← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

فصل [عدم التصرف في الجملة التعجبية] قال صاحب الكتاب: ولا يُتصرف في الجملة التعجبية بتقديم, ولا تأخير, ولا فصل, فلا يقال: "عبد الله ما أحسن"، ولا: "ما عبد الله أحسن"، ولا "بزيد أكرم"، ولا "ما أحسن في الدار زيدًا"، ولا "أكرم اليوم بزيد". وقد أجاز الجرمي الفصل, وغيره من أصحابنا. وينصرهم قول القائل: "ما أحسن بالرجل أن يصدق! ". * * * قال الشارح: صيغة التعجّب تجري على منهاج واحد لا يختلف، فلا يجوز تقديم المفعول فيه على "ما" ولا على الفعل، فلا يجوز: "زيدًا ما أحسن"، ولا "ما زيدًا أحسن"، كما يجوز ذلك في غير التعجّب من نحوِ: "زيدًا عبدُ الله أكرم"، و"عبدُ الله زيدًا أكرم". ذلك لضُغفِ فعل التعجّب، وغَلَبَةِ شَبَه الاسم عليه لجواز تصغيره، وتصحيح المعتل منه من نحوِ "ما أُمَيلحَهُ! " و"ما أقْوَمَهُ! " فأمّا الفصل بين فعل التعجّب والمتعجَّب منه بظرفٍ أو نحوِه، فمختلَفٌ فيه. فذهب جماعةٌ من النحويين المتقدمين وغيرهم كالأخفش والمبرد إلى المنع من ذلك، واحتجّوا بأن التعجّب يجري مجرى الأمثال للزومه طريقة واحدةً، والأمثالُ الألفاظُ فيها مقصورة على السماع، نحوُ قولهم: "الصيفَ ضيّعتِ اللبنَ" يُقال ذلك بلفظ التأنيث، وإن كان المخاطب مذكّرًا. وذهب آخرون كالجَرْمي وغيره إلى جواز الفصل بالظرف، نحوِ قولك: "ما أحسن اليومَ زيدًا! " و"ما أجمل في الدار بكرًا! " واحتجّوا بأن فعل التعجّب وإن كان ضعيفًا، فلا ينحطّ عن درجةِ "إنَّ" في الحروف. وأنت تجيز الفصل في "إنَّ" بالظرف من نحوِ: "إنّ في الدار زيدًا"، و"لَيتَ لِي مِثلَك صديقًا". وإذا جاز ذلك في الحروف، كان في الفعل أجْوَزَ، وإن ضَعُفَ؛ لأنه لا يتقاصر عن الحرف. فأمّا سيبويه فلم يُصرِّح في الفعل بشيء، وإنما صرّح بمَنْع التقديم، فقال: ولا يجوز أن تُقدِّم "عبد الله"، وتؤخر "ما"، ولا أن تُزيل شيئًا عن موضعه، فظاهرُ اللفظ أنه أراد تقديمَ "ما" في أوّل الكلام، وإيلاء الفعل وتأخيرَ المتعجَّب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بالظرف. وقولهم: "ما أحسنَ بالرجل أن يَصْدُقَ"، فشاهد على جواز الفصل, لأنّ "أن يصدق" في موضع المفعول المتعجَّب منه، وقد فصل بالجاز والمجرور الذي هو "بالرجل" بينه وبين الفعل. والجوابُ عنه أن هذا، وإن كان قد ورد عن العرب، فقد فارق ما نحن فيه. وذلك أن التعجّب، وإن كان واقِعًا في اللفظ على "أتى" وصلتِها، فيرجع التعجّبُ في المعنى إلى "الرجل" المجرور، وذلك أنّ "أنْ" وصلتها مصدرٌ، والمصادرُ واقعةٌ من فاعليها، والمدحُ والذمّ إنما يلحقان الفاعلين. فلمّا كان يرجع التعجّبُ إلى "الرجل"، لم يقبح الفصلُ به إذ كان المستحق أن يلي فعلَ التعجّب في الحقيقة.

стр. 1787

وإنما اختصّ التعجّب بلفظ الماضي، لأن التعجّب مدحٌ، ولا يُمْدَح الإنسان إلَّا بما ثبت فيه، وعُرف به، فاعرفه. فصل [زيادة "كان" في التعجب للدلالة علي المضيّ] قال صاحب الكتاب: ويقال: "ما أحسن زيداً" للدلالة على المضي, وقد حكي "ما أصبح أبردها", و"ما أمسى أدفأها" والضمير للغداة. * * * قال الشارح: اعلم أنه قد تدخل "كانَ" في باب التعجّب زائدةً على معنى إلغائها عن العمل وإرادةِ معناها، وهو الدلالةُ على الزمان، وذلك نحو قولك: "ما كان أحسن زيدًا! " إذا أُريد أن الحسن كان فيما مضى. فـ "ما" مبتدأةٌ على ما كانت عليه، و"أحسن زيدًا" الخبر، و"كانَ" ملغاةٌ عن العمل مفيدةٌ للزمان الماضي، كما تقول: "من كان ضرب زيدًا؟ " تريد: "من ضرب زيدًا؟ " و"من كان يُكلِّمك؟ " تريد: "من يكلِّمك؟ " فـ "كانَ" تدخل في هذه المواضع، وإن أُلغيت من الإعراب، فمعناها باقٍ، وهي ها هنا نظيرةُ "ظننتُ" إذا أُلغيت، فإنه يُبطَل عملها، ومعنى الظنّ باقٍ. وذلك أن الزيادة على ضربَيْن: زيادةٌ مُبْطَلةُ العمل مع بقاء المعنى على ما ذكرناه، وزيادةٌ لا يُراد بها أكثر من التأكيد في المعنى، وإن كان العمل باقيًا، نحوُ: "ما جاءني من أحدٍ"، والمراد: ما جاءني أحدٌ. ومثله قولهم: "بحَسبك زيدٌ"، والمراد: حَسْبُك، و ﴿وَكَفَى بِاللهِ﴾ (١) والمراد: كفى الله. وكان السيرافيّ يذهب إلى جوازِ أن تكون "كانَ" ها هنا غير زائدة، وتكون خبرَ "ما"، وفيها ضميرٌ من "ما"، و"أحسن زيدًا" خبرُ "كانَ". وقد حكاه الزجّاجيّ، وفيه بُعدٌ؛ لأن فعل التعجّب لا يكون إلَّا "أفْعَلَ" منقولًا من "فَعَلَ"، فجَعْلُه على غير هذا البناء عديمُ النظير. وقد قالوا: "ما أحسن ما كان زيدٌ! " ترفع "زيدًا" هنا لا غير، و"كانَ" تامّةٌ هنا. و"زيدٌ" فاعلٌ، و"ما"، مع الفعل مصدرٌ، والتقدير: "ما أحسنَ كونَ زيد! " وجاز التعجّبُ من الكون، وهو في الحقيقة لزيدٍ, لأنّ كونه ملتبسٌ به، ألا ترى إلى قول الشاعر [من الطويل]: ١٠٥٥ - [وتَشرُقُ بالقولِ الذي قد أذَعْتَهُ] ... كما شَرِقَتْ صدرُ القَناةِ من الدَّمِ

стр. 1788

كيف أنّث الفعل، وهو للصَّدْر، إذ كان صدر القناة ملتبسًا بالقناة؟ ولا يجوز نصبُ "زيد" هنا، لأنه إذا نُصب، كان خبرًا، لـ "كانَ"، ويكون اسمُها مضمرًا فيها، وذلك المضمر هو"زيدٌ" في المعنى، لأنه مفردٌ. والخبر إذا كان مفردًا كان هو الأول في المعنى، وذلك الضميرُ راجع إلى "ما"، و"ما" لا يعقل، و"زيدٌ" يعقل، فكان يتنافى المعنيان، فاعرفه. ولا يزاد في باب التعجّب إلَّا "كانَ" وحدَها دون غيرها من أخواتها، وذلك لأنها أُمُّ الأفعال لا ينفك فعلٌ من معناها. وقد قالوا: "ما أصبح أبرَدَها! " و"ما أمْسَى أدْفَأها! " حكى ذلك الأخفش، ولم يحكه سيبويه. وأنّث الضمير، لأنه أراد الغداة والعشية. وفي ذلك بُعْدٌ؛ لأنهم جعلوا "أصبح"، و"أمس" بمنزلةِ "كانَ"، وليسا مثلها؛ لأنهما لا يكونان زائدين بخلافِ "كان". ومن الفرقان بينهما أن "كانَ" لا تدلّ على شيءٍ في الحال، وإنما تدلّ على ماضٍ، نحوِ قولك: "كان زيدٌ قائمًا". وليس كذلك "أصبح"، و"أمسى"، فإنّهما يدلاّن على وجود الأمر في الحال، نحوَ قولك: "أصبح زيد غنيًا" أي: هو في الحال كذلك. وْاعلم أن "كانَ" في حال زيادتها لا اسم لها، ولا خبر، ولا فاعل، لأنها ملغاة عن العمل، هذا مذهب المحقّقين كابن السرّاج وأبي عليّ. وكان السيرافيّ يذهب إلى أنه لا بدّ لها من فاعلٍ بحكم الفعلية، وذلك الفاعلُ معنويٌّ يُقدَّر بالمصدر، ولفظُ "كانَ" يدلّ عليه على حدّ قولهم: "مَن كذب كان شرًّا له"، أي: كان الكذبُ، فاعرفه.

стр. 1789

ومن أصناف الفعل الثُّلاثِيُّ فصل [أبنية الفعل الثلاثي المجرَّد] قال صاحب الكتاب: للمجرد منه ثلاثة أبنية: "فعَلَ", و"فعِلَ" و"فَعُلَ". وكل واحد من الأولين على وجهين: متعد وغير متعد, ومضارعه على بناءين: مضارع "فَعَلَ" على "يَفْعِلُ" و"يفعُل"، ومضارع "فَعِلَ" على "يفعَل" و"يفعِل", والثالث على وجه واحد غير متعد, ومضارعه على بناء واحد, وهو "يفعُل". فمثال "فَعَلَ": "ضربه" "يضربه"، و"جلس" ,"يجلس"، و"قتله", "يقتله"، و"قعد", "يقعد". ومثالُ "فَعِلَ": "شرِبه", "يشربه"، و"فرِح", "يفرَح"، و"ومِقه", "يمقه"، و"وثق", "يثق". ومثال "فَعُلَ": "كرُم", "يكرُم". * * * قال الشارح: اعلم أن الأفعال على ضربين: ثلاثيّة ورباعية لا غير، كأنها نقصت عن درجة الأسماء؛ لقوّة الأسماء، واستغنائِها عن الأفعال، وحاجةِ الأفعال إليها، ففضلت الأسماءُ بأن جُعلت ثلاثيّة ورباعية وخماسيّة، والأفعالُ لا تكون إلَّا ثلاثيّة ورباعيّة. فأمّا الثلاثيّ، فيكون مجرّدًا من الزيادة، وغير مجرّد منها، فالمجرّدُ ثلاثةُ أبنية: "فَعَلَ" بفتح العين، و"فَعِلَ"، بالكسر، و"فَعُلَ" بالضمّ، وأمّا "فُعِلَ" بضمّ الفاء وكسر العين، فبناءُ ما لم يسمّ فاعلُه، وليس بأصل في الأبنية، إنما هو منقول من "فَعَلَ"، أو"فَعِلَ". وقد تقدّم الكلام عليه، والخلاف فيه مستقصى، وليس في الثلاثيّ "فَعْلَ" ساكنَ العين. إنما ذلك من أبنية الأسماء، نحوِ: "فَلْسٍ"، و"كَعْبٍ". فأمّا قوله الشاعر [من الطويل]: فإن أهْجُهُ يَضْجَرْ كما ضَجْرَ بازلٌ ... مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتاه وغارِبُهْ (١)

стр. 1790

فإنه أراد "ضَجِرَ" بالكسر، و"دَبِرَت"، وإنّما أسكن تخفيفًا، كما قالوا في "عَلِمَ": "عَلْمَ"، وفي "شَهِدَ": "شَهْدَ". وقالوا في الاسم: "كَتْفٌ" في "كَتِفٍ"، وَ"فَخْذٌ" في "فَخِذٍ". فأفا قول الآخر [من الطويل]: ١٠٥٦ - وما كان مُبْتاعٌ ولو سَلْفَ صَفْقُهُ ... يُراجِعُ ما قد فاتَهُ بِرَدادِ فإنه أراد "سَلَفَ" بالفتح، وإنما أسكن ضرورة، فإسكانُ المفتوح ضرورةٌ، وإسكانُ المضموم والمكسور لغةٌ. فما كان من الأفعال "فَعَلَ" بفتح العين، فإنه يجيء على ضربين: متعدّ وغيرُ متعدّ. فالمتعدّي "ضَرَبَهُ"، و"قتله"، وغيرُ المتعدّي "قَعَدَ"، و"جَلَسَ". والمضارع منه يجيء على "يَفْعِلُ"، و"يَفْعُلُ"، بالكسر والضمّ. ويكثُران فيه حتى قال بعضهم: إنه ليس لأحدهما أوْلى من الآخر. وقد يكثر أحدُهما في عادة ألفاظ الناس، حتى يُطْرَح الآخر ويقبح استعمالُه. وقال بعضهم: إذا عُرف أن الماضي "فَعَلَ" بفتح العين، ولم يُغرَف المستقبل، فالوجهُ أن يكون "يَفْعِلُ" بالكسر؛ لأنه أكثر، والكسرُ أخفُّ من الضمّ. وقيل: هما سواءٌ فيما لا يُعْرَف. وقيل: إِن الأصل في مضارع المتعدّي الكسر، نحوُ: "يَضرِبُ"، وإن الأصل في مضارعِ غير المتعدّي الضمّ، نحوُ: "سَكَتَ"، "يَسْكُتُ"، و"قَعَدَ"، "يَقعُدُ". يُقال: هذا مقتضى القياس، إلَّا أنهما قد يتداخلان، فيجيء هذا في هذا. وربّما تَعاقبا على الفعل الواحد، نحوِ: "عَرَشَ"،

