في المعتلّ مقصورًا. مثالُ ذلك أنك تقول: "أعْطَى إعطاءً"، و"زيدٌ مُعْطًى"، فتمد المقصور، لأن نظيره من الصحيح "أحْسَنَ إحسانًا" وتقصر المفعول؛ لأن نظيره من الصحيح "مُحْسَنٌ إليه"، فهذا وأشباهه هو الأصل المعتمَدُ عليه، وما لم يكن له نظيرٌ، فهو من باب المسموع.
فصل [الأسماء المقصورة]
قال صاحب الكتاب: فأسماء المفاعيل مما اعتل آخره من الثلاثي المزيد فيه والرباعي, نحو معطى ومشترى ومستلقى, مقصورات لكون نظائرهن مفتوحات ما قبل الأواخر, كمخرج ومشترك ومدحرج، ومن ذلك نحو مغزى وملهى كقولك مخرج ومدخل، ونحو العشا والصدى والطوى؛ لأن نظائرها الحول والفرق والعطش.
* * *
قال الشارح: إنما قدم الكلامَ على المقصور من حيث كان أصلاً، والممدود فرعٌ، ولذلك يجوز قصر الممدود في الشعر، ولا يجوز مد المقصور عندنا, لأن في قصر الممدود حذفَ زائدٍ وردًّا إلى أصله، وليس في مد المقصور ردٌّ إلى أصل. فمما يُعرَف به المقصور من جهة القياس ما كان من أسماء المفعول الذي زاد فعلُه على ثلاثة أحرف، وكان اللام منه ياء أو واوًا، وذلك، نحو: "مُعْطًى"، و"مُرْسًى" فهذا نظير "مُكْرَم"، و"مُخْرَجٍ"، فكما أن الراء من "مكرم" تلي الميم التي هي أخِرُ الكلمة، ولامُ الفعل، كَذا السين من "مُرْسى" تلي آخر الكلمة، وهي في موضعِ حركة، وقبلها فتحة، فتُقلَب ألفًا، ومثل ذلك قولهم: "جَعْبَيْتُه"، و"سَلْقَيْتُه"، فهو"مُجَعْبَى"، و"مُسَلْقًى"، فكما أن "جعبيتُه" بمنزلة "دَحْرَجْتُه"،، فكذلك "مُسَلْقي" بمنزلة "مُدَحْرَج".
ومن ذلك أسماء الزمان والمكان والمصادر، نحو: "المَغْنَى"، و"المَغْزَى"، و"المَلْهى"، و"المَرْمَى"، و"المَرْسَى"، فهذا بمنزلة "المَذْهَب"، و"المَدْخَل"، و"المَضْرَب"، ولفظُ المكان والمصدرِ ممّا كان ماضيه على أربعة أحرف كلفظ المفعول به، وذلك نحو: "أرْسَى الله الجَبَلَ فهو مُرْسًى"، كقولك: "دحرجتُ الحجر فهو مُدَحْرَجٌ"، وقوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (١) وهما مصدران بمنزلة "إجرائها"، و"إرسائها".
ومن ذلك ما كان مصدرًا لـ"فَعِلَ يَفعَلُ" والحرف الثالث منه ياءٌ أو واوٌ، واسمُ الفاعل منه على "فَعِل"، أو "أفْعَلَ"، أو"فَعْلانَ" وذلك نحو: "العَشَا"، و"الصَّدَى"،
стр. 1402
و"الطوَى"، فـ "العشا" مصدرُ "عَشِيَ يَعْشَى عَشا فهو أعْشَى"، وهو الذي لا يُبصِر في الليل، ويبصر في النهار، و"الصَّدَى" مصدر "صَديَ يَصْدَى صدًا، فهو صَدٍ، وصادٍ"، إذا عطش، و"الطوَى" مصدر "طَوى يَطوَى طَوًى فهو طَيّانٌ"، إذا جاع. قال [من الكامل]:
٨٦٥ - باتَ الحُوَيْرِثُ والكِلابُ تَشُمُّهُ ... وغَدَا بأسْمَرَ كالهِلال من الطَّوَى
ومثله "الغَوَى" مصدر "غَوِيَ الفصيلُ يغوي غَوى"، و"كَرى" و"هَوى"، فهذه المصادركـ"الكَسَل" في مصدر "كَسِلَ كَسَلًا فهو كَسِلٌ"، و"الفَرَق" في مصدر "فَرِقَ فَرَقًا فهو فَرِقٌ" و"عَطِشَ عَطَشًا"، و"حَوِلَ حَوَلًا".
والمراد بقوله: "لكون نظائرهن مفتوحاتِ ما قبل الأواخر" يريد أن يكون الفعل على عدة أفعال هذه المصادر ووِزانها، فكما أنَّ "الفَرَق" ونحوها على ثلاثة أحرف، كلُّهما أُصول، فكذلك "الكرى"، و"الطوى"، ونحوهما ممّا ذكر على هذه العدة والزنة، إلَّا أنّه يقع الحرف الثالث الذي هو ياءٌ أو واوٌ في موضعِ حركة، وقبلها فتحة، فتنقلب ألفًا.
* * *
قال صاحب الكتاب: "والغراءُ" في مصدر "غري فهو غرٍ" شاذ، هكذا أثبته سيبويه (١)، وعن الفراء مثله، والأصمعي يقصره. ومن ذلك جمع "فُعلَةَ" و"فِعلَةَ" , نحو: عري وجزي في عروة وجزية.
* * *
قال الشارح: قالوا: "غَرِيَ بالشيء يَغْرَى به" إذا أُولِعَ به، فهو"غَرٍ غَرًا وغَراءً"،
стр. 1403
مقصور وممدود. فأما "الغَراء" فممدود، فهو شاذ بمنزلة "الظَّماء" من قولهم: "سنة ظَمْياءُ"، بينةُ الظَّماء، جاء على "فَعالٍ" بمنزلة "الذهاب" و"البَداء"، والقياس فيهما القصر على حد نظائرهما. هكذا نقله سيبويه ممدودًا، وعليه الفراء، وخالف في ذلك الأصمعى، ورواه مقصورًا. والقياسُ مع الأصمعي مع الرواية, فأمّا قول كُثَيرٍ [من الطويل]:
٨٦٦ - إذا قيل مَهْلًا فاضتِ العَيْنُ بالبُكا ... غِراءً ومَدَّتْها مَدامِعُ نُهَّلُ
بكسر الغين، كأنّه جعله مصدر "غَارَى، يُغارِي غِراءً"، وهو "فَاعَلَ"، ومصدرُ "فَاعَلَ" يأتي على "فِعَالٍ"، مثلَ: "رَامَى يُرامِي رِماءً"، ومثله من الصحيح: "قاتَلَ قِتالًا".
ومما يُعرَف به المقصور أن يكون جمعًا، وواحدُه على "فُعْلَةَ" مضمومَ الأول، أو "فِعْلَةَ" مكسور الأول، فإنّه إذا كان على هذا البناء، وأُريد جمعه على التكسير؛ فما كان منه على "فُعْلَةَ"، فإنّ جمعه على "فُعَلٍ" وما كان على "فِعْلَةَ" بالكسر؛ فجمعُه على "فِعَلٍ"، نحوِ: "عُرْوَةٍ"، و"عُرى"، و"جِزْيَةٍ"، و"جِزى"؛ لأن نظيرهما من الصحيح "ظُلْمَة"، و"ظُلَمٌ"، و"كِسْرَةٌ"، و"كِسَر"، ولذلك كان نظيرُهما من المعتل مقصورًا؛ لأنّه لمّّا كان آخِرُه حرف علة وقبله فتحة، انْقَلَبَ ألفًا، فاعرفه.
فصل [الأسماء الممدودة]
قال صاحب الكتاب: والإعطاء والرماء والاشتراء والاحبنطاء وما شاكلهن من المصادر ممدودات؛ لوقوع الألف قبل الأواخر في نظائرهن الصحاح,
стр. 1404
كقولك: "الإكرام", و"الطلاب", و"الافتتاح", و"الاحرنجام".
* * *
قال الشارح: ومما يُعلَم أنه ممدود من جهة القياس ما وقعت ياؤه أو واوُه طرفًا بعد ألف زائدة، وذلك نحو: "الإعطاء"، و"الرِّماء"، فـ "الإعطاء" مصدر "أَعْطَيْتُ"، و"الرِّماء" مصدر "رَامَيْتُ"، و"أعطيت" بمنزلة "أَكْرَمْت"، و"راميت" بمنزلة "طالبت"، فكما تقول في مصدر الصحيح: "الإكرام"، و"الطلاب"، فتقع الميم من "الإكرام" والباء من "الطلاب" طرفًا بعد ألف زائدة، كذلك تقع الياء التي هي لام الكلمة في "أعطيت"، و"راميت" بعد ألف زائدة، فتنقلب همزة، وكذلك "الاشتراء"، و"الارتماء", لأنّهما بمنزلة "احتقار"، و"افتتاح". ومن ذلك "الاحبِنْطاء"، و"الاسلِنْقاء"؛ لانّهما بمنزلة "الاحرنجام".
* * *
قال صاحب الكتاب: وكذلك العواء والثغاء والرغاء وما كان صوتاً كقولك النباح والصراخ والصياح. وقال الخليل (١): مدوا البكاء على ذا، والذين قصروه جعلوه كالحزن والعلاج كالصوت نحو النزاء ونظيره القماص. ومن ذلك ما جمع على أَفعِلَةَ نحو قباء وأقبية وكساء وأكسية، كقولك قذال وأقذلة وحمار وأحمرة وقوله [من البسيط]:
٨٦٧ - في ليلة من جمادى ذات أندية ... [لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا]
في الشذوذ كأنجدة في جمع نجد.
стр. 1405
قال الشارح: وممّا يُعلَم به أنّه ممدود أن تجد المصدرَ مضمومَ الأول، ويكون للصوت، نحو: "العُواء" وهو مصدر "عَوَى الكلبُ عُواءً"، و"الثُّغاء" وهو صوت الشاء والمَعْز، يقال: "ثَغَت تَثغُو ثُغاءً" إذا صاحت، و"الدُّعاء" مصدر "دَعَا يَدْعُو دُعاءً". ومنه "الرُّغاء"، وهو صوت ذات الخُفّ، يقال: "رَغَا البعير يَرْغُو رغاءً"، إذا ضجّ. و"الزُّقاء"، وهو الصُّياح، وقياسُه من الصحيح "الصُّراخ"، و"النباح" و"البُغام"، و"الضباح"، وهو كثير.
و"البُكاء" يُمَد ويُقصَر، فمن مدّه ذهب به مذهبَ الأصوات، ومن قصر جعله كالحَزَن، ولم يذهب به مذهب الصوت، وقياسُ القصر ضعيف, لأنه لم يأت من المصادر على "فُعَلٍ" إلا "الهُدَى"، و"السُّرَى". ويكون العلاج كذلك، نحو: "النزاء"؛ لأن نظيره "القُماص"، والنُّزاء كالوُثُوب، و"القُماص" من "قَمَصَ البعير"، وهو كالجَمْز.
ومما يعلم به أن واحده ممدود، ما كان في الجمعِ على مثال " أَفْعِلَةَ"، نحو: "قَباءٍ"، و"أقبِيَةٍ"، و"رِشاءٍ"، و"أَرْشِيَةٍ"، كما أن واحد "الأقْذِلَةِ" "قَذالٌ"، فدل "أَفعِلَةُ" على مدّ الواحد؛ لأن "أفعلة" إنّما هو جمع "فَعالٍ" أو"فِعالٍ"، أو"فُعالٍ"، كقولك: "قَذالٌ"، و"أَقْذِلَةٌ"، و"حِمارٌ"، و"أَحْمِرَةٌ"، و"غُرابٌ"، و"أَغرِبَةٌ".
