← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وعدم لبنها بالقطا؛ لأنها إذا فَرَّخَتْ لا تستقرّ، بل تُسْرع الطيرانَ لطلب النُّجْعة. والتيهاء: القَفْر المَضَلّة، ليس بها عَلَمٌ يُهتدى به، كأنّه يُتاهُ فيها. والقَفْر: الخالية. والحَزْن: ما غلظ من الأرض. وقد حمل بعضهم "كانَ" في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (١) على أنها بمعنى "صار". ومنه قول العجّاج [من الرجز]: ١٠١٦ - والرأسُ قد كان له شَكِيرُ أي: قد صار. والشكير: ما ينبت حول الشجرة من أصلها. قال الشاعر [من الطويل]: ١٠١٧ - [إذا ماتَ مِنْهم مَيِّتٌ سَرقَ ابنهُ] ... ومِن عِضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شكيرُها

стр. 1717

فصل [معني "صار "] قال صاحب الكتاب: ومعنى "صار" الانتقال وهو على ذلك على استعمالين: أحدهما قولك: "صار الفقير غنياً, والطين خزفاً", والثاني "صار زيد إلى عمرو". ومنه "كل حي صائرٌ إلى الزوال". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إن "صارَ" معناها الانتقال والتحوّل من حال إلى حال، فهي تدخل على الجملة الابتدائيّة، فتُفيد ذلك المعنى فيها بعد أن لم يكن، نحوَ قولك: "صار زيد عالمًا"، أي: انتقل إلى هذه الحال، و"صار الطين خَزَفًا"، أي: استحال إلى ذلك، وانتقل إليه. وقد تستعمل بمعنى "جاءَ"، فتتعدّى بحرف الجرّ، وتفيد معنى الانتقال أيضًا، كقولك: "صار زيد إلى عمرو"، و"كل حي صائرٌ للزوال". فهذه ليست داخلة على جملة. ألا تراك لو قُلْتَ: "زيدٌ إلى عمرو" لم يكن كلامًا، وإنما استعمالُها هنا بمعنى "جاء"، كما استعملوا "جاء" بمعنى "صار" في قولهم: "ما جاءت حاجتَك"، أي: ما صارت، ولذلك جاء مصدرُها "المَصِير"، كما قالوا: "المَجِيء". قال الله تعالى: ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١). فصل [معاني "أصبح", و"أمسي", و"أضحي "] قال صاحب الكتاب: و"أصبح", و"أمسى", و"أضحى" على ثلاث معانٍ: أحدهما أن تقرن مضمون الجملة بالأوقات الخاصة التي هي الصباح والمساء والضحى على طريقة "كان". والثاني: أن تفيد معنى الدخول في هذه الأوقات, كـ "أظهر" و"أعتم". وهي في هذا الوجه تامة يسكت على مرفوعها. قال عبد الواسع بن أسامة [من الطويل]: ١٠١٨ - ومن فعلاتي أنني حسن القري ... إذا الليلة الشهباء أضحى جليدها * * *

стр. 1718

قال الشارح: قد استعملت هذه الأفعال على ثلاثة معانٍ كما ذكر: أحدها: أن تدخل على المبتدأ والخبر لإفادة زمانها في الخبر، فإذا قلت: "أصبح زيد عالمًا"، و"أمسى الأمير عادلًا"، و"أضحى أخوك مسرورًا"، فالمراد: أنّ علم زيد اقترن بالصباح، وعدل الأمير اقترن بالمساء، وسرور الأخ اقترن بالضحى. فهي كـ"كانَ" في دخولها على المبتدأ، وإفادةِ زمانها للخبر، إلّا أن أزمنة هذه الأشياء خاصة، وزمانُ "كانَ" يعُمّ هذه الأوقات وغيرَها، إلّا أن "كانَ" لِما انقطع، وهذه الأفعال زمانُها غير منقطع، ألا ترى أنك تقول: "أصبح زيد غنيًّا"، وهو غنيّ وقتَ إخبارك غيرَ منقطع. الثاني: أن تكون تامّة تجتزىء بمرفوع لا غير، ولا تحتاج إلى منصوب، كقولك: "أصبحنا"، و"أمسينا"، و"أضحينا"، أي: دخلنا في هذه الأوقات، وصِرْنا فيها، ومنه قولهم: "أفْجَرْنا"، أي: دخلنا في وقت الفجر. قال الشاعر [من الطويل]: ١٠١٩ - فما أفْجَرَت حتّى أُهِبّ بسُحْرَةٍ ... عَلاجِيمُ عِينِ ابنِي صَباحٍ يُثِيرُها

стр. 1719

ومثله قول الآخر [من الطويل]: ١٠٢٠ - فأصبحوا والنَّوَى عالِي مُعَرَّسِهم ... وليس كُل النَّوَى تُلْقِي المَساكينُ أي: أصبحوا وهذه حالهم. ومنه "أشْمَلْنا"، و"أجنبنا"، و"أصْبَيْنا"، أي: دخلنا في أوقات هذه الرياح، وكذلك يُقال: "أدنف"، كأنه دخل في وقت الدَّنَف. وأكثرُ ما يستعمل ذلك في وقت الأحيان. فأما قوله [من الطويل]: ومن فعلاتي ... إلخ البيت لعبد الواسع بن أُسامَةَ، والشاهد فيه قوله: "أضحى جليدها"، والاكتفاءُ بالمرفوع، أي: صار جليدُها في وقت الضحى. يصف نفسه بالكرم، وأنه حسنُ القرى للأضياف حتى عند عزّة الطعام والجَدْبِ، وأراد بالليلة الشهباء المُجْدِبة الباردة التي

стр. 1720

أضحى جليدُها، أي: دخل جليدها في وقت الضحى. يريد أنه طال مَكْثُه لشدّة البرد، ولم يَذُبْ عند ارتفاع النهار. والجليد: ما جمد من النَّدى. * * * قال صاحب الكتاب: والثالث أن يكون بمعنى "صار", كقولك: "أصبح زيد غنياً وأمسى فقيراً". وقال عدي [من الخفيف]: ١٠٢١ - ثم أضحوا كأنهم ورقٌ جفف ... فألوت به الصبا والدبور * * * قال الشارح. الوجه الثالث: أن تستعمل بمعنى "كان"، و"صار"، من غير أن يُقصد بها إلى وقت مخصوص، نحوَ قولك: "أصبح زيدٌ فقيًرا، وأمسى غنيًا"، تريد به أنه صار كذلك مع قطع النظر عن وقت مخصوص. ومنه قول عديّ بن زيد [من الخفيف]: ثمّ أضحوا كأنّهم ورق ... إلخ يريد أنهم صاروا إلى هذه الحال. شبّه أحِبّاءَه وانقراضَهم بورق الشجر وتغيُّرِه وجَفافِه، وذكر الصبا والدبور- وهما ريحان- لأنّ لهما تأثيرًا في الأشجار. ومثله قول الآخر [من المنسرح]: ١٠٢١ - أصبحتُ لا أحْمِلُ السِّلَاح ولا ... أمْلِكُ رَأسَ البعير إنْ نَفَرَا

стр. 1721

فصل [معنيا "ظلَّ" و"باتَ "] قال صاحب الكتاب: و"ظل", و"بات" على معنيين, أحدهما: اقتران مضمون الجملة بالوقتين الخاصين على طريقة "كان". والثاني: كينونتهما بمعنى "صار". ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً﴾ (١). * * * قال الشارح. حكم هذَيْن الفعلين كحكمِ "أصبح" و"أضحى". يكونان ناقصَيْن، فيدخلان على المبتدأ والخبر، لإفادة الوقت الخاص في الخبر، فتقول: "ظلّ زيدٌ يفعل كذا" إذا فعله في النهار دون الليل، و"بات خالدٌ يفعل كذا" إذا فعله ليلًا، والجملة بعده في موضع الخبر. ومنه قوله تعالى. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٢). و"ظلت" مخففٌ من "ظَلِلتُ" بكسر اللام، كأنه حذف منه اللام المكسورة، يُقال: "ظَلِلْتُ أفعلُ كذا، أظَلُّ ظُلُولًا". قال الشاعر [من الكامل]: ١٠٢٣ - ولقد أبِيتُ على الطَّوَى وأظَلُّهُ ... حتى أنالَ به كَرِيمَ المأكَلِ

стр. 1722

وقد يستعملان استعمالَ "كان"، و"صار"، مع قطع النظر عن الأوقات الخاصّة، فيقال: "ظلّ كَئبًا"، و"بات حزينًا"، وإن كان ذلك في النهار؛ لأنه لا يُراد به زمانٌ دون زمان. ومنه قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (١)، والمراد أنه يَحْدُث به ذلك، ويصير إليه عند البِشارة، وإن كان ليلًا. وقد تستعمل "باتَ" تامّةً تجتزىء بالمرفوع، فيقال: "بات زيدٌ" بمعنى أنه دخل في المَبِيت. يقال منه: "بَاتَ يَبِيتُ ويَباتُ بَيتُوتَةً". فصل [معني الأفعال الناقصة التي أوائلها الحرف النافي] قال صاحب الكتاب: والتي أوائلها الحرف النافي في معنى واحد, وهو استمرار الفعل بفاعله في زمانه. ولدخول النفي فيها على النفي جرت مجرى "كان" في كونها للإيجاب، ومن ثم لم يجز: "ما زال زيدٌ إلا مقيماً"، وخطيء ذو الرمة في قوله [من الطويل]: ١٠٢٤ - حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... [علي الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا] * * *

стр. 1723

قال الشارح: أمّا ما في أوّله منها حرفُ نفي، نحوُ: "ما زال"، و"ما بَرِحَ"، و"ما انفكُّ"، و"ما فَتِىءَ"، فهي أيضًا كأخواتها تدخل على المبتدا والخبر، فترفع المبتدأ، وتنصب الخبرَ، كما أنّ "كانَ" كذلك، فيقال: "ما زال زيدٌ يفعل". قال الله تعالى: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ﴾ (١). وكذلك أخواتها. ومعناها على الإيجاب، وإن كان في أوّلها حرفُ النفي. وذلك أن هذه الأفعال معناها النفي، فـ "زال"، و"برح"، و"انفكّ"، و"فتىء" كلُها معناها خلاف الثبات. ألا ترى أن معنَى "زال": "برح"؟ فإذا دخل حرفُ النفي، نُفي البَراح، فعاد إلى الثبات وخلافِ الزَّوال. فإذا قلت: "ما زال زيدٌ قائمًا"، فهو كلامٌ معناه الإثبات، أي: هو قائمٌ، وقيامُه استمرّ فيما مضى من الزمان، فهو كلامٌ معناه الإثبات، ولهذا المعني لم تدخل إلّا على الخبر، فلا يجوز: "لم يزل زيد إلّا قائمًا"، كما لم يجز: "ثبت زيدٌ إلّا قائمًا"؛ لأنّ معنَى "ما زال": ثبت. فأما قول ذي الرُّمّة [من الطويل]: حَراجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إلا مُناخةً ... على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بَلَدًا قَفرَا فإن الأصمعي والجَرْمي قالا: أخطأ ذو الرُّمّة، ووجهُ تَخطِئته أن يكون "مناخة" الخبر، وتكون "إلّا" داخلةً عليه، وذلك خطأٌ على ما تقدّم. قال المازنيّ: "إلّا" فيه زائدة، والمراد: ما تنفكّ مناخة. وقيل: الخبر: "عَلَى الخسف"، و"مناخةً" حالٌ. والمراد: ما تنفكّ على الخسف إلّا مناخةً، فما تكون "إلّا" قد دخلت على الخبر. وقيل:

стр. 1724

إنّ "إلّا" واقعة في غير موقعها، والنيّةُ بها التأخير، والمراد: "ما تنفكّ مناخة إلّا على الخسف". ومثله في وقوع "إِلا" في غير موقعها قوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ (١)، وقول الشاعر [من المتقارب]: ١٠٢٥ - [أَحَلَّ لَهُ الشيْبُ أثْقالَهُ] ... وما اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلّا اغْتِرارَا ألا ترى أنك لو حملت الكلام على هذا الظاهر الذي هو عليه، لم يكن فيه فائدةٌ، لأنه: لا يُظَنّ إلّا الظن، ولا يغترّه الشيبُ إلّا اغترارًا، فإذ كان كذلك، علمت أن المعنى والتقدير: إنْ نحن إلّا نظنُّ ظَنًا، وما اغترّه إلّا الشيبُ اغترارًا. فإن قيل: ما ذكرتَه من وقوعِ "إلا" في غير موضعها، إنما أُخّرت عن موضعها، ومعناه التقديم، وما ذكرتَه "إلّا" فيه مقدّمةٌ، وأنت تنوي بها التأخير، وذلك خلافُ ما ذكرتَه. فالجواب: أنه إذا جاز التأخير، جاز التقديم, لأنه مثله في أنه واقع في غير موقعه. ويجوز أن يكون الشاعر راعى اللفظ, لأنه منفيّ، ولم ينظر إلى المعنى، فأدخل "إلّا" لذلك، ومثله كثيرٌ. قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٢)، فأَدخل الباء في الخبر لوجود لفظ النفي؛ لأنّ الباء إنما تزداد لتأكيد النفي، والمعنى فيها على الإيجاب. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٣) في قول بعضهم: إنّ "إنْ" هنا بمعنى "نَعَمْ"، ودخلت اللام لوجود لفظِ، "إنْ"، وإن لم يكن المعنى معناها.

стр. 1725

واعلم أنّ "زالَ" من قولهم: "ما زال يفعل" وزنُه "فَعِلَ" بكسر العين، وإنما قلت ذلك؛ لقولهم في المضارع: "يَزالُ" على "يَفْعَل" بالفتح، و"يفعَل" مفتوحَ العين إنما يأتي من "فَعِلَ" بكسر العين دون غيره، إلّا أن تكون العين أو اللام حرفًا حلقيَّا، نحوَ: "سَألَ، يَسألُ"، و"قَرَأ، يَقْرَأ"، وعينُه من الياء، وليس من لفظِ "زال"، "يزول"؛ لقولهم: "زَيَّلْتُه، فزال، وزايلته". وهذه دلالة قاطعةٌ تشهد أنه من الياء. فإن قيل: يجوز أن يكون "زيّلته": "فَيْعَلْتُه"، مثلَ "بَيْطَرْتُه". وإذا جاز أن يكون كذلك، فلا يكون فيه دليلٌ. قيل: لو كان "فيعلته"، لجاء مصدره "زَيّلَةً" على وزن "فَيْعَلَةَ"، وحيث لم يجىء، دلّ ذلك على أنه "فَعَّلَ" لا "فَيْعَلَ". ومما يدلّ على ذلك قولهم: "لم يَزَلْ" بالفتح، ولو كان من "زال"، "يَزُولُ"، لقيل: "لم يَزُلْ" بالضمّ. وأصلُ "زال" ها هنا أن يكون لازمًا غير متعدّ، نحوَ قولك: "زال الشيءُ"، أي: فاتَ، وَبَرِحَ، إلّا أنه جُرّد من الحدث لدلالته على الزمان، وأُدْخل على المبتدأ والخبر، كما كانت "كانَ" كذلك. وأمّا "بَرِحَ" من قولهم: "ما برح"، فهو بمعنى "زال"، و"جاوز". ومنه قيل للّيلة الخالية: "البارحة"، وكذلك قيل: "أبرحتَ رَبًّا، وأبرحت جارًا"، أي: جاوزتَ ما يكون عليه أمثالُك من الخِلال المرضيّة. فقالوا: "ما برح يفعل" بمعنى: "ما زال". وقد فرّق بعضهم بين "ما زال" و"ما برح"، فقال: "برح" لا يستعمل في الكلام إلّا ويُراد به البَراحُ من المكان، فلا بدّ من ذكر المكان معه، أو تقديرِه. وذلك ضعيف؛ لأنه قد جاء في غير المكان. قال الله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (١)، فـ "لا أبرح" هذه لا يجوز أن يُراد بها البراح من المكان؛ لأنه من المُحال أن يبلغ مجمع البحرين، وهو في مكانه لم يبرح منه. وإذا لم يجز حملُه على البراح، تَعيّن أن يكون بمعنى "لا أزالُ". وأما "انفكّ" من قولهم: "ما انفكّ يفعل"، فهي أيضًا بمعنى "زال" من قولك: "فككت الشيءَ من الشيء"، إذا خلّصته منه. وكلّ مشتبِكَين فصلتَ أحدهما عن الآخر فقد فككتَهما. وفَكَّ الرَّقبةَ: أعتقها. ثمّ جُرّدت من الدلالة على الحدث، ثمّ أُدْخلت على المبتدأ والخبر، كما فُعل بـ"كانَ". وأما "فَتِىءَ" من قولهم: "ما فتىء يفعل"، فهو أيضًا بمعنى "زال". يُقال منه: "فَتِىءَ" و"فَتأ" بالكسر والفتح، ويُقال منه: "ما أفْتَأتَ تفعل"، فاعرفه. * * *

стр. 1726

قال صاحب الكتاب: وتجيء محذوفًا منها حرف النفي. قالت امرأة سالم بن قحفان [من الطويل]: ١٠٢٦ - تزال حبالٌ مبرماتٌ أعدها ... [لها ما مشي, يومًا, علي خُفهِ جملْ] وقال امرؤ القيس [من الطويل]: ١٠٢٧ - فقلت لها والله أبرح قاعدًا ... [ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي]

стр. 1727

وقال [من مجزوء الكامل]: ١٠٢٨ - تنفك تسمع ما حييت ... بهالك حتى تكونه وفي التنزيل: ﴿تالله تفتؤ تذكر يوسف﴾ (١). * * * قال الشارح: قد ذكرنا أن هذه الأفعال لا تستعمل إلّا ومعها حرفُ الجحد، نحوَ: "ما زال"، و"لم يزل"، و"لا يزال". وذلك من قبل أن الغرض بها إثبات الخبر واستمراره. وذلك إنما يكون مع مقارنَة حرف النفي؛ لأنّ استعمالها مجرّدة من حرف

стр. 1728

النفي يُنافي هذا الغرض, لأنها إذا عرِيَتْ من حرف النفي، لم تفد الإثبات، والغرضُ منها إثبات الخبر. ولا يكون الإيجاب إلّا مع حرف النفي على ما تقدّم، إلّا أن حرف النفي قد يحذف في بعض المواضع، وهو مرادٌ. وإنما يسوغ حذفه إذا وقع في جواب القَسَم، وذلك لأمن اللبس، وزوال الإشكال. فمن ذلك [من الطويل]: تزالُ حِبالٌ مُبْرَماتٌ أُعِدُّها ... لها ما مشى يومًا على خُفِّهِ جَمَلْ والمراد: والله لا تزال، فحذف "لا". والحبالُ: العُهود. والمبرمات: المُحْكَمات. أعدها لها، أي: للمحبوبة مدّةَ مَشْي الجمل على خفّه، كما يُقال: "ما طار طائرٌ"، و"ما حَنّتِ النّيبُ". ودل على إرادة القسمَ حذفُ حرف النفي، فلولا القسم، لَما ساغ الحذف، ولا يجوز أن يحذف من هذه الحروف غيرُ "لا"، نحوَ: و"الله أقومُ"، والمراد: لا أقوم. وإنما لم يجز حذفُ غيرها؛ لأنه لا يجوز حذف "لَمْ"، و"ما"؛ لأنّ "لَمْ" عاملة فيما بعدها، والحرف لا يجوز أن يحذف ويعمل. وكذلك "ما" قد تكون عاملة في لغة أهل الحجاز. ولا يكون هذا الحذف إلّا في القسم؛ لأنه لا يُلْبِس بالموجب، إذ لو أُريد الموجب، لأُتِيَ بـ"إنَّ" واللام، والنون، وهو كثير. قال امرؤ القيس [من الطويل]: فقلتُ لها تالله أبْرَحُ قاعدًا ... ولو قطعوا رَأسِي لَدَيكِ وأوْصالِي أي: لا أبرحُ. وقال أيضًا [من مجزوء الكامل]: تنفكّ تسمع ... إلخ وقال [من البسيط]: ١٠٢٩ - تالله يبقى على الأيام مُبْتَقِلٌ ... جَوْنُ السَّراةِ رَباعٍ سِنُّهُ غَرِدُ

стр. 1729

ومنه قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ (١)، أي: لا تزال تذكر يوسف حتى تكون حرضًا، أي: ذا حرضٍ، وهو الحُزْن. فصل [معني "ما دام "] قال صاحب الكتاب: و"ما دام" توقيت للفعل في قولك: "أجلس ما دمت جالساً"، كأنك قلت: "أجلس دوام جلوسك"، نحو قولهم: "آتيك خفوق النجم, ومقدم الحاج". ولذلك كان مفتقراً إلى أن يشفع بكلام؛ لأنه ظرف لا بد له مما يقع فيه. * * * قال الشارح: أمّا "ما دام" من قولك: "ما دام زيدٌ جالسًا"، فليست "ما" في أوّلها حرف نفي على حدّها في "ما زال"، و"ما برح"، إنّما "ما" ها هنا مع الفعل بتأويل المصدر، والمراد به: الزمان. فإذا قلت: "لا أُكَلمُك ما دام زيد قاعدًا"، فالمراد: دوامَ قعوده، أي: زمنَ دوامه، كما يُقال: "خفوقَ النجم"، و"مقدمَ الحاجّ". والمراد: زمنَ خفوق النجم، وزمنَ مقدم الحاجّ. وممّا يدلّ على أن "ما" مع ما بعدها زمانٌ، أنها لا تقع أوّلًا، فلا يُقال: "ما دام زيد قائمًا"، ويكون كلامًا تامًّا، ولا بد أن يتقدّمه ما يكون مظروفًا، وليس كذلك "ما زال" وأخواتها، فإنك تقول: "ما زال زيدٌ قائمًا"، ويكون كلامًا مفيدًا تامًّا. و"ما" من قولك: "ما دام" تقع لازمةٌ لا بد منها، ولا يكون الفعل معها إلّا ماضيًا، وليس كذلك "ما زال"، فإنّه يجوز أن يقع موقعَ "ما" غيرُها من حروف النفي، ويكون الفعل مع النافي ماضيًا ومضارعًا، نحوَ: "ما زال"، و"لم يزل"، و"لا يزال". فصل [معني "ليس "] قال صاحب الكتاب: و"ليس" معناه نفي مضمون الجملة في الحال، تقول: "ليس زيد قائماً الآن"، ولا تقول: "ليس زيد قائماً غداً". والذي يصدق أنه فعل لحوق الضمائر وتاء التأنيث ساكنة به وأصله "ليس" كـ "صيد البعير". * * *