стр. 1791

"يَعْرُشُ"، و"يَعْرِشُ"، و"عَكَفَ"، و"يَعْكُفُ"، و"يَعْكِفُ"، وقد قُرىء بهما (١). وما كان "فَعِلَ" بكسر العين، فإنّه على ضربين: متعدّ وغيرُ متعدّ، فالمتعدّي، نحو: "شَرِبَهُ"، و"لَقِمَهُ"، وغيرُ المتعدي، نحو: "سَكِرَ"، و"فَرِقَ". والمضارع منهما على "يَفْعَلُ" بالفتح، نحوِ: "يَشْرَبُ"، و"يَلْقَمُ"، و"يَسْكَرُ"، و"يَفْرَق". وقد شَذَّ من ذلك أربعةُ أفعال جاءت على "فَعِلَ"، "يَفْعِلُ"، بالكسر في المضارع والماضي، وبالفتح في المضارع أيضًا، قالوا: "حَسِبَ"، "يَحْسِبُ"، و"يَحْسَبُ"، و"يَئِسَ"، "يَيْئِسُ"، وَ"يَيْأسُ"، و"نَعِمَ"، "ينْعِمُ"، و"يَنْعَمُ"، و"بَئِسَ"، "يَبئِسُ"، وَ"يَبْأسُ". قال سيبويه (٢): سمعنا من العرب من يقول [من الطويل]: ١٠٥٧ - [ألَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطَّلَلُ البَالي] ... فَهَلْ يَنْعِمَنْ من كان في العُصُر الخالي والفتح في هذا كله هو الأصل، والكسر على التشبيه بـ "ظَرُفَ"، "يَظْرُفُ". وقد

стр. 1792

يكثر في المعتل "فَعِلَ"، "يَفْعِل" بكسر العين في الماضي والمضارع على قلّته في الصحيح، نحو: "وَرِثَ"، "يَرِثُ"، و"وَلِيَ"، "يَلِي"، و"وَرِمَ"، "يَرِمُ". والعلّةُ في ذلك كراهيتُهم الجمعَ بين واو وياء لو قالوا: "يَوْلَى"، و"يَوْرَثُ"، فحملوا المضارع علي بناءٍ يسقط الواو فيه. وربما جاء منه شيء على "فَعِلَ"، "يَفْعُلُ"، بكسر العين في الماضي وضمّها في المستقبل، قالوا: "فَضِلَ يَفْضُل"، وهو قليل شاذّ على ما سيوضح أمرُه بعدُ إن شاء الله. وأمّا البناء الثالث -وهو "فَعُلَ" مضمومَ العين- فلا يكون إلَّا غير متعدّ، نحو: "كَرُمَ"، و"ظَرُفَ". قال سيبويه (١): وليس في الكلام "فَعُلْتُه" متعدّيًا. ولا يكون مضارعه إلَّا مضمومًا، نحوَ: "يَكرُمُ"، و"يَظرُفُ"، لأنه موضوعٌ للغرائز والهَيْئة من غيرِ أن يفعل بغيره شيئًا، بخلافِ "فَعَلَ" و"فَعِلَ" اللذين يكونان لازمَيْن ومتعدّيين، ولم يشذّ منه شيءٌ إلَّا ما حكاه سيبويه (٢) من أنّ بعضهم قال: "كُدْت" "أكادُ"، والقياس "أكُودُ". * * * قال صاحب الكتاب: وأما "فعَل" "يفعَل" فليس بأصل ومن ثم لم يجيء إلا مشروطاً فيه أن يكون عينه أو لامه أحد حروف الحلق: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين إلا ما شذ من نحو "أبى" "يأبى" و"ركن" "يركن". * * * قال الشارح: -أدام الله أيامه- أمّا "فَعَلَ" "يَفْعَلُ"، فلم يأتِ عنهم إلَّا أن تكون العين أو اللام أحد حروف الحلق، وليس ذلك بالأصل، إنما هو لضرب من التخفيف بتجانُس الأصوات. وحروف الحلق ستّة: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء. هذا ترتيبُها، فالهمزةُ والهاء من أوّلِ مَخارج الحلق ممّا يلي الصدرَ، فأقصاه الهمزة، ثمّ يليه الهاء والحاء والعين من وَسَط الحلق، والحاء قبل العين والغين، والخاء من الجانب الآخر ممّا يقرب من الفم، والغين قبل الخاء لا على ما رتبها صاحب الكتاب. وذلك نحو:"قَرَأ"، "يَقْرَأُ"، "وجَبَهَ"، "يَجْبَهُ"، و"قَلَعَ"، "يَقْلَعُ"، و"ذَبَحَ"، "يَذبَحُ". وقالوا فيما كان فيه هذه الحروف عينًا: "سَألَ"، "يَسْألُ"، و"بَعَثَ"، "يَبْعَثُ"، و"نَغَرَ"، "يَنْغَرُ"، و"فَخَرَ"، "يَفْخَرُ". وإنما فعلوا ذلك، لأن هذه الحروف الستّة حلقيْة مستفِلة، والضمّة والكسرة مرتفعتان من الطَّرَف الآخر من الفم، فلمّا كان بينهما هذا التباعدُ في المَخْرَج، ضارعوا بالفتحة حروف الحلق؛ لأن الفتحة من الألف، والألفُ أقرب إلى حروف الحلق لتناسُب الأصوات، ويكون العملُ من وجه واحد. وقد جاء شيء من هذا النحو على الأصل،

стр. 1793

قالوا: "بَرَأ"، "يَبْرُؤُ"، و"هَنَأ"، "يَهْنُؤُ"، و"زَأرَ"، "يَزْئِزُ"، و"نَأمَ"، "يَنْئِمُ"، و"نَهَقَ"، "يَنْهِقُ". والأصلُ في الهمزة والهاء أقلّ؛ لاْنهما أدخلُ في الحلق. وكلَّما سفِل الحرفُ، كان الفتح له ألزمَ، وقالوا: "نَزَعَ" "يَنْزعُ"، و"رَجَعَ" "يَرْجِعُ"، و"نَطَحَ" "يَنْطِحُ"، و"جَنَحَ" "يَجْنِحُ". والأصل في العين أقل منه في الحاء؛ لأنها أقرب إلى الهمزة من الحاء، والأصل في العين والحاء والغين والخاء أحسن من الفتح؛ لأنها أشدّ ارتفاعًا إلى الفم، وذلك نحو: "نَزَعَ" "يَنْزعُ"، و"صَبَغَ" "يَصْبُغُ"، و"نَفَخَ" "يَنْفُخُ"، و"طَبَخَ" "يَطْبُخُ". فإن كانت هذه الحروف فاءاتٍ، نحوَ: "أمَرَ" "يَأمُرُ"، لم يلزم الفتح فيه لسكون حرف الحلق في المضارع. والساكنُ لا يوجب فتحَ ما بعده لضُعْفه بالسكون، وقالوا: "اْبَى" "يَأْبْى"، و"قَلَى" "يَقْلَى" و"غَسَا الليلُ" "يَغْسَى"، و"سَلَا" "يَسْلَا". وقالوا: "رَكَنَ" "يَرْكَنُ"، و"هَلَكَ" "يَهْلَكُ". وقرأ الحسن ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ (١). فكان محمّد بن السَّريّ يذهب في ذلك كلّه إلى أنها لغاتٌ تداخلت، وهو فيما آخِرُه ألفٌ أسهلُ، لأن الألف تُقارِب الهمزةَ، ولذلك شبّه سيبويه (٢) "أبَى" "يَاْبَى"، بـ "قَرَأ" "يَقْرَأُ"، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وأما "فَعِل", "يفعُل" نحو: "فضِل" "يفضُل" ومت تموت فمن تداخل اللغتين وكذلك "فعُل" "يفعَل" نحو "كُدْتَ" "تكاد". وللمزيد فيه خمسة وعشرون بناء تمر في أثناء التقاسيم بعون الله تعالى, والزيادة لا تخلو إما أن تكون من جنس حروف الكلمة أو من غير جنسها كما ذكر في أبنية الأسماء. * * * قال الشارح: لم يأتِ عنهم "فَعِلَ"، "يَفْعُلُ" بكسر العين في الماضي، وضمّها في المستقبل إلَّا أحرفٌ يسيرة، لا اعتدادَ بها لقلّتها وندرتها، قال أبو عثمان: أنشدني الأصمعي [من الطويل]: ١٠٥٨ - ذكرتُ ابنَ عَبْاسٍ ببابِ ابن عامرٍ ... وما مَرَّ من يَوْمِي ذكرتُ وما فَضِلْ

стр. 1794

وقد منع من ذلك أبو زيد، وأبو الحسن، وقد جاء عن غير سيبويه "حَضِرَ"، "يَحْضُرُ". وقالوا في المعتل: "مِت" "تَمُوتُ"، و"دِمْتَ" "تَدُومُ، وذلك كلّه من لغاتٍ تداخلت. والمراد بتداخُل اللغات أن قومًا يقولون: "فَضَلَ" بالفتح "يَفْضُلُ" بالضمّ، وقومًا يقولون: "فَضِلَ" بالكسر "يَفْضَلُ" بالفتح. ثمّ كثُر ذلك حتى استُعمل مضارع هذه اللغة مع ماضي اللغة الأخُرى، لا أن ذلك أصلٌ في اللغة. وأمّا "فَعُلَ" مضمومَ العين في الماضي فبناءٌ لا يكون إلَّا لازمًا غير متعدّ؛ لأنه بناءٌ موضوعٌ للغرائز والهيئة التي يكون الإنسانُ عليها من غيرِ أن يفعل بغيره شيئًا، ولا يكون مضارعه إلَّا مضمومًا، بخلافِ "فَعَلَ" و"فَعِلَ" اللذين يكونان لازمين ومتعدّيين. ولم يشذّ منه شيءٌ إلَّا ما حكاه سيبويه من أن بعضهم قال: "كُدْتُ" بضمّ الكاف، "أكادُ"، وهو من تداخُل اللغات. فهذه جملة الأفعال الثلاثية المجرّدة من الزيادة. فأمّا ذواتُ الزيادة، فمعنى الزيادة إلحاق الكلمةِ ما ليس منها إمّا لإفادةِ معنى، وإمّا لضرب من التوسّع في اللغة، فهي نَيفٌ وعشرون بناءً على ما سيأتي الكلامُ عليها شيئًا فشيئًا. والزيادةُ اللاحقة للأفعال ضربان: أحدهما: ما يكون بتكرير حرف من أصل الفعل، نحوُ قولهم: "جَلْبَبَ"، و"شَمْلَلَ"، كُرّرت اللام فيها لتُلْحَق ببناء "دَحْرَجَ"، كما فعلوا ذلك في الاسم من نحو: "مَهْدَدٍ" (١)، و"قَرْدَدٍ" (٢)، وذلك قياس مطرد، لك أن تقول مِن "ضرب": "ضَرْبَبَ"، ومن "خرج": "خَرْجَجَ"؛ إذا أردت إلحاقه بـ "دَحْرَج"، كما فعلوا ذلك بـ "جَلْبَبَ"، و"شَمْلَل". الضرب الثاني: أن تكون الزيادة من جملة حروف الزيادة التي يجمعها "اليومَ تَنْساه" من نحو: "جَهْوَرَ" و"بَيْقَر"، زِيدَ فيهما الواو والياء لتُلْحَقا بـ "دَحْرَج". وذلك مسموع يوقَف عند ما قالوه من غير مجاوَزةِ له إلى غيره، فاعرفه.

стр. 1795

فصل [أبنية الفعل الثلاثي المزيد] قال صاحب الكتاب: وأبنية المزيد على ثلاثة أضرب: موازن للرباعي على سبيل الإلحاق، وموازن له على غير سبيل الإلحاق، وغير موازن له. فالأول على ثلاثة أوجه ملحق بدحرج نحو شملل وحوقل وبيطر وجهور وقلنس وقلسي. وملحق بتدحرج نحو تجلبب وتجورب وتشيطن وترهوك وتمسكن وتغافل وتكلم. وملحق باحرنجم نحو اقعنسس واسلنقي. ومصداق الإلحاق اتحاد المصدرين. والثاني نحو أخرج وجرب وقاتل يوازن دحرج غير أن مصدره مخالف لمصدره. والثالث نحو انطلق واقتدر واستخرج وأشهاب وأشهب وأغدودن واعلوَّط. * * * قال الشارح: اعلم أن أبنية المزيد فيه من الثلاثي على ثلاثة أضرب: موازن للرباعي على طريق الإلحاق، وذلك أن يكون الغرض من الزيادة تكثير الكلمة لتلحق بالرباعي لا لإفادةِ معنى توسُّعًا في اللغة. والثاني موازن لا على سبيل الإلحاق. وذلك أن الموازنة لم تكن الغرضَ، وإنما الزيادة لمعنًى آخر، والموازنةُ حصلت بحكم الاتّفاق. وغيرُ موازن. فالأول يكون على ضربَيْن: ضربٌ بتكريرِ حرف من نفس الكلمة لتلحق بغيرها، والآخر يكون بزيادة حرف من غير جنس حروفها. وهذا إنما يكون من حروف الزيادة، وذلك، نحو: "شَمْلَلَ" و"جَلْبَبَ"، إحدى اللامَين فيه زائدة، لأنه من "الجلب" و"الشمل". وإنما كُرّرت اللام للإلحاق بـ "دَحْرَجَ"، و"سَرْهَفَ"، فصار موازنًا له في حركاته وسكناته، ومثلَه في عدد الحروف. ولا يدغم المثلان فيه كما ادغما في "شَدَّ"، و"مَدَّ"، لئلا تبطل الموازنةُ، فيكون نقضًا للغرض من الإلحاق. وهذا القبيل من الإلحاق مطّرد ومَقيس، حتى لو اضُطرّ ساجعٌ أو شاعرٌ إلى مثلِ "ضَرْبَبَ" و"خرجج"، جاز له استعمالُه، وإن لم يسمعه من العرب؛ لكثرةِ ما جاء عنهم من ذلك. وأما الثاني: وهو ما أُلحق بزيادة من حروف الزيادة التي هي "اليوم تنساه"، فنحوُ الواو في "جَهْوَرَ"، و"حَوْقَلَ"، ونحو الياء في "شَيْطَنَ"، و"بَيْطَرَ"، والألف في نحو "سَلْقَى" (١)، و"قَلْسَى" (٢)، والنون في "قَلْنَسَ" (٣). فهذا كلّه أيضًا ملحق بـ "دحرج"، و"سرهف".

