قال الشارح: اعلم أنه قد دخل الفعل المضارع بين الشرط والجزاء، ويكون على ضربَيْن: أحدهما: مرفوع لا غير، والآخر: يدخل بين المجزومَين، وتكون أنت مخيّرًا بين الجزم على البدل من الأوّل، وبين الرفع على الحال. فأما ما يكون رفعًا لا غير فأن يكون الفعل الداخل بين المجزومين ليس في معنى الفعل، فلا يكون بدلاً منه، وذلك "إن تأتِنا تسألُنا نُعْطِك"، و"إن يأتِني زيدٌ يضحكُ أُكرِمْه". لا يحسن في ذلك غير الرفع، لأنّ "يضحك" و"تسأل" ليس من الإتيان في شيء، فهو في موضع الحال، كأنه قال: "إن يأتني زيد ضاحكًا"، و"إن تأتني سائلاً". فإن أبدلته منه على أنه بدلُ غَلَط، لم يمتنع، كأنك أردت الثاني، فسبق لسانُك إلى الأول، فأبدلته منه، وجعلت الأول كاللغو على حد "مررت برجل حمار". ولا يكون في الفعل من البدل إلا بدلُ الكل، وبدل الغلط، ولا يكون فيه بدل بعض، ولا اشتمال، ولو قلت: "إن تأتني تمشي أمْشِ معك" جاز أن ترفع "تمشي"، فيكون معناه: "إن تأتني ماشِيًا أمشِ معك"، وجاز أن تجزم على البدل من الأول؛ لأنّ "تأتني" في معنَى "تمشِ" لأنّ المَشْي ضرب من الإتيان والضحكُ والسؤال ليسا من جنس الإتيان. فأما قوله [من الطويل]:
متى تأته تعشو ... إلخ
الشاهد فيه رفعُ "تعشو" على أنه حال، والمراد: متى تأته عاشيًا، أي: قاصدًا في الظلام، يُقال: "عشوتُه" أي: قصدتُه ليلاً، ثمّ اتسع، فقيل لكل قاصد: "عاشٍ. وعَشَوتُ النارَ أعشُو إليها إذا استدللت عليها ببَصَبر ضعيف. تجد خيرَ نار، أي: تجدها مُعَدّة للضيف الطارق. وأما قول الآخر [من الطويل]:
متى تأتنا تلمم ... إلخ
стр. 1647
فالشاهد فيه الجزم؛ لأنه بدل من قوله: "تأتنا"، لأن الإلمام ضرب من الإتيان، فهو على حد قولك في الأسماء: "مررت برجلٍ عبدِ الله"، فسّر الإتيان بالإلمام، كما فسّر الاسم الأول بالاسم الثاني، ولو رفع على الحال، لجاز في العربية، لولا انكسارُ وزن البيت. وقوله: "تأجّجًا" يجوز أن يكون تثنية على الصفة للحطب والنار، وذكر الراجعَ لأنّ الحطب مذكر، فغلّب جانبَه، ويجوز أن يكون مفردّا من صفة الحطب، لأنه أهمُ، إذ النار به تكون، ويجوز أن يكون من صفة النار، وذُكر على معنى شِهاب، أو على إرادة النون الخفيفة، وأبدل منها ألفًا في الوقف. يمدح في هذا البيت بَغِيضًا، وهو من بني سعد بن زيد مَناةَ. وبعد هذا البيت [من الطويل]:
إذا خرجوا من غَمْرَه رَجَعوا لها ... بأسْيافهم والطعْنُ حِينَ تَفَرجَا (١)
فصل [جواز الجزم والرفع في المعطوف على الجواب المجزوم]
قال صاحب الكتاب: وتقول: "إن تأتني آتك فأحدثك" بالجزم، ويجوز الرفع على الإبتداء, وكذلك الواو, وثم, قال الله تعالى: ﴿من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم﴾ (٢) وقرىء: ﴿ويذرهم﴾ (٣) , وقال: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ (٤)، وقال: ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ (٥).
* * *
قال الشارح: اعلم أنك إذا عطفت فعلاً على الجواب المجزوم؛ فلَكَ فيه وجهان: الجزمُ بالعطف على المجزوم على إشراك الثاني مع الأول في الجواب، والرفع على القطع والاستئناف. وذلك قولك: "إن تأتِني آتِك فأُحدثك"، كأنه وعده إن أتاه، فإنه يأتيه فيحدّثُه عقيبَه، ويجوز الرفع بالقطع واستئناف ما بعده، كما قال [من الرجز]:
يُريد أن يُعرِبَهُ فَيعجِمُهْ (٦)
أي: فهو يُعْجِمُهُ على كل حال. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ
стр. 1648
تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، قُرىء: "فيغفِر" جزمًا ورفعًا (٢) على ما تقدّم، ولا فرقَ في ذلك بين الفاء، والواو، و"ثم"، من حروف العطف، حكم الجميع واحد في ذلك.
وأمّا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ (٣) فقد قُرىء "ويذرهم" جزمًا ورفعًا (٤)، فالجزم بالعطف على الجزاء وهو "فلا هادي له" لأنّ موضعه جزمٌ. والمراد بالموضع أنه لو كان الجواب فعلاً، لكان مجزومًا. والرفع على القطع والاستئناف على معنَى "وهو يذرُهم في طُغْيانهم"، فعَطف هنا بالواو كما عطف في الآية قبلها بالفاء.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٥) , وقوله ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٦) ففيهما شاهد على العطف بـ"ثُمَّ" كما عطف بالفاء إلا أنه جزم في الأُولى، ورفع في الثانية، وكل جائز صحيح، وحكمُ الجميع واحد، إلّا الفاءَ، فإنه قد أجاز بعضهم فيه النصبَ، وقرأ الزعْفراني: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧). وقد استضعفه سيبويه (٨)، لأنه موجب، فصار من قبيلِ [من الوافر]:
٩٩٣ - [سَأَترُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَميم] ... وألْحَقُ بالحِجاز فأسْترِيحَا
стр. 1649
والذي حسّنه قليلاً كونُه معطوفًا على الجزاء، والجزاء لا يجب إلّا بوجوب الشرط، وقد يتحقق، وقد لا يتحقق، فاعرفه.
فصل [العَطْف بالجَزم على جواب الأمر المنصوب على تَوَهُّم سقوط فاء السَّبَبيّة]
قال صاحب الكتاب: وسأل سيبويه الخليل (١) عن قوله : ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) , فقال هذا كقول عمرو بن معد يكرب [من الكامل]:
٩٩٤ - دعني فأذهب جانبَا ... يومًا وأكفك جانبَا
стр. 1650
وكقوله [من الطويل]:
بدا لي إني لست مدرك ما مضي ... ولا سابق شيئاً إذا كان جائيَا (١)
أي: كما جروا الثاني, لأن الأول قد تدخله الباء, فكأنها ثابتة فيه فكذلك جزموا الثاني, لأن الأول يكون مجزومًا, ولا فاء فيه, فكأنه مجزوم.
* * *
قال الشارح: "لَوْلا" معناه الطلب والتحضيض، فإذا قلت: "لولا تُعطيني"، فمعناه: أعْطِني، فإذا أُتي لها بجواب، كان حكمُه حكم جواب الأمر إذ كان في معناه، وكان مجزومًا بتقدير حرف الشرط على ما تقدّم. وإذا جئت بالفاء، كان منصوبًا بتقديرِ "أن". فإذا عطفت عليه فعلاً آخر، جاز فيه وجهان: النصب بالعطف على ما بعد الفاء، والجزم على موضع الفاء، لو لم (٢) تدخل، وتقدير سقوطها. ونظيرُ ذلك في الاسم "إن زيداً قائم وعمرٌو وعمرًا"، إن نصبت؛ فبالعطف على ما بعد "إنَّ" وإن رفعت؛ فبالعطف على موضعِ "إن" قبل دخولها، وهو الابتداء. فأمّا قول عمرو بن مَعدِيكَرِبَ [من مجزوء الكامل]:
دَعنِي فأذْهَبَ ... إلخ
فالشاهد فيه أنّه عطف على جواب الأمر، واعتقد سقوط الفاء، فجزم على المعنى؛ لأنه لو لم تدخل الفاء، لكان مجزومًا. وقد شبّهه الخليل بقول الآخر [من الطويل]:
بدا لي أني ... إلخ
البيت لصِرْمَةَ الأنصاري، وقيل: لزُهَيْر، والشاهد فيه أنه خفض "سابق" بالعطف على خبرِ "ليس" على توهم الباء؛ لأنّ الباء تدخل في خبر "ليس" كثيرًا. فلمّا كان خبرها مَظِنةَ الباء، اعتقد وجودها، فخفض المعطوف عليه، وهو قوله: "ولا سابق"، ومثله [من الطويل]:
مَشائِيمُ ليسوا مُصْلِحين عَشِيرَة ... ولا "ناعِب" إلا ببَيْن غُرابُها (٣)
стр. 1651
بجر "ناعب" على توهُم الباء في الخبر الذي هو "مصلحين". وقريبٌ من ذلك قوله [من الرجز]:
أُمُ الحُلَيْس لَعَجوز شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى من اللحْم بعَظْمِ الرَقَبَهْ (١)
فإنه توهم "إن"، فاَدخلَ اللام في الخبر، حتى كأنه قال: "إن أمّ الحليس"، إذ كان ذلك مما يستعمل كثيرًا. وعكسُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، قدّر حذفَ "إنْ" عند سيبويه (٣)، ثم أدخل الفاء في خبرِ "الذين". وحاصلُه أنه غلط، فاعرفه.
فصل [اجتماع الشرط والقسم]
قال صاحب الكتاب: وتقول: "والله إن أتيتني لا أفعل" بالرفع، و"أنا والله إن تأتني لا آتك" بالجزم، لأن الأول لليمين والثاني للشرط.
* * *
قال الشارح: اعلم أن اليمين لا بدّ لها من جواب، لأن القسم جملة تؤكّد بها جملة أُخرى، فإذا أقسمت على المجازاة، فالقسم إنما يقع على الجواب، لأن جواب المجازاة خبرٌ يقع فيه التصديق والتكذيب، والقسمُ إنما يؤكد الإخبارَ. ألا ترى أنك لا تقول: "والله هل تقوم"، ولا "والله قم"؛ لأن ذلك ليس بخبر، فلمّا كان القسم معتمدًا به الجوابُ؛ بطل الجزم، وصار لفظه كلفظه لو كان في غير مجازاة، فتقول: "واللهِ إن أتيتني لا أفعلُ" بالرفع، لأنه جواب القسم، والشرطُ مُلْغى، كأنك قلت: و"الله لا أفعل إن أتيتَنِي"، وصار الشرط معلّقا على جواب اليمين، كما كان معلّقًا عليه الظرف من نحوِ إذا قلت: "والله لا أفعل يومَ الجمعة".
وتقول: و"اللَه إن أتيتني آتيك"، والمراد: لا آتيك، فـ "لا" تُحْذَف من القسم في الجحد للعلم بموضعها، إذ لو كان إيجابًا، لزمتْه اللامُ والنونُ، نحوُ: "والله لآتِيَنكَ". ومنه قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٤)، أي: لا تفتؤ. ولو جزمت الشرط، وقلت: و"الله إن تأتِني لا آتيك" لم يحسن؛ لأن حرف الشرط لا يجزم ما لا جوابَ له، والجوابُ هنا للقسم. فإن تقدّم القسمَ شيء، ثم أتى بعده المجازاة، اعتمدت المجازاة
стр. 1652
على ذلك الشيء، وأُلْغِي القسم، نحوُ قولك: "أنا والله إن تأتني لا آتِك"، اعتمد الشرط والجزاء على "أنا"، وصار القسم حشوًا مُلْغى، كأنه ليس في اللفظ. ألا ترى أنك تقول: "زيدٌ والله منطلقٌ"، ولو قدّمت القسمَ، لزمك أن تأتي باللام، فتقول: و"الله لَزيد منطلقٌ"؟ فبانَ الفرق أن القسم إذا وقع حشوا أُلْغي، وكان من قبيل الجمل المعترِضة في الكلام، فـ "أنا" مبتدأ، والشرط وجوابه خبر المبتدأ، والقسم اعترض بين المبتدأ وخبره لا حكمَ له، فاعرفه.
стр. 1653
ومن أصناف الفعل
مِثالُ الأمْرِ
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: وهو الذي على طريقة المضارع للفاعل المخاطب لا يخالف بصيغته صيغته، إلا أن تنزع الزائدة, فتقول: في "تضع": "ضع"، وفي "تُضارِبُ": "ضارب"، وفي "تدحرج", "دحرج"، ونحوها مما أوله متحرك. فإن سكن, زدت لئلا تبتدئ بالساكن همزة وصل, فتقول في "تضرب": "اضرب"، وفي "تنطلق", و"تستخرج": "انطلق" و"استخرج". والأصل في "تُكرم": "تؤكرم" كـ "تدحرج", فعلى ذلك خرج "أكرم".
* * *
قال الشارح: اعلم أن الأمر معناه طلب الفعل بصيغيةٍ مخصوصة، وله ولصيغته أسماءٌ بحسب إضافاته، فإن كان من الأعلى إلى مَن دونه، قيل له: "أمر"، وإن كان من النظير إلى النظير قيل له: "طلبٌ"، وإن كان من الأدنى إلى الأعلى، قيل له: "دعاءٌ"، وأما قول عمرو بن العاص لمُعاوِيَةَ: [من الطويل]
أمرتُك أمْرًا جازمًا فعَصَيْتَنِي (١)
فيحتمل أن يكون عمرو يرى نفسه فوق معاوية من جهة الرأي والإصابة في المَشْوَرة مع أن الشعر موضعُ ضرورة، فجاز أن يستعير فيه لفظ الأمر في موضع الطلب والدعاء.
