← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

مقام الفاعل، وذلك إذا قلت: "أَعطى زيدٌ محمّدًا عبدَه"، أو نحوَه مما يصحّ أخذُه، فإن هذا ونحوه ممّا يصحّ منه الأخذُ، إذا بنيته لما لم يسمّ فاعله، لم تُقِم مقام الفاعل إلّا المفعول الأول، فتقول: "أُعطي محمد عبدًا"، ولا يجوز إقامة "العبد" مقام الفاعل، فتقولَ: "أُعطي عبدٌ محمدًا"؛ لأن "العبد" يجوز أن يأخذ "محمدًا" كما يجوز لمحمّد أن يأخذ العبدَ، فيصير الآخذُ مأخوذًا. فأمّا "أُعطي درهمٌ زيدًا" فحسن؛ لأن "الدرهم" لا يأخذ زيدًا، فإن رُفع؛ فلا تتوهّم فيه أنه آخذٌ لزيد. وما كان من الضرب الأوّل، وهو ما كان داخلاً على المبتدأ والخبر، نحوُ: "ظننت" وأخواتها؛ فإنك إذا بنيت من ذلك فعلَ ما لم يسمّ فاعله، لم تُقِم مقام الفاعل إلَّا المفعول الأوّل، نحوَ: "ظُن زيد قائمًا". ولا تقيم المفعول الثاني مقام الفاعل؛ لأن المفعول هنا قد يكون جملة من حيث كان في الأصل خبرًا لمبتدأ، نحوَ قولك: "علمتُ زيدًا أبوه قائمٌ". والفاعلُ لا يكون جملة، فكذلك ما يقع موقعه، ولأنه قد يتغير المعنى بإقامة الثاني مقام الفاعل، ألا ترى أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا أخاك"، فالشكُّ واقعٌ في الأُخوّة لا في "زيد"، كما أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا قائمًا"، فالشك إنما وقع في قيام زيد، فلو قدّمت "الأخ"، وأخرت "زيدًا"، لصارت الأخُوة معلومة، والشك واقعٌ في التسمية، فلذلك لا يجوز إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل لتغيّر المعنى. وقد أجاز ابن دُرُسْتَوَيْهِ: "ظُن خارجٌ زيدًا"، فيُقيم المفعول الثاني من مفعولَيْ "ظننت" مقام الفاعل إذا كان نكرة مفردًا، وذلك لزَوال الإشكال، قال: لأن هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر، والمتبدأُ لا يكون نكرة، وكذلك المفعول الأوّل لا يكون نكرة. وأما ما يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين فيلزمه إقامة المفعول الأوّل مقام الفاعل إذا بني لما لم يسمّ فاعله، لأنه فاعلٌ في المعنى. ألا ترى أنك إذا قلت: "علم زيدٌ عمرًا خيرَ الناس" أنّ زيدًا هو العالم بحال عمرو، ثُمّ قلت: "أعلم الله زيدًا عمرًا خيرَ الناس" فيصير زيدٌ مفعولاً؟ فإذا لم يسمّ الفاعل، وجب أن يُقام مَن هو فاعلٌ في المعنى مقام الفاعل، وهو المفعول الأوّل. ولو أقمت الثاني، لتَغير، ولم يُعْلَم أنه الفاعل في الأصل، أو المفعولُ، فلذلك لم تكن بالخيار. ولا يجوز إقامة المفعول الثالث مقام الفاعل لِما تقدم ذكره من أنه قد يكون جملة، وربما أشكل على ما وصفنا في بابِ "ظننت"، فاعرفه.

стр. 1682

ومن أصناف الفعل أفعالُ القلوب فصل [تعدادها] قال صاحب الكتاب: وهي سبعةٌ: ظننت وحسبت وخلت وزعمت وعلمت ورأيت ووجدت، إذا كن بمعنى معرفة الشيء على صفة, كقولك: علمت أخاك كريماً، ورأيته جواداً ,ووجدت زيداً ذا الحافظ. تدخل على الجملة من المبتدأ والخبر إذا قصد إمضاؤها على الشك أو اليقين، فتنصب الجزئين على المفعولين وهما على شرائطهما وأحوالهما في أصلهما. * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الأفعال أفعال غير مؤثّرة ولا واصلةٍ منك إلى غيرك، وإنما هي أُمورٌ تقع في النفس، وتلك الأمُورُ علمٌ وظن وشكّ. فالعلم هو القطع على شيء بنَفْي أو إيجاب، وهذا القطع يكون ضروريًا وعقليًا، فالضروريُ كالمُدرَك بالحواس الخمس، نحوُ: "علمنا بأن السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وأنّ الاثنين أكثر من واحد، وأقل من الثلاثة". ويقرب من ذلك الأمُورُ الوِجْدانية كالعلم بالألَم واللذة ونحوِهما. وأمّا العقليّ، فما كان عن دليل من غير مُعارِض، فإن وُجد معارضٌ من دليل آخر، وتَردد النظرُ بينهما على سَواء، فهو شك. وإن رجح أحدُهما، فالراجح ظن، والمرجوح وهْمٌ. والأفعال الدالة على هذه الأمور سبعةٌ: "علمت"، و"رأيت"، و"وجدت"، و"ظننت"، و"حسبت"، و"خلت"، و"زعمت". فالثلاثةُ الأول متواخية, لأنها بمعنى العلم. والثلاثةُ التي تَلِيها متواخية، لأنها بمعنى الظن. و"زعمت" مفردٌ لأنه يكون عن غير علم وظن والغالبُ عليه القول عن اعتقاد. والاعتمادُ بهذه الأفعال على المفعول الثاني الذي كان خبرًا للمبتدأ، وذلك أنك إذا قلت: "علمت زيدًا منطلقًا"، فإنما وقع علمُك بانطلاقه إذ كنت عالمًا به من قبلُ، فالمخاطب والمخاطِب في المفعول الأول سواءٌ، وإنما الفائدة في المفعول الثاني كما كان في المبتدأ والخبر الفائدة في الخبر لا في المبتدأ.

стр. 1683

وهذا معنى قوله: "إذا كن بمعنى معرفةِ شيء على صفة" يعني أن المخاطَب قد كان يعرفه لا متصفًا بهذه الصفة، وفائدةُ الإخبار الآنَ اتصافُه بصفة كان يجهلها، وذلك متعلق بالخبر، والضمير في قوله: "إذا كنّ" يعود إلى الثلاثة الأواخر، وهي "رأيت"، و"علمت"، و"وجدت"؛ لأنها بمعنى العلم والمعرفةِ، وسائرُ أخواتها شك وظن، ولمّا كانت هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر ومعناها متعلقٌ بهما جميعًا لا بأحدهما: أمّا تعلّقها بالخبر، فلأنه موضع الفائدة، وبالمبتدأ فللإيذان بصاحب القصة المشكوك فيها أو المتيقنةِ، وجب أن تنصبهما جميعًا؛ لأنّ الفعل إذا اشتَغل بفاعل ورَفَعَه، فجميعُ ما يتعلق به غيرَه يكون منصوبًا, لأنه يصير فضلة. وقوله: "إذا قُصد إمضاؤها على الشكّ واليقين" تحرّز ممّا إذا قُصد إلغاؤها، فإنها لا تعمل شيئًا. وقوله: "وهما على شرائطهما وأحوالهما في أصلهما" يعني شرائط المبتدأ والخبر وأحواله، لا تتغيّر ذلك بدخول هذه الأفعال عليهما. فصل [استعمال "أُرى" و"أقول" بمعنى "ظننت "] قال صاحب الكتاب: ويستعمل "أُريتُ" استعمال "ظننتُ"، فيقال: "أُريتُ زيداً منطلقاً"، و"أُرى عمراً ذاهباً"، و"أين ترى بشراً جالساً", ويقولون في الإستفهام خاصة: "متى تقول زيداً منطلقاً؟ " و"أتقول عمراً ذاهباً؟ " و"أكل يوم تقول عمراً منطلقاً؟ " بمعنى "تظن". قال [من الوافر]: ١٠٠١ - أجُهالاً تقول بني لؤي ... لعمر أبيك أم متجاهلينا

стр. 1684

وقال عمر بن أبي ربيعة [من الكامل]: ١٠٠٢ - أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدار تجمعنا وبنو سليم يجعلون باب "قلت" أجمع مثل "ظننت". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول إن "أُرَى" ممّا يتعدّي إلى ثلاثة مفعولين، وهو منقول من "رأيتُ"، و"رَأى"، إذا كان من رؤية القلب، له معنيان: أحدهما العلم، والآخر الحِسْبان والظن. فإذا بني لما لم يسمّ فاعله، أُقيم المفعول الأول مقام الفاعل، ونُصب ما بقي من المفاعيل، فتقول: "أُرِيتُ عمرًا منطلقًا"، أي: ظننت

стр. 1685

عمرًا منطلقًا. فإذا أظَنّه غيرُه، فقد ظنّ، فلذلك تقول: "أُرَى زيدًا منطلقًا" بمعنيَ "ظننتُ"، و"أيْنَ تُرَى بشرًا جالسًا"، والمراد: أين تظن؟ لأنه ظانّ إذا أظنه غيرُه، وأكثرُ ما يُستعمل ذلك مع المتكلم. وقد يُجرون القَوْلَ مجرى الظن، فيُعْمِلونه عملَه، فإذا دخل على المبتدأ والخبر، نصبهما؛ لأنّ القول يدخل على جملة مُفيدة فيتصوّرها القلبُ، ويترجّح عنده، وذلك هو الظنّ والاعتقاد، والعبارةُ باللسان عنه هو القول، فأجروا العبارة على حسب المعبّر عنه. ألا ترى أنه يُقال: "هذا قولُ فلان"، و"مذهبُ فلان"، و"ما تقول في مسألةِ كذا؟ " ومعناه: ما ظنك؟ وما اعتقادُك؟ فمنهم من يعمله عملَ الظنّ مطلقًا، نحوَ: "قال زيدٌ عمرًا منطلقًا"، و"يقول زيدٌ عمرًا منطلقًا"، من غير اشتراطِ شيء، كما أن الظن كذلك، وهي لغة بني سُلَيْم. ومنهم من يشترط أن يكون معه استفهامٌ، وأن يكون القول فعلاً للمخاطب، وأن لا يفصل بين أداة الاستفهام والفعل بغير الظرف. فأمّا اشتراط الاستفهام؛ فلأن بابه أن يقع محكيّا، ولا يدخل في باب الظنّ إلّا مع الاستفهام، لأنّ الغالب أن الإنسان لا يُسأل عن قوله، إذ ذاك ظاهرٌ، إنما يسأل عن ما يَجُنّه ويعتمَده لخَفائه. وأما اشتراط الخطاب، فلأن الإنسان لا يُسأل عن ظنّ غيره، إنما يسأل عن ظنّ نفسه، فلذلك تقول: "متى قلتَ زيدًا منطلقًا؟ " و"أتقول زيدًا قائمًا؟ " ولا يجوز بياء الغيبة، فلا تقول: "متى يقول زيدًا قائمًا؟ " ولا يفصل بينه وبين أداة الاستفهام بغير الظرف، فلا يجوز: "أأنت تقول زيدًا قائمًا؟ " لأنك تفصل بالاسم المبتدأ بين أداة الاستفهام والفعل، فخرجتْ "تَقُولُ" عن الاستفهام، وعادت إلى حكمها من الحكاية، كما تقول: "أأنت زيدٌ مررتَ به؟ " فترفع، والاختيارُ النصب؛ لأنّ الاستفهام لم يقع على الفعل، فأما قوله [من الوافر]: أجهّالًا تقول ... إلخ فإن البيت للكُمَيْت، والشاهد فيه إعمالُ "تقول" عملَ "تظن"؛ لأنها بمعناها، ولم يرد قولَ اللسان، وإنما أراد اعتقاد القلب. ولم يفصل الاسمُ هنا؛ لأنه مفعول مؤخر في الحكم. والتقديرُ: أتقول بني لؤي جهالًا، أي: أتظنهم كذلك، وأراد ببني لؤي قُرَيْشًا؛ لأنها تنتمي إلى لؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضْر بن كِنانة، والنضر أبو قريش. وهذا البيت من قصيدة يفخَر بها على اليَمَن، ويذكر فضل مُضَرَ عليهم، فيقول: أتظنّ قريشًا جاهلين أو متجاهلين حين استعملوا اليَمانين على وِلايتهم، وآثروهم على