стр. 1796

ويكون متعدّيًا وغير متعدّ، فالمتعدّي نحو "صَوْمَعْتُه"، و"بَيْطَرْتُه"، وغيرُ المتعدّي، نحو: "حوقل، و"بيقر"، يُقال: "حوقل الشيخ" إذا أدبر عن النساء، و"بيقر" إذا هاجر من موضع إلى موضع. وهذا القبيلُ مقصور على السماع لقلّته. ومضارعُ هذه الأفعال كمضارع الرباعي، نحوُ: "يُشَمْلِلُ"، و"يُجَلْبِبُ"، و"يُحَوْقِلُ"، و"يُبَيطِرُ"، ومصدره "الشَّمْلَلَةُ"، و"الجلببة"، و"الحوقلة"، و"البيطرة" كمصدر الرباعيّ، نحوِ: "الدَّحْرَجَة"، و"الزلزلة"، و"القلقلة". وربّما جاء على "فِيعال" نحو: "حِيقال". قال الشاعر [من الرجز]: ١٠٥٩ - يا قومُ قد حَوْقَلْتُ أو دَنَوْتُ ... وشَرُّ حِيقال الرجالِ الموتُ فـ "فِيعالٌ" هنا ملحق بـ "فِعْلالٍ"، نحو: "السِّرْهاف". وقالوا: "سَلْقَيتُه سِلْقاء"، فهو "فِعْلاءٌ" ملحق بِـ "فِعْلال" كـ "السِّرْهاف"، و"االزِّلْزال". واعتبارُ الإلحاق بالمصدر الأوّل، لأنه أغلبُ في الرباعيّ وألزمُ، وربّما لم يأتِ منه "فِعْلال"، قالوا: "دحرجته دَحْرَجَةً"، ولم يسمع "الدِّخراج"، ولذلك قال سيبويه (١): تقول: "دحرجتُه دَحْرَجَة واحدة"، و"زلزلتُه زلزلةً واحدة"، تجيء بالواحد على المصدر، لأنه الأغلبُ الأكثرُ. فأما قوله في "تَجَلْبَبَ"، و"تَجَوْرَبَ"، و"تَشَيْطَنَ"، و"تَرَهْوَكَ" أنها ملحقاتٌ بـ "تدحرج"، فكلامٌ فيه تسامحَ؛ لأنه يُوَهِّم أن التاء مزيدةٌ فيها للإلحاق، وليس الأمر كذلك؛ لأن حقيقةَ الإلحاق في "تجلبب" إنما هي بتكرير الباء ألْحَقَتْ "جلبب" بـ "دَحْرج"، والتاءُ دخلت لمعنى المطاوعة، كما كانت كذلك في "تدحرج" لأن الإلحاق لا يكون من أوّل الكلمة، إنما يكون حشوًا، أو آخِرًا، وكذلك "تَجَوْرَبَ"، و"تَشَيطَنَ"، و"تَرَهْوَكَ"، الإلحاقُ بالواو والياء، لا بالتاء على ما ذكرنا.

стр. 1797

وأمْا "تَمَسْكَنَ"، و"تَغافَلَ"، و"تَكَلَّم"، فليست الزيادة فيها للإلحاق، وإن كان على عدة الأربعة. فقولُهم: "تمسكن" شاذ من قبيل الغلط، ومثله قولهم: "تَمَدْرَعَ"، و"تمندل"، والصواب "تَسَكَّنَ"، و"تَدَرَّعَ"، و"تندّل". وكذلك "تَغافَلَ" ليست الألف للإلحاق؛ لأن الألف لا تكون حشوًا مُلْحِقةً، لأنها مَدّةٌ محضةٌ، فلا تقع موقعَ غيرها من الحروف، إنما تكون للإلحاق إذا وقعت آخرًا لنقص المدَّ فيها، مع إن حقيقة الإلحاق إذا وقع آخرًا إنما هو بالياء، لكنّها صارت ألفًا لوقوعها موقعَ متحرّك، وقبلها فتحةٌ. و"تَكَلَّمَ" كذلك، تضعيفُ العين لا يكون ملحِقًا، فإطلاقُه لفظَ الإلحاق هنا سَهوٌ. وأمّا "احْرَنْجَمَ"، ففعلٌ رباعيٌ، والنون فيه للمطاوعة، فهو في الرباعي بمنزلةِ "انْفَعَلَ" في الثلاثي، نحوِ: "حسرتُه فانحسر"، و"كسرتُه، فانكسر". و"اسْحَنْكَكَ"، و"اقْعَنْسَسَ" ثلاثي ملحق بـ "احرنجم". وحقيقةُ الإلحاق بتكرير اللام، ولذلك لا يدغم المثلان فيه، والنون مزيدة لمعنى المطاوعة، ولذلك لا يتعدّى. وأما الضرب الثاني، وهو الموازن من غير إلحاق، فهي ثلاثة أبنية: "أفْعَلَ"، و"فَعَّلَ"، و"فَاعَلَ"، نحو: "أخرج"، و"أكرم"، و"جرّب"، و"كسّر"، و" قاتل"، و"حارب". فهذه الأبنية، وإن كانت على وزنِ "دحرج" في حركاته وسكناته، فذلك شيءٌ كان بحكم الاتفاق، وليست الموازنة فيها مقصودة. والذي يدل على ذلك أنك تقول: "أكرم إكرامًا"، و"كَسَّرَ تكسيرًا"، و"قاتل مُقاتَلة وقِتالاً"، فلم تأتِ مصادرها على نحو "الدَّحْرَجَة"، و"الزلْزَلَة"، فلمّا خالفت مصادرَ الرباعيّ، علم أنها ليست للإلحاق، وإن اتّفقت في المضارع؛ لأن الاعتبار بالمصادر التي هي أصلها. وأمر آخر يدل على ما ذكرنا أنّ ما زِيدَ للإلحاق ليس الغرضُ منه إلَّا إتباعَ لفظٍ للفظٍ لا غير، نحوَ: واو"جَوْهَرَ" و"جَهْوَرَ" دخلت لإلحاق هذا البناء الثلاثيّ ببناء "دحرج" الرباعي. فهو شيءٌ يخصّ اللفظَ من غير أن يُحْدِث معنى. وهكذا الأبنية الثلاثة التي هي "أفْعَلَ"، و"فَعَّلَ"، و"فَاعَلَ"، فالزيادةُ في كل واحد منها أفادت معنَى لم يكن قبلُ، وقد استقصيتُ معانيها في كتابي في شرح المُلوكيّ في التصريف. وأما غير الموازن، فهو سبعة أبنية على ما ذكر، وذلك نحو: "انطلق"، و"اقتدر"، و"استخرج"، و"اشْهَابَّ" (١)، و"اشهَبَّ" (٢)، و"اغْدَوْدَنَ" (٣)، و"اعْلَوَّطَ"، فهذه الأبنية قد لزم أوّلَها همزةُ الوصل، وذلك لسكون أوّلها. وإنما سكن كراهيةَ أن يتوالى فيها أكثرُ من

стр. 1798

ثلاث متحرّكات. ألا ترى أنا لو حرّكنا النون من "انطلق"، والطاءُ واللام والقاف متحرّكات؛ لَتوالى فيها أربع متحرّكات، وذلك مفقود في كلامهم. وكذلك "افتعل" نحوُ: "اقتدر"، وسائرُها محمول على ما ذكرنا. فصل [معاني "فَعَلَ" و"فَعِلَ" و"فَعُلَ "] قال صاحب الكتاب: فما كان على "فَعَلَ" فهو على معان لا تضبط كثرة وسعة. وباب المغالبة مختص بـ "فَعَلَ يَفْعُلُ",كقولك: "كارمني, فكرمته, أكرمه"، و"كاثرني, فكثرته, أكثره". وكذلك: "عازني فعززته"، وخاصمني فخصمته، وهاجاني فهجوته, إلا ما كان معتل الفاء كوعدت أو معتل العين أو اللام من بنات الياء كبعت ورميت, فإنك تقول فيه: "أفْعِلُه" بالكسر، كقولك: خايرته فخرته أخيره. وعن الكسائي أنه استثنى أيضًا ما فيه أحد حروف الحلق وإنه يقال فيه "أفعَلُه" بالفتح. وحكى أبو زيد "شاعرته, أشعره"، وفاخرته أفخره بالضم. قال سيبويه (١): وليس في كل شيء يكون هذا، ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنزعته استغنى عنه بغلبته. * * * قال الشارح: يريد أنّ "فَعَلَ" مفتوح العين يقع على معانٍ كثيرة لا تكاد تنحصر توسّعًا فيه لخفّة البناء واللفظ، واللفظُ إذا خفّ، كثُر استعماله واتسع التصرّفُ فيه، فهو يقع على ما كان عَمَلًا مَرْئيًّا. والمرادُ بالمرئيّ ما كان متعدّيًا فيه علاجٌ من الذي يُوقِعه بالذي يُوقَع به، فيُشاهَد، ويُرَى، وذلك نحوُ: "ضَرَبَ"، و"قَتَلَ"، ونحوِهما ممّا كان علاجًا مرئيًّا. وقالوا في غير المرئي: "شَكَرَ"، و"مَدَحَ". وقالوا في اللازم: "قَعَدَ"، و"جلس"، و"ثبت"، و"ذهب". وقالوا: "نطق الإنسان"، و"هدل الحَمام"، و"صهل الفرس، وضبح" ونحوَ ذلك ممّا معناه الصوت. وقالوا في خلافه: "سكت"، و"همس"، و"صمت". وقالوا في القطع: "جدع أنْفَه"، و"صرب النباتَ"، و"صرم الصديقَ". وقالوا: "نعس"، و"هجع"، و"رقد"، و"هجد"، ونحوَ ذلك ممّا معناه النوم. وقالوا: "أكل الإنسانُ"، و"رتع الفرسُ، ورَعَى" كلُّه أكْلٌ، وقالوا: "نكح"، و"ضربها الفَحْلُ"، و"قرعها"، كلُّه بمعنى الجِماع. وممّا لا يكون إلَّا فَعَلَ إذا كان الفعل بين اثنين كـ "قاتلته"، و"شاتمته". فإذا غلب أحدُهما، كان فعله على "فعَل يفعُل" بفتح العين في الماضي، والضمّ في المستقبل،

стр. 1799

نحوِ: "كارَمَنِي، فكَرَمْته، أكْرُمه"، و"خاصمني، فخصمته، أخصُمه"، و"هاجاني، فهجوته، أهجوه". وإنما كان كذلك؛ لأن "فَعَلَ" أخفّ الأبنية، ولأن الكسر يغلب عليه الأدواءُ والأحزان، والمغالبةُ موضوعة للفَلْج والظَّفَرِ، فتَحاموه لذلك. ولم يُبْنَ على "فَعُلَ" بالضمّ؛ لأنه بناءٌ لازمٌ، لا يكون منه "فعلتُه"، وفعلُ المغالبة متعدّ، فلم يأتِ عليه. ومضارعُه مضمومٌ, لأنه يجري مجرى الغرائز، إذ كان موضوعًا للغالب، فصار كالخصلة له، إلَّا أن يكون لامه أو عينه ياءً، أو فاؤُه واوًا، فإنه يلزم مضارعَه الكسرُ، نحوَ: "خايَرَني، فخِرْته، أخِيرُه"، و"راماني، فَرَمَيْتُه، أرْمِيه"، و"واعدني، فوعدتُه، أعِدُه"، و"واحلني، فوحلتُه، أحِلُه"؛ لأن الكسر له في الوصل قياسًا مستمرًّا لا ينكسر، فجاؤوا به هنا على مِنْهاجه، وليس كذلك ما تقدّم من الأبنية؛ لأنّ مضارعها مختلف. وحُكي عن الكسائيّ أنه استثنى ما فيه أحدُ حروف الحلق، وأنْه يُقال فيه: "أفْعَلُه". والحقُّ غيره؛ لأنّ ما فيه حرفُ الحلق قد لا يلزم طريقةً واحدةً، ويأتي على الأصل، نحوَ: "بَرَأ، يبرؤ"، و"هَنَأ، يَهْنَأ"، و"نَهَقَ، يَنْهَق"، و"نَزَعَ، يَنْزع" على ما سيأتي بيانه بعدُ، وليس كما ذكرناه ممْا يلزم فيه الكسر لا غير. وقد حكى أبو زيد: "شاعرتُه، أشعُره"، أي: غلبته في الشعْر، و"فاخرته، أفخُره" بالضمّ. وهذا نصٌّ على أنه لا يلزم فيه الفتح، ولا يكون ذلك في كل شيء. ألا ترى أنّه لا يُقال: "نازعني، فنزعته"؟ كأنّهم استَغْنَوا عنه بـ "غلبته"، كما استغنوا عن "ودعته"، "ووذرته"، بـ "تركته"، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: و"فَعِلَ" يكثر فيه الأعراض من العلل والأحزان وأضدادها, كـ "سقم" و"مرض" و"حزن" و"فرح" و"جذل" و"أشر" والألوان كـ "أدم" و"شهب" و"سود". و"فعُل", للخصال التي تكون في الأشياء, كحسُن وقبُح وصغُر وكبُر. * * * قال الشارح: وأمّا "فَعِلَ" بالكسر، فقد استُعمل أيضًا في معانٍ متّسعةٍ، نحوِ: "شَرِبَ الدَّواءَ"، و"سمِع الحديثَ"، و"حَذِرَ العدوّ"، و"عَلِمَ العِلْمَ"، و"رَحِمَ المسكينَ". ويكثر فيما كان داءً، نحوَ: "مرِض"، و"سقِم"، و"حبِط البعيرُ، وحبِج"، وهو أن ينتفخ بطنُه من أكلِ العَرْفَج. وقالوا: "غرِث"، و"عطِش"، و"ظمِىء"؛ لأنها أدواءُ. وقالوا: "فزِع"، و"فرِق"، و"وجِل"؛ لأنه داءٌ وصل إلى فؤاده. وقالوا: "حزِن"، و"غضِب"، و"حرِد"، و"سخِط"؛ لأنها أحزان وأدواء في القلب، وقالوا فيما يُضادّ ذلك: "فرِح"، و"بطِر"، و"أشِر"، و"جذِل". وقد جاء في الألوان، قالوا: "أدِم الرجلُ أُدْمَةَ"، وهي الشُّقْرة، و"شهِب الشيءُ