وأمّا صيغته فمن لفظ المضارع يُنْزَع منه حرفُ المضارعة، فإن كان ما بعد حرف المضارعة متحرّكًا، أبقيته على حركته، نحوَ قولك في "تُدَحْرِجُ": "دَحْرِجْ"، وفي "تُسَرْهِفُ": "سَرْهِفْ"، وفي "تَرُدُّ": "رُدَّ"، وفي "تَقُومُ": "قُمْ". وإن كان ساكنًا، أتيتَ بهمزة الوصل ضرورةَ امتناع النطق بالساكن.
стр. 1654
وتلك الهمزة تكون مكسورة لالتقاء الساكنين، إلّا أن يكون الثالث منه مضمومًا، فإنه يضم إتباعًا لضمته، وكراهيةَ الخروج من كسر إلى ضمّ، والحاجزُ بينهما ساكن غير حصين فهو كلًا حاجز. والكوفيون (١) يذهبون إلى أن همزة الوصل في الأمر تابعة لثالثِ المستقبل، إن كان مضمومًا ضممتها، وإن كان مكسورًا كسرتها، ولا يفعلون ذلك في المفتوحة لئلا يلتبس الأمر بإخبار المتكلم عن نفسه، نحوَ: "اعلم"، و"أعْلَمُ".
فإن قيل: ولِمَ حذفت حرف المضارعة من أمر الحاضر، قيل: لكثرته في كلامهم، فآثروا تخفيفَه. لأنّ الغرض من حرف المضارعة الدلالة على الخطاب، وحضورُ المأمور وحاضرُ الحال يدلان على أن المأمور هو المخاطب، ولأنه ربما التبس الأمر بالخبر لو تُرك حرف الخطاب على حاله.
فإن قيل: ولِمَ كان لفظ الأمر من المضارع دون غيره؟ قيل: لمّا كان زمنُ الأمر المستقبلَ؛ أُخذ من اللفظ الذي يدل عليه، وهو المضارع.
وقوله: والأصل في "تُكرِم": "تُؤَكُرِمُ" كـ"تُدَحرِجُ"، كأنه جواب دَخل مقدرّ، كأنه قيل: لِمَ قالوا في الأمر من "تُكْرِمُ"، و"تُخْرِجُ" ونظائرهما: "أكْرِمْ"، و"أخْرِجْ" بهمزة مفتوحة مقطوعة، وهلا جاؤوا فيه بهمزة الوصل لسكونِ ما بعد حرف المضارعة كما فعلوا في "تَضْرِبُ"، و"تَخرُجُ" حين سكن ما بعد حرف المضارعة؟ فالجواب أن الأصل "تُؤَكْرِمُ" بهمزة مفتوحة بعد حرف المضارعة، وذلك أن الماضي "أكرم"، و"أخرج" بهمزة التَعْدِية على وزانِ "دَحْرَجَ"، فالهمزة بإزاء الدال، فإذا رددتَه إلى المضارع، زدتَ في أوّله حرف المضارعة، وكان القياس "تُؤَكْرِمُ"، نحوَ: "تُدَحْرِجُ"؛ لأنّ حرف المضارعة إنما تزاد على لفظ الماضي من غير حذف شيء منه، إلّا أنهمِ حذفوا الهمزة من أوله كراهيةَ اجتماع همزتين في فعل المُخْبِر عن نفسه، نحوِ: "أأكرِمُ"، ثمّ حملوا عليه سائر المضارعة، ليجري البابُ على منهاج واحد في الحذف، ولا يختلف كما فعلوا ذلك في "يَعِدُ"، و"تَعِدُ"، و"نَعِدُ"، و"أعِدُ"، وإن لم يقع الواو بين ياء وكسرة، وإذا أمرت منه، حذفت حرف المضارعة. وإذا زال حرف المضارعة، عادت الهمزة، فقلت: "أَكْرِمْ"، و"أَخْرِجْ"، وذلك لأمرَيْن أحدهما. أن الموجِب لحذفها قد زال، وهو حرف المضارعة. والآخر أنه لما حذف حرف المضارعة، وكان ما بعده ساكنًا. احتيج إلى همزة الوصل، وكان رد ما حذف منه أولى فاعرفه.
стр. 1655
فصل [الأمر باللام]
قال صاحب الكتاب: وأما ما ليس للفاعل, فإنه يؤمر بالحرف داخلاً على المضارع دخول "لا" و"لم"، كقولك: "لتضرب أنت"، و"ليضرب زيدٌ"، و"لأضرب أنا", وكذلك ما هو للفاعل, وليس بمخاطب, كقولك: "ليضرب زيدٌ", و"لأضرب أنا".
* * *
قال الشارح: الأصل في الأمر أن يدخل عليه اللام، وتلزمه لإفادة معنى الأمر، إذ الحروف هي الموضوعة لإفادة المعاني كـ"لا" في النهي، و"لَمْ" في النفي، إلّا أنهم في أمر المخاطب حذفوا حرف المضارعة لِما ذكرناه من الغُنْية عنه، بدلالة الحال وتخفيفًا لكثرة الاستعمال. ولمّا حذفوه، لم يأتوا بلام الأمر, لأنها عاملة، والفعل بزوال حرف المضارعة منه خرج عن أن يكون معربًا، فلم يدخل عليه العامل.
وما عدا المخاطب من الأفعال المأمور بها تلزمها اللام، لأنه لم يجز حذف حرف المضارعة منه، لئلا يُلبِس، ولعدم الدليل عليه.
فمن ذلك ما ليس للفاعل، وهو فعلُ ما لم يسمّ فاعلُه، إذا أمرت به، لزمتْه اللام، نحوُ: "لتُعْنَ بحاجتي"، و"لتُوضَعْ في تجارتك"، و"لتُزْهَ علينا يا رجلُ". فهذا القبيل لا بد فيه من اللام، وإن كان مخاطبًا حاضرًا؛ لأنّ هذا الفعل قد لحقه التغييرُ بحذف فاعله وتغييرِ بنيته، فلم تحذف منه اللام أيضًا وحرف المضارعة لئلا يكون إجحافًا به، وإذا لم يجز الحذف مع المخاطب، فان لا يجوز مع الغائب أولى.
فلذلك تقول: "لِتُضْرَبْ يا زيدُ"، و"ليُضْرَبْ هو"، وكذلك لو كان الأمر لغائب أو متكلّم، لم يكن بد من اللام، نحوَ: "لِيَقُمْ"، و"لِيَخْرُجْ بكرٌ"، و"لأقُمْ"، و"لأخرجْ". وذلك من قبل أن حرف المضارعة يلزم هنا للدلالة على المقصود منه، وإذا لزم حرف المضارعة، وجب الإتيانُ بلام الأمر لإفادة معنى الأمر، وكان المحل قابلاً من حيث كان معربًا لِما فيه من حروف المضارعة، وربما حذفوا هذه اللام في الشعر، وجزموا بها، أنشد أبو زيد [من الطويل]:
٩٩٥ - فتُضْحِي صَرِيعًا لا تقومُ لحاجةِ ... ولا سْمَع الداعي ويسمِعْكَ مَن دَعًا
стр. 1656
وأنشد سيبويه [من الطويل]:
٩٩٦ - على مِثْلِ أصحاب البَعُوضَةِ فاخْمُشِي ... لَكِ الوَيْل حُرَ الوَجْهِ أو يَبْكِ من بَكَى
وأنشد أيضًا [من الوافر]:
محمّدُ تَفْدِ نَفْسَك كل نفسٍ ... إذا ماخِفْتَ من شيءٍ تَبالا (١)
أي: لِتَفْدِ، وهو قليل.
стр. 1657
فإن قيل: ولِمَ زعمتم أن أمر الحاضر أكثرُ من أمر الغائب حتى دَعَتِ الحالِ إلى تخفيفه؟ قيل: لأنّ الغائب لبُعْده عنك إذا أردت أن تأمره، أمرتَ الحاضر أن يؤدي إليه أنك تأمره، نحوَ قولك: "يا زيدُ قُلْ لعمرو قُمْ"، ولا تحتاج في أمر الحاضر إلى مثل ذلك، فكان أكثرَ؛ لأنك تحتاج في أمر الغائب إلى أمر الحاضر، ولا يلزم من أمر الحاضر أمرُ الغائب. ومما يؤكّد عندك قوَّةَ الحاضر وغَلَبَتَه الغائبَ أنك لا تأمر الغائب بالأسماء المسمّى بها الفعلُ في الأمر، نحوِ "صَهْ"، و"مَهْ"، و"إيه"، و"إيها"، و"دُونَكَ"، "عِنْدَكَ". لا تقول: "دونه زيدًا"، ولا "عليه بكرًا"، ولهذا المعنى غلب ضميرُ الحاضر ضميرَ الغائب، فتقول: "أنت وهو فعلتَها"، ولا تقول: "فَعَلًا". وإذا صاغوا لهما اسمًا كالتثنية، صار على لفظ الحضور، نحو قولك: "أنتما فعلتما"، ولا تقول: "هما فعلا"، فاعرفه.
فصل [أمر الفاعل المخاطب بالحرف]
قال صاحب الكتاب: وقد جاء قليلاً أن يؤمر الفاعل على المخاطب بالحرف ومنه قراءة النبي ﷺ : ﴿فبذلك فلتفرحوا﴾ (١).
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر، وهو اللام، فإذا قلت: "اضربْ"، فأصله "لِتَضرِبْ"، و"قُم" أصله "لِتَقُمْ" كما تقول للغائب: "ليضربْ زيدٌ"، و"لتذهب هندُ"، غيرَ أنها حُذفت منه تخفيفًا ولدلالة الحال عليه، وقد جاءت على أصلها شاذة. فمن ذلك القراءة المعزُوة إلى النبي ﷺ ، وهي قوله تعالى: ﴿فبذلك فلتفرحوا﴾، وقرأ بها أيضًا عثمان بن عَفانَ، وأُبَي بن كَعْب، وأنسُ بن مالك (٢)، وروي عنه في بعض غَزَواته: "لِتَأخُذُوا مَصافكُمْ" (٣)، أي: خذوا مصافكم، وإنّما أدخل اللام مراعاة للأصل.
فصل [بناءُ الأمر]
قال صاحب الكتاب: وهو مبني على الوقف عند أصحابنا البصريين, وقال الكوفيون هو مجزوم باللام مضمرة (٤) , وهذا خلف من القول.
* * *
стр. 1658
قال الشارح: اعلم أن فعل الأمر على ضربَيْن: مبني ومعرب، فإذا كان للحاضر مجرّدًا من الزيادة في أوّله، كان مبنيًا عندنا، خِلافًا للكوفيين. وإنما قلنا ذلك؛ لأنّ أصل الأفعال كلها أن تكون مبنية موقوفةَ الآخِر، وإنما أُعْرب الفعل المضارع منها بما في أوّله من الزوائد الأربع وكينونتِه على صيغة ضارَعَ بها الأسماءَ، فإذا أمرنا منه، ونزعنا حرف المضارعة من أوّله، فقلنا: "اضْرِبْ"، "اذْهَبْ"، فتتغيّر الصورة والبنية التي ضارع بها الاسمَ، فعاد إلى أصله من البناء استصحابًا للحال الأولى.
وذهب الكوفيون إلى أنه معرب مجزوم بـ"لام" محذوفة، وهي لام الأمر، فإذا قلت: "اذهب"، فاصله "لِتذهبْ"، وإنما حذفت اللام تخفيفًا، وما حُذف للتخفيف فهو في حكم الملفوظ به، فكان معربًا مجزومًا بذلك الحرف المقدّر. ويؤيّد عندك أنه مجزوم أنك إذا أمرت من الأفعال المعتلّة نحوِ "يَرْمِي"، و"يَغزُو"، و"يَخْشَى"، حذفت لاماتها، كما تفعل في المجزوم من نحو "لِيَغْزُ"، و"لِيَرْمِ"، و"ليَخْشَ". والبناءُ لا يوجب حذفُاً.
والجواب عن كلام الكوفيين: أمّا قولهم: "إنه معرب"، فقد تقدّم القول: إِن أصل الأفعال البناءُ، وسببُ إعراب المضارع ما في أوّله مَن الزوائد، وقد فُقدت هنا. وقولهم: إِنه مجزوم بلام محذوفة فاسدٌ, لأنّ عوامل الأفعال ضعيفة، فلا يجوز حذفُها وإعمالها، كما لم يجز ذلك في "لَمْ" و"لَنْ" ونظائرهما، وذلك لأنّ عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء، لأنّ الأفعال محمولة على الأسماء في الإعراب، فكانت الأسماء أمكن، وعواملُ الأصل أقوى من عوامل الفرع. وعواملُ الأسماء على ضربين: أفعالٌ وحروفٌ، فما كان من الأفعال، فقد يجوز حذفه وتبقية عمله، نحوُ: "لولا زيد"، و"هَلَا عمرٌو"، ويجوز: "زيدًا ضربتَه" وأشباهُ ذلك. وما كان من الحروف، نحوِ: "إن" وأخواتها وحروف الجرّ، فإنه لا يجوز حذفُ شيء من ذلك وتبقيةُ عمله، فكان ذلك في الفرع الذي هو أضعف أولى بالامتناع، مع أنا نقول لو كان فعل الأمر مجزومًا بـ "لام" محذوفة، لبقي حرف المضارعة كما بقي في قوله [من الوافر]:
محمدُ تَفْدِ نَفْسَك كل نفسٍ (١)
وكما قال [من الطويل]:
أو يَبْكِ مَن بَكي (٢)
لفظ حذف حرف المضارعة، وتغيرت بنيةُ الفعل؛ دلّ على ما قلناه. وأما حذف حرف العلة من نحوِ "ارْمِ"، و"اغْزُ"، و"اخْشَ"، فلأنه لمّا استوى لفظ المجزوم والمبني في الصحيح، نحوِ: "لم تذهبْ" و"اذْهَبْ"، أرادوا أن يكون مثل ذلك في المعتل، فحذفوا آخِرَه في البناء؛ ليوافق آخره آخرَ المجزوم، فاعرفه.
