← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ولو قلت: "مات زيدٌ والشمسَ"، أي: مع الشمس، لم يصحّ؛ لأنه لا يصحّ عطف "الشمس" على "زيد" المُسْنَدِ إليه الموتُ، إذ لا يصحّ فيها الموت. وكذلك لو قلت: "لانتظرتُك وطلوعَ الشمس"؛ لم يصحّ؛ لأنك لو رفعت بالعطف على الفاعل، لم يجز؛ لأن "الشمس" لا يصحّ منها الانتظارُ. هذا مع أن أبا الحسن الأخفش كان يذهب إلى أن انتصاب المفعول معه انتصابُ الظرف، يعمل فيه روائحُ الأفعال، فلا يحتاج إلى مُقَوٍّ للفعل. وأمّا "إلَّا" في الاستثناء، فكذلك لا اختصاص لها بالأسماء، ولا يصحّ إعمالها فيما بعدها، ألا تراك تقول: "ما جاء زيدٌ قطّ إلَّا يضحك"، و"ما مررت به إلا يُصلِّي"، و"لا رأيتُه قطّ إلَّا في المسجد"؟ فلمّا كانت تدخل على الأفعال والحروف على حدّ دخولها على الأسماء؛ لم يكن لها عملٌ، لا جرٌّ، ولا غيره. كيف وأبو العبّاس المبرد كان يذهب إلى أن الناصب للمستثنى فعلٌ دلّ عليه مجرى الكلام، تقديرُه: "أستثني"، أو"لا أعني" ونحوُه، فلا تكون "إلَّا" مُقوِّيةً. فافترق حالُ هذين الحرفين، أعني الواو و"إلَّا"، وحال حروف الجّر. واعلم أن حرف الجرّ إذا دخل على الاسم المجرور، فيكون موضعُ الحرف الجارّ والاسمِ المجرور نصبًا بالفعل المتقدّم. يدلّ على ذلك أمران: أحدهما: أنّ عِبْرة الفعل المتعدّي بحرف الجرّ عبرةُ ما يتعدّى بنفسه إذا كان في معناه، ألاَّ ترى أن قولك: "مررت بزيد" معناه كمعنى "جُزْت زيدًا"، و"انصرفتُ عن خالدٍ" كقولك: "جاوزتُ خالدًا؟ " فكما أنّ ما بعد الأفعال المتعدّية بأنفسها منصوبٌ، فكذلك ما كان في معناها ممّا يتعدّى بحرف الجرّ؛ لأن الاقتضاء واحدٌ، إلَّا أن هذه الأفعال ضعُفت في الاستعمال، فافتقرت إلى مُقَوٍّ. والأمر الآخر: من جهة اللفظ، فإنّك قد تنصب ما عطفتَه على الجار والمجرور، نحوَ قولك: "مررت بزيد وعمرًا"، وإن شئت: "وعمروٍ" بالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع. وكذلك الصفةُ، نحوُ: "مررت بزيدٍ الظريفَ (بالنصب) والظريفِ (بالخفض) ". فهذا يؤذن بأن الجارّ والمجرور في موضع نصب. ولذلك قال سيبويه (١): إنك إذا قلت: "مررت بزيد"، فكأنّك قلت: "مررت زيدًا". يريد أنه لو كان ممّا يجوز أن يستعمل بغير حرف جرّ، لكان منصوبًا. وجملةُ الأمران حرف الجرّ يتنزّل منزلةَ جُزْء من الاسم من حيث كان وما بعده في موضع نصب، وبمنزلةِ جُزْء من الفعل من حيث تَعدّى به، فصار حرفُ الجرّ بمنزلة الهمزة والتضعيف من نحوِ "أذهبتُ زيدًا"، و"فرّحته"، فاعرفه.

стр. 1822

[أنواعها] قال صاحب الكتاب: وهي على ثلاثة أضرب: ضرب لازم للحرفية, وضرب كائن إسماً وحرفا, وضرب كائن حرفاً وفعلاً. فالأول: تسعة أحرف: "من", و"إلى" و"حتى" و"في" و"الباء" و"اللام" و"رُبَّ" و"واو القسم" و"تاؤه". والثاني خمسة أحرف: "على" و"عن" و"الكاف" و"مُذْ" و"منذ". والثالث ثلاثة أحرف: "حاشا", و"خلا", و"عدا". * * * قال الشارح: قد قسم حروفَ الجرّ إلى هذه ثلاثة الأقسام: قسمٌ استعملته العربُ حرفًا فقط، ولم تُشرِكه في لفظ الاسم والفعل، ولم يُجْروه في موضع من المواضع مجرى الأسماء، ولا مجرى الأفعال. وقسمٌ آخر يكون اسمًا وحرفًا. وقسمٌ ثالثٌ: وهو ما يستعمل حرفًا وفعلًا. والمراد بذلك أن يكون اللفظ مشترَكًا، لا أن الحرف بنفسه يكون اسمًا أو فعلًا، هذا محالٌ. فأما القسم الأول: وهو الحروف التي استعملت حروفًا فقط، وهي تسعةٌ "مِنْ"، و"إلى"، و" حَتَّى"، و"فِي"، و"الباء"، و"اللام"، و"رُبَّ"، و"واو القسم"، و"تاؤه". فهذه لا تكون إلَّا حروفًا؛ لأنها تقع في الصلات وقوعًا مطردًا من غيرِ قُبْح، نحو قولك: "جاءني الذي من الكرام"، و"رأيت الذي في الدار"، وكذلك سائرها. ولو كانت أسماءٌ، لم يجز وقوعها هنا في الصلات؛ لأن الصلة لا تكون بالمفرد، ولأنها لا تقع موقع الأسماء فاعلةً ومفعولةً ولا يدخل على شيء منها حرفُ الجرّ، ولا تكون أفعالاً, لأنها تقع مضافة إلى ما بعدها، والأفعالُ لا تضاف، وسيأتي الكلام على كل حرف منها مفضّلًا. وأما القسم الثاني: وهو ما استعمل حرفًا واسمًا، وهي خمسة: "عَلى"، و"عَنْ"، و"الكاف"، و"مُذْ"، و"مُنْذُ". فهذه تكون حروفًا، وقد تُشارِكها في لفظها الأسماءُ على ما سيأتي بيانُه مشروحًا. وكذلك القسم الثالث: يكون حروفًا وأفعالًا، وهي ثلاثة "حَاشا"، و"عَدا"، و"خَلا"، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله. فصل [معاني "مِنْ "] قال صاحب الكتاب: فـ "مِنْ" معناها ابتداء الغاية, كقولك: "سرت من البصرة", وكونها مبعضة نحو: "أخذت من الدراهم"، ومبينة في نحو: ﴿فاجتنبوا الرجس من

стр. 1823

من الأوثان﴾ (١)، ومزيدة في نحو: "ما جاءني من أحد" راجع إلى هذا. ولا تزاد عند سيبويه إلا في النفي، والأخفش يجوز الزيادة في الواجب, ويستشهد بقوله تعالي: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ (٢). * * * قال الشارح: قد صدّر صاحب الكتاب كلامَه وابتدأه بـ "مِنْ"، وهي حريَّةٌ بالتقديم؛ لكثرة دَوْرها في الكلام، وسعةِ تصرُّفها ومعانيها، وإن تَعدّدت فمُتلاحِمةٌ، فمن ذلك كونها لابتداء الغاية مُناظِرةً لِـ "إلى" في دلالتها على انتهاء الغاية؛ لأن كل فاعلٍ أخذ في فعل فلفعله ابتداءٌ منه يأخذ، وانتهاءٌ إليه ينقطع، فالمبتدأُ تُباشِره "مِنْ"، والانتهاءُ تُباشِره "إلى"، والغالبُ على استعمالِ "مِنْ" في هذا المعنى، ولا تكون "مِنْ" عند سيبويه (٣) إلَّا في المكان، وأبو العبّاس المبرّد يجعلها ابتداءَ كلّ غاية، وإليه يذهب ابنُ درستويه، وغيره من البصريين، فتقول: "خرجتُ من الكوفة"، و"عجبتُ من فلان"، وفي الكتاب (٤): "مِن فلان إلى فلان". قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (٥) أي: من دار أهلك، وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ (٦)، وقال: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ (٧)، فـ "مِنْ" في "الشجرة" و"الشاطئ" لابتداء غاية النداء. وقد أجاز الكوفيون (٨) استعمالها في الزمان، وهو رأي أبي العبّاس المبرد، وابن درستويه من أصحابنا، كـ "مُذْ"، و"مُنْذُ"، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٩)، وبقول الشاعر [من الكامل]: لِمَنِ الدِيارُ بقُنّةِ الحِجْرِ ... أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ (١٠) ومن لا يرى استعمالها في الزمان يتأوّل الآية بأن ثَمّ مضافًا محذوفًا تقديره: من تأسيسِ أوّل يوم، ومِن مَز حجج ومرّ دهر. فهذا فيه دلالةٌ على استعمالها في غير المكان؛ لأن التأسيس والمرّ مصدران، وليسا بزمانَين، وإن كانت المصادرُ تُضارع الأزمنةَ من حيث هي منقضيةٌ مثلها. وأما كونها للتبعيض، فنحوُ قولك: "أخذت درهمًا من المال" فدلّتْ "مِنْ" على أن الذي أخذتَ بعضَ المال، وفيه معنى الابتداء أيضًا؛ لأن مَبْدَأ أخذك المالُ. قال الله