стр. 1800

شُهْبَةً"، وهو بياضٌ غلب على السواد، يُقال منه: "أشهب الرأسُ"، أي: كثر بياضُ شعره، وقالوا: "سَوِدَ الرجلُ" بمعنى "اسودّ" قال نُصيْبٌ [من الطويل]: ١٠٦٠ - سَوِدتُّ ولم أمْلِكْ سَوادي [وتحته ... قميصٌ مِن القُوهيِّ بِيضٌ بنائِقُه] وأمّا "فعُل" بالضمّ، فبناؤُه موضوع للغرائز والخصال التي يكون عليها الإنسان من حُسْنٍ وقبح ونحوهما، فمن ذلك "حَسُنَ الشيءُ يحسُن"، و"ملُح يملُح"، و"وسُم يوسُمُ"، و"جمُل يجمُلُ"، و"قبُح يقبُح"، و"سهُم وجهُه يسهُم". وقالوا في معناه: "شنُع، يشنُع، فهو شَنِيع"، و"جهُم وجهُه جُهومةً"، وقالوا: "شَرُف"، و"ظرُف"، و"سهُل سُهولةً"، و"صعُب صُعوبةً". وقالوا: "عظُم الشيءُ"، و"ضعُف"، إلى غير ذلك ممّا لا يكاد ينحصر، وبابُه ما ذكرناه، فاعرفه. فصل [معني "تفعلل "] قال صاحب الكتاب: و"تفعلل" يجيء مطاوع "فعلل" كـ "جوربة, فتجورب",

стр. 1801

و"جلببه فتجلبب" وبناء مقتضياً كـ "تسهوك" (١) , و"ترهوك" (٢). فصل [معاني "تَفَعَّلَ "] قال صاحب الكتاب: و"تَفَعَّلَ" يجيء مطاوع "فَعَّلَ" نحو: "كسرته, فتكسر، وقطعته فتقطع, وبمعنى التكلف نحو تشجع وتصبر وتحلم وتمرأ. قال حاتم [من الطويل]: ١٠٦١ - تحلم عن الأذنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما قال سيبويه (٣) وليس هذا مثل "تجاهل"؛ لأن هذا يطلب أن يصير حليمًا. ومنه تقيس وتنزر، وبمعنى استفعل كـ "تكبر", وتعظم وتعجل الشيء, وتيقنه وتقصاه وتثبته وتبينه، وللعمل بعد العمل في مهلة كقولك تجرعه وتحساه وتعرفه, وتفوقه ومنه تفهم وتبصر وتسمع، بمعنى اتخاذ

стр. 1802

الشيء نحو تديرت المكان, وتوسدت التراب. ومنه تبناه وبمعنى التجنب كقولك تحوب وتأثم وتهجد وتحرج أي تجنب الحوب والإثم والهجود والحرج. فصل [معاني "تفاعل "] قال صاحب الكتاب: و"تفاعل", لما يكون من اثنين فصاعداً نحو تضاربا وتضاربوا. ولا يخلو من أن يكون من فاعل المتعدي إلى مفعول أو المتعدي إلى مفعولين. فإن كان من المتعدي إلى مفعول كضارب؛ لم يتعد, وإن كان من المتعدي إلى مفعولين نحو نازعته الحديث وجاذبته الثوب وناسيسته البغضاء تعدي إلى واحد، كقولك تنازعنا الحديث وتجاذبنا الثوب وتناسينا البغضاء. ويجيء ليريك الفاعل أنه في حال ليس فيها نحو تغافلت وتعاميت وتجاهلت. قال [من الرجز]: إذا تخازرت وما بي من خزر (١) وبمنزلة فعلت كقولك توانيت في الأمر وتقاضيته وتجاوز الغاية, ومطاوع فاعلت نحو باعدته فتباعد. فصل [معاني "أفْعَلَ "] قال صاحب الكتاب: و"أفْعَلَ" للتعدية في الأكثر, نحو: "أجلسته" و"أمكثته". وللتعريض للشيء وأن يجعل بسبب منه نحو أقتلته وأبعته إذا عرضته للقتل والبيع. ومنه أقبرته وأشفيته وأسقيته إذا جعلت له قبراً وشفاء وسقيا وجعلته بسبب منه من قبل الهبة أو نحوها. أو لصيرورة الشيء ذا كذا نحو أغد البعير إذا صار ذا غدة، وأجرب الرجل وأنحز وأحال صار ذا جرب ونحاز (٢) وحيال (٣) في ماله. ومنه "ألام" (٤) و"أراب" (٥) و"أصرم النخل" (٦) وأحصد

стр. 1803

الزرع (١) , وأجزّ" (٢). ومنه "أبشر" و"أفطر" و"أكبّ", و"أقشع الغيم". ولوجود الشيء على صفة حو أحمدته أي وجدته محموداً، وأحييت الأرض أي وجدتها حية النبات. وفي كلام عمرو بن معد يكرب لمجاشع السلمي: "لله دركم يا بني سليم, قاتلناكم فما أجبناكم وسألناكم فما أبخلناكم وهاجيناكم فما أفحمناكم". وللسلب نحو: "أشكيته", و"أعجمت الكتاب" إذا أزلت الشكاية والعجمة. ويجيء. بمعنى "فعلت" تقول قلت البيع وأقلته وشغلته وأشغلته وبكر وأبكر. فصل [معاني "فَعَّلَ "] قال صاحب الكتاب: و"فَعَّلَ" يؤاخي "أفْعَلَ" في التعدية نحو فرحته وغرمته، ومنه خطأته وفسقته وزنيته وجدعته وعقرته. وفي السلب نحو فزعته وقذيت عينه وجلدت البعير وقردته، أي أزلت الفزع والقذي والجلد والقراد. وفي كونه بمعنى "فَعَلَ" كقولك زلته وزيلته وعضته وعوضته ومزته وميزته. ومجيئه للتكثير هو الغالب عليه, كقولك قطعت الثياب ﴿وغلقت الأبواب﴾ (٣)، وهو يجول ويطوف أن يكثر الجولان والطواف وبرك النعم وربض الشاء وموت المال (٤) ولا يقال للواحد. فصل [معاني "فاعَلَ "] قال صاحب الكتاب: و"فَاعَلَ" لأن يكون من غيرك إليك ما كان منك إليه، كقولك ضاربته وقاتلته، فإذا كنت الغالب قلت فاعلني ففعلته. ويجيء مجيء فعلت كقولك سافرت, بمعنى أفعلت نحو عافاك الله، وطارقت النعل, وبمعنى فعّلت نحو ضاعفت وناعمت. فصل [معاني "انفعل "] قال صاحب الكتاب: و"انفعل", لا يكون إلا مطاوع "فَعَلَ", كقولك: كسرته فانكسر، وحطمته فانحطم، إلا ما شذ من قولهم: أقحمته فانقحم، وأغلقته فانغلق، وأسفقته فانسفق، وأزعجته فانزعج. ولا يقع إلا حيث يكون علاج

стр. 1804

وتأثير، ولهذا كان قولهم "انعدم" خطأ. وقالوا قلته فانقال؛ لأن القائل يعمل في تحريك لسانه. * * * قال الشارح: فأمّا "انفعل"، فهو بناء مطاوع لا يكون متعدّيًا ألبتّة. وأصله الثلاثة، ثمّ تدخل الزيادة عليه من أوّله، نحوَ: "قطعته، فانقطع" و"شرحته، فانشرح"، و"حسرته، فانحسر". وقالوا: "طردته، فذهب" ولم يقولوا: "انطرد"، استغنوا عنه بـ "ذهب". فأمّا "انطلق"، فإنه لم يستعمل فعله الذي هو مطاوعه، ومثله: "أزعَجْته، فانزعج"، و"أغلقت البابَ، فانغلق"، كأنهم طاوعوا به أفْعَلَ. ومنه قوله [من البسيط]: ١٠٦٢ - [لا خطوتي تَتَعاطَى غيرَ موضعِها] ... ولا يَدِي في حَمِيتِ السَّكْنِ تَنْدَخِلُ جاء به على: "أدخلته، فاندخل"، وهذا شاذ. ولا يكون "فَعَلَ" الذي "انفعل" مطاوعٌ له إلَّا متعدّيًا، نحوَ: "كسرته، فانكسر"؛ فأمّا قول الشاعر [من الطويل]: وكم منزلٍ لولايَ طِحْتَ كما هَوَى ... بأجْرامه من قُلّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي (١) فإنّه استعمله من "هَوَى، يَهوِي"، وهو غير متعدّ كما ترى ضرورة، مع أن هذا البيت من قصيدة وقع فيها اضطرابٌ. واعلم أنه لا يستعمل "انفعل" إلَّا حيث يكون علاجٌ وعمل، فلذلك استُضعف "انعدم الشيءُ"، وقالوا: "قلت الكلام فانقال"؛ لأن القول له تأثيرٌ في إعمال اللسان وتحريكه.

стр. 1805

فصل [معاني "افتعل "] قال صاحب الكتاب: و"افْتَعَلَ" يُشارك "انفعل" في المطاوعة, كقولك: "غممته, فاغتم"، وشويته فاشتوى، ويقال: "انغم" و"انشوى". ويكون بمعنى تفاعل نحو اجتوروا واختصموا والتقوا وبمعنى الاتخاذ نحو اذَّبح واطّبخ واشتوى إذا اتخذ ذبيحة وطبيخاً وشواء لنفسه. ومنه اكتال واتزن. وبمنزلة "فَعَُِل" نحو قرأت واقترأت وخطف واختطف. وللزيادة على معناه كقولك اكتسب في كسب، واعتمل في عمل. قال سيبويه (١): أما "كسبت", فإنه يقول: أصبت، وأما اكتسبت فهو التصرف والطالب، والاعتماد بمنزلة الإضراب. * * * قال الشارح: أمّا "افتعل"، فهو بمنزلةِ "انفعل" في العدّة، ومثله في حركاته وسكناته. وله معانٍ، أغلبُها الاتّخاذ، يُقال: "اشتوى القوم اللحمَ" إذا اتخذوه شِواءً. وأمّا "شَوَيْت" فكقولك: "أنْضجت"، وكذلك "اختبز العجينَ، وخَبَزَهُ". وله معانٍ أُخَرُ: أحدها: أن يُستعمل بمعنى المطاوعة، فيُشارِك "انفعل"، ولا يتعدّى، كقولك: "غممته، فانغمّ، واغتمّ"، و"شَوَيْته، فانشوى، واشتوى"، وهو قليل. الثاني: أن يكون بمعنى "تَفاعل"، نحو: "اضطربوا"، والمراد: تضاربوا، و"اقتتلوا" في معنى "تقاتلوا"، ومنه "اعتونوا"، و"اجتوروا" في معنى "تعاونوا"، و"تجاوروا". الثالث: أن يجيء بمعنى "فَعَُِلَ"، لا يُراد به زيادةُ معنى، وتلزمه الزيادةُ، نحوَ: "افتقر" في معنى "فَقُرَ"؛ ولذلك تقول في الفاعل منه: "فَقِير". جاؤوا به على المعنى. ومن ذلك "اشتد"، فهو "شديد"، و"استلم الحجرَ". ولا يستعمل "سَلَمَ" ولا "يَسْلُمُ". وأمّا قولهم: "كسب"، و"اكتسب"، قال سيبويه: فرق بينهما: "كسب" بمعنى: أصاب مالًا، و"اكتسب": تصرّف، واجتهد، فهو بمنزلة الاضطراب. وقال غيره: لا فرق بينهما. قال الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٢)، والمعنى واحد. فصل [معاني "استَفْعَل "] قال صاحب الكتاب: و"استفعَلَ" لطلب الفعل، تقول "استخفه" و"استعمله",

