جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت -لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله علي أشرطة كاسيت أو إدخاله علي الكمبيوتر أو برمجته علي اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا.
الطبعة الأولي
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف. شارع البحتري, بناية ملكارت
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
стр. 1367
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومن أصناف الاسم
أسماء العدد
فصل
قال صاحب الكتاب: هذه الأسماء أصولها اثنتا عشرة كلمة, وهي الواحد إلى العشرة، والمائة إلى الألف، وما عداها من أسامي العدد فمتشعب منها, وعامتها تشفع بأسماء المعدودات؛ لتدل على الأجناس ومقاديرها كقولك ثلاثة أبواب، وعشرة دراهم، وأحد عشر ديناراً، وعشرون رجلاً، ومائة درهم، وألف ثوب، ما خلا الواحد والاثنين؛ فإنك لا تقول فيهما واحد رجال ولا اثنا دراهم بل تلفظ باسم الجنس مفرداً وبه مثنى كقولك رجل ورجلان، فتحصل لك الدلالتان معاً بلفظة واحدة. وقد عمل على القياس المرفوض من قال [من الرجز]:
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (١)
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ العَدَد مصدرُ عددتُ الشيء أعُدُّه عَدًّا إذا أحصيتَه، والعددُ الاسمُ، وأسماؤه اثنا عشرَ اسمًا كما ذكَر: الواحدُ فما فَوْقَه إلى التسعة، والعشرةُ، والمائةُ، والألفُ؛ لأنّ كلّ مَرْتبة فيها تسعةُ عقود، فالآحادُ تسعةُ عقود، والعشراتُ تسعة عقود، والمئات تسعة عقود، والألُوفُ متشعّبةٌ منها، أي: مأخوذة من المراتب الثلاثة، فهي آحادُ أُلوفٍ، وعشراتُ أُلوف، ومئاتُ أُلوف، وأُلوف ألوف إلى ما لا نهايةَ له.
فأمّا قوله: "الواحد"، فاسمٌ واقع في الكلام على ضربَيْن: أحدهما أن يكون اسمًا عَلَما على هذا المقدار، كما أنّ سائر أسماء العدد كذلك، ولا يجرى وصفًا على ما قبله جَرْيَ الصفة المشتقة، وإنما حكمُه إذا قلت: "مررت برجالٍ ثلاثةٍ أو أربعةٍ" ونحوهما من أسماء العدد، حكمُ أسماء الأجناس من نحوِ: "مررت بقاعٍ عَرْفَج كلُّه"، أي: خَشِنِ، وكذلك "مررت برجالٍ ثلاثةِ"، أي: معدودةٍ، و"بثَوْبٍ خَمْسِين ذِراعًا"، أي: طويل.
وأمّا الثاني، وهو ما كان وصفًا؛ فهو أن يكون مأخوذًا من الوَحْدَة، ويجري وصفًا
стр. 1368
صريحًا، نحوَ: "مررت برجل واحد". قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١) وإذا جرى على مؤنّثٍ، أُنّث، نحوَ: "مررت بامرأة واحدة". قال الله تعالى: ﴿إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢). وقد استعملوا "أحدًا" بمعنَى "واحد" الذي هو اسمٌ. قالوا: "أحدٌ وعشرون"، و"أحَدَ عَشَرَ" بمعنَى "واحد وعشرين"، و"واحد وعشرة". وألِفُ "أحد" هنا بدلٌ من واو، لأنّه من الوحدة، والأصلُ: "وَحَدٌ". يُقال: "واحدٌ"، و"أحَدٌ"، و"وَحَدٌ" بمعنى واحدٍ. ومنه قول النابغة [من البسيط]:
٨٤٨ - كأنّ رَحْلِي وقد زالَ النَّهارُ بنا ... بذِي الجَلِيلِ على مُسْتَأنِسٍ وَحَدِ
وقد انّثوا "أحدًا" على غير بنائه، قالوا: "إحْدَى"، ولا يستعملونه إلَّا مضمومًا إلى غيره، قال أبو عمرو: ولا تقول: "جاءني إحدى"، ولا "رأيت إحدى". وليست "أحدٌ" هذه التي في النفي من نحو "ما جاءني أحدٌ"؛ لأن معنى تلك العمومُ والكثرةُ بمعنى عَرِيبٍ ودَيّارِ، ولذلك لا تُستعمل في الواجب، وهمزتُها أصلٌ، ولا تُثنَّى، ولا تُجمع، لأن معناها يدلّ على الكثرة، فاستُغني به عن التثنية والجمع بخلاف "أحد" التي في العدد، فإنّها تجمع على "آحادٍ".
وأمّا "حاديَ" من قولهم: "حادِيَ عَشَرَ"، و"حادِي عشرين"، فكأنّه مقلوب من "واحد"، أخّروا الفاء إلى موضع اللام، وجعلوا الزيادة بعد العين, لأن الألف لا يمكن الابتداء بها، فصار وزنُ "حادي": "عالِف"، والقلبُ كثير في كلامهم من نحو: "شاكِي السِّلاحِ"، وأصله "شائِكٌ"؛ لأنه من الشَّوْكة شُبّه الحديد بالشَّوْك لخُشونته.
стр. 1369
وأمّا "اثنان"، فمحذوفُ اللام كـ"ابنين" ولامه ياء؛ لأنّه من "ثَنَيْتُ" الشيء إذا عطفتَه، وصارت الهمزة في أوّله كالعوض من المحذوف، والمؤنّثُ "اثنتان"، ألحقوا التاء للتأنيث، كما قالوا: "ابنتان"، وإن شئت قلت: "ثِنْتَيْنِ"، كـ"بِنْتَيْنِ".
فإذا عددت نوعًا من الأنواع، فلا بدّ أن تضمّ إلى اسم العدد ما يدل على نوع المعدود ليُفيد المقدار والنوعَ، لكنّهم قالوا في الواحد: "رجلٌ"، و"فرسٌ" ونحوهما فاجتمع فيه معرفةُ النوع والعدد. وكذلك إذا ثنّيت، قلت: "رجلان"، و"فرسان"، فقد اجتمع فيه العدد والنوع؛ لأن التثنية لا تكون إلَّا مع سلامة اللفظ بالواحد، فاستغنوا بدلالته على المراد عن أن يشْفعوه بغيره من أسماء الأجناس. فأمّا إذا قلت: "ثلاثةُ أفراس"؛ لم يجتمع في "ثلاثة" العددُ والنوعُ، فافتقر الحال إلى أن يُضَمّ إليه ما يدلّ على نوع المعدود، ويكون تفسيرًا له. وذلك على ضربَيْن: منه ما يُفسَّر بالنكرة المنصوبة، نحو: "أحدَ عَشَرَ درهمًا، وعشْرون دينارًا"، وقد تقدّم شرحُه في باب التمييز. ومنه ما يُفسَّر بالإضافة، وهو ما كان فيه تنوينٌ, لأنّ التنوين، لمّا كان ضعيفًا لسكونه، جاز أن يُعاقِبه المضافُ إليه، وذلك من الثلاثة إلى العشرة، نحو: "ثلاثة أثْوابٍ"، و"أربعةُ غِلْمانٍ"، و"خمسةُ أرْغِفَةٍ"، ومن ذلك "مائةُ درهمٍ"، و"ألفُ دينارٍ". وكان قياسُ الواحد والاثنين أن يضاف كلّ واحد منهما إلى ما بعده من الأنواع المعدودة، فيقال: "واحدُ رجالٍ"، و"اثنا رجالٍ"، لكن لمّا أمكن أن يُذكَر النوع باسمه، فيجتمع فيه الأمران، وكان التثنية كالواحد، إذ كانت لضرب واحد؛ أمكن فيها ذلك أيضًا فقيل فيها: "رجلان" و"غُلامان"، ولم يَسُغ ذلك في الجمع, لأنّه غيرُ محصور، ولا موقوف على عدّة معينة، فلو أراد مُريدٌ في التثنية ما يريده في الجمع، لجاز ذلك في الشعر, لأنه كان الأصل, لأنّ التثنية جمعٌ من حيث هو ضمُّ شيء إلى شيء مثله. قال الشاعر [من الرجز]:
كأنّ خُصْيَيْه من التَّدَلْدُل ... ظَرْفُ عَجُوزٍ فيه ثِنْتَا حَنْظَلِ (١)
فجاء به على أصل القياس ضرورةَ، وكان قياسُ ما عليه الاستعمالُ: "حَنْظَلَتانِ"، فاعرفه.
فصل [حكم العدد من الواحد إلي العشرة في التذكير والتأنيث]
قال صاحب الكتاب: وقد سُلك سبيل قياس التذكير والتأنيث في الواحد والاثنين, فقيل: واحدة, واثنتان, وخولف عنه في الثلاثة إلى العشرة, فأُلحقت التاء بالمذكّر, وطُرحت عن المؤنث، فقيل ثمانية رجال وثماني نسوة وعشرة رجال وعشر نسوة.
* * *
стр. 1370
قال الشارح: اعلم أن عدد المؤنّث من ثلاثة إلى عشرة بغير هاء، كقولك: "ثلاثُ نِسْوةٍ"، و"أربعُ جوارٍ"، و"عشرُ لَيالٍ"، وعددَ المذكّر بالهاء، نحو: "خمسة أبياتٍ"، و"سبعة دراهم"، و"عشرة دنانيرَ". وهذا عكس القاعدة؛ لأنّ القاعدة إثباتُ العلامة مع المؤنّث، وحذفُها مع المذكّر. وإنما كان الأمر في العدد على ما ذكر للفرق بين المذكّر والمؤنّث. وإنّما اختصّ المذكّرُ بالتاء؛ لأنّ أصل العدد قبل تعليقه على معدوده أن يكون مؤنّثًا بالتاء من نحو "ثلاثة"، و"أربعة"، ونحوهما من أسماء العدد، فإذا أردت تعليقَه على معدود هو أصلٌ وفرعٌ؛ جُعل الأصل للأصل، فأُثبتت العلامة؛ والفرعُ للفرع، فأُسقطت العلامة. فمن أجلِ هذا قلت: "ثلاثة رجالٍ"، وأربع نسوةٍ. قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١)، وقال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ (٢)، وقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٤).
والاعتبار في التذكير والتأنيث بالواحد، فإذا أضيف إلى ما واحده مذكّر، ألحق فيه الهاء، نحو: "ثمانية أيّام"؛ لأنّ الواحد "يَوْمٌ"، وهو مذكّرٌ، وإن أضيف إلى ما واحده مؤنّث، أسقط منه الهاء، نحو: "ثماني حِجَجٍ" لأن الواحد "حِجَّةٌ"، وهو مؤنّث، وقيل: لمّا أريد الفرق بين المذكّر والمؤنّث، وكان المذكّر أخفّ من المؤنّث، أسقطوا الهاء من المؤنّث لِيعتدِلا.
وإنّما كان أصل العدد التأنيث للمبالغة بالإشعار بقوّة التضعيف، وذلك لأنّه لا شيء فيه من قوّة التضعيف ما في العدد فيما يظهر للعقل، فأُشعر بالعلامة أنّ له المنزلة هذه، وجرت علامةُ التأنيث في العدد مجراها في مثل "علّامةٍ"، و"نسّابةٍ"، للإشعار بقوّة المبالغة في الصفة، وتضاعُفِها في المعنى. وقيل: إنّما كان أصل العدد التأنيث من قِبَل أن كلّ اسم لا يخلو مسمّاه من أن يكون عاقلًا أو غير عاقل، ومسمَّى قولنا: "ثلاثة"، و"أربعة" ونحوهما من الأعداد إنّما هو شيءٌ في الذِّهْن مجهولٌ، فصار بمنزلةِ ما لا يعقل، والإخبارُ عن جماعةِ ما لا يعقل كالإخبار عن المؤنّث المفرد، فلذلك أُنّث.
وأمّا "واحد" و"اثنان"، فقد اعتُمد فيهما قاعدةُ القياس، فأُلحقتا علامة التأنيث إذا وقعتا على مؤنّث، وأُسقطت مع المذكّر، فتقول: "واحد" في المذكّر، و"واحدة" في المؤنّث، و"اثنان" في المذكر، و"اثنتان" في المؤنّث، وإن شئت: "ثِنْتان". فمن قال: "اثنتان"، كانت التاء فيه للتأنيث بمنزلة "ابْنتان". ومن قال: "ثِنْتان"، كانت التاء فيه للإلحاق، كأنّه تثنيةُ "ثِنْت"، ملحقٌ بـ"جِذْعٍ"، فهو كـ"بنتين". وإنّما كان كذلك؛ لأنّه
стр. 1371
ليس أصلهما التأنيث، كما كان في "ثلاثة" و"أربعة"، وذلك لأنّه لم يوجد فيهما من قوّة التضعيف ما وُجد في سائر الأعداد، فيحتاج إلى علامة تدل على قوّة التضعيف والمبالغة فيه، فاعرفه.
فصل [حكم مميز العدد]
قال صاحب الكتاب: والمميز على ضربين: مجرور ومنصوب, فالمجرور على ضربين: مفرد ومجموع, فالمفرد مميز المائة والألف، والمجموع مميز الثلاثة إلى العشرة, والمنصوب مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين, ولا يكون إلا مفرداً.