فأما "نَدَى"، و"أَنْدِيَة" فشاذ فيما ذكره سيبويه (١)، كأنهم جمعوا ما لم يُستعمل واحده، كما أن "حَرائِرَ"، و"كَنائِنَ"، في جمع "حُرَّةٍ"، و"كَنَّةٍ" كذلك. ومثله "مَلامِحُ"، و"مَشابِهُ"، و"مَذاكِيرُ". وقيل: إنّهم نزلوا الفتحة منزلة الألف، فصار "نداء" كـ"قَذال"، فجمعوه جمعه، كما نزّلوا الألف في "كِساءٍ"، و"رِداءٍ" منزلة الفتحة، فأعلّوا الواو والياء ألفَين، كما يفعلون في "باب"، و"ناب". وقال بعضهم: جُمع "نَدى" على "نِداء" كما قالوا: "جَمَلٌ"، و"جِمالٌ"، و"جَبَلٌ"، و"جِبالٌ"، ثم جمع "فِعالٌ"، على "أَفعِلَةَ"، فيكون "أندية" جمعَ جمع. وقول صاحب الكتاب هو في الشذوذ كـ"أَنْجِدَةٍ" في جمع "نَجْدٍ"، والنجد ما ارتفع من الأرض. ومنه قوله [من البسيط]:
٨٦٨ - يَغْدُو أمامَهُمُ في كل مَرْبَأَةٍ ... طَلاعُ أَنْجِدَةِ في كَشْحِهِ هَضَمُ
стр. 1406
فقال بعضهم: هو من الجموع الشاذة التي جاءت على غير لفظ الواحد، وقال بعضهم: جُمع "نَجْدٌ" على "نُجُودٍ"، ثمّ جمع الجمع على "أَنْجِدَةٍ" نحو: "عُمُودٍ"، و"أَعْمِدَةٍ". فأمّا البيت الذي أنشده، وهو [من البسيط]:
في ليلة من جمادى ... الخ
وقبله:
يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومي غيرَ صاغِرَةٍ ... ضُمي إليكِ رِحالَ القَوْمِ والقُرُبَا
الشعر لمُرَّةَ بن مَحْكانَ التميمي من شعراء الحَماسة، والشاهد فيه جمع "نَدى"، على "أندية"، يصف إكرامه الضيفَ وأمْرَه مَن عنده بالقيام بأمر الضيف، وإحراز رحالهم ومتاعِهم. والقِرابُ: وعاءٌ يكون فيه السيف بغِلافه وحمائله. ويصف بَرْدَ تلك الليلة، وخص "جمادى" لأن الشتاء عندهم "جُمادَى"، لجمود الماء فيه. وفي درعيّات أبي العلاء [من الطويل]:
٨٦٩ - كمُغْتَسِل أعْلَى جُمادَى ببارِدِ ... [وماسجلُ ماءٍ حين يفرغ سَائحُ]
стр. 1407
ومن الممدود ما كان جمعًا لِـ"فَعْلَةَ"، و"فِعْلَةَ"، و"فُعْلَةَ". قالوا: "صَعْوَة"، و"صِعاءٌ" بالمدّ، والصعوةُ: طائر صغير، ويجمع على "صَعْو"، و"صِعاءٍ"، وقالوا: "رِكْوَةٌ"، و"رِكاءٌ" وهي التي للماء، وفي المثل: "صارت القَوْسُ رَكْوَة" (١). وروى أبو إسحاق الزيادّي أن أبا الحسن كان يقول في "كُوَّةٍ"، وهي ثَقْبٌ في البيت: "كُوَى" بالقصر. قال: وهو شاذ كـ "بَدْرَةٍ" و"بِدَرٍ".
وقالوا: "كِواءٌ" أيضًا بالمد بمنزلة "قَصعَة"، و"قِصاع". فكما أن العين التي هي لامٌ في "قصعة" واقعةٌ بعد ألف، كذلك الواو والياء إذا وقعتا بعد مدّة الألف، انقلبتا همزة، فصارت الكلمة ممدودة، ومثل ذلك: "لَهاةٌ"، و"لِهَاءٌ"، واللهاة: الهَنَة المُطْبِقة في أقصى الفم، يقال: "لَهاةٌ"، و"لَهاءٌ"، كـ"أضاة"، و"أضاء"، و"لِهاءٌ" كـ"رَقَبَةٍ"، و"رِقاب". وقيل: "اللِّهاء" بالمدّ جمع "لَهاءٍ" كـ"أضاءٍ"، و"إضاءٍ". قال الشاعر [من الرجز]:
٨٧٠ - يالك مِن تَمْرٍ ومِن شِيشاءِ ... يَنشَبُ في المَسْعَل واللَّهاءِ
وقيل: القياس "لَهَى" مقصورًا، والمدُّ ضرورة، ذكره الجَوْهري. فاعرفه.
стр. 1408
فصل [المقصور والممدود السماعىّ]
قال صاحب الكتاب: وأما السماعي, فنحو: "الرَّجا" و"الرحي" و"الخفاء" و"الإباء", وما أشبه ذلك مما ليس فيه إلى القياس سبيلٌ.
قال الشارح: قد تقدّم الكلام على ما يُعلَم قصره ومدّه من جهة القياس؛ وأمّا ما يعلم من جهة السَّماع، ولا يعلم بالمَقاييس، فنحو: "الرَّجَا"، و"الرَّحَى"، و"الطَّوَى"، و"النَّوَى"، وكذلك "الخَفاء" ممدود من قولهم: "خَفِيَ الأمرُ عليه خَفاء"، ومنه "بَرِحَ الخَفاءُ"، أي: وضح. و"الإباء" ممدود أيضًا. فهذه مسموعٌ فيها القصر والمدّ، وليس للرأي فيها مَساغٌ, لأنَّها ليست بأن تكون كـ"حَجَرٍ" و"جَمَلٍ" أَوْلَى من أن تكون كـ"حِمارٍ"، و"قَذالٍ"، فاعرفه.
стр. 1409
ومن أصناف الاسم
الأسماء المتّصلة بالأفعال
فصل [تعداد الأسماء المتصلة بالأسماء]
قال صاحب الكتاب: هي ثمانية أسماء: المصدر, اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، اسم التفضيل، اسما الزمان والمكان، اسم الآلة.
* * *
قال الشارح:: يريد بقوله: "المتصلة بالأفعال" تعلُّقها بها من جهة الاشتقاق، وأنّ فيها حروف الفعل، فكان بينهما تعلق واتصالٌ من جهة اللفظ، إذ كانت تنزع إلى أصل واحد، وليس المراد أنها مشتقة من الأفعال، وهذا الاتصال والتعلق على ضربين:
أحدهما: أن لا يطرِد كـ"القُرْبَة" من "القُرْب"، ألا ترى أنه لا يقال لكلّ ما يقرب "قربة"، وكـ"الخابئة" من "الخَبْء"، ولا يقال لكل ما يَخْبَأ: "خابئة"، بل اختصّت ببعض المسمين للفرق؟ ومثل ذلك قولهم: "عِدْلٌ" لما يعادل من المتاع، و"عَدِيلٌ": لا يقال إلَّا لما يعادل من الأَناسي، فرقوا بين البناءين ليفرقوا بين المتاع وغيره، فالأصل واحدٌ، والبناءان مختلفان، وذلك كثير.
والثاني: ما هو المطّرد، وهو ما ذكره من الأسماء الثمانية، ألا تراه عامًا لكل موصوف، وكل زمان ومكان، ونحوها.
стр. 1410
المصدر
فصل [أبنية مصدر الفعل الثلاثي المجرد]
قال صاحب الكتاب: أبنيته في الثلاثي المجرد كثيرة مختلفة يرتقي ما ذكره سيبويه منها إلى اثنين وثلاثين بناء, وهي "فَعْلٌ"، "فِعْلٌ"، "فُعْل"، "فَعْلَةُ"، "فِعْلةُ"، "فُعلة", "فَعْلى", "فِعْلِى"، "فُعْلي"، "فَعْلانُ"، "فِعْلان"، "فُعلان"، فَعَلان، فَعَلٌ, فِعَل، فَعِل فُعَل، فَعَلَة، فِعَلَة، فَعَال، فِعَال، فُعَال، فَعَول، فِعَالة، فُعُول، فَعِيل، فُعُولة، مَفْعَل، مَفْعِل، مَفْعِل، ومَفْعَلْة، ومَفْعِلْةْ, وذلك نحو: قتل وفسق وشغل ورحمة ونشدة وكدرة ودعوة وذكرى وبشرى وليان وحرمان وغفران ونزوان وطلب وخنق وصغر وهدى وغلبة وسرقة وذهاب وصراف وسؤال وزهادة ودراية ودخول وقبول ووجيف وصهوبة ومدخل ومرجع ومسعاة ومحمدة.
* * *
قال الشارح: من ذلك المصدر، وإنّما سمّي مصدرًا لأن الأفعال صدرت عنه، أي: أُخذت منه، كمصدر الإبل للمكان الذي تَرِده ثم تصدُر عنه، وذلك أحدُ ما يحتج به أهلُ البصرة في كون المصدر أصلًا للفعل، وقد تقدم الكلام عليه والخلاف فيه. وإنما نذكر أبنية المصادر المَقِيسَ منها، وغيرَ المقيس. وإنّما قدّم الكلامَ عليه لأنّه الأصل، وما عداه من الأمثلة مأخوذ منه، ولذلك لم تجر المصادرُ على سَنَن واحد، كمجيء أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين ونحوهما من المشتقات، بل اختلفت اختلاف سائر أسماء الأجناس. ولمّا جرت مجرى الأسماء؛ كان حكمها حكم اللغة التي تُحْفَظ حِفْظًا، ولا يقاس عليها، فمن ذلك أبنية مصادر الأفعال الثلاثية المجرّدة من الزيادة، وهي كثيرة مختلفة.
والأفعالُ ثلاثةُ أبنية: "فَعَلَ"، "يَفْعِلُ"، كـ"ضَرَبَ"، "يضرب"، و"فَعَلَ"، "يَفْعُلُ"، كـ "قَتَل"، "يَقتُلُ"، و"فَعِلَ"، "يَفْعَلُ"، كـ "عَلِم"، "يَعْلَمُ"، و"فَعُلَ"، "يَفْعُلُ" كـ" شَرُف"، "يَشْرُفُ". ولم يأت "فَعَلَ"، "يَفْعَلُ" بالفتح إلَّا فيما كان عينه أو لامه حرفًا من حروف الحلق، نحو: "ذَهَبَ"، "يَذهَبُ"، و"جَبَهَ"، "يَجْبَهُ". وقد استوفينا الكلام على أبنية الأفعال في كتابنا شرح تصريف المُلوكي.
стр. 1411
والغالب على ما كان من هذه الأفعال متعديا أن يكون مصدره "فَعْلًا"، والاسم منه "فاعِلًا"؛ فأمّا "فَعَلَ" "يَفْعِلُ"، فنحو: "ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا فهو ضاربٌ"، و"حَبَسَ يحبِسُ حَبْسًا فهو حابسٌ"، و"فَعِلَ يَفْعَلُ"، نحو: لَحِسه يَلْحَسُه لَحْسًا، فهو لاحسٌ، ولقمه يلقمه لَقمًا، فهو لاقمٌ. الأصل في جميعها هذا، لكنّها اختلفت أبنيتها كما تختلف أبنية سائر الأسماء، ونحن نذكر ما جاء من ذلك في كلّ ضرب منها.
الضرب الأول من الأفعال: ما كان على "فَعَلَ"، "يَفْعِلُ"، ويجيء على أربعة عشرَ بناءً: "فَعْلٌ"، نحو: ضرب يضرب ضَرْبًا، وهو الأصل، وعليه القياس، و"فِعْلٌ" قالوا: "عَدَلَ الشيء يَعْدِلُه عِدْلًا" إذا ماثله؛ و"فَعَلٌ" بفتح الفاء والعين، قالوا: "سَرَقَ يَسْرِقُ سَرَقًا" بالتحريك، كأنّهم حملوه على "العَمَل"، وقالوا فيه: "سَرِقَة"، جاءوا به على "فَعِلَةَ" كـ"القَطِنَة"، وقالوا: "غَلَبَ يَغْلِبُ غَلَبًا" جعلوه كـ"السَّرَق"، و"غَلَبَة"، و"غُلُبَّة" أيضًا، قال [من الكامل]:
٨٧١ - أَخَذُوا المَخاضَ من الفَصِيلِ غُلُبَّةً ... ظُلْمًا ويُكْتَبُ للأَمِيرِ أُفَيلَا
وجاء على "فَعِل" أيضًا بكسر العين، قالوا: "كَذَبَ يَكذِبُ كَذِبًا". وقالوا فيه: "الكِذاب". قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
٨٧٢ - فصَدَقْتُهُ وكَذَبْتُه ... والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ
стр. 1412
ومثله: "ضَرَبَ الفَحْلُ الناقةَ ضِرابًا"، كما قالوا: "نَكَحَها نِكاحًا"، والقياس "ضَرْبًا"، ولا يقولونه، كما لا يقولون: "نَكْحًا"؛ فأمّا "الكِذاب" بالتشديد فهو مصدر "كَذَّبَ" "يُكَذبُ". قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ (١)؛ وقد جاء على "فِعْلَةَ"، قالوا: "حَمَيتُ المريضَ حِمْيَة"، وقالوا: "حَمَيْتُ المكان حِمايَة"، وقالوا: "دَرَيْتُه دِرْيَة" مثلَ "حميته حِمْيَة"، و"دِرايَة" مثل "حِمايَةٍ"؛ ومنها ما جاء على "فِعْلانَ"، قالوا: "حَرَمه حِرْمانًا"، و"وَجَدَ الشيء يَجِدُه وِجْدانًا"، و"عَرَفْته عِرْفانًا"؛ وقد جاء أيضًا على "فُعْلان" مضمومَ الفاء، قالوا: "غَفَرَ الله ذَنْبَه غُفْرانَا"؛ وقد جاء على "فَعْلانَ" بفتح الفاء، قالوا: "لَوَيْته بدَيْنه لَيّانًا". قال الشاعر [من الطويل]:
تُطِيلِينَ لَيانِي وأَنْتِ مَلِيئَةٌ ... وأُحْسِنُ ياذاتَ الوِشاحِ التَقاضِيَا (٢)
قال أبو العبّاس: "فَعْلانُ" بفتح الفاء لا يكون مصدرًا، إنما يجيء على "فِعْلانَ"، و"فُعْلانَ"، وهذا كثير في المصادر، نحو: "العِرْفان"، و"الوِجْدان"، فكان أصله "لِيَّانًا" أو "لُيّانًا"، فاستثقلوا الكسرة والضمّة مع الياء المشدّدة، فعدلوا إلى الفتحة. وقد حكى أبو زيد عن بعض العرب: "لويته لِيّانًا" بالكسر، وهو شاهدٌ لِما قلناه. وقالوا: "هَدَيْته للدين هُدى"؛ وأما قولهم: "وَلَجْته وُلُوجًا"، فاصله: "ولجتُ فيه"، فهو غير متعدّ، فلذلك جاء مصدره على "فُعُول".