стр. 1686

المُضَريين مع فضلهم عليهم. والمتجاهل الذي يستعمل الجهلَ، وإن لم يكن من أهله، ألا ترى إلى قول الآخر [من الرجز]: ١٠٠٣ - إذا تَحْازَزتُ وما بي مِن خَزَر وأما قول الآخر [من الكامل]: أمّا الرحيل ... إلخ فالبيت لعمَرَ بن أبي رَبِيعة المَخزومي، والشاهد فيه نصب الدار بـ "تقول" لِما ذكرناه من خروجها إلى معنى الظن كما تقدّم. يقول: قّد حان رحيلنا عمن نُحِب، ومفارقتُنا في غدٍ، وعبّر عنه بقوله: دون بعد غد، فمتى تجمعنا الدارُ بعد هذا الافتراق فيما تظنُّ، وتعتقد؟ فصل [المعاني الأخرى لأفعال القلوب] قال صاحب الكتاب: ولها ما خلا "حسبت" و"خلت" و"زعمت" معان أخر, لا تتجاوز عليها مفعولاً واحداً. وذلك قولك ظننته من الظنة وهي التهمة. ومنه قوله : ﴿وما هو على الغيب بظنين﴾ (١)، وعلمته بمعنى: عرفته * * *

стр. 1687

قال الشارح: اعلم أنه قد توجّه بعض هذه الأفعال إلى معانٍ أُخر، فلا تفتقر إلى مفعولَين، وتكتفى بمفعول واحد، فمن ذلك "ظننت" وهي تُستعمل على ثلاثة أضرب: ضربٌ على بابها، وهو بإزاء ترجح أحد الدليلَين المتعارضَيْنْ على الآخر، وذلك هو الظن، وهي، إذا كانت كذلك، تدخل على المبتدأ والخبر، ومعناها متعلق بالجملهْ على ما تقدم. وقد يقوى الراجحُ في نظر المتكلّم، فيذهب بها مذهبَ اليقين، فتجري مجرى "علمت"، فتقتضي مفعولين أيضًا. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ (١)، فالظن ها هنا يقينٌ، لأن ذلك الحين ليس حين شك. ومنه قول الشاعر [من الطويل]: ١٠٠٤ - فقلت لهم طنوا بألْفَي مُدجّجٍ ... سراتُهُم في الفارسي المسرّدِ والمراد: اعلموا ذلك وتَيقنوه؛ لأنه أخرجه مخرج الوعيد، ولا يحصل ذلك إلّا مع اليقين. وقد يقوى الشك بالنظر إلى المرجوح، فتصير في معنى الوهم، فتقول. "ظننتُ زيدًا" في معنَى اتهمُته، أي. أتخذته مكانًا لوَهْمي، فهي لذلك تكتفي بمفعول واحد. ومه قوله تعالى: ﴿وما هو على الغيب بظنين﴾ (٢)، أي: بمتهم، و"ظنينٌ" هنا بمعنَى مظنون، وفيه ضميرٌ مرفوعٌ كان مفعولًا، فأقيم مقام الفاعل.

стр. 1688

وأما من قرأ "بِضَنِين"، فإته أراد ببَخِيل. و"فَعِيلٌ" ها هنا بمعنى فاعِل، أي: باخل، لأنه لازم، لا يُننَى منه مفعولٌ، فلذلك لا يصحّ أن يقدر "ضنين" به. ومن ذلك "علمت" إذا أُريد به معرفة ذات الاسم، ولم يكن عارفًا به قبلُ ولا بد فيه من شيء من إدراك الحاسّة، فتقول: "علمت زيدًا" أي: عرفته شخصَه، ولم تكن عرفته قبل، وليس بمنزلة قولك: "علمت زيدًا عالمًا" إذا أخبرت أنك علمته متصفًا بهذه الصفة، ولم تكن عرفته قبلُ بذلك، وإن كنت عارفًا بذاته مجرّدة من هذه الصفة. * * * قال صاحب الكتاب: ورأيته بمعن أبصرته، ووجدت الضالة إذا أصبتها، وكذلك أريت الشيء بمعنى بصرته, أو عرفته. ومنه قوله : ﴿أرنا مناسكنا﴾ (١) , و"أتقول إن زيداً منطلق؟ " أي: أتفوه بذلك. * * * قال الشارح: رأيت" تجيء على ضربين: أحدهما بمعنى إدراك الحاسّة، تقول: "رأيت زيدًا"، أي: أبصرته، فتتعدّى إلى مفعول واحد. ولا يكون ذلك المفعول إلّا ممّا يُبْصَر. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٢)، فَـ "تَرى" ها هنا بمعنى: بَصَرِ العين، والهاء والميم به مفعولٌ، و"ينظرون إليك" في موضع الحال. والثاني أن تكون من رؤية القلب، فتتعدّى إلى مفعولَين. وله معنيان: الحِسبان والعلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (٣)، أي: يحسبونه بعيدًا، ونراه قريبًا، أي: نعلمه، لأنّ القديم سبحانه عالم بالأشياء من غير شك ولا حسبان. ومن ذلك "وجدت"، فلها أيضًا معنيان: أحدهما وجود القلب بمعنى العلم، فتتعدّى إلى مفعولَيْن كما يتعدّي العلم إليهما، فتقول: "وجدت زيدًا عالمًا"، أي: علمت ذلك منه. وتكون بمعنى الإصابة، فتكتفي بمفعول واحد، كقولك: "وجد زيدٌ ضالته"، أي: أصابها. وأمّا "أُرِيتُ"، فقد تقدّم من قولنا أنها تستعمل على ضربين: أحدهما أن تكون من رؤية القلب، فتتعدّى إلى مفعولين، والثاني أن تكون من رؤية العين، فتكتفي بمفعول واحد، فعلى هذا الثاني إذا نقلتها بالهمزة، صارت تتعدّى إلى مفعولين، نحوَ قولك: "أرَيْتُ زيدًا عمرًا"، أي: جعلته يراه. قال الله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (٤)، فعدّاها إلى مفعولين. فإذا بنيتها لما لم يسمّ فاعله، فقلت: "أرِيتُ الشيءَ"، أقمت المفعول الأول مقام الفاعل فرفعته، وهو التاء،

стр. 1689

وتركت الثاني على حاله منصوبًا، فقد صارت "أُرِيتُ" لها معنيان: أحدهما أن تكون من رؤية القلب، فتتعدّي إلى مفعولين. وأصلها قبل بنائها لما لم يسمّ فاعله أن تتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل. والثاني أن تكون من رؤية العين، فتكتفي بمفعول واحد، وأصلها قبل بنائها لما لم يسمّ فاعله أن تتعدّى إلى مفعولين، ولذلك ذكرها ها هنا؛ لأنها على معنيَيْن. وأمّا "أتقول أن زيدًا منطلقٌ؟ " فإنه يجوز في "أن" الكسر والفتح، لكن على تقديرَيْن: إن جعلت القول على بابه من الحكاية، كانت "إن" بعد الفعل مكسورة، نحوَ قولك: "قال زيدٌ إن عمرًا منطلقٌ"؛ لأنك إنما تحكي قولَه ولفظَه مبتدِئًا بكسرِ "إن"؛ ولذلك قال: "أتَفُوهُ بذلك"، يريد أنه من عَملِ اللسان، لا من فعل القلب. وإن اعتقدت أنه بمعنى الظن، فتحت "أن"، وقلت: "أتقول أن زيدًا منطلقٌ"، كما تقول: "أتَظُن أن زيدًا منطلق"، ويكون من فعل القلب، ليس للسان فيه حظٌ، وتكون "أنّ" واسمها وخبرها قد سدّت مسدّ مفعولَيْه. وأمّا على رأي بني سُلَيْم، فيجوز فتحُ "أن" بعد جميع أفعال القول؛ لأنهم يُجرون بابَ القول أجمعَ مجرى الظنّ. فأمًّا "خال"، و"حسب"، و"زعم"، فليس لها إلّا قِسمٌ واحدٌ، وهو معنى الشكّ، ولذلك استثناها في أوّل الفصل. فصل [الاقتصار على أحد المفعولين] قال صاحب الكتاب: ومن خصائصها أن الاقتصار على أحد المفعولين في نحو: كسوت وأعطيت مما تغاير مفعولاه غير ممتنع, تقول أعطيت درهماً ولا تذكر من أعطيته، وأعطيت زيداً ولا تذكر ما أعطيته. وليس لك أن تقول حسبت زيداً ولا منطلقاً وتسكت، لفقد ما عقدت عليه حديثك. * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إن الأفعال المتعدّية إلى مفعولَيْن على ضربَيْن: ضرب لا يكون الفعل فيه (١) من أفعال الشكّ واليقين، ولا يدخل (٢) على مبتدأ وخبر، نحوُ: "أَعطيت"، و"كسوت". تقول: "كسوت زيدًا ثوبًا"، و"أعطيته درهمًا"، فالمفعولُ الأول مُغايِر للمفعول الثاني من طريق المعنى، وهو فاعل، ألا ترى أن زيدًا يكتسي الثوبَ، أنّه آخِذ للدرهم، وليس الدرهم بزيدٍ، ولا زيدٌ بالثوب؟ ألا ترى أنك لو أسقطت الفعل والفاعل، لم يجز أن تقول: "زيدٌ ثوبٌ" ولا "زيد درهمٌ" لأنّ الثاني ليس

стр. 1690

الأوّل؟ فلذلك قال: "ممّا تَغاير فيه المفعولان". وإذا كان ذلك كذلك، جاز في هذه المسألة ثلاثة أوجه: منها الاكتفاء بالفاعل مع الفعل، فتقول: "أعطيت"، و"كسوت"؛ لأنّ الفعل والفاعل جملةٌ يحسن السكوت عليها، ويحصل بها فائدةٌ للمخاطب. وذكرُ المفعول فائدة أُخرى تزيد على إفادة الجملة، فإن ذكرت المفعولَيْن، كان تناهِيًا في البيان والفائدةِ بذكر المُعْطِي وهو الفاعل، ومن أُعطي، وهو المفعول الأوّل، وما أُعطي، وهو المفعول الثاني. ولك أن تقتصر على أحد المفعولين، ويكون توسُطًا في البيان والفائدة. فتقَول: "أعطيت درهمًا"، فأفدت المخاطبَ جنسَ ما أعطيت من غير تعيينِ مَن أعطيت. وأما الضرب الآخر، فإنه يتعدّي إلى مفعولين، وهو من أفعال الشكّ واليقين، وتدخل على المبتدأ والخبر، نحوُ: "ظننت زيدًا قائمًا"، و"حسبت بكرًا منطلقًا"، وقد تقدّم ذكرها قبلُ. فما كان من هذه الأفعال، فليس لك أن تقتصر على أحد المفعولين فيها دون الآخر، وذلك لأنها تدخل على المبتدأ والخبر، ولا بد لكل واحد منهما من صاحبه؛ لأنّ بمجموعهما تتمّ الفائدةُ للمخاطب، فالمفعولُ الثاني معتمَدُ الفائدة، والمفعول الأوّل معتمد البيان. ألا ترى أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا قائمًا" فالشك إنما وقع في قيام زيد، لا في ذاته؟ وإنما ذكرت المفعول الأوّل لبيان مَن أُسْنِد إليه هذا الخبرُ، فلمّا كانت الفائدة مرتبطةً بهما جميعًا، لم يجز إلّا أن تذكرهما معًا، فلو قلت: "ظننت زيدًا"، وسكتّ، أو "ظننت قائمًا"، لم يجز كما جاز في "أعطيت" لِما ذكرناه. وهذا معنى قوله: "لفقد ما عقدت عليه حديثك"، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: فأما المفعولان معاً فلا عليك أن تسكت عنهما في البابين. قال الله تعالى: ﴿وظننتم ظن السوء﴾ (١)، وفي أمثالهم: "من يسمع يخل" (٢) , وأما قول العرب ظننت ذاك، فـ "ذاك" إشارة إلى الظن, كأنهم قالوا ظننت فاقتصروا. وتقول ظننت به إذا جعلته موضع ظنك كما تقول ظننت في الدار. فإن جعلت الباء زائدة بمنزلتها في ألقى بيده لم يجز السكوت عليه. * * *