стр. 1806

واستعجله إذا طلب عمله وخفته وعجلته, و"مر مستعجلاً" أي مر طالباً ذلك من نفسه مكلفها إياه. ومنه "استخرجته", أي لم أزل أتلطف به وأطلب حتى خرج. وللتحول نحو استتيست الشاة (١)، واستنوق الجمل (٢)، واستحجر الطين، وإن البغاث بأرضنا يستنسر (٣). وللإصابة على صفة نحو استعظمته واستسمنته واستجدته أي أصبته عظيماً وسميناً وجيداً. وبمنزلة "فَعَلَ", نحو: "قرّ" و"استقرّ", و"علا قرنه واستعلاه". * * * قال الشارح: أمّا "استَفْعَل"، فهو على ضربين: متعدّ وغير متعدّ. فالمتعدّي قولهم: "استحقّه"، و"استقبحه". وغير المتعدي: "استقدم"، و"استأخر". ويكون فعلٌ منه متعدّيًا، وغير متعدّ. فالمتعدّي، نحو: "عَلِمَ"، و"استعلم"، و"فَهِمَ"، و"استفهم". وغير المتعدّي، نحو: "قَبُحَ"، و"استقبح"، و"حَسُنَ"، و"استحسن". وله معانٍ: أحدها: الطلب والاستدعاء، كقولك: "استعطيت"، أي: طلبت العطية، و"استعتبته"، أي: طلبت إليه العُتبَى. ومنه "استفهمت"، و"استخبرت". الثاني: أن يكون للإصابة، كقولك: "استجدته"، و"استكرمته"، أي: وجدته جيدًا وكريمًا. وقد يكون بمعنى الانتقال والتحوّل من حال إلى حال، نحوَ قوله: "استَنوَقَ الجمل"، إذا صار على خُلُق الناقة، و"استَتْيَسَت الشاة"، إذا أشبهت التَّيْسَ. ومنه: "استحجر الطين"، إذا تَحوّل إلى طَبْع الحجر في الصَّلابة. وقد يكون بمعنى "تَفعّل" لتكلّف الشيء وتعاطيه، نحوَ: "استعظم" بمعنى "تَعظّم"، و"استكبر" بمعنى "تكبّر"، كقولهم: "تشجّع"، و"تجلّد". وربّما عاقَبَ "فَعَلَ"، قالوا: "قَرّ في المكان، واستقرّ"، و"عَلَا قِرْنَه، واستعلاه". قال الله تعالي: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ (٤)، أي: يسخرون، و"يَسْتَرْؤُونَ"، أي: يَرْؤَوْنَ. والغالبُ على هذا البناء الطلب والإصابة، وما عدا ذَيْنك فإنه يُحْفَظَ حِفْظًا، ولا يُقاس عليه.

стр. 1807

فصل [معني "افْعَوْعَلَ "] قال صاحب الكتاب: و"افْعَوْعَلَ" بناء مبالغة وتوكيد, فـ "اخشوشن", و"اعشوشبت الأرض", و"احلولى الشيء" مبالغات في "خشن", و"أعشبت" و"حلا". قال الخليل (١) في "اعشوشبت": إنما يريد أن يجعل ذلك عاماً قد بالغ. * * * قال الشارح: أمّا "افْعَالَّ"، فأكثرُ ما يكون في الألوان، نحوِ: "اشْهَابَّ"، و"ابياضَّ". ولا يكون متعدّيًا. وهو، إذا لم يُدَّغم، بزنةِ "استفعل" في حركاته وسكناته، وقد يُقصَّر "افْعَالَّ" لطوله، فيرجع إلى "افْعَلَّ". قال سيبويه: وليس شيء يُقال فيه "افعالّ"، إلَّا ويُقال فيه "افعلّ"؛ إلَّا أنه قد تقلّ إحدى اللغتين في الكلمة، وتكثر في الأخُرى، فقولهم: "ابيض"، و"احمرّ"، و"اصفرّ"، و"اخضرّ" أكثر من "ابياضّ"، و"احمارّ"، و"اصفارّ"، و"اخضارّ". وقوله: "اشهابّ" و"ادهامَّ"، أكثر من "اشهبّ"، و"ادهمّ". وقد يأتي "افعالّ" في غير الألوان، قالوا: "اقْطارَّ النبتُ" إذا وَلَّىِ وأخذ يَجِفُّ، و"ابِهارّ الليلُ" إذا أظْلَمَ. وقد يأتي الألوان على "فَعُلَ"، قال: "أدُمَ، يأدُمُ"، وَ"شَهُبَ، يَشْهُبُ" وَ"قَهِبُ، يَقْهَبُ"، وهو سوادٌ يضرب إلى حمرة. وقالوا: "كَهُبَ، يَكهُبُ"، و"سَوِدَ يَسْوَدُ". قال نُصَيْبٌ [من الطويل]: سَوِدتُّ ولم أمَلِك سَوادِي وتَحْتَهُ ... قميصٌ مِن القُوهيّ بِيضٌ بَنائِقُهْ (٢) وربَّما ضمّوا ذلك جميعَه. وذكر بعض النحويين أن "فَعُلَ" مخفّف عن "افْعَالَّ"، واستدلّ على ذلك بتصحيح العين، نحوِ: "عَوِرَ"، و"حَوِل". قال: صحّت الواو هنا حيث صحّت في "اعوارّ"، إذ كان هو الأصل. وأمّا "افعَوْعل"، فبناء موضوع للمبالغة، قالوا: "خشُن المكان" إذا حزُن. فإذا أرادوا المبالغة والتوكيد؛ قالوا: "اخشَوْشَنَ". وقالوا: " أعْشَبَتِ الأرضُ"، فإذا أرادوا العموم والكثرة، قالوا: "اعْشَوْشَبَتْ" لِما فيه من تكرير العين، وزيادة الواو، فمعنى "خشن"، و"أَعشب" دون معنى "اخشوشن"، و"اعشوشب". وقوّةُ اللفظ مؤذنةٌ بقوة المعنى، إذ الألفاظ قَوالب المعاني. وقد جاء متعدّيًا، قالوا "احْلَوْلَيْتُه"، أي: استطيَبْتُه، قال حُمَيْد [من الطويل]: ١٠٦٣ - فلمّا مضى عامان بعد انفصاله ... عن الضَرْع واحْلَوْلَى دِماثًا يَرُودُها

стр. 1808

وربما بُني الفعل على الزيادة، ولم تفارِقه، نحوُ: "اعرَوْرَيتُ الفَلُوَّ"، إذا ركبتَه عُرْيا، وهو مخالفٌ لِما قبله من "افْعَالَّ"؛ لأن المكرّر هنا العين، وما قبله المكرّر فيه اللام، فزيادةُ الواو هنا كزيادة الألف فيما قبله. وقالوا: "اذْلَوْلَى الرجل" إذا أسرع، ألحقوه بـ "اعرورى"، وبنوه على الزيادة، ولم تفارقه. وأما "افعَوَّلَ"، نحوُ "اجْلَوَّذَ" إذا أَسرع، و"اخرّوط السيرُ" إذا امتدّ، و"اعلوّط البعيرَ" إذا ركب عنقَه، ومعناه المبالغة كـ "افعَوْعَلَ"؛ لأنه على زنته إلَّا أن المكرّر هناك العين، وهنا الواو الزائدة.

стр. 1809

ومن أصناف الفعل الرُّباعيُّ [أبنية المجرّد والمزيد منه] قال صاحب الكتاب: للمجرد منه بناء واحد "فَعْلَلَ", ويكون متعدياً نحو دحرج الحجر، وسرهف الصبي. وغير متعد نحو دربخ وبرهم, وللمزيد فيه بناءان "افعنلل" نحو احرنجم وافعلل نحو: "اقشعر". * * * قال الشارح: اعلم أن الرباعيّ له بناءٌ واحدٌ، وهو "فَعْلَلَ". وهو على ضربين: متعدّ وغير متعدّ. فالمتعدّي، نحو: "سرهفتُه"، إذا أصلحتَ غِذاءَه، و"دحرجتُه". وغير المتعدّي، نحو: "دربختِ الحَمامةُ"، إذا خضعت لذَكرها، و"بَرْهَمَ"، أي: أدام النظرَ، وأسكن طَرْفَه. وللمزيد فيه بناءان: "افْعَنْلَلَ"، نحو: "احرنجم" بمعنى الازدحام والتجمّع، والمراد به هنا: المطاوعة، فهو في الرباعيّ كـ "انْفَعَلَ" في الثلاثي. والثاني "افْعَلَلَّ"، كـ "اقشعرّ" و"اطمأنّ"، وهو كـ "احمرّ" و"اصفرّ"، في الثلاثي، ولذلك لا يتعدّى، و"اسْحَنْكَك" (١)، و"اقعنسس" (٢)، و"احْرَنْبَأ" (٣) كل ذلك ملحق بـ "احرنجم"، وأصله الثلاثة، والكاف الثانية والسين الثانية مكررتان، ولذلك لا يدّغم المثلان فيه كما لا يدغم نحو: "جلبب"، و"شملل". فصل [مزيدات الرُّباعي] قال صاحب الكتاب: وكلا بنائي المزيد فيه غير متعد وهما في الرباعي نظير

стр. 1810

"انفعل", و"افعلَّ", في الثلاثي. قال سيبويه (١): وليس في الكلام أحرنجمته؛ لأنه نظير انفعلت في بنات الثلاثة، زادوا نوناً وألف وصل كما زادوهما في هذا. وقال (٢): وليس في الكلام أفعللته ولا افعاللته، وذلك نحو احمررت واشهاببت. ونظير ذلك من بنات الأربعة اطمأننت واشمأززت * * * قال الشارح: قد تقدّم القول على هذَيْن البناءيْن، وأنّ بناءَ "احرنجم" بناءُ مطاوعةٍ، فهو بمنزلة "انفعل" في الثلاثي، ولذلك لا يتعدّى؛ لأنه إذا طاوَعَ لا يفعل بغيره شيئًا. وكذلك "افعللتُ"، و"افعاللتُ"، لا يتعدّى شيء من ذلك، فلا يُقال: "احرنجمته"، ولا "احمررته"، ولا "اشهاببته"؛ لأنها مختصّة بالألوان، فهي جارية مجرى الخُلْق، فلا تتجاوز الفاعلَ، فاعرفه.

стр. 1811

القسم الثالث في الحُروف فصل [تعريف الحرف] قال صاحب الكتاب: الحرف ما دل على معنى في غيره, ومن ثم لم ينفكَّ من اسم أو فعل يصحبه. * * * قال الشارح: لمّا فرغ من الكلام على قسمَيِ الاسم والفعل، انتقل إلى الكلام على الحرف. والحرف كلمة دلّت على معنى في غيرها. فقولُنا: "كلمة" جنسٌ عامٌّ يشمل الاسمَ والفعلَ والحرفَ، وقولُنا: "دلّت على معنى في غيرها" فصل ميزه من الاسم والفعل، إذ معنى الاسم والفعل في أنفسهما، ومعنى الحرف في غيره، ألا تراك إذا قلت: "الغلام" فُهم منه المعرفة، ولو قلت: "أل" مفردةً، لم يُفْهَم منه معنًى؟ فإذا قُرن بما بعده من الاسم، أفاد التعريف في الاسم، فهذا معنَى دلالته في غيره. وقولهم: "ما دل على معنى في غيره" أمثلُ من قولِ من يقول: "ما جاء لمعنى في غيره"؛ لأن في قولهم: "ما جاء لمعنى في غيره"؛ إشارةً إلى العلّة، والمراد من الحدّ الدلالة على الذات، لا على العلّة التي وُضع لأجلها، إذ علّةُ الشيء غيرُه. وقولنا: "كلمة" أسدٌّ من قوله: "ما دل"؛ لأن الكلمة أقرب من الحرف، فهي أدلُّ على الحقيقة. وقد زعم بعضهم أن هذا الحدّ يفسُد بـ "أيْنَ"، و"كَيْفَ"، ونحوِهما من أسماء الاستفهام، و"مَنْ"، و"ما" ونحوِهما من أسماء الجزاء، فإن هذه الأسماء تفيد الاستفهام فيما بعدها، وتفيد الجزاء، فتُعلِّق وجودَ الفعل بعدها على وجود غيره، وهذا معنى الحروف. والجوابُ عن هذا الإشكال أن هذه الأسماء دلّت على معنى في نفسها بحكم الاسمية، فـ "أيْنَ" دلّت على المكان، و"كَيْفَ"، دلّت على الحال، وكذلك أسماء الجزاء، فـ "مَن" دلّت على من يعقل، و"ما"، دلّت على ما لا يعقل. وأمّا دلالتهما على الاستفهام والجزاء، فعلى تقدير حرفَيْهما، فهما شيئان دلّا على شيئَيْن، فالاسم دلّ على مسمّاه، والحرفُ أفاد في غيره معناه. ويؤيد ذلك بناؤها لتضمُّنها معنى الحرف، وإنما يلزم أن لو كانت هذه الأسماء باقية على بابها من الاسميّة والتمكّنِ، وقد دلّت على هاتَيْن الدلالتَيْن، ليكون كاسرًا للحدِّ. وربما احترز بعضهم من ذلك، فقال: "ما دلّ على معنى في غيره