* * *
قال الشارح: تفسير العدد على ضربين: منه ما يفسَّر بالإضافة، ومنه ما يفسّر بنكرة منصوبة، فالذي يستحق التفسيرَ بالإضافة هو ما فيه تنوينٌ, لأن التنوين ضعيف لسكونه، فجاز أن يُعاقِبه المضافُ إليه. والمضاف إليه على ضربين: مفردٌ ومجموعٌ، فما كان لأدنى العدد، أضيف إلى ما بُني لجمع أدنى العدد، وأدنى العدد من "الثلاثة" إلى "العشرة"، وأدنى المجموع "أَفْعَالٌ"، و"أَفْعُلُ"، و"أَفْعِلَةُ"، و"فِعْلَةُ" والجمعُ السالم المذكّر والمؤنّث، فتقول: "عندي ثلاثةُ أَجْمالٍ، وأربعة أَفْرُخٍ، وخمسة أَرْغِفَةٍ، وتسعة غِلْمَةٍ، وعشرة أَحْمَدِينَ، وست مسلماتٍ".
فإن قيل: فكيف جازت الإضافة هنا، والأوّلُ هو الثاني، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ثلاثة أكْلُبٍ"؛ فـ"الثلاثةُ" هي "الأكلبُ"، فيكون من قبيل إضافة الشيء إلى نفسه؟ فالجواب إنَّما جازت الإضافة هنا لأنّ الثاني ليس الأوّل من كلّ وجه, لأن الأول عددٌ، والثاني معدودٌ، والعدد غيرُ المعدود، كما أن الأجزاء غيرُ المُجَّزأ، فجازت الإضافة في مثل "ثلاثة أثواب" كما جازت في مثل "كُلِّ القوم".
وأمّا الضرب الثاني، وهو ما يضاف إلى مفرد، فـ"المائة" تقول: "عندي مائة درهمٍ"، والقياس أن تضاف إلى جمع الكثرة، لانّها عددٌ كثيرٌ، غير أنّها شابهت "العشرةَ" التي حكمُها أن تضاف إلى جماعة، و"العشرين" التي حكمُها أن تُميَّز بواحد منكور، فأخذت من كلّ واحد منهما حُكْمًا بالشَّبَه، فأضيفت بشَبَه "العشرة"، وجُعل ما تضاف إليه واحدًا بشَبَه "العشرين", لأنّ ما تضاف إليه نوعٌ يُبيِّنها، كما يُبيِّن النوع المميِّزُ "العشرين". ووجهُ الشبه بينهما:
أمّا شبهُها بـ"العشرة"، فلانّها عَقْدُ "العشرة"، كما أنّ "العشرة" عقد "الواحد", لأنّ "المائة" عشرُ مرّات "عشرةٍ"، كما أنّ "العشرة" عشرُ مرّات "واحدٍ".
وأمّا شبهُها بـ"العشرين"، فلأنّها تلى "التسعين"، فكان حكمها حكم التسعين، كما
стр. 1372
كان حكم عشرة حكم تسعة، لانّها تليها. ألا ترى أنّك تقول: "عشرة دراهمَ"، كما تقول: "تسعة دراهمَ"، فتضيف "العشرة" كما تضيف "التسعة" كذلك ينبغي في "المائة" أن يكون حكمها حكم "التسعين"، لأنّها تليها؛ إلَّا أنّه لما أخذ شَبَهًا من شيئَيْن، أُعْطِيَ حكمًا يتجاذبانه، فأضيف بحكم شبه "العشرة"، وفُسّر بالواحد بحكم شبه "التسعين"، فاجتمع فيه ما افترق في "العشرة" و"التسعين"، وهو أحسنُ ما يكونُ من التفريع على الأصول، ليُشْعَر الفرعُ بمعنى الأصل في البناءين جميعًا.
فإن ثنّيت "المائة"، أضفت كإضافة "المائة"، فتقول: "مائتَا درهمٍ"، و"مائتا ثوبٍ"، فتحذف النون للإضافة إلى مميَّزها, لأنّ النون فيه عوضٌ من الحركة والتنوين اللذيْن كانا في الواحد، فحُذفت للإضافة كحذفها في "ضاربي زيدٍ"، بخلاف النون في نحو "عشرين" و"ثلاثين", لأنه ليس لها تمكّنُ هذه، لأنّها ليست عوضًا من الحركة والتنوين على الحقيقة، لأنّها أسماءٌ جارية على منهاج المجموع، وليست بجموع على الحقيقة، وقد تقدّم نحو ذلك.
وكذلك "الألْفُ" يضاف إلى الواحد، فيقال: "ألفُ درهمٍ"، كما يقال: "مائة درهم". والعلّةُ في ذلك كالعلّة في "المائة"، وذلك لانّ "الألف" على غير قياسِ ما قبله، لأنّك لا تقول: "عشرُ مائة" كما قلت: "تسع مائةٍ"، بل تأتي بلفظ آخر مرتجَلٍ يدل على العقد، كما فعلت في "المائة" لمّا وضعتَ بعد التسعين لفظًا غيرَ مأخوذ ممّا قبله، وهو "المائة".
و"الألفُ" مذكّرٌ يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ (١)، فإثباتُ التاء في العدد يدل على تذكيرها، كما قلت: "ثلاثة غِلْمانٍ".
وأمّا ما يفسّر بنكرةٍ منصوبة، فبعدَ المركّبات، وذلك من "أحد عشر" إلى "تسعة عشر" وبعد "العشرين" إلى "التسعين"، نحو قولك: "عندي أحدَ عشرَ درهمًا، واثنَا عشرَ دينارًا، وعشرون عبدًا، وثلاثون جاريةً"، ونحو ذلك.
فأما نصبُ الاسم بعد "أحد عشر"، و"خمسة عشر" إلى "تسعة عشر"؛ فلأنّه عددٌ فيه نيّةُ التنوين، إلَّا أنّه مبنيٌّ، فكان بناؤه مانعًا من ظهور التنوين، كمَنْع ما لا ينصرف، نحو قولك: "هؤلاء حَواجُّ بيتَ الله، وضواربُ زيدًا". فلمّا كان في نيّة منوَّن؛ امتنعت لذلك إضافتُه، ووجب نصبُ مميِّزه.
فإن قيل: فهلا حُذف التنوين منه، وأضيف إلى ما بعده، نحو قولك: "هذا حضرموتُ زيدٍ، وبعلبك الأميرِ"، فالجواب أنّ إضافة "حضرموت" ونظائره ليست لازمة،
стр. 1373
إنّما تقع عند تنكيره، وإرادةِ تعريفه بالإضافة، وأمّا "أحدَ عشرَ" و"خمسةَ عشرَ" ونحوُهما من الأعداد المركبة، فإنّها مبهمةٌ لازمٌ لها التفسيرُ، فكانت تكون الإضافة لازمة، وكان يؤدي إلى جعل "ثلاثة أشياء" اسمًا واحدًا، وذلك ممّا لا نظيرَ له، فإن أضفته إلى مالكه، وقلت: "هذا أحدَ عشرك، وخمسةَ عشرك"، جاز؛ لأنّ الإضافة إلى المالك ليست لازمة كلزوم المميِّز، فكان كقولك: "هذا حضرموتُ زيدٍ"، فإذا أضفته، أبقيته علي بنائه؛ لأنّ العلّة الموجِبة باقيةٌ، ومنهم من يُعْرِبه، فيقول: "هذا خمسة عشرُك"، و"مررت بخمسة عشرِك"، و"رأيت خمسة عشرَك"، ويحتجّ بأنّ الإضافة تردّ الأشياء إلى أصولها، ومن يقول: "هذه خمسة عشرَك" فيضيف، لا يقول: "هذه اثنَا عشرَك" فيضيف, لأنّ "عشر" فيه قد قام مقام النون، والإضافةُ تَحْذِف النونَ، فلم يجز أن تُجامِع ما قام مقامَها، ولا يجوز حذفُ "عشر"، فيقالَ: "اثْناك"؛ لانّه يُلْبِس بإضافة "الاثنين"، فلا يُعلَم أمُركّبًا أضفتَ، أم مفردًا.
فإن قيل: فلِم كان المفسِّر واحدًا منكورًا، وهلّا كان جمعًا، فيقال: "عندي خمسةَ عشرَ غلمانًا"، كما تقول: "هو أَفْرَهُ الناس عبدًا"، وإن شئت: "عبيدًا"؟ قيل: الفرق بينهما أنّك إذا قلت: "زيدٌ أفره الناس عبدًا"، فإنّما تعني عبدًا واحدًا، وإذا قلت: "عبيدًا"، فإنّما تعني جماعة، فلولا جمعُ المفسِّر؛ لمَا عُرف مرادك. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (١)، جمع المميِّز للإيذان بأنّ خُسْرانهم إنّما كان من جهات شتّى لا من جهة واحدة. وأمّا إذا قلت: "عندي خمسة عشرَ عبدًا"، فالعدّة معلومة من العدد، ولم يبق إلا بيانُ الجنس، فأغني فيه الواحدُ عن الجمع. وإنما كان نكرةً لأنّه أخفُّ، وبه يحصل الغرضُ، فلم يُعدَل عنه إلى ما هو أثقلُ منه.
وكذلك "العشرون"، و"الثلاثون" إلى "التسعين"، فإنّه يُفسَّر بالواحد المنكور، نحو قولك: "عندي عشرون درهمًا، وثلاثون عمامةً" لِما ذكرناه في المركّبات، نحو: "أحدَ عشرَ"، وهاهنا أوْلى لوقوعه بعد النون. ولعدم تمكُّنه، لم يجز حذفُ نونه وإضافتُه إلى الجنس المميز، فلم يقولوا: "عِشْرُو درهمٍ"، كما قالوا: "ضاربون زيدًا"، و"ضاربو زيدٍ"، وفي الصفة المشبَّهة، نحو: "حسنون وجوهًا"، و"حسنو وجوهٍ"؛ لأنّ "العشرين" وأخواتها لم تقو قوَّةَ اسم الفاعل ولا الصفةِ، فأُلْزِمت طريقةً واحدةً، وتُحذَف إذا أضيف إلى المالك، نحو قولك: "عِشْرُو زيدٍ"، فلذلك لم يكن التفسيرُ إلا واحدًا, لأن الواحد دالٌّ على نوعه، فإن قلت: "عندي عشرون رجالًا"؛ كنت قد أخبرت أنّ عندك عشرين، كلُّ واحد منهم جماعةُ رجالٍ، كما قالوا: "جِمالانِ"، و"إبلانِ"، فاعرفه.
стр. 1374
فصل [ما شذَّ عن الحكم السابق]
قال صاحب الكتاب: ومما شذ عن ذلك قولهم: "ثلاثمائة" إلى "تسعمائة"، اجتزؤوا بلفظ الواحد عن الجمع كقوله [من الوافر]:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص (١)
وقد رجع إلى القياس من قال [من الطويل]:
٨٤٩ - ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم
وقد قالوا: "ثلاثة أثواباً": وأنشد صاحب الكتاب [من الوافر]:
٨٥٠ - إذا عاش الفتى مئتين عاماً ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء
стр. 1375
وقوله عز من قائل: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ (١) على البدل، وكذلك قوله : ﴿اثنتي عشرة أسباطاً﴾ (٢). قال أبو إسحاق: ولو انتصب "سنين" على التمييز؛ لوجب أن يكونوا قد لبثوا تسعمائة سنة.
* * *
قال الشارح: القياس في "ثلاثمائَةٍ"، و"أربعمائة" إلى "تسعمائة" أن تُجمَع "المائة"، فيقال: "ثلاثُ مِئِينَ"، أو"ثلاثُ مئاتِ", لأنّ العدد من "الثلاثة" إلى "العشرة" يضاف إلى الجمع، نحو: "ثلاثة أقْفِزَةٍ، وأربعة دراهم". وقولُه: "وممّا شذّ عن ذلك قولهم: ثلاثمائة" يريد أنَّه شذّ عن القياس، وأمّا من جهة الاستعمال، فكثيرٌ مطّردٌ. قال سيبويه (٣): شبّهوه بـ"عشرين"، و"أحدَ عشرَ"، يريد أنّهم يبيّنونه بواحد كما بيّنوا "عشرين"، و"أحد عشر" بواحد لِما بينهما من المشابهة والمناسبة، وذلك أنّك إذا قلت: "ثلاثين"، و"أربعين" إلى "التسعين"؛ صرت إلى عَقْدٍ ليس لفظُه من لفظ قبله، فكذلك "ثلاثمائة"، و"سبعمائة" إذا جاوزت "تسعمائة"، صرت إلى عقد يخالف لفظه لفظ ما قبله، وهو قولك: "ألْفٌ"، فلا تقول: "عشر مائة"، فأشبهت "ثلاثمائة" "العشرين"، فبُيّنت بالواحد، وأشبهت "الثلاثَ" في الآحاد، فجُعل بيانها بالإضافة. ويدل على صحةِ هذا أنّهم يقولون: "ثلاثة آلافِ درهمٍ"، فيضيفون "الثلاث" إلى الجمع؛ لأنّهم يقولون: "عشرة آلافٍ"، فلمّا كان "عشرةٌ" على منهاج "ثلاثة"، أجروه مجرى "ثلاثةِ أثواب"؛ لأنّك تقول: "عشرة أثواب". قال سيبويه (٤): وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدًا، والمعنى جمعًا. وهذا إنّما يكون عند عدم اللبس. وعليه قوله، أنشده سبيويه [من الوافر]:
كُلُوا في بعضِ بَطْنكم ... إلخ
стр. 1376
والشاهد فيه وضع "البطن" موضعَ "البطون"، لأنّه اسمُ جنس ينوب واحدُه عن جمعه، فأفرد اجتزاءً بلفظ الواحد عن الجمع؛ لأنّه لمّا أضاف "البطن" إلى ضمير الجماعة؛ عُلم أنّه أراد الجمعَ، إذ لا يكون للجماعة بطنٌ واحدٌ. يصف شدّة الزمان وكَلَبه، يقول: "كلوا في بعض بطونكم"، أي: لا تلمؤوها حتى تعتادوا ذلك، وتَعِفُّوا عن كثرة الأكل، وتقنعوا باليسير، فإنّ الزمان ذو مَخمَصةٍ وجَدْبٍ. وقوله: "زمانكم زمنٌ خميص" كقولهم: "نهارُه صائمٌ، وليلُه قائم". فكما اجتزؤوا بالواحد عن الجمع، كذلك إذا قلت: "عشرون درهمًا" ونحوه من الأعداد المفسَّرة بالواحد، قد عُلم من العدد الجماعة، فجاز أن يُستغنى بلفظ الواحد في التفسير عن الجمع. ومثله قوله [من الرجز]:
٨٥١ - لا تُنْكِرُوا القَتْلَ وقد سُبِينَا ... في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِينَا
أفرد "الحلق"، والمراد: حلوقكم؛ لأمْن اللبس. فأمّا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٢)، فإنّما أفرد لأنّهما أُخرجا مخرج التمييز.
