجَزائِرُ"، وبابه المؤنّث، كأنهم لما كان لغيرِ من يعقل؛ جمعوه جمعَ المؤنث؛ لأن غير العُقلاء يجري في الجمع مجرى المؤنّث. فأمّا "ذَنُوب" و"أَذْنِبَةٌ"، ففيه لغتان: التذكير والتأنيث. فمن ذكّر، قال: "أَذْنِبَة"؛ ومن أنث، قال: "ذَنائِبُ". ويُحكَى أنّه لمّا قال عَلْقَمَةُ [من الطويل]:
٧٥١ - وفي كل حَي قد خَبَطْتَ بنِعْمَةٍ ... فَحُقَّ لَشأْسٍ من نَداكَ ذَنُوبُ
стр. 1171
فقال: بل "أَذْنِبَة"، وأطلقَ أخاه شَأْسًا، وأحسن إليه. ولا يجمعون من ذلك بالواو والنون، وإن كان لمن يعقل, لأن مؤنثه لا يجمع بالألف والتاء. إنما لم يجمع المؤنث بالألف والتاء؛ لأنها لا تُستعمل في المؤنث بعلامة الثأنيث؛ لأنها لم تَجْرِ على العقل، فلما طُرحت الهاء في الواحد مع أن التأنيث يُوجِبها؛ كرهوا أن يأتوا بجمع، يوجب ما كرهوا، فيكون نقضًا لغرضهم، فعدلوا عن السلامة إلى التكسير، وأجروا المذكر مجراه.
وقد حكوا: "عَدُوَّةٌ"، فأدخلوا تاء التأنيث على "فَعُولٍ"، وهو قليل، والكثيرُ "عَدُوٌّ"، ان عنيتَ المؤنث. وإنّما أدخلوا فيه تاء التأنيث تشبيها له بـ"صَدِيقٍ"، و"صَدِيقَةٍ"؛ لأنّه مثله في الصفة والعدةِ والزيادةِ، وهم كثيرًا ما يحملون الشيء على نقيضه، وكل واحد منهما يقع على الجمع بلفظ الواحد. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (٢)، وكذلك "صَدِيقٌ". قال الراجز:
٧٥٢ - دَعْها فَمَا النحْوِي من صَدِيقِها
وكما شُبه "فَعُولٌ" بـ "فَعِيل"، فأُلْحق به تاء التأنيث كذلك شبهوا "فَعِيلًا" بـ "فَعُولٍ"، فأسقطوا منه تاء التأنيث، فقالوا: "شاةٌ سَدِيسٌ"، إذا أتت عليها السنةُ السادسةُ، وقالوا:
стр. 1172
"رِيح خَرِيق"، أي: باردةٌ شديدةُ الهُبُوب. قال الشاعر [من الوافر]:
٧٥٣ - كأن هُبُوبها خَفَقانُ رِيح ... خَرِيقٍ بين أَعْلام طِوالِ
و"كَتِيبَةْ خَصِيفٌ"، فأما قولهم: "رَكُوبَة"، و"حَلُوبَةٌ"، فالتأنيث فيه للمبالغة والتكثير كـ "نَسابةٍ"، ومن قال: "عَدُوَّةٌ" لم يمتنع عنده جمعُه بالألف والتاء، ومذكره بالواو والنون.
الثالث "فُعَلاء"، وهو قليل، قالوا: "وَدُودٌ"، و"وُدَداءٌ"، شبهوه بـ "فَعِيلٍ"، إذ كان مثله في العدة، والواو أختُ الياء، ولذلك يتفقان في الرِّدْف. وفيه شذوذ من وجهَين:
أحدهما أن "فَعُولًا" لا يجمع على "فُعَلاء"، إنما بابُه "فَعِيلٌ" كـ "كَرِيمٍ"، و"كرمَاءَ"، فهو في "فَعُول" شاذّ.
الثاني إنه إنما جاء هذا البناء في الجمع على التشبيه بـ "فَعِيلٍ"، فلا يكون هذا البناء في المضاعف من "فَعِيلٍ"، فلا يقال: "شَدِيدٌ"، و"شُدَداءٌ"، و"جَلِيلٌ"، و"جُلَلاء"، فهو في "فَعولٍ" المشبه به أشد امتناعًا، فكان فيه شاذًّا. وإنما سوّغ ذلك خروجُه عن بابه، وشذوذُه، فأُجري عليه بما ليس له، وقد شبّهه سيبويه (١) بـ "خُششاء" في الواحد يريد أنهم احتملوا التضعيف في "وُدَداء" كما احتملوه في "خُشَشَاء"، و"الخششاء": العظم الناتىء خَلفُ الأُذن، وهما خشَشاوان. وربما ادغم، فقيل: "خُشاء"، ونظيرُه "قُوباء" بالسكون، وهما حرفان نادران، فأما "فَعَالٌ" بفتح الفاء فهو كـ "فَعُولٍ"، يجمع على "فُعُلٍ" و"فعْلٍ" في المعتل.
وقد جاء فيه أيضًا "فُعَلاء"، فكان له ثلاثةُ أبنية في الجمع. فالأولُ "فُعُلٌ"، قالوا: "امرأةٌ صَناعٌ وصنُعٌ" و"جَماد وجمدٌ"، كما قالوا: "صَبُورٌ وصُبُرٌ". والصناعُ: المرأة
стр. 1173
الحاذقة، ويقال: جَمادٌ، أي: بَخِيلَةٌ، و"سنة جماد"، أي: مُجْدِبة.
الثاني: قالوا في المعتلٌ: "نُوار" و"نور"، و"جواد" و"جُود"، و"عَوان" و"عُون"، وأصله التثقيل. وإنما سكّنوه تخفيفًا لثقل الضمة على حرف العلة.
وإنما كان البابُ في "فَعالٍ" أن يُكسر على "فُعُلٍ"؛ لأنه نظيرُ "فَعُولٍ" من جهة الصفة والعدة، وأنه يمتنع من كل واحد منهما تاء التأنيث، فلا يقال: "امرأةٌ صناعةٌ"، كما لا يقال: "امرأة صَبُورَةٌ". ويقال: "امرأةٌ نَوارٌ"، أي: عفيفة، نافرة عن القبيح. وأصل النوار النفارُ. و"الجَوادُ": الرجل الكريم مأخوذٌ من "الجَوْد"، وهو المطر الغزير. و"العَوانُ": النصَفُ، يقال: "امرأة عوان"، و"بَقَرَة عوان"، أي: نَصَف في سنها. الثالث: قالوا: "جَبانٌ"، و"جُبَناء". قال سيبويه (١) شبهوه بـ "فَعِيل"، قالوا: "فَقِية"، و"فُقَهاء"، و"بَخِيلٌ"، و"بُخَلاء"؛ لأنه مثله في الصفة والزنة والزيادة. يريد أن "فَقيها"، و"ظَرِيفًا"، ونحوهما من الصفات كما أن "جَبانا" صفة، وأن الزائد في البناءين حرفُ مَد ولِين، وأن زنتهما واحدة من جهة سكونه. وحُكي عن سيبويه: "رجل جَبانٌ"، و"امرأةٌ جَبَانَة"، و"جُبَناء" في الجمع (٢). فعلى هذا لا يمتنع جمعُه بالواو والنون، فيمن يعقل، وبالألف والتاء في المؤنّث.
وأما "فِعَال" بكسر الفاء، فله في التكسير ثلاثةُ أبنية "فُعُلٌ"، "فِعَالٌ"، "فَعائِلُ"، وهو كـ"فَعالٍ" بفتح الفاء، لا تدخل تاء التأنيث في مؤنثه.
فالأول، وهو فُعُلٌ، قالوا فيه: "ناقة دلاتٌ"، أي: سريعةٌ، و"نُوقٌ دُلثٌ"، و"ناقةٌ كِنازٌ"، و"نُوق كُنُزٌ"، أي: مجتمعةُ اللحم.
الثاني، وهو"فَعائلُ"، قالوا: "ناقةٌ هِجانٌ"، وهي الكريمة الخالصة، و"نُوقٌ هَجائِنُ". وقالوا: "شِمالٌ"، وهي الخليقة، والجمع "شَمائِلُ" على إرادة الزائد، وأما "فُعُل" فعلى تقدير حذف الزائد.
الثالثُ "فعَالٌ"، قال الخليل (٣): "الهِجانُ" يكون واحدًا، ويكون جمعًا. تقول: "هذا هِجانٌ"، و"هؤلاء هِجانٌ". وذلك أن هِجانا "فِعالٌ"، و"فِعال" يجري مجرى "فَعِيلٍ"، لاستوائهما في العدة والزيادة. فمن حيث جمعوا "فَعِيلًا" على "فِعالٍ"، نحو: "ظَريفٍ"، و"ظِرافٍ"، و"شَرِيفٍ"، و"شِرافٍ"، كذلك كسروا عليه "فِعالاً"، وقالوا في "الشمال" التي هي الخليقة: تكون واحدًا وجمعًا. قال الشاعر [من الطويل]:
стр. 1174
٧٥٤ - [ألم تَعلَمَا أَن المَلَامَةَ نَفعهَا ... قليل] ومالَوْمَي أخِى مِن شَمالِيَا
يريد: من شَمائِلي. وقالوا: "دِرعٌ دِلاصٌ"، وهو البَراق، و"درُوعٌ دِلاصٌ"، فـ "دِلَاصٌ"، إذا كان جمعًا، تكسير"دِلاص" الذي هو واحد.