стр. 1659
ومن أصناف الفعل
المتعدي وغير المتعدّي
فصل [أنواعُهما]
قال صاحب الكتاب: فالمتعدي على ثلاثة أضرب: متعد إلى مفعول به, وإلى اثنين وإلى ثلاثة. فالأول نحو قولك: "ضربت زيداً"، والثاني نحو كسوت زيداً جبة، وعلمت زيداً فاضلاً. والثالث نحو أعلمت زيداً عمراً فاضلاً وغير المتعدي ضربٌ واحد وهو ما تخصص بالفاعل كذهب زيد ومكث وخرج ونحو ذلك.
* * *
قال الشارح: اعلم أن الأفعال على ضربين: متعدّ وغير متعدّ، فالمتعدّي ما يفتقر وجودُه إلى محل غير الفاعل. والتعدي التجاوُز، يُقال: "عدا طَوْرَه"، أي: تَجاوز حَدّه، أي: إن الفعل تجاوز الفاعلَ إِلى محل غيره، وذلك المحلّ هو المفعول به، وهو الذي يحسن أن يقع في جواب: "بمَن فعلتَ؟ " فيقال: "فعلتُ بفلان"، فكل ما أنْبأ لفظُه عن حلوله في حيزٍ غير الفاَعل، فهو متعدّ، نحوُ: "ضرب"، و"قتل". ألا ترى أن الضرب والقتل يقتضيان مضروبًا ومقتولاً، وما لم يُنْبِىءْ لفظُه عن ذلك، فهو لازمٌ غير متعدّ، نحوُ: "قام"، و"ذهب". ألا ترى أن القيام لا يتجاوز الفاعلَ، وكذلك الذهاب؟ ولذلك لا يقال: "هذا الذهابُ بمن وقع" وكذلك القيام، بخلافِ "ضرب" وأشباهه، فإنّه لا يكون ضربا حتى يوقِعه فاعلُه بشخص.
والمتعدّي على ثلاثة أضرب: متعدّ إلى مفعول واحد، يكون عِلاجًا، وغير علاج، فالعلاجُ ما يفتقر في إيجاده إلى استعمالِ جارحة أو نحوها، نحوُ: "ضربت زيدًا"، و"قتلت بكرًا". وغيرُ العلاج ما لم يفتقر إلى ذلك، بل يكون ممّا يتعلّق بالقلب، نحوُ: "ذكرت زيدًا"، و"فهمت الحديثَ"، وذلك على حسب ما يقتضيه ذلك الفعلُ، نحوُ: "أكرمتُ زيدًا"، و"شربت الماءَ"، و"أرْوَى أخاك الماءُ".
ومن المتعدي إلى مفعول واحد أفعالُ الحواسّ، كلُها يتعدى إلى مفعول واحد،
стр. 1660
نحوُ: "أبصرته"، و"شممته"، و"ذُقته"، و"لمسته"، و"سمعته". وكل واحد من أفعال الحواس يقتضي مفعولًا ممّا تقتضيه تلك الحاسةُ، فالبصر يقتضي مُبْصَرًا، والشمّ يقتضي مشمومًا، والسمع يقتضي مسموعًا، فكل واحد من أفعال هذه الحواس يتعدّى إلى مفعول مما تقتضيه تلك الحاسّةُ، تقول: "أبصرت زيدًا"؛ لأنه مما يُبْصَر، ولو قلت: "أبصرتُ الحديث أو القيام"، لم يجز؛ لأنّ ذلك ممّا ليس يُدرَك بحاسّة، وكذلك سائرها.
وذهب أبو علي الفارسي إلى أن "سمعت" خاصة يتعدّى إلى مفعولين، ولا يكون الثاني إلا ممّا يُسْمَع، كقولك: "سمعتُ زيدًا يقول ذاك". ولو قلت: "سمعت زيدًا يضربُ" لم يجز, لأنّ الضرب ليس مما يسمع، فإن اقتصرت على أحد المفعولين، لم يكن إلّا مما يسمع، نحوَ: "سمعت الحديث والكلام". ولا أراه صحيحًا؛ لأنّ الثاني من قولنا: "سمعتُ زيدًا يقول" جملةَ، والجملُ لا تقع مفعولة إلّا في الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، نحوِ: "ظننت"، و"علمت"، وأخواتهما. و"سمعت" ليس منها، والحق أنه يتعدّى إلى مفعول واحد كأخواته، ولا يكون ذلك المفعول إلّا ممّا يُسْمَع، فإن عدّيته إلى غير مسموع، فلا بد من قرينة بعده من حال أو غيره تدل على أن المراد ما يسمع منه، فإذا قلت: "سمعت زيدًا يقول"، فـ "زيدٌ" المفعول على تقدير حذف مضاف، أي: قولَ زيد، و"يقول" في موضع الحال، وبه عُلم أن المراد قوله.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (١)، فالمفعول الضمير المتّصل به وهو ضمير المخاطَبين، وحسُن ذلك بقوله: "إذ تدعون"؛ لأنّ به عُلم أن المراد دعاؤهم. فأمّا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ (٢)، فلا إشكالَ فيه، لأنّ الدعاء مما يسمع.
فأمّا "دخلتُ البيتَ"، فقد اختلف العلماءُ فيه: هل هو من قبيلِ ما يتعدّى إلى مفعول واحد، أو من اللازم؟ وسببُ الخلاف فيه استعمالُه تارة بحرف جرّ، وتارةً بغيره، نحوُ: "دخلت البيتَ" و"دخلت إلى البيت". والصوابُ عندي أنه من قبيل الأفعال اللازمة. وإنما يتعدّى بحرف الجرّ، نحوَ: "دخلت إلى البيت". وإنما حذف منه حرف الجرّ توسّعًا لكثرة الاستعمال. والذي يدلّ على ذلك أن مصدره يأتي على "فُعُولٍ"، نحوِ: "الدُخُول"، و"فُعُول" في الغالب إنما يأتي من اللازم، نحو: "القعود"، و"الجلوس"، وأن مثله وخلافه غير متعدّ، فـ "دَخَلْت" مثلُ "غبرت"، فكما أن "غبرت" غير متعدّ، فكذلك "دخلت". وخلافُه "خرجت"، وهو لازم أيضًا. وقلّ ما نجد فعلًا متعديا إلّا وخلافُه ومضادّه كذلك، ألا ترى أن "تَحركَ" لازم وضده "سَكَنَ"، وهو كذلك؟ و"اسود" و"ابيضّ" كذلك.
стр. 1661
ومثلُ "دخلتُ البيتَ" "ذهبتُ الشأمَ" أمرُهما واحد، ولا يُقاس عليهما غيرُهما؛ لقلة ما جاء من ذلك.
واعلم أنه يجوز تقديم المفعول على الفاعل وعلى الفعل نفسه، نحوَ قولك: "ضرب زيدًا عمرو"، و"عمرًا ضرب زيدٌ"، كل ذلك عربي جيد، وذلك إذا لم يلتبس؛ لأن الإعراب يفصل بين الفاعل والمفعول، فإن لزم من ذلك لبس بأن يكون الاسمان مبنيين، أو لا يظهر فيهما الإعرابُ لاعتلال لامَيْهما، نحوِ: "ضرب هذا ذاك"، و"أكرم عيسَى موسَى"، فحينئذ يلزم حفظُ المرتبة؛ ليُعْرَف الفاعل بتقدّمه، والمفعول بتأخره.
وأمّا ما يتعدّي إلى مفعولَيْن، فهو على ضربين: أحدهما ما يتعدّي إلى مفعولَين، ويكون المفعول الأول منهما غير الثاني. والآخر أن يتعدّي إلى مفعولين، ويكون الثاني هو الأولَ في المعنى.
فأما الضرب الأوّل، فهي أفعال مَؤَثرة تنفذ من الفاعل إلى المفعول، وتؤثر فيه، نحوَ قولك: "أعطى زيد عبدَ الله درهما"، و"كسا محمّد جعفرًا جبة"، فهذه الأفعالُ قد أثرت اعطاءَ الدرهم في عبد الله، وكسوَةَ الجبة في جعفر. ولا بد أن يكون المفعول الأول فاعلًا بالثاني، ألا ترى أنك إذا قلت: "أعطيت زيدًا درهمًا" فـ"زيدٌ" فاعلٌ في المعنى لأنه آخذ الدرهم؟ وكذلك "كسوتُ زيدًا جبة"فـ"زيدٌ" هو اللابس للجبة.
ومن هذا الباب ما كان يتعدّي إلى مفعولين، إلّا أنه يتعدّي إلى الأول بنفسه من غير واسطة، وإلى الثاني بواسطة حرف الجرّ، ثم اتسع فيه، فحذف حرف الجرّ، فصار لك فيه وجهان، وذلك نحو قولك: "اخترْتُ الرجالَ بكرًا"، وأصله: "من الرجال". قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (١)، أي: من قومه. ومنه "استغفرت الله ذنبًا، أي: من ذنب. قال الشاعر [من البسيط]:
٩٩٧ - أستغفرُ الله ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... [رب العِبادِ إِليهِ الوجهُ والعَمَلُ]
стр. 1662
ومن ذلك: "سميتُه بزيد"، و"كنيته بأبي بكر"، فإنه يجوز التوسّع فيه بحذف حرف الجر بقولك: "سمّيته زيدًا"، و"كنيته أبا بكر". وكل ما كان من ذلك فإنه يجوز فيه التقديم والتأخير، نحوُ: "أعطيت زيدًا درهمًا"،و"أعطيت درهمًا زيدًا"، و"زيدًا أعطيت درهمًا". كل ذلك جائز؛ لأنه لا لبس فيه من حيث كان الدرهم لا يأخذ زيدًا. فإن كان الثاني ممّا يصح منه الأخذُ، نحوَ: "أعطيت زيدًا عمرًا"، وجب حفظُ المرتبة؛ لأنّ كل واحد منهما يصح منه الأخذُ.
وأما الثاني وهو ما يتعدّي إلى مفعولين، ويكون الثاني هو الأول في المعنى، وهذا الصنفُ من الأفعال لا يكون من الأفعال التي تنفذ منك إلى غيرك، ولا يكون في الأفعال المؤثرة، إنما هي أفعالٌ تدخل على المبتدأ والخبر، فتجعل الخبرَ يقينًا أو شكًّا. وتلك سبعةُ أفعال، وهي: حسبت، وظننت، وخِلْت، وعلمت، ورأيت، ووجدت، وزعمت. فـ"حسبت"، و"ظننت"، و"خلت" متواخيةٌ؛ لأنها بمعنى واحد، وهو الظنّ، و"علمت"، و"رأيت"، و"وجدت" متواخية؛ لأنّها بمعنى واحد، وهو اليقين، و"زعمت" مفردٌ؛ لأنه يكون عن علم وظن، وذلك قولك: "حسبت زيدًا أخاك"، و"ظنّ زيد محمدًا عالمًا"، و"خلت بكرًا ذا مالٍ"، و "علمت جعفرًا ذا حفاظ"، و"وجدت اللهَ غالبًا"، و"زعمت الأمير عادلًا". فهذه الأفعال المفعولُ الثاني من مفعولَيها هو الأول في المعنى، ألا ترى أن زيدًا هو الأخ في قولك: "حسبت زيدًا أخاك"، وكذلك سائرها.
وإنما كان كذلك؛ لأنها داخلة على المبتدأ والخبر، وخبرُ المبتدأ إذا كان مفردًا، كان هو المبتدأ في المعنى، والذي يدل أنها داخلة على المبتدأ والخبر أنك لو أسقطت الفعل والفاعل، لعاد الكلام إلى المبتدأ والخبر، نحوِ قولك: "زيدٌ أخوك"، و"محمّدٌ عالمٌ" بخلافِ "أعطيت زيدًا درهما"؛ لأنّ المفعول الثاني في "أعطيت" غير الأول، فلا يكون خبرًا. ولكونها داخلة على المبتدأ والخبر، لم يجز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وذلك أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا منطلقًا"، فإنّما شككت في انطلاق زيد، لا
стр. 1663
فيه؛ لأنّ المخاطَب يعرف زيدًا كما يعرفه المخاطِب، فالمخاطَب والمخاطِب في المفعول الأول سواءٌ، وإنما الفائدةُ في المفعول الثاني، كما كان في المبتدأ والخبر الفائدة في الخبر، ولذلك من المعنى لم يجز الاقتصار على أحد المفعولين دون الآخر، فلا تقول: "زيدًا" حتى تقول: "قائمًا"، ولا تقول: قائمًا حتى تقول: "زيدًا"؛ لأنّ الظنْ يتعلّق بالقيام ونحوه، إلّا أنك لو اقتصرت عليه، لم يُعْلَم القيام لِمَنْ هو، فاحتجتَ إلى ذكر المخْبَر عنه ليعلم أن القيام له، فصار بمنزلة قولك: "قائمٌ" في أنه لا فائدة فيه إلّا بعد تقدم المبتدأ، وبانَ بما ذكرنا تعلقُ هذه الأفعال بالمبتدأ والخبر.