стр. 1730

قال الشارح: اعلم أنّ "لَيْسَ" فعلٌ يدخل على جملة ابتدائية، فينفيها في الحال، وذلك أنك إذا قلت: "زيد قائمٌ"، ففيه إيجاب قيامه في الحال، وإذا قلت: "ليس زيدٌ قائمًا"، فقد نفيت هذا المعنى. فإن قيل: فمِن أيْنَ زعمتم أنها فعلٌ، وليس لها تصرّفُ الأفعال بالمضارع واسمِ الفاعل كما كان ذلك في "كانَ" وأخواتها، وإنما هي بمنزلةِ "ما" في دلالتها على نفي الحاضر؟ قيل: الدليل على أنها فعل اتصالُ الضمير الذي لا يكون إلّا في الأفعال بها، على حدّ اتصاله بالأفعال، وهو الضمير المرفوع، نحوُ قولك: "لستُ"، و"لسنا"، و"لستَ"، و"لستُما"، و"لستُمْ"، و"لستِ"، و"لستُنّ"، ولأن آخرها مفتوحٌ كما أواخر الأفعال الماضية. وتلحقها تاءُ التأنيث ساكنة وصلًا ووقفًا، نحوَ: "ليستْ هندٌ قائمة"، كما تقول: "كانت هندٌ قائمة". وليس كذلك التاء اللاحقة للأسماء، فإنها تكون متحرّكة بحركات الإعراب، نحوَ: "قائمةٍ"، و"قاعدةٍ"، فلمّا وُجد فيها ما لا يكون إلّا في الأفعال، دلّ على أنها فعلٌ. فإن قيل: الأفعال بابُها التصرّف، و"لَيسَ" غير متصرّفة، فهلّا دَلَّكم ذلك على كونها حرفًا. قيل: عدمُ التصرّف لا يدلّ على أنها ليست فعلًا، إذ ليس كل الأفعال متصرّفة، ألا ترى أن "نِعْمَ"، و"بِئْسَ"، وَ"عَسَى"، وفعل التعجّب كلّها أفعالٌ، وإن لم تكن متصرّفة؟ وأمّا كونها بمنزلةِ "ما" في النفي، فلا يُخْرِجها أيضًا عن كونها فعلًا؛ لأنه يدلّ على مشابةٍ بينهما، وهو الذي أوجب جمودَها، وعدمَ تصرّفها، وأما أن يدلّ أنها حرفٌ، فلا، إذ الدلالة قد قامت على أنها فعلٌ. وممّا يدلّ أنها فعل وليست حرفًا، أنها تتحمّل الضميرَ كما أنّه يتحمّل الضمير، فتقول: "زيدٌ ليس قائمًا"، فيستكِنّ في "لَيْسَ" ضميرٌ من "زيد". ولا يكون مثلُ ذلك في "ما"، فلا يُقال: "زيدٌ ما قائمًا"، فيجعلَ في "ما" ضميرُ "زيد". وأيضًا فإنّ "لَيْسَ" لا يُبْطِل عملَها دخولُ "إلّا" في خبرها، فتقول: "ليس زيدٌ إلّا قائمًا"، ولا يكون مثلُ ذلك في "ما"، لا تقول: "ما زيدٌ إلّا قائمًا". ومن المانع "لَيْسَ" من التصرّف أنك تقول: "كان زيدٌ"، فتفيد المُضيّ، وتقول: "يكون زيد"، فتفيد الاستقبالَ، وأنت إذا قلت: "ليس زيدٌ قائمًا الآنَ"، فقد أدّتْ "لَيْسَ" المعنى الذي يكون في المضارع بلفظ الماضي، واستُغني عن زيادةِ حرف مضارعة فيها. وقوله: "لا تقول ليس زيد قائمًا غدًا"، يريد أنها لا تكون إلّا لنفي الحاضر لا غير، ولا يُنْفَى بها في المستقبل. وقد أجازه أبو العبّاس المبرّد وابن دُرُسْتَوَيْهِ. فإن قيل: وزنُه "فَعْلَ" ساكنَ العين كـ"لَيْتَ"، وليس في الأفعال الماضية ما هو على هذه الزنة، فهلّا دَلَّكم ذلك على أنها حرف. قيل: لمّا مُنع التصرّف لِما ذكرناه، ولم يُبْنَ بناءَ الأفعال من بنات الياء، نحوِ: "باعَ"، و"سارَ"، مُنع ما للأفعال من الإعلال والتغيير؛ لأنّ الإعلال والتغيير ضربٌ من التصرّف.

стр. 1731

والأصلُ في "لَيْسَ": "لَيِسَ" على زنةِ "حَرِجَ"، و"صَعِدَ". وإنما قلنا ذلك؛ لأنه قد قامت الدلالة على أنه فعلٌ. فالأفعالُ الماضية الثلاثية على ثلاثة أضرب: "فَعَلَ"، كـ"ضَرَبَ"، و"قَتَلَ"، و"فَعِلَ"، كـ"عَلِمَ"، و"سَلِمَ"، و"فَعُلَ"، كـ"ظَرُفَ"، و"شَرُفَ"، وليس فيها ما هو على زنةِ "فَعْلَ" بسكون العين. وإذا كان كذلك، وجب أن لا يخرج عن أبنية الأفعال، فلذلك قلنا: إن أصله "لَيِسَ" على "فَعِلَ" بكسر العين، فيكون من قبيل "صَيِدَ البعيرُ" إذا رفع رأسه من داء. وكان قياسه أن تقلب الياء فيه ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها على حدّ "باعَ" و"سارَ"، إلّا أنّهم لمّا لم يريدوا تصرُّف الكلمة، أبقوها على حالها، ثمّ خفّفوها بالإسكان على حدّ قولهم في "كَتِفٍ": "كَتْفٌ"، وفي "فَخِذٍ": "فَخْذٌ"، وألزموها التخفيفَ؛ لعدم تصرّفها ولزومِ حالة واحدة. وإنما قلنا إن أصله "فَعِلَ" بالكسر؛ لأنه لا يخلو من أن يكون على "فَعَلَ" أو "فَعُلَ" أو "فَعِلَ" على ما ذكرنا، فلا يجوز أن يكون على "فَعَلَ" بالفتح؛ لأنه لو كان مفتوحًا، لم جرّ إسكانه؛ لأنّ الفتحة خفيفة. ألا ترى أنهم لا يخففون نحوَ "قَلَمٍ"، و"جَبَلٍ"، بالسكون؟ ولا يجوز أن يكون على "فَعُلَ" بالضمّ, لأنّ هذه البناء لم يأتِ من بناته الياء، فلمّا امتنع أن يكون على "فَعَلَ"، و"فَعُلَ"، تَعيّن أن يكون "فَعِلَ" بالكسر، وصُحح كما صُحّح "صَيِدَ البعيرُ". وليس المراد أن العلّة واحدة وإنما ذلك لإبداء النظير، وذلك لأنّ العلّة في تصحيح "لَيْسَ" إرادةُ عدم التصرّف، والعلّة في تصحيح "صَيِدَ" إنما هو لأنه في معنَى "أصيَدَ" كـ"عَوِرَ"، و"حَوِلَ"، إذ كانا في معنى "أعْوَرَ"، و"أحوَلَ". فصل [نوعا الأفعال الناقصة من حيث تقديم خبرها عليها] قال صاحب الكتاب: وهذه الأفعال في تقديم خبرها على ضربين, فالتي في أوائلها "ما" يتقدم خبرها على اسمها لا عليها، وما عداها يتقدم خبرها على اسمها وعليها, وقد خولف في "ليس" فجعل من الضرب الأول. والأول هو الصحيح. * * * قال الشارح: قد تقدّم أن هذه الأشياء لما كانت داخلة على المبتدأ والخبر، وكانت مقتضية لهما جميعًا، وجب من حيث كانت أفعالًا بالدلائل المذكورة، أن يكون حكمُ ما بعدها كحكم الأفعال الحقيقية، وكانت الأفعال الحقيقية ترفع فاعلًا، وتنصب مفعولًا، فرفعت هذه الاسمَ، ونصبت الخبرَ ليصير المرفوع كالفاعل، والمنصوب كالمفعول من نحوِ: "كان زيدٌ قائمًا"، كما تقول: "ضرب زيد عمرًا". ولمّا كان المرفوع فيها كالفاعل، والفاعلُ لا يجوز تقديمه على الفعل، لم يجز تقديم أسماء هذه الأفعال عليها. ولمّا كان المفعول يجوز تقديمُه على الفاعل، وعلى

стр. 1732

الفعل نفسه، جاز تقديم أخبار هذه الأفعال على أسمائها، وعليها أنفسِها ما لم يمنع من ذلك مانعٌ، فلذلك تقول: "كان زيد قائمًا". قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (٢)، وتقول: "كان قائمًا زيدٌ"، فتُقدَّم الخبر على الاسم، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقال: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (٤)، فقوله: "حقًا" خبرٌ، وقد تقدّم على الاسم الذي هو "نصر المؤمنين"، و"عجبًا" خبرٌ أيضًا، وقد تقدّم على الاسم الذي هو "أن أوحينا"؛ لأنّ "أنْ" والفعل في تأويل المصدر، ذلك المصدرُ مرفوع بأنه اسمُ "كان". وتقول: "قائمًا كان زيدٌ"، فتُقدِّم الخبر على الفعل نفسه. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (٥)، فلولا جوازُ تقديم الخبر على نفس الفعل، لَما جاز تقديم معموله عليه، وذلك أن "أنفسهم" معمولُ "يظلمون"، وهو الخبر، وقد تقدّم أنه لا يُقدَّم المعمول حيث لا يتقدّم العامل. ألا ترى أنه لا يجوز "القتالُ زيدًا حِينَ يأتي" حيث لم يجز تقديم عامله الذي هو "يأتي"؛ لأنّ المضاف إليه لا يتقدّم المضافَ؟ وكذلك باقي أخواتها. فأمّا ما في أوّله حرف النفي، وحروف النفي أربعة: "ما"، و"لَمْ"، و"لَنْ"، و"لا"، فإن كان النفي بـ"ما"، نحوَ: "ما زال"، و"ما انفكّ"، و"ما فتىء"، و"ما برح"، فمذهبُ سيبويه والبصريين أنه لا يجوز تقديم أخبارها عليها، فلا يُقال: "قائمًا ما زال زيدٌ"، وإليه ذهب أبو زكرياء يحيي بن زياد الفراء. وذلك أن "ما" للنفي، وأنّه يُستأنف بها النفي، ولذلك يُتلقى بها القَسَمُ كما يتلقى بـ"إن" واللام في الإيجاب، فجرت في ذلك مجرى حرف الاستفهام، فكان له صدرُ الكلام، وإنّما صار للاستفهام صدرُ الكلام. لأنه جاء لإفادةِ معنى في الاسم والفعل، فوجب أن يأتي قبلهما لا بعدهما، كما أن حروف الاستفهام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، كذلك هنا. ألا ترى أنك لو قلت في الاستفهام: "زيدًا أضربتَ؟ " لم يجز، كذلك ها هنا لو قلت: "قائمًا ما زال زيدٌ"، لم يجز؛ لأنك تُقدِّم ما هو متعلّقٌ بما بعد حرف النفي عليه، ويجوز ذلك مع "لَمْ"، و"لَنْ"، و"لا"، فتقول: "قائمًا لم يزل زيد"، و"منطلقًا لن يبرح بكرٌ"، و"خارجًا لا يزال خالدٌ". وإنما ساغ ذلك مع "لم"، و"لن"، و"لا" ولم يسغ مع "ما"؛ لأنّ "لم"، و"لن"، لمّا اختصّتا بالدخول على الأفعال، صارتا كالجزء منها، فكما يجوز تقديمُ منصوب الفعل عليه، كذلك يجوز التقديم مع "لم"، و"لن"؛ لأنهما كأحد حروفه، وأيضًا فإن "لم أفعل" نفيُ "فعلتُ"، و"لن أفعل" نفيُ "سأفعلُ". وحكمُ النفي حكم إيجابه، فكما يسوغ في

