← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

و"أخذ"، و"جعل"، و"طفق" كلّها بمعنى واحد، وهو مقاربةُ الشيء، والدخول فيه. ولا يكون الخبر فيها إلّا فعلاً محضًا. ولا يحسن دخولُ "أنْ" عليه؛ لأنهم أخرجوا الفعل فيه مُخْرَجَ اسم الفاعل، ولم يذهبوا به مذهبَ المصدر. فإذا قلت: "أخذ يفعل"، أو "جعل يفعلُ"، كان المعنى أنه داخلٌ في الفعل، فهو بمنزلةِ "زيدٌ يفعل" إذا كان في حالِ فعل، و"أخذ"، و"جعل" لتحقيق الدخول فيه، يقال: "طَفِقَ يفعل كذا" بمعنى: أخذ في فعله، قال الأخفش: وبعضهم يقول: "طَفَقَ" بالفتح، فاعرفه.

стр. 1752

ومن أصناف الفعل فعلا المدح والذم فصل [تعدادهما ولغاتهما] قال صاحب الكتاب: هما نعم وبئس، وُضعا, للمدح العام والذم العام، وفيهما أربع لغات: فعل بوزن حمد وهو أصلهما قال [من الرمل]: ١٠٣٨ - [ما أقلت قدمٌ ناعلها] ... نعم الساعون في الأمر المبر و"فَعْل وفِعل بفتح الفاء وكسرها وسكون العين, و"فِعِلَ", بكسرهما. وكذلك كل فعل أو اسم على "فِعِلَ" ثانية حرف حلق كـ "شهد" و"فخذ", ويستعمل ساء استعمال بئس قال الله : ﴿ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ (١). * * *

стр. 1753

قال الشارح: اعلم أنّ "نعم"، و"بئس"، فعلان ماضيان، فـ "نعم" للمدح العامّ، و"بئس"، للذم العام. والذي يدلّ أنهما فعلان أنك تُضمِر فيهما، وذلك أنه إذا قلت: "نعم رجلًا زيدٌ". و"نعم غلامًا غلامُك" لا تضمر إلّا في الفعل. وربّما برز ذلك الضمير واتصل بالفعل على حدّ اتصاله بالأفعال. قالوا: "نِعْما رجلَيْن"، و"نِعْمُوا رجالاً" كما، تقول: "ضربا"، و"ضربوا". حكى ذلك الكسائيّ عن العرب. ومن ذلك أن تلحقها تاءُ التأنيث الساكنةُ، وصلاً ووقفًا كما تلحق الأفعالَ، نحوَ: "نِعْمَتِ الجاريةُ هندٌ"، و"بِئْسَتِ الجاريةُ جاريتُك"، كما تقول: "قامت هندٌ"، و"قعدت". وأيضًا فإنّ آخِرهما مبنيّ على الفتح من غيرِ عارض عرض لهما، كما تكون الأفعال الماضية كذلك، إلّا أنهما لا يتصرّفان، فلا يكون منهما مضارع، ولا اسمُ فاعل. والعلّةُ في ذلك أنهما تضمّنا ما ليس لهما في الأصل. وذلك أنهما نُقلا من الخبر إلى نفس المدح والذمّ، والأصل في إفادة المعاني إنما هي الحروف، فلمّا أفادت فائدةَ الحروف، خرجت عن بابها، ومُنعت التصرّفَ كـ"لَيسَ"، و"عسى". هذا مذهب البصريين والكسائي من الكوفيين، وذهب سائر الكوفيين (١) إلى أنهما اسمان مبتدآن، واحتجّوا لذلك بمفارَقتهما الأفعالَ بعدم التصرّف، فإنّه قد تدخل عليهما حروف الجرّ، وحكوا: "ما زيد بنِعمَ الرجلُ"، وأنشدوا لحَسان بن ثابت [من الطويل]: ١٠٣٩ - ألَستُ بنِعْمَ الجارُ يُؤْلَفُ بَيتُه ... أخا قِلَّةٍ أو مُعْدِمَ المالِ مُضرِما

стр. 1754

وحكى الفرّاء أن أعرابيًا بُشّر بمولودة، فقيل له: "نعمَ المولودةُ مولودتُك"، فقال: "والله ما هي بنِعْمَ المولودةُ". وحكوا:"يا نِعْمَ المَوْلَى، ونِعْمَ النصيرُ". فنداؤُهم إيّاه دليل على أنه اسمٌ. والحقّ ما ذكرناه. وأمّا دخول حرف الجرّ، فعلى معنى الحكاية، والمراد: ألست بجارٍ مقولٍ فيه: "نِعْمَ الجارُ"، وكذلك البواقي. وأمّا النداء فعلى تقدير حذف المنادَى، والمعنى: يا مَنْ هو نعم المولى ونعم النصيرُ، كما قال سبحانه: ﴿ألَا يَا اسْجُدُوا﴾ (١)، والمراد: ألا يا قومُ اسجدوا، أو يا هؤلاء اسجدوا. وفيها أربع لغات: "نَعِمَ" على زنة "حَمِدَ" و"عَلِمَ"، وهو الأصل، و"نِعِمَ" بكسر الفاء والعين، و"نَعْمَ" بفتح الفاء، وسكون العين، و"نِعْمَ" بكسر الفاء وسكون العين. وليس ذلك شيئًا يختصّ هذَيْن الفعلَيْن، وإنّما هو عمل في كلّ ما كان على "فَعِلَ" ممّا عينه حرفُ حلق، اسمًا كان أو فعلًا، نحوَ: "فَخِذٍ"، وَ"شَهِدَ"، فإنّه يسوغ فيهما، وفي كلِّ ما كان مثلهما أربعةُ أوجه. والعلّةُ في ذلك أن حرف الحلق يُستثقل إذا كان مستفِلًا وإخراجُه كالتهوّع، فلذلك آثروا التخفيفَ فيه، وكلُ ما كان أشدّ تسفّلًا، كان أكثرَ استثقالًا. فمن قال: "نَعِمَ"، وَ"بَئِسَ"، بكسر العين وفتح الفاء، فقد أتى بهما على الأصل، وقد قرأ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (٢) ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيّ (٣)، والذي يدلّ أن هذا البناء هو الأصل أنه يجوز فيه أربعة أوجه. وذلك إنما يكون فيما كان على "فَعِلَ" ممّا عينه حرف حلق، وأيضًا فإنّه لا يخلو من أن يكون "فَعَلَ"، أو "فَعِلَ"، أو"فَعُلَ"، فلا يكون "فَعَلَ" بالفتح، إذ لو كان مفتوح العين، لم يجز إسكانُه لخفّة الفتحة، ألا ترى أنهم لم يقولوا في نحو "جَبَلٍ"، و"حَمَلٍ": "جَبْلٌ"، و"حَمْلٌ"، كما قالوا: "كَتْفٌ"، و"عَضْدٌ" في "كَتِفٍ"، و"عَضُدٍ"؛ وكسرُ أوّلهما دليلٌ على أنه "فَعِلَ" دون "فَعُلَ" بالضمّ؛ لأنّ الثاني لو كان مضمومًا، لم يجز كسرُ الأوّل؛ لأنه لا كسرةَ بعده. فيكسرَ الأوّل للكسرة التي بعده، وليس في أبنية الثلاثيّ من الأفعال الماضية التي تسمّى فاعلوها، إلّا هذه الأقسام الثلاثة، فصحّ بما ذكرناه أنّه "فَعِلَ" مثلُ "عَلِمَ".

стр. 1755

ومن قال. "نِعِمَ" بكسر الفاء والعين، أتبع الكسر الكسرَ؛ لأن الخروج من الشيء إلى مثله أخفّ من الخروج إلى ما يخالفه. ومن ذلك: "مِنتِنٌ"، و"مِنْخِرٌ"، بكسر الميم إتباعًا لِما بعدها. وعليه قراءةُ زيد بن عليّ، والحسن ورُؤْبة: ﴿الْحَمْدِ لِلَّهِ﴾ (١) بكسر الدال. ومن قال: "نَعْمَ" بفتح النون وسكون العين، فإنه أسكن العين تخفيفًا، كما قالوا في "كَتِفٍ"، "كَتْفٌ"، وفي "فَخِذٍ": "فَخذٌ". وقد قرأ يحيى بن وثاب ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢). ومنه قول الشاعر [من الطويل]: ١٠٤٠ - فإنْ أهَجُهُ يَضجَرْ كما ضَجْرَ بازِلٌ ... مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتاه وغارِبُهْ أراد: ضَجِرَ، وَدَبِرَتْ، فأسكن تخفيفًا، ومن قال: نِعْمَ بكسر النون وسكون

стр. 1756

العين، وهي اللغة الفاشية، فإنه أسكن بعد الإتباع، كما قالوا في "إبِلٍ": "إبْلٌ"، وعليه أكثر القُرّاء. وقد يستعمل "ساءَ" استعمالَ "بِئْسَ" بمعنى الذمّ، فيقال: "ساءَ رجلًا زيدٌ"، كما تقول: "بئس رجلاً زيدٌ"، فيكون في "ساء" ضمير مستتر يفسّره الظاهرُ، كما يكون في "بئس". وهو من "ساءَه الشيءُ يَسُوؤه" ضدُّ "سَرَّه". فإذا نقلته إلى معنَى "بئس"، نقلته إلى "فَعُلَ" بضمّ العين، وصار لازمًا بعد أن كان متعدّيًا، فيصير تقديره: "سَوُءَ"، مثلَ: "فَقُهَ"، و"شَرُف". وإنما قلبت الواو ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها على حدّ "طال". قال الله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ (١). وقال قوم: لك أن تذهب بسائر الأفعال إلى مذهب "نعم" و"بئس"، فتُحوّلها إلى "فَعُلَ"، فتقول: "عَلُمَ الرجلُ زيدٌ"، و"جادَ الثوبُ ثوبُه"، و"طَابَ الطعامُ طعامُه". وإذا تعجّبتَ، فهو مثلُ: "نعم الرجلُ زيدٌ" تَمْدَح، وأنت متعجّبٌ، وحكي عن الكسائيّ أنه كان يقول في هذا: "قَضُوَ الرجل"، و"دَعُوَ الرجل"، إذا أجاد القضاء وأحسن الدعاء. قال الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣). وكلُّ ما كان من ذلك بمعنى "نعم"، و"بئس"، يجوز نقلُ حركة وسطه إلى أوّله، وإن شئت، تركت أوّلَه على حاله، وسكّنت وسطه، فتقول: "ظُرْفَ الرجلُ زيدٌ"، و"ظَرْفَ الرجلُ زيد"، فمن قال: "ظُرْفَ"، فأصله: "ظَرُفَ" نقل الضمّة إلى الظاء للإيذان بالمراد والأصلِ، ومن قال: "ظَرْفَ" بفتح الظاء، لم ينقل، وتركها على حالها ثقة بدليل الحال، كما قال [من الطويل]: ١٠٤١ - فقلتُ اقْتُلُوها عَنْكُمُ بِمِزاجِها ... وحُبّ بها مَقتُولَةٌ حينَ تُقْتَلُ

стр. 1757

يروى بفتح الحاء وضمّها. ولا تنتقل حركةُ وسطه إلى أوّله، إلّا إذا كان بمعنى "نعم" و"بئس". فصل [أحكام فاعلهما وما بعده] قال صاحب الكتاب: وفاعلهما إما مظهر معرف باللام، أو مضاف إلى المعرف به، وإما مضمر مميز بنكرة منصوبة. وبعد ذلك اسم مرفوع هو المخصوص بالذم أو المدح. وذلك قولك: نعم الصاحب أو نعم صاحب القوم زيد، وبئس الغلام أو بئس غلام الرجل بِشرٌ، ونعم صاحبا زيدٌ وبئس غلاماً بشر. * * * قال الشارح: قد ثبت بما ذكرناه كونُ "نعم"، و"بئس" فعلَيْن. وإذا كانا فعلين، فلا بدّ لكلّ واحد منهما من فاعل ضرورةَ انعقاد الكلام واستقلالِ الفائدة. وفاعلاهما على ضربَيْن: أحدهما: أن يكون الفاعل اسمًا مظهرًا فيه الألف واللام، أو مضافًا إلى ما فيه الألف واللام. والضرب الآخر: أن يكون مضمرًا، فيفسّر بنكرة منصوبة. مثالُ الأوّل "نعم الرجلُ عبدُ الله"، و"بِئسَتِ المرأةُ هندٌ"، والمضاف إلى ما فيه الألف واللام، نحو: "نعم غلامُ الرجل عمرٌو"، و"بئس صاحبُ المرأة بشرٌ". فالألف واللام هنا لتعريف الجنس، وليست للعهد، إنما هي على حدّ قولك: "أهلَكَ الناسَ الدرهمُ والدينارُ"، و"أخافُ الأسدَ والدُّبَّ". ولست تعني واحدًا من هذا الجنس بعينه، إنما تريد مطلقَ هذا الجنس من نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (١). ألا ترى أنه لو أراد معيَّنًا، لَمَا جاز الاستثناء منه