وأما الضرب الثاني: وهو"فَعَلَ"، "يَفْعُلُ" بضمْ العين، فهو قريب من الأوَل في الاختلاف، من ذلك ما جاء على "فَعْلٍ"، وهو الأصل على ما تقدّم، قالوا: "قَتَلَه يَقْتُلُه قَتْلًا"، و"خَلَقَ يَخلُقُ خَلقًا"؛ وعلى "فَعَل"، قالوا: "جَلَبَ يَجْلُبُ جَلَبا"، و"طَلَبَ يَطْلُبُ طَلَبَا"؛ وعلى "فَعِل" بكسر العين، قالوا: "خَنَقَه يَخْنُقُه خَنِقًا"؛ وعلى "فُعْل" بضم الفاء وسكون العين، قالوا: "كَفَرَ يَكْفُرُ كُفْرًا"، و"شَكَرَ يَشْكُرُ شُكْرًا"؛ وعلى فِعْلٍ، نحو:
стр. 1413
"القِيل"، و"الذكر"، مصدرَى "ذَكَرَ ذِكْرًا"، و"قَالَ قِيلاً". وجاء على "فِعْلَةَ"، قالوا: "نَشَدْتُ الضالةَ نِشدَة"، أي: طلبتُها؛ وعلى "فِعالٍ"، قالوا: "كَتَبَ يَكْتُبُ كِتابًا"، و"حَجَبَ يَحْجُبُ حِجابًا"، وقالوا: "كَتْبًا" على القياس؛ وعلى "فُعْلانَ"، قالوا: "شَكَرَ شُكْرانًا"، و"كَفَرَ كُفرانًا". قال الله تعالى: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ (١).
الضرب الثالث: وهو "فَعِلَ" "يَفْعَلُ"، قد جاء أيضًا على أبنية، منها "فَعْلٌ" وهو الأصل، قالوا: "حَمِدَه يَحْمَدُه حَمْدًا"، و"شَمَّهُ يَشَمُّه شَمًّا"، ومنها "فِعْلٌ"، نحو: "عَلِمَ عِلمًا"، و"حَفِظَ حِفْظا"؛ ومنها "فُعْلٌ" بضم الفاء، نحو: "شَرِبَه شُرْبًا"، و"شَغَلَه شُغلًا"؛ ومنها "فَعَل"، قالوا: "عَمِلَ عَمَلًا". قال سيبويه (٢): أجروه مجرى "الفَزَع", لأن بناء فعلَيهما واحد، فشُبه به، وذلك أن الباب في "فَعِلَ" الذي لا يتعدى إذا كان فاعلُه يأتي على "فَعِلٍ" كـ"فَرِقَ يَفْرَق فَرَقًا" فهو "فَرِقٌ"، و"فَزعَ يَفزَعُ فَزَعًا" فهو "فَزعٌ". شبّهوا ما يتعدّى بما لا يتعدّى, لأن بناءهما في الماضي والمضارع واحد.
ومنها "فَعْلَةُ" كـ"رَحْمَةٍ"، و"زَحمَةٍ"، و"لقِيتُه لَقيَة"، ولا يراد به المرّة الواحدة، وقالوا فيه: "رَحَمَةٌ" جعلوه كـ"الغَلَبَة"؛ ومنها "فِعْلَةُ"، قالوا: "خِلتُه إخاله خِيلَة"، و"خِفْتُه خِيفَةَ"؛ ومنها "فِعالٌ" بكسر الفاء، قالوا: "سَفِدَ الذَّكَرُ الأنثى سِفادًا": نَزَا عليها.
ومنها "فَعالٌ"، قالوا: "سَمِعتُه سَماعًا"، جاء فيه "فَعالٌ" كما جاء فيه "فَعُولٌ"، وبابُهما غير المتعدي؛ ومنها "فَعَلانُ"، قالوا: "غَشِيتُه غَشَيانًا"؛ ومنها "فُعُولٌ"، قالوا: "لَزِمَه لُزُومًا"، و"نَهِكَه نُهُوكًا". فأما "فَعَلَ يَفْعَل" مما فيه حرف من حروف الحَلْق، فعلى ثلاثة أبنية: منها "فَعالَةُ"، نحو: "نَصَحَ نَصاحَةَ"؛ و"فِعالَةُ"، قالوا: "نَكَأتُ القَرْحَةَ نِكايَة"؛ ومنها "فَعالٌ"، قالوا: "ذَهَبَ ذَهابًا"؛ و"فُعالٌ"، قالوا: "سَأَلَ سُؤالاً". وقد جاءت مصادرُ فيما يتعدّى فعله مؤنّثة بالألف، نحو: "رَجَعْته رُجْعَى"، و"ذكرته ذِكرَى"، وقالوا: "الدَّعوَى"، فـ "الرُّجْعَى" بمعنى "الرجوع"، و"الذكْرَى" بمعنى "الذكْر"، و"الدَّعْوَى" بمعنى "الدُّعاء"، أنّثوا هذه المصادر بالألف كما أنّثوا كثيرًا منها بالهاء، نحو: "العِدَة"، و"الزنَة"، و"الجَلْسَة"، و"القَعْدَة". وقد يُطْلِقون " الدَّعوَى" بمعنى ما يُدعى به، والأصل المصدر، وإنّما جاء ما ذكرناه على حد قولهم: "ضَربُ الأمير" بمعنى مَضرُوبه، و"نَسْج اليَمَن" بمعنى منسوجه، ومثل "الدعوى": "الحُذيا" و"البُقْيا"، أصلهما المصدر، وأُوقِعا على المفعول.
الضرب الثاني: من الثلاثيّ غيرُ المتعدي، وتنقسم أبنيةُ فعله إلى انقسام أبنية المتعدي، ويخُصه "فَعُلَ"، "يَفعُلُ". وهذا البناء لا يكون في المتعدي البتة، ومن ذلك "فَعَلَ" "يَفْعِلُ"، ولمصدره أربعةُ أبنية: "فُعُولٌ"، قالوا: "جَلَسَ يَجْلِسُ جُلُوسًا"، وهو
стр. 1414
الكثير، وعليه القياس. وقد شبهوه بالمتعدي، فجاءت بعضُ مصادره على مصادر المتعدي. قالوا: "حَلَفَ يَحلِفُ حَلْفًا"، جاءوا به على "فَعْلٍ" حملوه على "السَّرْق" في المتعدّي. وقالوا: "عَجَزَ يَعْجِزُ عَجْزًا"، حملوه على الضَّرْب في المتعدّي، وقالوا: "سَرَى يَسرِي سُرى"، كما قالوا: "هُدى"، وليس في المصادر ما هو على "فُعَلٍ" إلَّا "الهُدى"، و"السرى".
وقد كثُر في الأصوات "فَعِيلٌ"، قالوا: "الصَّهِيل"، و"النَّهِيق"، و"الضجِيج". وقد يُتعاور "فَعِيلٌ"، و"فُعالٌ"، قالوا: "شَحَجَ البغل شَحِيجًا وشُحاجًا"، و"نَهَقَ البعير نَهِيقًا ونُهاقًا"، وهو كثير. اتفقا في المصدر كما اتّفقا في الصفة من نحو "عَجِيبٍ"، و"عُجابٍ"، و"خَفِيفٍ"، و"خُفافٍ".
وأما "فَعَلَ يَفْعُلُ" بالضم، فهو في غير المتعدي أكثر من "فَعَلَ" "يَفعِلُ"، بالكسر، وله أبنية، منها "فُعولٌ"، وهو الكثير والذي عليه القياس، نحو: "قَعَد يَقْعُد قُعُودًا"، و"خرج يَخرُج خروجًا"، ومنها "فَعَال"، وهو في الكثرة بعد "فُعُول"، نحو: "نَبَتَ نَباتًا"، و"ثَبَتَ ثَباتًا وثُبُوتًا"، على القياس. وقد جاء فيه أيضًا "الفُعال" بالضمّ، كما جاء "الفُعُول" و"الفَعال"، قالوا: "عَطَسَ عُطاسًا"، و"نَعَسَ نُعاسًا". وكثُر "الفُعال" فيما كان صوتًا، نحو: "الصُّراخ"، و"النُّباح".
وقالوا: "سَكَتَ يَسكُتُ سَكْتًا"، جاءوا به على "فَعْلٍ"، جعلوه كـ "القَتْل" في المتعدّي، وقالوا فيه أيضًا: "سُكوتًا" على القياس، وقالوا: "المَكث"، جاءوا به على "فَعْلٍ"، جعلوه كـ "القَبْح" في المتعدي. وقالوا: "فَسَقَ يَفْسُقُ فِسْقًا"، جعلوه كـ "الذِّكْر" في المتعدّي. وقالوا: "عَمَرَ المَنزلُ عِمارَةً" جعلوه كـ "الشّكايَة" و"القِصارَة" في المتعدي. وأمّا "الحِجُّ" فذكره سيبويه (١) في المصادر، جعله كـ"الذِّكْر" في المتعدي، وعن أبي زيد أن "الحَج"، بالفتح المصدر، و"الحِج"، بالكسر اسم الحاج، وأنشد [من الكامل]:
٨٧٣ - وكأنّ عاقِبَةَ النشُورِ عليهمِ ... حِجُّ بأَسْفَلِ ذي المَجاز نُزُولُ
стр. 1415
ورواه الجوهري (١): "حُجٌّ" بالضم، جعله جمع "حاج" كـ"عائِذٍ"، و"عُوذُ". وأما "فَعِلَ يَفْعلُ" في اللازم؛ فالباب فيه "فَعَلٌ"، قالوا: "غَضِبَ غَضبًا"، و"بَطِرَ بَطَرًا"، و"أَشِرَ أَشَرًا"، هذا هو الكثير والمَقِيس، وقد يُخالِف كما خالف ما قبله، قالوا: "ضَحِكَ ضَحْكًا"، و"لَعِبَ لَعْبًا"، كما قالوا: "الخَلْف"، وقالوا: "شَبعَ شِبَعًا"، و"الشِّبْع" بالإسكان اسمُ ما يُشْبِع، ونظيرُ "الشِّبَع " قولهم: "رَوِيتُ من الماء رِيًا، ورَيًّا، ورِوى"، و"رَضِيتُ عنه رِضى".
وقالوا: "حَرِدَ يَحرَدُ حَرْدًا"، وقولهم في الاسم منه: "حارِدٌ" يدل أنه مُسكن خرج عن بابِ "غَضِبَ غَضَبًا، فهو غَضْبانُ" بقولهم: "حاردٌ".
وأما ما كان مما لا يتعدّى مختصًّا ببناء لا يشركه فيه المتعدي، فهو "فَعُلَ"، وذلك لِما يكون خَصْلَة في الشيء غير عَمَل، ولا عِلاج. ولمصدره أبنية ثلاثة يكثر فيها، وهي: "فَعَالٌ"، و"فَعَالَةٌ"، و"فُعْلٌ". فالأول "جَمُلَ جَمالًا"، و"بَهُوَ بَهاءً". والثاني: "قَبُحَ قَباحَةً"، و"بَهُوَ بَهاءَةً"، و"شَنُعَ شَناعَةً"، و"وَسُمَ وَسامَةً". والثالث: "حَسُنَ حُسْنًا"، و"نَبُلَ نُبلًا".