وأمّا ما يتعدّي إلى ثلاثة، فهو أفعال منقولة مما كان يتعدّى إلى مفعولين، نحو: "أعلمت زيدًا عمرًا فاضلًا"، و"أرَيْتُ محمدًا خالدًا ذا حفاظ"، فـ"أعلم" منقول من "عَلِمَ"، وقد كان ممّا يتعدّي إلى مفعولين، الثاني منهما هو الأول، وصار بعد نقله بالهمزة يتعدّي إلى ثلاثة، وكذلك "أرَى". وسيأتي الكلام على هذا الفصل بأوْضَحَ من هذا بعدُ، إن شاء الله.
فصل [تعدية الفعل اللازم]
قال صاحب الكتاب: وللتعدية أسباب ثلاثة, وهي الهمزة, وتثقيل الحشو, وحرف الجر, تتصل ثلاثتها بغير المتعدي, فتصيره متعدياً، وبالمتعدي إلى مفعول واحد فتصيره ذا مفعولين, نحو قولك أذهبته، وفرحته، وخرجت به، وأحفرته بئرًا، وعلمته القرآن، وغصبت عليه الضيعة, وتتصل الهمزة بالمتعدي إلى اثنين, فتنقله إلى ثلاثة نحو: "أعلمت".
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أن الأفعال على ضربين، منها ما هو لازم للفاعل غيرُ متجاوز له إلى مفعول، ويُقال له: "غير متعد"، ومنها ما يتجاوز الفاعلَ إلى مفعول به، ويُقال له: "المتعدي". فإذا أردت أن تُعديَ ما كان لازمًا غير متعد إلى مفعول، كان ذلك بزيادة أحد هذه الأشياء الثلاثة، وهي الهمزة، وتضعيف العين، وحرف الجرّ.
فأمّا الأول، وهو زيادة الهمزة في أوّله، فنحوُ: "ذهب"، و"أذهبتُه"، و"خرج"، و"أخرجته".قال الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (٢). ألا ترى أنه حدث بدخول الهمزة تعَد لم يكون قبلُ؟ ولهذا البناء معانٍ أُخر تُذْكَر بَعْدُ، إِلا أن الغالب عليه التعدية.
стр. 1664
وأما التضعيف، فنحو قولك: "فرِح زيدٌ"، و"فرحته"، و"غرِم"، و"غرّمته"، و"نبُل"، و"نبلته"، و"نزل"، و"نزلته". والمراد: حملته على ذلك وجعلته يفعله، ولذلك صار متعديًا بعد أن لم يكن كذلك. وهذا البناءُ يُشارِك "أفْعَلَ" في أكثرِ معانيها، إلّا أن أحدهما قد يكثر في معنى، ويقل في معنى آخر على ما سنذكر.
وأما حروف الجرّ، فنحو قولك: "مررت يزيد"، و"نزلت على عمرو"، فهذه الحروف إنما دخلت الاسمَ للتعدية، وإيصال معنى الفعل إلى الاسم؛ لأنّ الفعل قبلها لا يصل إلى الاسم بنفسه، لأنها أفعال ضعُفتْ عُرْفًا واستعمالًا، فوجب تقويتُها بالحروف الجارّة، فيكون لفظه مجرورًا، وموضعه نصبًا بأنه مفعول، ولذلك يجوز فيما عُطف عليه وجهان: الجرّ والنصب، نحوُ قولك: "مررت بزيد وعمرو، وعمرًا"، فالجر على اللفظ، والنصب على الموضع. وذلك من قبل أن الحرف يتنرل منزلةَ الجزء من الفعل من جهةِ أنّه به وصل إلى الاسم، فكان كالهمزة في "أذهبته"، والتضعيف في "فرّحته". وتارة يتنزل منزلة الجزء من الاسم المجرور به، ولذلك جاز أن يعطف عليهما بالنصب، فالجزُ على الاسم وحدَه، والنصب على موضع الحرف والاسم معًا، وكما تُعدي هذه الأشياء الثلاثة غيرَ المتعدي إلى مفعول، نحوَ قولك: "أذهبت زيدًا"، فكذلك تزيد في تعديةِ ما كان متعديًا منها، فإذا كان يتعدّي إلى مفعول واحد، وأتيتَ بالهمزة، أو أخْتَيها صار يتعدّي إلى مفعولَيْن، نحوَ: "أضربتُ زيدًا عمرًا"، أي: حملته على الضرب، فصار الفاعل مفعولًا. وإن كان يتعدّى إلى مفعولين، صار يتعدّي إلى ثلاثة، نحوَ قولك فىِ "علمت زيدًا قائمًا"، و"رأيت عمروًا عالمًا": "أعلمني بكر زيدًا قائمًا"، و"أراني عبدُ الله عمرًا عالمًا". كان المتكلم قبل النقل فاعلاً، فصار بعد النقل بالهمزة مفعولًا، وليس وراء الثلاثة متعدى (١) إِليه.
واعلم أنّه متى عديت الفعل بالهمزة، أو التضعيف، لم تجمع بين واحد منهما وحرف الجرّ, لأنّ الغرض تعديةُ الفعل، فبايّ شيء حصل أغنى عن الآخر، ولا حاجة إلى الجمع بينهما، فتقول: " أدخلت زيدًا الدارَ"، و"أذهبت خالدًا"، و"دخلت يزيد الدارَ"، و"ذهبت به". قال الله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (٢)، ولا يجوز "أدخلت يزيد الدارَ"، ولا "أذهبت به"، فتجمع بين الهمزة والباء لِما ذكرت لك، فاعرفه.
فصل [أنواع الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل]
قال صاحب الكتاب: والأفعال المتعدية إلى ثلاثة علي ثلاثة أضرب: ضربٌ منقول بالهمزة عن المتعدي إلى مفعولين، وهو فعلان: "أعلمت", و"أريت"، وقد أجاز الأخفش
стр. 1665
أظننت وأحسبت وأخلت وأزعمت. وضرب متعد إلى مفعول واحد وقد أُجري مجرى أعلمت لموافقته له في معناه, فعدى تعديته، وهو خمسة أفعال: أنبأت ونبأت وأخبرت وخبرت وحدثت. قال الحارث بن حلزة [من الخفيف]:
٩٩٨ - [إن منعتم ما تُسألون] فمن ... حدثتموه له علينا العلاء
وضربٌ متعد إلى مفعولين وإلى الظرف المتسع فيه, كقولك: "أعطيت عبد الله ثوباً اليوم"، و"سرق زيدٌ عبد الله الثوب الليلة". ومن النحويين من أبي الاتساع في الأفعال ذات المفعولين.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذا الباب منقول من باب "ظننت" وأخواتها، نحوَ: "أعلم"، و"أرَى"، فهذان الفعلان منقولان من "علمت"، و"رأيَت"، وهما من الأفعال المتعدّية إلى مفعولَيْن لا يجوز الاقتصار على أحدهما. كان الأصل قبل النقل: "علم زيدٌ عمرًا قائمًا" و"رأى بكرٌ محمدًا ذا مال"، فلمّا نقلته من "فَعَل" إلى "أفْعَل"، صار الفاعل مفعولاً،
стр. 1666
فاجتمع معك ثلاثةُ مفاعيل، نحو قولك: "أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا"، و"أريتُ بكرًا محمّدًا ذا مال"، فالمفعولُ الأول هنا كان فاعلاً قبل النقل، وذلك أنك إذا قلت: "علم زيد عمرًا قائمًا"، جاز أن يكون ذلك العلم بمُعْلِمٍ، فإذا ذكرته، صار هو الفاعل من حيث كان مُعْلِمًا، و"زيدٌ"، الذي كان فاعلًا عالمًا مفعولٌ من حيث كان مُعْلَمًا. وهذا النقلُ مقصور على هذَيْن الفعلين دون أخواتهما، وهو المسموع من العرب، فبعضُهم يقف عند المسموع ولا يتجاوزه إلى غيره.
وكان أبو الحسن الأخفش يَقيس عليهما سائرَ أخواتهما، فيُجِيز: "أظَن زيدٌ عمرًا أخاك قائمًا"، و"أزعم بكرٌ محمدًا جعفرًا منطلقًا". والمذهبُ الأول لقلّة ذلك.
وأما الضرب الثاني: فما كان في معنى العلم، وهي خمسة أفعال: "أخْبَرَ"، و"أنْبأ"، و"خبرَ"، و"نبأ"، و"حَدّثَ"، فهذه الأفعال الخمسة معناها الإخبار والحديث، والإخبارُ إعلامٌ. فلما كانت في معنى الإعلام، تَعدت إلى ثلاثة مفاعيل كما يتعدّي "أعلم"، فتقول: "أخبرتُ زيدًا عمرًا ذا مال"، و"أنبأت محمدًا جعفرًا مقيمًا" و"نبأتُ أباك أخاك منطلقًا"، و"أخبرت زيدًا الأميرَ كريمًا"، و"حدثت محمّدًا أخاه عالمًا"؛ فأما قول الحارِث بن حِلزَةَ اليَشْكري [من الخفيف]:
إنْ مَنَعْتُمْ ما تُسْالُونَ فَمَنْ حُدِثْتُموه ... له علينا العَلاءُ
فأنشده شاهدًا على صحة الاستعمال، وأنه متعد إلى ثلاثة مفعولِين: فالتاء والميم المفعول الأول، وقد أقيم مُقام الفاعل، والهاء المفعول الثاني، و"له علينا العلاءُ" جملةٌ في موضع المفعول الثالث. والمعنى: إن منعتم ما تسألون من الإنصاف، فمَن حُدثتم عنه أنه قهرنا؟
وحقيقةُ تعدي هذه الأفعال بتقدير حرف الجرّ، فإذا قلت: "أنبأت زيدًا خالدًا مقيمًا"، فالتقدير: عن خالد؛ لأنّ "أنبأت" في معنَى "أخبرت"، والخبر يقتضي "عَن" في المعنى، فهو بمنزلةِ "أمرتُك الخيرَ"، والمراد: بالخير؛ لأنّ الفعل في كل واحد منهما لا يتعدّي إلّا بحرف جرّ. فإذا ظهر حرفُ الجرّ، كان الأصلَ، وإذا لم يذكر، كان على تقدير وجوده واللفظِ به؛ لأنّ المعنى عليه، واللفظ مُحْوجٌ إليه، وليس ذلك كالباء، ولا كـ"مِنْ" في قولك: "ليس زيد بقائم"، و"ما جاءني من أحد"؛ لأنّ اللفظ مستغنٍ عنهما، فأدخلوهما زائدتَين لضرب من التأكيد. فإذا لم يذكرا، لم يكونا في نية الثبوت، وليس كذلك "عَنْ" في قولك: "أخبرت زيدًا عن عمرو" لأنّ حرف الجرّ هنا دخل, لأنّ اللفظ مُحْوِجٌ إليه، فإذا حذفته، كان في تقدير الثبوت، إذ لا يصح اللفظ إلّا به، مع أن "عَنْ" لم ترد قط إلّا بمعنَى يحوِج الكلام إليه. فإذا وجدناها في شيء، ثم فقدناها منه، علمنا أنها مقدّرة.
стр. 1667
واعلم أن هذه الأفعال لا يجوز إلغاؤها كما جاز فيما نُقلت عنه؛ لأنك إذا قلت: "علمت"، أو"ظننت" ونحوَهما؛ فهي أفعالٌ ليست واصلة، ولا مؤثرة، إنما ذلك شيءٌ وقع في نفسك، لا شيءٌ فعلتَه. وإذا قلت: "أعلمت"، فقد أثرت أثرًا أوقعته في نفس غيرك، ومع ذلك فإن "علمت"، و"ظننت"، من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، فإذا أُلغيت، عاد الكلام إلى أصله من المبتدأ والخبر؛ لأنّ المُلْغَى نظير المحذوف، فلا يجوز أن يُلْغَى من الكلام ما إذا حذفته بقي الكلام غيرَ تام. وأنت إذا قلت: "زيد طننتُ منطلقٌ" بإلغاء "ظننت"، كان التقدير: "زيد منطلق"، فدخل الظنّ، والكلام تامٌ. ولو أخذتَ تُلْغِي "أعلمت"، و"أرَيتُ"، ونحوَهما في قولك: "أعلمت بِشْرًا خالدًا خيرَ الناس"، لبقي "بشرٌ خالد خيرُ الناس"، وهو كلام غير تامّ ولا منتظم، لأن "زيدًا" يبقى بغير خبر.