وقد جاء في الشعر على القياس، فقالوا: "ثلاثُ مِئِينَ"، و"ثلاثُ مئاتٍ"؛ لأنّ الشُعراء يُفْسَح لهم في مُراجعة الأصول المرفوضة. قال الشاعر [من الطويل]:
ثلاث مِئِين للملوك ... إلخ
стр. 1377
وقال الآخر [من الطويل]:
٨٥٢ - ثلاثُ مِئِينَ قد مَرَرْنَ كَوامِلًا ... وهَا أَنَا هذا أَشْتَهِي مَرَّ أَرْبَعِ
وهذا- وإن كان القياسَ- إلَّا أنّه شاذ في الاستعمال، وقد يجوز قطعُه عن الإضافة وتنوينُه، ويجوز حينئذ في التفسير وجهان: أحدهما الإتباع على البدل، نحو: "ثلاثةٌ أثوابٌ"، والنصبُ على التمييز، نحو: "ثلاثةٌ أثوابًا". وهو من قبيل ضرورة الشعر. فأمّا قوله [من الوافر]:
إذا عاش الفتى مائتَيْن عامًا ... إلخ
فالشاهد فيه إثباتُ النون في "مائتين" ضرورةً، ونصبُ ما بعدها على التمييز، وهو "عام"، شبّهه بـ"عشرين"، و"ثلاثين"، وكان الوجه حذفَها، وخفضَ ما بعدها، والبيت للرَّبيع بن ضبع الفَزاريّ، والمعنى أنّه يصف هَرَمَه وذَهابَ لَذّاته، وكان نَيَّفَ على المائتين، ويروى: "تسعين عامًا"، فعلى هذا لا يكون فيه شاهدٌ. ومثله قوله [من الرجز]:
٨٥٣ - أَنْعَتُ عَيْرًا من حَمِيرِ خَنْزَرَهْ ... في كلّ عَيْرٍ مائتانِ كَمَرَهْ
стр. 1378
لمّا أثبت النونَ، نصب "كمرةً" على التمييز. وأمّا قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ (١)، فإن "سنين" نصبٌ على البدل من "ثلاثمائة"، وليس بتمييز، وكذلك قوله: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (٢) نصب "أسباطًا" على البدل، هذا رأيُ أبي إسحاق الزجّاج، قال: ولا يجوز أن يكون تمييزًا؛ لأنّه لو كان تمييزًا، لوجب أن يكون أقلُّ ما لبثوا تسعمائة سنةٍ؛ لأنّ المفسِّر يكون لكلّ واحد من العدد، وكلُّ واحد "سنون"، وهو جمع، والجمعُ أقلُّ ما يكون ثلاثةٌ، فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة. وأجاز الفرّاء أن يكون "سنين" تمييزًا على حدّ قوله [من الكامل]:
فيها اثنتان وأَرْبَعون حَلُوبَةً ... سُودًا كخافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ (٣)
وذلك أنّه جاء في التمييز "سُودًا"، وهو جمع؛ لأنّ الصفة والموصوف شيء واحد. والمذهبِ الأوّل؛ لأنّ الثواني يجوز فيها ما لا يجوز في الأوائل، ألا ترى أنّك تقول: "يا زيدُ الطويلُ"، ولو قلت: "يا الطويل"، لم يجز، فاعرفه.
فصل [حكم مُمَيِّز العشرة فما دونها]
قال صاحب الكتاب: وحق مميز العشرة فما دونها أن يكون جمع قلة, ليطابق عدد القلة، تقول: "ثلاثة أفلس"، و"خمسة أثواب"، و"ثمانية أجربة"، و"عشرة غلمة", إلا عند إعواز جمع القلة كقولهم: "ثلاثة شسوع"، لفقد السماع في أشسع وأشساع, وقد روي عن الأخفش أنه أثبت أشسعاً. وقد يستعار جمع الكثرة في موضع جمع القلة, كقوله تعالي: ﴿ثلاثة قروء﴾ (٤).
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أن "العشرة" فما دونها جمعُ قلّة، فوجب أن تضاف إلى بناء من أبنية القلّة، وذلك من قبل أن العدد عددان: قليلٌ وكثيرٌ، فالقليل "العشرة" فما دونها
стр. 1379
إلى "الثلاثة". والجمعُ جمعان أيضًا: جمع قليل، وجمع كثير، فلمّا أريد "إضافةُ أدنى العدد إلى نوع المعدود تبيينًا له؛ أضيف إلى الجمع القليل ليُشاكِله، ويطابق معناه في العدد؛ لأنّ التفسير يكون على حسب المفسر.
فإن لم يكن له بناء قلّة، أضيف إلى بناء الكثير ضرورةً، فتقول: "عندي ثلاثةُ كُتُب، وخمسة شُسُوعٍ"، و"رأيت عشرةَ مَساجِدَ"؛ لأنّه لم يُسمَع "أَكْتِبَةٌ"، ولا "أَشْساعٌ". فأمّا ما حكاه عن أبي الحسن من "أَشْسُع"، فهو شاذّ قياسًا واستعمالًا؛ فأمّا الاستعمال فما أَقَلَّهُ! وأمّا القياس، فإنّ الباب في "فِعْلٍ" بكسر الفاء، أن يجمع على "أَفْعالٍ"، نحو: "عِدْلٍ"، و"أَعْدالٍ"، فمجيئُه على "أَفْعُلَ" على خلاف القياس، فلمّا لم يكن له بناء قلّة، أضافوه إلى الكثير، وكان هذا من المواضع التي قد اتُّسع فيها، فاستُغني ببناء الكثير. وإذا جاز أن يُستغنى بلفظ الجمع القليل عن الكثير، نحو قولهم: "رَسَنٌ"، و"أَرْسانٌ"، ولم يقولوا: "رُسُونٌ"، و"قَلَمٌ"، و"أَقْلامٌ"، ولم يقولوا: "قُلُومٌ"؛ فأَحْرَى وأَوْلَى أن يستغنى بجمع الكثير عن القليل, لأنه داخل في معناه.
فعلى هذا لا تقول: "عندي ثلاثةُ كِلابٍ"؛ لأنّ له بناء قلّة، وهو "أَكْلُبٌ"، إلَّا في ضرورة الشعر. قال الخليل: شبّهوه بـ"ثلاثة قُرُوءٍ"، يريد بذلك أنّهم شبّهوا ما يُستعمل فيه القليل بما لايستعمل فيه القليل.
واعلم أنّك إذا قلت: "ثلاثة كِلابٍ"، كان على غير وجه "ثلاثة أَكْلُبٍ"، وذلك أنّك إذا أضفته إلى بناء من أبنية القلّة، كان عَلى إضافته من المميِّز على حد "مائة دينارٍ"، وإذا أضفته إلى الكثير، كان على حدّ إضافة البعض إلى الجنس على ما تقدّم من نحو: "ثوبُ خَزِّ"، و"بابُ ساج"، فالمراد بـ "ثلاثة كلاب" ثلاثةٌ من الكلاب، كما أنّ المراد: ثوبٌ من خزّ، وبابٌ من ساج، فأمّا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) فمّما استُعير فيه جمعُ الكثرة لجمع القلّة، وذلك لاشتراكهما في الجمعيّة، ولعل "القُرُوء" كانت أكثرَ استعمالًا في جمع "القُرْء" من "الأَقراء"، فأُوثر عليه، كأنّهم نزّلوا ما قلّ استعمالُه منزلةَ المُهْمَل، فيكون مثل "شُسوع".
فصل [حكم الأعداد المركَّبة في البناء والإعراب]
قال صاحب الكتاب: وأحد عشر إلى تسعة عشر مبني، إلا "اثني عشر". وحكم آخر شطريه حكم نون التثنية، ولذلك لا يضاف إضافة أخواته, فلا يقال: "هذه اثنا عشرك", كما قيل: "هذه أحد عشرك".
* * *
стр. 1380
قال الشارَح: قد تقدّم الكلام في بناء ما رُكّب من الأعداد من "أحدَ عشرَ" إلى "تسعةَ عشرَ" في المبنيّات، وذلك لتضمُّنه معنى واو العطف، إذ الأصل: أحدٌ وعشرةٌ، فحُذفت الواو، وجعل الاسمان اسمًا واحدًا اختصارًا، ما خلا "اثنَا عشرَ"، فإنّ الاسم الأول معربٌ؛ لأن الاسم الثاني حلّ منه محلَّ النون، فجرى التغييرُ على الألف مع الاسم الذي بُني معه، كما جرى التغيير عليها مع النون، ويكون ذلك الاسمُ على حاله، كما كانت النون على حالها، وليست النون محذوفة على جهة الإضافة، ويدلّ على أنّه غير مضاف أن الحكم المنسوب إلى المضاف غير منسوب إلى المضاف إليه، ألا ترى أنّك إذا قلت: "قبضتُ درهمَ زيدٍ"، كان القبضُ واقعًا بالدرهم دون زيد، وإذا قلت: "قبضت اثنَيْ عشرَ درهمًا"؛ فالقبضُ واقع بالاثنين والعشرة معًا.
والذي يدلّ أن العشرة واقعةٌ موقع النون أنّك لا تضيفه إلى المالك على حدّ إضافة "خمسةَ عشرَ" وأخواته، فلا تقول: "اثنَيْ عشرَك" كما تقول: "خمسة عشرَك" لأنّ "عشر"؛ قد قام مقامَ النون والإضافةُ بحذف النون، فلا يجوز أن يثبت معها ما قام مقامَ النون، ولو أسقطنا "عشر" للإضافة؛ لم يُعلَم أأضيفت إلى "اثنين"، أم إلى "اثني عشر"، فاعرفه.
فصل [حكم الأعداد المركبة التي للمؤنث, وحركة شين "عشرة "]
قال صاحب الكتاب: وتقول في تأنيث هذه المركبات: إحدى عشرة، واثتنا عشرة، أو ثنتا عشرة، وثلاث عشرة، وثماني عشرة، تثبت علامة التأنيث في أحد الشطرين؛ لتنزلهما منزلة شيء واحد، وتعرب الثنتين كما أعربت الاثنين. وشين العشرة، يسكنها أهل الحجاز ويكسرها بنو تميم وأكثر العرب على فتح الياء في ثماني عشرة، ومنهم من يسكنها.
* * *
قال الشارح: تأنيث المركّبات من العدد يجري على منهاج المفرد، فيثبت الهاء في "الثلاثة" و"الأربعة" إذا كان مركّبًا مع "العشرة" في المذكّر، فتقول: "ثلاثة عشرَ رجلاً"، و"أربعةَ عشرَ غلامًا". تُثبِت الهاء في النَّيِّف كما تثبتها إذا لم يكن نيّفًا، وتنزعها من "العشرة" كراهيةَ أن يجمعوا بين تأنيثَيْن من جنس واحد في كلمة واحدة، فإذا أردت المؤنّث، نزعتها من الاسم الأول وأثبتها في آخِر الاسم الثاني، فكان نزعُها من الاسم الأول دليلًا على الفصل بين المذكّر والمؤنّث، وتثبت التاء في الاسم الثاني بحكم الأصل، ولم يوجد ما يوجب حذفَها، فتثبت لذلك.
فإن قيل: فلِمَ قلتم: إنّ نزع التاء من الاسم الأوّل علمُ التأنيث، وهلّا كان ثبوُتها
стр. 1381
في الاسم الثاني هو الفارقَ بين المذكر والمؤنّث على القاعدة في كل مؤنّث؟ قيل: القاعدة في العدد من "الثلاثة" إلى "العشرة" قبلَ أن يصير نيّفًا ما ذكرناه، ولم يوجد ما يوجب العدول عنه. ويؤيّد ذلك أنّك تؤنّث الاسمْ الأوّل، فإذا كان نيّفًا مع المؤنّث فيما ليس أصله التأنيث، نحو: "إحْدَى عَشْرَةَ جاريةً"، و"اثْنتَا عَشْرَةَ عِمامةً"، و"ثِنْتَا عَشْرَةَ جُبَّةً"، فتأنيثُ الاسم الأوّل، إذا عُلّق على مؤنّث، دليلٌ على ما قلناه، لأنّه لم يكن فيه تاء، فتُحذَف إذا وقعت على مؤنّث، كما كان في "ثلاثة" و"أربعة".