و"فَعالَةُ" أكثر. وقد يجيء مصدره على "فَعْل"، قالوا: "ظَرُفَ ظَرْفًا" جعلوه كـ"السَّكْت"، وعلى "فَعَلِ"، قالوا: "شَرُفَ شَرَفًا"، شبهوه بالـ "غَضَب"، و"البَطَر" لاشتراكها في عدم التعدي، وقد جاء عل "فِعَلٍ"، قالوا: "عَظُمَ عِظَمًا"، و"صَغُرَ صِغَرًا"، و"كَبُرَ كِبَرًا"، جعلوه كـ"الشِّبَع". وقالوا: "قَبُحَ قُبُوحَةً"، و "سَهُلَ سُهُولَةً"، بنوه على "فُعُولَةَ"، كما بنوه على "فَعَالَةَ" كـ"القَباحَة"؛ وربّما جاء على "فَعْلَةَ" قالوا: "كَثُرَ كَثْرَةً وكَثارَةً" على القياس. وقالوا: "كَدِرَ الماء كُدُورَةً"، و"كَدُرَ كَدَرًا"، و"كَدِرَ الطائرُ كُدْرَةً": صار لونُه كُدْرَةً، وهي غُبْرَة.
وقد جاءت مصادرُ على مثال واحد في اللازم، وإن اختلفت أبنيةُ أفعالها لتقارُب معانيها، وذلك، نحو: " الغَلَيان"، و"النَّزَوان"، فـ "الغَلَيانُ" مصدرُ "غَلَى يَغْلِي" مثلِ "جَلَسَ يَجلِسُ" في الصحيح، و"النَّزَوان" مصدر "نَزَا يَنْزُو" مثلِ "قَعَدَ يَقْعُدُ". فأبنية الأفعال مختلفة، ومصادرها متفقة على "فَعَلانَ"؛ وذلك لتقاربُ معانيها. وإنما يكون ذلك لِما فيه اضطرابٌ وحركةٌ في ارتفاعٍ، نحو: "النقَزان"، و"النقَزان"، ومثله "العَسَلان"، و"الرتَكان"، وهما ضربان من العَدْو.
стр. 1416
وأكثرُ ما يكون "الفَعَلان" في هذا الضرب ممّا فيه حركة واضطراب، ولا يجيء فعله متعدِّيَ الفاعل إلَّا أن يشُذّ شيء، نحو: "شَنِئتُه شَنَآنا"، ولا نعلمه جاء متعدّيًا إلَّا في هذا الفعل، لا غيرُ، فجميع مصادر الثلاثي اثنان وسبعون مصدرًا، وجميع أبنيتها اثنان وثلائون بناءً على ما ذكر.
والأصل منها فيما كان متعدّيًا "فَعْلٌ" بفتح الفاء وسكون العين، نحو: "ضَرْبٍ"، و"قَتْلٍ"، وعليه مَدارُ الباب، وما عداه ليس بأصل لاختلافه، وطريقُه أن يُحْفَظ حِفظًا، وإنّما قلنا ذلك: لكثرة "فَعْل" في الثلاثي، واطراده فيما كان متعديًا منه، والذي يدل على ذلك أنك إذا أردت المرة الواحدة، فإنّما ترجع إلى "فَعْلَةَ" على أي بناء كان الثلاثي، وذلك قولك: "ذهبت ذَهابًا"، ثم تقول: "ذهبت ذَهْبَةٌ واحدةَ".
والأصل في غير المتعدي "فُعُولٌ"، و"فَعَالٌ"، نحو: "قَعَدَ قُعُودًا"، و"خَرَجَ خُرُوجًا"، و"ثَبَتَ ثَباتًا"، و"نَبَت نَباتًا"، وما عداهما فليس بأصل، بل يحفظ، وذلك لكثرته، وكأنّهم جعلوا الزيادة في المصدر كالعوض من التعدّي؛ فأمّا "دَخَلْته دُخُولاً"، و"وَلَجتُه ولُوجًا"، فهما في الحقيقة غير متعدّيين، والمراد "دخلت فيه"، و"ولجت فيه" فحذف حرف الجر لكثرة الاستعمال، فاعرفه.
فصل [أوزان المصدر من الثلاثي المزيد فيه والرباعي]
قال صاحب الكتاب: ويُجري في أكثر الثلاثي المزيد فيه والرباعي على سنن واحد, وذلك قولك في أفعل: إفعال، وفي "افتعل": "افتعال"، وفي انفعل انفعال، وفي استفعل استفعال، وفي افعَلَّ وافعَالَّ افعلال وافعيلال، وفي افعول افعوال، وفي افعوعل افعيعال، وفي افعنلل افعنلال، وفي تفاعَلَ تفاعُل، وفي افعللَّ افعلال. وقالوا في فعَّل تفعيلٌ وتفعلةُ، وعن ناس من العرب فِعّال. وقالوا كلمته كلاماً، وفي التنزيل: ﴿وكذبوا بآياتنا كذابا﴾ (١) , وفي فاعل مفاعلة وفعال، ومن قال كلام قال قيتال. وقال سيبويه (٢) في فعال كأنهم حذفوا الياء التي جاء بها أولئك في "قيتال" ونحوها, وقد قالوا ماريته مراء وقاتلته قتالا, وفي تفعَّل تفعُّل وتِفِعّال فيمن قال كلام. قالوا تحملته تحمالاً. وقال [من الطويل]:
٨٧٤ - ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل
стр. 1417
وفي فعلل فعللة وفِعلالٌ. قال رؤبة [من الرجز]:
٨٧٥ - أيما سرهاف
وقالوا في المضاعف قلقال وزلزال بالكسر والفتح، وفي تفعلَل تفعلُلٌ.
* * *
قال الشارح: اعلم انّ ما جاوز من الأفعال الماضية ثلاثةَ أحرف، سواء كانت بزيادة، أو بغير زيادة، فإنّ مصادرها تجري على سَنَن لا يختلف، وقياس واحد مطرد في غالب الأمر وأكثره. وذلك لأنّ الفعل بها لا يختلف، والثلاثيةُ مختلفةْ أفعالُها الماضيةُ والمضارعةُ، فلاختلاف الثلاثية اختلفت مصادرها، ولعدم اختلافِ ما زاد منها على الثلاثة، جرت على منهاج واحد لم يختلف، وجملةُ الأمر أن ما زاد على الثلاثة من الأفعال على ضربَيْن:
стр. 1418
أحدهما: بحروف كلُها أصول، ولا يكون إلّا على أربعة أحرف لا غيرُ.
والثاني: بزيادة عليه، وذلك على ثلاثة أضرب: مُوازِنٌ للرباعي على سبيل الإلحاق به، وموازن له من غير إلحاق، وغير موازن له.
فأما الملحق بالرباعي فحكمُه حكم الرباعي في الماضي والمضارع والمصدر، نحو: "شَمْلَلَ يُشَملِلُ شَمْلَلَة"، و "حَوْقَلَ يُحَوْقِلُ حَوْقَلَةٌ"، و"بَيطَرَ يُبَيْطِرُ بَيطَرَةٌ" كما تقول: "دَحْرَجَ يُدَحْرِجُ دَحْرَجَةَ".
وأما المُوازِن من غير إلحاق، فثلاثةُ أبنية: "أَفْعَلَ"، و"فَعَّلَ"، و"فَاعَلَ"، فهذه الأبنية وإن كانت على وزن "دحرج" في حركاته وسَكَناته، فذلك شيءٌ كان بحكم الاتْفاق من غير أن يكون مقصودًا إليه، فلذلك لم يأت مصدره على نحو"الدَّحْرَجَة"، بل قالوا في "أَفْعَلَ": "إِفْعَالٌ"، نحوَ: "أَعْطَى يُعْطي إعْطاء"، و"أَكْرَمَ يُكرِمُ إكْرامًا"، وذلك أن الرباعي له مصدران:
أحدهما: "الفَعْلَلَة"، نحو: "الدَّحْرَجَة"، و"السرْهَفَة"، والآخر: "الفِعْلاَلُ"، نحو: "السِّرْهاف"، و"الزِّلْزال". والأؤل أغلبُ وألزمُ، وربّما لم يأت منه "فِعلالٌ"، ألا ترى أنهم قالوا: "دَحْرَجْته دَحْرَجَة"، ولم يُسمَع فيه "دِحْراجٌ"، فجاء مصدرُ الملحق على الأغلب، نحو: "البَيْطَرَة"، و"الجَهْوَرَة"، ومصدرُ ما وازَنَ من غير إلحاق على "فِعْلالٍ"، نحو: "الإكرام"؛ ليكون قد أخذ بحكم الشَّبَه والمُوازَنة من الرباعي بنصيب.
وأمّا "فَعَّلَ"، فإنَ مصدره يأتي على "التفْعِيل"، نحو: "كسّرته تَكْسِيرًا"، و"عذبته تعذيبًا". قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١)، كأنّهم جعلوا التاء في أوّله بدلًا من العين المزيدة في "فعّل"، وجعلوا الياء قبل الآخر بمنزلة الألف التي في "الإفعال"، غيروا أوّله كما غيروا آخره كما فعلوا في "الإفعال". وقال قوم: "كلّمتُه كِلامًا"، و"حمّلته حِمّالًا". قال الله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ (٢) كأنهم نحوا نحو"أَفعَل إفْعالًا"، فكسروا الأوّل، وزادوا قبل الآخر ألفًا.
وأمّا "فَاعَلَ"، فإن المصدر منه الذي لا ينكسر أبدًا "مُفاعَلَةُ"، نحو: "قاتلتُه مُقاتَلَةً"، و"جالستُه مُجالَسَةً". جاء لفظه كالمفعول؛ لأن المصدر مفعول. قال سيبويه (٣): جعلوا الميم عوضًا من الألف التي بعد أولِ حرف منه، والهاء عوضًا من الألف التي قبل آخر حرف منه. يعني أن في "فِعال" قد حُذفت الألف التي كانت بعد الفاء، وفي "مُفاعَلَة" حذفت الألف التي قبل الآخر، فعُوّض منها. وفي الجملة: "المُقاتَلة"، و"المُخالفة" هنا كـ"المَضْرب"، و"المَقتَل" في مصدرِ "ضَرَبَ"، و"قَتَلَ"، جاءا على غير قياس أفعالهما.
стр. 1419
ومنهم من يقول:"قاتَلْتُه قِيتالًا"، و"ضاربته ضِيرابًا"، كأنّهم يستوفون حروف "فَاعَلَ"، ويزيدون الألف قبل آخره، ويكسرون أوَّلَ المصدر على حد "إكرامٍ"، و"إخْراج"، وإذا كسروا الأول، انقلبت الألف ياء.
ومنهم من يحذف هذه الياء تخفيفًا، فيقول: "قاتلتُه قِتالًا"، و"مارَيْتُه مِراءٌ"، والمصدر اللازم في "فاعلت": "المُفاعَلَةُ". وقد يدعون "الفِعالَ"، و"الفِيعال"، ولا يدعون "المُفاعَلَة"، قالوا: "جالسته مُجالَسَةً"، ولم يسمع: "جلاسًا"، ولا "جِيلاسًا"، ولا "قِعادًا"، ولا "قِيعادًا".
وأمّا غير الموازن فأبنيته عشرةٌ، منها اثنتان ليس في أولهما همزةٌ، وهما "تَفَعَّلَ"، و"تَفَاعَلَ"، وثمانية قد لزمت أوّلَها همزةُ الوصل، ثلاثةٌ خُماسيةٌ، وهي "انْفَعَلَ"، و"افتَعلَ"، و"افْعَلَّ"، وخمسةٌ سُداسيةٌ، وهي "اسْتَفْعَلَ"، و"افْعَالَّ"، و"افْعَوْعَلَ"، و"افْعَوَّلَ"، و"افعَنْلَلَ".
فأمّا "تَفَعَّلَ"، فبابُه "التفَعُّلُ"، نحو: "تَكَلَّمْتُ تَكَلُّمًا"، و"تَقَوَّلْتُ تَقَوُّلًا". جاءوا في المصدر بجميع حروف الفعل، وضمّوا العين، لأنّه ليس في الأسماء ما هو على "تَفَعَّل" بفتح العين، وفيها "تَفَعُّلٌ" بضمْ العين، نحو "تَنَوُّطٍ" لطائرٍ، ولم يزيدوا ياء ولا ألفًا قبل آخره، لأنّهم جعلوا التاء في أوّله، وتشديد العين عوضا مما يُزاد في المصدر.