стр. 1758

بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١). ولو كان (٢) للعهد، لم يجز وقوعُه فاعلاً لِـ"نعم"، أو "بئس"، لو قلت: "نعم الرجلُ الذي كان عندنا"، أو "نعم الذي في الدار"، لم يجز. وقول صاحب الكتاب: "وفاعلهما إمّا مظهر معرّف باللام أو مضاف إلى المعرّف به"، يريد تعريف الجنس لا غير؛ وأمّا إطلاقُه فليس بالجيّد. فإن قيل: ولِمَ لا يكون الفاعل إذا كان ظاهرًا إلّا جنسًا؟ قيل: لوجهَيْن: أحدهما: ما يحكى عن الزجّاج أنّهما لمّا وُضعا للمدح العامّ والذمّ الْعامّ؛ جُعل فاعلُهما عامًّا ليُطابِق معناهما، إذ لو جُعل خاصًّا، لكان نقضًا للغرض؛ لأنّ الفعل إذا أسند إلى عامّ، عَمّ، وإذا أسند إلى خاصّ، خَصّ. وقد تقدّم نحو ذلك في الخطبة. الوجه الثاني: أنهم جعلوه جنسًا ليدلّ أن الممدوح والمذموم مستحِق للمدح، والذمّ في ذلك الجنس، فإذا قلت: "نعم الرجلُ زيدٌ"، أعلمت أن زيدًا الممدوح في الرجال من أجل الرُّجُوليّة، وكذلك حكم الذمّ. وإذا قلت: "نعم الظريفُ زيدُ"، دللت بذكر "الظريف" أنّ زيدًا ممدوحٌ في الظراف من أجل الطَّرْف. ولو قلت: "نعم زيدٌ". لم يكن في اللفظ ما يدلّ على المعنى الذي استحقّ به زيدٌ المدحَ؛ لأنّ لفظ "نعم" لا يختصّ بنوع من المدح دون نوع، ولفظُ "زيد" أيضًا لا يدلّ إذ كان اسمًا عَلَمًا وُضع للتفْرِقة بينه وبين غيره، فأسند إلى اسم الجنس ليدلّ أنه ممدوح، أو مذموم في نوع من الأنواع. والمضافُ إلى ما فيه الألف واللام بمنزلةِ ما فيه الألف واللام، يعمل "نعم" و"بئس" فيه كما يعمل في الأوّل، وإنما ذكرنا اسم الجنس، على عادة النحويين إذ كانوا لا يفرقون بين الجنس والنوع؛ لأنهم يقصدون بهما الاحتواء على الأشخاص، وهما في هذا الحكم واحد. الثاني: وهو ما كان فاعله مضمرًا قبل الذكر، فيفسّر بنكرة منصوبة، نحوُ قولك: "نعم رجلًا زيدٌ"، و"بئس غلامًا عمرٌو"، ففي كلّ واحد من "نعم"، و"بئس" فاعلٌ أُضْمر قبل أن يتقدّمه ظاهرٌ، فلزم تفسيرُه بالنكرة؛ ليكون هذا التفسير في تبيِينه بمنزلة تقدم الذكر له. والأصلُ في كلّ مضمر أن يكون بعد الذكر، والمضمرُ ها هنا الرجل في "نعم رجلًا"، و"الغلامُ" في "بئس غلامًا" استُغني عنه بالنكرة المنصوبة التي فسّرتْه؛ لأنّ كل مبهم من الأعداد إنّما يفسّر بالنكرة المنصوبة. ونصبُ النكرة هنا على التمييز، وقيل: على التشبيه بالمفعول؛ لأنّ الفعل فيه ضميرُ فاعل، وإنّما خصّوا بهذا أبوابًا معيّنةً. فإن قيل: فلِمَ خُصَّت "نعم"، و"بئس"، بهذا الإضمار فيهما؟ قيل: لأنّ المضمر قبل الذكر على شريطة التفسير فيه شِبْةٌ من النكرة، إذ كان لا يُفْهَم إلى من يرجع حتى

стр. 1759

يُفسَّر. وقد بيّنّا أن "نعم" و"بئس" لا تليهما معرفةٌ محضةٌ، فضارَعَ المضمرُ هنا ما فيه الألف واللام من أسماء الأجناس. فإن قيل: فما الفائدةُ في هذا الإضمار؟ وهلّا اقتصروا على قولهم: "نعم الرجلُ زيدٌ"، قيل: فيه فائدتان: إِحداهما التوسّع في اللغة، والأُخرى التخفيف، فإنّ لفظ النكرة أخفّ ممّا فيه الألف واللام. وقد جاء فاعل "نعم" و"بئس" على غير هذَيْن المذهبَيْن، قالوا: "نعم غلامُ رجلٍ زيدٌ"، فرفعوا بـ"نعم" النكرة المضافة إلى ما لا ألف ولا لام فيه. زعم الأخفش أن بعض العرب يقول ذاك، وأنشد لحسّان بن ثابتٍ، وقيل هو لكَثِير بن عبد الله النَّهشليّ [من البسيط]: ١٠٤٢ - فنِعْمَ صاحبُ قَومٍ لا سِلاحَ لهم ... وصاحبُ الرَّكْبِ عثمانُ بن عَفّانا قال أبو عليّ: وذلك ليس بالشائع، ولا يجوز ذلك على مذهب سيبويه؛ لأنّ المرفوع بـ"نعيم" و"بئس" لا يكون إلّا دالًا على الجنس، لو قلت: "أهلكَ الناسَ شاةٌ وبعيرٌ"، لم يدلّ على الجنس كما يدلّ عليه الشاة والبعير. ولو نصبت "صاحب قوم" في غير هذا البيت على التفسير، لجاز كما تنصب النكرة المفردة في نحو قولك: "نعم رجلًا"، لكنّه ضعيفٌ ها هنا؛ لعطفك في قولك: "وصاحب الركب عثمان". والمرفوعُ لا يعطف على المنصوب. وكان الذي حسّن ذلك في البيت قوله: "وصاحب الركب"، لمّا عطف عليه ما فيه الألف واللام، دلّ على أنهما في المعطوف عليه مرادُه؛ لأنّ المعنى واحد، فاعرفه.

стр. 1760

فصل [الجمع بين فاعلهما وتمييزهما] قال صاحب الكتاب: وقد يجمع بين الفاعل الظاهر وبين المميز تأكيداً, فيقال نعم الرجل رجلاً زيد. قال جرير [من الوافر]: ١٠٤٣ - تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا * * * قال الشارح: قد اختلف الأئمّة في هذه المسألة، فمنع سيبويه من ذلك، وأنّه لا يُقال: "نعم الرجلُ رجلًا زيدٌ"، وكذلك السيرافيّ، وأبو بكر بن السرّاج. وأجاز ذلك المبرّد وأبو علي الفارسيّ. واحتجّ في ذلك سيبويه بأن المقصود من المنصوب والمرفوع الدلالة على الجنس، وأحدُهما كافٍ عن الآخر. وأيضًا فإنّ ذلك ربما أوْهَمَ أن الفعل الواحد له فاعلان، وذلك أنك رفعت اسمَ الجنس بأنّه فاعلٌ، وإذا نصبت النكرة بعد ذلك، آذنتَ بأنّ الفعل فيه ضميرُ فاعل, لأنّ النكرة المنصوبة لا تأتي إلّا كذلك. وحجّةُ المبرّد في الجواز الغُلُوُّ في البيان والتأكيدِ. والأوّل أظهرُ، وهو الذي أراه لِما ذكرناه. فأما بيت جرير وهو [من الوافر]: تزوّد مثل ... إلخ

стр. 1761

فإنّه أنشده شاهدًا على ما ادّعى من جواز ذلك، فإنّه رفع "الزاد" المعرّف بالألف واللام بأنّه فاعلُ "نعم"، و"زاد أبيك" هو المخصوص بالمدح، و"زادًا" تمييزٌ وتفسيرٌ. والقولُ عليه: إنّا لا نُسلِّم أنّ "زادًا" منصوب بـ"نعم"، وإنما هو مفعول به لـ"تَزَوَّدْ"، والتقدير: تزوّدْ زادًا مثلَ زاد أبيك فينا. فلمّا قدَّم صفتَه عليه، نصبها على الحال. ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكّدًّا محذوفَ الزوائد، والمراد: تزوّد تَزَوُّدًا، وهو قول الفرّاء. ويجوز أن يكون "الزاد" تمييزا لقوله: "مثل زاد أبيك فينا"، كما يُقال: "لي مثلُه رجلاً". وعلى تقديرِ أن يكون العامل فيه "نعم"، فإنّ ذلك من ضرورة الشعر، هكذا قال أبو بكر بن السرّاج، وما ثبت للضرورة يتقدّر بقدر الضرورة، ولا يجعل قياسًا. ومثله قول الأسود بن شَعُوب [من الوافر]: ١٠٤٤ - ذَراني أصْطَبِحْ يا بَكْرُ إنّي ... رأيتُ الموتَ نَقَّبَ عن هِشامِ تَخَيَّرَهُ ولم يَعْدِلْ سِواهُ ... ونِعْمَ المَرْءُ مِن رَجُلٍ تَهامِ

стр. 1762

فقوله: "من رجل تهام" كقوله: "رجلًا"؛ لأنّ "من" تدخل على التمييز، وذلك كلّه من ضرورة الشعر، فاعرفه. فصل [فاعل "نِعْم" ومميزه في قوله تعالي: ﴿فنعمّا هي﴾] قال صاحب الكتاب: وقوله تعالى: ﴿فنعما هي﴾ (١): "نعم" فيه مسند إلى الفاعل المضمر، ومميزه "ما", وهي نكرة لا موصولة ولا موصولة، والتقدير فنعم شيئاً هي. * * * قال الشارح: اعلم أنّ "ما" قد تستعمل نكرةً تامّةً غير موصوفة، ولا موصولة على حدّ دخولها في التعجّب، نحوِ: "ما أحسن زيدًا"، والمراد: "شيءٌ أحسنه"، ولذلك من الاستعمال قد يفسّر بها المضمرُ في باب "نعم"، كما يفسّر بالنكرة المحضة، فيقال: "نعم ما زيدٌ"، أي: "نعم الشيءُ شيئًا زيدٌ". وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (٢)، فـ "ما" هنا بمعنى شيء، وهي نكرة في موضع نصب على التمييز مُبيَّنة للضمير المرتفع بـ"نعم"، والتقدير: "نعم شيئًا هي"، أي: نعم الشيءُ شيئًا هي. فـ "هِيَ" ضميرُ "الصدقات"، وهو المقصود بالمدح. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٣)، فـ "ما" في موضع نصب تمييز للمضمر، و"يعظكم به" صفة للمخصوص بالمدح، وهو محذوف، والتقدير: "نعم الشيءُ شيئًا يعظكم به"، أي: نعم الوَعْظُ وعظًا يعظكم به. وحذف الموصوف على حدّ قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٤) والمعنى: قوم يحرّفون، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ (٥)، أي: قوم. وكان الكسائيّ يجيز "نعم الرجلُ يقومُ، وقامَ، وعِنْدَكَ"، والمراد: رجلٌ يقوم، ورجلٌ قام، ورجلٌ عندك. ومنع ابنُ السرّاج من ذلك وأباه، واحتجّ بأن الفعل لا يقوم مقام الاسم، وإنما تُقام الصفاتُ مقام الأسماء لأنها أسماءٌ يدخل عليها ما يدخل على الأسماء، وإن جاء من ذلك شيءٌ، فهو شاذّ عن القياس، فسبيلُه أن يُخفَظ ولا يُقاس عليه. فصل [مذهبا رفع الاسم المخصوص] قال صاحب الكتاب: وفي ارتفاع المخصوص مذهبان: أحدهما أن يكون مبتدأ خبره ما تقدمه من الجملة، كأن الأصل "زيدٌ نعم الرجل" والثاني أن يكون خبر مبتدأ