فإن قال قائل: فما بالُكم قلتم: "إحدى عشرة"، و"إحدى" مؤنّثةٌ و"عشرة" فيها تاء التأنيث، وكذلك "اثنتا عشرة"؟ فالجواب في ذلك أن تأنيث "إحدى" بالألف، وليس بالتأنيث الذي على جهة المذكّر، نحو: "قائم"، و"قائمة". وإذا كان كذلك، لم يمتنع دخول التاء عليها, لأنّ ألف التأنيث بمنزلة ما هو من نفس الحرف، ألا ترى أنّهم قالوا: "حُبْلَى"، و"حَبالَى"، فلم يُسْقِطوا الألف في التكسير كما أسقطوا التاء في "قَصْعَة"، و"قِصاع"، و"جَفْنَة"، و"جِفان". وقالوا: "حُبْلَياتٌ"، فلم يسقطوا ألف التأنيث لاجتماعها مع التاء كما حذفوها في "مسلماتٍ" لاجتماعها مع التاء، فلذلك يسقطونها مع "ثلاثة" من "العشرة"، ولا يسقطونها من "عشرة" مع "إحدى". وأمّا "اثنتان"، و"ثنتان"، فليس تأنيث "الاثنين"، ولكنه تأنيثٌ بُني الاسم عليه، فلا ينفرد له واحدٌ من لفظه، فالتاء فيه ثابتةٌ، وإن كان أصلها أن تكون فيما واحدُه بالهاء، ألا ترى أنّهم قالوا: "مِذْرَوانِ" (١) لا ينفرد له واحد، ولو كان ممّا ينفرد له واحد، لم يكن إلَّا "مِذْريَانِ"، وكذلك "عقلته بثِنايَيْن" (٢)، ولو كان فيما ينفرد الواحد منه، لم يكن إلَّا "بثنائَيْن" بالهمزة.
ووجهٌ "ثان" أنّ "اثنتين" في معنى "ثِنْتَيْن"، وليست التاء في "ثنتين" لمحض التأنيث، إنّما هي للإلحاق كتاء "بِنْتٍ"، فحُملت في الثبات على أختها.
فأمّا، "عشرة" من "اثنتي عشرة"، ففي شينها لغتان: كسرُ الشين وإسكانُها، فبنو تميم يفتحون العين ويكسرون الشين، ويجعلونها بمنزلة "كَلِمَةٍ"، و"ثَفِنَةٍ"، وأهلُ الحجاز يسكنون الشين ويجعلونها بمنزلة "ضَرْبَةٍ". وهذا عكسُ ما عليه لغةُ أهل الحجاز وبني تميم؛ لأن أهل الحجاز في غير العدد يكسرون الثاني، وبنو تميم يسكّنون، فيقول الحجازيون: "نَبِقَةٌ"، و"ثَفِنَةٌ"، ويقول التميميون: "نَبْقَةٌ"، و"ثَفْنَةٌ" بالسكون، فلمّا رُكب الاسمان في العدد؛ استحال الوضعُ، فقال بنو تميم: "إحدى عَشِرَةَ، وثنتا عَشِرَةَ"، إلى "تسع عشرة"، وقال أهل الحجاز: "عَشْرة" بسكونها. وذلك أنّ العدد قد نُقضت في كثير منه العاداتُ، من ذلك قولهم في "الواحد": "وَاحِدٌ"، و"أَحَدٌ"، فلمّا صاروا منه إلى
стр. 1382
العدد؛ قالوا: "إحدى عشرة"، فبنوه على "فِعْلَى". ومنه قولهم: "عَشْرٌ"، و"عَشَرَةٌ"، فلمّا صاغوا منه اسمًا للعدد بمنزلة "ثلاثين"، و"أربعين"؛ قالوا "عِشْرون" بكسر أوّله. ومنه اقتصارهم من "ثلاثمائة" إلى "تسعمائة" على أن أضافوه إلى الواحد، ولم يقولوا: "ثلاثمِئات"، ولا "أربعمِئِينَ" إلَّا شاذًّا.
فإن قيل: فمن أين جاءت الكسرة في الشين حين قلت: "ثلاثَ عَشِرَةَ"؟ فالجواب إن "عشر" من قولك: "عَشْرُ نسوةٍ" مؤنّثةُ الصيغة، فلم يصحّ دخول الهاء عليها، فاختاروا لفظةً أخرى يصحّ دخول الهاء عليها، فقالوا: "عَشِرَة" بكسر الشين، فخفّف أهل الحجاز ذلك على ما قلناه، وقرأ الأَعْمَش ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (١)، ففتح الشينَ على الأصل، والقياسُ عليه الجماعة، وهو المسموع.
فأمّا "ثماني عشرةَ" ففيها لغتان: فتح الياء، وهو الأكثر، وتسكينها. فمن فتحها، فإنّه أجراها مجرى أخواتها من نحو "ثلاثة عشرَ"، و"أربعةَ عشرَ": لأنّ العلّة واحدة، ومن أسكن، فإنّه شبّهها بالياء في "مَعْدِي كَرِبَ"، و"قَالِي قَلَا".
فصل [حكم العقود في التذكير والتأنيث]
قال صاحب الكتاب: ما لحق بآخره الواو والنون, نحو العشرين والثلاثين يستوي فيه المذكر والمؤنث وذلك على سبيل التغليب كقوله [من الطويل]:
٨٥٤ - دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يفعل الأخوان
* * *
стр. 1383
قال الشارح: اعلم أن "عِشْرِينَ" وبابه من نحو "ثلاثين" و"أربعين" إلى "التسعين" ممّا هو بلفظ الجمع، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، كأنّهم غلّبوا جانب المذكّر لِما علق عليهما. وهذه قاعدة أنّه إذا اجتمع المذكّر والمؤنّث؛ غُلّب المذكّر؛ لأنه الأصل. فأمّا البيت الذي أنشده وهو [من الطويل]:
دعتني أخاها ... إلخ
وقبله:
دَعَتْني أخاها أُمُّ عَمرٍو ولم أَكُنْ ... أخاها ولم أُرْضَعْ لها بلِبانِ
أنشدهما أبو العبّاس المبرّد في "الكامل"، ولم يذكر قائلَهما، والشاهد فيه أنّه غلّب المذكّر، ألا ترى أنَّه عَبَّر عن نفسه وعنها بالأخوَيْن، ولم يقل: "الأُخْتان". يريد أنّ هذه المرأة سمّتْه أخًا بعد ما كان بينهما ما لا يكون بين الأخوَيْن، يريد ما يكون بين المُحِبَّيْن.
وقال قوم: إنّما كسروا العين من "عِشْرين"؛ لأنّها لمّا كانت واقعة على المذكّر والمؤنّث، كسروا أوّلها للدلالة على التأنيث، وجمعوا بالواو والنون للدلالة على المذكّر، فيكون أخذُه من كلّ واحد منهما بتأثير. وهو ضعيف؛ لأنّه يلزم عليه أن يكسروا أوّل "الثلاثين"، و"الأربعين" إلى "التسعين" للدلالة على التأنيث. ويمكن أن يقال: إنّهم اكتفوا بالدلالة على "العشرين"، وكان في ذلك دلالة على غيره من "الثلاثين" و"التسعين"، فجرى على ما جرى عليه "العشرون"، فإذا وقع "العشرون" على المذكّر والمؤنّث، وظهر فيه الفرقُ، كان "الثلاثون" مثله، واكتُفي بعلامة التأنيث في "العشرين" عن علامته في الثلاثين.
وقال قوم: إنّ "ثلاثاً" من "ثلاثين" هي "ثلاث" التي للمؤنث، ويكون الواو والنون لوقوعه على الذكّر، فيكون قد جمع لفظ التذكير والتأنيث، وأخذ من كلّ واحد بنصيبٍ.
وقال قوم: إنّما كسروا الأول من "عشرين", لأنّهم قالوا في "ثلاث عشرات": "ثلاثون"، وفي "أربع عشرات": "أربعون"، فكأنّهم جعلوا "ثلاثين" عَشْرَ مرار "ثلاثة"، و"أربعين" عشر مرار "أربعة"، إلى "التسعين"، فاشتقّوا من الآحاد ما يكون لعشر مرار ذلك العدد، فكان قياس "العشرين" أن يقال: "اثْنُونَ"، و"اثْنِينَ" لعشر مرار "اثنَيْن"، فكنّا ننزع "اثْنِ" من "اثنين"، ونجمعه بالواو والنون، و"إثْنٌ" لا يُستعمل إلا مثنّى، فاشتقّوه من لفظ "العشرة"، وكسروا عينه إشعارًا بإرادة لفظ "اثنين" فاعرفه.
стр. 1384
فصل [حكم العدد في التعداد وغيره]
قال صاحب الكتاب: والعدد موضوع على الوقف، تقول واحد, اثنان, ثلاثة، لأن المعاني الموجبة للإعراب مفقودة, وكذلك أسماء حروف التهجي, وما شاكل ذلك, إذا عددت تعديداً, فإذا قلت هذا واحد ورأيت ثلاثة, فالإعراب كما تقول هذه كاف، وكتبت جيماً.
* * *
قال الشارح: اعلم أن أسماء العدد إذا عدّدتها؛ فإنّها تكون مبنيّة على الوقف؛ لأنها لم تقع موقع الأسماء، فتكونَ فاعلة ومفعولة ومبتدأةً؛ لأن الإعراب في أصله إنّما هو للفرق بين اسمين لكلّ واحد منهما معنى يخالف معنى الآخر، فلمّا لم تكن هذه الأسماء على الحدّ الذي يستوجب الإعرابَ، سُكِّنَتْ، وصارت بمنزلة صوت تصوته، نحو: "صَهْ"، و"مهْ" فتقول: "واحدْ، اثنانْ، ثلاثهْ، أربعهْ"، بالإسكان من غير إعراب. ويؤيّد ذلك عندك ما حكاه سيبويه من قول بعضهم: "ثَلاَثهَرْبَعهْ"، فيترك الهاء من "ثلاثة" بحالها غير مردودة إلى التاء، وإن كانت قد تحرّكت بفتحة همزةِ "أربعه" دلالة على أنّ وضعها أن تكون ساكنة في العدد، حتى إنّه لمّا ألقى عليها حركة الهمزة التي بعدها؛ أقرّها في اللفظ بحالها على ما كانت عليه قبل إلقاء الحركة عليها. ولو كانت كالأسماء المعربة؛ لوجب أن تردّها متى تحرّكت تاء، فتقول: "ثلاثتربعه"، كما تقول: "رأيت طلحة يا فتى".
فإن أوقعتَها موقع الأسماء، أعربتها، وذلك نحو قولك: "تَفْضُل ثلاثةَ أربعةُ بواحد"، أعربتَها لأن "ثلاثة" هاهنا مفعولة، و"أربعة" فاعلة، وتقول: "ثمانيةُ ضعفُ أربعة" أعربتها لأنّها مبتدأ، ولم تصرف للتأنيث والتعريف.
وكذلك حروف المُعْجَم إذا كانت حروفَ هِجاء غيرَ معطوفة، ولا واقعةٍ موقع الأسماء، فإنّها سواكنُ الأواخر في الدرج والوقف، وذلك قولك: ألفْ ب ت ث ج ح خ د ذ ر، وفي الزاي لغتان: منهم من يقول: "زاي" بياء بعد ألف كما تقول: واو، بواو بعد ألف، ومنهم من يقول: "زَيْ" بوزن "كَيْ"، و"أيْ"، وقد حُكي فيها "زاء" ممدودةً ومقصورةً. وكذلك سائرها تُبنَى أواخرها على الوقف, لأنّها أسماء الحروف الملفوظ بها في صِيَغ الكلم، فهي بمنزلة أسماء الأعداد، نحو: "ثلاثهْ"، و"أربعهْ"، و"خمسهْ"، فلا تجد لها رافعًا، ولا ناصبًا، ولا جارًّا؛ لأنّك لم تُحدِّث عنها، ولا جعلت لها حالةً تستحق الإعرابَ بها كما قلنا في العدد، فكانت كالحروف، نحو: "هَلْ"، و"بَلْ"، وغيرهما من الحروف فلم يجز لذلك تصريفُها، ولا اشتقاقها، ولا تثنيتها، ولا جمعُها، كما أن الحروف كذلك.