فإن قيل: فهلا كان "هِجانٌ" و"دِلاصٌ" في مذهب المصدر من نحو: "جُنُب"، ولا يكون تكسيرًا؟ قيل: في ذلك مذهبان: منهم من يقول: "هذا هِجانٌ"، و"هذان هجَانان"، و"هؤلاء هَجائنُ"، وكذلك "دِلاصٌ"، فعلى هذا يكون تكسيرًا، إذ لو كان مصدرًا؛ لم يُثَنَّ كما كان في "جُنُبٍ" كذلك. والذي يدل على ذلك قولُهم: "جَواد"، و"جِيادٌ"، فجمعوا "فَعالاً" على "فِعَالٍ". و"فَعالٌ"، و"فِعالٌ"، مجراهما واحدٌ، ليس بينهما فرق إلَّا فتحُ التاء وكسرُها. فكما لا يُشَك في أن "جِيادًا" تكسيرٌ، كذلك "هِجانٌ". ومنهم من يقول: "هذا هِجانٌ"، و"هذان هجانٌ"، و"هؤلاء هجانٌ"، وكذلك "دِلاصٌ"، فهؤلاء يجعلونه مصدرًا، ويُوَحِّدونه في كل الأحوال، كما كانت "جُنُبٌ" كذلك، فاعرفه.
[جمع "فعيل" بمعني "مفعول "]
قال صاحب الكتاب: وأما "فعيلٌ" بمعنى "مفعولٍ", فبابه أن يكسَّر على "فعلي" كـ "جرحى", و"قتلى". وقد شذّ "قتلاء", و"أسراء"، ولا يجمع جمع التصحيح، فلا يقال "جريحون" ولا "جريحاتٌ".
* * *
стр. 1175
قال الشارح: اعلم أنّ "فَعِيلًا" إذا كان بمعنى "مَفْعُولٍ"، فإنه يجري مجرى "فَعُولٍ"، فلا تدخله الهاءُ في المؤنث، ويكون لفظُ المذكُر والمؤنث فيه سواءً، كما كان كذلك في "فَعُولٍ". وبابُه أن يُكسر على "فَعْلَى" كما ذكر، نحوَ: "جَرِيح"، و"جَرْحَى"، و"قَتِيلٍ"، و"قَتْلَى"، و"لَدِيغ"، و"لَدْغَى". أما اختصاصُه بـ"فَعْلَى"؛ فلأنّه لا يُجمَع على ذلك إلَّا ما كان من الآفات والمَكارِه التي تُصيب الحيَّ، وهو لها كارِهٌ غيرُ مُريد، فلما اختص المفردُ بمعنى واحد، لا يشرَكه فيه غيرُه، اختصوا جمعه ببناء لا يشركه فيه غيره وهو"فَعْلَى"، فإن وُجد في غيره، فلمشارَكته له، وشَبَهِه به على ما سيُذكَر.
وقد شذ نحوُ: "قُتَلاء"، و"أُسَراءَ"، كأنهم شبهوه بـ"ظَرِيفٍ"، و"ظُرَفاءَ"، و"شَرِيف"، و"شُرَفاءَ". والبابُ "فَعْلَى"؛ لأن "قتيلًا" بمعنى "مقتول"، و"أسيرًا" بمعنى "مأسُورٍ". ولا يُجمَع شيء من ذلك إذا كان مذكّرًا بالواو والنون، كما لم يجمع مؤنثُه بالألف والتاء، فلا يُقال: "قَتِيلُونَ"، ولا "جَرِيحَات"؛ لأنهم لم يفصلوا في الواحد بين المذكّر والمؤنث بالعلامة، فكرهوا أن يفصلوا بينهما في الجمع، فيأتوا في الجمع بما كرهوا في الواحد، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: ولمؤنثها ثلاثة أمثلة: فعال، فعائل، فعلاء, وذلك نحو صباح وصبائح وعجائز وخلفاء.
* * *
قال الشارح: قوله: "ولمؤنّثها"، يعني مؤنّثَ هذه الصيغة يريد ما كان علي بناءِ "فعِيلٍ" إذا لم يكن بمعنى "مفعول"؛ وله في الجمع ثلاثةُ أبنية: "فِعَالٌ"، "فَعائِلُ"، "فُعَلاءُ".
فالأول، قالوا: "صَبِيحَةٌ"، و"صِباحٌ"، و"ظَرِيفَة"، وظِرافٌ"، والصبيحةُ: الجميلة. يُقال: "امراة صبيحةٌ" إذا كانت ذاتَ صَباحة، وهي الجَمال، ومثلُه "ظريفةٌ"، و"ظِرافٌ" جمعوه على "فِعالٍ" بالزيادة كالمذكر، ولم يفصلوا بينهما في الجمع، كأنهم اكتفوا بالفصل في الواحد عن الفصل في الجمع.
والثاني: "فَعائِلُ"، قالوا: "صَبيحَةٌ"، و"صَبائِحُ"، "وصَحِيَحةٌ"، و"صحائح"، و"طَبِيبَةٌ"، و"طَبائِبُ"، جمعوه جمع الأَسماء، نحوِ "صَحِيفَةِ"، و"صَحائِفَ"، وَ"سَفِينَة"، و"سَفائنَ"، فهذا البناءُ في المؤنث نظيرُ "أَفْعِلاء" و"فُعَلاء" في الصفات للمذكر، فـ"أفْعِلاءُ"، نحوِ: "صَفِي"، و"أصْفِياءَ"، و"شَقِى"، و"أشْقِياءَ"، و"فُعَلَاءُ"، نحو: "كريمٍ"، و"كُرَماءَ"، و"شَهِيدٍ"، و"شُهَداءَ". وقد يستغنون بـ "فِعَالٍ" عن "فَعَائِلَ". قالوا:
стр. 1176
"سَمِينَةٌ"، و"سِمانٌ" و"صَغِيرَةٌ"، و"صِغارٌ"، و"كَبِيرَةٌ"، و"كِبارٌ"، ولم يقولوا: "سَمائِنُ"، ولا "صَغائِرُ" ولا "كبائر" في السّنّ، إنما جاز ذلك في الذنُوب.
الثالث: "فُعَلاءُ"، قالوا: "فَقِيرَةٌ"، و"فُقَراءُ"، و"سَفِيهَةٌ"، و"سُفَهاءُ"، جُمع جمع المذكر، ولم يُسمَع من ذلك إلَّا هذان الحرفان. وقد قالوا فيه: "سَفائِهُ"، كما قالوا: "صَحائِحُ"، فأمّا "خليفة" فقد قالوا فيه "خَلائِفُ"، و"خُلَفاء"، قال الله تعالى: ﴿خَلَائِفَ في الْأَرْضِ﴾ (١)، وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ﴾ (٢)، فمن قال: "خَلائِفُ"، فعلى الأصل المذكرر، جَمَعَه على حدّ: "صَبيحَةٍ"، و"صَبائِحَ"، ومن قال: "خُلَفاءُ"، كان كـ "فُقَراءَ"، و"سُفَهاءَ". وهو ها هنا أسهلُ؛ لأَن الخليفة لا يكون إلَّا مذكرًا، فجمع على المعنى دون اللفظ. ويحتمل أن يكون "خلائف" جمع "خَلِيف" فإنه يُقال: "خليفٌ"، و"خليفةٌ". قال الشاعر [من البسيط]:
٧٥٥ - إن من القَوْم مَوْجُودًا خَلِيفَتُه ... وما خَلِيفُ أبي وَهْبٍ بمَوْجُودَ
فجاء "خُلَفاءُ" على "خَلِيفٍ" كـ "فُقَهاءَ"، و"ظُرَفاءَ".
[جمع الاسم الذي علي وزن "فاعل "]
قال صاحب الكتاب: وما كان على فاعل إسماً فله إذا جمع ثلاثة أمثلة: فواعل، فُعْلانُ، فِعْلانُ، نحو: كواهل وحجران وجنان.
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما كان من الأسماء على "فاعِلٍ"، أو"فاعَلٍ" غيرَ نَعْت، فله
стр. 1177
في التكسير ثلاثةُ أبنية، فالبابُ فيه أن يُكسر على "فَواعِلَ"، نحوِ: "كاهِلِ"، و"كَواهِلَ"، و"حائطٍ"، و"حَوائِطَ"، و"نَائِل"، و"نَوائِلَ"، و"طابِقِ"، و"طَوابِقَ"؛ وذلك لأنه ليس بنعت، فتريد أن تفصل بينه وبين مؤنثه، وإنما هو اسم رباعى بالزيادة, فجُمع على الزيادة، فكان حكمه في الجمع حكمَ بنات الأربعة، وشُبه بما فيه زيادةُ الإلحاق، نحوِ: "جَوْهَرِ"، و"صَيْرَفٍ"؛ لأنه مثلُه في العدة، وكونِ الزائد ثانيًا من حروف المدّ، فكما يُقال: "جَواهِرُ"، و"صَيارِفُ"، كذلك قيل: "حَوائِطُ"، و"حَواجِزُ".