وأمّا الذين قالوا: "كِذابًا"، فإنّهم يقولون: "تَحَمَّلْتُ تِحمّالا"، أرادوا أن يُدْخِلوا الألف قبل آخره، كما أدخلوها في "أفعلت"، وكسروا الحرف الأول كما كسروا أوّل "إفْعالٍ"، وإنّما يزيدون في المصدر ما ليس في الفعل فرقًا بينهما، وخصّوا المصدر بذلك؛ لأنه اسم، والأسماء أخف من الأفعال، وأَحْمَلُ للزيادة. فأمّا البيت الذي أنشده [من الطويل]:
وهو ثلاثة أَحْبابٍ ... إلخ
فإن البيت أنشده ثَعْلَب في أمَالِيه عن الأعرابي، والشاهد فيه قوله: "تِملآقٌ"، جاء به على "تَمَلقَ" مطاوع "مَلَّقَ". ويروى: "فحبُّ علاقةٌ" بالتنوين وبغير تنوين، والإضافة في الموضعَيْن، جعله منقوصًا من الأجزاء الخماسيّة. يريد أنّه قد جمع أنواع المحبّة: حُبَّ علاقة، وهو أصفى المودّة، وحبّ تملاق، وهو التودد. قال سيبويه (١): كأنّه يحمله على أمر تخيّله عنه، يقال: "مَلِقَ له مَلَقًا وتِمِلاقًا"، وحب هو القتل، يريد الغُلُو في ذلك.
وأما "تَفاعَلَ"، فمصدره "التفاعُلُ" كما كان مصدر "تَفَعَّلَ" "التفَعُّلَ", لأن الزنة،
стр. 1420
وعدّة الحروف واحدة، و"تَفاعَلْت" من "فاعَلْت"، بمنزلة "تَفَعَّلْت" من "فَعَّلْت". وضمْوا العين لأنّهم لو كسروا، لأشْبَهَ الجمعَ، نحو: "تَنضُبٍ"، و"تَناضِبَ"، ولم يفتحوه, لأنه ليس في الأسماء "تَفاعَل".
وأما ما في أوّله همزةُ الوصل، فمصدره أن تأتي به على منهاج "إكْرام"، و"إخْراجٍ"، فتزيد ألفًا قبل آخره، وتستوفي حروفَ الفعل، وتثبت الهمزة موصولةً في أَوّله كما تثبت كذلك في أوّل الفعل, لأن العلة الموجبة لاجتلابها في الفعل موجودةٌ في المصدر، وهو سكون أوّله، فتقول في الخماسيّ: "انْطَلَقَ انْطِلاقًا"، و"احْتَسَبَ احْتِسابًا"، و"احْمَرَّ احْمِرارًا". وتقول في السداسي: "استخرج اسْتِخراجًا"، و"اشْهابَّ اشْهِيبَابًا" و"اغْدَوْدَنَ اغْدِيدَانًا" و"اجْلَوَّذَ اجْلِواذًا"، و"اقْعَنْسَسَ اقْعَنْساسًا". وأمّا " افْعَل"، نحو: "احْمَر احْمِرارًا"، فهو مقصور من "احْمار".
وأما "فَعْلَلَ"، فهو بناء يختصّ به بنات الأربعة الأصولُ، نحو: "دَحْرَجَ يُدَحْرِجُ"، و"سَرهَفَ يُسَرْهِفُ". وله مصدران: "الفَعْلَلَةُ"، و"الفِعْلالُ"، وذلك: نحو: "دحرجته دَحرَجَةً"، و"سرهفته سَرْهَفَةَ"، جعلوا التاء عوضًا من الألف التي تزاد قبل الآخر في مثل "الإعْطاء"، و"الإكْرام". وقالوا: "السِّرْهاف"، والّغالب الأول؛ لأنّه لازمٌ لجميعها، وربّما لم يأت "فِعْلالٌ"، تقول: "دحرجتُه دَحْرَجَةً"، ولم يسمع: "دِحراجٌ". وقالوا: "زَلْزَلتُه زَلزَلَةً"، و"قلقلته قلقلة"، وقالوا: "الزلْزال"، و"القِلقال" كـ"السِّرْهاف"، وربّما فتحوا الأول في المضاعف، فقالوا: "الزَّلْزال"، و"القَلْقال" ولا يقولونه في غيره، فلا يقولون: "السَّرْهاف"، بفتح السين، كأنّهم لثقل التضعيف لم يكسروا الأوّل. وإنما حذفوا التاء، وأتوا بالألف قبل الآخر عوضًا عنها، وفتحوا الأول كما فتحوا أوّل التَّفْعِيل من نحو "كلّمته تَكلِيمًا"، ومَن كسر، جعله كـ "الكِلام"، و"الكِذاب"؛ فأمّا قوله [من الرجز]:
سَرْهَفْتُه ما شئتَ من سِرْهافِ
فإن صاحب الكتاب أنشده لرؤبة، وهو للعَجّاج، وقبله:
والنسْرُ قد يَرْكُضُ وهو هافِ ... بُدلَ بعدَ رِيشِه الغُدافِ
قنازِعًا من زَغَبٍ خَوافِ ... سَرْهَفْتُه ماشئتَ من سِرْهافِ
القَنازع: جمع قُنْزُعَةِ، وهو الشَّعْر حول الرأس. والزَّغَب: الشعرات الصغَر على ريش الفَرْخ، والخوافي: ما دون الريشات العشر من مُقدَّم الجناح، وسُرْهِفَ الصبي: أُحْسِنَ غِذاؤُه. يُقالُ:"سرهفه"، و"سرعفه". والشاهد فيه قوله: "سِرْهاف"، جاء بالمصدر على "فِعْلالٍ".
وما لحقته الزيادةُ من بنات الأربعة، وجاء على مثالِ "استفعلت"، فإن مصدره يجيء على "استفعال"، نحوَ: "احرَنْجَمْتُ احْرِنْجَامًا"، و"اطْمَأنَنْتُ اطْمِئْنانًا"،
стр. 1421
و"اقْشَعْررْتُ اقْشِعْرارًا"؛ فأمّا "الطمَأْنِينَةُ" و"القُشَعْرِيرَةُ" فاسمان، وليسا مصدرَيْن جاريَيْن على "اطمَأن"، و"اقْشَعَرَّ"، وإنّما هما بمنزلة "النبات" من "أنْبَتَ".
فصل [المصدر على وزني اسم الفاعل واسم المفعول]
قال صاحب الكتاب: وقد يرد المصدر على وزن اسمي الفاعل والمفعول، كقولك قمت قائماً، وقوله [من الطويل]:
ولا خارجاً من في زور كلام (١)
وقوله [من الوافر]:
٨٧٦ - كفى بالنأي من أسماء كاف ... [وليس لحبها إن طال شافي]
ومنه الفاضلة والعافية والكافية والدالة والميسور والمعسور,
стр. 1422
والمرفوع والموضوع والمعقول والمجلود والمفتون في قوله تعالى: ﴿بأيكم المفتون﴾ (١) , ومنه المكروهة والمصدوقة والمأوية, ولم يثبت سيبويه (٢) الوارد على وزن مفعول والمصبح والممسي والمجرب والمقاتل والمتحامل والمدحرج. قال [من البسيط]:
٨٧٧ - الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربي ومسانا
وقال [من الطويل]:
٨٧٨ - [وقد ذقتمونا مرة بعد مرة] ... وعلم بيان المرء عند المجرب
стр. 1423
وقال [من الطويل]:
٨٧٩ - [ترادي علي دمن الحياض فإن تعف] ... فإن المندي رحلةٌ فركوب
وقال [من الرجز]:
٨٨٠ - إن الموقي مثل ما وقيت
стр. 1424
وقال [من الطويل]:
٨٨١ - أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... [وأنجو إذا حُمَّ الجبان من الكرب]
وما فيه متحامل وقال [من الرجز]:
٨٨٢ - كأن صوت الصنج في مصلصله
* * *
стр. 1425
قال الشارح: اعلم أن المصدر قد يجيء بلفظ اسم الفاعل والمفعول كما قد يجيء المصدر، ويُراد به الفاعل والمفعول من نحو قولهم: "ماء غَوْرٌ"، أي: غائرٌ، و"رجلٌ عَدْلٌ"، أي: عادلٌ. وقالوا: "درهم ضَرْبُ الأمير"، أي: مضروبُه، و"هذا خَلْقُ الله" والإشارةُ إلى المخلوق. وقالوا: "أتيتُه رَكْضًا"، أي: راكِضًا، و"قتلته صَبْرًا"، أي: مصبورًا. كذلك قالوا: "قُمْ قائمًا" فانتصب انتصابَ المصدر المؤكد، لا انتصابَ الحال، والمراد: قم قِيامًا، فأمّا قوله [من الطويل]:
ألَمْ تَرَنِي عاهدتُ ربي وإنني ... لَبَيْنَ رِتاج قائم ومَقام
على حِلْفَ لا أشتِمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ... ولاخارِجًا من في زُورُ كَلامِ (١)
فإئهما للفرزدق. والشاهد فيه قوله: "ولا خارِجًا"، وضعه موضعَ "خروجًا"، والتقدير: لا أشتم شَتْمًا، ولا يخرج خروجًا. وموضعُ "خارجًا" موضِعُ "خروجًا"؛ لأنّه على ذلك أقسمَ, لأنّ "عاهدت" بمعنى "أقسمت". هذا مذهب سيبويه (٢). وكان عيسى بن عمر يذهب إلى أن "خارجًا" حالٌ، وإذا كان حالًا، فلا بد أن يكون الفعل قبله في موضع الحال، لانّه معطوف عليه، والعاملُ فيهما "عاهدت"، والتقدير: عاهدتُ ربي لا شاتمًا ولا خارجًا من فيّ زورُ كلام، أي: في هذه الحال، ولم يذكر ما عاهد عليه، وأمّا قول الآخر [من الوافر]:
كَفَى بالنأْيِ من أسْماءَ كافِي ... وليس لحُبّها إذ طَالَ شافِي
فيَا لكِ حاجةً ومَطالَ شَوْقٍ ... وقَطْعَ قَرِينَة بعدَ ائتِلافِ
الشعر لبشْر، والشاهد فيه نصبُ "كاف" على المصدر، وإن كان لفظه لفظ اسم الفاعل، والمرَاد: "كافِيًا"، وإنّما أسكن الياء ضرورةً، جعله في الأحوال الثلاث بلفظ واحد كالمقصور، وقد جاء ذلك كثيرًا. ومنه قوله [من الطويل]:
٨٨٣ - ولو أن واش باليَمامَة دارُه ... وداري بأعْلَى حَضْرَ مَوْتَ اهْتَدَى لِيَا
стр. 1426
وفاعلُ "كَفَى" ما بعد الباء ومثله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١).
وممّا جاء من المصادر على "فَاعِل" قولهم: "الفاضلة" بمعنى الفَضل والإفضال، و"العافِيَة" بمعنى المُعافاة، يُقال: "عافاه اللهُ، وأعفاه معافاةً وعافِيَةً".
و"العاقبة" من قولهم: "عَقَبَ فلان مكانَ أبيه"، أي: خَلَفَهُ، وعاقبةُ كل شيء: آخِرُه، وفي الحديث: "السَّيدُ والعاقِبُ" (٢)، فالعاقب: من يخلُف السّيدَ، وقولُ النبي ﷺ :"أنا العاقِبُ" (٣)، أي آخِرُ الأنبياء.
و"الدالَّةُ": الدَّلّ من قولهم: "فلانةُ حسنةُ الدَّلالِ والدَّل والدالَّةِ"، وهو كالغُنجِ.
و"الكاذِبَة" من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ (٤) بمعنى الكِذب، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ (٥)، أي: من بَقَاءٍ، والحق أنها أسماء ؤضعت موضع المصادر.
وأمّا ما جاء بلفظ المفعول، قولهم: "المَيسُور"، و"المعسور"، و"المرفوع"، و"الموضوع"، و"المعقول"، و"المجلود"، فأكثرُ النحويين يذهبون إلى أنّها مصادر جاءت
стр. 1427
على "مفعول"؛ لأن المصدر "مفعول"، فالميسور بمعنى اليُسر، والمعسور بمعنى العُسر، يُقال: "يُسْرٌ، ويُسُرٌ، ويَسَرٌ"، و"عُسْرٌ، وعُسُرٌ"، و"ميسور"، و"معسور"، وهما نقيضان في المعنى. يُقال: "دَعْهُ إلى ميسوره، وإلى معسوره" أي: إلى زمن يُسْرِه وعُسْرِه، كما يُقال: "مَقدَمَ الحاجِّ، وخُفُوقَ النَّجْمِ".
و"المرفوع" و"الموضوع" بمعنى الرَّفْع والوضْع، وهما ضربان من السير. يُقال: "رفع البعيرُ في السير" إذا بالَغَ، قال طَرَفَةُ [من السريع]:
٨٨٤ - موضوعُها زَوْلٌ ومرفوعُها ... كمَرِّصَوْبٍ لَجِبٍ وَسْطَ رِيحْ
ويُقال أيضًا: "وضعتُ" الشيء من يدي موضوعًا، ووَضْعًا".