стр. 1385
ويدلّ على أنّها بمنزلة "هل"، و"بل" أنك تجد فيها ما هو على حرفَيْن، الثاني منهما حرف مدّ ولين، وذلك نحو "بَا"، "تَا"، "ثَا"، "طَا"، "ظَا"، "فَا"، "هَا"، "يَا"، ولا تجد في الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف مد ولين، إنّما ذلك في الحروف، نحو: "ما"، وَ"لا"، و"يا"، و"أوْ"، و"أيْ "، و"كَيْ"، فلا تزال هذه الحروف مبنيّة غيرَ معربة, لأنّها أصواتٌ بمنزلة "صَهْ"، و"مَهْ"، و"إيهِ"، حتى توقعها موقعَ الأسماء، فترفعها حينئذ، وتجزها وتنصبها كما تفعل ذلك بالأسماء، وذلك قولك: "أوّلُ الجيم جيمٌ، وآخِرُ الصاد دالٌ"، و"كتبتُ جيمًا حسنةً"، و"حفظتُ قافًا صحيحةً". وكذلك العطف؛ لأنّه نظير التثنية، فتقول: "ما هِجاءُ بَكْرٍ"، فيقول المجيب: "باءٌ، وكافٌ، وراءٌ"، فيعربها لأنّه قد عطف، فإن لم يعطف بناها، وقال: "بَا كافْ را". قال الشاعر [من الرجز]:
٨٥٥ - كافًا ومِيمَيْنِ وسِينًا طاسِما
وقال الآخر [من الطويل]:
٨٥٦ - [أهاجتك آياتٌ أبان قديمُها] ... كما بُيِّنَتْ كافٌ تَلُوحُ ومِيمُها
стр. 1386
وقال يزيد بن الحَكَم يهجو النحويّين [من الوافر]:
٨٥٧ - إذا اجتمعوا على ألفٍ وياءٍ ... وواوٍ هاجَ بَينَهُمُ جدالُ
وإذا جعلت هذه الحروف أسماء، وأخبرت عنها، وعطفت بعضَها على بعض؛ أعربتها على ما ذكرنا، ومددت ما كان منها مقصورًا، وشدّدت الياء من "زَيّ" في قولِ من لا يُثبِت الألف، وذلك من قِبَل أنها إذا صُيّرت أسماءً، ونُقلت إلى مذهب الاسميّة؛ فلا بدّ من أن تُجْرَى مجراها، وتُعْطَى حكمهَا، فيجوز تصريفُها وتثنيتها وجمعها وتمثيلُها بالفاء والعين واللام، والقضاءُ على ألفاتها بأنّها غير أصل، إذ قد صارت إلى حكم ما ذلك واجب فيه، ولكونِ أنّه ليس في الأسماء المفردة التي يدخلها الإعراب اسمٌ عَلى حرفَيْن الثاني من حروف المدَّ واللين، زدتَ على ألفِ "ب، ت، ث" ألفًا أُخرى لتصير ثلاثيّةً، ثمّ تقلب الألف همزة لسكونها وسكون الألف الأولى كما تقلب في "كِساءٍ"، و"رِداءٍ" وزدت على ياءٍ "زي" ياءً أُخرى، وادّغمتها فيها، كما تفعل ذلك في الحروف إذا نقلتها إلى الاسميّة، نحوَ قول زُبَيْد [من الخفيف]:
٨٥٨ - لَيْتَ شِعْرِي وأيْنَ مِنِّيَ لَيْتٌ ... إن لَيْتًا وإنّ لَوًّا عَناءُ
стр. 1387
ألا ترى أنّه ضعّف الواو في "لَوْ" لمّا جعلها اسمًا حيث أخبر عنها. ومثلُه قول الآخر [من الطويل]:
٨٥٩ - أُلامُ على لَوٍّ ولو كنتُ عالمًا ... بأذْنابِ لَوٍّ لم تَفُتْني أوائِلُهْ
فكذلك حروف المعجم؛ لأنّها في معناها، وإنّما لم يكن في الأسماء المعربة ما هو على حرفَيْن الثاني منهما حرف مد ولين, لأنّ التنوين إذا وُجد، حُذِفَ لالتقاء الساكنين، فيبقى الاسم الظاهر على حرف واحد، فلذلك يلزم أن تزيد على حرف المدّ مثله ليصير ثلاثيًا، فاعرفه.
стр. 1388
فصل [همزة "أحد" و"إحدي" واستعمالهما]
قال صاحب الكتاب: والهمزة في "أحد", و"إحدى" منقلبة عن واو, ولا يُستعمل أحد وإحدى في الأعداد إلا في المنيفة.
* * *
قال الشارح: اعلم أن "أحدًا" كلمةٌ قد استُعملت على ضربَيْن:
أحدهما أن يُراد بها العموم والكثرة، ولا تقع إلَّا في النفي وغير الإيجاب، نحوِ: "ما جاءني من أحدٍ"، و"لا أحدَ فيها"، ولا يُقال: "فيها أحدٌ". والذي يدلّ على وقوعه على الجمع قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١) فـ"حاجزين" نعتُ "أحد"، وجمعُ الصفة مُؤْذِنٌ بإرادة الجمع في الموصوف، وعلى هذا الهمزةُ في أوّله أصلٌ، وليست بدلًا من واو، ولا غيرِه، وذلك لأنّ اللفظ على الهمزة، ولم تقم دلالةٌ بما يخالف الظاهرَ واللفظَ.
وأما الضرب الآخر من ضربَيْ "أحد" فأنْ يراد به معنى "واحدٍ" في العدد، نحوَ قولك: "أحدٌ وعشرون" والمراد: واحد وعشرون، والهمزة فيه بدلٌ من الفاء التي هي واوٌ، والأصل: وَحَدٌ يُقال: "وَحَدٌ"، و"أحَدٌ"، و"أحدٌ" بمعنى "وَاحدٍ" حكى ذلك ابن الأعرابيّ، وكذلك الهمزة في "إحْدَى" بدلٌ من الواو, لأنّها تأنيث الأحد، والهمزة في "أحد" بدلٌ من الواو، فكذلك هي في مؤنّثه, لأنّه من لفظه ومعناه. والهمزةُ تُبْدَل من الواو المفتوحة والمكسورة والمضمومة، وإبدالُها من المفتوحة قليل يؤخَذ سَماعًا، ومن المضمومة كثيرٌ قياسًا مطّردًا، وفي المكسورة خلافٌ، وسنوضِح ذلك في موضعه من هذا الكتاب.
فإن قيل: ولِمَ كان المؤنّث بالألف، ولم يكن بالتاء كأخواته من "ثلاثة" و"أربعة" وشِبْههما؟ فالجواب أنّ "أحدًا" اسمٌ استُعمل على ضربَيْن: وصف، واسمٌ للعدد غيرُ وصف. فأمّا الصفة، فجاريةٌ على الفعل على نحو "قائم"، و"قاعدٍ"، وتتبع الموصوفَ، وتُذكَّر وتُؤنَّث، نحوَ: "مررت برجل واحد"، و ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢). وتقول في المؤنّث: "مررت بامرأة واحدة"، وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٣)، فهذا وصف جارٍ على الفعل ويعمل عَمَلَه من نحوِ "مررت برجلٍ واحدٍ درهمُه"، ويثنى ويجمع كما تفعل سائرُ الصفات. قال الشاعر [من الوافر]:
٨٦٠ - فقدْ رَجَعُوا كَحَيٍّ واحِدِينَا
стр. 1389
فأمّا الضرب الثاني الذي هو اسمٌ، فقولهم في العدد: "واحد، اثنان" فـ"واحد" ههنا غير صفة، وإنّما قلت ذلك لأمُور؛ منها: أنّه لو كان صفة؛ لَوجب أن يكون له موصوفٌ، ولا موصوف، ومنها أنّهم قد كسّروه على "أُحْدان" من نحو قول الهُذَليّ [من البسيط]:
٨٦١ - [يحمي الصَّريمةَ] أُحْدان الرجال [له ... صَيْدٌ ومُسْتَمِعٌ باللَّيلِ هَجّاسُ]
وهذا الضرب من التكسير في "فاعلٍ" إذا كان اسمًا دون الصفة، نحوَ قولك: "حاجِرٌ"، و"حُجْران"، و"غالٍّ"، و"غُلّانٍ". فأمّا قولهم: "راعٍ"، و"رُعْيانٌ"، و"صاحِبٌ"، و"صُحْبانٌ"، فإنّما كُسّر على ذلك؛ لاستعمالهما استعماَلَ الأسماء، ولم يُذكَر معهما موصوفٌ.
فإن قيل: وقد قيل: "مررت برجل واحد، وبقوم ثلاثةٍ"، فتصف بالعدد، وتُجْرِي إعرابَه على الاسم الذي قبله؟ فالجواب أنّ حقيقةَ هذا أنَّه اسمٌ وعطفُ بيان لا صفةٌ، كما تقول: "مررت بأبي عبدِ الله زيدٍ". والدليل على أن "واحدًا" اسمٌ، وإِن جرى إعرابه على ما قبله، قولهم: "مررت بنسوةٍ أربعٍ" بالتنوين والصرفِ، ولو كان
стр. 1390
صفة، لم ينصرف كما لا ينصرف "أوْحَدُ". و"واحدٌ" مثله في باب العدد.
وهذا الضرب لا يثنّى، ولا يجمع من لفظه، فإذا أردت التثنية قلت: "اثنان"، وإذا أردت الجمع، قلت: "ثلاثة، أربعة"، فتصوغ للتثنية والجمع لفظًا من غير لفظ الواحد.
وكما لم تُثنِّه من لفظه، كذلك لا تؤنّثه من لفظه, لأنه لو أُنّث من لفظه؛ لزم أن يُقال: "واحدةٌ"، فيخرج إلى مُشابَهة الصفات الجارية على أفعالها، و"واحدٌ" ليس بصفة، فكُره فيه ما يكون في الصفات. فلمّا امتنع منه هذا الضربُ من التأنيث، واحتيج إلى علامة فاصلة بين المذكّر والمؤنّث إذ كان اسمًا، قد يقع على المؤنّث كما يقع على المذكّر؛ عُدل إلى لفظ آخر بمعناه. ولمّا كان "أحدٌ" بمعنَى "واحد" في العدد، وكان اسمًا غير صفة كما أنّ "واحدًا" كذلك، وأرُيد إثباتُ العلامة؛ لم تكن بالتاء، كراهيةَ أن تكون على حد الصفة، نحو: "حسن"، و"حسنة"، كما كُره ذلك في "فاعِلٍ"؛ لأن الصفة في الموضعين واحدةٌ، فعُدل عن العلامة التي هي التاء إلى غيرها، فلم يجز مع العدول عن هذه العلامة إلَّا تغييرُ البناء؛ لأنّ العلامة التي غير التاء تُغيِّر البناءَ، وتصاغ معه على غير لفظ المذكّر، فلفا أُنّث بالألف؛ قُلب عن "فَعَلٍ" إلى "فِعْلَى"؛ فقالوا: "إحْدَى" في المؤنّث، و"أَحَدٌ" في المذكّر، فاستُغنى بتأنيث "أحد" عن تأنيثِ "واحد"؛ لأنّه في معناه.
فإن قيل: ولِمَ لم يستعمل "أحد" ولا "إحدى" إلَّا نيّفًا معه شيءٌ؟ فالجواب: أمّا "إِحدى" فلا يستعمل إلَّا إذا ضُمّ إلى غيره، وجُعل معه اسمًا واحدًا، أو استُعمل فيما جاوز ذلك، فأمّا في باب الآحاد وأوائل الأعداد، فلا؛ لأنّه ليس إلى تأنيث الواحد وتذكيره كثيرُ حاجة، لأنّه لا يُضاف إلى المعدود كما يُضاف سائر الأعداد, لأنّ لفظ المعدود يُغْنِي عن ذلك، فدلالتُه على العدة والنوع جميعًا، وأمّا "أحدٌ" فهو، وإن كان بمعنَى "واحدٍ"، فله نحوٌ ليس لِـ"واحد" من الإبهام، وعدم التعيين، ألا ترى أنك إذا قلت: "جاءني أحدهما، أو أحدهم" إنّما المراد: واحدٌ من هذه العدّة غيرُ متعيِّن؟ وإذا كانت موضوعة على أن تكون مضافة ومعها غيرُها، ألزموها في العدد إذا وقعت موقعَ "واحد" أن تكون نيّفًا، نحوَ: "أحد عشر"، و"احدٌ وعشرون"؛ ليكون ما بعدها بمنزلة المضاف إليه، ولا تخرجَ عن منهاج استعمالها وموضوعِها، فاعرفه.
فصل [تعريف الأعداد]
قال صاحب الكتاب: وتقول في تعريف الأعداد ثلاثة الأثواب، وعشرة الغلمة، وأربع الأدؤُر وعشر الجواري، والأحد عشر درهماً، والتسعة عشر ديناراً، والإحدى عشرة والأحد والعشرون ومائة الدرهم، ومائتا الدينار،
стр. 1391
وثلاثمائة الدارهم، وألف الرجل. وروى الكسائي الخمسة الأثواب. وعن أبي يزيد أن قوماً من العرب يقولونه غير فصحاء.