стр. 1824

تعالي: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، أي: بعضَها، ومنه: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٢). قال أبو العبّاس المبرّد: وليس هو كما قال سيبويه عندي، لأن قوله: "أخذت من ماله" إِنَّما جعل ماله ابتداءَ غايةِ ما أخذ، فدلّ على التبعيض من حيث صار ما بقي انتهاءً له، والأصلُ واحد. وكونها لتجيين الجنس، كقولك: "ثوبٌ من صُوفٍ"، و"خاتمٌ من حديدٍ". وربما أوهم هذا الضربُ التبعيضَ، ولهذا قلنا: إِنّ مَرْجِعَها إلى شيء واحد. ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٣). وذلك أنّ سائر الأرجاس يجب أن تُجتنب، وبين المقصودَ بالاجتناب من أيّ الأرجاس، واعتبارُه أن يكون صفة لِما قبله، وأن يقع موقعَه "الَّذِي"، ألا ترى أن معناه: فاجتنبوا الرجسَ الذي هو وثنٌ. وقد حمل بعضُهم الآية على القلب، أي: الأوثان من الرجس. وفيه تعسّفٌ من جهة اللفظ، والمعنى واحدٌ. وقد قيل في قول سيبويه: "هذا باب عِلْمِ ما الكَلِمُ من العَرَبيّة" (٤) أنّه من هذا الباب؛ لأن الكلم قد تكون عربية، وغير عربية، فبَئنَ جنسَ الكلم بأنّها عربيّةٌ. وتكون "مِنْ" زائدة، كقوله [من البسيط]: وما بالرَّبْع مِن أحدِ (٥) وإنما تزاد في النفي مُخلَّصة للجنس، مؤكّدةً معنى العموم، وقد اشترط سيبويه (٦) لزيادتها ثلاثةَ شرائط: أحدها: أن تكون مع النكرة. والثاني: أن تكون عامّة. والثالث: أن تكون في غير الموجَب، وذلك نحوُ: "ما جاءني من أحدٍ". ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: "ما جاءني من أحد"، وبين قولك: "ما جاءني أحدٌ"؛ لأن "أحدًا" يكون للعموم. فأمّا قولك: "ما جاءني من رجل"، فقال الأكثر: لا تكون زائدة على حد زيادتها مع "أحد"؛ لأنها قد أفادت استغراق الجنس، إذ قد يُقال: "ما جاءني رجل"، ويُراد به نفيُ رجل واحد من هذا النوع، وإذا قال: "من رجل" استغرق الجميعَ. وعندي يجوز أن يُقال: "ما جاءني من رجل"، على زيادةِ "مِنْ"، كما يكون كذلك في "ما جاءني من أحد". وذلك أنّه كما يجوز أن يُقال: "ما جاءني رجلٌ"، ويُراد به نفيُ واحد من النوع، كذلك يجوز أن يُقال: "ما جاءني رجلٌ"، ويُراد به نفي الجنس، كما تنفيه

стр. 1825

بقولك: "ما جاءني أحد". فإذا أُدخل "مِنْ"، فإنما تُدْخِلها توكيدًا؛ لأن المعنى واحد. وإنّما يزاد "مِنْ"؛ لأن فيه تناوُلَ البعض، كأنّه ينفي كل بعض للجنس الذي نفاه مفردًا، كأنه قال: "ما جاءني زيدٌ، ولا بكرٌ، ولا غيرهما من أبعاض هذا الجنس"، فالنفيُ بـ "مِنْ" مفصَّلًا، وبغير"مِنْ "مُجْمَلًا". فإذا قلت: "ما جاءني رجل" وأردت الاستغراق، ثمّ قلت: "ما جاءني من رجل"، كانت "مِنْ" زائدة. فأمّا إذا قلت "ما جاءني من أحد"، فـ "مِنْ" زائدة لا محالةَ للتأكيد، لأن "مِنْ" لم تفد الاستغراق، لأن ذلك كان حاصلًا من قولك: "ما جاءني أحدٌ". ولذلك لا يرى سيبويه زيادةَ "مِنْ" في الواجب، لا تقول: "جاءني من رجل"، كما لا تقول: "جاءني من أحد"؛ لأن استغراق الجنس في الواجب محال، إذ لا يُتصوّر مجيءُ جميع الناس، ويتصوّر ذلك في طرف النفي. وقد أجاز الأخفش زيادتها في الواجب، فيقول: "جاءني من رجلٍ"، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١)، والمراد: ما أمسكن عليكم، وبقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٢)، والمعنى: سيّآتِكم، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣). والجواب عمّا تَعلّق به، أمّا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) فـ "مِنْ" هنا غير زائدة، بل هي للتبعيض، أي: كلوا منه اللحم دون الفَرْث والدَّمِ، فإنّه محرَّم عليكم؛ وأما قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٥)، فإن "مِنْ" للتبعيض أيضًا, لأن الله وعد على عمل ليس فيه التوبةُ، ولا اجتنابُ الكبائر تكفرَ بعض السيّآت، وعلى عمل فيه توبةٌ، واجتنابُ الكبائر تمحيصَ جميع السيّآت. يدل على ذلك قوله تعالى في الآية الأخُرى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٦)، فجيء بـ "مِنْ" ها هنا، وفي قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٧) لم يأتِ بـ "مِنْ"؛ لأنه سبحانه وعد باجتناب الكبائر تكفيرَ جميع السيّآت، ووعد بإخراج الصدقة على ما حَدَّ فيها تكفيرَ بعض السيّآت، فاعرفه. وقول صاحب الكتاب: "وكونُها مُبغِّضةً ... وزائدةً ... راجعٌ إلى هذا"، المعنى: إلى ابتداء الغاية، فإن ابتداء الغاية لا يُفارِقها في جميع ضروبها، فإذا قلت: "أخذتُ من الدراهم درهمًا"، فإنّك ابتدأت بالدرهم، ولم تَنْتَهِ إلى آخر الدراهم،

стр. 1826

فالدرهم ابتداء الأخذ إلى أن لا يبقى مته شيءٌ، ففي كل تبعيض معنى الابتداء، فالبعضُ الذي انتهاؤه الكلُّ. وأمّا التي للتبيين، فهي تخصيص الجملة التي قبلها كما أنها في التبعيض تخصيص الجملة التي بعدها، فكان فيها ابتداء غايةِ تخصيص كما كان في التبعيض. وأمّا زيادتها لاستغراق الجنس في قولك: "ما جاءني من رجل"، فإنّما جعلتَ "الرجل" ابتداءَ غايةِ نفيِ المجيءِ إلى آخِر الرجال، ومن ها هنا دخلها معنى استغراق الجنس. وقد أضاف بعضهم إلى أقسامها قسمًا آخر، وهو أن تكون لانتهاء الغاية، وذلك بأن تقع مع المفعول، نحوَ: "نظرت من داري الهِلالَ من خَلَل السحاب"، و"شممت من داري الرَّيْحانَ من الطريق "، فـ "مِن" الأُولى لابتداء الغاية. والثانية لانتهاء الغاية، قال ابن السرّاج: وهذا خَلْط معنى "مِنْ" بمعنى "إلى"، والجيّدُ أن تكون "مِن" الثانيةُ لابتداء الغاية في الظهور، وبدلًا من الأولى. فإن قلت: فقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (١)، فقد تكرّرت "مِنْ" في ثلاثة مواضع، فما معناها في كل موضع منها؟ قيل: إنّ الأُولى لابتداء الغاية، والثانيةُ يجوز فيها وجهان: أحدهما التبعيض على أن "الجبال" بَرَدٌ تكثيرًا له، فينزّل بعضَها. والآخر: على أن المعنى من أمثال الجبال من الغَيْم، فيكون هذا المعنى لابتداء الغاية، كقولك: "خرجت من بغدادَ من داري إلى الكوفة". وأما الثالثة فتكون على وجهَيْن: التبعيض والتبيين؛ أمّا التبعيض فعلى معنى ينزّل من السماء بعضَ البرد؛ وأمّا التبيين فعلى أنّ الجبال من بردٍ. وهذا على رأي سيبويه، ومن لا يرى زيادةَ "مِنْ " في الواجب، وأمّا على رأي أبي الحسن، ومن يرى رأيَه، فيحتمل ثلاثةَ أوجه: أحدها: أن تكون "مِنْ" الأُوُلى لابتداء الغاية، وموضعُها نصب على أنه ظرفٌ، والثانية زائدةٌ على أنه مفعول به، فتكون "الجبال" على هذا تعظيمًا لِما ينزل من السماء من البرد والمطر، و"فِيها" من صفة "الجبال"، وفيه ضميرٌ من الموصوف. و"مِن" الثالثةُ لبيان الجنس، كأنّه بين من أي شيء هو المُكثَّر، كما تقول: "عندي جبالٌ من مالٍ"، فتُكثِّر ما منه عندك، ثمّ تُبيِّن المُكثَّر بقولك: "من المال". ويجوز أن تكون "مِن" الثالثةُ زائدة، وموضعها رفيع بالظرف الذي هو"فِيهَا"، ولا يكون فيه ضميرٌ على هذا, لأنه قد رفع ظاهرًا، وذلك في قول سيبويه والأخفش جميعًا؛ لأن سييويه لا يُعْمِل الظرف حتى يعتمد على كلام قبله، وههنا قد اعتمد على الموصوف، والأخفشُ يُعْمِله معتمدًا وغيرَ