ومثله "المعقول" بمعنى "العَقل"، يُقال: "ما له معقولٌ"، أي: عقلٌ.
و"المجلود" بمعنى الجَلادة، يُقال: "رجل جَلْدٌ بَين الجَلادة، والمجلودِ"، وبه قالوا في قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (١)، أي: بأيكم الفِتْنةُ، وكان سيبويه (٢) لا يرى أن يكون "مفعول" مصدرًا، ويحمل هذه الأشياء على ظاهرها، ويجعل "الميسور"، و"المعسور" زمانًا يُوسَر، ويُعْسَر فيه، كما تقول: "هذا وقت مضروب"؛ لأن الضرب يقع فيه. ومثله قوله [من الكامل]:
٨٨٥ - حَمَلَت به في لَيلَةٍ مَزؤودَةٍ ... [كَرْهًا وَعَقدُ نِطاقِها لَمْ يُخلَلِ]
стр. 1428
في روايةِ من خفض، جعل الليلة مزؤودة من حيث كان الزُّؤْد فيها، فإذا قال: "دَعْهُ إلى ميسوره ومعسوره"؛ فكأنه قال: "إلى زمان يُوسَر فيه، ويُعْسَر فيه"، وجعل المرفوع والموضوع ما ترفعه وما تضعه، وجعل المعقول من "عَقَلْتُ الشيء" أي: حبسته وشددته كأنّه عقل له لُبَّه، وشَدَّ، وقيل في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: إن الباء زائدة على حدّ زيادتها في ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) في أصحْ القولين، والمراد: فَسَتُبْصِرُ ويبصرونَ أيَّكم المفتون، واستغني بهذه المفعولات عن الفعل الذي يكون مصدرًا، لأن فيها دليلاً على الفعل، وقيل: المراد بالمفتون الجِنّيّ, لأن الجنّي مفتون، وذلك أن الكُفار قالوا: إن النبي ﷺ مجنون، وأن به جنّيًا، فقال سبحانه: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (٢) يعني الجِنّي.
ومن ذلك "المكروهة"، و"المصدوقة"، و"المأويّة" على التفسير المتقدّم.
فأمّا "المُصْبَح"، و"المُمْسَى" ونحوهما، فمصادرُ غيرُ ذي شكّ، وذلك أن المصدر إذا كان لفعل زائد على الثلاثة، كان على مثال المفعول؛ لأن المصدر مفعولٌ، تقول: "أدخلته مُدخَلًا"، و"أخرجته مُخرَجًا" كما قال تعالى: ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٣)، وقال اللهُ: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (٤)، والمفعول به "مُدْخَل"، و"مُخْرَجٌ". وكذلك لو بنيت من الفعل اسمًا للمكان والزمان، كان كلّ واحد منهما على مثال المفعول، لأن الزمان والمكان مفعولٌ فيهما، والفعلُ يعمل فيها كلّها عملًا واحدًا، فلمّا اشتركت في وصول الفعل إليها ونَصْبِها، اشتركت في اللفظ، فقالوا في المكان والزمان: "مُمْسى"، و"مُصْبَحٌ"، وكذلك إذا أرادوا المصدر.
стр. 1429
ومنه " المُجَرَّبُ"، و"المُقاتَل"، و"المُتَحامَلُ"، و"المُدَحْرَجُ"، فـ"المُفْعَل" في هذا كالمفعول في الثلاثي، إلَّا أنَّهم يضمون الأوّل فيما زاد على الثلاثة، كما ضمّوا أوّل الفعل منه، فـ"مُدْخَلٌ" كـ"يُدْخَلُ"، و"مُنْزَلٌ" كـ"يُنْزَلُ"، فأما قوله [من البسيط]:
الحمد لله مُمْسانَا ومُصْبَحَنَا (١) ... إلخ
فالبيت لأُمَيَّةَ بن أبي الصَّلْت، والشاهد فيه استعمال "الممسى"، و"المصبح" بمعنى الإمساء والإصباح، والمراد وقتَ الإمساء، ووقتَ الإصباح، كما يُقال: "أتيتُه مَقْدَمَ الحاجّ، وخُفُوقَ النجْم"، أي: وَقْتَه؛ فالممسى هاهنا، والمصبح نصبٌ على الظرف، وأمَّا قول الآخر [من الطويل]:
وعِلمُ بَيانِ المَرْء عند المُجَرَّبِ (٢)
فالبيت لرجل من بني مازِن، وقد أوقعت بنو مازن بقوم من بني عَجل، فقتلوهم، فغدت بنو عجل على جار من بني مازن، فقتلوه، وصدرُ البيت:
وقد ذُقْتُمونا مَرَّةً بعد مرّةٍ
والشاهد فيه وضعُ "المُجَرَّب" موضعَ "التجْرِبَة"، يريد أن بالتجربة يُعْرَف ما يُحْسِنه المرءُ، وقوله [من الطويل]:
فإن المُنَدَّى رِحْلَةٌ فَرُكُوبُ (٣)
الشعر لعَلْقَمَةَ بن عَبَدَةَ، وصدره:
تُرادَى على دِمْنِ الحِياضِ فإنْ تَعَفْ
وقبله:
فأوْردتُها ماءً كأن جِمامَهُ ... من الأجْنِ حِنّاءٌ مَعًا وصَبِيبُ
والشاهد فيه وضع "المُندَّى" موضعَ "التَّنْدِيَة". يُقال: "نَدَتِ الإبلُ" إذا رعت بين النَّهَل والعَلَل، تَنْدُو نَدْوًا، وأنْدَيْتُها أنا، وتَنْدِيةٌ، والمكان المُنَدَّى، وكذلك المصدر؛ يصف إبلًا ترعى على دمن المياه، فإن عافت الرَّعْيَ، استُعملت في الرحيل والركوب، فهو كقوله [من الكامل]:
٨٨٦ - [بِسَوَاهِم لُحُقِ الأياطلِ شُزّبِ] ... فعَلِيقُها الإسْراجُ والإلجامُ
стр. 1430
وإنّما عَطَف "الركوب" بالفاء دون الواو، ليؤْذِن بأن ذلك متَّصل لا ينقطع، كما يُقال: "مُطِرْنا ما بين زُبالَةَ فالثَّعْلَبِيةِ"، إذا أردت أن المطر انتظم الأماكنَ التي بين هاتَيْن القريتَين، يقروها شيئًا فشيئا بلا فُرْجة، ولو قلت: "مطرنا ما بين زبالة والثعلبيّة"، فإنَّما أفدت بهذا القول أن المطر وقع بينهما، ولم ترد أنه اتّصل في هذه الأماكن من أوّلها إلى آخرها. وأمّا قول الراجز:
إنْ المُوَقَّى مِثْلُ ما وُقِّيتُ (١)
فهو لرُؤْبَةَ بن العجّاج، وقبله:
يَارَبّ إنْ أخطَأت أو نَسِيتُ ... فأنْتَ لا تَنْسَى ولا تَمُوتُ
الشاهد فيه استعمال "الموَقَّى" بمعنى "التوْقِيَة"، أي: أن التوقية مثلُ تَوْقِيَتِي، وكان قد وقع في أيدِي الحَرُورية، وأمّا قول الآخر [من الطويل]:
أُقاتِلُ حتى لا أرَى لي مُقاتَلًا
فإنّ هذا المِصْراع قد استعمله شاعران أحدهما مالك بن أبي كَعب، وتمامه:
وأنْجُو إذا حُمَّ الجَبانُ من الكَرْبِ (٢)
والشاهد فيه استعمال "مُقاتَل" بمعنى القِتال، أي: حتى لا تبقى لي قُدْرةٌ على القتال، وأنجو عند الغَلَبَة بالفِرار إذا هلك الجبان، وأُحِيطَ به لعَجْزه عن الدفع والنَّجاة، والآخر زيد الخَيْلِ، وتمامه [من الطويل]:
وأنْجُو إذا لم يَنْجُ إلَّا المُكَيَّسُ
أي: الكَيِّس العاقل؛ لأنَّه يعرِف وجه التخلص، وأما قوله [من الرجز]:
كأنّ صَوْت الصَّنْجِ في مُصَلصَلِهْ (٣)
стр. 1431
الشعر، فالشاهد فيه استعمال "المصلصل" بمعنى "الصَّلْصَلَة". شبّه صَهِيل الفرس بصوت الصنج، والصنج الذي تعرفه العرب، فهو الذي يُتّخذ من صُفْر يُضرَب أحدهما بالآخر، وأمّا ذو الأوتار فهو للعَجَم. والصلصلة: الصوت، يُقال: "تَصَلصَلَ الحَلْيُ على صدر المرأة"، أي: صَوَّتَ. ويجوز أن يكون شبه عَلْكَ اللجام لجَرْيه بصوت الصنج، وصلصلةُ اللجام: صوتُه.
فصل [المصدر على "تَفْعال "]
قال صاحب الكتاب: و"التفعال" كالتهدار والتلعاب والترداد والتجوال والتقتال والتسيار، بمعنى الهدر واللعب والرد والجولان والقتل والسير، مما بني لتكثير الفعل والمبالغة فيه.
* * *
قال الشارح: هذا الفصل قد اشتمل على ما جاء مصدرُ "فَعَلْتُ" فيه على غيرِ ما يجب له، بأن زِيدَ فيه زوائدُ للإيذان بكثرة المصدر وتكريره، كما جاءت "فَعَّلْتُ" بتضعيف العين لتكثير الفعل وتكريره، وذلك قولك في "الهَدْر": "التَّهْدار". يُقال: "هَدَرَ الشَّرابُ يَهْدِرُ هَدْرًا وتَهْدارًا" إذا غَلَى، فالتهدارُ: الهَدْرُ الكثير.
وقالوا في اللعْب: "التلْعاب" وفي "الصَّفْق": "التَّصْفاق" وفي "الرَّدْ": "التَّرْداد"، وفي "الجَوَلان": "التَّجْوال"، وفي "القَتْل": "التَّقْتال" وفي "السير" "التَّسْيار"، فليس في هذه المصادر ما هو جارٍ على "فَعَلَ" لكن لما أردت التكثير؛ عدلتَ عن مصادرها، وزدتَ فيها ما يدل على التكثير؛ لأنّ قوّة اللفظ تُؤذِن بقوّة المعنى، ألا ترى أنّهم يقولون: "خَشُنَ الشيءُ"، وإذا أرادوا الكثرة والمبالغة، قالوا: "اخْشَوْشَنَ"، وقالوا: "عَشُبَت الأرضُ"، وإذا أرادوا الكثرة، قا لوا: "اعْشَوْشَبَت"، فهي مصادرُ جرت على غير أفعالها.
وقال الكوفيون: "التفْعال" هنا بمنزلة التَّفْعِيل، ولا بأسَ به لأنّ "التفعيل" مصدرُ "فَعَّلَ"، وهو بناءُ كثرة فلم يأتوا بلفظه؛ لئلّا يُتوهّم أنّه منه، فغيّروا الياء بالألف، وبقّوا التاء مفتوحةً. فأما "التِّبْيان"، فلم ترد التاءُ فيه للتكثير، ولو كانت كذلك، لفُتحت، لكنّها زيدت لغير علّة، و"البَيان" و"التِّبْيان" واحدٌ، وكذلك "التِّلْقاء" و"اللقاء" واحدٌ، وليس في المصادر "تِفْعالٌ" بكسر التاء إلَّا هذَيْن المصدرَيْن، وما عداهما "تَفْعالٌ" بالفتح.
وقد جاءت أسماءٌ يسيرةٌ غيرُ مصادر على "تِفْعال" تبلغ نحوَ ستّةَ عشرَ اسمًا، قالوا: "تِهْواءُ"، و"تِبْراكُ"، و"تِعْشارُ"، و"تِرْباعُ" لمواضعَ، و"تِمْساحٌ" للدابّة المعروفة، و"تِمْساحٌ" للرجل الكذاب، و"تِجْفافٌ" لِما يُلْبَس الفرس عند الحرب، والجمع تَجافِيفُ، و"تِمْثالٌ" للصورة، و"تِمْرادٌ" بيت صغيرٌ للحَمام، والجمع تمارِيدُ، و"تِلْفاقٌ" ثوبان
стр. 1432
يُلْفَقان، و"تِلقامٌ" سريع اللَّقْم، و"تِضرابٌ" لوقت الضراب، و"تِلْعابَ" كثير اللَّعْب، و"تِقْصارٌ"، و"تِنْبالٌ" للقصير.