стр. 1691

قال الشارح: أما باب "أعطى"، و"كسا"، فقد تقدّم الكلام عليه في جواز السكوت على الفاعل؛ لأنها جملة من فعل وفاعلٍ يحصل للمخاطب منها فائدةٌ، وهو وجود الإعطاء والكسوة، إذ قد يجوز أن يوجَد منه ذلك. وأمّا أفعال القلوب، وهي باب "ظننت" وأخواتها، فقد اختلف النحويون في جواز السكوت على الفاعل. فامتنع قومٌ من جوازِ ذلك، وقالوا: لأنه لا فائدة فيه؛ لأنه قد عُلم أن العاقل لا يخلو من ظن أو علم. فإذا قلت: "ظننت"، أو"علمت"، لم يجز؛ لأنك أخبرتَه بما هو معلوم عنده. والوجهُ جوازُه؛ لأنك إذا قلت: "ظننت"، فقد أفدت المخاطب أنه ليس عندك يقين. وإذا قلت: "علمت"، فقد أخبرت أنه ليس عندك شك. وكذلك سائرها، وهذا فيه من الفائدة ما لا خَفاءَ فيه، وعليه أكثر النحويين. قال الله تعالى: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ (١)، فأتي بالمصدر المؤكد، وكأنّه قال: "وظننتم"؛ لأنّ التأكيد كالتكرير. ومن أمثال العرب "مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ"، ففي "يخل" ضمير فاعل، ولم يجىء بالمفعولَيْن، فعلى هذا تقول: "ظننت ظَنًا"، و"ظننت يومَ الجمعة"، و"ظننت خَلفَك". كل ذلك جائز، وإن لم تذكر المفعولين. وأما قول العرب: "ظننت ذاك"، فإنما يعنون ذلك الظن، فيكون "ذا" إشارة إلى المصدر لدلالة الفعل عليه. وقد جاز أن تقول: "ظننت" من غير مفعولين. وإذا جئت بـ"ذاك" وأنت تعني المصدر؛ فإنمّا أكدت الفعل، ولم تأتِ بمفعول يُحْوِج إلى مفعول آخر، فـ "ظننت" ها هنا يعمل في "ذاك" عملَه في الظنّ، كما يعمل "ذهبت" في "الذهاب". وتقول: "ظننت به" إذا جعلته موضعَ ظنك، كما تقول: "نزلت به"، و"نزلت عليه" مجراه ها هنا مجرى الظرف، فلا يحوج إلى ذكر مفعول آخر. فإن جعلت الباء زائدة، كان الضمير مفعولاً، ولم يكن بد من ذكر المفعول الثاني؛ لأنك ذكرت المفعول الأوّل، وصار التقدير: "ظننت زيدًا"، كما كان التقدير في "ألْقَى بيَده": ألْقَى يَدَه. والباءُ تزاد مع المفعول كثيرًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، و ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٣). ولو لم تكن الباء زائدة، لَما جاز أن يكون الاسم معها فاعلًا في نحو قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٤). والتقدير: كفى الله. والذي يدل على زيادتها أنها إذا حذفت، يرتفع الاسم بفعل، نحوَ قول الشاعر [من الطويل]: كَفَى الشيْبُ والإِسلامُ للمَرْء ناهِيًا (٥)

стр. 1692

فصل [جواز إعمال أفعال القلوب وإلغائها] قال صاحب الكتاب: ومنها أنها إذا تقدمت أعملت ويجوز فيها الإعمال والإلغاء متوسطة أو متأخرة قال [من البسيط]: ١٠٠٥ - أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور ويلغى المصدر إلغاء الفعل, فيقال متى زيد ظنك ذاهب، وزيد ظني مقيم، وزيد أخوك ظني وليس ذلك في سائر الأفعال. * * * قال الشارح: قد تقدّم القول عن ضُعْف إعمال هذه الأفعال في المفعولين لكَوْنها غير مؤثرة، ولا نافذة منك إلى غيرك، وإنما هي أشياءُ تهجُس في النفس من يقين أو شكّ من غير تأثير فيما تعلق بها. وإنما أعملت؛ لأنّ فاعلها قد تعلق ظنّه أو علمُه بمظنون أو معلوم، كما أن قولك: "ذكرت زيدًا" يتعدّي إلى "زيد"؛ لأنّ الذكر اختص به، وإن لم يكن مؤثرًا فيه،

стр. 1693

فلذلك تعدّت هذه الأفعال، وإن لم تكن مؤثرة، لتعلُّقها بما ذكرنا واختصاصِها به. ولأجل كونها ضعيفة في العمل، جاز أن تُلْغى عن العمل. وهذه الأفعال لها أحوال ثلاثة: تكون متقدّمة على المبتدأ والخبر، وتكون متوسّطة بينهما، وتكون متأخرة عنهما. فإذا تقدمت، لم يكن بد من إِعمالها؛ لأنّ المقتضى لإعمالها قائم لم يوجد ما يُوهِي الفعل، ويسوّغ إبطال عمله، فوَرَدَ الاسم، وقد تقدّم الشَكّ في خبره، فمَنَعَه ذلك التقدم من أن يجري على لفظه قبل دخول الشك. فأما إذا توسطت، أو تأخرت، فإنه يجوز إلغاؤُها؛ لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها. فإذا تقدمت الجملة أو شيء منها، جرت على منهاجها ولفظها قبل دخول الشك، وصُيّر الفعل في تقدير ظرف له، كأنك قلت: "زيدٌ منطلقٌ في ظنّي"، مع أن الفعل يضعف عملُه إذا تقدّمه معموله بإبعاده عن الصدر. ألا ترى أن قولك: "ضربتُ زيدًا" أقوى في العمل من قولك: "زيدًا ضربت"؛ ولذلك يجوز تقويةُ الفعل بحرف الجرّ إذا تقدّم معموله عليه، فتقول: "لزيد ضربت"، ولا يحسن ذلك مع تأخُّره؟ فكذلك إذا قلت: "زيدٌ أظن منطلقٌ" يجوز الإعمال والإلغاء، نحو قولك: "زيدٌ حسبت منطلقٌ"، و"زيدًا حسبت منطلقًا"، و"زيد منطلق حسبت". فإِذا ألغيت، كان الفعل في تقدير ظرف متعلق بالخبر، كأنك قلت: "زيد منطلق في حِسْباني وظنّي". وإذا أعملت، كان الفعل في حكم الأفعال المؤثّرة، نحوِ: "أبصرت"، و"ضربت"، و"أعطيت". واعلم أنه كلّما تَباعد الفعل عن الصدر، ضعُف عمله، فإذًا قولك: "زيدًا حسبت قائمًا" أقوى من قولك: "زيدًا قائمًا حسبت"؛ و"زيدًا قائمًا حسبت" أقوى من قولك: "زيدًا قائمًا اليوم حسبت". كلّما طال الكلام ضعُف الإعمال مع التأخر. فأما قوله [من البسيط]: أبالأراجيز ... إلخ البيت للّعِين المِنْقَريّ يهجو الحجّاج. والشاهد فيه إلغاءُ "خلت" حين قدم الخبرُ، وهو الجارّ والمجرور، وتوسّط الفعلُ. فاللؤم مبتدأ، و"الخور" معطوف عليه، و"في الأراجيز" الخبز، و"خلت" مُلْغَى لتوسُّطه، والمعنى: أتُهدِّدني بالهجاء والأراجيز، وذلك من أفعال اللُّؤَماء والنَّوَكَة، ومَن لا قدرة له؟ وكذلك المصدر حكمه حكم الفعل، فيجوز إلغاؤه حيث جاز إلغاء الفعل، ومعنى إلغائه إبطال عمله لا إبطال إعرابه، فتقول: "متى زيدٌ ظنك ذاهبٌ؟ " و"زيدٌ ذاهبٌ ظنّي"، فـ "زيدٌ" مرتفع بالابتداء، وخبرُه "ذاهب"، و"متى" ظرفٌ للذهاب، و"ظنّك" مصدر منصوب بفعل مضمر مُلغى، كأنك قلت: "متى زيدٌ تظنّ ظَنَّك منطلقٌ". وهذا تمثيلٌ؛ لأنه قبيحٌ أن يؤكَّد الفعل الملغى. وإنما جاز مع المصدر إذا كان منفردًا, لأنه قد صار

стр. 1694

كالبدل من الفعل، فلمّا كان في تقدير الفعل، جاز إلغاؤُه، كما يلْغَى الفعل إذا توسّط بين المبتدأ والخبر، وكذلك إذا تأخّر، نحوَ قولك: "زيدٌ ذاهبٌ ظّني أو في ظنّي أو ظَنَّا منّي". والإلغاءُ هنا أحسن إذ كان متأخّرًا، كما كان الفعل كذلك، فإن بدأتَ بالمصدر، وقلت: "ظنّي زيدٌ ذاهبٌ اليوم"، كان الإلغاء قبيحًا ممتنعًا، كما كان في الفعل كذلك إذا قلت: "أظُن زيد ذاهبٌ"؛ لأنّ تقديره تقدير الفعل. فإن تقدمه ظرفٌ أو نحوه من الكلام، نحوُ قولك: "متى ظَنّي زيدٌ ذاهبٌ؟ " و"أينَ ظني زيدٌ ذاهبٌ؟ " جاز الإلغاء؛ لأن قبله كلامًا، فصار الفعل كأنه حشوٌ، فإن نصبت الاسمين، وقلت: "متى ظنك زيدًا ذاهبًا؟ " رفعت المصدر على الابتداء، والظرفُ خبره, لأنّ ظروف الزمان تقع أخبارّا عن الأحداث، وقد أعملت المصدر إعمال فعله، وهو أحسن هنا من الإلغاء. وقوله: "وليس ذلك بسائر الأفعال"، يريد في باقي أخواتِ "ظننت" لا يجوز: "زيد حسباني ذاهبٌ"، وذلك لكثرة استعمال "ظننت"، فاعرفه. فصل [تعليقها] قال صاحب الكتاب: ومنها إنها تعلق وذلك عند حروف الابتداء والاستفهام والنفي كقولك ظننت لزيد منطلق، وعلمت أزيد عندك أم عمرو وأيهم في الدار, وعلمت ما زيد بمنطلق. ولا يكون التعليق في غيرها. * * * قال الشارح: اعلم أن التعليق ضرب من الإلغاء، والفرقُ بينهما أن الإلغاء إبطال عمل العامل لفظًا وتقديرًا، والتعليق إبطال عمله لفظًا لا تقديرًا، فكل تعليق إلغاءٌ، وليس كل إلغاء تعليقًا. ولمّا كان التعليق نوعًا من الإلغاء، لم يجز أن يُعلَّق من الأفعال إلَّا ما جاز إلغاؤُه، وهي أفعال القلب، وهي "علمت" وأخواته. وإنما تُعلَّق إذا وَلِيَها حروفُ الابتداء، نحوِ الاستفهام وجوابات القَسَم، فيُبْطَل عملها في اللفظ، وتعمل في الموضع، فتقول: "قد علمت أزيدٌ في الدار، أم عمرٌو"، و"علمت إنّ زيدًا لقائمٌ"، و"إخال لَعمرو أخوك"، و"أحْسِبُ لَيقومنّ زيدٌ". قال الله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٢). ومن النحويين من يجعل "ما"، و"لا"، كـ"إنّ" واللام، فيقول: "أظُنُّ ما زيدٌ منطلقٌ"، و"أحسبُ لا يقوم زيدٌ"، فلا يُعْمِل في اللفظ شيئًا، بل يحكم على الموضع