стр. 1733

الإيجاب التقديمُ، فكذلك مع النفي، فجرى النفي هنا مجرى الإيجاب، كما جرى مجراه في "لَنْ" إذ لم يُتلق به القَسَم. ألا ترى أنك لا تقول: و"الله لن أضربَ"، كما لا تقول: "والله سأضرب"؟ وكذلك لا تقول: "والله لم أضرب" كما لا تقول: "والله ضربتُ". وأمّا "لا"، وإن كانت قد يُتلقى بها القسم، وتدخل على الأسماء والأفعال، فإنّها تصرَّفت تصرّفًا ليس لغيرها بدخولها على المعرفة والنكرة، وأنّه يتخطاها العاملُ، فيعمل فيما بعدها، نحوَ قولك: "خرجت بلا زادٍ"، و"عُوقبتُ بلا جُرْم"، فكما يعمل ما قبلها فيما بعدها، فكذلك يعمل ما بعدها فيما قبلها. وأجاز ذلك الكوفيون (١)، وإليه ذهب أبو الحسن بن كَيْسان، فيقولون: "قائمًا ما زال زيد"، وكذلك ما كان في معناها من أخواتها، فإنّهم يشبّهونها بـ"لمْ". وأمّا "ما دامَ"، فإنّها لا تستعمل إلّا بلفظ الماضي كما كانت "لَيْسَ" كذلك. ولا يتقدّمها إلّا فعلٌ مضارع، نحوُ: "لا أُكلِّمك ما دام زيدٌ قائمًا". ولا يتقدّم عليها نفسِها، لأنّ "ما" فيها مصدريَّةٌ لا نافيةٌ، وذلك المصدرُ بمعنى ظرف الزمان. ألا ترى أنك إذا قلت: "لا أفعلُ هذا ما دام زيدٌ قائمًا"، كان التقدير فيه: زمنَ دوامِ قيامِ زيد، كقولك: "جئتُك مَقْدَمَ الحاجّ، وخفوقَ النجم"، أي: زمنَ خفوق النجم، وزمنَ مقدم الحاجّ؟ إلّا أنه حذف المضاف الذي هو الزمان للعلم به، وأُقيم المصدر المضاف إليه مقامه. وإذا كانت "ما" في "ما دام" بمنزلة المصدر، كان ما يتعلق بها من صلتها وتمامِها، فلا يتقدّم عليها. وأمّا تقديم أخبارها على أسمائها، فجائزٌ بلا خلاف, لأنّ المقتضى لجواز ذلك موجود، وهو كون العامل فعلاً، ولا مانعَ هناك، فلذلك جاز أن تقول: "ما زال قائمًا زيدٌ"، و"ما انفكّ عالمًا بكرٌ". وأمّا "لَيْسَ"، ففيها خلافٌ، فمنهم من يُغلّب عليها جانبَ الحرفية، فيُجريها مجرى "ما" النافية؛ فلا يُجيز تقديمَ خبرها على اسمها، ولا عليها، لا يقولون: "ليس قائمًا زيدٌ"، و"لا قائمًا ليس زيدٌ". وعليه حمل سيبويه (٢) قولَهم: "ليس الطيبُ إلّا المسكُ"، و"ليس خَلْقُ الله أشْعَرُ منه". أجراها مجرَى "ما". ومنهم من أجاز تقديمَ خبرها عليها نفسِها، نحوَ: "قائمًا ليس زيدٌ"، وهو قول سيبويه (٣) والمتقدّمين من البصريين (٤)، وجماعةٍ من المتأخرِين كالسيرافيّ، وأبي عليّ،

стр. 1734

وإليه ذهب الفرّاء من الكوفيين. واحتجّوا لذلك بالنصّ والمعنى. أمّا النصّ فقوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ (١)، ووجهُ الدليل أنه قدّم معمولَ الخبر عليها، وذلك أن "يَوْمَ" معمولُ "مصروفًا" الذي هو الخبر، وتقديمُ المعمول يُؤذِن بجواز تقديم العامل؛ لأنه لا يجوز أن يقع المعمول حيث لا يقع العامل؛ لأنّ رتبة العامل قبل المعمول. وأمّا المعنى فإنّه فعل في نفسه. وإنما مُنع المضارعَ؛ للاستغناء عنه بلفظ الماضي، وهذا المعنى لا ينقص حكمَها، وصار كـ"يَدَعُ"، و"يَذَرُ"، لمّا منعنا لفظَ الماضي منهما استغناء عنه بـ"تَرَكَ"، لم ننقص من حكم عملهما. ومنهم من منع من تقديم خبرها عليها مع جواز تقديمه على اسمها، وهو مذهب الكوفيين، وأبي العبّاس المبرد. وقال السيرافيّ وأبو عليّ: لا خلاف في تقديم الخبر على اسمها، إنما الخلاف في تقديم الخبر عليها. وحكى ابن درستويه في كتاب الإرشاد أن فيه خلافًا على ما تقدّم. وقوله: "وقد خولِف في "لَيْسَ" فجُعل من الضرب الأوّل"، يريد الذي لا يجوز تقديم خبره عليه، وهو ما كان في أوّله "ما"، فيه إشارةٌ إلى أن من مذهبه جوازَ تقديم خبرها عليها. وقوله: "والأول هو الصحيح"، يريد الأوّل من القولَيْن، وهو جواز تقديم خبرها عليها، وهو الذي أفتى به. والثاني ما حكاه من قول المخالِف، وهو عدم جواز تقديمه. فصل [تفصيل سيبويه في تقديم الظرف وتأخيره بين اللغو منه والمستقرّ] قال صاحب الكتاب: وفضل سيبويه (٢) في تقديم الظرف وتأخيره بين اللغو منه والمستقر، فاستحسن تقديمه إذا كان مستقراً نحو قولك: "ما كان فيها أحد خير منك"، وتأخيره إذا كان لغواً نحو قولك: "ما كان أحدٌ خيراً منك فيها"، ثم قال: وأهل الجفاء يقرؤون (٣): ﴿ولم يكن كفؤاً له أحد﴾ (٤). * * * قال الشارح: سيبويه كان يسمّي الظرف والجارّ والمجرور متى وقع واحدٌ منهما خبرًا مستقَرًا؛ لأنه يُقدَّر بـ"استقرّ". ومتى لم يكن خبرًا، سمّاه لَغْوًا. وذلك نحو قولك: "زيدٌ فيها قائمًا"، الظرف ها هنا مستقر؛ لأنه الخبر، والتقدير: "زيد استقر فيها"، و"قائما" حال، فإن رفعت "قائمًا" وجعلته الخبرَ، فقلت: "زيدٌ فيها قائمٌ" كان الظرف لغوًا, لأنه

стр. 1735

ليس بخبرٍ، إنما الخبر "قائمٌ" والظرف من متعلّقات الخبر الذي هو "قائمٌ". ومتى جعلته خبرًا، كان ظرفًا، ووِعاءً للاستقرار. ومتى جعلته لغوًا، كان ظرفًا للقيام. فإذا فهمت القاعدةَ، فسيبويه يختار تقديم الظرف إذا كان مستقرًا؛ لأنه مضطرٌّ إليه، وتأخيرَه إذا كان لغوًا؛ لأنه فضلة. وذلك نحو قولك: "ما كان فيها أحد خيرٌ منك"، فـ "أحدٌ" اسمُ "كان"، و"خيرٌ منك" صفته، والظرف الخبر، ولذلك قدَّمه، فإن نصبت "خيرًا" وجعلته الخبرَ، أخّرت الظرف, لأنه ملغًى، نحوَ قولك: "ما كان أحد خيرًا منك فيها" فـ "أحد" الاسم، و"خيرًا منك" الخبر، و"فيها لغوٌ" من متعلقات الخبر، وتقديم الظرف وتأخيره إذا كان مستقرًا جائز، قال سيبويه: كل عربيٌّ جيْدٌ كثيرٌ، وإنما اختار تقديمه إذا كان مستقرًا، ولا كلامَ في جواز تأخيره. فإن قيل: فما تصنع بقوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١)، فقدّم الجارّ والمجرور مع أنه لغوٌ؟ قيل: لمّا كانت الحاجة ماسّة، والكلامُ غيرَ مستغن عنه؛ صار كأنّه خبرٌ، فقُدّم لذلك، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) مبتدأ وخبر، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) خبرٌ ثانٍ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ معطوف عليه. وما عُطف على الخبر، كان في حكم الخبر، فلذلك لم يكن بد من العائد في قوله: ﴿لَّهُ﴾؛ لأنّ الجملة إذا وقعت خبرًا، افتقرت إلى العائد. قال: وأهل الجفاء يقرؤون: "ولم يكن كفؤًا له أحدٌ"، فيؤخرون الجارّ والمجرور لقوّة التأخير في المُلْغَى عندهم. والمرادُ بأهل الجفاء: الأعراب الذين لم يبالوا بخطّ المُصحَف، أو لم يعلموا كيف هو. فأما قول الشاعر [من الرجز]: لَتَقْرُبِنَّ قَرَبًا جُلْذِيَّا ... ما دام فيهنّ فَصِيلٌ حَيَّا (٤) فإنّه قدَّم الظرف هنا، وإن لم يكن مستقرًا، وذلك أنّ "فصيل" اسمُ "ما دام"، و"حيَّا"، الخبر، و"فيهنّ"، ظرفٌ للخبر. وذلك لجواز التقديم عنده مع أنه قد تدعو الحاجةُ إليه. ولا يسوغ حذفه، إذ لو حذف، لتغير المعنى، ويصير بمعنى الأبد، كما يُقال: "ما طلعت الشمسُ"، و"ما حنّت النيبُ". فلمّا كان المعنى متعلّقًا به، صار كالمستقرّ، فقدّمه لذلك. والجُلْذِيّ: السَّيْر الشديد، ويجوز أن يكون اسم ناقته، ثمّ ناداها مُرخّمًا، فاعرفه.