стр. 1827

معتمد، ويكون التقدير: وينزّل من السماء جبالًا، أي: أمثالَ الجبال فيها بردٌ. ويجوز أن يكون "برد" مبتدأ، و"قِيها" الخبر، والجمله في موضع الصفة. وأمّا الوجه الثاني: فأن يكون موضعُ "مِن" الثانيةِ نصبًا على الظرف، وتكون الثالثة زائدة في موضع نصب على المفعول به، أي: وينزّل من السماء من جبالٍ فيها بردًا. والوجه الثالث: أن تكون "مِن" الأُولى لابتداء الغاية، والثانية نصبًا على الظرف، والثالثة لبيان الجنس، وفي ذلك دلالةٌ على أن في السماء جبالَ برد، وكأنّه على هذا التأويل ذكر المكانَ الذي يُنزِّل منه، ولم يذكر المُنَزَّلَ للدلالة عليه، ووضوحِ الأمر فيه، فاعرفه. فصل [معاني "إلي "] قال صاحب الكتاب: و"إلى" معارضة لـ "من" دالة على انتهاء الغاية, كقولك: "سرت من البصرة إلى بغداد"، وكونها بمعنى المصاحبة في نحو قوله : ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ (١) راجع إلى معنى الانتهاء. * * * قال الشارح: اعلم أنّ "إلى" تدلّ على انتهاء الغاية كما دلّت "مِنْ" على ابتدائها، فهي نقيضتها، لأنها طَرَفٌ بإزاء طَرَف "مِنْ "، ولذلك قال: إنها مُعارِضةُ "مِنْ"، أي: مُجانِبةٌ، ومضادّةٌ لها. ولا تختصّ بالمكان كما اختصّت "مِنْ" به، كقولك: "خرجت من الكوفة إلى البصرة"، فـ "إلى" دلت أن منتهى خروجك البصرة، وكذلك إذا قلت: "رَغِبْت إلى الله"، دللت به على أن منتهى رَغْبتك اللهُ . وإذا كتبتَ، فقلت: "من فلان إلى فلان"، فهو النهاية، فـ "مِنْ " للابتداء، و"إلى" للانتهاء. وجائزٌ أن تقول: "سرت إلى الكوفة"، وقد دخلت الكوفةَ، وجائزٌ أن تكون قد بلغتَها، ولم تدخلها؛ لأنّ "إلى" نهايةٌ، فجائزٌ أن تقع على أوّل الحدّ. وجائزٌ أن تتوغّل في المكان، ولكن تُمْنَع من مجاوَزته؛ لأن النهاية غايةٌ، وما كان بعده شيء لم يُسَمَّ غايةً. وتحقيقُ ذلك أنها لانتهاء غاية العمل، كما أن "مِنْ" لابتداء غاية العمل، إلَّا أنه قد يُلابِس الابتداءُ موضعًا من المواضع، فيكون من أجل تلك الملابسة ابتداءً للغاية، وقد يلابس انتهاءُ الغاية موضعًا من المواضع، فيكون من أجل تلك الملابسة انتهاءً للغاية، وذلك نحوُ: "خرجت من بغداد إلى الكوفة"، فعلى هذا تكون "المَرافِق" داخلةً في الغَسْل عن قول الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢).

стр. 1828

ولا يُعْدَل عن هذا الأصل إلَّا بدليل، وإذا قلت: "كِتابي إلى فلان"، فمعناه أنه غاية الكتابة، إذ لا مطلوبَ بعده، وليس هناك عملٌ يتّصل إلى فلان كما يتّصل عملُ السير والخروج وما أشبهه من النزول وغيره. ومنه قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٣) و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٤)، فالثمر غايةٌ للنظر، والأب غايةٌ للرجوع، والله تعالى غايةٌ لصعود الكلم ينتهي عنده، وليس في ذلك عملٌ يتّصل بالغاية. فأمّا قولُ من جعلها بمعنى "مَعَ" وبمعنى غيرها من الحروف، فيحتجّ بقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٦)، ويحمل عليه قولَه تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٧)، قالوا: لأنه لا يُقال: "نصرتُ إلى فلان"، بمعنى: "نصرتُه"، ولا "أكلتُ إلى مال فلان"، بمعنى: "أكلتُه"، وإنّما المعنى يعود إلى أن يكون بمعنى "مَعَ"، ولذلك دخلت "المرافق" في الغسل. والتحقيقُ في ذلك أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخرَ، وكان أحدُهما يصل إلى معموله بحرفٍ، والآخرُ يصل بآخر؛ فإن العرب قد تتّسع، فتُوقِع أحدَ الحرفَيْن موقعَ صاحبه إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، وذلك كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٨)، وأنت لا تقول: "رفثت إلى المرأة"، إنما يُقال: "رفثت بها"، لكنّه لمّا كان الرفث هنا في معنى الإفضاء، وكنتَ تُعدِّي "أفضيتُ" بـ "إلى"؛ جئت بـ "إلى" إيذانًا بأنه في معناه. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٩)، لمّا كان معناه: مَن يُضاف في نَصْري إلى الله؛ جاز لذلك أن تأتي بـ "إلى" ها هنا. وكذلك قوله عزّ اسمُه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (١٠)، لمّا كان معنى الأكل ها هنا الضمّ والجمع لا حقيقة المَضْغ والبَلْع، عدّاه بـ "إلى"، إذ المعنى: لا تجمعوا أموالهم إلى أموالكم. فأمّا قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١١)، فقد ذكرنا الوجه في دخول "المرافق" في الغسل. وفيه وجهٌ ثانٍ أنّ "إلى" هنا غايةٌ في الإسقاط، وذلك أنه لمّا قال: "اغسلوا وجوهكم وأيديكم"؛ تَناول جميعَ اليد، كما تناول جميع الوجه، واليَدُ اسمٌ للجارحة من رأس الأنامل إلى الإبْط، فلمّا قال: "إلى المرافق"؛ فصار إسقاطًا إلى المرافق، فالمرافق غايةٌ في الإسقاط، فلم تدخل في الإسقاط، وبقيتْ واجبةَ الغسل. ولو كانت "إلى"

стр. 1829

بمعنى "مَعَ"، لساغ استعمالُها في كلّ موضع بمعنى "مَعَ". وأنت لو قلت: "سرتُ إلى زيد" تريد: مع زيد؛ لم يجز؛ إذ لم يكن معروفًا في الاستعمال، ولذلك قال صاحب الكتاب: "وكونها بمعنى المصاحبة راجع إلى معنى الانتهاء"، فاعرفه. فصل [معاني "حتي "] قال صاحب الكتاب: و"حتى" في معناها, إلا أنها تفارقها في أن مجرورها يجب أن يكون آخر جزء من الشيء, أو ما يلاقي آخر جزء منه، لأن الفعل المعدى بها الغرض فيه أن يتقضى ما تعلق به شيئاً فشيئاً حتى يأتي عليه، وذلك قولك "أكلت السمكة حتى رأسها" و"نمت البارحة حتى الصباح"، ولا تقول: "حتى نصفها, أو ثلثها", كما تقول: "إلى نصفها, وإلى ثلثها". ومن حقها أن يدخل ما بعدها فيما قبلها, ففي مسألتي "السمكة" و"البارحة", فقد أكل الرأس, ونيم الصباح. ولا تدخل على مضمر, فتقول: "حتاه", كما تقول: "إليه". وتكون عاطفة, ومبتدأ ما بعدهما في نحو قول امريء القيس [من الطويل]: [سريت بهم حتي تكل مطيهم] ... وحتى الجياد ما يُقدن بأرسان (١) ويجوز في مسألة "السمكة" الوجوه الثلاثة. * * * قال الشارح: اعلم أن "حَتَّى" من عوامل الأسماء الخافضة، وهي حروف كاللام لا تكون إلَّا حرفًا. ومعناها منتهى ابتداء الغاية بمنزلةِ "إلى"؛ ولذلك ذكرها بعدها، إلَّا أنّ "حَتَّى" تُدْخِل الثاني فيما دخل فيه الأول من المعنى، ويكون ما بعدها جزءًا مما قبلها، ينتهي الأمرُ به. فهي إذا خفضتْ، كمعناها إذا نُسق بها. فـ "حتى" تُخالِف "إلى" من هذه الجهة، وذلك قولك: "ضربتُ القومَ حتى زيدٍ"، و"دخلت البلادَ حتى الكوفةِ"، و"أكلت السمكةَ حتى رأسِها" فـ "زيدٌ" مضروبٌ كالقوم، و"الكوفةُ" مدخولة كالبلاد، و"السمكةُ" مأكولة جميعًا، أي: لم أُبْقِ منها شيئًا. وهذا معنى قوله: ""أكلت السمكة حتى رأسِها"، و"نمتُ البارحةَ حتى الصباحِ" ... قد أُكل الرأس، ونِيمَ الصباحُ". وإنّما وجب أن يكون ما بعدها جزءًا ممّا قبلها من قبل أن معناها أن تستعمل لاختصاصِ ما تقع عليه: إمّا لرِفّعته، أو دَناءتِهِ، كقولك: "ضربت القومَ"، فالقوم عند من تخاطبه معروفون، وفيهم رفيعٌ ودَنِيءٌ. فإذا قلت: "ضربت القومَ حتى زيد"، فلا بد من أن يكون "زيد" إمّا أرفعَهم، أو أدناهم، لتدلّ بذكره أن الضرب قد انتهى إلى الرُّفعاء، أو الوضعاء. فإن لم يكن زيدٌ هذه صفتُه، لم يكن لذكره فائدةٌ، إذ