стр. 1763

محذوف تقديره: "نعم الرجل هو زيد", فالأول على كلام والثاني على كلامين. * * * قال الشارح: اعلم أن المخصوص بالمدح أو الذمّ "عبد الله" مَثَلاً من قولك: "نعم الرجلُ عبدُ الله" مرفوع (١) وفي ارتفاعه وجهان: أحدهما أن يكون مبتدأ، وما تقدّم من قولك: "نعم الرجل" هو الخبر، وإنّما أُخّر المبتدأ، والأصل: "عبدُ الله نعم الرجلُ"، كما تقول: "مررت به المسكينُ"، تريد: "المسكينُ مررتُ به". وأمّا الراجع إلى المبتدأ، فإن "الرجل" لمّا كان شائعًا ينتظم الجنسَ، كان "عبدُ الله" داخلًا تحته، إذ كان واحدًا منه، فارتبط به. والقصدُ بالعائد ربطُ الجملة التي هي خبرٌ بالمبتدأ؛ ليعلم أنها حديثٌ عنه، فصار دخولُه تحت الجنس بمنزلة الذكر الذي يعود عليه، فأجروا الذكرَ المعنويّ مجرى الذكر اللفظيّ. ومثله قول الشاعر [من الطويل]: ١٠٤٥ - فأمّا صُدُور لا صدورَ لجَعْفَرٍ ... ولكن أعْجازًا شديدًا ضَرِيرُها (٢) فالصدور مبتدأ، وقوله: "لا صدورَ لجعفر" جملة في موضع الخبر. ولمّا كان النفي عامًّا شمل "الصدورَ" الأوّلَ، ودخل الأوّلُ تحته، فصار لذلك بمنزلة الذكر العائد. ونحوه قول الآخر [من الطويل]: ١٠٤٦ - فأمّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيْكُمُ ... ولكنّ سَيْرًا في عِراض المَواكِبِ

стр. 1764

وإنما أُخّر المبتدأ، وحقّه أن يكون مقدّمًا لأمرَيْن: أحدُهما: أنّه لمّا تضمّن المدحَ العامّ أو الذّمّ، جرى مجرى حروف الاستفهام في دخولها لمعنى زائد. فكما أن حروف الاستفهام متقدّمة، فكذلك ما أشبهها. الأمر الثاني: أنه كلامٌ يجري مجرى المثل، والأمثالُ لا تُغيَّر، وتحمل على ألفاظها، وإن قاربتِ اللَّحْنَ. والوجه الثاني من وجهَي رفع المخصوص أن يكون "عبد الله" في قولك: "نعم الرجلُ عبدُ الله" خبرَ مبتدأ محذوف، كأنّه لمّا قيل: "نعم الرجل"، فُهِمَ منه ثناءٌ على واحد من هذا الجنس، فقيل: "مَن هذا الذي أُثْنِيَ عليه؟ " فقال: عبدُ الله، أي: هو عبد الله. وهذا من المبتدآت التي تُقدَّر ولا تُظهر. فعلى الوجه الأوّل يكون "نعم الرجلُ" له موضعٌ من الإعراب، وهو الرفع بأنّه خبرٌ عن "عبد الله"، ويكون الكلام جملة واحدة من مبتدأ وخبر. وعلى الوجه الآخر يكون جملتَين: جملة أُولَى فعليّة لا موضع لها من الإعراب، وجملة ثانية اسميّة كالمفسْرة للجملة الأولى. وليست إحداهما متعلّقة بالأُخرى تعلُّقَ الخبر كما كانت الأولى كذلك، فالأُولى على كلام واحد، والثانيةُ على كلامَيْن. فصل [حذف المخصوص] قال صاحب الكتاب: وقد يحذف المخصوص إذا كان معلوماً, كقوله تعالى:

стр. 1765

﴿نعم العبد﴾ (١) , أي: "نعم العبد أيوب"، وقوله تعالى: ﴿فنعم الماهدون﴾ (٢) أي فنعم الماهدون نحن. * * * قال الشارح: الأصل أن يُذْكَر المخصوص بالمدح أو الذمّ للبيان، إلَّا أنه قد يجوز إسقاطه وحذفُه إذا تقدّم ذكره، أو كان في اللفظ ما يدل عليه. وأكثرُ ما جاء في الكتاب العزيز محذوفًا. قال الله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٣)، والمراد: أيُّوبُ ﵇، ولم يذكره لتقدّم قصّته. وقال: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (٤)، أي: فنعم الماهدون نحن. وقال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (٥) أي: نحن. وقال: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦)، أي: دارهم. وقال: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٧)، أي: عقباهم. وقد جاء مذكورًا، قال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا﴾ (٨)، فـ "أن يكفروا" في موضع رفع بأنّه المخصوص بالذمّ، أي: كُفْرُهم. وفي جواز حذفه دلالةٌ على قوةِ مَن اعتقد أنه مرفوع بالابتداء، وما تقدّم الخبر؛ لأن المبتدأ قد يحذف كثيرًا إذا كان في اللفظ ما يدلّ عليه، وأمّا حذف المبتدأ والخبر جميعًا فبعيدٌ، فاعرفه. فصل [تأنيث الفعل وتثنية فاعلهما وجمعه] قال صاحب الكتاب: ويؤنث الفعل ويثنى الاسمان ويجمعان نحو قولك: "نعمت المرأة هند", وإن شئت, قلت: "نعم المرأة". وقالوا: "هذه الدار نعمت البلد"، لما كان البلد الدار كقولهم: "من كانت أمك". وقال ذو الرمة [من البسيط]: ١٠٤٧ - أو حرة عيطل ثبجاء مجفرة ... دعائم الزور نعمت زورق البلد

стр. 1766

وتقول: "نعم الرجلان أخواك"، و"نعم الرجال أخوتك"، و"نعمت المرأتان هند ودعد"، و"نعمت النساء بنات عمك". * * * قال الشارح: اعلم أن "نعم" و"بئس" إذا وَلِيَهما مؤنّثٌ، كنت مخيَّرًا في إلحاق علامة التأنيث بهما وتركِها، فتقول: "نعمتِ الجاريةُ هندٌ"، و"بئستِ الأمَةُ جاريتُك"، وإن شئت قلت: "نعم الجاريةُ هندٌ"، و"بئس الأمَةُ جاريتُك". فإن قيل: فمن أين حسن إسقاطُ علامة التأنيث من "نعم" و"بئس" إذا وليهما مؤنّثٌ، ولم يحسن ذلك في غيرهما من الأفعال؟ قيل: أمّا مَن ألحق علامة التأنيث، فأمرُه ظاهرٌ، وهو الإيذان بأنّه مسند إلى مؤنّثٌ قبل الوصول إليه، كما يكون في سائر الأفعال كذلك، من نحوِ: "قامت هندٌ". ومن أسقطها، فعلّةُ ذلك أن الفاعل هنا جنس، والجنس مذكر. فإذا أُنّث، اعتُبر اللفظ، وإذا ذُكّر، حُمل على المعنى. وعلى هذا تقول: "هذه الدارُ نِعْمَتِ البَلَدُ"، فتؤنّث؛ لأنك تعني دارًا، فهو من العمل على المعنى. ومثله قولهم: "مَن كانت أُمَّك؟ " فتؤنّث ضميرَ "مَنْ"؛ لأنّه في المعنى الأُمُّ؛ فأمّا قوله [من البسيط]: أو حرّة عيطل ... إلخ فالشاهد فيه قوله: "نعمت زورقُ البلد" أنّث الفعل مع أنه مسندٌ إلى مذكّر، وهو "زورق البلد", لأنه يريد به الناقة، فأنّث على المعنى، كما أنّث مع "البلد" في قوله: "نعمت البلدُ" حين أراد به الدار. والحرّةُ: الكريمة، والعيطل: الطويلة العنق، وثَبْجاءُ: عظيمةُ السَّنام، والمجفرة: العظيمة الجنب، يُقال: "فرسٌ مجفرٌ"، و"ناقة مجفرةٌ" إذا كانت عريضة المَحْزِم، ودعائمُ الزَّوْر: قوائمها، وصفها بأنّها عظيمة القوائم، وكنى عن ذلك بدعائم الزور. والزورُ: أعلى الصدر. وانتصب "دعائم الزور" على التشبيه بالمفعول

стр. 1767

به، فهو من باب "الحَسَنُ الوجهَ". وقيل: انتصابه على التمييز، وهو ضعيف؛ لأنه معرفة، والتمييزُ لا يكون معرفة. وقيل: إنما حسن إسقاطُ علامة التأنيث من "نعم" و"بئس"، إذا وليهما المؤنّثُ من قبل أن المرفوع بهما جنس شامل، فجرى مجرى الجمع. والفعلُ إذا وقع بعده جماعةُ المؤنّث، جاز تذكيرُ الفعل كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (١)، فصار قولك: "نعم المرأةُ" بمنزلةِ "نعم النساءُ"، فلهذا حسن التذكير في هذين الفعلين، ولم يحسن في غيرهما من الأفعال. وتقول: "نعم الرجلان أخواك"، و"نعم الرجالُ إخْوَتُك"، فالرجلان فاعلُ "نعم"، وهو جنسٌ. وليست الألف واللام للعهد، والمراد: نعم هذا الجنسُ إذا مُيزوا اثنين اثنين، ونعم هذا الجنس إذا ميزوا جماعة جماعة. وكذلك تقول: "نعمت المرأتان هندٌ ودعدٌ"، و"نعمت النساءُ بناتُ عَمّك". وإذا قلت: "نعم رجلَيْن"، أو"نعم رجالاً"، كان منصوبًا على التمييز، والفاعلُ مضمر كقولك: "نعم رجلاً". وهذا إنما يُصْلِحه ويُفْسِده التقديرُ والاعتقادُ، فإن اعتُقد في الألف واللام العهدُ، امتنع ذلك؛ لأن فاعلَ "نعم" و"بئس" لا يكون خاصًّا، وإن اعتقد فيهما الجنس والشمول، جاز. وعلى ذلك تقول: "نعم العُمَرُ عمرُ بن الخَطاب"، و"بئس الحَجّاجُ حجّاجُ بن يوسف"، تجعل "العمر" جنسًا لكل من له هذا الاسمُ، وكذلك "الحجاج"، فاعرفه. فصل [مطابقة المخصوص والفاعل] قال صاحب الكتاب: ومن حق المخصوص أن يجانس الفاعل. وقوله : ﴿ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ (٢) على حذف المضاف, أي ساء مثلاً مثل القوم. ونحوه قوله تعالى: ﴿بئس مثل القوم الذين كذبوا﴾ (٣) ,أي مثل الذين كذبوا, ورئي أن يكون محل "الذين" مجروراً صفة للقوم، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، أي بئس مثل القوم المكذبين مثلهم. * * * قال الشارح: حقُّ المخصوص بالمدح أو الذّم أن يكون من جنس فاعله؛ لأنه إذا لم يكن من جنسه، لم يكن به تعلق، والمخصوصُ إمّا أن يكون مبتدأ وما قبله الخبر، فيلزم أن يكون من جنسه ليدل عليه بعُمُومه، ويكون دخولُه تحته بمنزلة الذكْر الراجع إليه، وإما أن يكون خبرَ مبتدأ محذوف، فيكون كالتفسير للفاعل. وإذا لم يكن من

стр. 1768

جنسه، لم يصح أن يكون تفسيرًا له مع أن المراد بـ "نعم الرجلُ زيدٌ" أنه محمودٌ في جنسه. وإذا قلت: "بئس الرجلُ خالدٌ"، كان المراد به أنه مذموم في جنسه. وإذا كان كذلك، لم يكن بد من حذف المضاف في قوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ (١)، أي: مَثَلُ القوم، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، وذلك أن "ساءَ" ها هنا بمعنى "بئس"، وفيها ضميرٌ فسّره "مثلاً"، فيلزم أن يكون المخصوصُ بالذم من الأمثال، وليس القوم بمَثَل، فوجب أن يكون هناك مضاف محذوف. والتقديُر: ساء مثلاً مثلُ القوم، فيكون المخصوصُ من جنس المرفوع. فأما قوله تعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ (٢) فيجوز أن يكون "الذين" هو المخصوص بالذمّ، وأن يكون في موضع رفع. ولا بدّ من تقديرِ مضاف محذوف، معناه: مَثَلُ الذين كذّبوا، ثمّ حذف المضاف، كما تقدّم في الآية المتقدّمة. ويجوز أن يكون "الذين" صفةً للقوم، ويكون في موضعِ خفض، والمخصوصُ محذوف تقديره: بئس مَثَلُ المُكذبين مَثَلُهم. فصل [أحكام "حبَّذا "] قال صاحب الكتاب: و"حبذا" مما يناسب هذا الباب. ومعنى "حب": صار محبوباً جداً, وفيه لغتان: فتح الحاء وضمها. وعليها روي قوله [من الطويل]: وحُبَّ بها مقتولة حين تقتل (٣) وأصله حبب، وهو مسندٌ إلى اسم الإشارة، إلا أنهما جريا بعد التركيب مجرى الأمثال التي لا تغير، فلم يضم أول الفعل، ولا وضع موضع ذا غيره من أسماء الإشارة، بل التزمت فيهما طريقة واحدة. * * * قال الشارح: اعلم أن "حَبَّذَا" تُقارِب في المعنى "نِعْمَ"؛ لأنها للمدح كما أن "نعم" كذلك، إلَّا أنَّ "حبّذَا" تفضُلها بأنّ فيها تقريبًا للمذكور من القَلْب، وليس كذلك "نعم"، و"حبّذا"، مركّبةٌ من فعلٍ وفاعلٍ، فالفعلُ "حَبَّ" وهو من المضاعف الذي عينه ولامه من واد واحد، وفيه لغتان: "حَبَبْتُ"، و"أحْبَبْتُ". و"أحببت" أكثرُ في الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٤)، فهذا مِن "أحَبَّ". وقال سبحانه: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ (٥). وقال ﵇: "مَن أحبّ لِقاءَ الله أحبّ اللهُ