стр. 1736

ومن أصناف الفعل أفعالُ المقاربة فصل [أحكام "عسي "] قال صاحب الكتاب: منها "عسى", ولها مذهبان: أحدهما أن تكون بمنزلة "قارب"، فيكون لها مرفوع ومنصوب، إلا أن منصوبها مشروط فيه أن يكون "أن" مع الفعل متأولاً بالمصدر, كقولك: "عسى زيد أن يخرج" في معنى: قارب زيد الخروج. قال الله تعالى: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ (١). والثاني أن يكون بمنزلة "قرب"، فلا يكون لها إلا مرفوع، إلا أن مرفوعها "أن" مع الفعل في تأويل المصدر, كقولك: "عسى أن يخرج زيد" في معنى قرب خروجه. قال الله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ (٢). * * * قال الشارح: معنى قولهم: "أفعال المقاربة"، أي: تفيد مقاربةَ وقوع الفعل الكائن في أخبارها. ولهذا المعنى كانت محمولة على باب "كان" في رفع الاسم ونصب الخبر. والجامعُ بينهما دخولهما على المبتدأ والخبر، وإفادةُ المَعنى في الخبر. ألا ترى أنّ "كانَ" وأخواتها إنما دخلت لإفادة معنى الزمان في الخبر، كما أن هذه الأفعال دخلت لإفادة معنى القرب في الخبر؟ فمن ذلك "عَسى"، وهو فعل غير متصرّف، ومعناه المقاربة على سبيل الترجّي. قال سيبويه (٣): معناه الطمَع والإشفاق، أي: طمعٌ فيما يستقبل، وإشفاقُ أن لا يكون. واعلم أن أصل الأفعال أن تكون متصرّفة من حيث كانت منقسمة بأقسام الزمان، ولولا ذلك، لأغنت المصادرُ عنها. ولهذا قال سيبويه (٤): فأمّا الأفعال فأمثلة أُخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبُنيت لِما مضى، ولما يكون، ولما هو كائن لم ينقطع. وهذه "عَسَى" قد خالفت غيرَها من الأفعال، ومُنعت من التصرّف، وذلك لأُمور؛ منها: أنهم أجروها مجرى "لَيْسَ"، إذ كان لفظها لفظ الماضي، ومعناها المستقبل, لأنّ

стр. 1737

الراجي إنما يرجو في المستقبل لا في الماضي، فصارت كـ"لَيْسَ" في أنها بلفظ الماضي، ويُنْفَى بها الحال، فمُنعت لذلك من التصرّف كما منعت "لَيْسَ". الثاني: أنها تَرَجٍّ، فشابهت "لَعَلّ". وقد استضعف بعضُهم هذا الوجهَ من التعليل، قال: وذلك أنّ شَبَه الحرف معنَى مُضعفٌ للاسم لا للفعل، ألا ترى أن أكثر الأسماء المبنيّة نحوَ "كَمْ"، و"مَنْ"، إنما كان يُشبه الحروفَ؛ فأمّا الفعل فإنّه، إذا أشبه بمعناه الحرفَ، فإنّه لا يُمْنَع التصرّفَ، وذلك لأَن معاني هذه الحروف مستفادة ومكتسَبة من الأفعال، ألا ترى أن "إلّا" في الاستثناء نائبةٌ عن "أستثنى"، والهمزة في الاستفهام نائبة عن "أستفهم" و"ما"، النافية نائبة عن "أنْفِي"؟ والشيءُ إنما يُعْطَى حكمًا بالشبه إذا أشبهه في معناه، وأمّا إذا أشبهه في معنَى هو له، أو يُساويه فيه، فلا. ولو جاز أن يُمْنَع التصرّفَ "عَسَى"؛ لأنها في معنَى "لَعَلَّ"، لجاز أن يمنع "استثنى" التصرّف لمشارَكةِ "إلّا"، ولجاز أن يمنع "أنْفِي" التصرّف لمشاركةِ "ما". وذلك قولُ من قال: إِنّ "لَيْسَ" ممنوعةُ التصرّف لمشاركةِ "ما" في معناها. والآخر: أنها لمّا دلت على قُرْب الفعل الواقع في خبرها؛ جرت مجرى الحروف لدلالتها على معنى في غيرها، إذ الأفعال تدل على معنًى في نفسها، لا في غيرها، فجمدت لذلك جمودَ الحروف. فإن قيل: ما الدليل على أنها أفعالٌ مع جمودها جمودَ الحروف، وعدمِ تصرّفها؟ فالجواب أنه يتصل بها ضمير الفاعل على حدّ اتصاله بالأفعال، نحوَ قولك: "عَسَيْتُ أن أفعلَ كذا"، و"عَسِيتُ" بالكسر أيضًا، وهما لغتان. قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ﴾ (١)، وقُرىء بالكسر، والمؤنّث "عَسَتْ"، فتؤنّثه بالتاء الساكنة وصلًا ووقفًا على ما يكون عليه الأفعالُ. ولمّا كانت فعلاً، افتقرت إلى فاعلٍ ضرورةَ انعقاد الكلام. وهي في ذلك على ضربين: أحدهما: أن تكون بمنزلة "كان" الناقصة، فتفتقر إلى منصوب ومرفوع، ويكون معناها "قارَبَ". والضرب الثاني: أن تكون بمنزلةِ "كان" التامّة، فتكتفي بمرفوع، ولا تفتقر إلى منصوب، وتكون بمعنى "قَرُبَ". فالأوّل نحو قولك: "عسى زيدٌ أن يقوم"، ولا يكون الخبر إلّا فعلاً مستقبلًا مشفوعًا بـ"أن" الناصبة للفعل. قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ﴾ (٢) بِالْفَتحِ، فـ"زيدٌ" اسمُ "عسى"، وموضعُ "أنْ" مع الفعل نصبٌ؛ لأنه خبرٌ. والذي يدلّ على ذلك قولهم في المثل: "عسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا" (٣)، والمراد: أن يَبْأسَ، فقد

стр. 1738

انكشف الأصلُ كما انكشف أصلُ "أقام"، و"أطال" بقوله [من الطويل]: صددتِ فأطوَلْتِ الصُّدُودَ وقَلَّما ... وِصالٌ على طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ (١) وأبْؤُسٌ في المثل (٢) جمع "بَأسٍ", لأنّ "فَعْلًا" يجمع على "أفْعُلٍ"، نحوَ "كَلْبٍ"، و"أكلُبٍ"، ومِما يدلّ أن خبرها في موضع اسم منصوب، وإن لم يُنْطَق به، أن الفعل في خبرها، إذا تَجرّد من "أنْ"، كان مرفوعًا، والفعل إنما يُرْفَع بوقوعه موقع الاسم، نحوِ قوله [من الطويل]: ١٠٣٠ - عَسَى الله يُغنِي عن بِلادِ ابن قادِرٍ ... بمُنهمِرٍ جَوْنِ الرَّبابِ سَكُوبِ وقول الآخر [من الوافر]: ١٠٣١ - عسى الكَرْبُ الذي أمْسَيتَ فيه ... يكونُ وَراءَه فَرَجٌ قَرِيبُ

стр. 1739

فارتفاعُ "يُغْنِي"، و"يَكُونُ"، عند تجرّدهما من الناصب دليلٌ على ما قلناه. فإن قيل: فلِمَ لزم أن يكون الخبر "أنْ" والفعلَ؟ قيل: أمّا لزوم الفعل؛ فلأنّه لمّا مُنع لفظَ المضارع، واجتزىء عنه بلفظ الماضي؛ عُوّض المضارع في الخبر. وأيضًا فإنّه لمّا كانت "عَسَى" طَمَعًا، وذلك لا يكون إلّا فيما يستقبل من الزمان؛ جعلوا الخبر مثالًا يفيد الاستقبال، إذ لفظ المصدر لا يدلّ على زمان مخصوص. وأمّا لزوم "أن" الخبرَ؛ فلِما أُريد من الدلالة على الاستقبال، وصرِف الكلام إليه؛ لأن الفعل المجرد من "أنْ" يصلح للحال والاستقبال، و"أنْ"، تخْلِصه للاستقبال. والذي يؤيّد ذلك أن الغرض بـ"أنْ" الدلالةُ على الاستقبال لا غيرُ. وأمّا قول الشاعر [من الطويل]: ١٠٣٢ - عسى طَيِّىءٌ من طَيِّىءٍ بعدَ هذه ... ستُطْفِىءُ غُلّاتِ الكُلَى والجَوانحِ

стр. 1740

لمّا كانت السين كـ"أنْ" في الدلالة على الاستقبال، وضعها موضعَها، وإن اختلفت من حيث إن الفعل لا يكون معها في تأويل المصدر. والضرب الثاني: أن تكتفي بالمرفوع من غير افتقارٍ إلى منصوب، وتكون "عسى" بمعنَى "قَرُبَ"، إِلا أن مرفوعها لا يكون إلّا "أن" والفعل، نحوَ قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١)، فـ "أنْ تكرهوا" بموضعِ رفع بأنّه فاعلٌ، ووقعت الكفايةُ به لتضمّنه معنى الحدث الذي كان في الخبر. ويجوز في قولك: "عسى أن يقوم زيدٌ" أن يكون "زيدٌ" مرفوعًا بـ"عَسَى"، و"أن يقوم" في موضعِ نصب بأنّه خبر مقدّم، ويكون في الفعل على هذا التقدير ضميرٌ من "زيد" يظهر في التثنية والجمع، نحوَ قولك: "عسى أن يقوما الزيدان"، و"عسى أن يقوموا الزيدون"؛ لأنّ التقدير: "عسى الزيدان أن يقوما"، و"عسى الزيدون أن يقوموا". فيجوز لك في ذلك وما كان نحوه وجهان أبدًا: أحدهما أن يكون "أنْ" والفعل في موضع مرفوع، وأن يكون في موضع منصوب بأنّه خبرٌ مقدّمٌ. فأمّا قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٢)، فلا يجوز فيه إلّا وجه واحد، وهو أن يكون "ربّك" فاعلَ "يبعث"، و"أنْ" مع ما بعدها في موضعِ رفع بـ"عَسَى". ولا يجوز أن يكون "أنْ" في موضع نصب على الوجه الآخر؛ لأنه يؤدي إلى الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبيّ؛ لأنّ "مقامًا محمودًا" منصوبة بـ"يبعث"، فلا يكون "الربّ" مرتفعًا إلّا به، وإلَّا كان أجنبيًا، إذ لم يكن عاملا فيه. فصل [أحكام "كاد "] قال صاحب الكتاب: ومنها "كاد" ولها اسم وخبر, وخبرها مشروط فيه أن يكون فعلاً مضارعاً متأولاً باسم الفاعل, كقولك: "كاد زيدٌ يخرج". وقد جاء على الأصل [من الطويل]: [فأبت إلي فهم] وما كدت آئبًا (٣) ... [وكم مثلها فارقتها وهي تصفر] كما جاء "عسى الغوير أبؤسًا" (٤). قال الشارح: قوله: "ومنها" يعني من أفعال المقاربة "كادَ". تقول: "كاد زيدٌ يفعلُ"، أي: قارَبَ الفعلَ، ولم يفعل، إلّا أن "كاد" أبلغُ في المقاربة من "عَسَى"، فإذا قلت: "كاد زيدٌ يفعل"، فالمراد قرُب وقوعُه في الحال، إلّا أنه لم يقع بعدُ؛ لأنك لا