وإنما قلبوا ألفَ "فاعِلٍ" في هذا الجمع واوًا؛ لأن ألف التكسير تقع بعدها، والجمعُ بينهما متعذرٌ لسكونهما، فلم يكن بد من حذف أحدهما أو قلبِه، فلم يسغ الحذف؛ لأنه يُخِل بالدلالة على الجمع، فتَعين القلبُ. وقلبوها واوًا, ولم يقلبوها ياءً؛ لأُمور منها: أنهم حملوها في القلب على التصغير، فكما قالوا: "حُوَيِّطٌ"، و"حوَيجِز"، قالوا في التكسير: "حَوائِطُ"، و"حَواجِزُ"؛ لأن التصغير والتكسير من واد واحد، فجاز أن يحمَل كل واحد من التصغير والتكسير على أخيه. ألا ترى أنّهم كما حملوا التكسير على التصغير هنا، كذلك حملوا التصغير على التكسير، فقالوا: "أسَيْوِدٌ" من غير ادّغام، كما قالوا: "أساوِدُ".
الثاني: أنهم أرادوا الفرق بين ألف "فاعِلٍ"، وياءِ "فَيْعَلٍ"، نحوِ: "صَيرَفٍ". ألا تراك لو قلت في "صارِفٍ": "صَيارِف"، لجاز أن يُتوهم أنه جمعُ "صَيْرَفٍ"، فعُدل إلى الواو لذلك.
الأمر الثالث: أن الألف لما زيدت للجمع، وأُريد قلبُها، قلبوها واوًا تشبيهًا لها بواو الجمع، نحوِ: "قَامُوا" و"الزيدون" ولا فرق في ذلك بين المعرفة والنكرة، فإنك تقول في المعرفة: "خالِد"، و"خَوَالِدُ"، و"قاسِمٌ"، و"قَواسِمُ"، كما تقول: "كاهِلٌ، وكَواهِلُ". ولا تمتنع المعرفةُ من الواو والنون نحوِ قولك: "خالدون"، و"قاسمون".
وقد جاء في "فاعَل"، "فَواعِيلُ"، نحوِ: "طابِقٍ"، و"طَوابِيقَ"، و"دانِق"، و"دَوانِيقَ"، و"خاتَم"، و"خَواتِيم"، كأنهم جمعوه على ما لم يُستعمل، نحوِ: "طابقٍ"، و"طَوابِيقَ"، و"داناقٍ"، و"دَوانِيقَ"، و"خاتام"، و"خَواتِيمَ". وليس ذلك بقياس مطرد، على أن بعضهم قال: "خاتامٌ"، وأنشدوا [من الرجز]:
٧٥٦ - [أَعَزُّ ذاتَ المِئزرِ المنشق] ... أخذتِ خاتامِى بغيرِ حَق
стр. 1178
فعلى هذا يكون "خَواتِيم" قياسًا. قال الفراء: لم يجىء في "فاعِلِ": "فَواعِيلُ" إلَّا في شيء من كلام المولدين، قالوا: "باطِل"، و"بَواطِيلُ" شبهوه بـ"طابِقِ"، و"طَوابِيقَ".
الثاني: "فُعلانُ" بضم الفاء، قالوا: "حاجر"، و"حُجرانٌ"، و"سالّ"، و"سُلانٌ"، و"حائِرٌ"، و"حُورانٌ"، وقالوا فيه: "حِيرانٌ"، كسروه على "فِعلانَ"، كما قالوا: "جِنانٌ"، ومثله "غِيطانٌ"، و"حِيطانٌ"، جمع "غائطِ"، و"حائط". وذلك أنهم شبهوه بـ"فَعِيل"، فجمعوه جمعه، كما قالوا: "جَرِيبٌ"، و"جُبانٌ"، و"رَغِيفٌ"، و"رُغفانٌ"، كذلك قالوا ها هنا: "جِنانٌ"، و"حِيرانٌ". و"فُعلانُ" بالضم في هذا أكثر من "فِعلانَ", لأنه محمول على"فَعِيل". والبابُ في "فعيل" "فُعلانُ"، نحو: "جريب" و"جُرْبان"، و"كثيب"، و"كُثبان"، و"فِعلانُ"، فيه قليل، نحوُ: "ظَلِيم"، و"ظِلمانٍ"، و"قضيب"، و"قِضبان". وإذا قل في الأصل كان فيما حمُل عليه أقل، فمن كسره على "فَواعِلَ"، جمعه جمع الأربعة، فنزل الزائدَ فيه منزلةَ الأصل، ومن كسره على "فُعلان" و"فِعلان"، فعلى حذف الزائد، وجمعه جمع بنات الثلاثة، نحوِ: "حُملانٍ"، و"وِرلانٍ".
وقالوا: "وَادٍ"، و"أودِيَة" جمعوه في القلة على "أفْعِلَةَ" كما قالوا: "أرْغِفَةٌ"، ولم يأتِ إلَّا في هذا الحرف المعتل نادرًا، كأنهم كرهوا فيه "فواعِلَ"؛ لئلا تنقلب الواو همزة، فيقال: "أوَادٍ"، والأصل: "وَوادٍ"، فيجتمع في أول الكلمة واوان، فتنقلب الأُولى همزة، كما قلبوها في "أواقٍ". والحاجر: مكان مستدير يمسك الماءَ من شَفَة الوادي، وهو "فاعل" من "الحَجر"، وهو المَنعُ. والسالّ: مَسيل ضيق في الوادي، والحائر كالبُستان، وتُسميه العامة الحَيرَ. والغائط: المكان المنخفض، وكني به عن قضاء الحاجة؛ لأن من أراد قضاء الحاجة، أتى الغائطَ ليتستر عن الأعين، وهو من الواو، لقولهم: "تَغَوطَ" إذا أتى الغائطَ. وإنما قلبوا الواو ياءَ في "الغِيطان" لسكونها وانكسارِ ما قبلها، كما فعلوا في "مِيزان". ومثلُه "حِيطان" هو من الواو؛ لأنه من "حَاطَ" "يحوط".
[جمع مؤنث الاسم الذي علي وزن "فاعل "]
قال صاحب الكتاب: ولمؤنثه مثال واحد "فواعل", نحو:"كواثب", وقد نزلوا
стр. 1179
ألفَ التأنيث منزلةَ "تائه"، فقالوا في "فاعِلاء"، "فَواعِلُ"، نحوَ: "نَوافِقَ"، و"قَواصِعَ"، و"دَوامَّ"، و"سَوابِ".
* * *
قال الشارح: المؤنث في هذا البناء على ضربين: مؤنث بعلامة هي تاءٌ، كـ"جاعرةٍ"، و"كاتبةٍ"، ومؤنث بعلامة هي ألفٌ ممدودةٌ، نحوُ: "نافِقاءَ"، و"قاصعاءَ". فقياسُ ما كان من الأول أن يجمع على "فَواعِلَ"؛ لأنّك في التكسير تحذف التاء إذا كانت منفصلة عن الاسم على حد حذفها في "قَصْعةٍ"، و"قِصاعٍ"، و"جَفنَة"، و"جِفانٍ"، ثم تجمع جمع المذكر، فتقلب ألفه واوًا، نحوَ: "جَواعِرَ"، و"كَواثِبَ". ولم يخافوا التباسَه بالمذكر؛ لأن التأنيث هنا ليس للفرق.
وما كان من الثاني، وهو المؤنث بالألف الممدودة، فإنه أيضًا يُجمع على "فَواعِلَ"، قالوا: "نافِقاءُ"، و"نَوافِقُ"، و"قاصِعاءُ"، و"قَواصِعُ". شبهوا ما فيه ألفُ التأنيث بما فيه تاءُ التأنيث، فـ"نافِقاءُ"، و"قاصِعاءُ"، بمنزلة "نافِقَةٍ"، و"قاصِعَةٍ"، فحذفوها في التكسير كما يحذفون التاء، ومثلُه قولهم: "خُنْفَساءُ"، و"خَنافِسُ"، كأنهم جمعوا "خُنْفَسَةَ". والجاعِرَة: حَلْقة الدبْر، وهي أيضًا طَرَف الفَخْذ موضعُ الرقْمَة من الحِمار، وهما الجاعِرتان. والكاثِبَة من الفرس: أعلى الحارِك. والنافِقاء، والقاصِعاء، والداماء من جِحرَةِ اليَرْبُوع. و"سَوابُّ": جمع "سابِياءَ" وهو النتاج، ومنه الحديث: "تسعةُ أعْشار البَرَكَة في التجارة، وعُشْرٌ في السابياء" (١).