واعلم أنه يجوز الاقتصار في هذه الأفعال المتعدّية إلى ثلاثة مفعولين على المفعول الأول، وأن لا يذكر الثاني، ولا الثالث؛ لأنّ المفعول الأول كان فاعلاً في بابِ "علمت" قبل النقل، فكما يجوز الاقتصار على الفاعل في باب "علمت"، كذلك يجوز الاقتصار على المفعول الأول. في باب "أعلمت"، ولا يجوز على الثاني ولا الثالث، كما لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول دون الثاني، وعلى الثاني في باب "علمت"، و"رأيت"، وهذا لا خلاف فيه. والظاهرُ من كلام سيبويه أن لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول (١). والصوابُ ما ذكرناه، ويُحمَل كلام سيبويه على القُبْح، لا على عدم الجواز.
وأما الضرب الثالث، فما كان من الأفعال متعديًا إلى مفعولَين، ثمّ تعدى إلى الظرف، ويجعل الظرف مفعولاَ على سعة الكلام، وقولُك: "أُعطيت عبدَ الله ثوبًا اليومَ"، و"سرق زيد عبدَ الله الثوبَ الليلةَ"، فـ "أعطيت" فعلٌ وفاعلٌ، و"عبد الله" مفعولٌ أولٌ، و"ثوبًا"، مفعول ثان، و"اليوم"، مفعول ثالث لا تجعله ظرفًا، كان الفعل وقع به لا فيه.
وأمّا "سرق زيدٌ عبدَ الله الثوبَ الليلةَ"، فأصله أن يتعدّي إلى مفعول واحد، وهو "الثوب" مَثَلاً، و"عبد الله" منصوب على تقدير حرف الجرّ، والأصل "من عبد الله"، و"الليلةَ" ظرفٌ جُعل مفعولًا على الاتساع.
وأما قوله "ومن النحويين من يأبى الاتساع في الظروف في الأفعال ذات المفعولين"، فذلك من قبل أن الفعل إذا كان لازمًا، وعديته إلى الظرف، نحوَ: "قمت اليومَ"، فتنصب "اليوم" على أنّه مفعول به اتّساعًا، وتُشبهه من الأفعال بما يتعدّي إلى
стр. 1668
مفعول. وإذا كان الفعل يتعدّي إلى مفعول واحد، وجئت بالظرف، وجعلته مفعولًا به على السعة، صار كالأفعال المتعدّية إلى مفعولَيْن. وإذا كان الفعل يتعدّي إلى مفعولين، وجئت بالظرف، وجعلته مفعولًا به، صار كالأفعال المتعدّية إلى ثلاثة. فإذا كان الفعل يتعدّي إلى ثلاثة مفعولين، ثمّ جئت بالظرف، فمن النحويين من يأبى الاتساع في الظرف حينئذ, لأنّ الثلاثة نهايةُ التعدي، وليس وراءَها ما يُلْحَق به. ومنهم من أجاز ذلك؛ لأنه لا يخرج عن حكم الظرفية، بدليل جواز تعدّي الفعل اللازم، والمنتهى في التعدي إليه، فاعرف ذلك.
فصل [عمل الفعل المتعدي وغير المتعدي في نصب ما عدا المفعول به من المفاعيل الأربعة]
قال صاحب الكتاب: والمتعدي وغير المتعدي سيّان في نصب ما عدا المفعول به من المفاعيل الأربعة، وما ينصب بالفعل من الملحقات بهن كما تنصب ذلك بنحو: ضرب وكسا وأعلم تنصبه بنحو ذهب وقرب.
* * *
قال الشارح: يريد أن الفعل الذي لا يتعدّى الفاعلَ والذي يتعدّاه جميعًا يشتركان في التعدّي إلى المفاعيل الأربعة، وهي: المصدر، والظرف من الزمان، والظرف من المكان، والحال، نحوَ قولك في اللازم: "قام زيد قيامًا يومَ الجمعة عندك ضاحكًا"، وتقول في المتعدي: "أكرم زيد عمرًا اليومَ خلفَك مستبشرًا".
وإنما اشتركا في التعدي إلى هذه الأربعة, لأنّ المتعدي إذا انتهى في التعدي، واستوفى ما يقتضيه من المفاعيل، صار بمنزلةِ ما لا يتعدّي، وكل ما لا يتعدّى يعمل في هذه الأشياء لدلالته عليها، واقتضائه إياها.
وما يدل عليه صيغةُ الفعل أقوى مما لا يدل عليه الصيغة، فَتَعدّيه إلى المصدر أقوى من ظرف الزمان؛ لأنّ الفاعل قد فعله، وأحدثه، ولم يفعل الزمانَ، إنما فعل فيه.
والزمان أقوى من المكان, لأنّ دلالة الفعل على الزمان دلالةٌ لفظية، ولذلك يختلف الزمان باختلاف اللفظ، فدلالتُه عليه تضمين، ودلالته على المكان ليست من اللفظ، وإنما هي من خارج، فهي التزام، ودلالةُ التضمين أقوى، فأنت إذا قلت: "ذهب"، فهذا اللفظ بُني ليدل على حصول الذهاب في زمن ماض، وإذا: قلت: "يذهب"، فهو موضوع للذهاب في زمن غير ماض، وليس كذلك المكان، فإن لفظ الفعل لا يدل عليه، ولا يُحَصل لك مكانًا دون مكان. ولذلك يعمل الفعل في كل شيء من الزمان عَمَلَه، ولا يعمل في كل شيء من المكان هذا العمل.
стр. 1669
ثم المكان أقوى من الحال، لأنهما وإن كانت دلالةُ الفعل عليهما من خارج، إلّا أن الحال محمول على المكان، وفي تأويله، ألا ترى أنك إذا قلت: "جاء زيد ضاحكًا"، فمعناه: في هذه الحال؟ ولتقاربهما في المعنى، جاز عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ﴾ (١)، فعطف "وبالليل" على الحال؛ لأنّ المعنى: في الصباح، وفي الليل.
وقوله: "وما ينصَب بالفعل من الملحَقات بهن"، يريد الملحق بهذه الأشياء الأربعة من نحو المفعول معه، والمفعول له. وإنما قلنا: إن المفعول له والمفعول معه محمولان على هذه الأشياء الأربعة، وليسا منها، وإن كان أكثرُ النحويين لا يفصلهما عن هذه الأربعة؛ لأنّ الفعل قد يخلو من المفعول له، والمفعولِ معه، بخلاف المصدر والزمان والمكان والحال. ألا ترى أن إنسانًا قد يتكلّم بكلام مُفيد، وربما فعل أفعالًا منتظمة، وهو نائمٌ أوساهٍ، فلم يكن له فيه غرضٌ، فلم يكن في فعله دلالة على مفعول له، وكذلك قد يفعل فعلًا لم يُشارِكه فيه غيرُه، فلم يكن فيه مفعول معه.
والمفعولُ له أقوى من المفعول معه؛ لأنّ الفعل أدل عليه، إذ الغالبُ من العاقل أن لا يفعل فعلاً إلّا لغرض، ما لم يكن ساهيًا أو ناسيًا، وليس كذلك المفعول معه؛ لأنه ليس من الغالب أن يكون للفاعل مشاركٌ في الفعل. ولِما ذكرنا من قوّة المفعول له تعدى إلى المفعول له تارة بحرف الجرّ، وتارة بغير حرف جرّ، ولم يتعد إلى المفعول معه إلّا بواسطة حرف لا غير، فاعرفه.
стр. 1670
ومن أصناف الفعل
المبني للمفعول
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: هو ما استغنى عن فاعله, فأقيم المفعول مقامه وأسند إليه معدولاً عن صيغة "فَعَلَ" إلى "فُعِلَ"، ويسمى فعل ما لم يسم فاعله. والمفاعيل سواء في صحة بنائه لها، إلا المفعول الثاني في باب علمت، والثالث في باب أعلمت (١)، والمفعول له والمفعول معه (٢). تقول ضرب زيد، وسير سير شديد، وسير يوم الجمعة، وسير فرسخان.
* * *
قال الشارح: اعلم أن المفعول الذي لم يسمّ فاعله يجري مجرى الفاعل في أنه بُني على فعل صِيغَ له على طريقةِ "فُعِلَ"، كما يُبْنَى الفاعل عل فعل صيغ له على طريقةِ "فَعَلَ"، ويُجْعَل الفعل حديثًا عنه كما كان حديثًا عن الفاعل في أنه يصحّ به وبفعله الفائدةُ. ويحسن السكوت عليه، كما يحسن السكوت على الفاعل، ويُصاغ لمن وقع منه، ويُقال له؛ فعلُ ما لم يسمّ فاعله، فـ "مَا" ها هنا موصولة بمعنَى "الذي"، والتقدير: فعلُ المفعول الذي لم يسمّ فاعله, لأنّ الذي صيغ له قد كان مفعولاً، وكان له فاعلٌ مذكورٌ.
فكل فعل يبنى لما لم يسمّ فاعله، فلا بد فيه من عملِ ثلاثة أشياء: حذفِ الفاعل، وإقامةِ المفعول مقامه، وتغييرِ الفعل إلى صيغةِ "فُعِلَ".
أمّا حذف الفاعل، فلأمورٍ منها: الخَوْفُ عليه، نحو قولك: "قُتل زيد"، ولم تذكر فاعله خَوْفا من أن يؤخَذ قولك شهادةَ عليه، أو لجلالته، نحو قولك: "قُطع اللص"،
стр. 1671
و"قُتل القاتل"، ولم تقل: "قَطع الأميرُ"، ولا "قَتل السلطانُ" ونحوَ ذلك، تُرك ذكره لجلالته. قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (١)، والمراد: قتل اللهُ الخراصِين.
وقد لا يذكر الفاعل لدَناءته، نحوَ قولك: "عُمل الكَنِيف"، و"كُنس السُّوق".
وقد يكون للجَهالة به. وقد يُتْرَك الفاعل إيجازًا واختصارًا، كأن يكون غرض المتكلم الإخبارَ عن المفعول لا غير، فتُرك الفاعل إيجازًا للاستغناء عنه.
فإذا حذف الفاعل، وجب رفعُ المفعول، وإقامتُه مقام الفاعل، وذلك من قبل أن الفعل لا يخلو من فاعل حقيقة، فإذا حذف فاعله من اللفظ؛ استُقبح أن يخلو من لفظ الفاعل، فلهذا وجب أن يُقام مقامه اسمٌ آخر مرفوع، ألا ترى أنهم قالوا: "مات زيدٌ"، و"سقط الحائطُ"، فرفعوا هذين الاسمين، وإن لم يكونا فاعلين في الحقيقة.
وشيءٌ آخرُ، وهو أن المفعول إذا لم يذكر مَن فعل، صار الفعل حديثًا عنه، كما كان حديثًا عن الفاعل، ألا ترى أنك إذا قلت: "ضُرب"، فالمحدّثُ عنه هو المفعول كما أنك إذا قلت: "قام زيد"، فالمحدّث عنه هو الفاعل لاكتفاء الفعل بهما عن غيرهما، فلمّا شارك هذا المفعول الفاعلَ في الحديث عنه، رُفع كما رفع. ولا يلزم إذا حُذف المفعول أن يُقام غيره مقامه, لأنه فضلة لا يُحْوِج انعقادُ الكلام إليه.
وأمّا تغيّره فبنَقْله من "فَعَلَ" إلى "فُعِلَ".
وجملةُ الأمر أن الفعل، إذا بُني لما لم يسمّ فاعله، فلا يخلو من أن يكون ماضيًا أو مضارعًا، فإن كان ماضيًا، ضُم أوّله، وكُسر ما قبل آخره ثلاثيًا كان أو زائدًا عليه، نحوَ قولك: "ضُرِبَ زيد"، و"دُحرِجَ الحجر"، و"استُخْرِجَ المال". وإن كان مضارعًا؛ ضُم أوله، وفتح ما قبل آخره، نحوَ قولك: "يُضْرَبُ زيد"، و"يُدَحْرَجُ الحجر"، و"يُسْتَخْرَجُ المال"، هذا إذا كان الفعل صحيحًا.
فإن كان معتلًا، نحوَ: "قالَ، و"باع"، فما كان من ذلك من ذوات الواو، فإن واوه تصير ياء في أعلى اللغات، فتقول: "قِيلَ القول"، و"صِيغَ الخاتَم"، وكان الأصل: "قُوِل"، بضم القاف وكسر الواو على قياس الصحيح، فأرادوا إعلاله حملًا على ما سُمي فاعله، فنقلوا كسرة الواو إلى القاف بعد إسكانها، ثم قلبوا الواو لسكونها وانكسارِ ما قبلها ياء، فصار اللفظ بها "قِيلَ" بكسرة خالصة وياء خالصة، فاستوى فيه ذوات الواو والياء.
وتقول في اللغة الثانية: "قِيلَ" بإشمام القاف شيئًا من الضمة حِرْصًا على بيان الأصل.
стр. 1672
وتقول في اللغة الثالثة: "قُولَ القَولُ"، فتُبْقِي ضمة القاف حرصًا علي بناء الكلمة، فعلى هذا تكون قد حُذفت كسرة الواو حذفًا من غير نقل.
وما كان من ذوات الياء، ففيه ثلاثةُ أوجه أيضًا:
أحدها: "بِيعَ المتاع"، والأصل: "بيعَ" بضم الباء وكسر الياء، فنقلت الكسرة من الياء إلى الباء من غير قلب.
وتقول في الوجه الثاني: "بِيعَ" بإشمام الباء شيئًا من الضمة. وقرأ الكسائي ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (١) بالإشمام، وقرأ غيره من القُراء بإخلاص الكسرة على الوجه الأوّل.