стр. 1830

كان قولك: "ضربت القوم" يشتمل على "زيد" وغيره، فلمّا كان ذِكْرُ "زيد" يفيد ما ذكرناه، وجب أن يكون داخلًا في حكم ما قبله، وأن يكون بعضًا ممّا قبله، فيُستدلّ بذكره أن الفعل قد عمّ الجميعَ، ولذلكَ لا تقول: "ضربت الرجالَ حتى النساء"؛ لأن النساء ليست من جنس الرجال، فلا يُتوهّم دخولهنّ مع الرجال. وإنما يذكر بعد "حَتى" ما يشتمل عليه لفظُ الأول. ويجوز أن لا يقع فيه الفعلُ لرفعته أو دناءته، فيُنبَّه بـ "حَتَّى" أنه قد انتهى الأمر إليه. وربّما استُعملت غايةً، ينتهي الأمر عندها كما تكون "إلى" كذلك، وذلك نحو قولك: "إن فلانًا ليصوم الأيامَ حتى يومِ الفِطْر"، والمراد أنه يصوم الأيام إلى يوم الفطر، ولا يجوز فيه على هذا إلَّا الجرّ؛ لأن معنى العطف قد زال؛ لاستعمالها استعمالَ "إلى"، و"إلى" لا تكون عاطفة، فلا يجوز أن ينتصب "يوم الفطر" لأنه لم يَصُمْهُ، فلا يعمل الفعل فيما لم يفعله، وكذلك إذا خالف الاسم الذي بعدها ما قبلها، نحوَ قولك: "قام القوم حتى الليل"، والتأويل: قام القوم اليومَ حتى الليل، فعلى هذا إذا قلت: "نِمْتُ البارحةَ حتى الصباحِ"، لم يلزمه نومُ الصباح، لأنه ليس من جنسه، ولا جزءًا منه. قال: ولا تدخل على مضمر، ولا تقول: "حَتّاهُ"، ولا: "حتّاك". قال سيبويه (١): استغنوا عن الإضمار في "حَتَّى" بقولهم: "دَعْهُ حتى ذاك"، وبالإضمار في "إلى"، كقولهم: "دَعْهُ إليه"؛ لأن المعنى واحد. يريد: إلى ذلك. فذَلِكَ اسمٌ مبهمٌ، وإنّما يُذْكَر مثلُ ذلك إذا ظنّ المتكلّمُ أن المخاطَب قد عرف مَن يَعْنِي، كما يكون المضمر كذلك. ولذلك لا يرى سيبويه الإضمار مع كاف التشبيه، ولا مع "مُذْ"، ولا يجيز "كَهُ"، ولا "كِي". قال: استغنوا عن ذلك بـ "مِثْلُهُ"، و"مِثْلِي"، وعن "مُذْهُ"، بـ "مُذْ ذاك". هذا رأي سيبويه، وكان أبو العبّاس المبرّد يرى إضافَةَ ما منع سيبويه إضافتَه إلى المضمر في هذا الباب، ولا يمنع منها، ويقول إذا كان بعد "حَتَّى" منصوبًا: "إيّاه" (٢)، وإذا كان مرفوعًا: "حتى هو"، وإذا كان مجرورًا: "حتّاهُ"، و"حتّاك". ويقول في "منذ ذلك"، إذا كان ما بعدها مرفوعًا: "مُذْ هو" وإذا كان مجرورًا: "مُذهُ"، و"مُذْكَ". والصحيحُ ما ذهب إليه سيبويه لموافَقته كلامَ العرب. وربما جاء في الشعر بعضُ ذلك مضمرًا، نحوَ قوله [من الرجز]: ١٠٦٧ - [خَلَى الذنَابَاتِ شِمَالًا كَثْبَا] ... وأُمُّ أوْعالٍ كَهَا أو أقْرَبَا

стр. 1831

أنشده سيبويه للعجّاج، وهو ضرورةٌ. واعلم أنهم قد اختلفوا في الخافض لِما بعد "حَتَّى" في الغاية (١)، فذهب الخليل وسيبويه إلى أن الخفض بـ "حَتَّى"، وهي عندهما حرف من حروف الجرّ بمنزلة اللام، وذهب الكسائي إلي أن خفضَ ما بعدها بإضمارِ "إلى"؛ لأنها نفسها نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢)، فقال: إن الخفض بـ "إلى" المضمرِة. وقال الفراء: "حَتَّى" من عوامل الأفعال مجراها مجرى "كَيْ"، و"أنْ"، وليس عملها لازمًا في الأفعال، ألا تراك تقول: "سرتُ حتى أدخلُها"، و"وقعتُ حتى وصلتُ إلى كذا" فلا تعمل ها هنا شيئًا؟ ثُمَّ لما نابت عن "إلى"، خفضت الأسماءَ لنيابتها وقيامِها مقامَ "إلى". وهو قولٌ واهٍ فيه بُعْدٌ؛ لأنه يؤدّي إلى إبطال معنى "حتّى". وذلك أن بابَ "حَتَّى" في الأسماء أن يكون الاسم الذي بعدها من جملةِ ما قبلها وداخلًا في حكمه ممّا يُستبعد وجوده في العادة، كقولنا: "قاتلتُ السِّباعَ حتى الأُسودِ"، فقتالُه الأسدَ أبعدُ من قتاله لغيره، وكذلك "اجترأ على الناسُ حتى الصبيانِ"؛ لأن اجتراء الصبيان أبعدُ في النفوس من اجتراء غيرهم، ولو جعلنا مكانَ "حَتَّى" "إلى"؛ لَمَا أدَّى هذا المعنى. فإن قيل: ولِمَ قلتم إِنّ "حَتَّى" هي الخافضة بنفسها؟ قيل: لظهور الخفض بعدها في نحوِ ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٣). ولم تقم الدلالة على تقدير عامل غيرها، فكانت هي العاملة. وممّا يؤيْد ذلك قولُهم: "حَتَّامَ؟ " وأمّا كونها عاطفةَ، فنحو قولك: "قام القوم حتى زيدٌ"، أي: وزيدٌ، و"رأيت القومَ حتى زيدًا"، و"مررت بالقوم حتى زيدٍ"، أجروها في ذلك مجرى الواو.

стр. 1832

فإن قيل: ولِمَ قلتم: إِن أصلها الغاية، وِإنها في العطف محمولة على الواو؟ فالجواب: إنّما قلنا إن أصلها الجرّ؛ لأنها لما كانت عاطفةً، لم تخرج عن معنى الغاية. ألا ترى أنك إذا قلت: "جاءني القوم حتى زيدٍ" بالخفض؛ فزيدٌ بعضُ القوم، ولو جعلتَ "حَتى" عاطفة؛ لم يجز أن يكون الذي بعدها إلَّا بعضا للّذي قبلها. وهذا الحكمُ تقتضيه "حَتَّى" من حيث كانت غايةً على ما تقدّم بيانُه. ولو كان أصلها العطفَ، لجاز أن يكون الذي بعدها من غير نوع ما قبلها، كما تكون الواو كذلك. ألا ترى أنه يجوز أن تقول: "جاءني زيدٌ وعمرٌو"، ولا يجوز أن تقول: "جاءني زيد حتى عمرٌو"، كما لا يجوز ذلك في الخفض، فدلّ ما ذكرناه على أن أصلها الغايةُ. فإن قيل: فمن أين أشبهت "حَتَّى" الواوَ حتى حُملت عليها؟ قيل: لأن أصل "حَتَّى"، إذا كانت غايةً، أن يكون ما بعدها داخلًا في حكم ما قبلها، كقولك: "ضربتُ القوم حتى زيدًا" (١)، فـ "زيد" مضروب مع القوم كما يكوَن ذلك في قولك: "ضربت القومَ وزيدًا". فلمّا اشتركا فيما ذكرنا، حُملت على الواو. وأمّا القسم الثالث: فأن تكون حرفًا من حروف الابتداء ليستأنف بعدها الكلامُ، ويُقْطَعَ عمّا قبله كما يستأنف بعد "أمَّا"، و"إذا" التي للمفاجأة، و"إنَّمَا"، و"كَأنَّمَا"، ونحوها من حروف الابتداء، فيقع بعدها المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، من نحو قولك: "سرّحتُ القومَ حتى زيدٌ مُسَرَّحٌ " و"أجلست القومَ حتى زيدٌ جالسٌ ". قال جرير [من الطويل]: ١٠٦٨ - فما زالتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِماءَها ... بدِجْلَةَ حتى ماءُ دجلةَ أشكَلُ

стр. 1833

فقوله: "ماء" رفعٌ بالابتداء، و"أشكلُ" الخبر، وقال الفرزدق [من الطويل]: ١٠٦٩ - فَيَا عَجَبًا حتى كُلَيْبْ تَسُبُّنِي ... كأنّ أباها نَهْشَلٌ أو مُجاشِعُ والمراد: يسبّني الناسُ حتى كُلَيْبٌ تسبّني، فوقع بعدها المبتدأ والخبر، وأمّا البيت الذي أنشده، وهو [من الطويل]: سَرَيْتُ بهم حتّى يكلُّ مَطِيُّهم ... وحتى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ (١) البيت لامرىء القيس، والشاهد فيه قوله: "وحتى الجياد ما يقدن بأرسان" فـ "حَتَّى" حرف ابتداء، ألا ترى أنها ليست حرف خفض لوقوع المرفوع بعدها. وليست حرف عطف لدخول حرف العطف عليها، وهو الواو، فكانت قِسْمًا ثالثًا. ولذلك وقع بعدها