[جمع الصفة التي علي وزن "فاعل "]
قال صاحب الكتاب: وللصفة تسعة أمثلة: فعل، وفعال، وفعلة، فُعلة، فعل، فعلاء، فعلان، فعال، فعول. نحو شهد وجهل وجهال وفسقة وقضاة. وتختص بالمعتل اللام وبزل وشعراء وصحبان وتجار وقعود. وقد شذ نحو فوارس.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول إنّ التكسير في الصفات ليس بقياس؛ لشَبَهها بالأفعال، والبابُ أن تجمع بالواو والنون؛ لأن الفعل يتصل به هذه العلاماتُ، نحوُ: "يضربون"، فإذا البابُ في "فاعل" إذا كان صفة نحوَ "كاتب"، و"ضارب" أن يجمع بالواو والنون، نحوَ قولك: "ضاربون"، و"كاتبون"؛ لأنه صفة، ومؤنثُه بالهاء، نحوُ: "ضاربة"، و"كاتبة"، فكان جمعُ مذكره بالواو والنون، كما كان جمعُ مؤنثه بالألف والتاء، نحوُ: "ضاربات"، و"كاتبات".
وقد يكسر بحكم الاسمية، فإذا كُسر المذكر منه كان على "فُعلٍ". قالوا: "شاهِدٌ"،
стр. 1180
و"شُهدٌ"، لشاهد المَصِير، و"بازِل"، و"بُزل"، و"قارحٌ"، و"قُرحٌ". ومثلُه في المعتل: "صائِم"، و"صُوَّمٌ"، و"نائم"، و"نُومٌ"، ويجوز "صُيمٌ"، و"نُيمٌ".
وقالوا فيما اغتسلت لامه: "غاز"، و"غُزى"، و"عافٍ"، و"عُفُى" بمعنى الدارس، وعلى "فُعالٍ". قالوا: "شُهادٌ", و"جهالٌ", و"ركابٌ" وذلك كثير.
وقد يكسر علي"فعلة".قالوا: "فاسقٌ", و"فسقةٌ", و"بارُّ", و"بررةٌ", و"كافرٌ", و"كَفَرَةٌ"، وقالوا فيما اعتلت عينه: "خائِنٌ"، و"خَوَنَةٌ"، و"حائكٌ"، و"حَوَكَة"، والقياس: "خانَةٌ"، و"حاكَةٌ"، وإنّما خُرج على الأصل. وربما قالوا: "خانةٌ"، و"حاكةٌ"، كما قالوا: "باعَةٌ"، ونظيرُه من المعتلّ اللام "غازٍ"، و"غُزاةٌ"، و"قاضٍ"، و"قُضاةٌ"، جاؤوا به على "فُعَلَةَ"، وهو بناء اختص به المعتل، لا يكون مثلُه في الصحيح. وزعم بعضُ الكوفيين أن أصل "قُضاةٍ": "قُضى" مثلَ "شُهد"، و"قُرح"، فحذفوا إحدى العينَيْن، وأبدلوا منها الهاءَ، ولا دليل على ذلك. وكان أبو العباس محمَّد بن يزيد يذهب إلى أن ذلك ليس بتكسير لـ"فاعل" على الصحة، إنما هي أسماء للجمع، فهو بابُه كـ "عمود"، وَ"عَمَدٍ"، و"أفِيقٍ"، و"أفَقِ".
وقد كسروه على "فُعُلٍ"، قالوا: "بازِلٌ"، و"بُزُلٌ"، و"شارِفٌ"، و"شُرُف" للمُسِنة من الإبل، وقالوا: "عائذ" و"عوذ"، وهي القريبةُ النتاجِ، و"حائلٌ"، و"حُولٌ"، و"عائط"، و"عِيط"، بمعنى "الحائل". وأصلُ " عُوذٍ"، و"حُولٍ"، " عُوُذ"، و"حُوُلٌ"، فأُسكنت الواو استثقالًا للضمة عليها، وأصلُ "عِيطٍ"، "عُيُطٌ"، فسكّنوا الياء استثقالاً، وكسروا العين لتصحّ الياءُ، وذلك كما قالوا: "بِيضٌ" في جمع "أبْيَضَ"، وأصلُه: "بُيْضٌ" كـ "أحْمَرَ" و"حُمرٍ". وإنما كسروا الباء؛ لتصح الياء، وذلك أنهم شبّهوا "فاعلًا" بـ"فَعُول"، فجمعوه على حذف الزيادة, لأنه مثلُه في الزيادة والعدة، فكما قالوا: "غَفُورٌ"، و"غُفُرٌ"، و"صَبُورٌ"، و"صُبُرٌ"، كذلك قالوا: "بازلٌ"، و"بُزُلٌ"، و"شارِفٌ"، و"شُرُفٌ"، فحذفُ الألف من "فاعِل" هنا كحذف الواو من "فَعُولٍ".
ويجيء على "فُعَلاء". قالوا: "شاعرٌ"، و"شُعَراءُ"، و"جاهل"، و"جُهَلاء"، و"عالم"، و"عُلَماء"، و"صالح"، و"صُلَحاء"، و"عاقل"، و"عُقَلاء"، شبّهوه بـ "فَعِيل" الذي هو بمنزلةِ "فاعل"، نحوِ: "كريم"، و"كُرَماء"، و"حكيم"، و"حُكَماء"؛ لأنّه إنّما يُقال ذلك لمن قد استكمل الكَرَمَ والحكمةَ، وكذلك "شاعرٌ" لا يقال إلا لمن قد صارت صناعتَه، وكذلك "جاهلٌ". فلما استويا في العدة، وتَقاربَا في المعنى، حُمل عليه كما حُمل "بِازِلٌ"، و"بُزُلٌ" على " صَبُورٍ"، و"صُبرٍ". وليس "فُعُلٌ" و"فُعَلاءُ" فيه بمطّرد، فيقاسَ عليه لقلته، إنما يُسمَع ما قالوه، ولا يُتجاوز. قال سيبويه (١): وليس "فُعُلٌ" ولا "فُعَلاءُ" بالقياس المتمكن في هذا الباب.
стр. 1181
وأمّا "فُعْلانُ"، فقالوا "راع"، و"رُعْيانٌ"، و"شابٌ"، و"شُبان"، و"صاحبٌ"، و"صُحْبانٌ"، شبهوه بالاسم، حيث قالوا: "فالِقٌ"، و"فُلْقان"، و"حاجرٌ"، و"حُجرانٌ"، وليس بالكثير.
ويُكثر على "فِعَالٍ"، قالوا: "تاجِرٌ"، و"تِجارٌ"، و"صاحِبٌ"، و"صِحابٌ"، و"نائِم"، "نيام" و"راع" و"رعاءٌ". قال تعالى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ (١).وقالوا: "كافرٌ", و"كفارٌ" قال الشاعر [من الوافر]:
٧٥٧ - وشُق البَحْرُ عن أصْحابِ مُوسَى ... وغُرقَتِ الفَراعنَةُ الكِفارُ
وذلك أنهم أجروا "فاعِلًا" مجرى "فَعِيل" حيث قالوا: "راعٍ"، و"رُعْيانٌ"، و"فالِقٌ"، و"فُلْقانٌ"، كما قالوا: "جَرِيب"، و"جُربانٌ". وقد أجازوا في "فَعِيل" الذي هو اسم "فِعالاً"، كقولهم: "إفالٌ"، و"فِصال" في جمع "أفِيل"، و"فَصِيل". فأجازوا ذلك في "فاعِل"؛ لأن "فَعِيلًا" يُجمع عليه كـ "كريم" و"كِرام"، و"طويل"، و"طِوال".
ويكسر أيضًا على "فُعُولٍ". قالوا: "قاعدٌ"، و"قُعُودٌ"، و"جالِسٌ"، و"جُلوسٌ"، و"شاهِدٌ"، و"شُهُودٌ". قال الشاعر [من الطويل]:
وبايَعْتُ ليْلَى في خَلَاء ولم يكن ... شُهُودٌ على لَيْلَى عُدُولٌ مَقانِعُ (٢)
كأنهم جاؤوا به على المصدر، نحوِ: "جَلَس جُلُوسًا"، و"قَعَدَ قُعُودًا". قال سيبويه: وليس بالكثير.
وقالوا: "هالِكٌ" و"هَلْكَى"، شبّهوه بـ "فَعِيل" بمعنى "مفعول"، نحوِ: "جريح"، و"جَرْحى"، و"قتيل"، و"قَتْلَى"، إذ كانت بَلِية ومُصِيبةَ، فأما "غائبٌ"، "وغَيَبٌ"، و"خادمٌ"، و"خَدَمٌ"، فأسماء للجمع، وليست جموعًا.