стр. 1769

لقاءَه" (١)، وقال: "أحْبِبْ حَبِيبَك هَونًا ما" (٢)، فأمّا "حببت" فمتعدٍّ في الأصل، ووزنه "فَعَلَ" بفتح العين. قال الشاعر [من الطويل]: ١٠٤٨ - فَواللهِ لولا تَمْرُه ما حَبَبتُه ... ولوكان أدْنَى من عُبَيْدٍ ومِشْرَقِ فإذا أُريد به المدح، نُقل إلى "فَعُلَ" على ما تقدّم فتقول. "حُبَّ زيدٌ"، أي: صار محبوبًا، ومنه قوله [من الطويل]: وَحُبَّ بها مَقتُولَةَ حِينَ تُقْتَلُ فضمُّ الفاء منه دليل على ما قلناه، وكذلك قول الآخر [من الكامل]: ١٠٤٩ - هَجَرَت غَضُوبُ وَحُبَّ مَن يتجنّبُ ... [وَعَدَت عواد دونَ وَليك تشْعَبُ]

стр. 1770

وقد ذهب الفراء إلى أنّ "حَبَّ" أصله "حَبُبَ" على وزن "فَعُلَ" مضمومَ العين كَـ "كرُمَ"، واستدلّ بقولهم: "حَبِيبٌ"، و"فَعِيلٌ"، بابُه (١) "فَعُلَ" كـ "ظريف" من "ظُرف"، و"كريم"، من "كرُم". والصواب ما ذكرناه؛ لأنه قد جاء متعدّيًا، و"فَعُلَ" لا يكون متعدّيًا. فأمّا قولهم: "حَبِيبٌ"، فلا دليلَ فيه, لأنه هنا مفعول، فـ "حبيبٌ" و"محبوبٌ" وا حد، فهو كـ "جريح" و"قتيل"، بمعنى "مجروح"، و"مقتول". و"حبيب" مِن "حبّ" إذا اْريد به المدح فاعلٌ كـ "ظريفٍ"، و"حبّ" فعل متصرّف، لقوله منه: "حَبَّهُ يَحِبّه" بالكسر. وهو من الشاذّ؛ لأن "فَعَلَ" إذا كان مضاعفًا متعدّيًا، فمضارعُه "يفعُل" بالضمّ، نحوُ: "رَدَّه يَرُدّه"، و"شَدَّه يشُدّه". وقالوا في المفعول: "محبوبٌ"، وقيل "حابٌّ" وكثُر "مُحِبٌّ" في اسم الفاعل، وقيل "مُحَبٌّ" (٢). ولمّا نُقل إلى "فَعُلَ" لأجل المدح والمبالغة كما قالوا: "قَضوَ الرجلُ"، و"رَمو" إذا حذق القضاء , وأجاد الرمي, منع التصرف؛ لمضارعته بما فيه من المبالغة والمدح باب التعجب. و"نعم", و"بئس", و"حبّذا", لزم طريقة واحدة, وهو لفظ الماضي. وفاعله "ذَا"، وهو من أسماء الإشارة يستعمل هنا مجرّدًا من حرف التنبيه؛ وذلك لأنهم لما ركبوا الفعل والفاعل، وجعلوهما شيئًا واحدًا، لم يأتوا بحرف التنبيه؛ لئلّا تفسير ثلاثة أشياء بمنزلة شيء واحد، وليس ذلك من كلامهم، وجعلوا ذلك الاسم مفردًا مذكّرًا إذ كان المفرد أخفَّ، والمذكر قبل المؤنّث، فهو كالأصل له، فلذلك تقول:

стр. 1771

"حبّذا زيد"، و"حبّذا هندٌ"، و"حبّذا الزيدان"، و"حبّذا الزيدون". ولا يُقال: "حَبَّذِهِ" في المؤنّث، ولا "حَبَّذِي". قال الشاعر [من الرجز]: ١٠٥٠ - يا حبّذا القَمْراءُ والليلُ الساجْ ... وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ وقال آخر [من البسيط]: ١٠٥١ - لا حبّذا أنْتِ يا صَنْعَاءُ من بَلَدٍ ... ولا شَعُوبُ هَوًى منّي ولا نُقُمُ

стр. 1772

وذلك من قبل أن "حبّذا" لمّا رُكّب الفعل فيه مع الفاعل، لم يجز تأنيث الفعل، ولا تثنيته، ولا جمعه؛ لأنه قد صار في منزلةِ بعض الكلمة، وبعضُ الكلمة لا يجوز فيه شيء من ذلك. والذي يدل أنهما بُنيا، وجُعلا شيئًا واحدًا، أنه لا يجوز أن يفصل بين الفعل فيه وبين "ذَا" بشيء، ولا يُقال: "حَبَّ في الدار ذَا"، ولا "حَبَّ اليومَ ذا". فإن قيل: لِمَ خُصّ "حبّ" بالتركيب مع "ذا" من بين سائر الأسماء؟ قيل: لأن "ذا" اسم مبهم يُنْعَت بالأجناس، وحكمُ "حبّ" هنا كحكمٍ "نعم"، فركبوه مع "ذا" لينوب عن أسماء الأجناس، إذ لا يُنْعَت إلَّا بها، والنعتُ والمَنعوتُ شيء واحد أيضًا، فإن "ذَا" مبهم، فصار بمنزلة المضمر في "نعم"؛ ولذلك فُسّر بالنكرة كما يفسّر في "نعم"، فتقول: "حبّذا رجلًا"، كما تقول: "نعم رجلًا"، فقياسهما واحدٌ. فلمّا صار "حبّذا" في الحكم كلمة واحدة؛ غلّب عليها بعضُهم جانبَ الاسمية، واعتقدوا أنه اسمٌ له موضع من الإعراب. وموضعُه هنا رفعٌ بالابتداء وما بعده من الاسم المرفوع الخبرُ. وليس في العربّية فعلٌ وفاعلٌ جُعلا في موضعِ مبتدأ إلَّا "حبّذا"، لا غير. فإن قيل: ولِمَ غلّب هؤلاء معنى الاسمية فيه؟ قيل: لأن الاسم أقوى من الفعل، والفعلُ أضعف، فلمّا رُكّبا، وجُعلا شيئًا واحدًا، غُلّب جانب الاسم لقوّته وضُعْف الفعل، واستدلّوا على اسميّته بكثرة نحوِ قولهم: "يا حبّذا". قال الشاعر [من البسيط]: ١٠٥٢ - يا حبّذا جَبَلُ الرَّيانِ مِن جَبَلٍ ... وحبّذا ساكِنُ الرّيانِ مَن كانا وقال الآخر [من الرجز]: يا حبّذا القَمْراءُ والليلُ الساجْ ... وطُرُقٌ مِثلُ مُلاءِ النَّسّاجْ (١) وهو كثير.

стр. 1773

ومنهم من غلّب جانب الفعل، ويجعل الاسم كالمُلْغَى، ويرفع الاسمَ بعده رَفْعَ الفاعل، فإذا قلت: "حبّذا زيدٌ"، فـ "حبّذا" فعلٌ، و"زيد" فاعل، و"ذَا" لَغْوٌ. وإنما غلّبوا جانبَ الفعل هنا؛ لأنه أسبقُ لفظًا. ويدلّ على ذلك أنهم قد صرفوه، فقالوا: "لا يُحَبِّذُهُ بما لا ينفعه". والأوّلُ أمثل. وقولهم: "لا يحبّذه"، كأنهم اشتقوا فعلًا من لفظ الجملة، كقولهم: "حَمْدَلَ" في حكايةِ "الحمدُ لله"، و"سَبْحَلَ" في حكايته "سبحانَ الله"، فهذان وجهان عربيان كما ترى. ومنهم من لا يغلّب أحدهما على الآخر، ويُجْريهما على ظاهرهما، وهو المذهب المشهور، فيجريهما مجرى "نعم"، و"بئس"، ويكون "حَبَّ" فعلًا ماضيًا، و"ذَا" فاعلٌ في موضعِ رفع، والاسمُ الأخير يرتفع من حيث يرتفع بعد "نعم" من الوجهَيْن المذكورَيْن، فيكون "زيد" مَثَلا من قولك: "حبّذا زيدٌ" إمّا مبتدأ، و"حبّذا" الخبر، كما كانت في "نعم" كذلك، وإمّا أن يكون في موضعِ خبرِ مبتدأ محذوف، أي: هو زيدٌ. ويُضاف إليه الوجوه التي ذكرناها، وهو أن يكون خبرَ "حبذا" على رأيِ من يجعل "حبّذا" مبتدأ، وأن يكون فاعلاً على رأيِ من يجعل "حبّذا" فعلًا، ويُلْغِي الاسم الذي هو"ذا"، وأن يكون بدلًا من "ذا"، فقد صار ارتفاع "زيدٍ" في قولك: "حبّذا زيدٌ" من خمسة أوجه. وقوله: "حبّذا ممّا يُناسِب هذا البابَ" يعني بابَ "نعم" و"بئس"؛ لِما فيها من معنى المدح والمبالغة. وقوله: "وفيه لغتان: فتح الفاء، وضمّها" يعني "حبّ" إذا أُريد بها المدح من غير إسنادها إلى "ذا"، وذلك أنك إذا قلت: "حبّ رجلًا"، فمعناه: صار محبوبًا جدًّا، وأصله "حَبُبَ" مضمومَ الباء؛ لأنه منقول من "حَبَبَ" مفتوحَ الباء لِما أُريد فيه من المبالغة على ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ (١)، حين أُريد به المبالغة في الذمّ، وإجرائه مجرَى "بئس"، إلَّا أنّ منهم من ينقل حركة العين إلى الفاء عند الإدّغام إيذانًا بالأصل. ومنهم من يحذف الضمّ حذفًا، ويُبْقِي الفاء مفتوحةً بحالها، وعليه قوله [من الطويل]: فقلتُ اقْتُلُوها عَنْكُمُ بمزاجها ... وحُبَّ بها مقتولةٌ حينَ تُقْتَلُ (٢) البيت لحسّان (٣)، والشاهد فيه قوله: "وحبّ بها مقتولة"، فإنّه قد رُوي بفتح الحاء وضمّها, لمِا ذكرناه، يصف الخَمْر. فأمّا إذا رُكّبت مع "ذا"؛ فإنّ الحاء لا تكون إلَّا مفتوحة, لأنه لمّا أسند إلى "ذا"، ولزم المعنى، جرى مجرى الأمثال، فلم تُغيَّر الأمثالُ،

стр. 1774

بل يُؤْتَى بها على لفظها، وإن قارَبَتِ اللَّحْنَ، نحوَ قولهم: "الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ" (١)، تقوله للمذكر بكسر التاء على التأنيث؛ لأن أصله للمؤنّث، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وهذا الاسم في مثل إبهام الضمير في "نعم"، ومن ثم فسر بما فُسّر به، فقيل: "حبذا رجلاً زيدٌ" كما يقال: "نعم رجلاً زيدٌ", غير أن الظاهر فضل على المضمر بأن استغنوا معه عن المفسر، فقيل: "حبّذا زيدٌ" ولم يقولوا: "نعم زيدٌ"، ولأنه كان لا ينفصل المخصوص عن الفاعل في "نعم", وينفصل في "حبذا". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إن "ذا" من "حبّذا" يجري مجرى الجنس من حيث إنها اسمٌ ظاهرٌ، يكون وُصْلَة إلى أسماء الأجناس، ولذلك لا يوصف إلَّا بها. ومجرى المضمر في "نعم" من جهة إبهامه ووقوعِه على كل شيء كما كان المضمر على شريطة التفسير كذلك، ولذلك فُسِّر بالنكرة، فقيل: "حبّذا رجلًا"، كما تقول: "نعم رجلًا"، إلَّا أنه في "حبّذا" يجوز أن لا تأتي بالمفسِّر، وتقول: "حبّذا زيدٌ"، ولا يجوز ذلك في "نعم"، فلا تقول: "نعم زيدٌ". وذلك لأن "ذا" اسمٌ ظاهرٌ يجري مجرى ما فيه الألف واللام من أسماء الأجناس على ما ذكرنا، فاستغنى عن المفسِّىر لذلك، فكما تقول: "نعم الرجلُ زيدٌ"، ولا تأتي بمفسِّرٍ، كذلك تقول: "حبّذا زيدٌ"، ولا تقول: "نعم زيدٌ". وأيضًا فإنّه ربّما ألبَسَ في "نعم" لو قيل (٢)، ولا يُلْبِس في "حبّذا". وذلك أنّ "حَبَّ" فعلٌ عمل في "ذا" واستوفى ما يقتضيه، فإذا وقع بعده المخصوص بالمدح مرفوعًا، لا يُشْكِل بأن يُتوهّم أنه فاعل؛ لأن الفعل لا يكون له فاعلان، وليست "نِعُم" كذلك؛ لأن فاعلها مستترٌ لا يظهر، فافتقر إلى تفسير. فلو لم تأتِ بالمفسّر، وأوليتَه المخصوص بالمدح مرفوعًا؛ لجاز أن يظنّ ظانٌّ أنه فاعلُ "نعم"، وأنّه ليس في "نعم" فاعلٌ. وهذا معنى قوله: "ولأنه كان لا ينفصل المخصوص عن الفاعل"، يعني في "نعم"، فاعرفه.