стр. 1834

المبتدأ والخبر، ولم تعمل فيما بعدها. والمعنى أنه يسري بأصحابه حتى يكل المطيّ، وينقطع الخيل وتُجْهَد، فلا تحتاج إلى أرسانٍ. فـ "حَتَّى" هذه يقع بعدها الجملة من المبتدأ والخبر والفعلِ والفاعلِ. فأمّا المبتدأ والخبر فقد ذُكر، وأمّا الفعل فقد يكون مرفوعًا ومنصوبًا، فإذا نصبتْه، كانت حرف جرّ بمنزلةِ "إلى"، وانتصابُ الفعل بعدها بإضمارِ "أنْ"، فإذا قلت: "سرت حتى أدخلَها"، فالتقدير: حتى أن أدخلَها، فـ "أدخلها" منصوب بتقديرِ "أن" المضمرةِ، و"أنْ" والفعلُ في تأويل المصدر، والمعنى: حتى دخولِها، فَـ "حَتَّى" وما بعدها في موضعِ نصب بالفعل المتقدّم. وإذا ارتفع ما بعدها، كانت حرف ابتداء تقطع ما بعدها عمّا قبلها على ما تقدّم. وقد أنشدوا بيتًا جمعوا فيه الباب أجمعَ، وهو [من الكامل]: ١٠٧٠ - ألقَى الصَّحِيفَةَ كَي يُخَففَ رَحْلَه ... والزادَ حتى نَعْلُهِ ألقاها

стр. 1835

يروى برفع "النعل" ونصبها وجرّها. فمَن جرّها، جعلها غايةً، وكان "ألْقَاهَا" تأكيدًا، لأن ما بعد "حتى" يكون داخلًا فيما قبلها، فيصير "ألقاها" حينئذٍ تأكيدًا؛ لأنه مستغنّى عنه. وأمّا مَن رفع "النعل" فبالابتداء، و"ألقاها" الخبرُ، فهو معتمَدُ الفائدة. وأمّا من نصب "النعل"، فعلى وجهَيْن: أحدهما: أن تكون "حتى" حرف عطف بمعنى الواو، عَطَفَ "النعل" على الزاد، وكان "ألقاها" أيضًا توكيدًا مستغنى عنه. والآخر: أن تكون "حَتَّى" أيضًا حرف ابتداء تقطع الكلام عما قبله، وتنصب الفعل بإضمار فعل دلّ عليه "ألقاها"، كأنه قال: "حتى ألقى نعلَه ألقاها"، على حدِّ "زيدًا ضربتُه". ومثله مسألة "السمكة" إذا قلت: "أكلتُ السمكة حتى رأسها"، جاز في "الرأس" ثلاثة أوجه: الجرّ على الغاية، والنصب على العطف، والرفع على الابتداء. وفي الأوجه الثلاثة: الرأسُ مأكولٌ. أمّا في الجرّ فلأنّ ما بعد "حتّى" في الغاية يكون داخلًا في حكم الأوّل. وأمّا النصب، فلأنّه معطوف على "السمكة"، وهي مأكولةٌ، فكان مأكولًا مثلَها. وأمّا الرفع فعلى الابتداء، والخبرُ محذوف، والتقدير: رأسُها مأكولٌ، وساغ حذفُه لدلالةِ "أكلتُ" عليه. فصل [معني "في "] قال صاحب الكتاب: و"في" معناها الظرفية كقولك: "زيدٌ في أرضه"، والركض في الميدان، ومنه نظر في الكتاب، وسعي في الحاجة، وقولهم في قول الله : ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ (١): إنها بمعنى "على" عمل على الظاهر، والحقيقة أنها على أصلها لتمكن المصلوب في الجذع تمكن الكائن في الظرف فيه. * * * قال الشارح: أمّا "فِي"، فمعناها الظرفية والوعاء، نحوُ قولك: "الماءُ في الكَأْس"، و"فلانٌ في البيت"، إنما المراد أن البيت قد حواه، وكذلك الكأس. وكذلك "زيدٌ في أرضه"، و"الرَّكْضُ في الميدان"، هذا هو الأصل فيها، وقد يُتّسع فيها، فيقال: "في فلانٍ عَيْبٌ"، و"في يَدِي دارٌ"، جعلت الرجل مكانًا للعيب يحتويه مجازًا أو تشبيهًا. ألا ترى

стр. 1836

أن "الرجل" ليس مكانًا للعيب في الحقيقة، ولا اليد مكانًا للدار. وتقول: "أتيته في عُنفُوانِ شَبابه، وفي أمْره ونَهْيِه"، فهو تشبيةٌ، وتمثيلٌ، أي: هذه الأُمور قد أحاطت به. وكذلك: "نَظَرَ في الكتاب"، و"سَعَى في الحاجة"، جعل "الكتاب" مكانًا لنَظَره، و"الحاجة" مكانًا لسَعْيه، إذ كان مختصًّا بها. ومن ذلك قولهم: "في هذا الأمر شَكٌّ"، جُعل "الأمر" كالمكان لاشتماله على الشكّ. ومنه قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ (١) رَاجعٌ إلى ما ذكرنا، أي: شكّ مختصٌّ به، وإنّما أُخرج على طريق البلاغة هذا المُخْرَجَ، فكأنّه قيل: "أفي صفاته شكٌّ؟ " ثمَّ أُلغيت الصفات للإيجاز. وإنما قلنا هذا، لأنه لا يجوز عليه سبحانه تشبيةٌ لا حقيقةً، ولا بلاغةً، ولهذا كان على تقديرِ: أفي صفاته الدالّةِ عليه شك. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٢)، فليست في معنى "عَلى" على ما يظنّه مَن لا تحقيقَ عنده، وإنّما لمّا كان الصلب (٣) بمعنى الاستقرار والتمكّن، عُدّي بـ "في" كما يُعدَّى الاستقرار، فكما يُقال: "تمكّن في الشجرة"، كذلك ما هو في معناه، نحوُ قول الشاعر [من الكامل]: ١٠٧١ - بَطَلٌ كأنّ ثِيابَه في سَرْحَةٍ ... يُحْذَى نِعالَ السِّبْتِ ليس بتَوْأمِ

стр. 1837

لأنه قد عُلم أنّ الشجرة لا تُشَقّ، وتُستودع الثيابَ، وإنّما المراد استقرارُها في سرحه، فهو من قبيل الفعلَيْن: أحدهما في معنى الآخر. والسرحةُ واحدة السَّرْح، وهو الشجر العُظام الطُّوال. ومثله قول امرأة من العرب [من الطويل]: ١٠٧٢ - وَنَحْنُ صَلَبْنَا الناسَ في جِذْع نَخْلَةٍ ... ولاعطِبتْ شَيبانُ إلَّا بأجْدَعا (١) فصل [معاني الباء] قال صاحب الكتاب: و"الباء" معناها الإلصاق, كقولك: "به داء", أي: التصق به, وخامره، و"مررت به" وارد على الاتساع والمعنى التصق مروري بموضع يقرب منه. ويدخلها معنى الاستعانة في نحو كتبت بالقلم، ونجرت بالقدوم، وبتوفيق الله حججت، وبفلان أصبت الغرض. ومعنى المصاحبة في نحو خرج بعشيرته، ودخل عليه بثياب السفر، واشترى الفرس بسرجه ولجامه. * * * قال الشارح: اعلم أن الباء أيضًا من حروف الجرّ، نحوَ: "مررت بزيد"، و"ظفرت