وقوله: "وقد شذ نحوُ: فَوارِسَ" يريد أنهم لم يجمعوا "فاعلًا" صفة على "فَواعِلَ"،
стр. 1182
وإن كان هو الأصلَ؛ لأنهم قد جمعوا المؤنث عليه، فكرهوا التباسَ البناءَيْن، إذ لو قالوا: "ضَوارِبُ"، و"كِواتِبُ"، لم يُعلَم أجمعُ "فاعل" هو، أم جمع "فاعلةَ". وقد قالوا: "فارسٌ"، و"فَوارِسُ". قال الشاعر [من الوافر]:
٧٥٨ - فَدَتْ نفْسِي وما مَلَكَتْ يَمِينِي ... فَوارِسَ صَدقت فيهم ظُنُوني
فوارِسَ لا يَمَلونَ المَنَايَا ... إذا دارت رَحَا الحَرْبِ الزبونِ
وقالوا: "هالك في الهَوالِك" (١). قال [من الطويل]:
٧٥٩ - فأيقَنْتُ أني ثائر ابنِ مُكَدمٍ ... غَداتئِذٍ أوهالِكٌ في الهَوالِكِ
стр. 1183
وذلك قليل شاذ، ومُجازُه أمران: أحدهما أن "فارسًا"، قد جرى مجرى الأسماء، لكثرة استعماله مفردا غيرَ موصوف؛ والآخرُ أنّ "فارسًا" لا يكاد يُستعمل إلا للرجال، ولم يكن في الأصل إلا لهم، فلما لم يكن للمؤنث فيه حَظ، لم يخافوا التباسًا، وأما "هَوالِكُ"، فإنّه جرى مَثَلًا في كلامهم، والأمثال تجري على لفظ واحد، فلذلك جاء على أصله، فإن اضطُر الشاعر إليه، جاز له أن يجمعه على "فَواعِل"؛ لأنه الأصل. قال الفَرَزْدَق [من الكامل]:
٧٦٠ - وإذا الرجالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأيْتَهم ... خُضُعَ الرقابِ نَواكسَ الأبْصارِ
стр. 1184
والأصل من هذه الأبنية "فُعَّلٌ"، و"فُعَّالٌ"، وكأن "فُعلًا" مخفف من "فُعالٍ"؛ لأن كل ما يجوز فيه "فُعَّلٌ" يجوز فيه "فُعّالٌ"، وما عدا هذَيْن البناءَيْن فمجموعٌ على غير بابه.
[جمع مؤنث الصفة التي علي وزن "فاعل "]
قال صاحب الكتاب: ولمؤنثه مثالان فواعل وفعل نحو ضوارب ونوم ويستوي في ذلك ما فيه التاء وما لا تاء فيه كحائض وحاسر.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الصفة لماكانت جارية على الفعل يوصَف بها المذكّر والمؤنث، وتدخل التاء على المؤنّث للفرق بينهما؛ كسروا ما كان من ذلك مؤنثًا على "فَواعِلَ"، نحوِ: "امرأة ضاربةِ"، و"نساء ضوارب"، و"جارية جالسة"، و"نساء جوالس". وكرهوا أن يجمعوا عليه المذكّرَ، وإن كان أصلًا، لئلّا يلتبس البناءان. ولم يخافوا التباسَه بالاسم؛ لأن الفرق بينهما ظاهر، إذ كان الصفة مأخوذة من الفعل.
وسَواء في ذلك ما فيه تاء، وما لا تاءَ فيه، نحوُ: "حائض"، و"حوائض"، و"طامِث"، و"طوامِث"، و"حاسِر"، و"حواسِر"؛ لأن التاء مرادةٌ فيه. ويجري ذلك المجرى ما كان صفة لِما لا يعقل، تجمعه على "فَواعِل"، وإن كان مذكّرًا، نحوَ: "جَمَل بازل"، و"جِمال بوازلَ"، و"جَبَل شاهق"، و"جِبال شواهِق"، و"حِصان صاهِل"، و"خَيْل صواهِل"؛ لأن ما لا يعقل يجري مجرى المؤنث، وكذلك إذا صغرت الجمع، وكان لِما لا يعقل، نحوَ قولك في تحقير: "فُلُوس"، "فُلَيْسات"، وفي تحقير "كِلاب": "كُلَيْباتٌ".
وقد كسروه أيضًا على "فُعل" كالمذكر، واعتمدوا في الفرق على القرينة، قالوا: "حُيضٌ"، و"حُسرٌ"، وقالوا: "نائِمَةٌ"، و"نُومٌ"، و"زائرةٌ"، و"زُوَّرٌ". وذلك أن التاء، لما لم تكن من بناء الاسم إنما هي متصلةٌ، صار كأنه "نائمٌ"، و"زائرٌ"، فجُمع جمع ما لا تاء فيه من المذكر, فاعرفه.
فصل [جمع الاسم الذي في آخره ألف تأنيث رابعة]
قال صاحب الكتاب: وللاسم مما في آخره ألف تأنيث رابعة مقصورة أو ممدودة مثالان: فعالى , فعال. نحو صحارى وإناث.
* * *
قال الشارح: لقا كانت ألف التأنيث تقع لازمة غيرَ منفصلة من الكلمة، كما كانت
стр. 1185
التاء منفصلة, لأن الكلمة بُنيت عليها، فلما كان الأمر فيها على ما ذُكر, نزلوها منزلةَ ما هو من نفس الكلمة، فإذا كانت رابعة، كان الاسم بها كالرباعيّ، فجُمع جمعه، فقالوا: "عَلْقَى" (١)، و"عَلاقَى"، و"ذِفْرَى" (٢)، و"ذَفارَى"، وقالوا في الصفة "حُبْلَى"، و"حَبالَى"، و"سَكْرَى" و"سَكارى". فـ" حَبالَى"، و"ذَفارَى" بمنزله "جَخادِبَ" (٣)، و"دَراهِمَ". وليست الألف في "حَبالَى" كالألف في "حُبْلَى"؛ لأن الألف في "حُبْلَى" للتأنيث، والألف في "حبالى" منقلبة عن ياء, لأنّه جمعٌ على منهاج "جَعافِرَ". وما بعد الألف في "جَعافِرَ" لا يكون إلَّا مكسورًا، فلما انكسر ما قبل الياء في "حَبالى"، انقلبت ياء، فصار في التقدير "حَبالِيُ"، فأبدلوا من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفًا؛ لأن الألف أخفّ في اللفظ، ولم يُشْكِل؛ لأنّه ليس لك "فعائلُ" يلتبس به، ولم يفعلوا ذلك بـ"قاضٍ"، لئلا يلتبس بـ "فاعَلٍ"، نحوِ: "خَاتَم"، و"تابَل". فامتناعُ الصرف في "حَبالَى"، و"ذَفارَى" لم يكن كامتناعه في "حُبْلَى"، و"ذِفْرَى"، وإنّما كان كامتناعه في "مساجد"، و"جعافر". والذي يدل أن الألف في "حبالى" ليست كالألف في "حبلى"، انك لو سميت رجلًا بـ "حَبالَى"، ثم صغرته، لم تُصغره على حد تصغير "حُبارَى"، ألا ترى أنك لو صغّرت "حُبَارَى"، لكان لك فيه وجهان:
أحدهما: أن تحذف الألف الأُولى، وتُثْبِت ألف التأنيث، فتقول: "حُبَيْرَى". والوجهُ الثاني: أن تحذف ألف التأنيث للطول, ولا تحذف الأُولى، وتقلبها ياءً، فتقول: "حُبَير". وأنت لو صغرت "حَبالَى" اسمَ رجل، لحذفتَ الألف الأولى، وقلبت الثانية ياء على حد الأصلية والمُلحِقة، نحو قولك في "مَلهي": "مُلَيْهِ"، وفي "أرْطى": "أُرَيط".
وكذلك ما في آخره ألفا التأنيث، نحوُ "صَحْراءَ"، و"عَذْراءَ"، فإنك تقول في تكسيره: "صَحارَى"، و"عَذارَء" وإن شئت: "صَحار"، و"عَذار"، وكان الأصل "صَحارِيُ"، و"عَذارِيُّ" مشددَ الياء، وإن شئت أن تقوله، قلتَه. قال الشاعر، أنشده أبو العباس للوليد بن يزيد [من الهزج]:
٧٦١ - لقد أغْدُو على أشْقرَ ... يَجْتابُ الصحارِيا
стр. 1186
وقال آخر [من الوافر]:
٧٦٢ - إذا جاشت حَوالَيهِ تَرامَت ... ومَدته البَطاحِي الرغابُ
يريد جمع "بَطحاءَ". وحكى الأصمعيّ. "صَلافِي" في جمع "صَلْفاءَ"، وهي الأرض الصلْبة، و"خبارِيُّ" في جمع "خَبراءَ" (١)
فإن قيل: ومن أين جاء التشديد في مثل هذا؟ قيل: "صحراءُ" ونحوه من قولك:
стр. 1187
"عذراء"، و"خبراء" على خمسة أحرف، والألفُ إذا وقعت رابعة فيما هذا عدتُه، لم تحذف في التكسير والتصغير، وإنما تحدف إذا لم تجد من الحذف بدًّا. وإذا ثبتت، لزمك أن تقلبها ياءٌ؛ لانكسار الراء في "صَحارِيُ" قبلها، كما تنقلب ألفُ "قِرْطاسٍ"، و"حِمْلاق" (١) ياء لانكسار ما قبلها، إذا قلت "قَراطِيسُ"، و"حَمالِيقُ". وكذلك تقلب الألف الأَولى من "صَحراءَ"، و"عَذْراءَ" ياء، فتصير الهمزةُ ألفًا؛ لأنها إنما كانت قُلبت همزة لوقوع ألف المدّ قبلها، فإذا زالت الألفُ بقلبها ياءً، عادت الهمزة إلى ما كانت عليه، وهو ألف، فقلبوا الألف ياءً لسكون الياء قبلها، والألُف لا يكون ما قبلها ساكنًا، وادغموا الياء المنقلبة عن ألف المدّ في الياء المنقلبة عن ألف التأنيث، فصار "صَحارِيُّ"، و"صَلافِىُّ". فمنهم من قاله، ومنهم من حذف الياء الأولى تخفيفًا، فصار "صَحارٍ"، و"صَلافٍ". فقدم أبقوه على حاله، وقوم أبدلوا من الكسرة فتحةً، ومن الياء ألفا؛ لأنها أخف، ولا يُشْكِل بغيره، وليكون آخِرُ الجمع بالألف كما كان الواحد كذلك، فهذا المثال الأول، وهو "فَعالَى".