стр. 1775

ومن أصناف الفعل فعلا التعجُّب فصل قال صاحب الكتاب: هما نحو قولك: "ما أكرم زيدًا! "، و"أكرم بزيدٍ! ". ولا يُبنيان إلا مما يبنى منه أفعل التفضيل, ويتوصل إلى التعجب مما لا يجوز بناؤهما منه بمثل ما يُتوصل بها إلى التفضيل، إلا ما شذ من نحو: "ما أعطاه", و"ما أولاه للمعروف! " ومن نحو: "ما أشهاها! " و"ما أمقته! ". وذكر سيبوبه (١) أنهم لا يقولون: "ما أقيله" استغناء عنه بـ "ما أكثر قائلته! " كما استغنوا بـ "تركت" عن "وذرت". * * * قال الشارح: اعلم أن التعجّب معنًى يحصل عند المتعجِّب عند مشاهدةِ ما يُجْهَل سببُه، ويقل في العادة وجودُ مثله. وذلك المعنى كالدَّهَش والحَيْرة. مثالُ ذلك أنّا لو رأينا طائرًا يطير، لم نتعجّب منه لجَرْي العادة بذلك، ولو طار غيرُ ذي جناح، لوقع التعجُّب منه؛ لأنه خرج عن العادة، وخفي سببُ الطيَران، ولهذا المعنى لا يصحّ التعجّب من القديم سبحانه, لأنه عالمٌ لا يخفى عليه شيء. فأمّا قراءةُ من قرأ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ (٢) بضمّ التاء، فتأوّلُه على ردّ الضمير إلى النبي ﷺ ، أي: قُلْ: "بل عجبت ويسخرون"، أو أنه أُخرج مخرج العادة في استعمال المخلوقين تعظيمًا لأمره وتفخيمًا له. وإتما قال: "فِعْلا التعجّب" بلفظ التثنية، والتعجّبُ معنًى واحدٌ، لأنَّه يكون بلفظَين: أحدُهما "أَفْعَلَ"، ويُبْنَى على الفتح لأنه ماض، نحوُ: "أكرم"، و"أخرج"، والثاني: "أفْعِل"، ويبنى على الوقف، لأنه على لفظ الأمر. فأمّا الضرب الأول، وهو "أفْعَلَ"، فلا بدّ أن يلزمه "ما" من أوّله، فتقول: "ما

стр. 1776

أحسن زيدًا! " و"ما أجمل خالدًا! " وهي جملة مركّبة من مبتدأ وخبر، فـ "ما" اسمٌ مبتدأٌ في موضع رفع، وهي هنا اسم غير موصول، ولا موصوف بمعنى "شَيْء"، كأنّك قلت: "شيءٌ حسن زيدًا"، ولم تُرِد شيئًا بعينه، إنما هي مبهمة، كما قالوا: "شيءٌ جاء بك"، أي: ما جاء بك إلَّا شيءٌ، ونحوَ قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (١)، أي: نعم شيئًا هي. ولمّا أُريد بها الإبهام، جُعلت بغير صلة، ولا صفة، إذ لو وُصفتْ، أو وُصلتْ، لكان الأمر معلومًا. فإن قيل: ولِمَ خصّوا التعجّبَ بـ "ما" دون غيرها من الأسماء؟ قيل: لإبهامها، والشيءُ إذا أبهم، كان أفخم لمعناه، وكانت النفس متشوفةً إليه، لاحتماله أُمورًا. فإن قيل: فإذا قلتم: إِن تقديرَ "ما أحسن زيدًا" "شيءٌ أحسنه، وأصاره إلى الحسن"، فهلا استعمل الأصل الذي هو"شيْءٌ"؟ فالجواب: أنه لو قيل: "شيءٌ أحسن"، لم يُفْهَم منه التعجّب؛ لأن "شَيْئا"، وإن كان فيه إبهامٌ، إلَّا أن "ما" أشد إبهامًا، والمتعجَّبُ مُغظِمٌ للأمر، فإذا قال: "ما أحسن زيدًا! " فقد جعل الأشياءَ التي يقع بها الحسنُ متكاملِة فيه. ولو قال: "شيء أحسن زيدًا"، كان قد قصر حسنَه على جهة دون سائر جهات الحسن؛ لأن الشيء قد يستعمل للقليل. وأمّا "أفْعَلَ" في التعجّب، ففعلٌ ماضٍ غيرُ متصرّف، لا يستعمل إلَّا بلفظ الماضي، ولا يكون منه مضارعٌ، ولا أمرٌ، ولا اسمُ فاعل، فلا تقول في "ما أحسن زيدًا": "ما يُحْسِن زيدًا"، ولا نحوَه من أنواع التصرّف. وقد خالف الكوفيون (٢) في ذلك، وزعموا أنّ "أفْعَلَ" في التعجّب بمنزلةِ "أفعل" في التفضيل، واحتجوا بجواز تصغيره نحوِ قوله [من البسيط]: يا ما أُمَيْلِحَ غِزلانًا شَدَنَّ لنا ... مِن هؤُلَيائِكُنَّ الضالِ والسَّمُرِ (٣) والأفعال لا يصغر شيء منها. قالوا: وأيضًا فإنّه تصح عينُه في التعجّب، نحوَ: "ما أقْوَلَهُ! " و"ما أبْيَعَهُ! " وهذا التصحيح إنما يكون في الأسماء، نحوِ: "زيدٌ أقْوَمُ من عمرو، وأبْيَعُ منه". ولو كان فعلًا، لاعتلّ بقلب عينه ألفًا، نحوَ: "أقال"، و"أباع". والحقُّ ما ذهب إليه البصريون، وذلك لأُمور، منها أنه قد يدخل عليها نونُ الوقاية، نحو: "ما أحْسَنَنِي عندك! " و"ما أظرفني في عينك! " و"ما أعلمني في ظنك! " ونونُ الوقاية إنما تدخل على الفعل، لا على الاسم، فتقول: "أعْلَمَني"، ولا تقول: "مُعْلِمُنِي"، وتقول: "ضَرَبَني", ولا تقول: "ضارِبُني".

стр. 1777

فإن قلت: "فقد جاء ضارِبُني". قال [من البسيط]: ١٠٥٣ - [ألا فتى مِن بني ذبيانَ يحملني] ... وليس حاملُني إلَّا ابنَ حَمّال فقليلٌ من الشاذ الذي لم يُلتفت إليه، مع أن الرواية الصحيحة: "وليس يَحْمِلُني". وأمْا قولهم: "قَدْني"، و"قَطْني"، فشاذّ أيضًا، مع أنهم قد قالوا: "قَدِي" من غير نون. قال [من الرجز]: قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي (١) ولم يقولوا في التعجّب: "ما أحسَنِي"، فافترق الحال فيهما. والذي حسّن دخول نون الوقاية في "قدني"، و"قطني"، كونُهما أمرًا في معنى "اكْتَفِ"، و"اقْطَعْ". الأمر الثاني: أنه ينصب المعارفَ والنكراتِ، نحوَ قولك: "ما أحسن زيدًا! "، و"ما أجمل غلامًا اشتريته! ". و"أفْعَلُ"، إذا كان اسمًا، لا ينصب إلَّا نكرة على التمييز، نحوَ: "زيدٌ أكثرُ منك مالًا وأكرم منك أبًا". ولو قلت: "زيدٌ أكثرُ منك المالَ والعلمَ"، لم يجز. ولمّا جاز "ما أكثرَ عِلْمَه! " و"ما أكبرَ سِنَّه! " دل على ما قلنا من أنه فعلٌ. الأمر الثالث: أنه مبني على الفتح من غير مُوجِب دل على ما قلناه. وأمّا الجواب عمّا تَعلّق به الكوفيون: أمّا عدمُ التصرّف، فلا يدل على اسميته؛ لأنّ ثمَّ أفعالًا لا رَيبَ فيها، وهي غير متصرّفة، نحوُ: "عَسَى"، و"لَيْسَ". والذي منع فعلَ التعجّب من التصرّف أنه تَضمّن ما ليس له في الأصل، وهو الدلالة على معنى زائدٍ على معنى الفعل، وهو التعجّب. والأصلُ في إفادة المعاني إنما هو الحروفُ، فلمّا أفاد فائدة الحروف؛ جمد جمودَها، وجرى في امتناع التصرّف مجراها.

стр. 1778

ووجة ثانٍ أن المضارع يحتمل زمانَيْن الحال والاستقبال، والتعجّبُ إنما يكون ممّا هو موجودٌ مشاهَدٌ، والماضي قد يُتعجّب منه؛ لأنه شيءٌ قد وُجد، وقد يتَّصل آخِرُه بأوّل الحال، ولذلك جاز أن يقع حالًا إذ اقترن به. فلو استُعمل لفظُ المضارع، لم يُعْلَم التعجّب ممّا وقع من الزمانَيْن، فيصير اليقين شكًّا. وأمّا التصغير فإنما دخله - وإن كانت الأفعالُ لا تُصغَّر- من قبل أنه مُشابِهٌ للاسم من حيث لزم طريقةً واحدةً، وامتنع من التصرّف، وكان في المعنى "زيدٌ أحسنُ من غيره"، فلذلك من الشبَه حُمل عليه في التصغير. فإن قيل: ولِم اختصّ هذا الفعل ببناءِ "أفْعَلَ"؟ فالجواب لأنه منقول من الفعل الثلاثي للتعدية، فهو بمنزلةِ "ذَهَبَ"، و"أذهبتُه". فإذا قلت: "ما أحسن زيدًا! " فأصلُه: حَسُنَ زيدٌ، فأردت الإخبارَ بأن شيئًا جعله حسنًا، فنقلتَه بالهمزة، كما تقول في غير التعجّب: "زيدٌ أحسنَ عمرًا"، إذا أخبرت أنه فعل به ذلك. ولا يكون هذا الفعل إلَّا من الأفعال الثلاثية، نحوِ: "ضرب"، و"علِم"، و"ظرُف". فإذا تعجّبتَ منها، قلت: "ما أضرَبَهُ! " و"ما أعلمه! "، و"ما أظرفه! " لا يكون الفعل إلَّا من الثلاثة. فإن قيل: إذا زعمتم أن هذه همزةُ التعدية، وهمزةُ التعدية أبدًا تزيد مفعولًا، وأنتَ في التعجّب إذا قلت: "ما أضربَ زيدًا"، فما زاد تعدية؛ لأنه بعد النقل يتعدّى إلى مفعول واحد على ما كان عليه قبل النقل، بل إذا قلت: "ما أعلم زيدًا! " فإنّه ينقص بهذا التعدّي؛ لأنه قبل التعجّب قد كان ممّا يتعدّى إلى مفعولَيْن، وفي التعجّب صار يتعدّى إلى مفعول واحد لا غير، فما بالُ ذلك كذلك؟ فالجواب أن التعجّب بابُ مبالغةِ مدحٍ أو ذمٍّ، وذلك لا يكون إلَّا بعد تكرُّر ذلك الفعل منه حتى يصير كالطبيعة والغريزة، فحينئذ تنقله في التقدير إلى "فَعُلَ" بالضم، فيصير "ضَرُبَ"، و"عَلُمَ"، كما قالوا: "قَضُوَ الرجلُ"، و"رَمُوَ" حين اْرادوا المدح والمبالغة، وهذا البناء لا يكون متعدّيًا. فإذا أُريد التعجّب منه، نقلوه بالهمزة، فيتعدّى حينئذ إلى مفعول واحد؛ لأنه قبل النقل كان غير متعدّ. فإن قيل: ولِمَ لا يكون هذا النقل إلَّا من فعل ثلاثي، ولا يكون ممّا زاد على الثلاثي؟ قيل: النقل في التعجّب كالنقل في غير التعجّب بزيادة الهمزة في أوّل الثلاثي، نحوِ: "دخل زيد الدارَ"، و"أدْخَلَهُ غيرُه"، و"حسُن زيد"، و"أحسنه اللهُ"، فجروا في ذلك على عادة استعمالهم. وأيضًا فإن فعل التعجّب محمول على "أفْعَلَ" في التفضيل؛ لأن مجراهما واحدٌ في المبالغة والتفضيل، و"أفْعَل" هذا لا يكون إلَّا من الثلاثة، نحوَ قولك: "زيدٌ أفضل، وأكرم، وأعلم". ولذلك قال صاحب الكتاب: "لا يُبْنَى إلَّا ممّا يبنى منه أفعلُ التفضيل".