стр. 1838

بخالدِ" وهي مكسورة، وكان حقّها الفتح؛ لأن كلّ حرف مفرد يقع في أوّل الكلمة حقُّه أن يكون مفتوحًا، إذ الفتحة أخفُّ الحركات، نحوَ: واو العطف، وفائه، إلَّا أنهم كسروا باء الجرّ حملًا لها على لام الجرّ، لاجتماعهما في عمل الجرّ، ولزومِ كلّ واحد منهما الحرفيّةَ بخلافِ ما يكون حرفًا واسمًا، وكونِهما من حروف الذَّلاقة. ويسمّونها مرّةً حرف إلصاق، ومرّةً حرف استعانةٍ، ومرّةً حرف إضافةٍ. فأمّا الإلصاق، فنحوُ قولك: "أمسكتُ زيدًا" ويحتمل أن تكون باشرتَه نفسَه، ويحتمل أن تكون منعتَه من التصرّف من غير مباشرة له، فإذا قلت: "أمسكت بزيد"؛ فقد أعلمت أنك باشرتَه بنفسك. وأمّا الاستعانة، فنحو قولك: "ضربته بالسيف"، و"كتبت بالقلم"، و"نجرت بالقدوم"، و"بتوفيق الله حججت". استعنت بهذه الأشياء على هذه الأفعال. وأمّا الإضافة، فنحو قولك: "مررت يزيد"، أضفتَ مرورك إلى زيد بالباء، كما أنك إذا قلت: "عجبت من بكرٍ"، أضفتَ عَجَبَك منه إليه بـ "مِنْ". واللازمُ لمعناها الإلصاقُ، وهو تعليق الشيء بالشيء، فإذا قلت: "مررت يزيد"، فقد علقتَ المرور به، فـ "زيدٌ" متعلَّقُ المرورِ. وذلك على ثلاثة أوجه: اختصاصِ الشيء بالشيء، وعملِ الشيء بالشيء، واتصالِ الشيء بالشيء. فتعليقُ الذكر بالمذكور الغائب تعليقُ اختصاص، وتعليق الفعل بالقدرة أو الآلة تعليق عمل وُصل إليه بذلك الشيء. فعلى هذا يجري أمرُ الباب. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (١)، فالمعنى: من يُرِدْ أمرًا من الأمور بإلحاد، أي: بمَيْل عنه، ثمّ قال: بظلم، فبَيَّنَ أن ذلك الإلحاد الذي قد يكون بظلم، وغير ظلم إذا وقع، فهذا حكمّه. فالباء الأُولى على تقدير عمل الشيء بالشيء، والثانية على تقدير تخصيص الشيء بالشيء. وإنّما قلنا: إن الأُولى على تقدير عمل الشيء بالشيء من أجل أنَّ الإلحاد فيه هو العمل الذي دل على النهي عنه، إلَّا أنه أُخْرِج مخرجَ ما أُضيف إليه ممّا هو غيره من أجل أنه على خلاف معناه. وأمّا كونها بمعنى المصاحبة، ففي قولهم: "خرج بعشيرته"، و"دخل عليه بثياب السفر"، و"اشترى الفرس بسرجه ولجامه"، والتقدير: خرج وعشيرتُه معه. فهي جملةٌ من مبتدأ وخبر في موضع الحال، والمعنى: مُصاحِبًا عشيرتَه. فلمّا كان المعنى يعود إلى ذلك؛ لقّبوا الباء بالمصاحبة، وكذلك "دخل بثياب السفر"، و"اشترى الفرس بسرجه ولجامه"، أي: وثياب السفر عليه، والسرجُ واللجامُ معه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٢) في قول المحقّقين من أصحابنا، وتأويلُه: تُنْبِت ما تُنْبِته، والدهنُ فيه، فهو

стр. 1839

كقولك: "خرج بثيابه". ونحوُه قول الشاعر أنشده الأصمعي [من المتقارب]: ١٠٧٣ - ومُسْتَنَّةٍ كاسْتِنانِ الخَرُو ... فِ قد قَطَعَ الحَبْلَ بالمِرْوَدِ أي: ومرودُه فيه. والخروف: المُهْر له ستةُ أشهر أو سبعة. فصل [زيادة الباء] قال صاحب الكتاب: وتكون مزيدة في المنصوب كقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (١)، وقوله: ﴿بأيكم المفتون﴾ (٢) , وقوله [من البسيط]: ١٠٧٤ - [هن الحرائر لا ربَّاتُ أخمرةٍ] ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور

стр. 1840

وفي المرفوع كقوله تعالى: ﴿كفى بالله شهيدا﴾ (١) , و"بحسبك زيد", وقول امريء القيس [من الطويل]: ١٠٧٥ - ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا

стр. 1841

قال الشارح: قد تزاد الباء في الكلام، والمراد بقولنا: "تزاد" أنها تجيء توكيدًا، ولم تُحْدِث معنى من المعاني المذكورة، كما أن "ما" في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (١)، و ﴿عَمَّا قليل﴾ (٢) و ﴿مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾ (٣) كذلك. وتقديره: فبنَقْضهم، وعن قليلِ، ومن خطاياهم. وجملةُ الأمران الباء قد زيدت في مواضع مخصوصة، وذلك مع المبتدأ والخبر، ومع الفاعل والمفعول، وفي خبرِ "لَيْسَ"، و"ما" الحجازيةِ. فأمّا زيادتها مع المبتدأ، ففي موضع واحد، وهو قولهم: "بحَسْبك أن تفعل الخيرَ"، معناه: حَسْبُك فَعْلُ الخير، فالجارُ والمجرور في موضعِ رفع بالابتداء. قال الشاعر [من المتقارب]: بحَسْبِك في القَوْم أن يَعْلَموا ... بأنَّكَ فيهم غَنِيّ مُضِرْ (٤) فقولك: "بحسبك" في موضع رفع بالابتداء، و"أن يعلموا" خبره، كأنّه قال: "حسبُك عِلْمُهم". ولا يُعْلَم مبتدأ دخل عليه حرفُ جر في الإيجاب غيرُ هذا الحرف؛ فأمّا في غير الإيجاب، فقد جاء غير الباء. قالوا: "هل من رجل في الدار؟ " و"هل لك من حاجة؟ "، قال الله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٥)؟ فالجارّ والمجرور في موضع رفع بالابتداء. وأمّا زيادتها مع الخبر، ففي موضع واحد أيضًا في قول أبي الحسن الأخفش، وهو قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ (٦). زعم أن المعنى: جزاءُ سيّئة مِثْلُها، ودلّ على ذلك قوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٧). ولا يبعد ذلك؛ لأن ما يدخل على المبتدأ قد يدخل على الخبر، نحوَ لام الابتداء في قول بعضهم: "إن زيدًا وَجْهُه لَحسنٌ". وقد جاء في الشعر. قال [من الرجز]: أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوز شَهْرَبَهْ (٨) وزيادة الباء في الخبر أقوى قياسًا من زيادتها في المبتدأ نفسه، وذلك أن خبر المبتدأ يُشْبِه الفاعلَ من حيث كان مستقلاً بالمبتدأ، كما كان الفاعل مستقلاً بالفعل، والباء تزاد مع الفاعل على ما سنذكر، وكذلك يجوز دخولها على الخبر. وأمّا زيادتها مع الفاعل، ففي موضعَيْن: أحدهما: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٩)، والآخر: "أحسِنْ به" في التعجّب. قال الله تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، وقال الشاعر [من الطويل]: كفى الشَّيبُ والإِسلامُ للمَرْء نَاهِيَا (١٠)

стр. 1842

لمّا لم يأتِ بالباء، رَفَعَ. وقد زيدت في التعجّب، نحوِ قولك: "أحْسِنْ بزيدٍ"، وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (١). وقد تقدّمْت الدلالة على زيادتها فيه في فصل التعجّب، وأمّا قول امرئ القيس [من الطويل]: ألا هل أتاها ... إلخ فالشاهد فيه زيادة الباء مع الفاعل المرفوع المحل. والمراد أنّ امرأ القيس بيقر. يقال: بيقر الرجلُ. إذا أقام بالحَضَر، وترك قومَه، وقيل: إذا ذهب إلى الشأم، والمعنى ألا هل أتاها ذهابُ امرئ القيس بن تملك. ومنه قول الآخر [من الوافر]: ١٠٧٦ - ألَمْ يأتيك والأنْباءُ تَنْمِي ... بما لاقَتْ لَبُونُ بني زِيادِ

стр. 1843

الباء زائدة، والمراد: ما لاقت لبونُ بني زيادٍ. ويجوز أن يكون الفاعلُ في النيّة، والمراد: ألا هل أتاها الإنباءُ، فعلى هذا تكون الباء مزيدة مع المفعول. وأمّا زيادتها مع خبر "لَيْسَ" مؤكدة للنفي، فنحو قولك: "ليس زيدٌ بقائم". وفي التنزيل: ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (١)، فالباءُ الأُولى متعلّقة باسم الفاعل، والثانّية التي تصحَب "لَيْسَ". وأمّا زيادتها في خبرِ "ما" الحجازيّة، فنحو قولك: "ما عمرٌو بخارحٍ". قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٢) ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ (٣)، والمعنى: مخرجين وغائبين، وليست متعلّقة بشيء. وأمّا زيادتها مع المفعول، وهو الأكثر، فقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤)، فالباء فيه زائدة، والمعنى: لا تلقوا أيْدِيَكم. والذي يدلّ على زيادتها هنا قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ (٦). ألا تر ى أن الفعل قد تعدّى بنفسه من غير وَساطة الباء. ومن ذلك ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٧)، الباء زائدةٌ لقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٨) من غيرِ باء. ويجوز أن تكون الباء في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٩) زائدة، والمعنى: تنبت الدهنَ، فيكون "الدهنُ" المفعول، والباء على هذا زائدة، ومَن جعلها في موضع الحال، فلا تكون زائدة، لأنها أحدثت معنى، فيكون المفعول محذوفًا، والمعنى تُنْبِت ما تُنبِته أو ثمرةً، ودُهْنُها فيها، فاعرفه. فصل [معني اللام] قال صاحب الكتاب (١٠): واللام للاختصاص, كقولك: "المال لزيد"، و"السرج للدابة"، و"جاءني أخ له وابن له", وقد تقع مزيدة قال الله تعالى: ﴿ردف لكم﴾ (١١). * * * قال الشارح: اعلم أن اللام من الحروف الجارّة لا تكون إلَّا كذلك، وذلك نحو قولك: "المالُ لزيد"، و"الغلامُ لعمرو". وموضعُها في الكلام الإضافة. ولها في الإضافة معنيان: المِلْكِ، والاستحقاق، وإنما قلنا الملك، والاستحقاق؛ لأنها قد تدخل على ما لا يُمْلَك، وما يملك، وذلك نحو قولك: "الدارُ لزيدٍ"، فالمراد أنه يملك الدارَ، وكذلك