стр. 1741

تقوله إلّا لمَن هو على حدّ الفعل كالداخل فيه، لا زمانَ بينه وبين دخوله فيه. قال الله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (١). ومن كلام العرب: "كاد النعامُ يطير". وهي ترفع الاسم وتنصب الخبر حملًا لها على "كانَ"؛ لدخولها على المبتدأ والخبر وإفادةِ معناها في الخبر. واشترطوا أن يكون الخبر فعلاً؛ لأنهم أرادوا قربَ وقوع الفعل، فأتوا بلفظ الفعل ليكون أدلّ على الغرض، وجُرّد ذلك الفعل من "أن"؛ لأنهم أرادوا قرب وقوعه في الحال، وإن تَصرّف الكلام إلى الاستقبال، فلم يأتوا بها لتدافُع المعنيَين. ولمّا كان الخبر فعلاً محضًا مجرّدًا من "أنْ"، قدّروه باسم الفاعل, لأنّ الفعل يقع فى الخبر موقعَ اسم الفاعل، نحو: "زيدٌ يقوم"، والمراد. قائمٌ، ودل على أنه منصوب قول الشاعر [من الطويل]: فأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آئِبًا كما دلّ قولهم: "عسى الغُوَيْرُ أبُؤُسًا" على أنّ موضعَ "أن يَبْأسَ" نصبٌ. فأما البيت، فهو لتأبّط شرًّا، ويروى: "ولم أكُ آئبًا"، فلا يكون فيه شاهدٌ. والرواية الأوُلى أقيسُ من جهة المعنى؛ لأنّ المراد: رجعت إلى فهم- وهي قبيلة- وكدتُ لا أؤُوبُ لمشارَفتي التَّلَفَ. قال ابن الأعرابىّ الرواية: ما كدت آئبًا، وروايةُ من روى: "ولم أكُ آئبًا" خطأ. وأرى أنها جائزةٌ، والمعنى: ولم أك في نظري واعتقادي أنّنى أسلمُ. وقصّته معروفة. وأما قولهم في المثل: "عسى الغوير أبؤسًا"، قال الأصمعيّ: إنه كان غارٌ فيه ناسٌ، فانهارَ عليهم، أو أتاهم فيه عدوٌّ، فقتلوهم، فصار مثلًا لكلّ شيء يُخاف أن يأتي منه شرٌّ. قال ابن الكَلْبيّ: الغوير ماءٌ لكَلْب. وهذا المثلُ تَكلّمت به الزبّاءُ لمّا تَنكّب قَصِيرٌ اللَّخميُّ بالأجمال الطريقَ المَهْيَعَ، وأخذ على الغُوَيْر. فإن قيل: فهلّا منعتم "كَادَ" من التصرّف كما فعلتم ذلك بـ"عسى"، إذ معناهما واحدٌ قيل: له جوابان: أحدهما: أن "كَادَ" قد يُخبَر بها عن المقاربة فيما مضى وفيما يستقبل، نحوَ قولك: "كاد زيدٌ يقوم أمس"، و"يكاد يخرج غدًا". فلمّا أُريد بها معنى المُضيّ والاستقبال، أُتي لها بالأمثلة التي تدلّ على الأزمنة، وهو بناء الماضي والمضارع. ولمّا كانت "عَسَى" طمعًا، والطمع يختصّ بالمستقبل فقط، اختير له أخفُّ الأبنية، وهو مثال الماضي، ولم تكن حاجة إلى تكلُّف زيادة المضارع. والجواب الثاني: أنهم قد غالوا في "عَسَى"، فاستعملوها موجبةً، ولم تأتِ في

стр. 1742

الكتاب العزيز إلّا موجبةً، إلّا في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١). قال: ومنه قول الشاعر [من الكامل]: ١٠٣٣ - ظَنّي بهم كَعَسَى وهُمْ بتَنُوفَةٍ ... يَتنازعون جَوائِزَ الأمثالِ والمراد: ظنّي بهم كاليقين. فلمّا تناهت "عَسى" في بابها، وكان فيها ما ليس في "كاد"، أخرجت عن بابها وبابِ الفعل إلى حيّز الحروف وجمودها. وأما قول حسان [من الكامل]: ١٠٣٤ - وتكاد تَكْسَلُ أن تجيء فِراشَها ... في جِسْمِ خَرْعَبَةٍ وحُسْنِ قَوامٍ فإنّه قد قيل: إنّ "تكاد" فيه زائدةٌ، والمراد أنها تكسل أن تجيء فراشها لدَلالها.

стр. 1743

فصل [تشبيه "كاد" بـ "عسي", والعكس] قال صاحب الكتاب: وقد شبه "عسى" بـ "كاد" من قال [من الوافر]: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب (١) و"كاد" بـ"عسى" من قال: [من الرجز] ١٠٣٥ - قد كاد من طول البلى أن يمصحا * * * قال الشارح: قد تقدّم القول أن الأصل في "عسى" أن يكون في خبرها "أنْ" لِما فيها من الطمع والإشفاق، وهما معنيان يقتضيان الاستقبال، و"أنْ" مؤذنةٌ بالاستقبال، وأصل "كاد" أن لا يكون في خبرها "أنْ"؛ لأنّ المراد بها قوب حصول الفعل في الحال، إلّا أنه قد تشبه "عسى" بـ"كاد"، فْيُنْزَع من خبرها "أنْ". فأما قوله [من الوافر]: عسى الهَمُّ الذي أمسيت فيه ... إلخ

стр. 1744

فالبيت لهُدْبَةَ بن الخَشْرَم، والشاهد فيه إسقاط "أنْ" من الخبر، ورفع الفعل على التشبيه بـ"كاد". يقول هذا لرجل من قومه أُسِرَ. وقد تُشبَّه "كاد" بـ"عسى"، فيُشْفَعَ خبرها بـ"أنْ"، فيقال: "كاد زيدٌ أن يقوم". وقد جاء في الحديث: "كاد الفُقرُ أن يكون كُفرًا" (١)؛ فأما قولهم [من الرجز]: قد كاد من طُول البِلَى أن يَمْصَحَا فالبيت لرُؤْبة، وقبله: رَبْعٌ عَفاهُ الدَّهرُ طُولًا فانْمَحَى والشاهد فيه دخول "أنْ" على "كاد" تشبيهًا لها بـ"عسى"، والوجهُ سقوطها. وصف منزلًا بالقِدَم وعَفْوِ الأثر. ويَمْصَحُ: في معنَى "يَذهَب"، يُقال: "مصح الظلّ" إذا انتعله الشخصُ عند قيام الظَّهِيرة. فحملوا كلّ واحد من الفعلَيْن على الآخر لتقارُب معنيَيْهما. وطريقُ الحمل والمقاربةِ أن "عَسَى" معناها الاستقبال، وقد يكون بعض المستقبل أقربَ إلى الحال من بعض، فإذا قال: "عسى زيدٌ"، فكأنّه قَرُبَ حتى أشْبَهَ قرب "كاد". وإذا أدخلوا "أنْ" في خبر "كاد"، فكأنّه بعُد عن الحال حتى أشبه "عسى". ومن قال: "عسى زيدٌ يفعل"، فقد أجرى "عسى" مجرى "كانَ"، ويجعل الفعل في موضع الخبر، كأنه قال: "عسى زيدٌ فاعلاً". وقد صرّح الراجز عند الضرورة بذلك، فقال [من الرجز]: أكثَرْتَ في العَذل مُلِحًّا دائمَا ... لا تُكثِرَنّ إنّي عَسَيتُ صائِما (٢) كما صرّحوا في المَثَل، فقالوا: "عسى الغُوَيْرُ أبُؤُسًا" (٣). فصل [تصريف "عسي "] قال صاحب الكتاب: وللعرب في "عسى" ثلاثة مذاهب: أحدها أن يقولوا: "عسيت أن تفعل", و"عسيتما" إلى "عسيتن"، و"عسى زيد أن يفعل", و"عسيا إلى عسين"، و"عسيت", و"عسينا". والثاني أن لا يتجاوزوا "عسى أن يفعل", و"عسى أن يفعلا" و"عسى أن يفعلوا". والثالث أن يقولوا عساك أن تفعل كذا إلى عساكن، وعساه أن يفعل إلى عساهن، وعساني أن أفعل، وعسانا. * * * قال الشارح: اعلم أن "عسى" في اتصال الضمير بها على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن تكون كـ"لَيْسَ" في اتصال الضمير بها واستتاره فيها، فتقول: "عسيتَ

стр. 1745

أن تفعل كذا يا هذا"، فالتاء ضمير المخاطب، وهو الفاعل، والياء قبلها بدلٌ من الألف التي كانت في "عَسَى"؛ لأنها في موضعِ متحرّك. ولمّا اتّصل الضمير بها، سكن، فعادت الياء إلى أصلها كما كانت. وتقول في التثنية: "عسيتما"، وفي الجمع: "عَسَيتم"، كما تقول: "لَسْتَ" و"لستما"، و"لستم". وتقول في المتكلّم: "عسيتُ أن أفعل"، وفي التثنية والجمع: "عسينا"، وتقول في الغائب: "زيدٌ عسى أن يفعل"، فـ "زيدٌ" مبتدأ، و"عسى" وما بعدها الخبر، وفي "عسى" ضميرٌ يرجع إلى "زيد"، ويظهر ذلك الضمير في التثنية والجمع، فتقول: "الزيدان عَسَيَا أن يقوما"، وفي الجمع: "الزيدون عَسَوْا أن يقوموا"، وفي المؤنث: "عَسَتْ"، وفي التثنية: "عَسَتَا"، وفي الجمع: "عَسَيْنَ أن يقمن". الثاني: أن تكون في موضع رفع فاعله، فتقول: "زيدٌ عسى أن يفعل"، فـ "أن يفعل" في موضع رفع بأنّه الفاعل، والجملةُ في موضعِ خبر المبتدأ. وتقول في التثنية: "الزيدان عسى أن يفعلا"، وفي الجمع: "الزيدون عسى أن يفعلوا". وتقول في المؤنّث: "هندٌ عسى أن تقوم"، و"الهندان عسى أن تقوما"، و"الهندات عسى أن يقمن"، فـ"عسى" في هذا الوجه منحطة عن درجةِ "لَيْس". ألا ترى أنّ "لَيْسَ" تتحمّل الضميرَ، ويظهر في التثنية والجمع، فتقول. "زيدٌ ليس قائمًا"، و"الزيدان ليسا قائمَيْن"، و"الزيدون ليسوا قيامًا". وليست "عسى" في هذا الوجه كذلك، فإنّها لا تتحمّل الضمير، ولذلك لا يظهر في تثنية، ولا جمع، وذلك لغلبة الحرفيّة عليها وجمودِها، وعدم تصرّفها لفظًا وحكمًا. أمّا اللفظ فظاهرٌ، ؤأمّا الحكم، فإنّها لزمت طريقةً واحدةً بأن لا يكَون منصوبها إلّا فعلًا، ولا يقع اسمًا إلّا ضرورةً، فتقول: "عسى زيدٌ أن يفعل"، ولا تقول: "عسى زيدٌ الفعلَ". وليست "ليْسَ" كذلك، فإنه يقع خبرُها فعلًا واسمًا، نحوَ: "ليس زيدٌ قائمًا"، وإن شئت "يَقُومُ". فلمّا انحطّت عنها مع الظاهر، انحطّت عنها مع المضمر. وأما الوجه الثالث. وهو قولهم: "عساك أن تفعل"، و"عساكما أن تفعلا"، و"عساكم أن تفعلوا"، ومنه قول رؤْبة [من الرجز]: يا أبَتَا عَلَّكَ أو عَساكَ (١) فذهب سيبويه (٢) إلى أن الكاف موضع نصب، وأنَّ خَبرَ "عسى" هنا مرفوع محذوف (٣)، وأنّ "عسى" هنا بمنزلةِ "لعلّ" تنصب الاسمَ وترفع الخبرَ، والخبر محذوف، كما أن "علّك" في قولك "علّك أو عساك" خبرُه محذوفٌ مرفوعٌ، والكاف اسمها، وهي