وفي الوجه الثالث: "بُوعَ المتاع"، كاتك أبقيتَ ضمةَ الباء (٢) إشعارا بالأصل، ومحافَظة على البناء، وحذفت كسرة الياء على ما ذكرنا في الواو، فصار اللفظ "بُوعَ المتاع"، فتستوي ذوات الياء والواو، وأنشد ابن الأعرابي [من الرجز]:
٩٩٩ - لَيتَ وما ينفَع شيئًا لَيْتُ ... لَيْتَ شَبابًا بوعَ فاشْتَرَيْت
فإن قيل: ولِمَ وجب تغيير الفعل إذا لم يسم فاعله؟ قيل: لأنّ المفعول يصح أن يكون فاعلاً للفعل، فلو لم يُغير الفعل، لم يُعلَم هل هو فاعل حقيقي، أو مفعول أقيم مقام الفاعل، ولهذا وجب تغييره.
فإن قيل: ولِمَ وجب التغيير إلى هذا البناء المضمومِ الأول المكسورِ ما قبل الآخر؟ قيل: لأنّ الفعل لما حُذف فاعله الذي لا يخلو منه، جعل لفظ الفعل علي بناء لا يشركه فيه بناء آخر من أبنية الأسماء والأفعال التي قد سمي فاعلوها خوف الإشكال، وقيل: إنما ضُم أوّله؛ لأنّ الضم من علامات الفاعل، فكان هذا الفعل دالا على فاعله، فوجب أن يحرك بحركةِ ما يدل عليه.
стр. 1673
فإن قيل على الوجه الأول: هلا عُدل إلى "فِعُل" بكسر الأول وضمّ الثاني؛ لأنه أيضًا بناء لا نظيرَ له؟ قيل: كِلًا البناءين وإن كان لا نظيرَ له، إلّا أنّ الأول أوْلى؛ لأنه أخف عندهم؛ لأنّ الخروج من ضم إلى كسر أخف من الخروج من الكسر إلى الضمّ؛ لأنه إذا بُدِىء بالأخف وثُني بالأثقل، كانت الكُلْفة فيه أثقل من الابتداء بالأثقل، ثمّ يؤتى بالأخف، فلذلك بُني على هذه الصيغة، ألا ترى أنه لو فُتح ثانيه، أو سُكن، أو ضُم، لم يخرج عن الأمثلة التي تقع في الاستعمال؟
وأمّا قوله: "معدولاً عن صيغة فَعَلَ إلى فُعِل" إشارة إلى أن هذه الصيغة مُنْشأة ومركبة من باب الفاعل، وعليه الأكثر من النحويين.
ومنهم من يقول: إن هذا الباب أصل قائمٌ بنفسه، وليس معدولًا من غيره، واحتجّ بأن ثَم أفعالاً لم يُنْطَق بفاعليها، مثلَ: "جُن زيد"، و"حم بكرٌ". والمذهبُ الأوّل لقولهم: "بُويعَ زيدٌ"، و"سُويِرَ خالد" وموضعُ الدليل أنه قد عُلم أنه متى اجتمعت الواو والياء، وقد سبق الأول منهما بالسكون، فإن الواو تقلب ياء، ويدغم الأول في الثاني، نحوَ: "طَوَيْتُه طَيًا"، و"شَوَيتُه شَيًّا"، وههنا قد اجتمعتا على ما ترى، ومع ذلك لم تقلب وتدغم؛ لأنّ الواو مَدة منقلبة من ألفِ "سايَر" و"بايَعَ"، فكما لا يصح الادغام في "ساير"، و"بايع"، فكذلك لا يصحّ في "فُوعِلَ" منه مراعاة للأصل، وإيذانًا بأنه منه.
وأما إقامة المفعول مقام الفاعل في هذا الباب، فلأن لا يبقى الفعل حديثًا عن غير محدثٍ عنه، فإذا كان الفعل يتعدّي إلى مفعول واحد، نحوَ: "ضرب زيدٌ عمرًا"، حذفت الفاعل، وأقمت المفعول مقامه، فقلت: "ضُرب عمرو"، فصار المفعول يقوم مقام الفاعل، إذ كان الكلام يتم، وبقي بلا منصوب؛ لأنّ الذي كان منصوبًا قد ارتفع. وإن كان الفعل يتعدّي إلى مفعولَيْن، نحوَ: "أعطيت زيدًا درهمًا"، فرددته إلى ما لم يسم فاعله، قلت: "أُعطِيَ زيد درهمًا"، فقام أحد المفعولين مقام الفاعل، وبقي منصوبٌ واحدٌ تعدى إليه هذا الفعل, لأنّ الفعل إذا رفع فاعلاً في اللفظ، فجميعُ ما يتعلّق بالفعل سواه يكون منصوبًا، فلذلك نصبت "الدرهم" هنا، وصار منصوبًا بفعل المفعول، كما كان المفعولان منصوبين بفعل الفاعل.
وكذلك إن كان يتعدّي إلى ثلاثة مفعولين، نحوَ: "أعلم الله زيدًا عمرًا خيرَ الناس"، فإن لم يسم الفاعل، قلت: "أُعلم زيدٌ عمرا خيرَ الناس"، فقام أحد المفاعيل مقام الفاعل، وبقى معك مفعولان.
فهذا حكم الباب: إن كان الفعل يتعدّي إلى مفعول واحد، ورددته إلى ما لم يسم فاعله، صار من قبيل الأفعال اللازمة. وإن كان يتعدّي إلى مفعولَيْن، ورددته إلى ما لم يسمّ فاعله، صار من قبيلِ ما يتعدّي إلى مفعول واحد. وكذلك إن كان يتعدّي إلى ثلاثة،
стр. 1674
وبنيته لما لم يسمّ فاعله، صار يتعدّي إلى مفعولين. فهذا عكسُ ما تقدّم من نقلِ "فَعَلَ" إلى "أفْعَلَ" لأنك في ذلك تزيد واحدًا واحدًا، وفي هذا الباب تُنْقِصُ واحدًا واحدًا.
وقوله: "والمفاعيل سواءٌ في صحة بنائه لها" يريد أن المفاعيل متساوية في صحة بناء الفعل لما لم يسمّ فاعله، وإقامةِ أي المفاعيل شئت مقام الفاعل، سواء كان مفعولًا به من نحوِ: "ضُرب زيدٌ"، و"أُعطي عمرٌو درهمًا"، و"أُعطي درهمٌ عمرًا"، و"أُعلم زيد عمرًا خيرَ الناس"، أو مصدرًا من نحو: "سِيرَ بزيدٍ سير شديدٌ" إذا لم يكن معه مفعولٌ به، أو ظرفَ زمان، أو ظرف مكان، من نحو: "سِيرَ به يومُ الجمعة"، و"سير به فرسخان"، إلّا ما استثناه، وهو المفعول الثاني في باب "علمت"، والثالث في باب "أعلمت"؛ لأنّ المفعول الثاني في باب "علمت" قد يكونَ جملة من حيث كان في الأصل خبر المبتدأ, لأنّ هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر، فالمفعولُ الأول كان مبتدأ، والمفعول الثاني كان خبزا للمبتدأ. فلذلك كل ما جاز أن يكون خبرًا جاز أن يكون مفعولاً ثانيًا، من نحو المفرد والجملة والظرف، فالمفردُ نحو: "ظننت زيدًا قائمًا"، والجملة نحو: "ظننت زيدًا قام"، و"ظننت زيدًا أبوه قائم"، والظرف "ظننت زيدًا في الدار". والفاعل لا يكون جملة، فكذلك ما وقع موقعه؛ لأنّ ما وقع موقع الفاعل يجري مجراه في جواز إضماره وتعريفه، والجملُ لا تكون إلّا نكرات، ولذلك لا يصح إضمارها، مع أنه ربما تَغير المعنى بإقامة الثاني مقام الفاعل، ألا ترى أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا أخاك" فالشك إنما وقع في الأخوة، لا في "زيد"، كما أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا قائمًا" فالشك إنما وقع في قيام زيد، فلو قدمت "الأخ"، وأخرت "زيدًا"، لصارت الأُخوة معلومة، والشك واقع في التسمية، فإذا كان الفعل يتغير بالتقديم، فبإسناد الفعل إليه أولى؛ لأنه يكون في الحكم مقدمًا.
وكذلك المفعول الثالث لا يُبنى الفعل له؛ لأنه المفعول الثاني في باب "علمت"، وقد تقدّم القول في المنع من إقامته مقام الفاعل، وكذلك الحال والتمييز والمفعول له والمفعول معه، لا يقام شيء منها مقام الفاعل. فأمّا الحال والتمييز، فلا يجوز أن يجعل شيء منهما في موضع الفاعل، فإذا قلت: "سير بزيد قائمًا"، و"تَصيب بَدَنُ عمرو عَرَقا"، فلا يجوز أن تُقِيم "قائمًا"، أو"عرقًا" مقام الفاعل؛ لأنهما لا يكونان إلّا نكرتين، والفاعلُ وما قام مقامه يُضْمَر كما يُظْهَر، والمضمر لا يكون إلّا معرفة.
وكذلك المفعول له، لا يجوز أن تردّه إلى ما لم يسمّ فاعله، لا يجوز "غُفر لزيد ادخارُه" على معنَى: لادّخاره, لأنك لما حذفت اللام على الاتّساع، لم يجز أن تنقله إلى مفعول به، فتتصرفَ في المَجاز تصرُفًا بعد تصرُف؛ لأنه يبطل المعنى بتباعدُه عن الأصل.
стр. 1675
وأما المفعول معه، فلا يجوز أيضًا أن يقوم مقام الفاعل فيما لم يسمّ فاعله, لأنهم قد توسّعوا فيه، وأقاموا واو العطف فيه مقامَ "مَعَ"، فلو توسّعوا فيه، وأقاموه مقامَ الفاعل، لبعُد عن الأصل، وبطلت الدلالة على المصاحبة، ويكون تراجُعًا عمّا اعتزموه، ونقضًا للغرض الذي قصدوه.
فإن كان الفعل غير متعدّ إلى مفعول به، نحوَ: "قام". و"سار"، لم يجز ردّه إلى ما لم يسمّ فاعله؛ لأنه إذا حذف الفاعل، يُصاغ الفعل للمفعول، وليس لهذا الفعل مفعولٌ يقوم مقام الفاعل، فأيُ شيء يقوم مقام الفاعل فيما لم يسمّ فاعله، فإن كان معه حرفُ جرّ من الحروف المتصلة بالفعل، أو ظرفٌ من الظروف المتمكنة زمانًا كان أو مكانًا، أو مصدر مخصوصٌ، فحينئذ يجوز أن تبنيه لما لم يسمّ فاعله, لأنّ معك ما يقوم مقام الفاعل، فتقول: "سرتُ يزيد فرسخَيْن يومَيْن سيرًا شديدًا".
فإن بنيته لِما لم يسمّ فاعله، جاز أن تقيم أيّ هذه المفاعيل شئت مقام الفاعل، وهي مستويةٌ في ذلك، فتقول: "سِيرَ يزيد فرسخين يومين سيرًا شديدًا"، فتقيم الجار والمجرور مقام الفاعل؛ لأنه في تقدير المفعول به؛ لأنّ الباء في تعدية الفعل بمنزلة الهمزة، فقدلُك: "قام زيد" و"أقمته" بمنزلةِ "قمتُ به" و"ذهب زيد"، و"أذهبتُه" بمنزلةِ "ذهبتُ به". قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (١)، والمعنى: لأذهبَ سمعَهم وأبصارَهم. فلمّا كانت الباء بمنزلة الهمزة في تعدية الفعل، تعدّى إلى ما تعلّقت به الباءُ، فيجوز على هذا "قيم يزيد"، و"ذُهب بعمرو"، كما تقول: "أُذهب زيد"، و"أُقيم عمرو". ولا يجوز على هذا أن تُقدم "بزيد"على "سِيرَ"؛ لأنه فاعلٌ.
ويجوز أن تقول: "سير يزيد فرسخان يومَيْن سيرًا شديدًا"، فتقيم "الفرسخين" مقام الفاعل، ولذلك رفعته. فإن أقمت "اليومين" مقام الفاعل؛ جاز أيضًا، ورفعته، فتقول: "سير يزيد فرسخين يومان سيرًا شديدًا"، فإن أقمت المصدر مقام الفاعل، قلت: "سير يزيد فرسخين يومين سيرٌ شديدٌ"، ترفع الذي تقيمه مقام الفاعل، وتنصب سائر إخواته.
واعلم أن المصادر، والظروف من الزمان والمكان لا يجعل شيء منها مرفوعًا في هذا الباب حتى تُقدر فيه أنّه إذا كان الفاعل معه أنّه مفعول صحيح، كأن الفعل وقع به كما يقع بالمفعول الصحيح، فحينئذ يجوز أن يُقام مقام الفاعل إذا لم يذكر الفاعل، فإذا كان كذلك، فالمصادر تجيء على ضربين: منها ما يُراد به تأكيد الفعل من غير زيادةِ فائدة، ومنها ما يُراد به إبانةُ فائدة. فما أُريد به تأكيد الفعل فقط لم تجعله مفعولاً على سعة الكلام، ولا يُقام مقام الفاعل، وما كان فيه فائدةٌ جاز أن تجعله مفعولاً على السعة،
стр. 1676
وأن تقيمه مقام الفاعل، فتقول: "قمت القيامَ"، و"قِيمَ القيامُ"، إلّا أن لا يكون متمكنًا، فإذا لم يكن متمكنًا، لم يقم مقام الفاعل، نحوَ: "سبحانَ الله"، فتقول: "سُبح في هذا الدار تسبيح كثير لله". ولا يجوز أن تقول: "سُبح في هذه الدار سبحانُ الله"، وإن كان معناه معنى التسبيح، وكذلك لا يجوز أن تقيم من الظروف مقام الفاعل إلّا ما يجوز أن تجعله مفعولًا على السعة، نحوَ: "اليوم"، و"الليلة"، و"المكان"، و"الفرسخ" وما أشبهها من المتمكنة؛ فأمّا غير المتمكنة نحو: "إذْ"، و"إذَا"، و"عِنْدَ"، و"مُنْذُ"، فلا يجوز التوسع فيها وجعلُها مفعولًا على السعة، فلا يجوز إقامتُها مقام الفاعل، فاعرفه.