стр. 1812

فقط"، فيفصل بقوله: "فقط" بين هذه الأسماء، والحروف، إذ هذه الأسماءُ قد دلّت دلالتَيْن: دلالةَ الأسماء، ودلالة الحروف. ومنهم من يضيف إلى هذا الحدّ، "ولم يكن أحدَ جزءَي الجملة"، كأنه يفصل بذلك بين هذه الأسماء والحروف، فإن هذه الأسماء، وإن دلت على معنى في غيرها من الجهة المذكورة، فقد تكون أحد جزءي الجملة، ألا ترى أن "أيْنَ" و"كَيْفَ" يكون كل واحد منهما جزءًا لجملةٍ من نحوِ "أيْنَ زيدْ؟ " و"كَيْفَ عمروٌ؟ " فـ "زيدٌ" مبتدأ، و"أيْنَ" الخبر، وكذلك "عمروٌ؟ " مبتدأ و"كيف" الخبر. وتقول: "مَن عندك؟ " فيكون "مَنْ" مبتدأ، و"عندك" الخبر، فهذه الأشياء قد تكون أحد جزءي الجملة، أي: مبتدأ، أو خبرَ مبتدأ، وليس كذلك الحروف، فإنه لا يُخْبَر بها، ولا عنها، تقول: "إلى قائمٌ" على أن يكون "إلى" مبتدأ، و"قائمٌ" الخبر، كما تقول: "زيدٌ قائمٌ"؛ ولا: "عَن ذاهبٌ". كما تقول: "زيدٌ ذاهبٌ" ... وقد صرّح ابن السرّاج بهذا المعنى في تحديد الحرف، فقال: هو الذي لا يجوز أن يُخْبَر عنه، ولا يكون خبرًا. قال أبو علي الفارسيّ: مَن زعم أن الحرف ما دل على معنى في غيره، فإنّه ينبغي أن تكون أسماءُ الأحداث كلّها حروفًا؛ لأنها تدلّ على معان في غيرها، فإن قال: فإن القيام يُتوهّم منفردًا من القائم، قيل له: فإن الإلصاق والتعريف الذي يدل عليهما باءُ الجرّ ولامُ المعرفة قد يُتوهّمان منفردَيْن عن الاسمَيْن. ولو كان هذا كما قال، لوجب أن يكون "هُوَ" الذي للفصل حرفًا، لأنه يدل على معنى في غيره. ألا ترى أنّها تجيء لتدلّ على أن الخبر معرفة، أو قريبٌ من المعرفة، أو لتُؤذِن أن الاسم الذي بعدها ليس بوصفٍ لِما قبلها؟ ويلزم أن تكون أسماءُ التأكيد حروفًا؛ لأنها تدلّ على تشديد المؤكَّد وتبيينه، ألا ترى أنّ منها ما لا يتقدّم على ما قبله مثلَ "أكْتَعِينَ"، "أبْصَعِينَ"؟ وينبغي أن تكون الصفات كذلك أيضًا؛ لأنها تدلّ على معان في غيرها. وينبغي أن تكون "كَمْ" في الخبر في نحوِ: "كم رجل" حرفًا, لأنها تدلّ على تكثير في غيرها، وهو تكثير الرجال. وينبغي أن تكون "مِثل" حرفًا؛ لأنها تدلّ على تشبيه في غيرها. وينبغي أن لا تكون "ما" حرفًا في قولهم: "إنّك ما وَخَيْرًا"؛ لأنها لا تدلّ على معنى في غيرها، وكذلك "ما حاجبَيْهِ"؛ وأن لا تكون "ما" في قوله: "إمّا لا" حرفًا؛ لأنها لا تدلّ على معنى في غيرها، وإنّما تدلّ على الفعل المحذوف. وكذلك "أمّا أنت منطلقٌ انطلقتُ". وكذلك قولُ من قال: إِنّه الذي لا يجوز أن يكون خبرًا، ولا مُخْبَرًا عنه فاسدٌ، لأن الأسماء المضمرة المجرورة، والأسماء المضمرة المنصوبة المتّصلة والمنفصلة لا تكون أخبارًا، ولا مخبرًا عنها، وكذلك الفَصْل نحوُ "هُوَ" لا يكون خبرًا، ولا مخبرًا عنه، انتهى كلامُ أبي عليّ. قال الشارح: كأنّ أبا على أورد هذه التشكيكاتِ للبَحْث، وإذا أنعم النظر، كانت غير لازمة. أمّا أسماء الأحداث، فكلها أسماءٌ يُخْبَر عنها كما يخبر عن الأعيان، نحوَ

стр. 1813

قولك: "العلمُ حسنٌ"، و"الجهلُ قبيح"؛ لأن العلم والجهل ونحوهما سِمَاتٌ على مُسَمّياتِ معقولةٍ متوهَّمةٍ منفصلةٍ عن مَحالّها، وإن كانت لا تنفصل بالوجود من حيث كانت أعراضًا، والعرضُ لا يقوم بنفسه. وأمّا قوله: إن الباء تدلّ على الإلصاق، واللام تدلّ على التعريف، والإلصاقُ والتعريفُ يُتوهّمان منفردَيْن، فالقولُ في ذلك: إن الإلصاق والتعريف اسمان يُتوهّمان منفردَيْن، لا فرقَ بينهما وبين غيرهما من الأحداث. ولا كلامَ فيهما، إنما الكلام في الباء نفسها، فإنها لا تدلّ على الإلصاق حتى تضاف إلى الاسم الذي بعدها، لا أنّه يتحصّل منها مفردة، وكذلك القولُ في لام التعريف ونحوها من حروف المعاني. وأمّا الأسماء المضمرة التي تكون فصلًا، من نحوِ "كنتُ أنا القائمَ"، و"كنّا نحن القائمين"، وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، فهي أسماءٌ قد سُلبت دلالتَها على الاسميّة، وسُلك بها مذهبَ الحروف بأن أُلغيتْ. ومعنَى إلغاء الكلمة أن تأتي لا موضعَ لها من الإعراب، وأنها متى أُسْقطت من الكلام، لم يختل الكلامُ، ولم يتغيّر معناه، وتصير كالحروف الملغاة من نحو "ما" في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (٢)، والمراد: مثلًا بعوضةً، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٣). فلولا إلغاءُ "ما"، لم يَتخط الخافضُ، وعمِل فيها بعدها، فتجري هذه الأسماء مجرى الحروف. وكونها قد صارت في مذهبها، لم يخبر عنها كما لم يخبر عن سائر الحروف، فاعرفه. وأمّا أسماء التأكيد، فإنها أسماء دالّة على معانٍ في أنفسها. ألا ترى أنك إذا قلت: "جاءني زيدٌ نفسُه، فالنفسُ دلّت على ما دل عليه زيدٌ، فصار ذلك كتكرار اللفظ، نحوِ قولك: "زيدٌ زيدٌ". فزيدٌ الثاني لم يدل على أكثر ممّا دل عليه الأول، والتأكيدُ والتشديدُ معنى حصل من مجموع الاسمَيْن، لا من أحدهما. وأمّا الصفات من نحوِ "جاء زيد العاقلُ"، فإن الصفة التي هي العاقل لم تدلّ على معنى في الموصوف، وإنما دلت على معنى في نفسها، نحوِ: "العاقل"، فإنه دل على ذاتٍ باعتبار العقل. فإذا جمعتَ بين الصفة والموصوف، نحوَ قولك: "زيدٌ العاقلُ"، حصل البيان والتعريف من مجموع الصفة والموصوف، لا من أحدهما، فبان لك أن الصفة لم تدلّ على معنى في غيرها، وإنما دلت على معنى تحتها. وأمّا "مِثْلٌ" فأمرُها كأمر الصفة، لأنها بمعنى "مُشابِهٍ" و"مُماثِلٍ"، وذلك معنى معقول في نفس الاسم. وأمّا كونها تقتضي مماثلًا, فليس ذلك بذاتيّ لها، ولا من مُقوِّماتها، وإنما ذلك من لوازمها. وأمّا "كَمْ" في الخبر، فهي اسمٌ بمعنى العدد والكثيرِ، وأمّا كونها تدلّ على كثرة

стр. 1814

الرجال مثلًا إذا قلت: "كم رجلٍ"، فإنّ الكثرة لم تُفِدْها "كَمْ" في الرجال، وإنما "كم" لعددٍ مبهمٍ يقع على القليل منه والكثير. فإذا أُضيفت إلى ما بعدها، بَيَّنَ أن المراد الكثير، فجرى مجرى الألفاظ المُجْمِلة المترّدّدة بين أشياءَ، وبَيَّنها غيرُها من قرينة حالٍ أو لفظٍ. ولا يُخْرِجها ذلك عن أن تكون دالة على ذلك الشيء. وأمّا الحروف الزائدة، فإنها وإن لم تُفِدْ معنى زائدًا، فإنها تفيد فضلَ تأكيدٍ وبيانٍ، بسبب تكثير اللفظ بها. وقوّةُ اللفظ مؤذنة بقوة المعنى، وهذا معنًى لا يتحصّل إلَّا مع كلام. وأمّا إفسادهم قولَ من عرّف الحرف بأنه الذي لا يجوز أن يكون خبرًا، ولا مخبرًا عنه بالأسماء المضمرة المجرورة، والأسماء المضمرة المنصوبة المتّصلة والمنفصلة، فالقولُ أن امتناع الإخبار عن هذه الأسماء وبها، لم يكن لأمرٍ راجعٍ إلى معنى الاسم، وإنما ذلك لأنها صِيغ موضوعةٌ بإزاءِ اسم مخفوض أو منصوب. فلو أُخبر عنها، وجب أن ينفصل الضمير المجرور، ويصير عِوَضَه ضميرٌ مرفوعُ الموضع، نحوُ: "أنْتَ"، وشِبْهِه. وكذلك الضمير المنصوب لو أُخبر به أو عنه، لتَغيّر إعرابُه، ووجب تغييرُ صيغة الإعراب. فامتناعُ الإخبار عن هذه الأشياء لم يكن إلَّا من جهة الإعراب. قال الزمخشري: لو كان الحرف يدلّ على معنى في نفسه، لم يُفْصَل بين "ضَرَبَ زيدٌ"، و"ما ضرب زيدٌ"؛ لأنه كان يبقى معنى النفي في نفسه. وقوله: "ومن ثمّ لا ينفك من اسم أو فعل يصحبه"، يريد: ولكونه لا يدل على معنى إلَّا في غيره، افتقر إلى ما يكون معه ليفيده معناه فيه. وجملةُ الأمر أنه دخل الكلامَ على ثلاثة أضرب لإفادةِ معنى فيما يدخل عليه، ولتعليقِ لفظ بلفظ آخر ورَبْطِه به، ولزيادةِ ضرب من التأكيد. فالأولُ ثلاثةُ مواضع: أحدها: أن يدخل على الاسم، نحوِ: "الرجل"، و"الغلام"، فالألفُ واللام أفادت معنى التعريف فيهما؛ لأنهما كانا نكرتين. الثاني: أنه يدخل الفعلَ، نحوَ: "قَدْ"، و"السين"، و"سَوْفَ"، نحوَ قولك: "قد قام"، و"سيقوم"، و"سوف يقوم". فهذه الحروف أحدثت بدخولها على الفعل معنى لم يكن قبلُ، فَقَدْ قرّبته من الحاضر، والسينُ وسوف مختصّة بالاستقبال، وخلّصتْه له بعد أن كان شائعًا في الحال والاستقبال. فهذه الحروفُ في الأفعال نظيرةُ الألف واللام في الأسماء. الثالث: أن يدخل على الكلام التامّ والجملةِ المفيدة، نحوَ قولك: "أزيدٌ عندك؟ " و"ما قام خالدٌ". فلمّا دخلت الهمزةُ، أحدثت فيه معنى الاستفهام، وقد كان خبرًا، وكذلك "ما" أحدثت معنى النفي، وقد كان موجَبًا. وأمّا الضرب الثاني من القسمة الأُولى: فهو في أربعة مواضع: أحدُها: أن يدخل

стр. 1815

لرَبْط اسم باسم، وهو معنى العطف، نحوَ قولك: "جاء زيدٌ وعمروٌ". الثاني: أن يدخل لربط فعل بفعل، نحوَ: "قام زيدٌ وقعد". الثالث: أن يدخل لربط فعل باسم، نحو قولك: "نظرتُ إلى زيد"، و"انصرفت عن جعفر"، وهو معنى التعدية. الرابع: أن يدخل لربط جملة بجملة، نحو قولك: "إن تُعْطِنِي أشْكُرْك"، وكان الأصل: "تُعْطِينِي أشْكُرُك"، وليس بين الفعلَيْن اتصالٌ، ولا تعلّقٌ، فلمّا دخلت "إنْ" علّقتْ إِحدى الجملتين بالأُخرى، وجعلتِ الأوُلى شرطًا والثانية جزاءً. وأما الضرب الثالث: وهو أن يدخل زائدًا لضرب من التأكيد، نحوُ قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١)، ونحو قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (٢). ألا ترى أنّ "ما" لو كان لها موضعٌ من الإعراب، لَمَا تَخطّاها الباءُ، وعمِل فيما بعدها، وكذلك "لا" من قولهم: "ما قام زيدٌ ولا عمروٌ"، والواو هي العاطفة، و"لا"، لَغْوٌ كأنهم شبّهوها بـ "ما"، فزادوها. ومن ذلك "إن" الخفيفة المكسورة، في نحو قوله [من الوافر]: فما إنْ طِبُّنا جُبُنٌ [ولكِنْ ... مَنايانا ودَوْلةُ آخرينا] (٣) والمراد: "فما طبنا". وكذلك المفتوحة في نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ (٤). فهذه الحروف ونحوها لا موضع لها من الإعراب، ولا معنى لها سوى التأكيد. * * * قال صاحب الكتاب: إلا في مواضع مخصوصة حذف فيها الفعل واقتصر على الحرف فجرى مجرى النائب، نحو قولك: "نعم" و"بلى" و"إي" و"إنه" و"يا" و"زيد" و"قد" في قوله [من الكامل] ١٠٦٤ - [أرف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا] وكأن قد * * *