стр. 1779

وجملة الأمران الأفعال التي لا يجوز أن تستعمل في التعجّب على ضربَيْن: أحدهما: ما زاد سواءٌ كانت الزيادةُ على الثلاثة أصلًا، أو غير أصل، والآخرُ الأفعال المشتقة من الألوان والعيوب؛ لأن فعلها زائد على الثلاثة أصلًا، وغيرَ أصل. فلو زِدْتَ عليه همزة التعدّي، لخرج عن بناءِ "أفْعَلَ". وقد قالوا: "ما أعطاه الدرهمَ، وأوْلاه للخير! " فهذا ونحوه مقصور على السماع عند سيبويه لا يُجيز منه إلَّا ما تكلّمت به العربُ. فالتعجّبُ مِن "فَعَلَ" قياسٌ مطردٌ، ومن "أفْعَلَ" مسموعٌ لا يُجاوز ما ورد عن العرب. وزعم الأخفش: أن ذلك في في فعل ثلاثي دخلته زوائدُ كـ "استفعل"، و"افعل"، و"انفعل"؛ لأن أصلها ثلاثة أحرف، وقاسَه على "ما أعطاه"، و"ما أولاه" كأنه يحذف الزوائد، ويردّه على الثلاثة. وتابَعَه أبو العبّاس المبرد على ذلك، وأجازه. وذلك ضعيف؛ لأن العرب لم تقل: "ما أعطاه" إلَّا والفعل للمُعْطِي؛ لأنه منقول من "عَطَوْتُ"، و"عطوت" للآخِذ. قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَتَعْطُو برَخْصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنّه ... أساريعُ ظَبْيٍ أو مَساوِيكُ إسْحِلِ (١) وكذلك: "ما أوْلاه! " إنما هو للمُولِي لا لمن وَلِيَ شيئًا. وإنما ساغ ذلك في "أفعل" عند سيبويه دون غيره من الأبنية المَزيد فيها، لأن "أفعل" أمرُه ظاهرٌ، فلولا ظهور المعنى وعدم اللبس، لَمَا ساغ التعجّب منه. وأمّا غيره من الأفعال المزيد فيها من نحو "اقتطع"، و"انقطع"، و"استقطع"، فلو تعجّبنا بشيء منها بحذف الزيادة، لم يُعْلَم أيَّ المعاني نريد. وكذلك لو وقع التعجّبُ من "اضطرب"، وقيل: "ما أضْرَبَهُ! " لم يعلم: أضاربٌ هو أم مضطرِبٌ في نفسه. وأمّا الألوان والعيوب فنحوُ الأبيض والأصفر والأحول والأحور، فلا يُقال: "ما أبْيَضَ هذا الطائرَ! " ولا "ما أصفره! " إذا أُريد البياض والصُّفْرة، فإن أُريد كثرة البَيْض والصَّفِير، جاز. وكذلك لا تقول: "ما أسْوَدَ فلانًا! " من "السواد" الذي هو اللون، فإن أردت السُّود جاز. وكذلك "ما أحمره" إِن أردت الحُمْرة، لم يجز، وإن أردت البَلادة، جاز. وذلك لأن أفعالها تزيد على الثلاثة من نحو: "ابْيَضَّ"، و"اصفرّ"، و"احمرّ"، و"اسودّ"، و" ابيَاضَّ"، و"اصفارَّ"، و"احمارَّ"، و"اسوادّ". وكذلك العيوب الخَلْقية، لا يُقال في شيءٍ منها: "ما أعْوَرَهُ! " ولا "ما أحْوَلَهُ! " لِما ذكرناه من أن أفعالها زائدةٌ على الثلاثة، فهي كالألوان، نحوُ: "اعورّ"، و"احولّ"، و"اعوارّ"، و"احوالّ". فإن قيل: فقد يُقال: "عَوِرَ"، و"حَوِلَ"، فقُلْ على هذا: "ما أحْوَلَهُ! " و"ما أعوره! " فالجواب أن هذا غير جائز؛ لأنه منقول "افْعَلَّ". والدليلُ على أنه منقول منه صحةُ عينه، إذ لو كان أصلًا غير منقول من غيره، لاعتلّت عينه، فكنت تقول: "عارتْ"، و"حالتْ"،

стр. 1780

كـ "قالت"، و"قامتْ". وقال الخليل (١): إنه ما كان من هذا لونًا، أو عيبًا فقد ضارَع الأسماء، وصار خِلْقة كاليَد والرِّجْل ونحوهما، فلا تقول فيه: "ما أفعله"، كما لم تقل: "ما أيْدَاهُ! "، و"ما أرْجَلَهُ! ". فإن قيل: فقد جاء في الكتاب العزيز: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٢)؟ قيل: يحتمل ذلك أمرَيْن أحدهما: أن يكون من عَمَى القلب، وإليه يُنْسَب أكثرُ الضلال. والثاني: أن يكون من عمى العين ولا يُراد به التفضيل، وَلكنّه أعمى كما كان في الدنيا كذلك، وهو في الآخرة أضلّ سبيلًا. فإذا أريد التعجّبُ من شيء من ذلك، فحكمُه في التعجّب أن تبنى "أفْعَلَ" من الكثرة، أو القلّة، أو الشدّة، أو نحوِ ذلك، ثمّ تُوقِع الفعل على مصادر هذه الأفعال، كقولك: "ما أكثرَ دَحْرَجَةَ زيد! " و"ما أشَد حُمْرَةَ عمرو! " و"ما أقل حَوَلَه! " وإنما بُنيت "أفعل" من هذه الأشياء خاصّةً من أجلِ أن المتعجَّب منه لا يخلو من كثرة، أو قلّة، أو شدّة خارجةِ عمّا عليه العادةُ، ولذلك وجب التعجّب، فتكون هذه الأشياء ونحوها عبارةً عما لا يمكن التعجّبُ منه من الأفعال، إذ كانت الأفعال كلها غير منفكّة من هذه المعاني، كما عُبّر بـ "كَانَ" عن الأحداث كلّها. فصل [معني أسلوبي التعجب] قال صاحب الكتاب: ومعنى "ما أكرم زيداً! ": شيء جعله كريماً، كقولك: "أمرٌ أقعده عن الخروج", و"مهم أشخصه عن مكانه" تُريد أن قعوده وشخوصه لم يكونا إلا لأمر, إلا أن هذا النقل من كل فعل؛ خلا ما استُثنى منه مختص بباب التعجب, وفي لسانهم أن يجعلوا لبعض الأبواب شأناً ليس لغيره لمعنى. * * * قال الشارح: معنى "ما أكرم زيدًا": "شيءٌ جعله كريمًا"، فـ "مَا" ها هنا بمعنى شَيْء، وهو اسمٌ منكورٌ في موضعِ رفع بالابتداء، وقد تقدّم الكلام على "ما" والخلافِ فيها بما فيه مقنعٌ. والمراد ها هنا إبداء النظير لجواز الابتداء بالنكرة، وإنما جاز الابتداء هنا لأنه في تقدير النفي، وذلك أن المعنى في قولك: "ما أحسن زيدًا! " شيء جعله حسنًا. والمراد: ما جعله حسنًا إلَّا شيءٌ، كما قالوا: "شَرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ" (٣)، أي: ما أهرّه إلَّا شرٌّ. ومنه

стр. 1781

"أمرٌ أقعده عن الخروج"، و"مُهِمٌّ أشخصه عن مكانه". والمراد أن قعوده وشخوصه لم يكونا إلَّا لأمر، فساغ الكلام؛ لأنه في معنى النفي، والنكرةُ في تأويل الفاعل، فلذلك جاز الابتداء به. وأمّا قوله: "إلَّا أن هذا النقل من كل فعل خلا ما استُثني منه"، فالغرضُ من ذلك أنّ نقل الفعل الثلاثي بالهمزة في غير التعجّب موقوف على السماع، غير مطرد في القياس، لأنه قد يكون بتشديد العين. ألا ترى أنك تقول: "عرف زيدٌ الأمرَ"، و"عرّفته إيّاه"، ولم يقولوا: "أعرفتُه". وقالوا: " غَرِمَ زيدٌ"، و"غرّمته"، ولم يقولوا: "أغرمته"، فلا يسوغ النقل بالهمزة إلَّا فيما استعملتْه العربُ، وهو في باب التعجّب قياسٌ مطردٌ بالهمزة في جميع الأفعال الثلاثيّة، إلَّا ما استُثني، وهو ما كان من الألوان والعيوب. والألوان، نحو: "سَمُرَ" من السُّمْرة، و"حَمِرَ"، من الحُمْرة، و"شَهُبَ"، من الشُّهْبة، و"سَوِدَ من السَّواد". والعيوبُ نحو: "عَوِرَ"، و"حَوِلَ". كل ذلك لا يُنْقَل بالهمزة في التعجّب، ولا غيره، فلا تقول في شيء منها: "أفْعَلَ"، فلا يُقال: "ما أسمره"، ولا "ما أحمره" ونحوُهما من الألوان، ولا "ما أعوره" ولا "ما أحوله" ونحوهما من العيوب. والكوفيون (١) يجيزون التعجّب من البياض والسواد خاصّةً، ويحتجون بقول الشاعر [من الرجز]: جارِيَةٌ في دِرْعها الفَضْفاضِ ... أبْيَضُ من أُخْتِ بني إباضِ (٢) ووجهُ الاستدلال به أنه قال: "أبيض من أُخت بني إباض". و"أفعلُ من كذا"، و"ما اْفْعَلَهُ" مجراهما واحدٌ في أن لا يستعمل أحدُهما إلَّا حيث استُعمل الآخر. والجوابُ عنه أنه شاذّ معمول على فسادٍ للضرورة، فلا يجعل أصلًا يُقاس عليه مع أنه يحتمل أن تكون "أفعل" ها هنا التي مؤئثُها "فَعْلاءُ"، نحوَ: "حمراء"، و"أحمر". وليس الكلام في ذلك إنما الكلام في "أفعل" التي معناها التفضيل، وتكون مِنْ صفة متعلّقة بمحذوف وتقديرُه: "كائنةٌ من أُخت بني اْباض" كما قال [من الطويل]: ١٠٥٤ - [لَمَّا دَعَانِي السَّمْهَريُ أجَبْتُهُ] ... بأبْيَضَ مِن ماءِ الحديدِ صَقِيلِ

стр. 1782

أي: كائن من ماء الحديد. فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، لقيل: "بَيضاءُ"؛ لأنه من صفة "الجارية"؟ قيل: إنما قال: "أبيض"؛ لأنه أراد: في درعها الفضفاض جسدٌ أْبيضُ، فارتفاعُه بالابتداء، والجارُّ والمجرور قبله الخبرُ، والجملة من صفة "الجارية". وإنما اختاروا النقل بالهمزة في التعجّب, لأنها أكثرُ في النقل، ولزم هذا اللفظُ الواحدَ، ولم يتجاوزوا إلى غيره، وإن كان غيره مستعملًا في باب النقل، وذلك حين مُنع فعله من التصرّف، وإن كان أصله التصرّف. وهذا معنى قوله: "وفي لسانهم أن يجعلوا لبعض الاْبواب شأنًا ليس لغيره لمعنًى". وذلك نحوُ: "ما"، و"لا"، و"لاتَ" ألا ترى أنّ "ما"، و"لا"، و"لاتَ" تُشبَّه بـ "لَيسَ"، فتعمل عملَها من رفع الاسم ونصب الخبر، كما أنّ "لَيسَ" كذلك، فلم يتصرّفوا في "ما" كتصرّفهم في "لَيْسَ"، فمنعوا من تقديم الخبر على الاسم فيها، ومن دخولِ "إلَّا" على الخبر، وقصروا "لا" على العمل في النكرة دون المعرفة، وقصروا "لاتَ" على العمل في الأحيان دون غيرها، وإن كان مجرى الجميع في الشبَه واحدًا، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وأما "أكرم بزيد", فقيل: أصله: "أكرم زيدٌ", أي صار ذا كرم، كـ "أغد البعير" أي: صار ذا غُدة، إلا أنه أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر، كما أخرج على لفظ الخبر ما معناه الدعاء في قولهم:"﵀". والباء مثلها في "كفي بالله", وفي هذا ضرب من التعسف. وعندي أن أسهل منه مأخذاً أن يقال إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيداً كريماً، أي بأن يصفه بالكرم, والباء مزيدة مثلها في قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ (١) للتأكيد والاختصاص، أو بأن يصيره ذا كرم, والباء للتعدية. هذا أصله, ثم