وأمّا المثال الثاني وهو"فِعالٌ"، فقد قالوا "ذِفارٌ" في جمع "ذِفْرَى"، وقالوا في الصفة: "إناثٌ"، وقالوا في الممدود "نُفَساءُ" (٢)، و"نِفاسٌ" وذلك أنهم شبهوا ألفي التأنيث بتائه، فحذفوهما في التكسير كما تحذف التاءُ فيه، فـ "أنثى"، و"إناثٌ"، و"بَطحاءُ"، و"بِطاحٌ" بمنزله " جُفْرَةٍ"، و"جِفارٍ"، و"قَصْعَة"، و"قِصاع". و"نُفَساءُ"، و"نِفاسٌ" بمنزلة "رُبَعَةِ"، و"رِباع"، والجُفْرةُ من الفرس: وسطُه، وكما قالوا في "قاصِعاءَ" (٣)، و"نافِقاءَ" (٤): "قَواصِعُ"، و"نَوافِقُ"، نزلوا ألفَي التأنيث فيه منزلةَ التاء في "ضارِبة"، و"ضَوارِبَ"، و"قائمة" و"قوائم"، كذلك نزلوهما منزلتَهما في الحذف هنا، لأنهما سَواءٌ في التأنيث، وإن كان أحدُهما بالتاء، والآخرُ بالألف. وصاحب الكتاب ضمّن هذا الفصلَ أحكامَ جميع الاسم، ومثل بـ "أُنْثَى"، و"إناث"، وهو صفة، وعُذْرُه أنه لا فَرْقَ بينهما في هذا الجمع، فاعرفه.
[جمع الصفة التي على أربعة أحرف آخرها ألف التأنيث]
قال صاحب الكتاب: وللصفة أربعةُ أمثلة: "فِعالٌ"، "فُعْلٌ", "فُعَلٌ"، "فَعالَى"، نحو
стр. 1188
"عِطاش"، و"بِطاح"، و"عِشار"، و"حُمرِ"، و"الصغَرِ"، و"حَرامَى", ويُقال: "ذِفْرَيات"، و"حُبْلَيات"، و"الصغرَيات"، و"صَحراوات"، إذا أُريد أدْنَى العدد، ولا يُقال: "حَمراوات"، وأما قولُه ﵇: "ليس في الخَضْراوات صَدَقَة" (١)؛ فلجَرْيهِ مجرَى الاسم.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إن ما كان مَن الأسماء على أربعة أحرف، آخِرُه ألفُ
التأنيث مقصورة كانت، أو ممدودةً؛ فإنه يُكسر على "فَعالَى"، و"فِعالٍ". ويشترك فيهما
الاسم والصفة، تقول في الاسم: "صَحْراءُ"، و"صَحارَى"، و"ذِفْرَى"، و"ذَفارَى"، وتقول
في الصفة: "أُنْثَى"، و"إناث"، و"عَطْشَى"، وَ"عِطاشٌ"، من قولك: "رجل عَطْشانُ"،
و"امراة عَطْشَى". وقالوا: "بَطْحاءُ"، و"بِطاحٌ". فهذا أصلُه الصفة، يُقال: "مكان أبْطَحُ"،
وَ"بَرية بَطحاء" لِما اتسع منها، فلذلك مثلنا به في الصفات، ومثلنا به في الاسم, لأنه
جارٍ مجرى الاسم؛ لأنك تقول: "أبْطَحُ"، و"بَطْحاءُ" ولا يكاد يُذكر موصوفًا. وكذلك
تقول في الجمع: "بَطْحاوات"، فتجمعه بالألف والتاء، كما تقول "صَحْراوات"، وقالوا:
"الأباطِحُ"، كـ "أفْكَلٍ" (٢)، و"أفاكِلَ"، ولم يقولوا "بُطْح" وإن كان هو الأصل، وقالوا:
"حَرَامَى" وهو جمع "حَرمَى" وهو صفة، تقول: "شاة حَزمَى" إذا اشتهت الفحلَ، و"شِياة
حَرَامَى"، وكذلك كلُّ ذات ظِلْفِ.
وتختص الصفة ببناءَيْن آخرَيْن في التكسير، وهما "فُعْلٌ"، و"فُعَلٌ". فأما "فُعْلٌ" فهو جمعُ "فَعلاء" صفة إذا كانت مؤنثةَ "أفعَلَ"، نحوَ "حَمْراءَ"، و"حُمْرٍ"، و"صَفراءَ"، و"صُفر". جمعوه على "فُعْلٍ" جمع ما لا زائدَ فيه، شبهوه بـ "فَعُولٍ" حيث قالوا: "صَبُورٌ"، و"صبرٌ"، و"عَجُولٌ"، و"عُجُلٌ"؛ لأنّه من الثلاثة كما أنه من الثلاثة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول: "حَمْراءُ"، و"حُمْرٌ"، و"أَحْمَرُ" و"حُمْرٌ"، و"صَفْراءُ"، و"صُفْرٌ"، و"أصفَرُ"، و"صُفر"، وإنما اشتركا في الجمع, لأنهما لما مُنعا الاشتراكَ الذي في "ضارِبٍ"، و"ضارِبَةٍ" عُوّضا الاشتراكَ في الجمع، فقيل: "حُمْرٌ"، و"صُفْر"؛ ولأنّ المذكر والمؤنث يستويان في تأنيث الجمع، نحوِ: "هي الرجال"، و"هي النساءُ". ولا يجوز تحريكُ وسطِ هذا إلَّا في الشعر، نحو قول طَرَفَة [من الرمل]:
٧٦٣ - [أيها الفِتيَانُ في مَجلِسنَا] جَردُوا منها وِرادًا وشُقُر
стр. 1189
وذلك للفرق بين "أفْعَلَ" صفة، وبين ما يجمع عليه من الأسماء، نحوِ: "رُسل"، و"كُتبٍ"، فإن هذا مضمومُ العين، ويجوز إسكانُه، والأولُ ساكنٌ، لا يجوز ضمه إلَّا ضرورة، يُشبهونه بالاسم.
ويُكسر على "فُعْلانَ"، نحوِ: "سُودانٍ"، و"بِيضانٍ"، و"شُمْطان" (١). وذلك أنهم لما جمعوه على "فُعْل" نحوَ جمعِ ما لا زائدَ فيه، نحوِ: "سُود"، و"حُمْر"؛ جمعوه أيضًا على "فُعْلانَ"، نحوِ: "وَغْدٍ"، و"وُغْدانٍ". ولا يجمع المؤنّث من هذا بالألف والتاء، ولا مذكرُه بالواو والنون؛ لأنّه ليس بجارٍ على الفعل. وذلك أن الصفات على ضربَيْن:
أحدُهما: ما كان جاريًا على الفعل كـ "ضارِب"، و"ضارِبَة"، وغير جار كـ "أحْمَر"، ونحوه. فما كان من الأول، فإنه يجمع جمع السلامة، فتقول في المذكر: "قائمون"، و"ضاربون"، وفي المؤنّث: "قائمات"، و"ضاربات". وذلك أنه لما جرى على الفعل؛ شُبّه بلفظ الفعل الذي يتصل به ضميرُ الجمع؛ لأن الفعل يسلم ويتغيّر بما يتصل به، فقولُك: "ضاربون" بمنزلةِ "يضربون"، و"ضارباتٌ" بمنزلةِ "يَضْرِبْنَ".
وما كان من الثاني -وهو غيرُ الجاري- فلا يجمع جمع السلامة إلَّا عن ضرورة، نحوِ قوله [من الوافر]:
٧٦٤ - فما وُجِدَتْ بناتُ بني نِزار ... حَلائلَ أحْمَرِينَ وأسْوَدِينَا
стр. 1190
وكان ابن كَيْسان يقول: لا أرى به بأسًا. والمذهبُ الأوّل لِما ذكرناه، ولذلك لا يجمع "فَعْلَى" "فَعْلانَ" جمع السلامة، فإن سمّيتَ بشيء من ذلك، جاز أن تجمعه جمع السلامة؛ لأنه اسمٌ.