* * *
فصل [المصدر على "فِعّيلى "]
قال صاحب الكتاب: والفعيلي كذلك، تقول كان بينهم رميا وهي الترامي الكثير، والحجيزي والحثيثي كثيرة الحجز والحث، والدليلي كثرة العلم بالدلالة والرسوخ فيها، والقتيتي كثرة النميمة.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه المصادر جاءت على "فِعيلَى" مُضَعفةَ العين للمبالغة والتكثير، يُقالَ: "كان بينهم رميّا"، أي: تَرامٍ، ولا يريد مطلق الرَّمْي، بل الكثرة، وكذلك "الحِجِّيزَى"، و"الحِثِّيثَى" المراد كثرة الحجْز، والحَث، كما أن الرِّميَّا كذلك، ولا يكون من واحد؛ لأن المراد الترامي والتحاجُز والتحاثُث، وقد يجيء هذا الوزنُ لواحد، قالوا: "الدلِّيلَى" والمراد بها كثرة العِلْم بالدَّلالة، وقالوا: "القِتِّيتَى" بمعنى النَّميمة، و"الهِجِّيرَى" كثرة الكلام السيىء. وعن عُمَرَ، ﵁: "لولا الخِليفَى لأذنْتُ"، أي: لولا الخلافة والاشتغالُ بأمرها عن تعهُّد أوْقات الأذان، لأذنْتُ، يشير بذلك إلى فضل الأذان.
وهذه الألفاظ من المصادر جاءت مؤنّثةَ بالألف، ولم تاتِ إلَّا مقصورة، نحوَ: "الدَّعْوَى" و"الرُّجْعَى" و"خَصَّه بالشيء خُصُوصًا، وخُصُوصِيةً، وخِصِّيصَى"، وحكى الكسائي: "خِصيصاءُ" بالمد، و"الأمرُ بينهم فَيضُوضَى"، والفَيْضُوضَى: الأمر المشترَك، وأجاز المدّ في جميع الباب قياسًا، وخالفه جميع البصريين في ذلك، والفرّاءُ من أصحابه.
فصل [صِياغة مصدر المرّة]
قال صاحب الكتاب: وبناء المرة من المجرد على فعلة تقول قمت قومة وشربت شربة, وقد جاء على المصدر المستعمل في قولهم أتيته إتيانة، ولقيته لقاءة, وهو مما عداه على المصدر المستعمل كالإعطاءة والانطلاقة والابتسامة والترويحة والتقلبة والتغافلة؛ وأما ما في آخره تاء, فلا يتجاوز به المستعمل بعينه تقول قاتلته مقاتلة واحدة، وكذلك الاستعانة والدحرجة.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أن أصل مصدر الفعل الثلاثي المجرّد من الزيادة أن يأتي على
стр. 1433
"فَعْل"، فإذا أرادوا المرّة الواحدة، ألحقوه التاء، وجاؤوا به على "فَعْلَةَ"، قالوا: "ضربتُه ضَرْبَة"، و"قتلتُه قَتْلَة"، و"أتيتُه أتْيَة"، و"لقيتُه لَقيَةً"، وكذلك لو كان في المصدر زيادة، نحوُ "جلس جُلُوسًا"، و"قعد قُعُودًا"، فإنّك تُسقِط الزيادة إذا أردت المرّة الواحدة، وتأتي به على "فَعْلَةَ"، نحوِ: "جلس جَلْسَةً"، و"قعد قَعدَةً"؛ لأن الأصل "جَلْسٌ"، و"قَعْدٌ". وقولهم: "الجُلُوس"، و"الذهاب" ونحوهما ليست الزيادة فيه من الأصل, لأنّها لم تكن في الفعل، ولم تلزم الزيادةُ فيه لزومَها ما كانت موجودة في فعله، نحوَ: "الإفْعال" في باب "أفْعَلَ"، و"الاستفعال" في باب "استفعل"، فالضَّرْبُ والقَتْلُ ونحوهما جمع "فَعْلَةَ"، نحوِ: "تَمْرَةٍ"، و"تَمْرٍ"، و"نَخْلَةٍ"، و"نَخْلٍ"؛ لأن المصدر يدل على الجنس، كما أن "النخل" و"التمر" يدلان على الجنس، فـ"ضَرْبَةٌ" نظير "تمرةٍ"، و"ضَرْبٌ" نظير "تمرٍ".
وقد يزيدون التاء على المصدر المزيد فيه، فيريدون به المرّة الواحدة، قالوا: "أتيتُه إتْيانَةً"، و"لقيتُه لِقاءَةً"، جاؤوا به على المصدر المستعمل، كأنّهم نزلوا الزيادة غير اللازمة منزلةَ اللازمة، فكما يقولون: "أعْطَيْتُه إعْطاءَةً"، و"استغفرتُه استغفارةً"، كذلك قالوا: "أتيته إتيانةً"، و"لقيته لقاءةً".
"وهو فيما عداه على المصدر المستعمل"، يعني ما عدا الفعلَ الثلاثى المجرّدَ من الزيادة، والمرادُ أنّ ما كان من الفعل زائدًا على الثلاثة، فإنّ المرّة الواحدة تكون بزيادة الهاء على مصدره المستعمل، نحوِ قولك: "استغاث استغاثة"، و"أعْطاه إعْطاءةً"، و"كَسرَه تَكْسِيرَةً" يراد بذلك كله المرّة الواحدة، وسَواء ما كان زائدَا على الثلاثة بحروفِ كلّها أُصول، نحوُ: "الدَّحْرَجَة"، و"السَّرْهَفَة" أو بزيادة علي بنات الثلاثة، نحوِ: "أعطيتُه إعطاءةً"، و"انطَلَقَ انطِلاقةً".
فإن كان فيه هاءٌ، لم يُجتلب للمرة هاءٌ، واكتُفي بالهاء التي فيه عن هاء تجتلبها، وذلك قولك: "قاتلتُه مُقاتَلَةً"، ولا تقول في المرة: "قِتالَةً"؛ لأن أصل المصدر في "فَاعَلَ" "المُفاعَلَةُ" لا "الفِعال"؛ لأنّه على وزن "الدحْرَجَة"، ومثله "أقَلْتُه إقالَةً"، و"اسْتَعَنتُ به استعانةً".
ولو قيل- في قولك إذا قلت: "استعنتُ به استعانةً"، وأراد المصدر، ثم قال: "استعانةً" وأراد المرّة الواحدة- إنّ هذه التاء غير تلك التاء الأوُلى، كما أنّك إذا قلت: "يا مَنْصُ" في لغةِ من قال: "يا حارُ"، فإن الضمة فيه غير ضمة الصاد التي كانت فيه؛ لكان قولاً قويًا.
فصل [مصدر النوع]
قال صاحب الكتاب: وتقول في الضرب من الفعل هو حسن الطعمة والركبة,
стр. 1434
والجلسة والقعدة، وقتلته قتلة سوء، وبئست الميتة، والعذرة ضربٌ من الاعتذار.
* * *
قال الشارح: إنّما قال: "في الضرب من الفعل"؛ لأن المصدر يدل على جنس الفعل، فإذا قلت: "ضَربٌ"، أو "قَتلٌ"، دل على الضرب والقتل الذي يتناول جميعَ أنواع الضرب والقتل، وأنت هنا لم تُرِد به الجنس ولا العدد، إنما أردت نوعًا من الجنس، فإذا قلت: "الطِّعمَة"، و"الرِّكْبَة"، و"الجِلْسَة" ونحوها، فإنّما تريد الحالة التي عليها الفاعلُ، والمراد أنّه إذا ركب؛ كان ركوبُه حسنًا، أي: ذلك عادتُه في الركوب والجلوس. وكذلك "هو حسنُ الطعْمَةِ"، المراد أن ذلك لما كان موجودًا فيه لا يُفارِقه؛ صار حالة له. والقِعْدَةُ حالةُ وقتِ قعودِه، ومثله "القِتْلة" للحالة التي قُتل عليها.
و"بِئسَتِ المِيتَةُ"، أي: أنّه مات مِيتَةَ سَؤءٍ، أي: حالةُ وقت الموت كانت سيئةً. و"العِذرَةُ": حالةُ وقت الاعتذار، وهذا البناء يكون على ضربين: أحدهما للحالة على ما ذكرنا، والآخر أن يكون مصدرًا لا يُراد به الحالةُ، وذلك نحوُ: "دَرَيْتُ دِرْيَة"، و"لفلانٍ شِدَّة وبَاسٌ"، و"شَعُرْتُ بالأمر شِعْرَةً"، وقولهم: "لَيْتَ شِعْرِي"، المراد: "ليت شِعْرَتِي" أي: عِلْمِي ومَعْرِفَتِي، وإنّما حذفوا التاء تخفيفًا لكثرة الاستعمال.
فصل [بناء المصدر من المعتلّ العين من "أَفْعَل" والمعتل اللام من "فَعّل "]
قال صاحب الكتاب: وقالوا فيما اعتلت عينه من "أفْعَلَ", واعتلت لامه من "فَعَّلَ": إجازة وإطاقة وتعزية وتسلية، معوضين التاء من العين واللام الساقطتين, ويجوز ترك التعويض في أفعل دون فعَّل قال الله تعالى: ﴿وإقام الصلاة﴾ (١) , وتقول أريته إراء، ولا تقول تسليا ولا تعزيا, وقد جاء التفعيل فيه في الشعر، قال [من الرجز]:
٨٨٧ - فهي تنزي دلوها تنزياً ... كما تنزي شهلة صبيا
* * *
стр. 1435
قال الشارح: أما ما كان من الأفعال على "أفعَلَ" معتلَّ العين، نحوُ: "أجاز يُجِيزُ"، و"أطاق يطِيقُ" ونظائرهما من نحوِ "أقام"، و"أقال"، فإنّ المصدر منها على "إجازَةٍ"، و"إطاقة"، و"إقامة"، و"إقالة"، والأصل: "إجْواز"، و"إطواقٌ"؛ لأنه من "أجاز يجيز"، و"أطاق يطيق"، فهو كقولك: "أكرَمَ يُكرِمُ إكرامًا"، إلَّا أنّه لمّا اعتلّت العين من "أجاز يجيز"، و"أطاق يطيق" بقلبها ألفًا؛ أعلوا المصدر حملًا على الفعل بنقل حركتها إلى ما قبلها، ثم قلبت العين ألفًا؛ لتحرُّكها في الأصل وانفتاحِ ما قبلها الآنَ، وكانت الألف بعدها ساكنةً، فحذفت الألف لالتقاء الساكنَين، وعُوّض من المحذوف التاء. فالخليل وسيبويه يذهبان إلى أن المحذوف ألفُ "إفعال" لأنّها زائدةٌ، فهي أولى بالحذف، وأبو الحسن الأخفش والفرّاء يذهبان إلى أن المحذوف الألف المبدلة من العين، وهو القياس، ولذلك اختاره صاحب الكتاب، فقال: "معوِّضين من العين واللام"، يريد العين من "إطاقة"، واللام من "تَعْزِيَةٍ" وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه، ومن ذلك "استَعنته استِعانةً"، و"استخار استخارةً"، والأصل: "استِعوانًا"، و"استِخيارًا".
فأمّا قولهم: "أرَيْتُه إراءَةً" فإنّه، وإن لم يكن معتل العين لأن الأصل "أرْأيتُه"، عينُه همزة لأنه "أفْعَلَ" من "رَأيتُ"، فالهمزة حرف صحيح، لكنه دخله نقصٌ بتخفيف الهمزة، ولزومِ ذلك حتى صار الأصل مرفوضًا، وذلك أنّهم ألقوا حركة الهمزة على الراء، وأُسْقطت الهمزة، فأتوا بالهاء عوضًا من ذلك النقص. والذي يدلّ على أن الهاء عوضٌ من المحذوف أنك تقول: "اخترتُ اختِيارًا"، و"انقاد إنقِيادًا"، فلا تلحِق الهاء, لأنّه لم يسقط من المصدر شيءٌ؛ لأنه لم يلتق فيه ساكنان. وأجاز سيبويه (١) أن لا يأتوا بالعوض، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ (٢). والفراءُ يجيز حذفها فيما كان مضافًا، نحوِ الآية؛ فكأن الإضافة عوضٌ من التاء، وسيبويه لم يفصل بين ما كان مضافًا وغير مضاف، فهو يجيز "أقامَ إقامًا"، والفرّاء لا يجيزه.
стр. 1436
وأمّا "فَعَّلَ"، فله في الصحيح مصدران: "التَّفْعِيل"، و"التَفْعِلَة"، نحوُ: "كرّمته تَكرِيمًا وتَكْرِمَةً"، و"عظّمته تعظيمًا وتعظَمة"، و"التفعيل"، هو الأصل, لأنّه هو اللازم، فأمّا إذا كان معتلّ اللام بالياء أو الواو؛ ألزموه "تَفْعِلَةَ" ولم يأتوا بالمصدر الآخر، لئلّا يجتمع في آخره ياءان قبلهما كسرةٌ، فيُحتمل ثقلٌ، وعنه مندوحةٌ إلى المصدر الآخر، وذلك قولك: "عَزيْتُه تَعْزِيَة"، و"غَذيْتُه تَغْذِيَة". قال أبو بكر بن السرّاج: الأصل "تَعْزِيا"، و"تَغْذِيًّا"، فحذفت ياءٌ من الياء المشدّدة، ودخلت التاء عوضًا من المحذوف.