стр. 1746

منصوبة. والذي يدلّ على ذلك أنك إذا رددت الفعل إلى نفسك، قلت: "عساني". قال عِمران بن حطان الخارجيّ [من الوافر]: ولي نفسٌ أقول لها إذا ما ... تنازِعُني لَعَلّي أو عَسانِي (١) فالنون والياء فيما آخرُه ألفٌ لا يكون إلّا نصبًا، وكان لـ"عَسَى" في الإضمار هذه الحالُ، كما كان لـ"لَوْلا" في قولهم: "لَوْلايَ"، و"لَوْلاكَ" حالٌ ليست لها مع الظاهر، وكما كان لـ"لَدُنْ" مع "غُدْوَة" حالٌ ليست لها مع غيرها من الأسماء. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الكاف والياء والنون في موضعِ رفع، وحجّتُه أن لفظ النصب استعير للرفع في هذا الموضع، كما استعير لفظ الجرّ في "لولاي"، و"لولاك". والقول الثالث: قول أبي العبّاس المبرّد: إن الكاف والنون والياء في "عساك" و"عساني" في موضع نصب بأنّه خبرُ "عسى"، واسمُها مضمرٌ فيها مرفوعٌ، وجعله من الشاذ الذي جاء الخبر فيه اسمًا غير فعل، كقولهم: "عسى الغوير أبؤسًا" (٢). وحُكي عنه أيضًا أنه قدَّم الخبر لأنه فعل، وحذف الفاعل لعلم المخاطب، كما قالوا: "لَيْسَ إلّا"، فاعرفه. فصل [تصريف "كاد "] قال صاحب الكتاب: وتقول: "كاد يفعل" إلى "كدن"، و"كدت تفعل"، إلي "كدتن" , و"كدت أفعل"، و"كدنا". وبعض العرب يقولون: "كدت" بالضم. * * * قال الشارح: يشير بذلك إلى الفرق بين "كاد"، و"عسى"، وإن كان تصرّفُهما يجري على منهاج واحد كسائر الأفعال المتصرّفة، فتقول: "زيدٌ كاد يفعل"، فيكون في "كاد" ضميرٌ مرفوعٌ يعود إلى "زيد"، كما كان ذلك في "كانَ" من قولك: "زيدٌ كان قائمًا"، و"الزيدان كادا يقومان"، و"الزيدون كادوا يقومون"، كما تقول ذلك في "كانَ". وتقول في المؤنّث: "هندٌ كادت تقوم" كما تقول: "كانت". وفي التثنية: "كادتا"، وفي الجمع: "كِدْنَ". لمّا سكنت اللام لاتّصال ضمير الفاعل به. سقطت الألف لالتقاء الساكنين، وكذلك مع المخاطب والمتكلّم. واعلم أنهم قد اختلفوا في ألف "كاد": أمن الواو هي أم من الياء؟ والأمثلُ أن تكون من الواو، وأن تكون من باب "فَعِلَ يَفْعَلُ" مثلِ "علم يعلم". ونظيرُه من المعتلّ. "خِفْت أَخاف". وإنما قلتُ: إنها مَن الواو لأُمورٍ، منها أن انقلاب الألف إذا كانت عينًا

стр. 1747

عن الواو أضعافُ انقلابها عن الياء، والعملُ إنما هو على الأكثر. الثاني قولهم في مصدره: "كَوْدٌ". رْعم الأصمعيّ أنه سمع من العرب من يقول: "لا أفعلُ ذلك ولا كَوْدًا"، فقولهم: "كودٌ" في المصدر دليلٌ أنه من الواو، كما أن "القَوْلَ" دليل أنّ ألفَ "قالَ" من الواو. وقولُهم في المضارع: "يكاد" دليل أن ماضيه "فَعِلَ" بالكسر، نحوَ: "خاف يخاف"، و"نام ينام". فإذا اتّصل ضمير المتكلّم أو المخاطب، قلت: "كِدْتُ" بكسر الفاء لأنهم نقلوا كسرة العين إلى الفاء؛ ليكون ذلك أمارة على تصرّفه، ودليلا على المحذوف. ألا ترى أنهم لما لم يريدوا في "لَيْسَ" التصرّف، لم يغيّروا حركة الفاء، بل أبقوها مفتوحةً على ما كانت؟ وليس في كسر الفاء دليل أنّه من الياء كما لم يكن في "خِفْتُ" و"نِمْتُ" دلالة أنه من الياء. وتقول: "كِدْنا"، فيستوي لفظ الاثنين والجمع. وحكى سيبويه (١) عن بعض العرب. "كُدْتُ" بالضمّ، كأنه جعله "فَعَلَ يَفْعَلُ" بالفتح في الماضي والمستقبل، مثلَ: "رَكَنَ يَرْكَنُ"، و"أبَى يأبَى". وفي ذلك دلالةٌ أنه من الواو أيضًا؛ لأنّ النقل إلى "فَعُلَ" بالضمّ إنما يكون من الواو لا من الياء، فاعرفه. فصل [الفرق بين معني "عسي" ومعني "كاد "] قال صاحب الكتاب: والفصل بين معنيي "عسى", و"كاد" أن عسى لمقاربة الأمر على سبيل الرجاء والطمع، تقول: "عسى الله أن يشفي مريضك"، تريد أن قرب شفائه مرجو من عند الله تعالى مطموع فيه, و"كاد", لمقاربته على سبيل الوجود والحصول، تقول:"كادت الشمس تغرب"، تريد أن قربها من الغروب قد حصل. * * * قال الشارح: قد تقدّم الكلام على الفرق بين "عسى"، و"كاد"، بما أغنى عن إعادته. فصل [استعمال "كاد" منفيَّة "] قال صاحب الكتاب: وقوله : ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ (٢) على نفي مقاربة الرؤية، هو أبلغ من نفي نفس الرؤية, ونظيره قول ذي الرمة [من الطويل]: ١٠٣٦ - إذا غير الهجر المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح * * *

стр. 1748

قال الشارح: قد اضطربت آراءُ الجماعة في هذه الآية، فمنهم مَن نظر إلى المعنى، وأعرض عن اللفظ، وذلك أنه حمل الكلام على نفي المقاربة, لأنّ "كاد" معناها "قارَبَ"، فصار التقدير: لم يُقارِب رُؤْيَتَها، وهو اختيار الزمخشريّ. والذي شجّعهم على ذلك ما تضمّنته الآيةُ من المبالغة بقوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ (١). ومنهم من قال: التقدير: لم يَرَها، ولم يكد. وهو ضعيف؛ لأنّ "لَمْ يَكَدْ" إن كانت على بابها، فقد نُقض أوّلُ كلامه بآخره، وذلك أن قوله: "لم يرها" يتضمّن نفي الرؤية، وقوله: "ولم يكد" فيه دليلٌ على حصول الرؤية، وهما متناقضان. ومنهم من قال: إنّ "يكد" زائدةٌ، والمراد: لم يرها، وعليه أكثر الكوفيين. والذي أراه أنّ المعنى أنه يراها بعد اجتهاد ويَأسٍ من رؤيتها. والذي يدلّ على ذلك قول تأبّط شرًا [من الطويل]: فأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كدتُ آئِبًا (٢) والمراد: ما كِدتُ أؤُوبُ، كما يُقال: "سلمتُ وما كدتُ أسْلَمُ". ألا ترى أن المعنى: أنه آبَ إلى فهم، وهي قبيلةٌ، ثمّ أخبر أنّ ذلك بعد أن كاد لا يؤوب؟ وعلّةُ ذلك أنّ "كادَ" دخل لإفادة معنى المقاربة في الخبر، كما دخلت "كانَ" لإفادة الزمان في الخبر. فإذا دخل النفي على "كاد" قبلها كان أو بعدها، لم يكن إلّا لنفي الخبر، كأنك قلت: "إذا أخرج يده يكاد لا يراها"، فـ"كاد" هذه إذا استُعملت بلفظ الإيجاب، كان الفعل غيرَ واقع، وإذا اقترن بها حرفُ النفي، كان الفعل الذي بعدها قد وقع، هذا

стр. 1749

مقتضى اللفظ فيها، وعليه المعنى، والقاطعُ في هذا قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١)، وقد فعلوا الذبحَ بلا رَيبٍ. فأما قول ذي الرُّمّة [من الطويل]: إذا غيّر النأي المحبّين ... إلخ فقد قيل: إنه لمّا أنشده، أُنكر عليه، وقيل له: "فقد برح حُبّها"، فغَيَّرَه إلى قوله: "لم أجِدْ رسيسَ الهوى"، وعليه أكثرُ الرُّوَاة. وإن صحّت الرواية الأُولى، فصحّتُها مَحْمَلُها على زيادةِ "يكاد"، والمعنى: لم يبرح رسيسُ الهوى من حبّ ميّة. فهذا عليه أكثر الكوفيين، والشاعرُ لا يتقيّد بمذهب دون مذهب. ومثله قوله [من الكامل]: وتكاد تَكْسَلُ أن تجيءَ فِراشَها (٢) "تكاد" فيه زائدة، فاعرفه. فصل [استعمال "أوشك "] قال صاحب الكتاب: ومنها "أوشك" يستعمل استعمال عسى في مذهبيها، واستعمال "كاد". تقول: "يوشك زيد أن يجيء"، و"يوشك أن يجيء زيد"، و"يوشك زيد يجيء". قال [من المنسرح]: ١٠٣٧ - يُوشك من فرَّ من منيته ... في بعض غراته يوافقها * * *