стр. 1695

بالنصب؛ لأنّ "ما"، و"لا" يجاب بهما في القسم، فتقول: "وَاللهِ ما زيدٌ منطلقٌ، و"تاللهِ لا يقوم زيدٌ". وإنّما علّقت هذه الأشياءُ العاملَ؛ لأنّ لها صدرَ الكلام، فلو أُعمل ما قبلها فيها أو فيما بعدها، لخرجت عن أن يكون لها صدرُ الكلام؛ وأمّا حروف الجرّ، فيجوز أن تعمل فيها، نحو قولك: بـ"مَن مررت"، و"إلى أيّهم ذهبت"، وذلك من قبل أنّ الجارّ والمجرور بمنزلة الشيء الواحد؛ فأما قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١)، فـ "أيّ" هنا منصوبٌ بالفعل بعده، وهو"ينقلبون" لا بـ"سيعلم". وقوله: "ولا يكون التعليق في غيرها"، أي: لا يكون إلَّا في الأفعال التي تُلْغَى، نحوِ: "ظننت"، و"علمت"؛ لأنّ التعليق نوع من الإلغاء على ما ذكرنا، فلذلك لا تقول: "لأضربن أيهم قام"؛ لأنه فعلٌ مؤثرٌ لا يجوز إلغاؤه، فلا يجوز تعليقه؛ وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ (٢)، فإن الخليل (٣) كان يحمل ذلك على الحكاية وإضمارِ قولٍ، تقديرُه: لننزعنّ من كلّ شيعة الذي يُقال فيه: "أيّهم أشدّ"، فـ "أيُّهم" هنا عنده استفهامٌ مرفوع بالابتداء رَفعَ إعراب، و ﴿أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ الخبر على حدّ قوله [من الكامل]: فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا محرومُ (٤) أي: بالذى يُقال فيه ذلك؛ وأما سيبويه (٥) فكان يذهب إلى أنه اسمٌ موصولٌ بمعنَى "الّذِي"، وقد حذف العائد من صلته، وأصله: "أيّهم هو أشدُّ"، فحذف "هُو" العائد المرفوع، ومثله قراءةُ من قرأ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (٦)، والمراد: الذي هو أحسن، وحين حذف العائد من صلته، أشبه الغاياتِ من نحوِ "قبلُ، و"بعدُ". فإنه لّما حذف منها المضاف إليه، بنيت على الضمّ، كذلك "أيهُم"، لمّا حذف من صلتها العائد الذي هو من تمامها وبه إيضاحُها، صار كحذف المضاف إليه، فبُنيت على الضمّ لذلك، وموضعها نصبٌ بالفعل الذي هو"لننزعن". ومثله "أضربُ أيّهم أفضلُ". أنشد الخليل (٧) [من المتقارب]: إذا ما أتَيْتَ بني مالِكٍ ... فسَلمْ على أيُّهم أفضلُ (٨)

стр. 1696

والكوفيون (١) لا يعرفون هذا الأصل، ويُجرون " أيًّا" مجرَى "مَنْ"، و"ما" في الاستفهام والجزاء، فإذا وقع الفعل عليها، وهي بمعنَى "الذي"، نصبوها لا محالةَ، فيقولون: " أضربُ أنهم أفضل". ولا فرقَ عندهم بين "أيّهم هو أفضل" وبين "أيّهم أفضل"، وحكى هَارُونُ (٢) عنهم أنّهم قرؤوا الآية بالنصب. ويؤيد ذلك ما حكاه الجرمي، قال: خرجتُ من الخَنْدَق - يعني خندق البصرة - حتى صرتُ إلى مكة، فلم أسمع أحدًا يقول: "اضرب أيُّهم أفضل"، أي: كلّهم ينصب، ولم يذكر الكوفيون "أيّهم أفضل"، وحكاه البصريون. فأما الآية ورفعُها، فلهم فيها أقوالٌ: أحدُها: -وهو قول الكسائي والفرّاء- أن الفعل اكتفى بالجارّ والمجرور عن مفعول صريح، كما يُقال: "قتلت من كل قبيل"، و"أكلت من كل طعام"، فكذلك وقعت الكفايةُ بقوله: "لننزعنّ من كل شيعة"، وابتدأ بقوله: "أيّهم أشدّ على الرحمن عتيًا". الثاني: وهو أن العامل في الجملة فعلٌ دلّ عليه "شيعةٌ"؛ لأنّ الشيعة الأعوان، والمعنى: ثمّ لننزعن من كل قوم تَشايعوا لينظروا أيهم أشدّ. والنظرُ والعلمُ من أفعال القلب، يجوز تعليقهما وإسقاط عملهما إذا وليهما استفهامٌ. وكان يونس (٣) يرى تعليقَ "لننزعنّ" وما كان نحوه من غير أفعال القلوب، نحوَ: "اضرب أيّهم أفضل" على تعليق العامل، وشبهه بـ"أشهدُ إنك لَرسولُ الله". وقد تقدّم إفسادُ ذلك، وأنه لا يكون إلَّا في أفعال القلب. والوجهُ ما ذهب إليه سيبويه, لأنّ نظيرَ "أيهم"، "مَن"، و"ما"، وهما مبنيّان، وكان حق "أيهم" أن يكون مبنيًّا كأخواته لوقوعه موقعَ حرف الاستفهام، أو الجزاء، أو موقعَ "الذي"، فلمّا سقط أحدُ جُزءي الجملة من الصلة، وهو العائد، نقص، فعاد إلى الأصل، وهو البناء. وأمّا مذهب الخليل وإرادةُ الحكاية وإضمارُ القول، فهو شيء بابُه الضرورة، والشعرُ أجملُ به، فلا يُصار إليه، وعنه مندوحة. قال سبيويه (٤): ولو اتسع هذا في الأسماء، لقيل: "أضربُ الفاسقُ الخبيثُ" (٥) على الذي يُقال له: "الفاسق الخبيثُ". وأما قول يونس وتشبيهُه إياه بـ"أشهد إنك لرسولُ الله"، فلا يُشبِهه؛ لأنّ ما بعد "أشهد" كلامٌ مستقل قائم بنفسه، وليس كذلك "أيّهم أفضل".

стр. 1697

فصل [اجتماع ضميري الفاعل والمفعول فيها] قال صاحب الكتاب: ومنها أنك تجمع فيها بين ضميري الفاعل والمفعول فتقول علمتني منطلقًا، ووجدتك فعلت كذا، ورآه عظيمًا. قال الشارح: اعلم أن الأفعال المؤثرة إذا أوقعها الفاعل بنفسه، لم يجز أن يتعدّي فعلُ ضميره المتّصل إلى ضميره المتّصل، فلا يُقال: "ضربتُني"، ويكون الضميران للمتكلّم، ولا "ضربتَك"، ويكون الضميران للمخاطب، ولا نحوُ ذلك. فإذا أرادوا شيئًا من ذلك، قالوا: "ضربتُ نفسي"، و"أكرمتُ نفسي"، ونحوَ ذلك. وإنّما امتنع ذلك؛ لأنّ الغالب من الفاعلين إيقاعُ الفعل بغيرهم، وأفعالُ النفس هي الأفعال التي لا تتعدّى، نحوُ: "قام زيدٌ"، و"جلس بكرٌ"، و"ظرُف محمّدٌ"، ونحوِ ذلك. فإذا اتّحد الضميران، فقد اتّحد الفاعل والمفعول من كلّ وجه. وكان أبو العبّاس يحتجّ لذلك بأن الفاعل بالكلّية لا يكون المفعول بالكلّيّة. وهذا معنى قولنا: لأنه لا بدّ من مغايَرة ما؛ ألا ترى أنه يجوز "ما ضربني إلا أنا"؛ لأنّ الضميرَيْن قد اختلفا من جهةِ أن أحدهما متصلٌ، والآخر منفصلٌ، فلم يتّحدا من كل وجه؟ قال الزجّاج: استغنوا عن "ضربتُني" بـ"ضربتُ نفسي"، كما استغنوابـ "كِلَيْهما" عن تثنيةِ "أجْمَعَ"، فلَم يقولوا: "قام الزيدان أجمعان"، وإن كانوا قد جمعوه، فقالوا: "قام القوم أجمعون". كذلك لم يقولوا: "ضربتُني". استغنوا عنه بـ"ضربتُ نفسي"؛ لأن النفس كغيره ألا ترى أن الإنسان قد يخاطب نفسه، فيقول: "يا نفسُ لا تفعلي" (١) كما يخاطب الأجنبى؟ فكان قوله: "ضربتُ نفسي" بمنزلةِ "ضربتُ غلامي". وأما أفعال القلب التي هي "ظننت" وأخواتها، فإنه يجوز ذلك فيها، ويحسن، فيتعدّى ضمير الفاعل فيها إلى ضمير المفعول الأول دون الثاني، فتقول: "ظننتُني عالمًا"، و"حسبتَك غنيًا". وذلك لأنّ تأثير هذه الأفعال إنما هو في المفعول الثاني، ألا ترى أن الظنّ والعلم إنما يتعلّقان بالثاني, لأنّ الشك وقع فيه، والأوّلُ كان معروفًا عنده، فصار ذكرُه كاللغْو؟ فلذلك جاز أن يتعدّي ضمير الأوّل إلى الثاني؛ لأنّ الأول كالمعدوم، والتعدّي في الحقيقة إلى الثاني. وقوله: و"رَآهُ عظيمًا" في المثال، يريد إذا كان المفعول الأوّل هو الفاعل المضمر في "رَأى"، فاعرفه.

стр. 1698

قال صاحب الكتاب: وقد أجرت العرب "عدمت", و"فقدت" مجراها, فقالوا عدمتني وفقدتني. وقال جران العود [من الطويل]: ١٠٠٦ - لقد كان لي عن ضرتين عدمتني ... وعما ألاقي منهما متزحزح ولا يجوز ذلك في غيرهما فلا تقول شتمتني ولا ضربتك، ولكن شتمت نفسي وضربت نفسك. * * * قال الشارح: قد أجرت العرب "عدمت"، و"فقدت" مجرى "ظننت" ونحوه من الأفعال التي يجوز إلغاؤُها فيما حكاه الفراء، فيقولون: "عدمتُني"، و"فقدتُني". وذلك لأنّ معناهما يؤول في التحصيل إلى معناها. ألا ترى أن معنَى "عدمت الشيءَ: علمتُه" غيرَ موجود. وإذ كانا في معنى العلم، أُجريا مجراها مع أن النّظَر يُحِيل "عدمتُني". ألا ترى أنك إذا قلت: "عدمتني"، فمعناه علمتُني غيرَ موجود، ومحالٌ أن تعلم شيئًا، وأنت غير موجود؛ لأنك إذا علمت كنت موجودًا، وصحّتُه على الاستعارة، وأصلُه: عَدِمَني غيري، وإنما استُعير إلى المتكلّم، وأما قوله [من الطويل]: لقد كان لي عن ضرّتين ... إلخ وبعده: هما الغُولُ والسّعْلاةُ حَلْقِيَ منهما ... مُخدّشُ مابَيْنَ التراقِي مُكَدّحُ الشاهد فيه "عدمتني" باتحاد الضميرين المتّصلين، والمعنى: أنه كان له امرأتان ضَرَبَهما، فخدّشتا وجهَه، والضرّتان: المرأتان، فاعرفه.