وكلامُ الشيخ يُصرَّح فيه بأن المحذوف اللام، وأن يكون المحذوف الياء الزائدة أوْجَهُ عندي, لأن اللام باقية في الصحيح من نحو "تَكْرِمَةٍ"، فكذلك يكون في المعتل، ولا يجوز إسقاط التاء من هذا، فيقالَ في "تغزية": "تَغْزٍ"، كما جاز في "إقامة"، فقالوا: "إقامٌ"، والفرقُ بينهما أن نحوَ "أقامَ"، و"أقالَ" و"استَحاذَ" قد استُعمل على الأصل، فقالوا: "أطْوَلْتُ إطْوالًا"، و"استحوَذْتُ استِحْواذًا". فلمّا كان قد ورد تامًّا على الأصل، جاز أن لا يعوض منه؛ فأمّا نحو"تَعْزِيَة"، و"تَغْذِيَة"، فلم يرد الأصل البتّة، فلزم العوض لذلك، وقد جاء "التَفْعيل" فيه في الشعر، قال [من الرجز]:
فَهِي تُنَزي دَلْوَهَا تَنْزِيًّا ... إلخ
والشاهد فيه قوله: "تَنْزِيًّا"، والقياس: "تَنْزِيَةً"، لكنه راجَعَ الأصلَ ضرورة, لأن الشاعر له مراجَعةُ الأصُول المرفوضة، يُقال: "امرأةٌ شَهْلَةٌ" إذا كانت نَصَفًا، وصار كالاسم لها بالغَلَبَة، ولا يُقال ذلك للرجل. يصف امرأة تستقي ماء، والمراد أنّها ترفع دَلْوَها كما ترفع المرأةُ الصبى عند ترقيصه.
فصل [إعمال المصدر]
قال صاحب الكتاب: ويعمل المصدر أعمال الفعل مفرداً، كقولك عجبت من ضربٍ زيدٌ عمراً، ومن ضربٍ عمراً زيدٌ، ومضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول كقولك أعجبني ضرب الأمير اللص، ودق القصار الثوب، وضرب اللص الأميرُ، ودق الثوب القصارُ, ويجوز ترك ذكر الفاعل والمفعول في الإفراد والإضافة, كقولك عجبت من ضرب زيداً، ونحو قوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً﴾ (١) ومن ضربٍ عمروٌ ومن ضرب زيدٍ أي من ضرب زيد أو ضرب, ونحوه قوله تعالى: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ (٢) , ومعرفاً باللام كقوله [من المتقارب]:
٨٨٨ - ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل
стр. 1437
وقوله [من الطويل]:
[لقد علمت أُولي المغيرة أنني] ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا (١)
* * *
قال الشارح: والمصدر يعمل عملَ الفعل المأخوذِ منه: إن كان الفعل غير متعدّ، كان المصدر غير متعدّ، فكما تقول: "قام زيدٌ"، ولا تجاوِز الفاعلَ، كذلك تقول: "أعجبني قيامُ زيدٍ". وإن كان يتعدّى إلى واحد، يتعدّى مصدره إلى واحد، فتقول: "أعجبني ضربُ زيدٍ عمرًا". وتقول: "أعجبني إعطاءُ زيدٍ عمرًا درهمًا"، فتُعدّيه إلى مفعولَيْن كما يفعل ذلك الفعلُ، نحوُ:"أعطيتُ زيدًا درهمًا". وإن كان يتعدّى فعلُه بحرِف جرّ؛ كان المصدر كذلك، فتقول: "أعجبني مرورُك بزيدٍ".
وإنّما يعمل من المصادر ما كان مقدرًا بـ"أنْ" والفعلِ، نحوُ قولك: "أعجبني ضربُ زيد عمرًا"، وتقديره: أن ضَرَبَ زيدٌ عمرًا. فأمّا إذا كان مؤكدًا لفعله، أو عاملًا فيه الفعلُ الذي أُخذ منه على وجه من الوجوه، لم يعمل؛ لأنه لا يقدَّر بـ"أن" والفعلِ، وذلك نحو قولك: "ضربتُ زيدًا ضَرْبًا والضربَ الشديدَ"؛ لأنه لا يحسن أن تقول فيه: "ضربتُ زيدًا أن ضربتُ زيدًا". فأمّا قولهم في الأمر: "ضَرْبًا زيدًا"، فكثيرٌ من النحويين يقولون: العاملُ في "زيد": "ضربًا".
والذي عليه المحققون أن العامل فيه الفعل الذي نصب المصدرَ، وتقديره: اضْرِبْ
стр. 1438
ضربًا زيدًا، ولا يبعد عندي أن يكون هذا المصدر عاملًا في "زيد" لنِيابته عن الفعل، لا بحكمِ أنّه مصدرٌ، وجاء كقولك: "زيدٌ في الدار قائمًا"، فالعاملُ في الحال الظرف الموجود لا الفعل العامل فيه، وذلك لنيابته عن الفعل؛ كذلك هاهنا، ويكون فيه ضميرُ فاعل نُقل إليه من الفعل، وهو ضمير المخاطب، كما نقل الضمير من الفعل إلى الظرف في "زيدٌ في الدار قائمًا". ولو أظهر الفعل، وقلت: "اضْرِب ضَربًا زيدًا"، لم يكن العامل في "زيدًا" إلَّا الفعلَ دون المصدر، كما أنّك لو أظهرت العامل في الظرف، وقلت: "زيد استقرَّ في الدار قائمًا"، لم يكن العامل في الحال إلَّا الفعلَ دون الظرف، وكان خاليًا من الضمير، ولو قلت: "أنكرتُ ضَرْبَك زيدًا"، لكان في معنَى "أنْ" والفعلِ, لأنّه يحسن أن تقول: "أنكرتُ أن تضرب"، إذ العامل فيه من غير لفظه. ولك أن تقدره بـ "أن" والفعلِ المسند إلى الفاعل، نحوَ قولك: "أعجبني ضَرْبُك زيدًا"، والتقدير: "أن ضربت زيدًا". ولك أن تقدّره بالفعل الذي لم يسمّ فاعله، نحوَ: "ساءَني ضربُك"، والتقدير: "أن ضُرِبتَ"، والفرقُ بينهما بالقرائن.
وإنّما عمل المصدر إن كان على هذه الصفة, لأنّه في معنى الفعل على ما ذكرنا، ولفظُه متضمن حروف الفعل، فجرى مجرى اسم الفاعل، فعمِل عملَه، ألا ترى أنّ "أنْ" وما بعدها من الفعل، لمّا كانت في تأويل المصدر، أُعطيت حُكمَه، فوقعت فاعلةً ومفعولةً ومضافًا إليها، نحوَ قولك: "أعجبني أن قمتَ"، فـ"أنْ" وما بعدها من الفعل في موضع مرفوع بأنه الفاعل. وتقول: "أكرَهُ أن تقوم"، والمعنى: أكره قيامَك، كذلك المصدَر إذا كان مقدرًا بـ"أنْ" والفعلِ؛ كان له حكمُ الفعل من العمل.
وإنما اشتُرط أن يكون لفظ المصدر العامل متضمنًا حروفَ الفعل ليدل على الفعل، فلذلك تقول: "مُروري يزيد حسنٌ، ومروري بعمرٍو قبيحٌ"، ولو قلت: "وهو بعمرو قبيحٌ"، لم يجز؛ لزوال حروف الفعل من لفظه.
وهذا المصدر يعمل على ثلاثة أضرب: إذا كان مفردًا منونا، وإذا كان مضافًا، وإذا كان معرَّفًا بالألف واللام.
فأمّا الأول، وهو ما كان منونًا، فهو أقيسُ الضروب الثلاثة في العمل، وذلك من قِبَل أن المصدر إنّما عمل لشَبَهه بالفعل، والتنوينُ يدّل على التنكير، فهو في المعنى موافق لمعنى الفعل، وإن كان في اللفظ من زيادات الأسماء.
وأمّا المضاف، فإعمالُه في الجر بعد الأوَل, لأن الإضافة وإن كانت من خصائص الأسماء وبابُها التعريف والتخصيص، وذلك ممّا لا يكون في الأفعال، إلَّا أن الإضافة قد تقع منفصلة، فلا تفيد التعريفَ على حد وقوعها في اسم الفاعل، فلمّا كان التعريف قد يتخلّف عن الإضافة؛ لم تكن الإضافة منافِيةً لمعنى الفعل من كل وجه، إذ قد توجَد غيرَ معرّفة.
стр. 1439
وأما ما عمِل من المصادر، وفيه الألف واللام، فهو أضعفُها؛ لأن الألف واللام لا تكون في أسماء الأجناس التي هي الأُصول إلَّا معرّفة، فلذلك ضعُف إعمالها. وإنّما قلنا: "في أسماء الأجناس" تحرزًا من الأعلام، فإن الألف واللام قد تدخلها لا لمعنى التعريف، نحوَ: "الحَسَنُ"، و"العَباس"، ونحوِ قوله [من الرجز]:
باعَدَ أُمَّ العَمْرِو من أسِيرِهَا (١)
فمثال ما عمل من المصادر منوَّنًا قولك: "أعجبني ضربٌ زيدٌ عمرًا"، وإن شئت قلت: "أعجبنى ضربٌ عمرًا زيدٌ" فتُقدّم المفعول على الفاعل، وذلك قليل في الاستعمال. وإنّما جاز أن تأتى بعد المصدر بالفاعل والمفعول، ولم يجز أن تأتي بعد اسم الفاعل إلَّا بالمفعول، وذلك من قِبَل أن المصدر غيرُ الفاعل والمفعول، فلم تستغن بذكره عن ذكرهما. وليس كذلك اسم الفاعل، فإنّه هو الفاعل، فلم تحتج إلى ذكره بعده، فلذلك لم تجز إضافتُه إلى الفاعل, لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
وجملة الأمر أن الفرق بين اسم الفاعل والمصدر من وجوه ستّة:
أوَّلُها: أن الألف واللام في اسم الفاعل تفيد التعريف مع كونها بمعنى "الذِي"، والألف واللام في المصدر تفيد التعريف لا غيرُ.
الثاني: أن اسم الفاعل يتحمل الضميرَ كما يتحمّل الفعل؛ لأنه جارٍ عليه، والمصدر لا يتحمّل ضميرًا؛ لأنه بمنزلة أسماء الأجناس، والفاعل يكون معه منويا مقدَّرًا غيرمستتِر فيه.
الثالث: أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، واسمُ الفاعل لا يضاف إلَّا إلى
المفعول لا غيرُ، وقد ذُكر.
الرابع: أن المصدر يعمل في الأزمنة الثلاثة، واسم الفاعل يعمل عمل الفعل في الحال والاستقبال.
الخامس: أن المصدر لا يتقدّم عليه ما يعمل فيه، سواء كانت فيه الألف واللام، أو لم تكن، واسم الفاعل يتقدّم عليه ما ينصبه إذا لم تكن فيه الألف واللام.
السادس: أن اسم الفاعل لا يعمل حتى يعتمد على كلام قبله، والمصدر يعمل معتمدًا، وغير معتمد. فممّا جاء مُعْمَلًا من المصادر منونًا قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (٢)، فـ"يَتِيمًا" منصوب بالمصدر الذي هو "إطعام"، والتقدير: أو إطعامٌ هو، فيكون الفاعل مقدرًا محذوفًا. فإن صرّحت بالفعل، كان الفاعل مستترًا، نحو
стр. 1440
قولك: "أو أن أطعم يتيمًا"، ومن ذلك قول الشاعر [من الطويل]:
٨٨٩ - فلولا رَجاءُ النَّصْرِ منك ورَهْبَة ... عِقابَك قد صاروا لنا كالمَوارِد
فأعمل "رهبة" في "عقابك"، ومن ذلك قول الآخر [من الوافر]:
٨٩٠ - بضَرْبٍ بالسُّيُوف رُؤوسَ قومٍ ... أَزَلنا هامَهُنَّ على المَقِيلِ
فنصب "الرؤوس" بـ"ضرب".
وأمّا إعماله وهو مضاف، فإنّه يضاف إلى الفاعل، وإلى المفعول لتعلُّقه بكل واحد منهما، فتعلّقُه بالفاعل وقوعُه منه. وتعلّقه بالمفعول وقوعه به، وإضافتُه إلى الفاعل