стр. 1816

قال الشارح: لمّا اشترط في الحرف أن يكون مصحوبًا بغيره، إذ لا معنى له في نفسه، استثنى منه حروفًا قد حُذف الفعل منها، وبقي الحرفُ وحده مفيدًا معنى، فربما ظنّ ظانٌّ أن تلك الفائدة من الحرف نفسه، والفائدةُ إنما حصلت بتقدير المحذوف. وتلك الحروفُ التي يجاب بها، وهي: "نَعَمْ"، و"بَلَى"، و"إي"، و"إنَّه"، بمعنَى "نعم" من قوله [من مجزوء الكامل]: بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو ... ح يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلَا ... كَ وقد كَبِرْتَ وقلتُ إنَّهْ (١) أي: نَعَمْ قد علاني الشيب، فهذه الأشياءُ قد يُكتفى بها في الجواب، فيقال: "أقام زيدٌ؟ " فيقال في جوابه: "نَعَمْ"، أي: نعم قد قام. فـ "نعم" قد أفادت إيجاب الجملة بعدها، إلَّا أنها قد حذفت لدلالة الجملة المستفهَم عنها قبلها. واللفظُ إذا حُذف، وكان عليه دليلَ، وهو مرادٌ، كان في حكم الملفوظ، وكذلك سائرها. ألا ترى أنه قد ساغت الإمالةُ في "بَلى" و"لا" لوقوع الكناية بهما في الجواب بنيابتهما عن الجمل المحذوفة، فكذلك "يا" في النداء من نحوِ "يا زيدُ"، فـ "يا" قد ثابت هنا منابَ "أدْعُو"، و"أُنادِي". وقد ذَهب بعضهم إلى أنها قد دخلت لمعنى التنبيه، والفعلُ مراد بعدها، والعملُ في الاسم بعدها إنما هو لذلك الفعل لا لها. وقال آخرون: إنما العملُ لها بالنيابة،

стр. 1817

ولذلك ساغت فيها الإمالة. والذي يدل أن العمل لها دون الفعل المحذوف أنّ ما حُذف فيه الفعل إذا ظهر الفعل، لم يتغير المعنى، وأنت لو أظهرت "أدعو" و"أُنادي" لتغير المعنى، وصار خبرًا، والنداءُ ليس بخبر. الأمر الثاني: أن العرب قد أوصلت حروف النداء إلى المنادَى تارة بأنفسها، وأُخْرَى بحرف الجرّ، وذلك نحوُ: "يا زيدُ"، و"يا لَزيدٍ"، و"يا بكرُ"، و"يا لَبكرٍ"، فجرى ذلك مجرى "جئتُ زيدًا"، و"جئت إليه"، و"سُمِّيت زيدًا"، و"سمّيت بزيدٍ". ويؤيد ذلك جوازُ الإمالة فيه كما جاز في "بَلى" و"لا". هو في "بَلى" أسهلُ لتمام اللفظ ومجيئها على عدّة الأسماء، وضُعْفِ "يا"، و"لا"، لنقص لفظهما. فإن قيل: ولِمَ جيء بالحروف؟ وما كانت الحاجةُ إليها؟ فالجواب أن حروف المعاني جُمَعَ جيء بها نيابةً عن الجمل، ومفيدةً معناها من الإيجاز والاختصار. فحروفُ العطف جيء بها عوضًا عن "أعطِفُ"، وحروفُ الاستفهام جيء بها عوضًا عن "أستفهمُ"، وحروفُ النفي إنما جاءت عوضًا عن "أنفي"، وحروف الاستثناء جاءت عوضًا عن "أستثني" أو "لا أعني"، وكذلك لامُ التعريف ثابت عن "أُعَرِّفُ"، والتنوينُ ناب عن "خَفَّ"، وحروفُ الجز جاءت نائبة عن الأفعال التي هي بمعناها، فالباء ثابت عن "أُلصِقُ"، والكاف نابت عن " أُشَبِّهُ"، وكذلك سائر الحروف. ولذلك من المعنى لا يحسن حذف حروف المعاني كحروف الجرّ ونحوها؛ لأن الغرض منها الاختصار، واختصارُ المختصَر إجحافٌ. فإن قيل: فإذا كانت هذه الحروف نائبةً عن الأفعال على ما زعمتم، والأفعالُ معناها في نفسها، لِمَ كانت الحروف معناها في غيرها، والخَلَفُ لا يُخالِف الأصلَ في حقّ الحكم؟ فالجواب أن كلّ فعل متعدِّ بنفسه وبواسطةٍ، فإنّما هو عبارة ولفظٌ دالّ على فعلٍ واصلٍ إلى المفعول، فإذا قلت: "أدعو غلامَ زيد"، فـ "أدعو" ليس واصلًا بنفسه إلى غلام زيد، وإنّما هو دالّ على الدعاء الواصلِ إلى الغلام. فحروفُ "أدعو" عبارة عن حروف الدعاء، وليس كذلك قولك: "يا غلامَ زيد"، فإنّ إضافةَ "يا" إلى ما بعدها فُهم منها معنى الدعاء الدال عليه "أدعو"، فأنت إذا قلت: "يا غلام زيد"، فهو نفس الدعاء، وإذا قلت: "أدعو" كان إخبارًا عن وقوع الدعاء، وكذلك إذا قلت: "أستفهمُ"، كان عبارة عن طلب الفهم، وإذا قلت: "أقام زيدٌ؟ " كان نفس الطلب. فلمّا افترق معناهما، افترق حكمُهما، فافْهَمْه، ففيه لُطْفٌ.

стр. 1818

ومن أصناف الحرف حروفُ الإضافة فصل [تسميتها] قال صاحب الكتاب: سميت بذلك لأن وضعها على أن تُفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء, وهي فوضى في ذلك, وإن اختلفت بها وجوه الإفضاء. * * * قال الشارح: اعلم أن هذه الحروف تسمّى حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال قبلها إلى الأسماء بعدها، وتسمّى حروف الجرّ؛ لأنها تجرّ ما بعدها من الأسماء، أي: تخفضها. وقد يسمّيها الكوفيون حروف الصفات, لأنها تقع صفاتٍ لِما قبلها من النكرات. وهي متساويةٌ في إيصال الأفعال إلى ما بعدها وعَمَلِ الخفض، وإن اختلفت معانيها في أنفسها، ولذلك قال: "هي فَوْضَى في ذلك"، أي: متساوية، يُقال: "قومٌ فَوْضَى"، أي: متساوون لا رئيس لهم. قال الشاعر [من البسيط]: ١٠٦٥ - لا يَصْلُحُ الناسُ فَوْضَى لا سَراةَ لهم ... ولا سَراة إذا جُهّالُهم سادوا

стр. 1819

فلمّا كانت هذه الحروف عاملة للجرّ، من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعُفت عن وُصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها كما يُفْضِي غيرُها من الأفعال القوية الواصلة إلى المفعولين بلا واسطةِ حرف الإضافة، ألا تراك تقول: "ضربتُ عمرًا"، فيُفْضِي الفعلُ بعد الفاعل إلى المفعول، فينصب, لأن في الفعل قوّةً أفضتْ إلى مباشرة الاسم. ومن الأفعال أفعالٌ ضعُفت عن تجاوُز الفاعل إلى المفعول، فاحتاجت إلى أشياءَ تستعين بها على تناوُله والوصول إليه، وذلك نحوُ: "عجبتُ"، و"مررت"، و"ذهبت". لو قلت "عجبت زيدًا"، أو "مررت جعفرًا"، أو "ذهبت محمّدًا"، لم يجز ذلك لضعف هذه الأفع الذي العُرْف والاستعمال عن إفضائها إلى هذه الأسماء. على أن ابن الأعرابيّ قد حكى عنهم: "مررت زيدًا"، كأنه أعمله بحسب اقتضائه، ولم ينظر إلى الضعف، وهو قليل شاذّ. وأنشدوا [من الوافر]: ١٠٦٦ - تَمُرّون الديارَ ولم تَعُوجُوا ... كلامُكُمُ عَلَيَّ إذًا حَرامُ

стр. 1820

فلما ضعفت هذه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحروف الإضافة، فجعلت موصلة لها إليها. فقالوا: "عجبتُ من زيد"، و"نظرتُ إلى عمرو"، وخُص كلّ قبيل من هذه الأفعال بقبيل من هذه الحروف، وقد تَداخلت، فيُشارِك بعضُها بعضًا في هذه الحروف الموصلة، وجُعلت تلك الحروف جارّةً، ولم تُفْضِ إلى الأسماء النصبَ من الأفعال قبلها؛ لأنهم أرادوا الفصل بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره؛ ليمتاز السببُ الأقوى من السبب الأضعف. وجُعلت هذه الحروف جارّةً؛ ليخالف لفظُ ما بعدها لفظَ ما بعد الفعل القويّ. ولمّا امتنع النصب لِما ذكرناه، لم يبق إلَّا الجرّ؛ لأن الرفع قد استبدّ به الفاعلُ، واستولى عليه، فلذلك عدلوا إلى الجرّ؛ لأن الجرّ أقرب إلى النصب من الرفع؛ لأن الجرّ من مَخْرج الياء، والنصب من مخرج الألف، والألفُ أقرب إليها من الواو. فإن قيل: فإذا قلتم: إن هذه الحروف إنما أُتي بها لإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء، فما بالهم يقولون: "زيدٌ في الدار"، و"المالُ لخالدٍ" فجيء بهذه الحروف، ولا فعلَ قبلها؟ فالجواب أنه ليس في الكلام حرفُ جر إلَّا وهو متعلّقٌ بفعل، أو ما هو بمعنى الفعل في اللفظ أو التقدير. أمّا اللفظ، فقولك: "انصرفت عن زيد"، و"ذهبت إلى بكرٍ"، فالحرف الذي هو "إلى" متعلّقٌ بالفعل الذي قبله. وأمّا تعلُّقه بالفعل في المعنى، فنحو قولك: "المالُ لزيد"، تقديرُه: المال حاصلٌ لزيد. وكذلك "زيدٌ في الدار" تقديره: زيدٌ مستقرٌّ في الدار، أو يستقرّ في الدار، فثبت بما ذكرناه أن هذه الحروف إنما جيء بها مُقوِّيةَ ومُوصِلةً لِما قبلها من الأفعال، أو ما هو في معنى الفعل إلى ما بعدها من الأسماء. فإن قيل: فما لهم لا يخفضون بالواو في المفعول معه، نحو "استوى الماءُ والخَشَبَةَ"، و"جاء البَرْدُ والطَيالِسَةَ"، وبـ "إلَّا" في الاستثناء، نحو: "قام القومُ إلَّا زيدًا"، وكل واحد منهما إنما دخل مُقوِّيًا للفعل قبله، ومُوصِلًا له إلى ما بعده كما كانت حروف الجرّ كذلك، وفي عدم اعتبارِ ذلك دليلٌ على فساد العلّة؟ فالجواب أن حروف الجرّ إنّما عملت لشَبَهها بالأفعال واختصاصِها بالأسماء، واختضت بعمل الجرّ دون غيرها، لِما ذكرناه من العلّة. فأمّا واو المفعول معه، و"إلَّا" في الاستثناء فلم يستحقّا أصلَ العمل لعدم اختصاصهما، فلم يعملا جرًّا ولا غيرَه. وأمّا الواو، فلأنّ أصلها العطف، وحرفُ العطف لا عملَ له لعدم اختصاصه بالأسماء دون الأفعال. والذي يدلّ على ذلك أنها لا تستعمل بمعنى "مَعَ" إلَّا في الموضع الذي يجوز أن تكون فيه عاطفةً، نحوِ قولك: "قمتُ وزيدًا"، أي: مع زيد؛ لأنه يجوز أن تقول: "قمتُ وزيدٌ"، فترفع "زيدًا" بالعطف على موضع التاء. وكذلك: "لو تُركت الناقةُ وفصيلَها" بمعنى: مع فصيلها، فإنّه قد كان يجوز أن تقول: و"فصيلُها"، بالرفع بالعطف على "الناقة".