стр. 1783

جرى مجرى المثل, فلم يغير عن لفظ الواحد في قولك: "يا رجلان أكرم بزيد", و"يا رجال أكرم بزيد". * * * قال الشارح: اعلم أن هذا الفعل منقول من "أفْعَلَ" التي للصيرورة حين أرادوا المبالغة والمدح بذلك الفعل، من قولهم: "أنْحَزَ الرجل" إذا صار ذا مال فيها النُّحاز، و"أجْرَبَ" إذا كان ذا إبل فيها الجَرَب، و"أغَدَّ البعير" إذا صار ذا غُدَّةٍ. فكذلك لمّا أرادوا التعجّبَ من الكَرَم والحُسْن، نقلوه إلى "أكْرَمَ" و"أحسن"، ثمّ تَعجّبوا منه بصيغة الأمر، فقالوا: "أكْرِمْ"، و"أحْسِنْ". اللفظُ لفظ الأمر في قطع همزته وإسكانِ آخِره، ومعناه الخبر. فالنقلُ هنا نظير النقل في "ما أكرم زيدًا! " ألا ترى أنك ما عدّيتَه بالهمزة إلَّا بعد أن نقلتَه إلى "أفْعَلَ" التي معناها المبالغة؛ لأن التعجّب لا يكون إلَّا فيما قد ثبت واستقرّ حتى فاق أشكالَه، وخرج عن العادة، فلا يُقال لمن أنفق درهمًا: "ما أكرمه! " ولا لمن ضرب مرة: "ما أضربه! " إنما يُقال ذلك لمن قدُمَ تكرُّر الفعل منه حتى صار كالطبيعة والغريزة، وذلك قولك: "يا زيدُ أكْرِمْ بعمرو"، و"يا هندُ أكرم بعمرو"، و"يا رجلان أكرم بعمرو". وكذلك جماعةُ الرجال والنساء؟ قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (١)، والمعنى: ما أسْمَعَهم، وما أبْصَرَهُم، وحّدتَ لفظ الفعل، وذكرته، لأنك لست تأمر المخاطَبين الذين تُحدِّثهم، ولا تسألُهم أن يُكْرِموا أحدًا، إنما تُخْبِرهم أن عمرًا كريمٌ. وقولك: "يا زيدُ" إنما هو تنبية له على استماع كلامك وحديثِك. والفعلُ الذي هو "أكْرِمْ" ليس لزيد، فيتأنّثَ بتأنيثه، ويتذكرَ بتذكيره، ويُثنَّى له، ويُجمَعَ، وإنما هو لعمرو. والمجرورُ بالباء فموضعُه رفعٌ، والباء زائدة على حد زيادتها في ﴿وَكَفَى بِاللهِ﴾ (٢) والمراد: وكَفى الله، والذي يدلّ على ذلك أنك إذا أسقطت الباء، ارتفع الاسمُ. قال [من الطويل]: كفى الشيبُ والإِسلامُ للمَرْء ناهِيا (٣) وإنّما قلنا: إن المجرور في "أحسنْ بزيد" هو الفاعل؛ لأنه لا فِعْلَ إلَّا بفاعلٍ، وليس معنى ما يصلح أن يكون فاعلًا إلَّا المجرورُ بالباء، وهو الذي قد كرم وحسن، فاللفظُ محتمِلٌ والمعنى عليه. ولزمت الباء هنا لتُؤْذِن بمعنى التعجّب بمخالَفة سائر الأخبار. فإن قيل: فكيف صار الفاعل هنا المتعجَّب منه فاعلاً, وهو في قولك: "ما أكرم زيدًا" مفعول؟ فالجواب أن الفاعل هنا ليس شيئًا غير المفعول، ألا ترى أنك إذا قلت: "ما أحسن زيدًا"، فتقديره: شيءٌ حسّن زيدًا، وذلك الشيء ليس غير زيد؟ فإن الحسن لو

стр. 1784

حَلَّ في غيره، لم يحسن هو، فكأن ذلك الشيء مَثَلًا عينُه أو وجهُه، وليسا غيره. فلذلك جاز أن يكون مفعولًا في ذلك اللفظ، وفاعلًا في هذا اللفظ، إذا المعنى واحدٌ. فإن قيل: فما وجه استعمال التعجّب على لفظ الأمر وإدخالِ الباء معه؟ قيل: أرادوا بذلك التوسّعَ في العبارة، والمبالغةَ في المعنى. أمّا التوسّع فظاهرٌ؛ لأن تأدِيَةَ المعنى بلفظَين أوسعُ من قصره على لفظ واحد. وأمّا دخول الباء؛ فلِما ذكرناه من إرادة الدلالة على التعجّب، إذ لو أُريد الأمرُ، لكان كسائر الاْفعال، ويتعدّى بما يتعدّى تلك الأفعالُ، فكنت تقول في "أحْسِنْ بزيد": "أحسن إلى زيد"؛ لأنك تقول: "أحسنتُ إلى زيد"، ولا تقول: "أحسنت بزيد". فأمّا قول صاحب الكتاب: "وفي هذا ضربٌ من التعسف وعندي أن أسهلَ مَأْخَذًا منه أن يُقال إِنّه أمرٌ لكل أحد بأن يجعل زيدًا كريمًا" إلى آخر الفصل، فإن المذهب الأول مذهب سيبويه والجماعةِ. وهذا الذي زعم أنه أسهلُ مأخذًا، وعزاه إلى نفسه، فهو شيٌ يُحْكَى عن أبي إسحاق الزجاج. وذكر في الباء وجهَين: أحدهما: أن تكون مزيدة للتأكيد على حدّها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١)، والمراد: أيْدِيَكم. والوجه الثاني: أن تكون للتعدية، ويكون معنى "أكرم بزيد": صَيِّرِ الكَرَمَ في زيد، كما يُقال: "نزلتُ بالجبل"، أي: في الجبل. وذلك بعيدٌ من الصواب، وذلك لأُمور: منها أنه وإن كان بلفظ الأمر، فليس بأمرٍ، وإنما هو خبرٌ محتمِلٌ للصدق والكذب، فيصحّ أن يُقال في جوابه: "صدقتَ"، أو"كذبتَ"؛ لأنه في معنى "حسُن زيدٌ جدًّا". ومنها أنه لو كان أمرًا، لكان فيه ضميرُ المأمور، فكان يلزم تثنيتُه وجمعُه وتأنيثُه على حسب أحوال المخاطَبين. ومنها أنه كان يصح أن يُجاب بالفاء كما يصح ذلك في كل أمر، نحوَ: "أكْرِمْ بعمرو فيشكرَك"، و"أجمِلْ بخالدٍ فيُعْطِيَك" على حد قولك: "أعْطِني فأشكرَك". فلمّا لم يجز شيءٌ من ذلك، دل على ما ذكرناه، فاعرفه. فصل ["ما" التعجبية] قال صاحب الكتاب: واختلفوا في "ما", فهي عند سيبويه (٢) غير موصولة ولا موصوفة، وهي مبتدأ ما بعد خبره, وعند الأخفش موصولة, صلتها ما بعدها, وهي مبتدأ محذوف الخبر, وعند بعضهم فيها معنى الاستفهام, كأنه قيل: "أي شيء أكرمه؟ " * * *

стр. 1785

قال الشارح: قد تقدّم القول في "ما" هذه التي للتعجب، وأنّ مذهب سيبويه والخليل فيها أنها اسم تامّ غير موصول، ولا موصوف، وتقديرها: بشَيْءٍ، والمعنى فيها "شيءٌ حسّن زيدًا"، أي: جعله حسنًا، وهي في موضعِ مرفوع بالابتداء، و"أحْسَنَ" فعلٌ ماضٍ غير متصرّف، وفيه ضميرٌ يرجع إلى "ما"، وَ"زَيْدًا"، مفعول به، والجملةُ في موضع الخبر، كما تقول: "عبدُ الله أحسن زيدًا". وأما الأخفش فإنه استبعد أن تكون اسمًا تامًّا غير استفهام، ولا جزاء، فاضطرب مذهبُه فيها، فقال -وهو المشهور من مذهبه- إنها اسم موصول بمعنى "الذي"، وما بعدها من قولك: "أحسن زيدًا" الصلة، والخبر محذوف، وتقديره: الذي أحسن زيدًا شيءٌ، وعليه جماعةٌ من الكوفيين. واحتجّ من يقول ذلك بقولهم: "حَسْبُك"، فهو اسم مبتدأٌ لم يؤتَ له بخبرٍ؛ لأن فيه معنى النَّهْي، فكانت "ما" كذلك. وحكى ابن درستويه أن الأخفش كان يقول مرة: "ما" في التعجّب بمعنى "الذي"، إلَّا أنه لم يُؤْتَ لها بصلةٍ، ومرةَ يقول: هي الموصوفة، إلَّا أنه لم يؤت لها بصفة، وذلك لما أُريد فيها من الإبهام، والفعلُ بعدها وما اتصل به في موضع الخبر. وهذا قريبٌ من مذهب الجماعة. وأما الأوّل فضعيف جدًا، وذلك لأُمورِ: منها أنه يعتقد أن الخبر محذوف، والخبرُ إنما ساغ حذفه إذا كان في اللفظ ما يدل عليه، ولا دليلَ ها هنا، فلا يسوغ الحذف. ومنها أنهم يقدّرون المحذوف بشَيْءٍ، والخبرُ ينبغي أن يكون فيه زيادةُ فائدة، وهذا لا فائدةَ فيه؛ لأنه معلومٌ أن الحُسْن ونحوه إنما يكون بشيء أوْجَبَهُ، فقد أُضمر ما هو معلوم، فلم يكن فيه فائدةٌ. الثالث أن باب التعجّب بابُ إبهام، والصلةُ مُوضحةٌ للموصول، ففيه نقضٌ لما اعتزموه في باب التعجّب من إرادة الإبهام. وكان ابن درستويه يذهب في "ما" هذه إلى أنها التي يُستفهم بها في قولك: "ما تصنع؟ " و"ما عندك؟ " فهي بمنزلةِ "مَن" و"أي" في الإبهام. قال: وإنما وُضع هذا في التعجّب؛ لأجل أن التعجّب فيه إبهامٌ، وذلك أن التعجّب إنما يكون فيما جاوز الحدَّ المعروفَ، وخرج عن العادة، وصار كأنّه لا يُبْلَغ وَصْفه، ولا يُوقَف على كُنهه، فقولُك: "ما أحسن زيدًا! " في المعنى كقولك: "أيُّ رجل زيدٌ" إذا عنيتَ أنه رجلٌ عظيمٌ، أو جليلٌ ونحوَ ذلك. وهو مذهب الفرّاء من الكوفيين، إلَّا أن الفراء كان يذهب إلى أن "أفْعَلَ" بعدها اسمٌ حقُّه أن يكون مضافًا إلى ما بعده. والمذهبُ الأول، وما ذكره من أن "ما" استفهامٌ فبعيدٌ جدًا؛ لأن التعجّب خبرٌ محضٌ يحسن في جوابه صدقٌ أو كذبٌ، والمتكلّمُ لا يسأل المخاطب عن الشيء الذي جعله حسنًا، وإنما يُخْبره بأنه حسنٌ. ولو كانت "ما" استفهامًا، لم يسغ فيها صدقٌ أو كذبٌ؛ لأن الاستفهام ليس بخبرٍ، فاعرفه.