* * *
قال الشارح: لا يخلو العدد من أن يكون مضافًا أو مركّبًا أو مفردًا، فإذا أُريد تعريفه؛ فإن كان مضافًا، نحوَ: "ثلاثةُ أثوابٍ"، و"عَشرةُ غِلْمَةٍ"؛ فالطريقُ فيه أن تعرّف المضاف إليه بأن تُدْخِل فيه الألف واللام، ثمّ تضيف إليه العدد، فيتعرّف بالإضافة على قياس: "غلام الرجل"، و"باب الدار"، فتقول: "ثلاثة الأثواب"، و"أربعة الغلمة"، و"عشرُ الجَواري"؛ لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه التعريفَ والتخصيصَ، كما يكتسي منه الجزاءَ والاستفهامَ، نحوَ قولك: "غلامَ مَنْ تَضْرِبْ أضْرِبْ"، و"غلامُ مَنْ أنْتَ". قال الشاعر [من الطويل]:
أمَنْزِلَتَيْ مَيٍّ سَلامٌ عَلَيْكُمَا ... هَلِ الأزْمُنُ اللاتي مَضَيْنَ رَواجِعُ
وهل يَرْجِعُ التسليمَ أو يَكْشِفُ العَمَى ... ثلاثُ الأثافِي والرُّسومُ البَلاقِعُ (١)
وقال الفرزدق [من الكامل]:
ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ ... يَسْمُو فأدْرَكَ خمسةَ الأشْبارِ (٢)
لمّا أراد التعريف، عرّف الثاني بالألف واللام، ثمّ أضاف إليه، فتَعرّف المضاف. قال أبو العبّاس المبرّد: هذا الذي لا يجوز غيرُه، وقد تقدّم الكلام عليه، وعلى الخلاف فيه بحُجَجه وعِلَله، في فصل الإضافة بما أغنى عن إعادة.
وأمّا المركّب فهو من "أحدَ عشرَ" إلى "تسعةَ عشرَ"، ففيه ثلاثة مذاهب:
أحدُها: مذهب أكثر البصريين: أن تُدخِل الألف واللام على الاسم الأوّل منها، فتقول: "عندي الأحدَ عشرَ درهمًا، والثلاثةَ عشرَ غلامًا"؛ لأنّهما قد جعلا بالتركيب كالشيء الواحد، فكان تعريفُهما بإدخال اللام في أولهما.
الثاني: وهو مذهب الكوفيين (٣) والأخفش من البصريين، تعريف الاسمَيْن الأوّلَيْن، نحوُ: "عندي الأحدَ العشرَ درهمًا"؛ لأنّهما في الحقيقة اسمان، والعطف مرادٌ فيهما، ولذلك وجب بناؤهما. ولو صرّحت بالعطف، لم يكن بدٌّ من تعريفهما، فكذلك إذا كان مضمَّنًا معنى العطف.
الثالث: مذهبُ قوم من الكُتاب أنّهم يُدْخِلون الألف واللام على الأسماء الثلاثة.
стр. 1392
وهو فاسد لِما ذكرناه من أن التمييز لا يكون إلَّا نكرة، لأنّك إذا قلت: "الخمسة عشر درهمًا" فالعدد معلوم؛ كأنك قلت: أخذت الخمسة عشر درهماً التي عرفتَ. و"الدرهم" غير معلوم مقصودٌ إليه، وإنّما هو بمنزلة قولك "كل رجل يأتيني فَلَهُ درهمٌ"، فالمراد: كل من يأتيني من الرجال واحدًا واحدًا فله درهم، ولو قلت: "كلّ الرجلِ"، استحال المعنى.
وأمّا العدد المفرد، نحو: "عشرين"، و"ثلاثين" فما فوقهما إلى "تسعين"، فتعريفُه بإدخال الألف واللام على العدد، نحوِ: "العشرين" و"الثلاثين"، كما تقول: "الضاربون زيدًا"، ولا يجوز "العشرون الدرهم" إلَّا على المذهب الضعيف، ووجهُ ضَعْفِه ما ذكرناه في "الخمسة عشر درهمًا". ووجهٌ آخر أن ما بعد النون منفصلٌ ممّا قبله؛ لأن "درهمًا" بعد "عشرين" منفصلٌ من "العشرين"، فلا يتعرّف العدد بتعريفه، وليس كذلك "ثلاثة"، و"أربعة" ونحوهما ممّا يُضاف، فإن الثاني متَصلٌ بالأوّل من تمامه، فيُعرَّف المضاف بتعريف المضاف إليه، فلذلك إذا أُريد تعريف العدد المفرد، عُرّف نفسه بخلاف المضاف.
فأمّا "المائة" و"الألف" فحكمهما حكمُ العقد الأول، نحو: "مائة درهم"، و"مائة الدرهم"، و"ألف درهم"، و"ألف الدرهم"؛ لأن التنوين ليس لازمًا لـ"المائة" و"الألف"، كما لم يكن لازمًا لِـ"الثلاثة" و"الأربعة" ونحوهما من العقد الأول. وهذا حكم كلّ إضافة طالت أو قصرت، فإنّك تعرّف الاسم الأخير، ويسري تعريفُه إلى الاسم الأوّل، فتقول: "ما فعلت مائةُ ألفِ الدرهمِ"، وعلى ذلك فقِسْ.
فصل [العدد الترتيبي]
قال صاحب الكتاب: وتقول الأول والثاني والثالث، والأولى والثانية والثالثة إلى العاشر والعاشرة والحادي عشر والثاني عشر، بفتح الياء وسكونها، والحادية عشرة والثانية عشرة والحادي قلب الواحد والثالث عشر إلى التاسع عشر، تبني الاسمين على الفتح كما بنيتهما في أحد عشر.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ هذا الفصل يشتمل على اسم الفاعل المشتق من أسماء العدد، والأوَّلُ ليس من ذلك، وإنّما ذكره لأنّه يكون صفة كما يكون "ثانٍ"، و"ثالثٌ" ونحوهما صفات. فـ"الأوَّلُ" فهو من مضاعَف الفاء والعين، ولم يُشتق منه فِعْلٌ، وإنّما جاء من ذلك أسماءٌ يسيرةٌ. قالوا: "كَوْكَبٌ"، و"دَدَنٌ".
والذي يدل أنه "أفْعَلُ" أنّه قد جاء مؤنّثُه على "الفُعْلَى"، نحوِ "الأُولَى"، كـ"الأكْبَر"، و"الكُبْرَى"، و"الأطْوَل"، و"الطُولَى" فالهمزة في "أوَّل" زائدةٌ بإزائها في
стр. 1393
"أفْضَلَ". وهي في "الأُولَى" فاء بدلٌ من واو، كان ذلك لاجتماع الواوَيْن على حد "وَاقِيَةٍ"، "وأواقٍ".
وهو على ضربَيْن: يكون صفة واسمًا. فإذا كان صفة لم ينصرف، نحوَ قولك: "هذا رجلٌ أوّلُ"، أي: أوّلُ من غيره فتحذف الجارَّ والمجرور تخفيفًا، وهما في تقدير الثبات، ولذلك لم تلزمه الألف واللام, لأنّ الشيء إذا كان مرادًا، كان في حكم المنطوق، ولو لفظت بالجارِّ والمجرور، لم تأتِ بالألف واللام. قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (١)، ولم يقل: و"الأخفى"؛ لأن المراد: وأخفى من السرّ. قال الشاعر [من الرجز]:
٨٦٢ - يا لَيْتَهَا كانت لأهْلِي إبِلَا ... أوهُزلَتْ في جَدْبِ عامٍ أوَّلَا
فلم يصرف لأنّه صفة، ومعناه: أوّل من عامك. وحذفُ الجارّ والمجرور من نحو هذا في الصفة ضعيفٌ، وهو في الخبر أكثرُ؛ لأنّ الغرض من الصفة الإيضاح والبيان، وذلك يُنافي الحذفَ. وإذا كانت اسمًا كانت منصرفة، فتقول: "ما تركتُ له أوّلًا ولا آخِرًا"، أي: لا قديمًا، ولا حديثًا.
وأمّا "الثاني" و"الثالث" ونحوهما إلى "العاشر"، فإنّ العرب تشتقّها من العدد على حسب اشتقاق اسم الفاعل من الفعل في نحو "ضارِبٍ"، و"آكِلٍ"، و"شارِبٍ"، فيصير
стр. 1394
حكمها حكم اسم الفاعل، فتجري صفةً على ما قبلها، فإن كان مذكّرًا، ذكّرتها، وإن كان مؤنّثًا، أنّثتها. فتقول للرجل إذا كان معه رجلان: "هذا ثالثُ ثلاثةٍ"، وللمرأة: "هذه ثالثةُ ثلاثٍ": أسقطت التاء من "ثالث"؛ لأنّه اسم فاعل جرى على مذكّر، كـ"ضارب"، وأثبتَّها في "ثلاثة", لأنّه عدد مضاف إلى مذكّر في التقدير، إذ المعنى: ثالثُ ثلاثةِ رجالٍ، وأثبتّها في "ثالثة"، إذ جرت على مؤنّث، كما تقول: "ضارِبَةٌ". وأسقطتها من "ثلاث"؛ لأنّه عدد في تقدير المضاف إلى مؤنّث. وتقول: "هذا رابعُ أربعةٍ" إذا كان هو وثلاثُ نسوة؛ لأنّه قد دخل معهنّ، فقلت: "أربعة" بالتذكير لأنه إذا اجتمع مذكّر ومؤنّث، حُمل الكلام على التذكير, لأنّه الأصل، فإذا تجاوزت "العشرة"، فلك فيه ثلاثة أوجه:
أحدُها: أن تأتي بأربعة أسماء، فتقول: "هذا حادِي عشرَ أحدَ عشرَ"، و"ثانِي عشرَ اثنَيْ عشرَ"، و"ثالثَ عشرَ ثلاثةَ عشرَ"، فالاسمان الأوّلان من هذا نظيرُ الاسم الأول من "ثالثُ ثلاثةٍ"، والاسمان الأخيران نظير الاسم الثاني منه. وإذا كان نظيره، وجب أن يُعتقد أن الاسمَيْن الثانيَيْن في موضع جرّ بإضافة الاسمَيْن الأوّلَيْن، وبذلك خرج من أن تكون قد جعلتَ أربعة أسماء بمنزلة شيء واحد. وإنّما بنيت الاسمين الأولين وجعلتهما كاسم واحد، وبنيت الاسمين الثانيين، وجعلتهما كاسم واحد، ثمّ أضفت الأوّل إلى الثاني، ولم يمنع البناء الإضافةَ. ألا ترى أنك تقول: "كم رجلٍ جاءَك"؟ فتضيف "كم" إلى "رجل"، وقال سبحانه: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١)، فأضاف "لَدُنْ" وهو مبنيّ.
والثاني: أن تأتي بثلاثة أسماء، فتقول: "هذا حادِي أحدَ عشرَ"، و"ثانِي اثنَي عشرَ"، و"ثالثُ ثلاثةَ عشرَ"، كأنّهم استثقلوا أن يأتوا بأربعة أسماء، فحذفوا الاسم الثاني من الأوّل تخفيفًا. وعلى هذا الوجه يكون الاسم الأوّل معربًا يجرىِ بوجوه الإعراب؛ لأن التركيب قد زال عنه بحذف الاسم الثاني، فبقي الاسمان الثانيان علي بنائهما؛ لأنّه لم يحذف منهما شيءٌ، وهما في موضع جرّ بإضافة الاسم الأوّل إليهما، ولا يجوز في الأوّل إلَّا الإعراب؛ لأنّها ثلاثة أسماء، فلا يجوز أن تجعل في موضع اسم واحد.
والوجه الثالث: أن تقول: "هذا حادِي عَشَرَ"، و"ثانِي عَشَرَ" بتسكين الياء، وفتحها. فمن سكّن الياءَ من "حادي"، و"ثاني"؛ جعله معربًا في موضع رفع، وعلى هذا تقول: "هذا ثالثُ عشرَ، ورابعُ عشرَ"؛ لأن تقديره: "حادِي أحدَ عشرَ" فحذف "أحدًا" تخفيفًا، وهو مراد، فصار كقولك: "هذا قاضِي بَغْدادَ"، ومن فتح، بناهما على الفتح حين حذف "أحدًا"، فجعل "حادي" قائمًا مقامه.
وتقول في المؤنّث منه على الوجه الأوّل: "هذه حاديةَ عَشْرَةَ إحْدَى عَشْرَةَ"، وعلى
стр. 1395
الوجه الثاني: "هذه حاديةُ إحدَى عشرَ" بالضمّ لا غيرُ، وعلى الوجه الثالث: "هذه حادية عشرَ" بالضمّ، والفتح على ما تقدّم.
وأمّا "حادي" فهو مقلوب من "واحد"، أُخّرت الفاء إلى موضع اللام، ثمّ قلبت الواو ياءً لتطرُّفها وانكسارِ ما قبلها، فصار وزنُها "عالِفًا"، وأصلها "فاعِلٌ" من الوحدة، وقد تقدّم نحوٌ من ذلك، فاعرفه.
فصل [إضافة اسم الفاعل المشتق من العدد]
قال صاحب الكتاب: وإذا أضفت اسم الفاعل المشتق من العدد؛ لم يخل من أن تضيفه إلى ما هو منه, كقوله تعالى: ﴿ثاني اثنين﴾ (١) , و ﴿ثالث ثلاثة﴾ (٢)، أو إلى ما هو دونه كقوله : ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ (٣)، وقوله: ﴿خمسة سادسهم﴾ (٤) , فهو في الأول بمعنى واحد من الجماعة المضاف هو إليها، وفي الثاني بمعنى جاعلها على العدد الذي هو منه, وهو من قولهم: "ربعتهم", و"خمستهم". فإذا جاوزت العشرة لم يكن إلا الوجه الأول، تقول: "هو حادي إحدى عشر"، و"ثاني اثني عشر"، و"ثالث ثلاثة عشر" إلى "تاسع تسعة عشر". ومنهم من يقول: "حادي عشر أحد عشر", و"ثالث عشر ثلاثة عشر".