стр. 1844

"الغلام لعمرو"؛ لأنهما ممّا يُمْلَك. وتقول: "السرجُ للدابّة"، و"الأخُ لعمرو" فالمراد بذلك الاستحقاق بطريق الملابسة. والمعنى بالاستحقاق: اختصاصه بذلك. ألا ترى أن "السرج" مختصّ بالدابّة، وكذلك "الأخ" مختصّ بعمرو، إذ لا يصحّ مِلْكُه. وقيل: أصل ذلك الاختصاصُ واستعمالُها في الملك لِما فيه من الاختصاص، لأن كلّ مالكٍ مختصٌّ بالمال. وقال بعضهم: معنى اللام المِلْكُ خاصةً في الأسماء، وما ضارَعَ الملكَ في الأسماء، وغير الأسماء. واللامُ أصل حروف الإضافة، لأن أخلص الإضافات وأصحّها إضافة الملك إلى المالك، وسائرُ الإضافات تُضارع إضافةَ الملك، فالملكُ نحوُ: "المالُ لزيد"، وما ضارع الملك مثلُ قولك: "اللجامُ للدابّة"، و"الرأيُ لزيد" و"البياض للثَّلْج"، وقولُك في الفعل: "أكْرَمْتُك لزيد"، فالمعنى أنَّكَ ملّكتَه الإكرامَ، واعتقدتَ أنه ملك ذلك منك. فأمّا اللام الداخلة على الأفعال الناصبةُ لها نحوُ: "جئتُ لأكرِمَك"، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ (١) و ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ (٢)، فإنها حرف الجرّ، وليست من خصائص الأفعال كلام الأمر وغيرِها ممّا هو مختصّ بالأفعال. وحقيقةُ نصب الفعل بعدها إنَّما هو بـ "أنْ" مضمرةً، والتقديرُ: جئتُك لأنْ أُكْرمك. و"أنْ" والفعل مصدرٌ، وذلك المصدر في موضعِ خفض باللام، والجازُ والمجرور في موضع نصب بالفعل. ومعناها الاختصاص، والمراد أن مجيئه مختصّ بالإكرام، إذ كان سببه. واعلم أن أصل هذه اللام أن تكون مفتوحة مع المُظْهَر؛ لأنها حرف يُضطرّ المتكلّم إلى تحريكه، إذ لا يمكن الابتداء به ساكنًا، فحُرّك بالفتح؛ لأنه أخفّ الحركات، وبه يحصل الغرضُ، ولم يكن بنا حاجةٌ إلى تكلُّف ما هو أثقلُ منه. وإنما كُسرت مع الظاهر؛ للفرق بينها وبين لام الابتداء، ألا تراك تقول: "إنّ هذا لَزيدٌ" إذا أردت أنه هو، و"إنّ هذا لِزيدٍ" إذا أردت أنه يملكه؟ فإن قيل: الإعراب يفصل بينهما، إذ بخفضِ ما بعد لام الملك يُعْلَم أنه مملوكٌ، وبرفعِ ما بعد لام التأكيد يعلم أنّه هو؛ قيل: الإعراب لا اعتدادَ بفصله، فإنّه قد يزول في الوقف، فيبقى الإلباسُ إلى حين الوصل، فأرادوا الفصل بينهما في جميع الأحوال، مع أنّ في الأسماء ما هو غير معرب، وفيها ما هو معرب، غيرَ أنّه يتعذّر ظهورُ الإعراب في لامه لاعتلاله، وذلك قولك: "إن زيدًا لِهَذا". فـ "هَذا" مبنيٌّ لا إعرابَ فيه، فلولا كسرُ اللام وفتحُها؛ لَما عُرف الغرض، فلَالْتبس فيما لا يظهر فيه الإعراب. ولذلك تقول: "إنّ الغلام لَعِيسَى" إذا أردت أنه هو، و"إنّ الغلام لِعيسى" إذا أردت أنه يملكه. فهذه اللام مكسورة مع الظاهر أبدًا لِما ذكرناه من إرادة الفرق.

стр. 1845

فأمّا مع المضمر، فلا تكون إلَّا مفتوحةً، نحوَ قولك: "المالُ لَكَ ولَهُ"، جاؤوا بها على الأصل ومقتضى القياس، ودْلك لأمرَيْن: أحدُهما: زوالُ اللبس مع المضمر؛ لأن صيغة المضمر المرفوع غيرُ صيغة المضمر المجرور. ألا ترى أنك إذا أردت الملك؛ قلت: "هذا لك"، وإذا أردت التأكيد؛ قلت: "إنّ هذا لأنْتَ". فلمّا كان لفظ المجرور غير لفظ المرفوع؛ اكتفوا في الفصل بنفس الصيغة. الثاني: أنَّ الإضمار ممّا يردّ الأشياءَ إِلى أُصولها دي أكثر الأحوال، فلمّا كان الأصل في هذه اللام أن تكون مفتوحة؛ تُركت هذه اللام الجارّة مع المضمر مفتوحة. وقد شبه بعضهم المظهرَ بالمضمر، ففتح معه لامَ الجرّ، فقال: "المالُ لزيدٍ" وقد قرأ سَعِيد بن جُبَير: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (١) بفتح اللام، كأنَّه يردّها إلى أصلها، وهو الفتح. وحكى الكسائيّ عن أبي خزم العُكليّ: "ما كنتُ لآتِيَكَ" بفتح اللام، وربّما كسروها مع المضمر تشبيهًا للمضمر بالمظهر. والأوّل أقيسُ؛ لأن فيه ردًّا إلى الأصل، وفي الثاني ردُّ أصل إلى فرع. وربما شُبّهت الباء باللام، فقيل: "بَهُ"، و"بَكَ"، فاعرفه. فصل [معني "ربّ" وأحكامها] قال صاحب الكتاب: و"رُبَّ" للتقليل, ومن خصائصها أن لا تدخل إلا على نكرة ظاهرة, أو مضمرة, فالظاهرة يلزمها أن تكون موصوفة بمفردٍ, أو جملةٍ, كقولك: "ربّ رجلٍ جوادٍ"، و"ربّ رجل جاءني"، و"ربّ رجل أبوه كريمٌ". * * * قال الشارح: "رُبَّ" حرفٌ من حروف الخفض، ومعناه تقليل الشيء الذي يدخل عليه، وهو نقيضُ "كَمْ" في الخبر، لأنّ "كَمِ" الخبريّة للتكثير، و"رُبَّ"، للتقليل. تقول: "ربّ رجلٍ لقيتُه"، أي: ذلك قليلٌ. وهي تقع في جوابِ من قال، أو قدّرتَ أنه قال: "ما لقيتَ رجلًا"، فقلت في جوابه: "ربّ رجلٍ لقيته". قالَ أبو العبّاس المبرّد: "رُبَّ" تبيينٌ عمّا أوقعتَها عليه أنّه قد كان، وليس بالكثير، ولذلك لا تقع إلَّا على نكرة، إلَّا أن الفرق بين "رُبَّ" وبين "كَمْ" في الخبر أنّ "كَم" اسمٌ، و"رُبَّ"، حرفٌ. والذي يدلّ على ذلك أُمورٌ، منها: أنّ "كَمْ " يُخبَر عنها، يقال: "كم رجلٍ أفضلُ منك"، فيكون "أفضل" خبرًا عن "كَمْ"، كما يكون خبرًا عن "زيد" إذا قلت: "زيدٌ أفضل منك". حكى ذلك يونس،

стр. 1846

وأبو عمرو عن العرب في رواية سيبويه (١) عنهما. ولا يجوز مثلُ ذلك في "رُبَّ". لا تقوله: "ربّ رجلٍ أفضلُ منك" على أن تجعل "أفضل" خبرًا لـ "رُبَّ"، كما يكون خبرًا لـ "كَمْ". ألا تراك تقول "كم غلام لك ذاهبٌ"، و"كم منهم شاهدٌ" فـ "ذاهبٌ"، و"شاهدٌ" خبوان لـ "كَمْ ". ولو نصبت "ذاهبًا"، و"شاهدًا"، فقلت: "كم غلام لك ذاهبًا"؛ لم يتمّ الكلام، وكنت تفتقر إلي خبر. ولا يجوز في "ربَّ" ذلك، لا تقول: "ربّ غلام لك ذاهبٌ "، و"لا ربّ رجل قائمٌ ". و"رُبَّ" حرفٌ، والذي يدلّ على ذلك أنّ "رُبَّ" معناه في غيره، كما أن معنى "مِنْ" في غيرها. فكما أنك إذا قلت: "خرجت من بغداد"؛ فقد دلّتْ "مِنْ" على أن "بغداد" ابتداء غاية الخروج، فكذلك إذا قلت: "ربّ رجلٍ يقول"؛ دلّت "رُبَّ" على معنى التقليل في "الرجل" الذي يقول ذلك. وليست "كَمْ" كذلك، لأنها قد دلّت على معنى في نفسها، وهو العدد. ومنها أنّ "كَمْ" يُخبَر عنها، تقول: "كم رجلٍ أفضل منك"، فيكون "أفضل" خبرًا عن "كم"، كما يكون خبرًا عن "زيد"، إذا قلت: "زيدٌ أفضلك منك". ومنها أنْ "كَمْ" يدخل عليها حرفُ الجرّ، فتقول: "بكم رجل مررتَ"، ولا يجوز مثل ذلك في "ربَّ". ويلي "كم" الفعلَ، ولا يليه "ربَّ"، فتقول: "كم بلغ عَطاؤُك أخاك"، و"كم جاءَك رجلٌ"، ولا يجوز مثل ذلك في "ربّ". ومن الدليل على كون "ربّ" حرفًا أنّها تُوصِل معنى الفعل إلي ما بعدها إيصالَ غيرها من حروف الجرّ، فتقول: "ربّ رجل عالم أدركتُ"، فـ "رُبَّ" أوصلت معنى الإدراك إلى "الرجل"، كما أوصلت الباء الزائدة معنى المرور إلى "زيد" في قولك: "مررت بزيد" قال سيبويه (٢): إذا قلت: "ربّ رجلٍ يقول ذاك"؛ فقد أضفت القول إلي "الرجل" بـ "رُبَّ". وإذا قال: "ربّ رجلٍ ظريفٍ"؛ فقد أضاف الظَّرْفَ إلى "الرجل" بـ "ربّ". وهذا فيه نَظَرٌ؛ لأن اتّصال الصفة بالموصوف يُغنِي عن الإضافة. وحروفُ الجرّ إنَّما توصل معاني الأفعال إلى معمولها لا معنى الصفة إلى الموصوف. وقد ذهب الكسائي ومَن تابَعَه من الكوفيين (٣) إلي أن "ربّ" اسمٌ مثلُ "كَمْ"، واعتلّوا بما حكوه عن بعض العرب أنهم يقولون: "ربّ رجلٍ ظريفٌ" برفع "ظريف" على أنه خبرٌ عن "رُبَّ". وقالوا: إِنها لا تكون إلَّا صدرًا، وحروفُ الجرّ إنما تقع متوسّطةّ؛