стр. 1821

ولو قلت: "مات زيدٌ والشمسَ"، أي: مع الشمس، لم يصحّ؛ لأنه لا يصحّ عطف "الشمس" على "زيد" المُسْنَدِ إليه الموتُ، إذ لا يصحّ فيها الموت. وكذلك لو قلت: "لانتظرتُك وطلوعَ الشمس"؛ لم يصحّ؛ لأنك لو رفعت بالعطف على الفاعل، لم يجز؛ لأن "الشمس" لا يصحّ منها الانتظارُ. هذا مع أن أبا الحسن الأخفش كان يذهب إلى أن انتصاب المفعول معه انتصابُ الظرف، يعمل فيه روائحُ الأفعال، فلا يحتاج إلى مُقَوٍّ للفعل. وأمّا "إلَّا" في الاستثناء، فكذلك لا اختصاص لها بالأسماء، ولا يصحّ إعمالها فيما بعدها، ألا تراك تقول: "ما جاء زيدٌ قطّ إلَّا يضحك"، و"ما مررت به إلا يُصلِّي"، و"لا رأيتُه قطّ إلَّا في المسجد"؟ فلمّا كانت تدخل على الأفعال والحروف على حدّ دخولها على الأسماء؛ لم يكن لها عملٌ، لا جرٌّ، ولا غيره. كيف وأبو العبّاس المبرد كان يذهب إلى أن الناصب للمستثنى فعلٌ دلّ عليه مجرى الكلام، تقديرُه: "أستثني"، أو"لا أعني" ونحوُه، فلا تكون "إلَّا" مُقوِّيةً. فافترق حالُ هذين الحرفين، أعني الواو و"إلَّا"، وحال حروف الجّر. واعلم أن حرف الجرّ إذا دخل على الاسم المجرور، فيكون موضعُ الحرف الجارّ والاسمِ المجرور نصبًا بالفعل المتقدّم. يدلّ على ذلك أمران: أحدهما: أنّ عِبْرة الفعل المتعدّي بحرف الجرّ عبرةُ ما يتعدّى بنفسه إذا كان في معناه، ألاَّ ترى أن قولك: "مررت بزيد" معناه كمعنى "جُزْت زيدًا"، و"انصرفتُ عن خالدٍ" كقولك: "جاوزتُ خالدًا؟ " فكما أنّ ما بعد الأفعال المتعدّية بأنفسها منصوبٌ، فكذلك ما كان في معناها ممّا يتعدّى بحرف الجرّ؛ لأن الاقتضاء واحدٌ، إلَّا أن هذه الأفعال ضعُفت في الاستعمال، فافتقرت إلى مُقَوٍّ. والأمر الآخر: من جهة اللفظ، فإنّك قد تنصب ما عطفتَه على الجار والمجرور، نحوَ قولك: "مررت بزيد وعمرًا"، وإن شئت: "وعمروٍ" بالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع. وكذلك الصفةُ، نحوُ: "مررت بزيدٍ الظريفَ (بالنصب) والظريفِ (بالخفض) ". فهذا يؤذن بأن الجارّ والمجرور في موضع نصب. ولذلك قال سيبويه (١): إنك إذا قلت: "مررت بزيد"، فكأنّك قلت: "مررت زيدًا". يريد أنه لو كان ممّا يجوز أن يستعمل بغير حرف جرّ، لكان منصوبًا. وجملةُ الأمران حرف الجرّ يتنزّل منزلةَ جُزْء من الاسم من حيث كان وما بعده في موضع نصب، وبمنزلةِ جُزْء من الفعل من حيث تَعدّى به، فصار حرفُ الجرّ بمنزلة الهمزة والتضعيف من نحوِ "أذهبتُ زيدًا"، و"فرّحته"، فاعرفه.

стр. 1822

[أنواعها] قال صاحب الكتاب: وهي على ثلاثة أضرب: ضرب لازم للحرفية, وضرب كائن إسماً وحرفا, وضرب كائن حرفاً وفعلاً. فالأول: تسعة أحرف: "من", و"إلى" و"حتى" و"في" و"الباء" و"اللام" و"رُبَّ" و"واو القسم" و"تاؤه". والثاني خمسة أحرف: "على" و"عن" و"الكاف" و"مُذْ" و"منذ". والثالث ثلاثة أحرف: "حاشا", و"خلا", و"عدا". * * * قال الشارح: قد قسم حروفَ الجرّ إلى هذه ثلاثة الأقسام: قسمٌ استعملته العربُ حرفًا فقط، ولم تُشرِكه في لفظ الاسم والفعل، ولم يُجْروه في موضع من المواضع مجرى الأسماء، ولا مجرى الأفعال. وقسمٌ آخر يكون اسمًا وحرفًا. وقسمٌ ثالثٌ: وهو ما يستعمل حرفًا وفعلًا. والمراد بذلك أن يكون اللفظ مشترَكًا، لا أن الحرف بنفسه يكون اسمًا أو فعلًا، هذا محالٌ. فأما القسم الأول: وهو الحروف التي استعملت حروفًا فقط، وهي تسعةٌ "مِنْ"، و"إلى"، و" حَتَّى"، و"فِي"، و"الباء"، و"اللام"، و"رُبَّ"، و"واو القسم"، و"تاؤه". فهذه لا تكون إلَّا حروفًا؛ لأنها تقع في الصلات وقوعًا مطردًا من غيرِ قُبْح، نحو قولك: "جاءني الذي من الكرام"، و"رأيت الذي في الدار"، وكذلك سائرها. ولو كانت أسماءٌ، لم يجز وقوعها هنا في الصلات؛ لأن الصلة لا تكون بالمفرد، ولأنها لا تقع موقع الأسماء فاعلةً ومفعولةً ولا يدخل على شيء منها حرفُ الجرّ، ولا تكون أفعالاً, لأنها تقع مضافة إلى ما بعدها، والأفعالُ لا تضاف، وسيأتي الكلام على كل حرف منها مفضّلًا. وأما القسم الثاني: وهو ما استعمل حرفًا واسمًا، وهي خمسة: "عَلى"، و"عَنْ"، و"الكاف"، و"مُذْ"، و"مُنْذُ". فهذه تكون حروفًا، وقد تُشارِكها في لفظها الأسماءُ على ما سيأتي بيانُه مشروحًا. وكذلك القسم الثالث: يكون حروفًا وأفعالًا، وهي ثلاثة "حَاشا"، و"عَدا"، و"خَلا"، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله. فصل [معاني "مِنْ "] قال صاحب الكتاب: فـ "مِنْ" معناها ابتداء الغاية, كقولك: "سرت من البصرة", وكونها مبعضة نحو: "أخذت من الدراهم"، ومبينة في نحو: ﴿فاجتنبوا الرجس من

стр. 1823

من الأوثان﴾ (١)، ومزيدة في نحو: "ما جاءني من أحد" راجع إلى هذا. ولا تزاد عند سيبويه إلا في النفي، والأخفش يجوز الزيادة في الواجب, ويستشهد بقوله تعالي: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ (٢). * * * قال الشارح: قد صدّر صاحب الكتاب كلامَه وابتدأه بـ "مِنْ"، وهي حريَّةٌ بالتقديم؛ لكثرة دَوْرها في الكلام، وسعةِ تصرُّفها ومعانيها، وإن تَعدّدت فمُتلاحِمةٌ، فمن ذلك كونها لابتداء الغاية مُناظِرةً لِـ "إلى" في دلالتها على انتهاء الغاية؛ لأن كل فاعلٍ أخذ في فعل فلفعله ابتداءٌ منه يأخذ، وانتهاءٌ إليه ينقطع، فالمبتدأُ تُباشِره "مِنْ"، والانتهاءُ تُباشِره "إلى"، والغالبُ على استعمالِ "مِنْ" في هذا المعنى، ولا تكون "مِنْ" عند سيبويه (٣) إلَّا في المكان، وأبو العبّاس المبرّد يجعلها ابتداءَ كلّ غاية، وإليه يذهب ابنُ درستويه، وغيره من البصريين، فتقول: "خرجتُ من الكوفة"، و"عجبتُ من فلان"، وفي الكتاب (٤): "مِن فلان إلى فلان". قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (٥) أي: من دار أهلك، وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ (٦)، وقال: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ (٧)، فـ "مِنْ" في "الشجرة" و"الشاطئ" لابتداء غاية النداء. وقد أجاز الكوفيون (٨) استعمالها في الزمان، وهو رأي أبي العبّاس المبرد، وابن درستويه من أصحابنا، كـ "مُذْ"، و"مُنْذُ"، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٩)، وبقول الشاعر [من الكامل]: لِمَنِ الدِيارُ بقُنّةِ الحِجْرِ ... أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ (١٠) ومن لا يرى استعمالها في الزمان يتأوّل الآية بأن ثَمّ مضافًا محذوفًا تقديره: من تأسيسِ أوّل يوم، ومِن مَز حجج ومرّ دهر. فهذا فيه دلالةٌ على استعمالها في غير المكان؛ لأن التأسيس والمرّ مصدران، وليسا بزمانَين، وإن كانت المصادرُ تُضارع الأزمنةَ من حيث هي منقضيةٌ مثلها. وأما كونها للتبعيض، فنحوُ قولك: "أخذت درهمًا من المال" فدلّتْ "مِنْ" على أن الذي أخذتَ بعضَ المال، وفيه معنى الابتداء أيضًا؛ لأن مَبْدَأ أخذك المالُ. قال الله

стр. 1824

تعالي: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، أي: بعضَها، ومنه: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٢). قال أبو العبّاس المبرّد: وليس هو كما قال سيبويه عندي، لأن قوله: "أخذت من ماله" إِنَّما جعل ماله ابتداءَ غايةِ ما أخذ، فدلّ على التبعيض من حيث صار ما بقي انتهاءً له، والأصلُ واحد. وكونها لتجيين الجنس، كقولك: "ثوبٌ من صُوفٍ"، و"خاتمٌ من حديدٍ". وربما أوهم هذا الضربُ التبعيضَ، ولهذا قلنا: إِنّ مَرْجِعَها إلى شيء واحد. ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٣). وذلك أنّ سائر الأرجاس يجب أن تُجتنب، وبين المقصودَ بالاجتناب من أيّ الأرجاس، واعتبارُه أن يكون صفة لِما قبله، وأن يقع موقعَه "الَّذِي"، ألا ترى أن معناه: فاجتنبوا الرجسَ الذي هو وثنٌ. وقد حمل بعضُهم الآية على القلب، أي: الأوثان من الرجس. وفيه تعسّفٌ من جهة اللفظ، والمعنى واحدٌ. وقد قيل في قول سيبويه: "هذا باب عِلْمِ ما الكَلِمُ من العَرَبيّة" (٤) أنّه من هذا الباب؛ لأن الكلم قد تكون عربية، وغير عربية، فبَئنَ جنسَ الكلم بأنّها عربيّةٌ. وتكون "مِنْ" زائدة، كقوله [من البسيط]: وما بالرَّبْع مِن أحدِ (٥) وإنما تزاد في النفي مُخلَّصة للجنس، مؤكّدةً معنى العموم، وقد اشترط سيبويه (٦) لزيادتها ثلاثةَ شرائط: أحدها: أن تكون مع النكرة. والثاني: أن تكون عامّة. والثالث: أن تكون في غير الموجَب، وذلك نحوُ: "ما جاءني من أحدٍ". ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: "ما جاءني من أحد"، وبين قولك: "ما جاءني أحدٌ"؛ لأن "أحدًا" يكون للعموم. فأمّا قولك: "ما جاءني من رجل"، فقال الأكثر: لا تكون زائدة على حد زيادتها مع "أحد"؛ لأنها قد أفادت استغراق الجنس، إذ قد يُقال: "ما جاءني رجل"، ويُراد به نفيُ رجل واحد من هذا النوع، وإذا قال: "من رجل" استغرق الجميعَ. وعندي يجوز أن يُقال: "ما جاءني من رجل"، على زيادةِ "مِنْ"، كما يكون كذلك في "ما جاءني من أحد". وذلك أنّه كما يجوز أن يُقال: "ما جاءني رجلٌ"، ويُراد به نفيُ واحد من النوع، كذلك يجوز أن يُقال: "ما جاءني رجلٌ"، ويُراد به نفي الجنس، كما تنفيه

стр. 1825

بقولك: "ما جاءني أحد". فإذا أُدخل "مِنْ"، فإنما تُدْخِلها توكيدًا؛ لأن المعنى واحد. وإنّما يزاد "مِنْ"؛ لأن فيه تناوُلَ البعض، كأنّه ينفي كل بعض للجنس الذي نفاه مفردًا، كأنه قال: "ما جاءني زيدٌ، ولا بكرٌ، ولا غيرهما من أبعاض هذا الجنس"، فالنفيُ بـ "مِنْ" مفصَّلًا، وبغير"مِنْ "مُجْمَلًا". فإذا قلت: "ما جاءني رجل" وأردت الاستغراق، ثمّ قلت: "ما جاءني من رجل"، كانت "مِنْ" زائدة. فأمّا إذا قلت "ما جاءني من أحد"، فـ "مِنْ" زائدة لا محالةَ للتأكيد، لأن "مِنْ" لم تفد الاستغراق، لأن ذلك كان حاصلًا من قولك: "ما جاءني أحدٌ". ولذلك لا يرى سيبويه زيادةَ "مِنْ" في الواجب، لا تقول: "جاءني من رجل"، كما لا تقول: "جاءني من أحد"؛ لأن استغراق الجنس في الواجب محال، إذ لا يُتصوّر مجيءُ جميع الناس، ويتصوّر ذلك في طرف النفي. وقد أجاز الأخفش زيادتها في الواجب، فيقول: "جاءني من رجلٍ"، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١)، والمراد: ما أمسكن عليكم، وبقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٢)، والمعنى: سيّآتِكم، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣). والجواب عمّا تَعلّق به، أمّا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) فـ "مِنْ" هنا غير زائدة، بل هي للتبعيض، أي: كلوا منه اللحم دون الفَرْث والدَّمِ، فإنّه محرَّم عليكم؛ وأما قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٥)، فإن "مِنْ" للتبعيض أيضًا, لأن الله وعد على عمل ليس فيه التوبةُ، ولا اجتنابُ الكبائر تكفرَ بعض السيّآت، وعلى عمل فيه توبةٌ، واجتنابُ الكبائر تمحيصَ جميع السيّآت. يدل على ذلك قوله تعالى في الآية الأخُرى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٦)، فجيء بـ "مِنْ" ها هنا، وفي قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٧) لم يأتِ بـ "مِنْ"؛ لأنه سبحانه وعد باجتناب الكبائر تكفيرَ جميع السيّآت، ووعد بإخراج الصدقة على ما حَدَّ فيها تكفيرَ بعض السيّآت، فاعرفه. وقول صاحب الكتاب: "وكونُها مُبغِّضةً ... وزائدةً ... راجعٌ إلى هذا"، المعنى: إلى ابتداء الغاية، فإن ابتداء الغاية لا يُفارِقها في جميع ضروبها، فإذا قلت: "أخذتُ من الدراهم درهمًا"، فإنّك ابتدأت بالدرهم، ولم تَنْتَهِ إلى آخر الدراهم،
следующие страницы →