فصل [بقاء المفعول به الثاني والثالث على انتصابهما إذا بُني الفعل للمجهول]
قال صاحب الكتاب: وإذا كان للفعل غير مفعول فبني لواحد بقي ما بقي على انتصابه كقولك أعطي زيد درهماً، وعلم أخوك منطلقاً، وأعلم زيد عمراً خير الناس.
* * *
قال الشارح: يريد أن الفعل إذا كان يتعدّي إلى مفعولَين أو أكثرَ، ثمّ رددتَه إلى ما لم يسمّ فاعله، أقمت المفعول الأول مقام الفاعل، ورفعته، وتركت ما بقي منها منصوبًا على حد انتصابه قبل البناء لِما لم يسمّ فاعله. وذلك أن الفعل إذا ارتفع به فاعل ظاهرٌ، فجميعُ ما يتعلق به بعدُ سوى ذلك الفاعل منصوب، وكذلك إذا صُغْته للمفعول، فرفعته به، فجميعُ ما يتعلق به سواه منصوب.
فلذلك وجب في قولك: "أُعطي عبدُ الله المال"، و"عُلم أخوك منطلقًا" نصبُ "المال"، و"منطلقًا"، لأنّ "عبد الله"، و"أخاك" قد ارتفعا بالفعلين، وصيغا له، وتعلّق المال والانطلاق بالفعلين، فوجب نصبهما، فصار فعل المفعول يتعدّي إلى مفعول واحد، كما كان فعل الفاعل فيهما يتعدّي إلى مفعولين، وكذلك لو كان الفعل يتعدّي إلى ثلاثة، ونقلته لِما لم يسمّ فاعله، صار فعل المفعول يتعدّي إلى اثنين. كقولك: "أُعلم زيدٌ عمرًا خيرَ الناس"، وقد كان: "أعلم اللهُ زيدًا عمرًا خيرَ الناس".
ومن النحويين من يقول: إن هذا مبنى على الخلاف الذي ذكرناه، فمن قال إن فعلَ ما لم يسمّ فاعله منقول من الفعل المبني للفاعل، قال إن "الدرهم" في قولك: "أُعطي زيدٌ درهمًّا" منصوب بذلك الفعل بقي على حاله، ومن قال: إنه بابٌ قائم بنفسه غير منقول من غيره، كان منصوبًا بهذا الفعل نفسه، فاعرفه.
стр. 1677
فصل [أولوِية المفعول به في النيابة عن الفاعل على سائر ما بُني له الفعل]
قال صاحب الكتاب: وللمفعول به المتعدي إليه بغير حرف من الفضل على سائر ما بني له أنه متى ظفر به في الكلام, فممتنع أن يسند إلى غيره، تقول: "دُفع المال إلى زيد"، و"بُلغ بعطائك خمسمائة" برفع المال وخمس المائة. ولو ذهبت تنصبهما مسنداً إلى زيد وبعطائك قائلاً دفع إلى زيد المال وبلغ لعطائك خمسمائة، كما تقول منح زيد المال وبلغ عطاؤك خمسمائة، خرجت عن كلام العرب.
* * *
قال الشارح: الفعل المتعدّي إنما جيء به للحديث عن الفاعل والمفعول، فهو حديث عن الفاعل بان الفعل صدر عنه، وعن المفعول بأن الفعل وقع به، إلّا أنه حديثٌ عن الفاعل على سبيل اللزوم وعدمِ الاستغناء عنه، وعن المفعول على سبيل الفضلة. فإذا أُريد الاقتصار على الفاعل منه، حُذف المفعول، لأنه فضلة، فلم يُحْتَج إلى إقامة شيء مقامه. ومتى أُريد الاقتصار على المفعول، حذف الفاعل، وبقي الفعل حديثًا عن المفعول به لا غير، فوجب تغييرُه وإقامته مقام الفاعل، لئلا يخلو الفعل من لفظِ فاعل على ما تقدّم، فلكَوْن الفعل حديثًا عن المفعول به في الأصل متى ظُفر به، وكان موجودًا في الكلام؛ لم يقم مقام الفاعل سواه ممّا يجوز أن يقوم مقام الفاعل عند عدمه من نحو المصدر والظرف من الزمان والمكان, لأنّ الفعل صيغ له، وما تُقيمه مقام الفاعل غيرَه، فإنما ذلك على جَعْله مفعولًا به على السعة على ما تقدّم.
وقوله: "المتعدى إليه بغير حرف جرّ" تَحرّز به مما يتعدّى إليه بحرف الجرّ، نحوِ: "سرت بزيد"، فإن الجارّ والمجرور هنا متعلق بالفعل تعلقَ المفعول به بالفعل. فإذا انفرد، أقيم مقام الفاعل على ما ذكرنا، فإن اجتمع معه مفعول صحيح، لم يقم مقام الفاعل سواه, لأنّ الفعل وصل إليه بغير واسطة، فكان تعدّي الفعل إليه أقوى، فإذا قلت: "دفعتُ المالَ إلى زيد"، فـ "المال" مفعول به صحيحٌ، والجارّ والمجرور في موضع المفعول به أيضًا، فلذلك تلزم إقامةُ المفعول الصحيح مقام الفاعل.
فتقول: "دُفع المالُ إلى زيد"، فترفع "المال" لإقامتك إياه مقام الفاعل، والجارُ والمجرور في موضع نصب، فبقي على حاله. وكذلك تقول: "بَلَغَ الأميرُ بعَطائك خمسَ مائة"، فـ "خمس مئة" مفعول صحيح، والجارُّ والمجرور متأوَّلٌ، فإذا بنيته لما لم يسمّ فاعله، لم يقم مقام الفاعل إلّا المفعول الصحيح. فتقول: "بُلغ بعطائك خمسُ مائة" برفع "خمس مائة" لا غير. ولو عكست، وأقمت الجارّ والمجرور مقام الفاعل، ونصبت المفعول الصحيح، فقلت: "دُفع إلى زيد المالَ" بنصب "المال" وإقامة الجارّ والمجرور
стр. 1678
مقام الفاعل، لم يجز، وكنت قد خرجت عن كلام العرب. والغرضُ بالنحو أن ينحو المتكلّمُ به كلامَ العرب.
وسبيلُ ما يجيء من ذلك أن يُتأول، ويحمل على الشذوذ، فمن ذلك قوله تعالى في قراءة أبي جعفر يزيد بن القَعْقاع: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (١)، فليس على إقامة الجارّ والمجرور مقام الفاعل ونصبِ "الكتاب" على أنه مفعول به، وإنما الذي أُقيم مقام الفاعل مفعول به مضمر في الفعل يعود على "الطائر" في قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٢). و"كتاب" منصوب على الحال، والتقديرُ: ويُخْرَج له يومَ القيامة طائرُهُ - أي: عملُه- كتابًا، أي: مكتوبًا، وهو محذوف في قراءة الجماعة، ونُخْرِجُ له يومَ القيامة كتابًا، أي: ونخرج له طائرَه -أي: عملَه- كتابًا، ويؤيد ذلك قراءةُ يعقوب (٣): "ويَخرُجُ -أي: يخرج عملُه- كتابًا". فأما قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٤)، ففيه إشكالٌ، وذلك أنه أقام المصدر مقام الفاعل لدلالة الفعل عليه، وتقديره: ليجزى الجزاءُ قومًا بما كانوا يكسبون، وهو شاذ قليل.
فأما قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، فقال قوم: إنه كالآية المتقدّمة، والتقدير: نجّي النجاءُ المؤمنين، والصواب أن يكون "نجى" فعلاً مضارعًا، والأصل "نُنْجِي" بنونَيْن، فأُخفيت النون الثانية عند الجيم، فظنّها قومٌ إذعامًا، وليس به، ويؤيّد ذلك إسكانُ الياء. وأما قول الشاعر [من الوافر]:
١٠٠٠ - فلو ولدت قُفيرةُ (٦) جِرْوَ كَلْب ... لَسُبّ بذلك الجِرْوِالكِلابَا
стр. 1679
فقد حمله بعضهم على الشذوذ من إقامة المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول به، وهو "الكلاب"، وقد تأوله بعضُهم بأن جعل "الكلاب" منصوبًا بـ"ولدت"، ونصب "جرو كلب" على النداء. وحينئذ يخلو الفعل من مفعول به، فحسن إقامة المصدر مقام الفاعل، ويكون التقدير: فلو ولدت فقيرةُ الكلاب، يا جروَ كلبٍ، لَسُب السب بذلك.
* * *
قال صاحب الكتاب: ولكن إن قصدت الاقتصار على ذكر المدفوع إليه, والمبلوغ به, قلت: "دُفع إلى زيد" و"بُلغ بعطائك"، وكذلك لا تقول: "ضُرب زيداً ضربٌ شديدٌ, ولا يوم الجمعة, ولا أمام الأمير", بل ترفعه (١) وتنصبها.
* * *
قال الشارح: يريد أن الفعل المتعدّي إلى مفعول أو أكثرَ، إذا كان معه جارّ ومجرور، جاز أن تقتصر على المجرور، ولا تذكر المفعول الصحيح، نحوَ قولك: "دَفَعَ عمرٌو إلى زيد"، فإذا بنيته لما لم يسمّ فاعله، جاز أن تقيم الجارّ والمجرور مقام الفاعل، نحوَ قولك. "دُفع إلى زيد"، و"بُلغ بعطائك"، وكذلك لو كان معك ظرفٌ أو مصدرٌ، جاز أن تقيم كل واحد منهما مقام الفاعل، نحوَ: "ضُرب اليومُ"، و"ضُرب الضربُ الشديدُ"؛ لأنْك إذا لم تذكر المفعول، كان بمنزلة الفعل اللازم.
* * *
قال صاحب الكتاب: وأما سائر المفاعيل فمستوية الأقدام لا تفاضل بينها إذا اجتمعت في الكلام في أن البناء لأيها شئت صحيح غير ممتنع, تقول استخف بزيد استخفافاً شديداً يوم الجمعة أمام الأمير إن أسندت إلى الجار مع المجرور، ولك أن تسند إلى يوم الجمعة أو إلى غيره وتترك ما عداه منصوباً.
* * *
قال الشارح: يريد أن ما عدا المفعول به ممّا ذكرنا من الجارّ والمجرور، والمصدر، والظرف من الزمان، والظرف من المكان، متساويةٌ في جواز إقامة أيها شئت
стр. 1680
مقام الفاعل، إذا بنيت الفعل لما لم يسمّ فاعله. لا يمتنع إقامة شيء منها مقام الفاعل، كما كان ذلك مع المفعول به، فهذا ما لا خلاف فيه, لأنّ فيه فائدة، إنما الخلاف في الأولى منها، فذهب قوم إلى أن الاختيار إقامة الجارّ والمجرور؛ لأنه في مذهب المفعول به، فإذا قلت: "سرتُ بزيدٍ"، فالسير وقع به، وقال قومٌ: الظرف أولى لظهور الإعراب فيه.
فإن قيل: فالإعراب أيضًا يظهر في المصدر كما يظهر في الظرف، قيل: ذاك صحيح، إلّا أن الظرف فيه زيادةُ فائدة, لأنّ الفعل دال على المصدر، وليس بدال على الظرف. وقولنا: "مستوية الأقدام" يحمل على التساوي في الجواز فاعرفه.
فصل [ما ينوب عن الفاعل عند وجود مفعولين متغايرين]
قال صاحب الكتاب: ولك في المفعولين المتغايرين أن تُسند إلى أيهما شئت, تقول أعطي زيد درهماً، وكُسي عمرو جُبة، وأُعطي درهمٌ زيداً، وكسيت جبة عمراً إلا أن الإسناد إلى ما هو في المعنى فاعل أحسن وهو زيد، لأنه عاط وعمرو لأنه مكتسٍ.
* * *
قال الشارح: اعلم أن الفعل الذي يتعدّي إلى مفعولَيْن على ضربَيْن:
أحدهما: ما كان داخلًا على المبتدأ والخبر بعد استيفاء فاعله، فَنَصَبَهما جميعًا، واعتبارُ ذلك بأن يكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى، نحوَ: "ظننت" وأخواتها، تقول: "ظننت زيدًا قائمًا"، فتجد القائمَ هو زيد، وزيدٌ هو القائم.