стр. 1699

ومن أصناف الفعل الأفعالُ الناقصةُ فصل [تعدادها، وعملها، وعلّة تسميتها] قال صاحب الكتاب: وهي "كان" و"صار" و"أصبح" و"أمسى" و"أضحى", و"ظل" و"بات", و"ما زال" و"ما برح" وما انفك وما فتئ وما دام وليس. يدخلن دخول الأفعال القلوب على المبتدأ والخبر، إلا أنهن يرفعن المبتدأ وينصبن الخبر, ويسمى المرفوع اسمًا، والمنصوب خبرًا. ونقصانهن من حيث أن نحو ضرب وقتل كلام متى أخذ مرفوعه، وهؤلاء ما لم يأخذن المنصوب مع المرفوع لم يكن كلاماً. * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الأفعال من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، ومجراها في ذلك مجرى "ظننت" وأخواتِها، و"إنّ"، وأخواتها، في كونها من عوامل المبتدأ والخبر، إلَّا أنْ شَبَهها بأفعال القلوب كـ"ظننت" وأخواتها، أخصُ من حيث كانت أفعال القلوب تفيد اليقين أو الشك في الخبر، و"كَانَ" تفيد زمان وجود الخبر، فاشتركا في دخولهما على المبتدأ والخبر، وتعلُّقِهما بالخبر. ولذلك قال سيبيويه (١) في التمثيل تقول: "كان عبد الله أخاك"، فإنما أردت أن تخْبِر عن الأخوّة، وأدخلت "كَانَ" لِتجعل ذاك فيما مضى، وذكرت الأول كما ذكرت الأوّل في "ظننت". وهذا معنى قول صاحب الكتاب: "يدخلن دخولَ أفعال القلوب". وتسمّى أفعالًا ناقصة، وأفعالَ عبارة. فأما كونها أفعالًا، فلتصرّفها بالماضي والمضارع والأمرِ والنهيِ والفاعلِ، نحوِ قولك: "كان"، "يكون"، "كُنْ"، "لا تكنْ"، و"هو كائن". وأمّا كونها ناقصة فإن الفعل الحقيقيّ يدل على معنى وزمان، نحوَ قولك:

стр. 1700

"ضَرَبَ"، فإنه يدلّ على ما مضى من الزمان، وعلى معنى الضرب. و"كَانَ" إنمّّا تدلّ على ما مضى من الزمان فقط، و"يَكُونُ"، تدلّ على ما أنت فيه، أو على ما يأتي من الزمان، فهي تدلّ على زمان فقط. فلمّا نقصت دلالتُها، كانت ناقصة. وقيل: "أفعال عبارة" أي: هي أفعال لفظيةٌ لا حقيقيةٌ, لأنّ الفعل في الحقيقة ما دلّ على حَدَث، والحدثُ الفعل الحقيقى، فكأنه سُمّي باسمِ مدلوله. فلمّا كانت هذه الأشياء لا تدل على حدث، لم تكن أفعالاً إلَّا من جهة اللفظ والتصرّف؛ فلذلك قيل: "أفعال عبارة"، إلَّا أنها لمّا دخلت على المبتدأ والخبر، وأفادت الزمان في الخبر، صار الخبرُ كالعوض من الحدث، فلذلك لا تتمّ الفائدةُ بمرفوعها حتى تأتي بالمنصوب. وحيث كانت داخلة على المبتدأ والخبر، وكانت مُشْبِهة للفعل من جهة اللفظ، وجب لها أن ترفع المبتدأ، وتنصب الخبر تشبيهًا بالفعل إذ كان الفعل يرفع الفاعلَ، وينصب المفعولَ، فقالوا: "كان زيد قائمًا"، و"أصبح البرد شديدًا". وحيث كان المرفوع ها هنا والمنصوب لحقيقة واحدة، ولم يكونا كالفاعل والمفعول الحقيقيّيْن اللذَيْن هما لحقيقتَيْن مختلفتَين؛ أفرد الكلامَ عليه في باب منفرد، ولم يذكر في باب الفاعل والمفعول، ولذلك قيل لمرفوعها: "اسمٌ" ولمنصوبها "خبرٌ"، فرقوا بينهما وبين الفاعل والمفعول. والذي يدلّ أن أصلها المبتدأ والخبر أنك لو أسقطت هذه الأفعالَ، عاد الكلام إلى المبتدأ والخبر، نحوِ قولك في "كان زيدٌ قائمًا" إِذا أسقطت "كان": "زيد قائم". فصل [ما يلحق بها] قال صاحب الكتاب: ولم يذكر سيبويه (١) منها إلا كان وصار وما دام وليس، ثم قال وما كان نحوهن من الفعل مما لا يستغني عن الخبر. ومما يجوز أن يلحق بها عاد وآض وغدا وراح. وقد جاء بمعنى صار في قول العرب ما جاءت حاجتك. ونظيره قعد في قول الأعرابي: أرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة. * * * قال الشارح: سيبويه لم يأتِ على عِدّتها، وإنما ذكر بعضها، ثمّ نبه على سائرها بأن قال: "وما كان نحوهن من الفعل ممّا لا يستغني عن الخبر". يريد ما كان مجرّدًا من الحَدَث، فلا يستغني عن منصوب يقوم مقام الحدث. وهي على ما ذكر: "كَانَ"، و"أمْسَى"، و"أصْبَحَ"، و"ظَل"، و"أضْحَى"، و"مَا دَامَ"، و"مَا زَالَ"، و"صَارَ"، و"بَاتَ"،

стр. 1701

و"لَيسَ". فـ"كَانَ" مقدّمةٌ؛ لأنها أُمّ الأفعال لكثرة دَوْرها، وتشعُب مواضعها. و"أصبح"، و"أمسى"، أُختان؛ لأنهما متقابلان في طَرَفَي النهار. و"ظلَّ"، و"أضحى"، أُختان لاتفاقهما في المعنى، إذ كانا لصدر النهار. و"مَا دام"، و"ما زال"، و"ما انفك"، و"ما فَتِىءَ"، و"ما بَرِحَ" أخوات لانعقادها بما في أوّلها. و"بات"، و"صار" أُختان لاشتراكهما في الاعتلال. و"لَيْسَ" منفردةٌ؛ لأنها وحدها من بين سائر أخواتها لا تتصرّف، وأمّا "آضَ"، و"عَادَ"، فقد يجوز أن يلْحَقا بها، ويعملا عملَها، وذلك أنّ "آضَ" "يئِيضُ" بمعنَى "عَادَ" "يَعُودُ"، ومنه قولهم: "وَقَالَ أيْضًا". وقد يستعمل بمعنَى "صَارَ". قال زُهَيْر ذكر أرضًا قطعها [من الطويل]: ١٠٠٧ - قطعتُ إذا ما الآلُ آضَ كأنه ... سُيُوفْ تَنَحّى ساعَة ثُمَّ تَلْتَقِي وأمّا "غَدَا" و"رَاحَ"، فقد يجريان هذا المجرى، فيقال: "غدا زيدٌ ماشِيًا"، و"راح محمّدٌ راكبًا"، يريد الإخبار عنهما بهذه الأحوال في هذه الأزمنة. فالغَدوَةُ: من حين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، والرّواحُ نقيضُ الغُدُوّ، وهو اسمٌ للوقت من بعد الزوال إلى الليل. والذي يدلّ أن المنصوب بهما في مذهب الخبر، وليس بحالٍ، وقوعُ المعرفة في نحوِ قولك: "غدا زيد أخاك"، و"راح محمّدٌ صديقَك"، كما تقول: "كان زيدٌ أخاك". وأما قولهم: "ما جاءتْ حاجتَك "، فـ "جاء" فعلٌ استُعمل على ضربين: متعدّ، وغير متعدّ. تقول: "جاء زيد إلى عمرو"، و"جاء زيد عمرًا"، كما يقال: "لَقِيَ زيدٌ عمرًا"،

стр. 1702

ويكون الفاعل فيه غير المفعول كسائر الأفعال. وقد قالت العرب:"ما جاءت حاجتَك"، بتأنيثِ "جاء"، وإلحاقِه التاءَ، ونصب "حاجتك". وأوّلُ من تكلّم به الخَوارجُ حين أتاهم ابن العبّاس يدعوهم إلى الحقّ من قَبَل عليّ ﵇ فأجروا "جاء" ها هنا مجرَى "صار"، وجعلوا لها اسمًا وخبرًا. ويكون المنصوب هو المرفوع كما يكون ذلك في "كَانَ" لما بينهما من الشّبَه. وذلك أن قولك: "جاء زيد إلى عمرو" كقولك: "صار زيدٌ إلى عمرو"؛ لأنّ في "جاء" من الانتقال مثلَ ما في "صار". فلمّا كانت في معناها، أُجريت مجراها، فـ"ما" اسم مبتدأٌ مرفوعُ الموضع، و"جاءت" فعلٌ ماضٍ فيه ضميرٌ مرفوعٌ يعود إلى "ما"، وأُنّث حملًا على المعنى؛ لأنّ "ما" هو الحاجة في المعنى، والتقديرُ: أيُ حاجةٍ جاءت حاجتك؟ و"حاجتك" منصوبة لأنها الخبر، والجملةُ خبرُ "ما". ونظيرُ ذلك "مَن كانت أُمَّك؟ " فالضمير في "كانت"، وإن عاد إلى "مَنْ"، إلَّا أنّه "أُنّث" حملًا على المعنى، إذ التقدير: أيّ امرأةٍ كانت أُمّك، ولم يُسْمَع هذا المَثَل إلا بالتأنيث، ولا عهد لنا بـ "جاء" في معنى "صار" إلا في هذا المثل. قال: ونظيره "قَعَدَ" في قول الأعرابي: "أرهف شفرته حتى قعدت كأنّها حربة"، ففي "قعدت" ضميرٌ يعود إلى الشفرة، و"كأنّ" واسمها وخبرها في موضعِ نصب خبرِ "قعدت". وليس المراد القعودَ الذي هو في معنى الجلوس، وإنما المراد الصَيْرُورة والانتقال، فلذلك ضاهت "صَارَ"، فاعرفه. فصل [أحكام اسمها وخبرها] قال صاحب الكتاب: وحال الاسم والخبر مثلها في باب الإبتداء من أن كون المعرفة اسماً والنكرة خبراً حد الكلام. ونحوه قول القطامي [من الوافر]: ١٠٠٨ - [قفي قبل التفرق يا ضُباعا] ... ولا يك موقفٌ منك الوداعا

стр. 1703

وقول حسان [من الوافر]: ١٠٠٩ - [كأن سبيئة من بيت رأس] ... يكون مزاجها عسلٌ وماء وبيت الكتاب [من الوافر]: ١٠١٠ - [فإنك لا تبالي بعد حولٍ] ... أظبي كان أمك أم حمار

стр. 1704

من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس. ويجيئان معرفتين معاً، ونكرتين, والخبر جملة ومفرداً وجملة بتقاسيمها. * * * قال الشارح: اعلم أنه إذا اجتمع في هذا الباب معرفة ونكرة، فالذي يُجْعَل اسم "كانَ" المعرفةُ؛ لأن المعنى على ذلك؛ لأنه بمنزلة الابتداء والخبر، ألا ترى أنك إذا قلت: "كان زيدٌ قائمًا"، فـ"قائمٌ" هنا خبرٌ عن الاسم الذي هو"زيد"، كما كان في الابتداء كذلك. وقولُ النحويين: خبرُ "كان" إنما هو تقريبٌ وتَيْسِيرٌ على المبتدىء، لأن الأفعال لا يُخْبَر عنها. ولو قلت: "كان رجل قائمًا"، أو"كان إنسانٌ قائمًا"، لم تُفِد المخاطبَ شيئًا؛ لأن هذا معلومٌ عنده أنه قد كان، أو قد يكون، والخبر موضوعٌ للفائدة. فإذا قلت: "كان عبدُ الله"، فقد ذكرت له اسمًا يعرفه، فهو يتوقع الفائدةَ فيما تُخْبِر به عنه، ولذلك لَو قرّبتَ النكرة من المعرفة بالأوصاف، لجاز أن تُخْبِر عنها؛ لأن فيها فائدة، وذلك نحو قولك: "كان رجل من بني تميم عندي"؛ لأن هذا ممّا يجوز أن لا يكون، فيجوز ها هنا كما يجوز في الابتداء، نحو قولك: "رجلٌ من بني تميم عندي"؛ لأنه بالصفة قد تخصّص، فقَرُب من المعرفة. وربّما اضطُرّ شاعرٌ فقلب، وجعل الاسم نكرة، والخبر معرفة. وإنما حَمَلَهم على ذلك معرفتُهم أن الاسم والخبر يرجعان إلى شيء واحد، فأيّهما عرّفتَ تَعرّفِ الآخرُ. وهذا معنى قول صاحب الكتاب: "الذي شجّعهم على ذلك أمْنُ الإلباس". فأما الأبيات التي أنشدها شاهدة على صحة الاستعمال، فمن ذلك قوله [من الوافر]: قِفِي قبل التفرّق يا ضُباعَا ... ولا يَكُ مَوقِفٌ مِنْكِ الوَداعا