стр. 1786

فصل [عدم التصرف في الجملة التعجبية] قال صاحب الكتاب: ولا يُتصرف في الجملة التعجبية بتقديم, ولا تأخير, ولا فصل, فلا يقال: "عبد الله ما أحسن"، ولا: "ما عبد الله أحسن"، ولا "بزيد أكرم"، ولا "ما أحسن في الدار زيدًا"، ولا "أكرم اليوم بزيد". وقد أجاز الجرمي الفصل, وغيره من أصحابنا. وينصرهم قول القائل: "ما أحسن بالرجل أن يصدق! ". * * * قال الشارح: صيغة التعجّب تجري على منهاج واحد لا يختلف، فلا يجوز تقديم المفعول فيه على "ما" ولا على الفعل، فلا يجوز: "زيدًا ما أحسن"، ولا "ما زيدًا أحسن"، كما يجوز ذلك في غير التعجّب من نحوِ: "زيدًا عبدُ الله أكرم"، و"عبدُ الله زيدًا أكرم". ذلك لضُغفِ فعل التعجّب، وغَلَبَةِ شَبَه الاسم عليه لجواز تصغيره، وتصحيح المعتل منه من نحوِ "ما أُمَيلحَهُ! " و"ما أقْوَمَهُ! " فأمّا الفصل بين فعل التعجّب والمتعجَّب منه بظرفٍ أو نحوِه، فمختلَفٌ فيه. فذهب جماعةٌ من النحويين المتقدمين وغيرهم كالأخفش والمبرد إلى المنع من ذلك، واحتجّوا بأن التعجّب يجري مجرى الأمثال للزومه طريقة واحدةً، والأمثالُ الألفاظُ فيها مقصورة على السماع، نحوُ قولهم: "الصيفَ ضيّعتِ اللبنَ" يُقال ذلك بلفظ التأنيث، وإن كان المخاطب مذكّرًا. وذهب آخرون كالجَرْمي وغيره إلى جواز الفصل بالظرف، نحوِ قولك: "ما أحسن اليومَ زيدًا! " و"ما أجمل في الدار بكرًا! " واحتجّوا بأن فعل التعجّب وإن كان ضعيفًا، فلا ينحطّ عن درجةِ "إنَّ" في الحروف. وأنت تجيز الفصل في "إنَّ" بالظرف من نحوِ: "إنّ في الدار زيدًا"، و"لَيتَ لِي مِثلَك صديقًا". وإذا جاز ذلك في الحروف، كان في الفعل أجْوَزَ، وإن ضَعُفَ؛ لأنه لا يتقاصر عن الحرف. فأمّا سيبويه فلم يُصرِّح في الفعل بشيء، وإنما صرّح بمَنْع التقديم، فقال: ولا يجوز أن تُقدِّم "عبد الله"، وتؤخر "ما"، ولا أن تُزيل شيئًا عن موضعه، فظاهرُ اللفظ أنه أراد تقديمَ "ما" في أوّل الكلام، وإيلاء الفعل وتأخيرَ المتعجَّب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بالظرف. وقولهم: "ما أحسنَ بالرجل أن يَصْدُقَ"، فشاهد على جواز الفصل, لأنّ "أن يصدق" في موضع المفعول المتعجَّب منه، وقد فصل بالجاز والمجرور الذي هو "بالرجل" بينه وبين الفعل. والجوابُ عنه أن هذا، وإن كان قد ورد عن العرب، فقد فارق ما نحن فيه. وذلك أن التعجّب، وإن كان واقِعًا في اللفظ على "أتى" وصلتِها، فيرجع التعجّبُ في المعنى إلى "الرجل" المجرور، وذلك أنّ "أنْ" وصلتها مصدرٌ، والمصادرُ واقعةٌ من فاعليها، والمدحُ والذمّ إنما يلحقان الفاعلين. فلمّا كان يرجع التعجّبُ إلى "الرجل"، لم يقبح الفصلُ به إذ كان المستحق أن يلي فعلَ التعجّب في الحقيقة.

стр. 1787

وإنما اختصّ التعجّب بلفظ الماضي، لأن التعجّب مدحٌ، ولا يُمْدَح الإنسان إلَّا بما ثبت فيه، وعُرف به، فاعرفه. فصل [زيادة "كان" في التعجب للدلالة علي المضيّ] قال صاحب الكتاب: ويقال: "ما أحسن زيداً" للدلالة على المضي, وقد حكي "ما أصبح أبردها", و"ما أمسى أدفأها" والضمير للغداة. * * * قال الشارح: اعلم أنه قد تدخل "كانَ" في باب التعجّب زائدةً على معنى إلغائها عن العمل وإرادةِ معناها، وهو الدلالةُ على الزمان، وذلك نحو قولك: "ما كان أحسن زيدًا! " إذا أُريد أن الحسن كان فيما مضى. فـ "ما" مبتدأةٌ على ما كانت عليه، و"أحسن زيدًا" الخبر، و"كانَ" ملغاةٌ عن العمل مفيدةٌ للزمان الماضي، كما تقول: "من كان ضرب زيدًا؟ " تريد: "من ضرب زيدًا؟ " و"من كان يُكلِّمك؟ " تريد: "من يكلِّمك؟ " فـ "كانَ" تدخل في هذه المواضع، وإن أُلغيت من الإعراب، فمعناها باقٍ، وهي ها هنا نظيرةُ "ظننتُ" إذا أُلغيت، فإنه يُبطَل عملها، ومعنى الظنّ باقٍ. وذلك أن الزيادة على ضربَيْن: زيادةٌ مُبْطَلةُ العمل مع بقاء المعنى على ما ذكرناه، وزيادةٌ لا يُراد بها أكثر من التأكيد في المعنى، وإن كان العمل باقيًا، نحوُ: "ما جاءني من أحدٍ"، والمراد: ما جاءني أحدٌ. ومثله قولهم: "بحَسبك زيدٌ"، والمراد: حَسْبُك، و ﴿وَكَفَى بِاللهِ﴾ (١) والمراد: كفى الله. وكان السيرافيّ يذهب إلى جوازِ أن تكون "كانَ" ها هنا غير زائدة، وتكون خبرَ "ما"، وفيها ضميرٌ من "ما"، و"أحسن زيدًا" خبرُ "كانَ". وقد حكاه الزجّاجيّ، وفيه بُعدٌ؛ لأن فعل التعجّب لا يكون إلَّا "أفْعَلَ" منقولًا من "فَعَلَ"، فجَعْلُه على غير هذا البناء عديمُ النظير. وقد قالوا: "ما أحسن ما كان زيدٌ! " ترفع "زيدًا" هنا لا غير، و"كانَ" تامّةٌ هنا. و"زيدٌ" فاعلٌ، و"ما"، مع الفعل مصدرٌ، والتقدير: "ما أحسنَ كونَ زيد! " وجاز التعجّبُ من الكون، وهو في الحقيقة لزيدٍ, لأنّ كونه ملتبسٌ به، ألا ترى إلى قول الشاعر [من الطويل]: ١٠٥٥ - [وتَشرُقُ بالقولِ الذي قد أذَعْتَهُ] ... كما شَرِقَتْ صدرُ القَناةِ من الدَّمِ

стр. 1788

كيف أنّث الفعل، وهو للصَّدْر، إذ كان صدر القناة ملتبسًا بالقناة؟ ولا يجوز نصبُ "زيد" هنا، لأنه إذا نُصب، كان خبرًا، لـ "كانَ"، ويكون اسمُها مضمرًا فيها، وذلك المضمر هو"زيدٌ" في المعنى، لأنه مفردٌ. والخبر إذا كان مفردًا كان هو الأول في المعنى، وذلك الضميرُ راجع إلى "ما"، و"ما" لا يعقل، و"زيدٌ" يعقل، فكان يتنافى المعنيان، فاعرفه. ولا يزاد في باب التعجّب إلَّا "كانَ" وحدَها دون غيرها من أخواتها، وذلك لأنها أُمُّ الأفعال لا ينفك فعلٌ من معناها. وقد قالوا: "ما أصبح أبرَدَها! " و"ما أمْسَى أدْفَأها! " حكى ذلك الأخفش، ولم يحكه سيبويه. وأنّث الضمير، لأنه أراد الغداة والعشية. وفي ذلك بُعْدٌ؛ لأنهم جعلوا "أصبح"، و"أمس" بمنزلةِ "كانَ"، وليسا مثلها؛ لأنهما لا يكونان زائدين بخلافِ "كان". ومن الفرقان بينهما أن "كانَ" لا تدلّ على شيءٍ في الحال، وإنما تدلّ على ماضٍ، نحوِ قولك: "كان زيدٌ قائمًا". وليس كذلك "أصبح"، و"أمسى"، فإنّهما يدلاّن على وجود الأمر في الحال، نحوَ قولك: "أصبح زيد غنيًا" أي: هو في الحال كذلك. وْاعلم أن "كانَ" في حال زيادتها لا اسم لها، ولا خبر، ولا فاعل، لأنها ملغاة عن العمل، هذا مذهب المحقّقين كابن السرّاج وأبي عليّ. وكان السيرافيّ يذهب إلى أنه لا بدّ لها من فاعلٍ بحكم الفعلية، وذلك الفاعلُ معنويٌّ يُقدَّر بالمصدر، ولفظُ "كانَ" يدلّ عليه على حدّ قولهم: "مَن كذب كان شرًّا له"، أي: كان الكذبُ، فاعرفه.

стр. 1789

ومن أصناف الفعل الثُّلاثِيُّ فصل [أبنية الفعل الثلاثي المجرَّد] قال صاحب الكتاب: للمجرد منه ثلاثة أبنية: "فعَلَ", و"فعِلَ" و"فَعُلَ". وكل واحد من الأولين على وجهين: متعد وغير متعد, ومضارعه على بناءين: مضارع "فَعَلَ" على "يَفْعِلُ" و"يفعُل"، ومضارع "فَعِلَ" على "يفعَل" و"يفعِل", والثالث على وجه واحد غير متعد, ومضارعه على بناء واحد, وهو "يفعُل". فمثال "فَعَلَ": "ضربه" "يضربه"، و"جلس" ,"يجلس"، و"قتله", "يقتله"، و"قعد", "يقعد". ومثالُ "فَعِلَ": "شرِبه", "يشربه"، و"فرِح", "يفرَح"، و"ومِقه", "يمقه"، و"وثق", "يثق". ومثال "فَعُلَ": "كرُم", "يكرُم". * * * قال الشارح: اعلم أن الأفعال على ضربين: ثلاثيّة ورباعية لا غير، كأنها نقصت عن درجة الأسماء؛ لقوّة الأسماء، واستغنائِها عن الأفعال، وحاجةِ الأفعال إليها، ففضلت الأسماءُ بأن جُعلت ثلاثيّة ورباعية وخماسيّة، والأفعالُ لا تكون إلَّا ثلاثيّة ورباعيّة. فأمّا الثلاثيّ، فيكون مجرّدًا من الزيادة، وغير مجرّد منها، فالمجرّدُ ثلاثةُ أبنية: "فَعَلَ" بفتح العين، و"فَعِلَ"، بالكسر، و"فَعُلَ" بالضمّ، وأمّا "فُعِلَ" بضمّ الفاء وكسر العين، فبناءُ ما لم يسمّ فاعلُه، وليس بأصل في الأبنية، إنما هو منقول من "فَعَلَ"، أو"فَعِلَ". وقد تقدّم الكلام عليه، والخلاف فيه مستقصى، وليس في الثلاثيّ "فَعْلَ" ساكنَ العين. إنما ذلك من أبنية الأسماء، نحوِ: "فَلْسٍ"، و"كَعْبٍ". فأمّا قوله الشاعر [من الطويل]: فإن أهْجُهُ يَضْجَرْ كما ضَجْرَ بازلٌ ... مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتاه وغارِبُهْ (١)

стр. 1790

فإنه أراد "ضَجِرَ" بالكسر، و"دَبِرَت"، وإنّما أسكن تخفيفًا، كما قالوا في "عَلِمَ": "عَلْمَ"، وفي "شَهِدَ": "شَهْدَ". وقالوا في الاسم: "كَتْفٌ" في "كَتِفٍ"، وَ"فَخْذٌ" في "فَخِذٍ". فأفا قول الآخر [من الطويل]: ١٠٥٦ - وما كان مُبْتاعٌ ولو سَلْفَ صَفْقُهُ ... يُراجِعُ ما قد فاتَهُ بِرَدادِ فإنه أراد "سَلَفَ" بالفتح، وإنما أسكن ضرورة، فإسكانُ المفتوح ضرورةٌ، وإسكانُ المضموم والمكسور لغةٌ. فما كان من الأفعال "فَعَلَ" بفتح العين، فإنه يجيء على ضربين: متعدّ وغيرُ متعدّ. فالمتعدّي "ضَرَبَهُ"، و"قتله"، وغيرُ المتعدّي "قَعَدَ"، و"جَلَسَ". والمضارع منه يجيء على "يَفْعِلُ"، و"يَفْعُلُ"، بالكسر والضمّ. ويكثُران فيه حتى قال بعضهم: إنه ليس لأحدهما أوْلى من الآخر. وقد يكثر أحدُهما في عادة ألفاظ الناس، حتى يُطْرَح الآخر ويقبح استعمالُه. وقال بعضهم: إذا عُرف أن الماضي "فَعَلَ" بفتح العين، ولم يُغرَف المستقبل، فالوجهُ أن يكون "يَفْعِلُ" بالكسر؛ لأنه أكثر، والكسرُ أخفُّ من الضمّ. وقيل: هما سواءٌ فيما لا يُعْرَف. وقيل: إِن الأصل في مضارع المتعدّي الكسر، نحوُ: "يَضرِبُ"، وإن الأصل في مضارعِ غير المتعدّي الضمّ، نحوُ: "سَكَتَ"، "يَسْكُتُ"، و"قَعَدَ"، "يَقعُدُ". يُقال: هذا مقتضى القياس، إلَّا أنهما قد يتداخلان، فيجيء هذا في هذا. وربّما تَعاقبا على الفعل الواحد، نحوِ: "عَرَشَ"،
следующие страницы →