وقد جاء في الحديث "ليس في الخَضْراوات صَدَقَةٌ", لأنه يريد البُقُولات. وكذلك لو سميت رجلًا بـ"أسْوَدَ"، جاز أن تجمعه بالواو والنون، فتقول: "أسْوَدُونَ". وكذلك لو صغّرت هذا الجمع، لجمعته بالواو والنون والألف والتاء، فتقول في "سُود" وأنت تريد المذكرَ: "أُسَيْوِدِينَ"، و"سُوَيْداوات" إذا أردت المؤنّث.
وأمّا "فُعَلٌ" فهو جمع "الفُعْلَى" تأنيثِ "الأفْعَل". وذلك أن "أفْعَلَ" إذا كان لا يتم نعتا إلا بـ "مِنْ"، كقولك: "أفضلُ من زيد"، و"أصغرُ من خالد"؛ فإنه يجمع منه ما كان للآدميين مذكرًا بالواو والنون، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٢)، ومؤنّثُه بالألف والتاء، نحوِ: "الكُبْرَى"، و"الكُبْرَيات"، و"الصغْرَى"، و"الصُّغْرَيات"، وذلك من قبل أنّه لما لم يُنكر، ولم يكن إلا بالألف واللام المُعرفة، أو"مِن" المُخصصةِ؛ نقص عن مجرى الصفات، وجرى مجرى الأسماء؛ لأنّ الصفات بابُها التنكير من حيث كانت جارية مجرى الفعل. ولما جرت مجرى الأسماء؛ لم تمتنع من جمع السلامة إذا كانت للآدميين، ولذلك تُكسَّر تكسيرَ الأسماء، فتقول في المذكر منه: "الأكابرُ"، و"الأصاغر"، كما تقول: "الأجادل"، و"الأفاكل". قال الله تعالى: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ (٣). وتقول في المؤنث: "الكُبْرَى"، و"الكُبَرُ"، و"الصغْرَى"، و"الصغَرُ". قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (٤)، نزلوا ألف التأنيث فيه منزلةَ التاء التي تُلْحَق للتأنيث، فـ "الكُبْرَى"، و"الكُبَرُ" بمنزله "الظلْمَة"، و"الظلَم"، و"الغُرفَة"، و"الغُرَف".
وقوله: "ويُقال: "ذِفْرَيات"، و"حُبْلَياتٌ"، و"الصغْرَياتُ"، و"صَحْراوات" إذا أُريد أدنى العدد، ولا يُقال "حَمْراواتٌ"؛ يريد أن كل ما في آخِره ألفُ التأنيث المقصورةُ أو الممدودة، فإنه يجوز جمعُه بالألف والتاء، وذلك لأن الاسم إذا كان في آخِره ألفُ
стр. 1191
التأنيث، يجري مجرَى ما فيه تاءُ التأنيث، لاتفاقهما في الزيادة، وإفادة معنى التأنيث، فكما يجمع ما فيه التاءُ إذا أردت أدنى العدد، نحوُ: "ضاربة" و"ضاربات"، كذلك يجمع ما فيه ألفُ التأنيث، من نحو: "ذِفْرَى"، و"ذِفْرَيات"، و"حُبْلَى"، و"حُبْلَيات"، و"الصغْرَى"، و"الصغْرَيات"، و"صَحْراءَ"، و"صَحْراوات"، ما خلا بابَ "حَمْراءَ"، و"صَفْراءَ" فإنه لا يجمع بالألف والتاء، وكذلك "فَعْلَى" مؤنّثُ "فَعْلانَ"، فإنّه لا يجمع بالألف والتاء، ولا مذكّرُه بالواو والنون، وقد تقدمت علةُ ذلك.
[جمع الاسم الذي علي خمسة أحرف وآخره ألف التأنيث]
قال صاحب الكتاب: وإذا كانت الألف خامسة، جُمع بالتاء كقولك: "حُباريَاتٌ"،
و"سُمانَيات".
* * *
قال الشارح: إذا كانت ألف التأنيث خامسة في اسم، لم يُكسروه، بل يقتصرون فيه على جمع السلامة، نحوِ قولك: "حُبارَى"، "حُبارَيات"، و"سُمانَى"، "سُمانَياتٌ"، وإن عنيتَ الكثير. وذلك أنّك لو كسّرتَه، وهو على خمسة أحرف لم يمكن ذلك، ولم يكن بد من حذف إحدى الألفَيْن. فإن حذفتَ ألف التأنيث، قلت: "حَبائِرُ"، و"سَمائِنُ"، وذلك أنك لما حذفت ألفَ التأنيث، بقي "حُبارٌ"، و"سُمانٌ"، ثمّ جئت بألف التكسير قبل ألف الإفراد، فوجب قبلها همزة؛ لأنها وقعت موقعَ ما لا يكون إلا مكسورًا؛ لأنّها وقعت موقعَ الفاء من "جَعافِرَ"، والدال من "جَخادِبَ". والألفُ لا يمكن تحريكُها، فقُلبت همزة, لأنّها قريبة من الألف، ويمكن تحريكُها، فصار "حَبائِرَ". وإن حذفت الألف الأُولى، بقي الاسم "حُبْرَى"، و"سُمْنَى". وإذا كسرته، قلت: "حَبارَى"، و"سَمانَى" كما قالوا: "حُبْلَى"، و"حَبالَى". وما كان على "فَعْلاء"، أو"فِعالةَ" وأخواتِها، فإنّه يُكسر على ذلك، فـ "فَعْلاء" نحو "صَحْراءَ"، و"صَحارَى"، و"عَذْراءَ"، و"عَذارَى"، و"فِعالةُ"، نحوُ "رِسالَة"، و"رَسائِلَ".
وأخواتُها "فُعالَةُ"، و"فَعالَةُ"، و"فَعِيلَةُ". فـ "فَعالةُ" "سَحابَة" و"سَحائِبُ"، و"فُعالَةُ" "ذُؤابَة"، و"ذَوائِبُ"، و"فَعِيلَةُ" "سَفِينَةٌ" و"سَفائِنُ"، فكرهوا تكسيرَ ذلك، لئلا يصيرِوا إلى هذه الأبنية، ففصلوا بينهما بأن عدلوا عن تكسيرها إلى جمع السلامة.
فإن قيل: فأنت تقول في "دَلَنْظى" (١) و"سَرَنْدى" (٢)، ونحوِهما "دَلانِظُ"، و"سَرانِدُ"، و"دَلافي "، و"سَراب "، ولا تُبالي الالتباسَ. قيل: الألف في "دَلَنْظى" و"سَرَنْدى" ليست للتأنيث، وإنما هي للإلحاق، وما كان للإلحاق فهو جارِ مجرى الأصل، فلذلك كُسر كما يُكسر "سَفَرْجَلٌ" ونحوُه بالحذف.
стр. 1192
فصل [جمع "أَفْعَل "]
قال صاحب الكتاب: ولـ "أفْعَلَ" إذا كلان اسمًا مثالٌ واحدٌ: "أفاعِلٌ" نحوُ "أجادِلَ"، وللصفة ثلاثةُ أمثلة: "فُعْلٌ "، "فُعْلَانُ", "أفاعِلُ"، نحوُ: "حُمْر"، و"حُمْرانٍ" و"الأصاغرِ"، وإنما يُجمَع بـ "أفاعِلَ" أفْعَلُ" الذي مؤنثُه "فُعْلَى"، ويُجمَع أيضًا بالواو والنون. قال الله تعالى: ﴿بِاَلأخسَرِين أعمالا﴾ (١). أما قوله [من الطويل]:
أتاني وَعِيدُ الحُوصِ من آلِ جَعْفَرٍ ... فَيَاعَبْدَ عَمْرو لو نَهَيْتَ الأحاوِصَا (٢)
فمنظورٌ فيه إلى جانِبَيِ الوَصْفِيّة والاسميّةِ.
* * *
قال الشارح: "أفْعَلُ" يكون اسمًا، ويكون صفة، فإذا كان اسمًا، فجمعُه على "أفاعِلَ"، نحوِ: "أفْكَل"، و"أفاكِلَ"، وهىِ الرعْدة، و"أيْدَع"، و"أيادِعَ" وهو ضربٌ من الصمغ أحمرُ، و"أرْنَب"، و"أرانِبَ"، و"أجْدَلٍ"، و"أجادِلَ" وهو الصقر. وإنما جُمع على ذلك؛ لأنّه في العدة كالأربعة، فجُمع جمعه، فـ "أفاكِلِ" كـ "جَعافِرَ" الهمزهُ فيه كالجيم، وإن كانت الهمزة زائدة في الوزن، والجيمُ أصلٌ، فصار كالملحق بالأربعة من نحو: "قَسوَرٍ" و"غَيْلَم"، وإن لم يكن ملحقًا على الحقيقة، لكنه على وزنه. فكل ما كان في أؤله همزةٌ زائدة من الأسماء الثلاثيّة، فإنّ تكسيره على "الأفاعِل"، وإن اختلفت حركاته، نحوَ: "إثْمِدٍ" (٣)، و"أثامِدَ"، و"أبْلُم" (٤)، و"أبالِمَ"، و"إصْبَعِ"، و"أصابع"، لا يختلف بناءُ جمعه، وإن اختلفت حركاتُ الواحد، كما كان الرباعي كذلك، نحوُ: "زَبارجَ"، و"جَعافِرَ"، و"بَراثِنَ"، و"دَراهِمَ"، و"قَماطِرَ"، و"جَخادِبَ".