стр. 1705

البيت للقُطاميّ، واسمه عُمَيْر بن شُيَيْم، والشاهد فيه رفع "الموقف"، وهو نكرة، ونصب "الوداع"، وهو معرفة. وحسّن ذلكَ وصفُ الموقف بالجارّ والمجرور الذي هو "مِنْكِ"، والتقدير: موقفٌ كائن منك. والنكرةُ إذا وُصفت قربت من المعرفة، وقد رُوي: "ولا يك موقفي" بالإضافة، وهذا لا نَظَرَ فيه إذ لا ضرورةَ. وضُباعَا: ترخيم ضُباعةَ اسمَ امرأة، وهي ضباعةُ بنت زُفَرَ بن الحارث الكِلابيّ. ومن ذلك قول حسّان بن ثابتٍ الأنصاريّ ﵁ [من الوافر]: كأنّ سَبِيئَةً من بَيْتِ رَأسٍ ... يكون مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ الشاهد فيه نصب "المزاج" بأنّه خبرُ "يكون"، وهو معرفة، ورفعُ "العسل" و"الماء" بأنه اسمُها، وهو نكرة ضرورة كون القافية مرفوعةً. وهو في هذا البيت أسهل من الذي قبله من حيث كان "المزاج" مضافًا إلى ضميرِ "سبيئة"، وهي نكرة. وضميرُ النكرة لا يفيد المخاطبَ أكثرَ ممّا يفيده ظاهرُها، وإن كان المضمر معرفة من حيث يعلم المخاطب أنه عائدٌ إلى المذكور، إلا أن المذكور غير متميّز، فكانَ حكمه حكم النكرة مع أنّ "عسلًا" و"ماءً" جنسان، ولا فرقَ بين تعريف الجنس وتنكيره من حيث لم يكن لأجزائه لفظٌ يخصّه، بل يُعبَّر عنه بلفظ الجنس. فإذًا لا فَرْقَ بين قولك: "عسلٌ"، و"العسلُ"، إذا أُريد الجنس. ألا ترى أنك تقول: "عندي عسلٌ"، و"عندك درهمٌ منه"، و"عندي عسلٌ"، و"عندك كثيرٌ". وقد رواه أبو عثمان المازنيّ "يكون مزاجُها عسلًا وماءُ" برفع "المزاج" على أنه اسمُ "يكون" وهو معرفة، و"عسلًا" الخبر، وهو نكرة على شرط الباب. و"ماءٌ" مرفوع حَمْلًا على المعنى, لأنّ كلّ شيء مازَجَ شيئًا، فقد مازَجَه الآخرُ، فصار التقدير: ومازَجَهُ ماءٌ، أي: خالَطَهُ. والسبيئة: الخمر، سُمّيت بذلك لأنها تُسْبأ، أي: تُشترى. ويروى: "سُلافةً"، والسلافة من الخمر: ما جرى من غير اعتصار، واشتقاقُها من "سلف"، إذا تقدّم. وبيت رأس: موضع بعينه بالشام، وقيل: رأس: اسمُ خَمّار معروف بجُودة الخمر. ووصفها بالمزاج لأنها شأميّةٌ إن لم تُمْزَج قَتَلَتْ، وأما بيت الكتاب [من الوافر]: فإنّك لا تُبالِي بعد حَوْلٍ ... أظَبْيٌ كان أُمَّك أم حِمارُ فإن الشعر لخِداش بن زُهَيْر، والشاهد فيه جعلُ اسمِ "كان" نكرةً، والخبرِ معرفة؛ لأنها أفعالٌ مشبّهة بالأفعال الحقيقيّة، وفي الأفعال الحقيقية يجوز أن يكون الفاعل نكرة، والمفعول معرفة، فأُجريت هذه الأفعال مجراها في ذلك عند الاضطرار. قال سيبويه (١): وهو ضعيف مع ما تقدّم, لأنهما لعين واحدة، فإذا عُرف أحدهما

стр. 1706

يُعرَف الآخر؛ لأنه هو في المعنى، فإذا ذكرت "زيدًا"، وجعلته خبرًا، عُلم أنه صاحب الصفة. وقد ردّ أبو العباس المبرد على سيبويه الاستشهادَ بهذا البيت، وقال اسمُ "كان" هنا مضمرٌ في "كانَ" يعود إلى "الظبي"، والمضمراتُ كلّها معارفُ، و"أُمّك" الخبر، فحصل من ذلك أن الاسم والخبر معرفتان، وذلك جائز، نحوُ: "كان عبد الله أخاك". وسيبويه كأنّه نظر إلى المعنى من كون ضمير النكرة في التحصيل، لا يزيد على ظاهره، إذ لا يُميِّز واحدًا من واحد، وإن كان من حيث علم المخاطب بأنّه يعود على المذكور معرفةً، وقد تقدّم نحو ذلك. وقد ذهب بعضهم إلى أن "ظبيًا" في قولك: "أظبي كان اُمَّك أم حمار" مرتفع بـ "كانَ" مضمرة تُفسِّرها "كانَ" هذه الظاهرةُ؛ لأنّ الاستفهام يقتضي الفعل، فعلى هذا يكون الاسم نكرة والخبر معرفة. ولا يحسن ذلك عندي؛ لأنّ الاسم إذا وقع بعد همزة الاستفهام، وإن كان خبرُه فعلًا، فارتفاعُه بالابتداء. ولا يحسن ارتفاعُه بفعل محذوف، إلّا مع "هَلْ"، وقد تقدّم نحو ذلك. والمعنى أنه يصف إضراب الناس عن الشَّرَف بالأنساب، وأنّه إذا حصل للإنسان الاستغناءُ بنفسه، لم يُبالِ إلى من انتسب من الأُمّهات. وضرب "الظبي" و"الحمار" مَثَلًا لفضل "الظبي"، ونقصِ "الحمار". وذكر الحولَ لذِكْر "الظبي" و"الحمار"؛ لأنهما بعد الحول يستغنيان بأنفسهما. فتَقرّر بما ذكرناه أنّ بابَ "كان" القياس فيه أن يكون اسمها معرفة والخبر نكرة، ولا يحسن عكسُ ذلك إلّا عند الاضطرار. وقد يجوز أن يكون الاسم والخبر معرفتين، نحوَ قولك: "كان زيدٌ أخاك"، وإن شئت قلت: "كان أخوك زيدًا". أنت في ذلك مخيَّر، وعليه قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (١)، وَ ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (٢). وإن شئت رفعت الأوّل. وإذا نصبت الأوّل، كان "أنّ" مع الفعل في تأويلِ اسم مرفوع. وإذا رفعت الأوّل، كان في تأويل اسم منصوب؛ لأنّ "أنْ" والفعل في تأويلِ معرفة، إذ "أَنْ" والفعل في تأويلِ مصدر مضاف إلى فاعلِ ذلك الفعل، والتقديرُ: "إلّا قولهم"؛ ولذلك يحسن الابتداءُ به، فتقول: "أنْ ذهبتَ خيرٌ لك" على معنى: ذهابُك خير لك، ومثله قوله [من الطويل]: ١٠١١ - لقد عَلِمَ الأقوامُ ما كان داءها ... بثَهْلانَ إلّا الخِزْيُ ممّن يَقُودُها

стр. 1707

لك في "الخزي" الرفع والنصب على ما تقدّم. وممّا يدلّك أنّ "أنْ" والفعل مصدرٌ معرفةٌ امتناعُ دخول لام التعريف عليه. وقد يكونان نكرتَيْن، نحوَ قولك: "ما كان أحدٌ مثلَك"، و"ما كان أحد مُجتَرِئًا عليك"، وإنّما جاز الإخبار عن نكرة هنا, لأنّ "أحدًا"، في موضع "الناس". والمراد أن يعرّفه أنّه فوق الناس كلّهم حتى لا يوجد له مثل، أو دونهم حتى لا يوجد له في الصفة مثلٌ. وهذا معنَى يجوز أن يُجهَل مثله، فيكون في الإخبار فائدة. وكذلك إذا قلت: "ما كان أحد مجترئًا عليك"، فالمراد أنه ليس في الناس واحد فما فوقه مجترىء عليه. فقد صار فيه فائدةٌ لِما دخله من العموم. وتقول: "ما كان فيها أحد مجترئًا عليك"، فيجوز فيه وجهان: أحدهما رفُع "مجترىء" على أنه صفةُ "أحد"، و"فيها" الخبر، وقد تقدّم. والآخر نصبُه على الخبر، ويكون الظرف مُلغى من متعلّقات الخبر. واعلم أن الظرف، إذا كان خبرًا، فالأحسنُ تقديمه، وإذا كان لغوًا، فالأحسن تأخيره، مع أن كلّا جائزٌ، وهما عربيّان. ومنه قوله تعالى في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١): ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢)، فـ "لَهُ" لغوٌ هنا والخبر "كفؤًا". فإن قُلْت: فالقرآن يُتخير له لا عليه، قيل. "لَهُ" الظرف هنا وإن لم يكن خبرًا فإنّ سقوطه يُخِلّ بمعنى الكلام الأوّل، ألا تراك لو قلت: "ولم يكن كفؤًا أحدٌ" لم يصح الكلام إذ كان معطوفًا على الخبر الذي هو "لَمْ يَلِدْ"؟ والخبرُ إذا كان جملة، افتقر إلى عائدٍ، فلمّا لزم الإتيانُ به، ولم يجز سقوطُه؛ صار كالخبر الذي يتوقّف المعنى عليه، فقُدّم لذلك، فأما قول الشاعر [من الرجز]: لَتَقْرُبِنَّ قَرَبًا جُلْذِيَّا ... ما دَامَ فيهن فَصِيلٌ حَيّا

стр. 1708

وقد دَجا اللَّيلُ فَهَيّا هَيّا (١) فإنه قدّم الجارّ والمجرور مع أنه لغوٌ؛ لأنه شعرٌ، والشاعرُ له أن يأتي بالجائز، وإن لم يكن المختار، مع أنه قد أفاد بقوله "فيهنّ" المعنى المراد. ولو حذف "فيهنّ"، لكان على معنى آخر، وهو التأبيد، كقولك: "لا أُكَلِّمُك ما طار طائرٌ، وما طلعت الشمسُ". فلمّا كان المعنى يقتضي وجودَ "فيهنّ"، إذ المعنى عليه، ولو أُسقط لتغيّر المعنى، فصار في لزومه ومَسِيسِ الحاجة إليه كالخبر، فلذلك قدّمه. فإذا كانا نكرتَيْن، جاز الإخبار بأحدهما عن الآخر؛ لأنهما قد تَكَافآ كما لو كانا معرفتَين. وأما إذا كان أحدهما معرفة والآخر نكرة، لم يجز الإخبار فيه عن النكرة؛ لأنه قَلْبُ الفائدة. وأما قوله: "والخبر مفردًا وجملةً بتَقاسِيمهما"، فإنه يريد أن خبر هذه الأفعال كأخبار المبتدأ، والخبرِ من المفرد والجملة. وقوله: "بتقاسيمهما" يريد تقاسيم المفرد والجملة؛ لأنّ الخبر، إذا كان مفردًا، ينقسم إلى قسمَيْن: قسم خالٍ من الضمير، نحو: "زيدٌ أخوك"، وقسم يتحمّل الضميرَ، نحو: "زيدٌ منطلقٌ". وهو في خبرِ "كانَ" كذلك، نحو: "كان زيدٌ اخاك"، و"كان زيد منطلقًا". وأما الجملة، فعلى أربعة أضرب: فعليّةٌ، نحو: "زيدٌ ذهب"، واسميّةٌ، نحوُ: "زيد ذاهِبٌ"، وشرطيّة، نحو: "زيد إن تُحْسِنْ إليه يَشْكُرْك"، وظرفيّة، نحو: "زيدٌ عندك". وكذلك تقع هذه الأشياءُ أخبارًا عن هذه الأفعال، فتقول: "كان زيدٌ يخرج"، إلّا أنه لا يحسن وقوعُ الفعل الماضي في أخبارِ "كان" وأخواته؛ لأنّ أحد اللفظَيْن يُغْنِي عن الآخر. وتقول في الاسمية: "كان زيد قائمًا"، وفي الشرطيّة: "كان زيد إن تحسن إليه يشكرك"، وفي الظرف: "كان زيدٌ من الكرام"، فاعرف ذلك. فصل [أوجه "كان "] قال صاحب الكتاب: و"كان" على أربعة أوجه ناقصة كما ذكر، وتامة بمعنى "وقع" و"وجد"، كقولهم كانت الكائنة والمقدورة كائن، وقوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾ (٢). * * * قال الشارح: اعلم أن "كانَ" أُمُّ هذا الباب، وأكثرُها تصرّفًا، فلها: أربعةُ مواضع