والثاني: ما كان المفعول الثاني فيه غير الأوّل، نحوُ: "أعطيت زيدًا درهمًا"، و"كسوت بكرًا جبة"، فما كان من الضرب الثاني، وبُني لما لم يسمّ فاعله، كان لك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل، فتقول: "أُعطي زيدٌ درهمًا"، إذا أقمت الأول مقام الفاعل، فإن شئت قلت: "أُعطي درهمٌ زيدًا"، فتقيم الثاني مقام الفاعل؛ لأنّ تعلقهما بالفعل تعلق واحدٌ، فكان حكمُهما واحدًا، إلّا أن الأوْلى إقامةُ الأول منهما مقام الفاعل من حيث كان فاعلًا في المعنى؛ لأنه هو الآخِذ للدرهم، فلما اضطُررنا إلى إقامة أحدهما مقام الفاعل، كان إقامةُ ما هو فاعل مقام الفاعل أولى، وهذا معنى قوله: "لأنه عاطٍ"، أي: آخِذٌ، من "عَطَا يَعطُو" إذا تَناول.
واعلم أن صاحب الكتاب قد أطلق العبارة من غير تقييد، والصوابُ أن يُقال: "ما لم يكن هناك لَبسٌ أو إشكالٌ، فإن عرض في الكلام لبسٌ أو إشكالٌ، امتنع إقامة الثاني
стр. 1681
مقام الفاعل، وذلك إذا قلت: "أَعطى زيدٌ محمّدًا عبدَه"، أو نحوَه مما يصحّ أخذُه، فإن هذا ونحوه ممّا يصحّ منه الأخذُ، إذا بنيته لما لم يسمّ فاعله، لم تُقِم مقام الفاعل إلّا المفعول الأول، فتقول: "أُعطي محمد عبدًا"، ولا يجوز إقامة "العبد" مقام الفاعل، فتقولَ: "أُعطي عبدٌ محمدًا"؛ لأن "العبد" يجوز أن يأخذ "محمدًا" كما يجوز لمحمّد أن يأخذ العبدَ، فيصير الآخذُ مأخوذًا. فأمّا "أُعطي درهمٌ زيدًا" فحسن؛ لأن "الدرهم" لا يأخذ زيدًا، فإن رُفع؛ فلا تتوهّم فيه أنه آخذٌ لزيد.
وما كان من الضرب الأوّل، وهو ما كان داخلاً على المبتدأ والخبر، نحوُ: "ظننت" وأخواتها؛ فإنك إذا بنيت من ذلك فعلَ ما لم يسمّ فاعله، لم تُقِم مقام الفاعل إلَّا المفعول الأوّل، نحوَ: "ظُن زيد قائمًا". ولا تقيم المفعول الثاني مقام الفاعل؛ لأن المفعول هنا قد يكون جملة من حيث كان في الأصل خبرًا لمبتدأ، نحوَ قولك: "علمتُ زيدًا أبوه قائمٌ". والفاعلُ لا يكون جملة، فكذلك ما يقع موقعه، ولأنه قد يتغير المعنى بإقامة الثاني مقام الفاعل، ألا ترى أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا أخاك"، فالشكُّ واقعٌ في الأُخوّة لا في "زيد"، كما أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا قائمًا"، فالشك إنما وقع في قيام زيد، فلو قدّمت "الأخ"، وأخرت "زيدًا"، لصارت الأخُوة معلومة، والشك واقعٌ في التسمية، فلذلك لا يجوز إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل لتغيّر المعنى.
وقد أجاز ابن دُرُسْتَوَيْهِ: "ظُن خارجٌ زيدًا"، فيُقيم المفعول الثاني من مفعولَيْ "ظننت" مقام الفاعل إذا كان نكرة مفردًا، وذلك لزَوال الإشكال، قال: لأن هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر، والمتبدأُ لا يكون نكرة، وكذلك المفعول الأوّل لا يكون نكرة.
وأما ما يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين فيلزمه إقامة المفعول الأوّل مقام الفاعل إذا بني لما لم يسمّ فاعله، لأنه فاعلٌ في المعنى. ألا ترى أنك إذا قلت: "علم زيدٌ عمرًا خيرَ الناس" أنّ زيدًا هو العالم بحال عمرو، ثُمّ قلت: "أعلم الله زيدًا عمرًا خيرَ الناس" فيصير زيدٌ مفعولاً؟ فإذا لم يسمّ الفاعل، وجب أن يُقام مَن هو فاعلٌ في المعنى مقام الفاعل، وهو المفعول الأوّل. ولو أقمت الثاني، لتَغير، ولم يُعْلَم أنه الفاعل في الأصل، أو المفعولُ، فلذلك لم تكن بالخيار. ولا يجوز إقامة المفعول الثالث مقام الفاعل لِما تقدم ذكره من أنه قد يكون جملة، وربما أشكل على ما وصفنا في بابِ "ظننت"، فاعرفه.
стр. 1682
ومن أصناف الفعل
أفعالُ القلوب
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي سبعةٌ: ظننت وحسبت وخلت وزعمت وعلمت ورأيت ووجدت، إذا كن بمعنى معرفة الشيء على صفة, كقولك: علمت أخاك كريماً، ورأيته جواداً ,ووجدت زيداً ذا الحافظ. تدخل على الجملة من المبتدأ والخبر إذا قصد إمضاؤها على الشك أو اليقين، فتنصب الجزئين على المفعولين وهما على شرائطهما وأحوالهما في أصلهما.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الأفعال أفعال غير مؤثّرة ولا واصلةٍ منك إلى غيرك، وإنما هي أُمورٌ تقع في النفس، وتلك الأمُورُ علمٌ وظن وشكّ. فالعلم هو القطع على شيء بنَفْي أو إيجاب، وهذا القطع يكون ضروريًا وعقليًا، فالضروريُ كالمُدرَك بالحواس الخمس، نحوُ: "علمنا بأن السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وأنّ الاثنين أكثر من واحد، وأقل من الثلاثة". ويقرب من ذلك الأمُورُ الوِجْدانية كالعلم بالألَم واللذة ونحوِهما. وأمّا العقليّ، فما كان عن دليل من غير مُعارِض، فإن وُجد معارضٌ من دليل آخر، وتَردد النظرُ بينهما على سَواء، فهو شك. وإن رجح أحدُهما، فالراجح ظن، والمرجوح وهْمٌ.
والأفعال الدالة على هذه الأمور سبعةٌ: "علمت"، و"رأيت"، و"وجدت"، و"ظننت"، و"حسبت"، و"خلت"، و"زعمت". فالثلاثةُ الأول متواخية, لأنها بمعنى العلم. والثلاثةُ التي تَلِيها متواخية، لأنها بمعنى الظن. و"زعمت" مفردٌ لأنه يكون عن غير علم وظن والغالبُ عليه القول عن اعتقاد.
والاعتمادُ بهذه الأفعال على المفعول الثاني الذي كان خبرًا للمبتدأ، وذلك أنك إذا قلت: "علمت زيدًا منطلقًا"، فإنما وقع علمُك بانطلاقه إذ كنت عالمًا به من قبلُ، فالمخاطب والمخاطِب في المفعول الأول سواءٌ، وإنما الفائدة في المفعول الثاني كما كان في المبتدأ والخبر الفائدة في الخبر لا في المبتدأ.
стр. 1683
وهذا معنى قوله: "إذا كن بمعنى معرفةِ شيء على صفة" يعني أن المخاطَب قد كان يعرفه لا متصفًا بهذه الصفة، وفائدةُ الإخبار الآنَ اتصافُه بصفة كان يجهلها، وذلك متعلق بالخبر، والضمير في قوله: "إذا كنّ" يعود إلى الثلاثة الأواخر، وهي "رأيت"، و"علمت"، و"وجدت"؛ لأنها بمعنى العلم والمعرفةِ، وسائرُ أخواتها شك وظن، ولمّا كانت هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر ومعناها متعلقٌ بهما جميعًا لا بأحدهما: أمّا تعلّقها بالخبر، فلأنه موضع الفائدة، وبالمبتدأ فللإيذان بصاحب القصة المشكوك فيها أو المتيقنةِ، وجب أن تنصبهما جميعًا؛ لأنّ الفعل إذا اشتَغل بفاعل ورَفَعَه، فجميعُ ما يتعلق به غيرَه يكون منصوبًا, لأنه يصير فضلة.
وقوله: "إذا قُصد إمضاؤها على الشكّ واليقين" تحرّز ممّا إذا قُصد إلغاؤها، فإنها لا تعمل شيئًا.
وقوله: "وهما على شرائطهما وأحوالهما في أصلهما" يعني شرائط المبتدأ والخبر وأحواله، لا تتغيّر ذلك بدخول هذه الأفعال عليهما.
فصل [استعمال "أُرى" و"أقول" بمعنى "ظننت "]
قال صاحب الكتاب: ويستعمل "أُريتُ" استعمال "ظننتُ"، فيقال: "أُريتُ زيداً منطلقاً"، و"أُرى عمراً ذاهباً"، و"أين ترى بشراً جالساً", ويقولون في الإستفهام خاصة: "متى تقول زيداً منطلقاً؟ " و"أتقول عمراً ذاهباً؟ " و"أكل يوم تقول عمراً منطلقاً؟ " بمعنى "تظن". قال [من الوافر]:
١٠٠١ - أجُهالاً تقول بني لؤي ... لعمر أبيك أم متجاهلينا
стр. 1684
وقال عمر بن أبي ربيعة [من الكامل]:
١٠٠٢ - أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدار تجمعنا
وبنو سليم يجعلون باب "قلت" أجمع مثل "ظننت".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول إن "أُرَى" ممّا يتعدّي إلى ثلاثة مفعولين، وهو منقول من "رأيتُ"، و"رَأى"، إذا كان من رؤية القلب، له معنيان: أحدهما العلم، والآخر الحِسْبان والظن. فإذا بني لما لم يسمّ فاعله، أُقيم المفعول الأول مقام الفاعل، ونُصب ما بقي من المفاعيل، فتقول: "أُرِيتُ عمرًا منطلقًا"، أي: ظننت
стр. 1685
عمرًا منطلقًا. فإذا أظَنّه غيرُه، فقد ظنّ، فلذلك تقول: "أُرَى زيدًا منطلقًا" بمعنيَ "ظننتُ"، و"أيْنَ تُرَى بشرًا جالسًا"، والمراد: أين تظن؟ لأنه ظانّ إذا أظنه غيرُه، وأكثرُ ما يُستعمل ذلك مع المتكلم.
وقد يُجرون القَوْلَ مجرى الظن، فيُعْمِلونه عملَه، فإذا دخل على المبتدأ والخبر، نصبهما؛ لأنّ القول يدخل على جملة مُفيدة فيتصوّرها القلبُ، ويترجّح عنده، وذلك هو الظنّ والاعتقاد، والعبارةُ باللسان عنه هو القول، فأجروا العبارة على حسب المعبّر عنه. ألا ترى أنه يُقال: "هذا قولُ فلان"، و"مذهبُ فلان"، و"ما تقول في مسألةِ كذا؟ " ومعناه: ما ظنك؟ وما اعتقادُك؟ فمنهم من يعمله عملَ الظنّ مطلقًا، نحوَ: "قال زيدٌ عمرًا منطلقًا"، و"يقول زيدٌ عمرًا منطلقًا"، من غير اشتراطِ شيء، كما أن الظن كذلك، وهي لغة بني سُلَيْم.
ومنهم من يشترط أن يكون معه استفهامٌ، وأن يكون القول فعلاً للمخاطب، وأن لا يفصل بين أداة الاستفهام والفعل بغير الظرف. فأمّا اشتراط الاستفهام؛ فلأن بابه أن يقع محكيّا، ولا يدخل في باب الظنّ إلّا مع الاستفهام، لأنّ الغالب أن الإنسان لا يُسأل عن قوله، إذ ذاك ظاهرٌ، إنما يسأل عن ما يَجُنّه ويعتمَده لخَفائه.
وأما اشتراط الخطاب، فلأن الإنسان لا يُسأل عن ظنّ غيره، إنما يسأل عن ظنّ نفسه، فلذلك تقول: "متى قلتَ زيدًا منطلقًا؟ " و"أتقول زيدًا قائمًا؟ " ولا يجوز بياء الغيبة، فلا تقول: "متى يقول زيدًا قائمًا؟ " ولا يفصل بينه وبين أداة الاستفهام بغير الظرف، فلا يجوز: "أأنت تقول زيدًا قائمًا؟ " لأنك تفصل بالاسم المبتدأ بين أداة الاستفهام والفعل، فخرجتْ "تَقُولُ" عن الاستفهام، وعادت إلى حكمها من الحكاية، كما تقول: "أأنت زيدٌ مررتَ به؟ " فترفع، والاختيارُ النصب؛ لأنّ الاستفهام لم يقع على الفعل، فأما قوله [من الوافر]:
أجهّالًا تقول ... إلخ
فإن البيت للكُمَيْت، والشاهد فيه إعمالُ "تقول" عملَ "تظن"؛ لأنها بمعناها، ولم يرد قولَ اللسان، وإنما أراد اعتقاد القلب. ولم يفصل الاسمُ هنا؛ لأنه مفعول مؤخر في الحكم. والتقديرُ: أتقول بني لؤي جهالًا، أي: أتظنهم كذلك، وأراد ببني لؤي قُرَيْشًا؛ لأنها تنتمي إلى لؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضْر بن كِنانة، والنضر أبو قريش.
وهذا البيت من قصيدة يفخَر بها على اليَمَن، ويذكر فضل مُضَرَ عليهم، فيقول: أتظنّ قريشًا جاهلين أو متجاهلين حين استعملوا اليَمانين على وِلايتهم، وآثروهم على