* * *
قال الشارح: قد استعمل اسم الفاعل المشتق من العدد على معنيَيْن:
أحدهما: أن يكون المراد به واحدًا من جماعةٍ، والآخر أن يكون فاعلاً كسائر أسماء الفاعلين، فالأوّلُ، نحو: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾، و ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٥)، وقال : ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ (٦). فما كان من هذا الضرب فإضافته محضةٌ, لأن معناه أحدُ ثلاثة، وبعضُ ثلاثة، فكما أن إضافة هذا صحيحةٌ، فكذلك ما هو في معناه، ولا يجوز فيه أن يُنوَّن وينْصِبَ في قول أكثر النحويين، لأنّه ليس مأخوذًا من فعل عامل.
وأمّا الثانى: وهو ما يكون فاعلاً كسائر أسماء الفاعلين، نحوَ: "ثالثُ اثنَين"، و"رابعُ ثلاثة"، و"خامسُ أربعة"، فهذا غير الوجه الأوّل، إنّما معناه هو الذي جعل الاثنين ثلاثةً بنفسه، فمعناه الفعلُ، كأنّه قال: "الذي ثَلَثَهم، ورَبَعَهم، وخَمَسَهم"، وعلى هذا
стр. 1396
قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ (١)، ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ .... رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٢). وعلى هذا الوجه يجوز أن ينوّن وينصب ما بعده، فتقول: "هذا ثالثٌ اثنَيْن"، و"رابعٌ ثلاثةً"؛ لانَّه مأخوذ من "ثَلثَهم"، و"رَبَعَهُم" فهو بمنزلةِ: "هذا ضاربٌ زيدًا". والأوّلُ أكثرُ. قال سيبويه (٣): قَلَّ ما تريد العرب هذا، يعني: "خامسٌ أربعة"، فإن أضفته، فهو بمنزلة "ضارب زيد"، فتكون الإضافة غير محضة. هذا إذا أريد به الحال أو الاستقبال، فإن أُريد به الماضي، لم يجز فيه إلَّا حذفُ التنوين والإضافةُ، كما كان كذلك في قولك: "هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ".
فإذا تجاوزتَ "العشرة" على قياسِ من قال: "هذا رابعُ ثلاثة"، و"خامسُ أربعة"، ففيه خلافٌ: منهم من أجازه، فقال: "هذا خامسُ أربعةَ عشرَ" إذا كانوا رجالًا، و"هذه خامسةُ أربعَ عشرةَ" إذا كنّ نساء، فصرن بها خمسَ عشرةَ، ويَقيسون ذلك أجمعَ، وهو مذهب سيبويه (٤) والمتقدّمين من النحويين، وكان أبو الحسن الأخفش لا يرى ذلك، ويأباه، وهو رأيُ أبي عثمان المازنيّ، وأبي العبّاس المبرّد، وقد اختاره صاحب هذا الكتاب. وهو المذهب، وذلك لأنّك إذا قلت: "رابعُ ثلاثة"، فإنّما تُجْريه مجرى "ضارب" ونحوه من أسماء الفاعلين، ويكون المعنى: كانوا ثلاثةً فرَبَعَهم، ثمّ قلت منه: "رابعٌ". ولا يجوز أن تبني من اسمَيْن مختلفَي اللفظ، نحوِ: "خمسة"، و"عشرة" اسمَ فاعل؛ لأنّ الأصل "خامسَ عشرَ أربعةَ عشرَ"، فَاعرفه.
стр. 1397
ومن أصناف الاسم
المقصور والممدود
فصل [تعريف الاسم المقصور والاسم الممدود]
قال صاحب الكتاب: المقصور ما في أخره ألف نحو العصا والرحي, والممدود ما في آخره, همزة قبلها ألف كالرداء والكساء, وكلاهما منه ما طريق معرفته القياس، ومنه ما لا يعرف إلا بالسماع. فالقياسي طريق معرفته أن ينظر إلى نظيره من الصحيح, فإن انفتح ما قبل آخره فهو مقصور، وإن وقعت قبل آخره ألف فهو ممدود.
* * *
قال الشارح: المقصور والممدود ضربان من ضروب الأسماء المتمكّنة، إذ الأفعال والحروف لا يُقال فيهما مقصور ولا ممدود، وكذلك الأسماء غير المتمكنة، نحوُ: "مَا" و"ذَا"، فإنّه لا يُقال فيهما: "مقصور"، لعدم التمكّن، وشَبَهِ الحروف؛ فأمّا قولهم في "هؤلاء"، و"هؤلا": "ممدود، ومقصور"، فتسمّحٌ في العبارة، كأنّه لمّا تَقابل اللفظان فيهما، قالوا: "مقصور"، و"ممدود" مع ما في أسماء الإشارة من شبه الظاهر، من جهة وَصْفها، والوصف بها، وتصغيرها.
والمراد بالمقصور ما وقع في آخره ألفٌ، وقال بعضهم: "ما وقعت في آخره ألفٌ لفظًا"، واحترز بقوله: "لفظًا" عن مثل "رَشَإٍ"، و"خَطَإٍ"، فإنّ في آخر كلّ واحد منهما ألفًا، لكن في الخطّ وأمّا في اللفظ فهي همزةٌ. قال بعضهم: "ألفٌ ساكنةٌ"، ومن المعلوم أنّ الألف لا تكون إلا ساكنة لكن احترز عن الهمزة المتحرّكة، نحوِ ما ذكرناه من قولنا: "رشأ"، و"خطأ". وقال بعضهم: "ألفٌ مفردةٌ"، كأنّه احترز عن الممدود من نحو: "حَمْراءَ"، و"صَفْراءَ"، فإن في آخر هذا القبيل ألفَيْن، إحداهما للتأنيث زائدة بمنزلتها في "سَكرَى"، والأخرى قبلها للمدّ.
وهذا كله لا حاجة إليه لأن قولنا: "ألفٌ" كافٍ في تعريف المقصور, لأن مثل
стр. 1398
"خطإ" و"حمراء" ليس آخِرُهما ألفًا، إنما هي همزة، وليس الاعتبارُ بالخطّ، إنّما الاعتبار باللفظ.
وهذه الألف التي تقع آخِرًا على ضربين: تكون منقلبة، وزائدة ولا تكون أصلاً ألبتّة في اسم متمكّن. فأمّا المنقلبة فلا يخلو انقلابها من أن يكون من واو، أو ياء، وقد جاءت منقلبة عن همزة، وذلك قولهم: "أيْدِي سَبَا"، و"أيَادِي سَبَا".
فأمّا المنقلبة عن الواو والياء، فنحو: "رَجًا"، و"قفًى"، و"فتًى"، و"رحًى"؛ فـ"رجًا"، و"قفًا"، من الواو لقولهم في التثنية: "رَجَوان"، و"قَفَوان". و"الرَّجا" واحد أرْجاءِ البِئْرِ؛ و"فَتًى"، وَ"رَحًى" من الياء، لقولهم: "فتَيان"، وَ"رَحَيان". وإنّما قُلبا ألفَيْن لتحرّكهما وانفتاح ما قبلهما.
وأمّا المزيدة، فتأتي على ثلاثة أضرب: أحدُها: أن تأتي ملحقة، والآخر: أن تأتي للتأنيث، والثالث: أن تكون زائدة لغير إلحاق ولا تأنيث بل لتكثير الكلمة، وتوفيرِ لفظها من غير إرادة إلحاق. فمثالُ الملحقة "أرْطى"، و"مِعْزى". والمراد بالإلحاق أن تزيد على الكلمة حرفًا زائدًا ليس من أصل البناء؛ لتبلغ بناءً من أبنية الأُصول أزْيَدَ منها، وذلك كزيادتهم الياءَ في "حَيْدَرٍ"، وكزيادتهم الواو في "حَوْقَلٍ"، والنون في "رَعْشَنٍ". ولا تكون الألف للإلحاق إلَّا في آخر الأسماء، فـ"أرْطى" ملحقٌ بالألف في آخره بوزن "جَعْفَرٍ"، و"مِعْزى" ملحق بوزن "دِرْهَمٍ". والذي يدل أن الألف هنا للإلحاق لا للتأنيث تنوينُها، ولحاقُ الهاء بها في قولهم: "أرْطاةٌ"، و"مِعْزاةٌ".
وأمّا زيادتها للتأنيث، فكل ما لم ينوّن، نحوُ: "حُبْلَى"، و"جُمادَى"، فهذه وما يجري مجراها للتأنيث، ولذلك لم تنوّن، ولم تدخل عليها تاء التأنيث.
وزيادتها لغير إلحاق، ولا تأنيث، فنحوُها في "قَبَعْثَرى" (١) و"كُمَّثْرى" (٢)، فليست هذه الألف للتأنيث لأنّها منوّنة، ولا للإلحاق لأنّه ليس لنا أصل سُداسيّ، فيكونَ ملحقًا به. فإذا وقعت ألفٌ من هذه الألفات في آخر الاسم المتمكّن؛ سمّي مقصورًا، ولم يدخله لفظُ رفع ولا نصب ولا جرٍّ، بل يكون في الأحوال الثلاث بلفظ واحد، ولا يدخله تنوين إذا كانت الألف للتأنيث، نحوَ: "حُبْلَى"، و"سَكرَى"، ويدخله إذا كانت غير تأنيث، نحو: "أرْطى"، و"كُمَّثْرَى".
وإنّما سمّي هذا الضرب مقصورًا لأحد أمرَيْن، وهو إمّا أن يكون من القَصْر، وهو الحَبْس من قوله : ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ (٣). ومنه قول الشاعر [من الخفيف]:
стр. 1399
٨٦٣ - قد قصَرْنا السناءَ بَعدُ عَليهِ ... [وهْو للذَّودِ أن يُقَسَّمنَ جارُ]
ومنه قول الآخر [من الطويل]:
٨٦٤ - وأنتِ التي حبّبتِ كل قَصِيَرةٍ ... إلىّ وإن لم تَدرِ ذاك القصائرُ
عَنَيْتُ قصيراتِ الحِجالِ ولم أُرِدْ ... قِصارَ الخُطَى شَرُّ النساء البَحاتِرُ
стр. 1400
أو يكون من "قَصَرْتُه"، أي: نقصته من قَصْر الصلاة من قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (١)، أي: تنقُصوا من عدد رَكَعاتها، أو هَيْأتها، وإن كانا يؤولان إلى أصل واحد. ألا ترى أن قصر الصلاة إنما هو حبسُها عن التمام في الأفعال، وذلك أن الاسم المقصور كأنه حُبس عما استحقه من الإعراب، أو نقص عن الممدود الذي هو أزْيَدُ لفظًا؟
وأما الممدود، فكل اسم وقعت في آخره همزة قبلها ألف، وقد احتاط بعضهم، فقال: كل اسم وقعت في آخره همزة قبلها ألف زائدة، وذلك قَيْدٌ زائدٌ في الحقيقة، فإنّ الألف التي تكون قبل الهمزة في الممدود على ضربين: أحدهما أن تكون منقلبة عن واو أو ياء، وهو عين، والآخر أن تكون زائدة غير منقلبة. فالأول - وهو قليل- قولهم: "ماءٌ"، و"شاءٌ"، و"آءٌ"، و"راءٌ"، لضربَين من النبت، الواحدةُ "آءةٌ"، و"راءَةٌ". وقال بعضهم في "رُؤْيَةٍ": "رَاءَةٌ". فهذا أجرى الألف الأصلية مجرى الزائدة، فقلب الياءَ بعدها همزة، كما قلب في "رِدَاءٍ" لاجتماعهما في أنّهما ليسا من الأصل.
وأما كونها زائدة -وهو الأكثر- فهو على ثلاثة أضرب، منه ما همزته أصليّة، نحوُ: "قِثّاءٍ"، و"حِناءٍ"، و"قُرَّاءٍ" الهمزة في هذه ونحوها أصل، والألف قبلها زائدة، لقولهم: "أقْثَأتِ الأرضُ"، و"أرضٌ مَقْثَأةٌ، ومَقْثُؤَةٌ" إذا كثُر القُثاء فيها، وقولهِم: "حَنَّأْتُ يَدِي"، و"قرأتُ القُرْآن". ومنه ما همزته منقلبة، وذلك على ضربين: أحدهما أن تكون منقلبة عن حرف أصلي، فالهمزةُ في "كِساء" بدل من الواو؛ لأنّه من "الكُسْوة"، وهي في "رِداء" من الياء لقولهم: "هو حسن الردْيَةِ". والثاني: أن تكون منقلبة عن زائدة (٢)، وهو على ضربين: منصرف، وغير منصرف، فالمنصرف: ما كانت همزته للإلحاق، نحوُ: "حِرْباءٍ"، و"زِيزاءٍ"، وهذا ونحوه ملحق بـ"سِرداح"، و"شِمْلالٍ"، وأصلُ الهمزة فيه الياء. ألا ترى أنهم لما أنثوا نحوَ هذا بالهاء؛ ظهرت الياء التي هي الأصل. وغير المنصرف نحو: "حَمْراءَ"، و"صَفْراءَ"، وبابه الهمزة فيه بدل من ألف التأنيث في نحو"حُبْلَى"، و"عَطْشَى".
والمراد ههنا معرفةُ الممدود والمقصور، والفرقِ بينهما، دون أحكامهما في الإعراب. وذلك على ضربين: ضرب منه يُدرَك قياسًا، وضرب منه يدرك سَماعًا، فأما الذي يدرك قياسًا فهو ما له نظير من الصحيح يُعتبر به.