стр. 1709

كما ذكر. أحدها: أن تكون ناقصة، فتفتقر إلى الخبر، ولا تستغني عنه؛ لأنها لا تدل على حَدَثٍ، بل تفيد الزمان مجرَّدًا من معنى الحدث، فتدخل على المبتدأ والخبر، لإفادة زمان الخبر، فيصير الخبر عوضًا من الحدث فيها، فإذا قلت: "كان زيدٌ قائمًا"، فهو بمنزلة قولك: "قام زيدٌ" في إفادة الحدث والزمن. واعلم أن "كانَ" قد اجتمع فيها أمران، كلُّ واحد منهما يقتضي جواز حذف الخبر، ومع ذلك فإن حذفه لا يجوز. وذلك أنّ هذه الأفعال داخلة على المبتدا والخبر، وحذفُ خبر المبتدأ يجوز من اللفظ إذا كان عليه دليلٌ من لفظٍ أو غيره، نحوُ قولك: "زيدٌ قائمٌ وعمرٌو"، والمراد: و"عمرٌو قائمٌ"، وكذلك تقول لمن قال: "مَن عندك": "زيدٌ"، والمراد: "زيدٌ عندي". ولا يجوز مثلُ ذلك مع "كانَ". والآخرُ: أن هذه الأفعال جارية مجرى الأفعال الحقيقية وفاعلِها ومفعولِها، والمفعول يجوز إسقاطه، وأن لا تأتي به، ولا يجوز ذلك في خبر هذه الأفعال، وإن كانت مشبّهة بتلك. والعلّةُ في ذلك ما ذكرناه من أن الخبر قد صار كالعوض من الحدث، والفائدةُ منوطة به، فكما لا يجوز إسقاط الفعل في "قام زيدٌ"، فكذلك لا يجوز حذف الخبر؛ لأنه مثله. واعلم أن هذه الأفعال، لمّا كانت متصرّفة تصرُّفَ الأفعال الحقيقية ومشبّهة بها، جاز في خبرها ما هو جائز في المفعول من التقديم والتأخير، فتقول: "كان زيد قائمًا"، و"كان قائمًا زيد"، و"قائمًا كان زيد". كل ذلك حسن. قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، فـ "حقًا" خبر مقدّم. وتقول: "من كان أخوك"، و"من كان أخاك"، إن رفعت "الأخ"، فَـ"مَنْ" في موضعِ منصوب بأنّه الخبر، وقد تقدّم، وإن نصبته فـ "مَن" في موضع رفع بالابتداء، فأما قوله تعالى: ﴿وَبَاطِلًا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) في قراءةِ مَن نصب، ففيها دلالةٌ على جواز تقديم خبر "كانَ" عليها, لأنك قدّمت معمول الخبر؛ لأنّ "ما" زائدة للتأكيد على حدّها في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، و"باطلًا" منصوب بـ"يعملون"، وقد قدّمه، وتقديمُ المعمول يُؤْذِن بجواز تقديم العامل؛ لأنّ مرتبة العامل قبل المعمول، فلا يجوز تقديم المعمول، حيث لا يجوز تقديم العامل، وكذلك سائر أخواتها، يجوز فيها التقديم والتأخير. الموضع الثاني: أن تكون تامّة بمعنى الحدوث، وقيل لها تامّة لدلالتها على

стр. 1710

الحدث، نحوِ قولك: "كان الأمرُ" بمعنى: حدث ووقع. ويُقال: "كانت الكائنة" أي: حدثت الحادثة. ومنه قولهم: "المقدور كائنٌ"، المراد ما يقضيه الله ويقدّره كائنٌ، أي: حادث وواقع، لا رادّ له. ومنه قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ (١)، أي احْدُث فيَحْدُثُ، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ (٢)، أي: تقع تجارة. ومنه بيت الكتاب وهو لمَقّاس [من الطويل]: ١٠١٢ - فِدى لبنى ذُهلِ بن شَيبانَ ناقَتِي ... إذا كان يومٌ ذو كَواكِبَ أشْهَبُ أي: إذا حدث. وتسمّى هذه التامّة؛ لدلالتها على الحدث واستغنائِها بمرفوعها، فهي في عِداد الأفعال اللازمة. وتسمّى الأوُلى ناقصة لافتقارها إلى منصوبها. * * * قال صاحب الكتاب: وزائدة في قولهم: "إن من أفضلهم كان زيداً" وقال [من الوافر]: ١٠١٣ - جياد بني أبي بكر تسامي ... على كان المسومة العراب

стр. 1711

ومن كلام العرب: "ولدت فاطمة بنت الخرشب الكلمة من بني عبس لم يوجد كان مثلهم". والتي فيها ضمير الشأن. * * * قال الشارح: الوجه الثالث من وجوه "كانَ": أن تكون زائدة؛ دخولُها كخروجها، لا عملَ لها في اسم ولا خبرٍ. وذهب السيرافيُّ إلى أن معنى قولنا: "زائدة" أن لا يكون لها اسمٌ ولا خبرٌ، ولا هي لوقوعِ شيء مذكور، ولكنّها دالّةٌ على الزمان، وفاعلُها مصدرها، وشبّهها بـ "ظننت" إذا أُلغيت، نحوَ قولك: "زيدٌ ظننتُ منطلقٌ"، فالظن مُلْغى هنا لم تُعْمِلها، ومع ذلك فقد أخرجتِ الكلام من اليقين إلى الشكّ، كأنّك قلت: "زيدٌ منطلقٌ في ظنّي". والذي أراه الأوّلُ، وإليه كان يذهب ابن السَّرّاج. قال في أُصوله: وحقُّ الزائد أن لا يكون عاملًا، ولا معمولًا، ولا يُحْدِث معنَى سوى التأكيد. ويؤيّد ذلك قول الأئمة في قوله : ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (١): إنّ: "كَانَ" في الآية زائدة، وليست الناقصة، إذ لو كانت الناقصة، لأفادت الزمانَ. ولو أفادت الزمان، لم يكن لعيسى ﵇ في ذلك مُعْجِزةٌ؛ لأنّ الناس كلّهم في ذلك سواءٌ. فلو كانت الزائدةُ تفيد معنى الزمان، لكانت كالناقصة، ولم يكن للعُدول إلى جعلها زائدةٌ فائدةٌ. فمن مواضع زيادتها قولهم: "إنّ من أفضلهم كان زيدًا"، والمراد: إنّ من أفضلهم زيدًا. و"كانَ" مزيدة لضربٍ من التأكيد إذ المعنى أنَّه في الحال أفضلهم، وليس المراد:

стр. 1712

أنّه كان فيما مضى، إذ لا مَدْحَ في ذلك؛ ولأنّك لو جعلت لها اسمًا وخبرًا، لكان التقدير: إن زيدًا كان من أفضلهم، وكنت قد قدّمت الخبر على الاسم، وليس بظرف، وذلك لا يجوز, لأنّ زيدًا يكون اسمَ "إن"، و"كانَ" وما تَعلّق بها الخبر، فلذلك قيل: إنّ "كانَ" هنا زائدة. فأما قول الشاعر [من الوافر]: سَراةُ بني أبي بكر تسامى ... إلخ فالشاهد فيه زيادة "كانَ". والمراد: على المسوّمة العراب. وقال قوم: إنّ "كانَ" إذا زيدت، كانت على وجهَيْن: أحدهما: أن تُلْغَى عن العمل مع بقاء معناها. والآخر: أن تلغى عن العمل والمعنى معًا، وإنما تدخل لضرب من التأكيد. فالأوّلُ نحو قولهم: "ما كان أحسنَ زيدًا"، المراد: أن ذلك كان فيما مضى مع إلغائها عن العمل، والمعنى: ما أحسن زيدًا أمْسِ. وهي في ذلك بمنزلةِ "ظننت"، إذا أُلغيت بَطَل عملُها لا غير، نحوَ قولك: "زيد ظننتُ منطلقٌ". ألا ترى أن المراد: في ظنّي؟ وأما الثاني فنحو قوله [من الوافر]: على كان المسوّمةِ العرابِ ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (١)، والمراد: كيف نكلّم من في المهد صبيًا؟ ولو أُريد فيها معنى المُضِيّ، لم يكن لعيسى ﵇ في ذلك معجزة؛ لأنه لا اختصاص له بهذه الحكم دون سائر الناس. وأما قولهم: "ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة لم يوجد كان مثلُهم"، فالمراد بالكملة: الجماعة، وهو جمع "كامِلٍ"، كـ"حافِدٍ"، و"حَفَدَةٍ"، و"خائنٍ"، و"خَوَنَةٍ". والمراد: أن هذه المرأة ولدت الجماعة المشهورين بالكمال الذين لم يوجد مثلهم في الكمال والفضل، و"كانَ" زائدةٌ، وهؤلاء الكملة هم بنو زيد العَبْسيّ، وأُمّهم فاطمة بنت الخرشب الأنْماريّة، وهي إحدى المُنْجِبات، ولدت ربيعًا وعمارةَ وأنَسًا، وكل واحد منهم أبو قبيلة، وقيل لها يومًا: أيُّ بَنِيك أفضلُ؟ فقالت: ربيعُ الواقعةُ، بل عمارةُ الواهبُ، بل أنسُ الفوارس، ثَكِلتُهم إن كنتُ أدري أيّهم أفضل. وكانت رأت في مَنامها أن قائلًا قال لها: "أعشرةُ هَذَرَةٍ أحبُّ إليك أم ثلاثة كعشرةٍ؟ " فلما انتبهت، قصّت رُؤْياها على زوجها، فقال لها: إن عاوَدَك فقُولي: ثلاثةٌ كعشرة، فولدت بنين ثلاثة. وفيهم يقول قيس بن زُهَير [من الوافر]: ١٠١٤ - لَعَمْرُك ما أضاعَ بنو زِيادٍ ... ذِمارَ أبِيهِمِ فِيمَن يُضِيعُ

стр. 1713

والوجه الرابع: أن تكون بمعنى الشَأْن والحديثِ، وذلك قولك: "كان زيدٌ قائمٌ"، ترفع الاسمَيْن معًا. قال الشاعر [من الطويل]: إذا مُتّ كان الناسُ نِصْفان: شامِتٌ ... وآخَرُ مُثْنٍ بالذي كنتُ أصْنَعُ (١) يروى: نصفان، ونصفَيْن، فمن نصب، جعلها الناقصة، ومن رفع جعلها بمعنى الشأن والحديث. وعادةُ العرب أن تُصدِّر قبل الجملة بضمير مرفوع، ويقع بعده جملةٌ تُفسِّره، وتكون في موضع الخبر عن ذلك المضمر، نحوَ قولك: "هو زيد قائمٌ"، أي: الأمرُ زيدٌ قائمٌ. وإنما يفعلون ذلك عند تفخيم الأمر وتعظيمه. وأكثرُ ما يقع ذلك في الخُطَب والمَواعظ؛ لِما فيها من الوعد والوعيد، ثمّ تدخل العواملُ على تلك القضيّة، فإن كان العامل ناصبًا، نحوَ "إنَّ" وأخواتها، و"ظننت" وأخواتها؛ كان الضمير منصوبًا، وكانت علامته بارزةٌ، نحوَ قولك: "إنّه زيد قائمٌ"، فتكون الهاء ضمير الشأن والحديث. وبرز لفظُها؛ لأنها منصوبة، والمنصوبُ يبرز لفظه، ولا يستتر. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ (٢). وربّما جعلوا مكان الأمر والحديث القصّةَ، فأنّثوا، فيقولون: "إنّها قامت جاريتُك". قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ (٣). وأكثرُ ما يجيء إضمارُ القصة مع المؤنّث، وإضمارُها مع المذكر جائزٌ في القياس. وتقول: "ظننتُه زيد قائمٌ"، والمراد: ظننت الأمرَ والحديثَ زيد قائمٌ، فالهاء المفعول الأوّل، والجملة المفعول الثاني. فإذا دخلتْ "كانَ" عليه صار الضمير فاعلًا، واستتر, لأنّ الفاعل متى كان مضمرًا واحدًا لغائب، لم تظهر له صورة، وتقع الجملة بعده للخبر. وهي كالمفسّرة لذلك الضمير، ويسمّيه الكوفيون الضمير المجهول؛ لأنه لا يعود إلى مذكور. وكان الفرّاء يجيز "كان قائمًا زيد" و"كان