стр. 1750

قال الشارح: اعلم أنّ "أوْشَكَ" يستعمل استعمالَ "عسى" في المقاربة، فيقال: "أوْشَكَ زيد أن يقومَ"، فـ "زيدٌ" فاعلٌ، و"أن يقوم" في موضع المفعول، والمراد: قارب زيدٌ القيامَ. ويُقال: "أوشك أن يقوم زيدٌ"، فتكون "أن" وما بعدها في موضع مرفوع كما كانت "عسى" كذلك، وقد أُسقط من خبرها "أنْ" تشبيهًا بـ"كاد"، نحوَ قولكَ: "أوشك زيدٌ يقوم". قال الشاعر [من المنسرح]: يوشك من فرّ ... إلخ البيت لأمُيَّةَ بن أبي الصَّلْت، والشاهد فيه إسقاط "أنْ" بعد "يوشك" تشبيهًا بـ"كاد"، كما أسقطت بعد "عسى" تشبيهًا بـ"كاد". ومعنَى "يوشك": يُقارِبُ، يُقال: "أوشك فلان أن يفعل كذا" إذا قارَبَه. وهو من السرعة من قولهم: "خرج وَشِيكًا"، أي: سريعًا، ومنه: "وُشْكُ البين"، أي: سرعة الفراق. فقولهم: "يوشك أن يفعل"، أي: يُسْرع. وضدُّه يُبطِئُ، أي: يُبعِد، ومعنَى "أنْ" فيه صحيحٌ؛ لأنه في معنَى يقرب أن يفعل. والغِرّةُ: الغَفْلة عن الدهر، ووقوعِ صروفه، أي: لا ينجِي من المنيّة شيءٌ، فاعرفه. فصل [استعمال أفعال الشروع] قال صاحب الكتاب: ومنها كرب وأخذ وجعل وطفق يستعملن إستعمال كاد. تقول: كرب يفعل، وجعل يقول ذاك، وأخذ يقول. وقال الله : ﴿وطفقا يخصفان﴾ (١). * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الأفعال تستعمل بمعنى المقاربة استعمالَ "كاد". تقول: "كَرَبَ يفعل"، كما تقول: "كاد يفعل" بمعنَى "قرب". ولا يكون الخبر إلّا فعلاً صريحًا، ولا يقع الاسم فيه كما لا يقع في خبر "كاد". ولم يسمع فيه "أنْ" ولا يمتنع معناه من ذلك، إذ كان معناه "قرب". وأنت لو قلت: "قرب أن يفعل"، لكان صحيحًا على معنَى: قرب فعلُه. وهو من قولهم: "كرب الشيءُ"، أي؛ دَنَا، و"إناءٌ كَرْبانُ": إذا قارب الامتلاء، ومنه "كربت الشمسُ"، أي: دنت للغروب.

стр. 1751

و"أخذ"، و"جعل"، و"طفق" كلّها بمعنى واحد، وهو مقاربةُ الشيء، والدخول فيه. ولا يكون الخبر فيها إلّا فعلاً محضًا. ولا يحسن دخولُ "أنْ" عليه؛ لأنهم أخرجوا الفعل فيه مُخْرَجَ اسم الفاعل، ولم يذهبوا به مذهبَ المصدر. فإذا قلت: "أخذ يفعل"، أو "جعل يفعلُ"، كان المعنى أنه داخلٌ في الفعل، فهو بمنزلةِ "زيدٌ يفعل" إذا كان في حالِ فعل، و"أخذ"، و"جعل" لتحقيق الدخول فيه، يقال: "طَفِقَ يفعل كذا" بمعنى: أخذ في فعله، قال الأخفش: وبعضهم يقول: "طَفَقَ" بالفتح، فاعرفه.

стр. 1752

ومن أصناف الفعل فعلا المدح والذم فصل [تعدادهما ولغاتهما] قال صاحب الكتاب: هما نعم وبئس، وُضعا, للمدح العام والذم العام، وفيهما أربع لغات: فعل بوزن حمد وهو أصلهما قال [من الرمل]: ١٠٣٨ - [ما أقلت قدمٌ ناعلها] ... نعم الساعون في الأمر المبر و"فَعْل وفِعل بفتح الفاء وكسرها وسكون العين, و"فِعِلَ", بكسرهما. وكذلك كل فعل أو اسم على "فِعِلَ" ثانية حرف حلق كـ "شهد" و"فخذ", ويستعمل ساء استعمال بئس قال الله : ﴿ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ (١). * * *

стр. 1753

قال الشارح: اعلم أنّ "نعم"، و"بئس"، فعلان ماضيان، فـ "نعم" للمدح العامّ، و"بئس"، للذم العام. والذي يدلّ أنهما فعلان أنك تُضمِر فيهما، وذلك أنه إذا قلت: "نعم رجلًا زيدٌ". و"نعم غلامًا غلامُك" لا تضمر إلّا في الفعل. وربّما برز ذلك الضمير واتصل بالفعل على حدّ اتصاله بالأفعال. قالوا: "نِعْما رجلَيْن"، و"نِعْمُوا رجالاً" كما، تقول: "ضربا"، و"ضربوا". حكى ذلك الكسائيّ عن العرب. ومن ذلك أن تلحقها تاءُ التأنيث الساكنةُ، وصلاً ووقفًا كما تلحق الأفعالَ، نحوَ: "نِعْمَتِ الجاريةُ هندٌ"، و"بِئْسَتِ الجاريةُ جاريتُك"، كما تقول: "قامت هندٌ"، و"قعدت". وأيضًا فإنّ آخِرهما مبنيّ على الفتح من غيرِ عارض عرض لهما، كما تكون الأفعال الماضية كذلك، إلّا أنهما لا يتصرّفان، فلا يكون منهما مضارع، ولا اسمُ فاعل. والعلّةُ في ذلك أنهما تضمّنا ما ليس لهما في الأصل. وذلك أنهما نُقلا من الخبر إلى نفس المدح والذمّ، والأصل في إفادة المعاني إنما هي الحروف، فلمّا أفادت فائدةَ الحروف، خرجت عن بابها، ومُنعت التصرّفَ كـ"لَيسَ"، و"عسى". هذا مذهب البصريين والكسائي من الكوفيين، وذهب سائر الكوفيين (١) إلى أنهما اسمان مبتدآن، واحتجّوا لذلك بمفارَقتهما الأفعالَ بعدم التصرّف، فإنّه قد تدخل عليهما حروف الجرّ، وحكوا: "ما زيد بنِعمَ الرجلُ"، وأنشدوا لحَسان بن ثابت [من الطويل]: ١٠٣٩ - ألَستُ بنِعْمَ الجارُ يُؤْلَفُ بَيتُه ... أخا قِلَّةٍ أو مُعْدِمَ المالِ مُضرِما

стр. 1754

وحكى الفرّاء أن أعرابيًا بُشّر بمولودة، فقيل له: "نعمَ المولودةُ مولودتُك"، فقال: "والله ما هي بنِعْمَ المولودةُ". وحكوا:"يا نِعْمَ المَوْلَى، ونِعْمَ النصيرُ". فنداؤُهم إيّاه دليل على أنه اسمٌ. والحقّ ما ذكرناه. وأمّا دخول حرف الجرّ، فعلى معنى الحكاية، والمراد: ألست بجارٍ مقولٍ فيه: "نِعْمَ الجارُ"، وكذلك البواقي. وأمّا النداء فعلى تقدير حذف المنادَى، والمعنى: يا مَنْ هو نعم المولى ونعم النصيرُ، كما قال سبحانه: ﴿ألَا يَا اسْجُدُوا﴾ (١)، والمراد: ألا يا قومُ اسجدوا، أو يا هؤلاء اسجدوا. وفيها أربع لغات: "نَعِمَ" على زنة "حَمِدَ" و"عَلِمَ"، وهو الأصل، و"نِعِمَ" بكسر الفاء والعين، و"نَعْمَ" بفتح الفاء، وسكون العين، و"نِعْمَ" بكسر الفاء وسكون العين. وليس ذلك شيئًا يختصّ هذَيْن الفعلَيْن، وإنّما هو عمل في كلّ ما كان على "فَعِلَ" ممّا عينه حرفُ حلق، اسمًا كان أو فعلًا، نحوَ: "فَخِذٍ"، وَ"شَهِدَ"، فإنّه يسوغ فيهما، وفي كلِّ ما كان مثلهما أربعةُ أوجه. والعلّةُ في ذلك أن حرف الحلق يُستثقل إذا كان مستفِلًا وإخراجُه كالتهوّع، فلذلك آثروا التخفيفَ فيه، وكلُ ما كان أشدّ تسفّلًا، كان أكثرَ استثقالًا. فمن قال: "نَعِمَ"، وَ"بَئِسَ"، بكسر العين وفتح الفاء، فقد أتى بهما على الأصل، وقد قرأ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (٢) ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيّ (٣)، والذي يدلّ أن هذا البناء هو الأصل أنه يجوز فيه أربعة أوجه. وذلك إنما يكون فيما كان على "فَعِلَ" ممّا عينه حرف حلق، وأيضًا فإنّه لا يخلو من أن يكون "فَعَلَ"، أو "فَعِلَ"، أو"فَعُلَ"، فلا يكون "فَعَلَ" بالفتح، إذ لو كان مفتوح العين، لم يجز إسكانُه لخفّة الفتحة، ألا ترى أنهم لم يقولوا في نحو "جَبَلٍ"، و"حَمَلٍ": "جَبْلٌ"، و"حَمْلٌ"، كما قالوا: "كَتْفٌ"، و"عَضْدٌ" في "كَتِفٍ"، و"عَضُدٍ"؛ وكسرُ أوّلهما دليلٌ على أنه "فَعِلَ" دون "فَعُلَ" بالضمّ؛ لأنّ الثاني لو كان مضمومًا، لم يجز كسرُ الأوّل؛ لأنه لا كسرةَ بعده. فيكسرَ الأوّل للكسرة التي بعده، وليس في أبنية الثلاثيّ من الأفعال الماضية التي تسمّى فاعلوها، إلّا هذه الأقسام الثلاثة، فصحّ بما ذكرناه أنّه "فَعِلَ" مثلُ "عَلِمَ".

стр. 1755

ومن قال. "نِعِمَ" بكسر الفاء والعين، أتبع الكسر الكسرَ؛ لأن الخروج من الشيء إلى مثله أخفّ من الخروج إلى ما يخالفه. ومن ذلك: "مِنتِنٌ"، و"مِنْخِرٌ"، بكسر الميم إتباعًا لِما بعدها. وعليه قراءةُ زيد بن عليّ، والحسن ورُؤْبة: ﴿الْحَمْدِ لِلَّهِ﴾ (١) بكسر الدال. ومن قال: "نَعْمَ" بفتح النون وسكون العين، فإنه أسكن العين تخفيفًا، كما قالوا في "كَتِفٍ"، "كَتْفٌ"، وفي "فَخِذٍ": "فَخذٌ". وقد قرأ يحيى بن وثاب ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢). ومنه قول الشاعر [من الطويل]: ١٠٤٠ - فإنْ أهَجُهُ يَضجَرْ كما ضَجْرَ بازِلٌ ... مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتاه وغارِبُهْ أراد: ضَجِرَ، وَدَبِرَتْ، فأسكن تخفيفًا، ومن قال: نِعْمَ بكسر النون وسكون
следующие страницы →