وأما الصفة، فلها ثلاثةُ أبنية: "فُعْلٌ" نحو"أحْمَرَ"، و"حُمر"، و"أصْفَرَ"، و"صُفْرٍ". وكُل "أفْعَلَ" مؤنثُه "فَعْلاءُ"، فهذا جمعُه، ولا يجوز ضمّه إلَّا في الشعر. ويجمع على "فُعْلانَ"، نحوِ: "حُمْران"، و"بِيضان" و"سُودان"، قال الشاعر [من الهزج]:
٧٦٥ - ومِعْزَى هَدِبَا يَعْلُو ... قِرانَ الأرْضِ سُودَانَا
стр. 1193
ولا يجمع بالواو والنون إلا عن ضرورةِ، وقد تقدم شرحُ ذلك بما فيه كفاية.
وأما "أفاعِلُ"، فيكون جمعًا لـ "أَفْعَلَ" صفة أيضًا، وذلك أنّ "أفْعَلَ" قد يكون صفة، فيلزمها "مِنْ"، ويراد بها التفضيل، كقولك: "زيد أفضلُ من عمرو"، و"خالدٌ أكرمُ منك". فإذا أدخلتَ عليه الألف واللام، أسقطتَ منه "مِنْ"، كقولك: "مررت بالأفضل والأكرم". ولا يُستعمل مع حذفِ "مِنْ" إلَّا بالألف واللام أو بالإضافة، نحوِ: "الأفضل"، و"فُضْلَاهم"، وإذا كان معه "مِن"، فإنه يكون بلفظ واحد، لا يُؤنث، ولا يُثنى، ولا يجمع، فتقول: "زيد أفضلُ من عمرو"، و"هندٌ أفضل من عمرو"، و"الزيدان أفضل من العمرَين"، و"الزيدون أفضل من الخالدين". وذلك لأنه في معنى الفعل، إذ المراد: يزيد فضلُه عليه. والفعلُ لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث.
وإذا كان معه الألف واللام، جرى مجرى الاسم، فيؤنث، نحوَ: "الفُضْلَى"، و"الطولَى"، ويثنى، نحوَ: "الأكرمان"، و"الأفضلان"، ويجمع جمع السلامة، نحوَ قولك: "الأفضلون"، و"الأكرمون". ويكسر تكسيرَ الأسماء، نحوِ: "الأكابِر"، و"الأصاغِر". وقد تقدم الكلام عليه مشروحًا قبلُ، فإذا سُمي بصفةٍ رجلٌ نحوِ "أحْمَدَ"، و"أسْعَدَ"، صار اسمًا جامدًا، وجُمع جمع الأسماء، نحوَ: "أحامِدَ"، و"أساعِدَ". ويجمع أيضًا جمع السلامة، نحوَ قولك: "أحمدون"، و"أسعدون"، و"أحمدِينَ"، و"أسعدِينَ"؛ لأنّه بالتسمية زال معنى الوصف عنه، ولم يبق يُفيد من المعنى ما كان يفيده قبل التسمية. ألا ترى أنك تسمي بالاسم الشيءَ وضِدّه، وتسمي "حَسَنَا" ما ليس بالحسن. وإذا زال عنه معنى الوصف؛ جُمع جمع الأسماء الجامدة، نحو: "أرانِبَ"، و"أفاكِلَ"، فأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
أتاني وعيد الحوص (١) ... إلخ
стр. 1194
فإنه لمح معنى الوصفية فيه، فجمعه على "حُوصٍ"، كـ "أحْمَرَ" و"حُمر"، كأنه جعله بمنزلةِ مَن به حَوَصٌ. والحَوَصُ: ضِيقُ إحدى العينين، وعلى ذلك أدخلوا الألف والسلام على "الحارث"، و"العَباس" لمكان معنى الوصفية، ثم قال: "الأحاوص" تغليبًا لجانب العَلَمية، كما يُغلب العلميةَ من يقول: "حارِثٌ"، و"عَباس"، فجمعه جمع الأسماء، نحوِ: "أفكَلٍ"، و"أفاكل"، و"أرْنَب"، و"أرانب". والبيت للأعشى، ويعني عبد عمرو بن شُرَيح بن الأحوص، وكان علَقمةُ بن عُلاثة بن عَوْف بن الأحوص نافَر عامرَ بن الطفَيْل، فهَجَا الاْعشى علقمةَ، ومدح عامرًا، فأوعده بالقتل، فقال: أتاني وعيد الحوص، فاعرفه.
فصل [جمع "فَعْلان" و"فُعْلان" و"فِعْلان "]
قال صاحب الكتاب: وقد جُمع "فَعْلانُ" اسمًا على "فَعالِينَ"، نحوِ "شَياطينَ"، وكذلك "فُعْلانُ"، و"فِعْلانُ"، نحوَ: "سَلاطِينَ"، و"سراحِينَ"، وقد جاء "سراح"، وصفة على "فِعالٍ"، و"فَعالَى"، نحوِ: "غضاب"، و"سَكارَى"، وتقول بعضُ العرب: "كُسالَى"، و"سُكارَى"، و"عُجالَى"، و"غُيارَى"، بالضم.
* * *
قال الشارح: اعلم أن ما كان من الأسماء على وزنِ "فَعْلانَ"، فإنه يكسّر على "فَعَالِينَ"، ولا فرق بين المفتوح الأول والمضمومه والمكسوره، وذلك نحو: "شَيْطان"، و"شَيَاطِينَ"، و"سُلطانِ"، و"سَلاطِينَ"، و"سِرْحانِ"، و"سَراحِينَ". وذلك لأنها أسماءٌ ثلاثيّة أُلحقت ببنات الأربعة، فوجب أن تجمع جمعَ ما أُلحقت به, لأنْ حكم الملحق حكمُ ما أُلحق به؛ لانه مثلُه في الحكم. ألا ترى أنك تقول في جمع "قَسْوَرِ" (١)، و"صَيرَفِ": "قَساوِرُ"، و"صَيارِفُ"، فتجمعه جمعَ "جَعْفَرِ"، و"جَعافِرَ"، و"سَلْهَبِ" (٢)، و"سَلاهِبَ"، إذ كان ملحقًا به، كذلك "شيطان" من الثلاثيّة أُلحق بالأربعة؛ لأنه من "شاطَ يَشِيطُ" إذا بطل وهلك. قال الأعشى [من البسيط]:
٧٦٦ - قد نَخْضِبُ العَيْرَ من مَكْنُونِ فائلِه ... وقد يَشِيطُ على أرْماحِنَا البَطَلُ
стр. 1195
ووقعت الألف فيه رابعة، وهو موضع يثبت فيه حرفُ المدّ، ولا يُحذف، وإن كانت خماسية، نحوَ "قِنْدِيل"، و"قَنادِيَل"، و"جُزمُوقٍ" (١)، و"جَرامِيقَ"، وَ"شِمْلَالٍ" (٢)، و"شَمالِيلَ"، إلَّا أنها تُقلَب ياء إذا لم تكنها لانكسارِ ما قبلها.
و"سُلْطَان" ثلاثىُّ؛ لأنه من السلاطَة، وهو القَهْر، ملحق بـ "قُرطاطٍ" (٣)، و"فُسطاطٍ" (٤). قال سيبويه (٥): وهو قليل. ولا نعلمه جاء وَضعًا، وهو"فُعْلانُ".
و"سِرْحان"، من الثلاثة أيضًا، كقولهم في تكسيره: "سِراحٌ"، أُلحق بالأربعة من نحو "عِثكالٍ" (٦)، و"شِمْراخ" (٧)، وهو كثير، نحوُ: "حِذْفار"، وهو واحدُ "الحَذافِير" من قوله ﷺ : "فكأنما خُيِّرت له الدُّنْيا بحذافيرها" (٨).
وأما الصفة، فإنّها تُجمع على "فِعَالٍ"، وذلك إذا كان مؤنثُه "فَعْلَ"، نحوَ: "عَجْلانَ"، و"عِجالٍ"، و"عَطْشانَ" و"عِطاشٍ"، و"غَرثَانَ" (٩)، و"غِراثٍ". وكذلك مؤنثُه، جمعوه على حذف الزائد من آخِره للفرق بينه وبين الاسم، فكأنه بعد حذف الزائد