стр. 1714

قائمًا الزيدان" و"كان قائمًا الزيدون"، فيجعل "قائمًا" خبرَ ذلك الضمير، وما بعده مرتفع به. والبصريون لا يجيزون أن يكون الخبر عنه إلّا جملةً من الجمل الخبرية. وهذا القسم من أقسام "كانَ" يؤول إلى القسم الأوّل، وهي الناقصة من حيث كانت مفتقرة إلى اسم وخبر. وإنما أفردوها بالذكر وجعلوها قسمًا قائمًا بنفسه؛ لأنّ لها أحكامًا تنفرد بها وتُخالِف فيها الناقصةَ، وذلك أن اسمَ هذه لا يكون إلّا مضمرًا، وتلك يكون اسمها ظاهرًا ومضمرًا. والمضمرُ هنا لا يعود إلى مذكور، ومن تلك يعود إلى مذكور، ولا يُعْطَف على هذا الضمير، ولا يُؤكد ولا يُبْدَل منه بخلاف تلك. ولا يكون الخبر ها هنا إلّا جملة على المذهب، وتلك يكون خبرها جملة ومفردًا. والجملةُ في خبرِ هذه لا تفتقر إلى عائد يعود منها إلى المخبر عنه، وفي تلك يجب أن يكون فيها عائدٌ. فلمّا خالفتها في هذه الأحكام، جُعلت قسمًا قائمًا بنفسه. وقد كان ابن دُرُسْتَوَيْهِ يذهب إلى أن هذا القسم من قبيل التامّة التي ليس لها خبرٌ، ولا تفتقر إلى مرفوع، قال: لأنّ هذه الجملة التي بعدها مفسرة لذلك المضمر، فإذا كانت مفسرة للاسم كانت إيّاه، فيكون حكمها كحكمه، ولا يصحّ أن تكون خبرًا مع كونها مفسّرة. والقول الأوّل، وهو المذهب؛ لأنّا لا نقول إنها مفسّرة على حدّ تفسيرِ "زيدًا ضربتُه". وإنما هي خبرٌ عن ذلك الضمير على حدّ الإخبار بالمفرد عن المفرد من حيث كانت الجملة هي ذلك الضميرَ في المعنى، لأنك إذا قلت: "كان زيدٌ قائمٌ"، فالمعنى: كان الحديثُ زيدٌ قائمٌ، فالحديثُ هو زيدٌ قائمٌ، كما أنك إذا قلت: "كان زيدٌ أخاك"، فالأخ هو زيدٌ. فلمّا كانت الجملة هي الضميرَ، فسرته وأوضحته لا أنها أُنيبت مُنابَه، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وقوله : ﴿لمن كان له قلب﴾ (١) يتوجه على الأربعة, وقيل في قوله [من الطويل]: ١٠١٥ - بتيهاء قفرٍ والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها

стр. 1715

إن "كان" فيه بمعنى "صار". * * * قال الشارح: أما قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (١)، فيجوز أن تكون الناقصة الناصبة للخبر، ويكون "قلبٌ" هو الاسمَ، والجارّ والمجرور هو الخبرَ، وقد تقدّم. والنكرةُ يجوز الإخبار عنها إذا كان الخبر جارًا ومجرورًا وتقدّم على النكرة، نحوَ قولك: "كان فيها رجلٌ"، و"كان تحت رأسي سرجٌ". ويجوز أن تكون التامّة التي تكتفي بالاسم، ولا تحتاج إلى خبر، ويكون "قلبٌ" اسمها، والجارّ والمجرور في موضع الحال، كأنه كان صفة النكرة، وقد تقدّم عليها. الوجه الثالث: أن تكون زائدة، دخولُها كخروجها، والمراد: لِمَن له قلبٌ، ويكون "له قلب" جملة في موضع الصلة، أي: لمن له قلبٌ. الوجه الرابع: أن تكون بمعنى "صارَ"، أي: لمن صار له قلبٌ، وأما قوله [من الطويل]: بتيهاء قفر ... البيتَ، فإنه لابن كَنْزَةَ، والشاهد فيه استعمالُ "كان" بمعنى "صار". والعربُ تستعير هذه الأفعال، فتوقع بعضَها مكانَ بعض، فأوقعوا "كانَ" هنا موقعَ "صار"؛ لِما بينهما من التقارُب في المعنى؛ لأنّ "كانَ" لِما انقطع وانتقل من حال إلى حال، ألا تراك تقول: "قد كنتُ غائبًا، وأنا الآنَ حاضرٌ"؟ فـ "صارَ" كذلك تفيد الانتقال من حال إلى حال، نحوَ قولك: "صار زيدٌ غنيًّا"، أي: انتقل من حال إلى هذه الحال، كما استعملوا "جاءَ" في معنَى "صار" في قولهم: "ما جاءت حاجتَك"؛ لأنّ "جاءَ" تفيد الحركَة والانتقالَ، كما كانت "صارَ" كذلك. يصف سَيْرَه في فلاة مُوحِشة أعْيَت المطيُّ فيها وهزلت. شبّه مطيّتَه لسرعة مَشْيها

стр. 1716

وعدم لبنها بالقطا؛ لأنها إذا فَرَّخَتْ لا تستقرّ، بل تُسْرع الطيرانَ لطلب النُّجْعة. والتيهاء: القَفْر المَضَلّة، ليس بها عَلَمٌ يُهتدى به، كأنّه يُتاهُ فيها. والقَفْر: الخالية. والحَزْن: ما غلظ من الأرض. وقد حمل بعضهم "كانَ" في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (١) على أنها بمعنى "صار". ومنه قول العجّاج [من الرجز]: ١٠١٦ - والرأسُ قد كان له شَكِيرُ أي: قد صار. والشكير: ما ينبت حول الشجرة من أصلها. قال الشاعر [من الطويل]: ١٠١٧ - [إذا ماتَ مِنْهم مَيِّتٌ سَرقَ ابنهُ] ... ومِن عِضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شكيرُها

стр. 1717

فصل [معني "صار "] قال صاحب الكتاب: ومعنى "صار" الانتقال وهو على ذلك على استعمالين: أحدهما قولك: "صار الفقير غنياً, والطين خزفاً", والثاني "صار زيد إلى عمرو". ومنه "كل حي صائرٌ إلى الزوال". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إن "صارَ" معناها الانتقال والتحوّل من حال إلى حال، فهي تدخل على الجملة الابتدائيّة، فتُفيد ذلك المعنى فيها بعد أن لم يكن، نحوَ قولك: "صار زيد عالمًا"، أي: انتقل إلى هذه الحال، و"صار الطين خَزَفًا"، أي: استحال إلى ذلك، وانتقل إليه. وقد تستعمل بمعنى "جاءَ"، فتتعدّى بحرف الجرّ، وتفيد معنى الانتقال أيضًا، كقولك: "صار زيد إلى عمرو"، و"كل حي صائرٌ للزوال". فهذه ليست داخلة على جملة. ألا تراك لو قُلْتَ: "زيدٌ إلى عمرو" لم يكن كلامًا، وإنما استعمالُها هنا بمعنى "جاء"، كما استعملوا "جاء" بمعنى "صار" في قولهم: "ما جاءت حاجتَك"، أي: ما صارت، ولذلك جاء مصدرُها "المَصِير"، كما قالوا: "المَجِيء". قال الله تعالى: ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١). فصل [معاني "أصبح", و"أمسي", و"أضحي "] قال صاحب الكتاب: و"أصبح", و"أمسى", و"أضحى" على ثلاث معانٍ: أحدهما أن تقرن مضمون الجملة بالأوقات الخاصة التي هي الصباح والمساء والضحى على طريقة "كان". والثاني: أن تفيد معنى الدخول في هذه الأوقات, كـ "أظهر" و"أعتم". وهي في هذا الوجه تامة يسكت على مرفوعها. قال عبد الواسع بن أسامة [من الطويل]: ١٠١٨ - ومن فعلاتي أنني حسن القري ... إذا الليلة الشهباء أضحى جليدها * * *

стр. 1718

قال الشارح: قد استعملت هذه الأفعال على ثلاثة معانٍ كما ذكر: أحدها: أن تدخل على المبتدأ والخبر لإفادة زمانها في الخبر، فإذا قلت: "أصبح زيد عالمًا"، و"أمسى الأمير عادلًا"، و"أضحى أخوك مسرورًا"، فالمراد: أنّ علم زيد اقترن بالصباح، وعدل الأمير اقترن بالمساء، وسرور الأخ اقترن بالضحى. فهي كـ"كانَ" في دخولها على المبتدأ، وإفادةِ زمانها للخبر، إلّا أن أزمنة هذه الأشياء خاصة، وزمانُ "كانَ" يعُمّ هذه الأوقات وغيرَها، إلّا أن "كانَ" لِما انقطع، وهذه الأفعال زمانُها غير منقطع، ألا ترى أنك تقول: "أصبح زيد غنيًّا"، وهو غنيّ وقتَ إخبارك غيرَ منقطع. الثاني: أن تكون تامّة تجتزىء بمرفوع لا غير، ولا تحتاج إلى منصوب، كقولك: "أصبحنا"، و"أمسينا"، و"أضحينا"، أي: دخلنا في هذه الأوقات، وصِرْنا فيها، ومنه قولهم: "أفْجَرْنا"، أي: دخلنا في وقت الفجر. قال الشاعر [من الطويل]: ١٠١٩ - فما أفْجَرَت حتّى أُهِبّ بسُحْرَةٍ ... عَلاجِيمُ عِينِ ابنِي صَباحٍ يُثِيرُها

стр. 1719

ومثله قول الآخر [من الطويل]: ١٠٢٠ - فأصبحوا والنَّوَى عالِي مُعَرَّسِهم ... وليس كُل النَّوَى تُلْقِي المَساكينُ أي: أصبحوا وهذه حالهم. ومنه "أشْمَلْنا"، و"أجنبنا"، و"أصْبَيْنا"، أي: دخلنا في أوقات هذه الرياح، وكذلك يُقال: "أدنف"، كأنه دخل في وقت الدَّنَف. وأكثرُ ما يستعمل ذلك في وقت الأحيان. فأما قوله [من الطويل]: ومن فعلاتي ... إلخ البيت لعبد الواسع بن أُسامَةَ، والشاهد فيه قوله: "أضحى جليدها"، والاكتفاءُ بالمرفوع، أي: صار جليدُها في وقت الضحى. يصف نفسه بالكرم، وأنه حسنُ القرى للأضياف حتى عند عزّة الطعام والجَدْبِ، وأراد بالليلة الشهباء المُجْدِبة الباردة التي

стр. 1720

أضحى جليدُها، أي: دخل جليدها في وقت الضحى. يريد أنه طال مَكْثُه لشدّة البرد، ولم يَذُبْ عند ارتفاع النهار. والجليد: ما جمد من النَّدى. * * * قال صاحب الكتاب: والثالث أن يكون بمعنى "صار", كقولك: "أصبح زيد غنياً وأمسى فقيراً". وقال عدي [من الخفيف]: ١٠٢١ - ثم أضحوا كأنهم ورقٌ جفف ... فألوت به الصبا والدبور * * * قال الشارح. الوجه الثالث: أن تستعمل بمعنى "كان"، و"صار"، من غير أن يُقصد بها إلى وقت مخصوص، نحوَ قولك: "أصبح زيدٌ فقيًرا، وأمسى غنيًا"، تريد به أنه صار كذلك مع قطع النظر عن وقت مخصوص. ومنه قول عديّ بن زيد [من الخفيف]: ثمّ أضحوا كأنّهم ورق ... إلخ يريد أنهم صاروا إلى هذه الحال. شبّه أحِبّاءَه وانقراضَهم بورق الشجر وتغيُّرِه وجَفافِه، وذكر الصبا والدبور- وهما ريحان- لأنّ لهما تأثيرًا في الأشجار. ومثله قول الآخر [من المنسرح]: ١٠٢١ - أصبحتُ لا أحْمِلُ السِّلَاح ولا ... أمْلِكُ رَأسَ البعير إنْ نَفَرَا
следующие страницы →