فإن كان قبل آخره ألف زائدة، كان في المعتل ممدودًا. وإن كان قبل آخره فتحةٌ. كان
стр. 1401
في المعتلّ مقصورًا. مثالُ ذلك أنك تقول: "أعْطَى إعطاءً"، و"زيدٌ مُعْطًى"، فتمد المقصور، لأن نظيره من الصحيح "أحْسَنَ إحسانًا" وتقصر المفعول؛ لأن نظيره من الصحيح "مُحْسَنٌ إليه"، فهذا وأشباهه هو الأصل المعتمَدُ عليه، وما لم يكن له نظيرٌ، فهو من باب المسموع.
فصل [الأسماء المقصورة]
قال صاحب الكتاب: فأسماء المفاعيل مما اعتل آخره من الثلاثي المزيد فيه والرباعي, نحو معطى ومشترى ومستلقى, مقصورات لكون نظائرهن مفتوحات ما قبل الأواخر, كمخرج ومشترك ومدحرج، ومن ذلك نحو مغزى وملهى كقولك مخرج ومدخل، ونحو العشا والصدى والطوى؛ لأن نظائرها الحول والفرق والعطش.
* * *
قال الشارح: إنما قدم الكلامَ على المقصور من حيث كان أصلاً، والممدود فرعٌ، ولذلك يجوز قصر الممدود في الشعر، ولا يجوز مد المقصور عندنا, لأن في قصر الممدود حذفَ زائدٍ وردًّا إلى أصله، وليس في مد المقصور ردٌّ إلى أصل. فمما يُعرَف به المقصور من جهة القياس ما كان من أسماء المفعول الذي زاد فعلُه على ثلاثة أحرف، وكان اللام منه ياء أو واوًا، وذلك، نحو: "مُعْطًى"، و"مُرْسًى" فهذا نظير "مُكْرَم"، و"مُخْرَجٍ"، فكما أن الراء من "مكرم" تلي الميم التي هي أخِرُ الكلمة، ولامُ الفعل، كَذا السين من "مُرْسى" تلي آخر الكلمة، وهي في موضعِ حركة، وقبلها فتحة، فتُقلَب ألفًا، ومثل ذلك قولهم: "جَعْبَيْتُه"، و"سَلْقَيْتُه"، فهو"مُجَعْبَى"، و"مُسَلْقًى"، فكما أن "جعبيتُه" بمنزلة "دَحْرَجْتُه"،، فكذلك "مُسَلْقي" بمنزلة "مُدَحْرَج".
ومن ذلك أسماء الزمان والمكان والمصادر، نحو: "المَغْنَى"، و"المَغْزَى"، و"المَلْهى"، و"المَرْمَى"، و"المَرْسَى"، فهذا بمنزلة "المَذْهَب"، و"المَدْخَل"، و"المَضْرَب"، ولفظُ المكان والمصدرِ ممّا كان ماضيه على أربعة أحرف كلفظ المفعول به، وذلك نحو: "أرْسَى الله الجَبَلَ فهو مُرْسًى"، كقولك: "دحرجتُ الحجر فهو مُدَحْرَجٌ"، وقوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (١) وهما مصدران بمنزلة "إجرائها"، و"إرسائها".
ومن ذلك ما كان مصدرًا لـ"فَعِلَ يَفعَلُ" والحرف الثالث منه ياءٌ أو واوٌ، واسمُ الفاعل منه على "فَعِل"، أو "أفْعَلَ"، أو"فَعْلانَ" وذلك نحو: "العَشَا"، و"الصَّدَى"،
стр. 1402
و"الطوَى"، فـ "العشا" مصدرُ "عَشِيَ يَعْشَى عَشا فهو أعْشَى"، وهو الذي لا يُبصِر في الليل، ويبصر في النهار، و"الصَّدَى" مصدر "صَديَ يَصْدَى صدًا، فهو صَدٍ، وصادٍ"، إذا عطش، و"الطوَى" مصدر "طَوى يَطوَى طَوًى فهو طَيّانٌ"، إذا جاع. قال [من الكامل]:
٨٦٥ - باتَ الحُوَيْرِثُ والكِلابُ تَشُمُّهُ ... وغَدَا بأسْمَرَ كالهِلال من الطَّوَى
ومثله "الغَوَى" مصدر "غَوِيَ الفصيلُ يغوي غَوى"، و"كَرى" و"هَوى"، فهذه المصادركـ"الكَسَل" في مصدر "كَسِلَ كَسَلًا فهو كَسِلٌ"، و"الفَرَق" في مصدر "فَرِقَ فَرَقًا فهو فَرِقٌ" و"عَطِشَ عَطَشًا"، و"حَوِلَ حَوَلًا".
والمراد بقوله: "لكون نظائرهن مفتوحاتِ ما قبل الأواخر" يريد أن يكون الفعل على عدة أفعال هذه المصادر ووِزانها، فكما أنَّ "الفَرَق" ونحوها على ثلاثة أحرف، كلُّهما أُصول، فكذلك "الكرى"، و"الطوى"، ونحوهما ممّا ذكر على هذه العدة والزنة، إلَّا أنّه يقع الحرف الثالث الذي هو ياءٌ أو واوٌ في موضعِ حركة، وقبلها فتحة، فتنقلب ألفًا.
* * *
قال صاحب الكتاب: "والغراءُ" في مصدر "غري فهو غرٍ" شاذ، هكذا أثبته سيبويه (١)، وعن الفراء مثله، والأصمعي يقصره. ومن ذلك جمع "فُعلَةَ" و"فِعلَةَ" , نحو: عري وجزي في عروة وجزية.
* * *
قال الشارح: قالوا: "غَرِيَ بالشيء يَغْرَى به" إذا أُولِعَ به، فهو"غَرٍ غَرًا وغَراءً"،
стр. 1403
مقصور وممدود. فأما "الغَراء" فممدود، فهو شاذ بمنزلة "الظَّماء" من قولهم: "سنة ظَمْياءُ"، بينةُ الظَّماء، جاء على "فَعالٍ" بمنزلة "الذهاب" و"البَداء"، والقياس فيهما القصر على حد نظائرهما. هكذا نقله سيبويه ممدودًا، وعليه الفراء، وخالف في ذلك الأصمعى، ورواه مقصورًا. والقياسُ مع الأصمعي مع الرواية, فأمّا قول كُثَيرٍ [من الطويل]:
٨٦٦ - إذا قيل مَهْلًا فاضتِ العَيْنُ بالبُكا ... غِراءً ومَدَّتْها مَدامِعُ نُهَّلُ
بكسر الغين، كأنّه جعله مصدر "غَارَى، يُغارِي غِراءً"، وهو "فَاعَلَ"، ومصدرُ "فَاعَلَ" يأتي على "فِعَالٍ"، مثلَ: "رَامَى يُرامِي رِماءً"، ومثله من الصحيح: "قاتَلَ قِتالًا".
ومما يُعرَف به المقصور أن يكون جمعًا، وواحدُه على "فُعْلَةَ" مضمومَ الأول، أو "فِعْلَةَ" مكسور الأول، فإنّه إذا كان على هذا البناء، وأُريد جمعه على التكسير؛ فما كان منه على "فُعْلَةَ"، فإنّ جمعه على "فُعَلٍ" وما كان على "فِعْلَةَ" بالكسر؛ فجمعُه على "فِعَلٍ"، نحوِ: "عُرْوَةٍ"، و"عُرى"، و"جِزْيَةٍ"، و"جِزى"؛ لأن نظيرهما من الصحيح "ظُلْمَة"، و"ظُلَمٌ"، و"كِسْرَةٌ"، و"كِسَر"، ولذلك كان نظيرُهما من المعتل مقصورًا؛ لأنّه لمّّا كان آخِرُه حرف علة وقبله فتحة، انْقَلَبَ ألفًا، فاعرفه.
فصل [الأسماء الممدودة]
قال صاحب الكتاب: والإعطاء والرماء والاشتراء والاحبنطاء وما شاكلهن من المصادر ممدودات؛ لوقوع الألف قبل الأواخر في نظائرهن الصحاح,
стр. 1404
كقولك: "الإكرام", و"الطلاب", و"الافتتاح", و"الاحرنجام".
* * *
قال الشارح: ومما يُعلَم أنه ممدود من جهة القياس ما وقعت ياؤه أو واوُه طرفًا بعد ألف زائدة، وذلك نحو: "الإعطاء"، و"الرِّماء"، فـ "الإعطاء" مصدر "أَعْطَيْتُ"، و"الرِّماء" مصدر "رَامَيْتُ"، و"أعطيت" بمنزلة "أَكْرَمْت"، و"راميت" بمنزلة "طالبت"، فكما تقول في مصدر الصحيح: "الإكرام"، و"الطلاب"، فتقع الميم من "الإكرام" والباء من "الطلاب" طرفًا بعد ألف زائدة، كذلك تقع الياء التي هي لام الكلمة في "أعطيت"، و"راميت" بعد ألف زائدة، فتنقلب همزة، وكذلك "الاشتراء"، و"الارتماء", لأنّهما بمنزلة "احتقار"، و"افتتاح". ومن ذلك "الاحبِنْطاء"، و"الاسلِنْقاء"؛ لانّهما بمنزلة "الاحرنجام".
* * *
قال صاحب الكتاب: وكذلك العواء والثغاء والرغاء وما كان صوتاً كقولك النباح والصراخ والصياح. وقال الخليل (١): مدوا البكاء على ذا، والذين قصروه جعلوه كالحزن والعلاج كالصوت نحو النزاء ونظيره القماص. ومن ذلك ما جمع على أَفعِلَةَ نحو قباء وأقبية وكساء وأكسية، كقولك قذال وأقذلة وحمار وأحمرة وقوله [من البسيط]:
٨٦٧ - في ليلة من جمادى ذات أندية ... [لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا]
في الشذوذ كأنجدة في جمع نجد.
стр. 1405
قال الشارح: وممّا يُعلَم به أنّه ممدود أن تجد المصدرَ مضمومَ الأول، ويكون للصوت، نحو: "العُواء" وهو مصدر "عَوَى الكلبُ عُواءً"، و"الثُّغاء" وهو صوت الشاء والمَعْز، يقال: "ثَغَت تَثغُو ثُغاءً" إذا صاحت، و"الدُّعاء" مصدر "دَعَا يَدْعُو دُعاءً". ومنه "الرُّغاء"، وهو صوت ذات الخُفّ، يقال: "رَغَا البعير يَرْغُو رغاءً"، إذا ضجّ. و"الزُّقاء"، وهو الصُّياح، وقياسُه من الصحيح "الصُّراخ"، و"النباح" و"البُغام"، و"الضباح"، وهو كثير.
و"البُكاء" يُمَد ويُقصَر، فمن مدّه ذهب به مذهبَ الأصوات، ومن قصر جعله كالحَزَن، ولم يذهب به مذهب الصوت، وقياسُ القصر ضعيف, لأنه لم يأت من المصادر على "فُعَلٍ" إلا "الهُدَى"، و"السُّرَى". ويكون العلاج كذلك، نحو: "النزاء"؛ لأن نظيره "القُماص"، والنُّزاء كالوُثُوب، و"القُماص" من "قَمَصَ البعير"، وهو كالجَمْز.
ومما يعلم به أن واحده ممدود، ما كان في الجمعِ على مثال " أَفْعِلَةَ"، نحو: "قَباءٍ"، و"أقبِيَةٍ"، و"رِشاءٍ"، و"أَرْشِيَةٍ"، كما أن واحد "الأقْذِلَةِ" "قَذالٌ"، فدل "أَفعِلَةُ" على مدّ الواحد؛ لأن "أفعلة" إنّما هو جمع "فَعالٍ" أو"فِعالٍ"، أو"فُعالٍ"، كقولك: "قَذالٌ"، و"أَقْذِلَةٌ"، و"حِمارٌ"، و"أَحْمِرَةٌ"، و"غُرابٌ"، و"أَغرِبَةٌ".
فأما "نَدَى"، و"أَنْدِيَة" فشاذ فيما ذكره سيبويه (١)، كأنهم جمعوا ما لم يُستعمل واحده، كما أن "حَرائِرَ"، و"كَنائِنَ"، في جمع "حُرَّةٍ"، و"كَنَّةٍ" كذلك. ومثله "مَلامِحُ"، و"مَشابِهُ"، و"مَذاكِيرُ". وقيل: إنّهم نزلوا الفتحة منزلة الألف، فصار "نداء" كـ"قَذال"، فجمعوه جمعه، كما نزّلوا الألف في "كِساءٍ"، و"رِداءٍ" منزلة الفتحة، فأعلّوا الواو والياء ألفَين، كما يفعلون في "باب"، و"ناب". وقال بعضهم: جُمع "نَدى" على "نِداء" كما قالوا: "جَمَلٌ"، و"جِمالٌ"، و"جَبَلٌ"، و"جِبالٌ"، ثم جمع "فِعالٌ"، على "أَفعِلَةَ"، فيكون "أندية" جمعَ جمع. وقول صاحب الكتاب هو في الشذوذ كـ"أَنْجِدَةٍ" في جمع "نَجْدٍ"، والنجد ما ارتفع من الأرض. ومنه قوله [من البسيط]:
٨٦٨ - يَغْدُو أمامَهُمُ في كل مَرْبَأَةٍ ... طَلاعُ أَنْجِدَةِ في كَشْحِهِ هَضَمُ