стр. 1847

لأنها لإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء. والصوابُ ما بدأنا به، وهو مذهب البصريين، لِما ذكرناه من الأدِلّة. وأما ما تعَلّقوا به من قول بعض العرب: "ربّ رجل ظريفٌ" برفع "ظريف"، فهو شاذّ. قال ابن السرّاج: هو من قبيل الغلط والتشبيه، يريد التشبيه بـ "كَمْ". وأمّا كونها تقع أولاً في صدر الكلام، فلِمَا نذكره بعدُ إن شاء الله. وممّا يؤيد كونها حرفًا أنها وقعت مبنيّةً من غير عارضٍ عَرَضَ، ولو كانت اسمًا؛ لكانت معربةً، وكانت من قبيل "حُبٍّ"، و"دُرٍّ" في الإعراب. وأمّا كونها لا تدخل إلَّا على نكرة؛ فلأنّها تدخل على واحد يدلّ على أكثر منه، فجرى مجرى التمييز. ألا ترى أن معنى قولك: "ربّ رجلٍ يقول ذلك": قَلَّ من يقول ذلك من الرجال؟ فلذلك اختصّت بالنكرة دون غيرها، ولأنها نظيرة "كَمْ" على ما سبق، إذ كانت "كَمْ" للتكثير، و"رُبَّ"، للتقليل، والتكثيرُ والتقليلُ لا يُتصوَّران في المعارف. واعلم أن هذه النكرة المخفوضة بـ "رُبَّ" إمَّا أن تكون اسمًا ظاهراً، أو مضمرًا. فالظاهرُ نحوُ ما ذكرناه، وتلزمه الصفةُ. وهذه الصفة تكون بالمفرد نحو: "ربّ رجل جواد"، و"رب رجل عالم"، وبالجمله، فالجملة إما فعل وفاعل وإما مبتدأ وخبر فالجملة من الفعل والفاعل، نحوُ قولك: "ربّ رجلٍ لقيته"، فقولك: "لقيته" جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ في موضعِ خفض على الصفة لِـ"رجل". وأمّا الجملة من المبتدأ والخبر، فقولك: "ربّ رجلٍ أبوه قائمٌ"، فـ "أبوه قائمٌ" مبتدأٌ وخبرٌ في موضعِ جرّ على النعت لِـ "رجل". وإنّما لزم المجرورَ هنا الوصفُ؛ لأن المراد التقليل، وكونُ النكرة هنا موصوفةً أبلغُ في التقليل، ألا ترى أن رجلاً جوادًا أقلُّ من رجلٍ وحدَه؟ فلذلك من المعنى لزمت الصفةُ مجرورَها، ولأنهم لما حذفوا العامل، فكثُر ذلك عنهم؛ ألزموها الصفةَ؛ لتكون الصفة كالعوض من حذف العامل. * * * قال صاحب الكتاب: والمضمرة حقها أن تُفَسَّر بمنصوب كقولك "ربَّه رجلاً". ومنها أن الفعل الذي تسلطه على الاسم يجب تأخره عنها، وأنه يجيء محذوفاً في الأكثر, كما حُذف مع الباء في "بسم الله". قال الأعشي [من الخفيف]: ١٠٧٧ - رُبّ رفدٍ هرقته ذلك اليوم ... وأسرى من معشر أقيال

стр. 1848

فـ "هرقته", و"من معشر" صفتان, لـ "رفد", و"أسرى", والفعل محذوف. * * * قال الشارح: اعلم أنّهم قد يُدْخِلون "رُبَّ" على المضمر. وإذا فعلوا ذلك؛ جاؤوا بعده بنكرة منصوبة تُفسِّر ذلك المضمرَ، فيقولون: "رُبَّهُ رجلًا"، فالمضمر هنا يُشبَّه بالمضمر في "نِعْمَ"، و"بِئْسَ"، نحوِ قولك: "نعم رجلًا زيدٌ"، و"بِئْسَ غلامًا عبدُ الله"، إلَّا أن الفرق بينهما أنّ المضمر في "نعم" مرفوع لا يظهر؛ لأنه فاعلٌ، والفاعل المضمر إذا كان واحدًا يستكنّ في الفعل، ولا تظهر له صورة، والمضمر مع "رُبَّ" مجرورٌ، وتظهر صورته. وهذا إنما يفعلونه عند إرادة تعظيم الأمر وتفخيمه، فيكنون عن الاسم قبل جَرْي ذكره، ثمّ يفسّرونه بظاهرٍ بعد البيان. وليس ذلك بمطّردٍ في الكلام، وإنما يخصّون به بعضًا دون بعض. وهذه الهاءُ على لفظ واحد، وإن وليها المذكّر، أو المؤنّث، أو اثنان، أو جماعةٌ، فهي موحّدةٌ على كل حال. ويسمّي الكوفيون هذا الضمير المجهول؛ لكونه لا يعود إلى مذكور قبله، وقد أطلق عليه صاحب هذا الكتاب التنكيرَ. وغيرُه لا يرى ذلك من حيث كان مضمرًا، والمضمرات لا تنفكّ من التعريف، ولذلك لا يوصَف كما لا يوصف سائر المضمرات، وإنما هو في حكم المنكور، إذ كان المعنى يؤول إلى النكرة، وليس بمضمرِ مذكورٍ تقصده، ولذلك ساغ دخولُ "رُبَّ" عليه، و"رُبَّ" مختصّة بالنكرات. وإنما وجب لـ "رُبَّ" أن يتقدّم الفعلَ العاملَ، وحقّها أن تتأخّر عنه من حيث كانت حرف جرّ، وحقُّ حرف الجرّ أن يكون بعد الفعل؛ لأنه إنما جيء به لإيصال الفعل إلى المجرور به، نحو: "مررت بزيد"، و"دخلت إلى عمرو"، ولكن، لمّا كان معناها التقليل؛ كانت لا تعمل إلَّا في نكرة، وصارت مقابِلةَ "كَمِ" الخبريّةِ. و"كم" الخبريّةُ يجب تصدّرُها لشِرْكتها "كم" الاستفهاميّةَ. وقيل: إنها لمّا دخلت على مفرد

стр. 1849

منكور، ويراد به أكثرُ من ذلك، وكان معناها التقليل، والتقليلُ نفيُ الكثرة؛ فضارعت حرفَ النفي إذ كان حرفُ النفي يليه الواحدُ المنكورُ، ويُراد به الجماعة، فجُعل صدرًا، كما كان حرف النفي كذلك. ولا بدّ له من فعل يتعلّق به كالباء وغيرِها من حروف الجرّ، تقول: "ربَّ رجل يقول ذلك لقيتُ أو أدركتُ"، فموضعُ "رُبَّ" وما انجرّ به نصبٌ، كما يكون الجارّ والمجرور في موضع نصب في قولك: "بزيدٍ مررت"، و"يَقُولُ ذلِكَ" صفة لـ "رجلٍ". ولا يكاد البصريون يُظْهِرون الفعل العامل، حتّى إِن بعضهم قال لا يجوز إظهاره إلَّا في ضرورة الشعر. وإنما حُذف الفعل العامل فيها كثيرًا؛ لأنها جوابٌ لمن قال لك: "ما لقيتَ رجلاً عالمًا"، أو قدّرتَ أنه يقول، فتقول في جوابه: "رُبَّ رجلٍ عالمٍ"، أي: لقد لقيتُ، فساغ حذفُ العامل إذ قد عُلم المحذوف من السؤال، فاستُغني عن ذكره بذلك. وحُذف ها هنا كحذف الفعل العامل في الباء من "بسم الله"، والمراد: "أبْدَأُ بسم الله"، أو "بدأتُ بسم الله"، فتُرك ذكره لدلالة الحال عليه، فأمّا قوله [من الخفيف]: ربّ رفد هرقته ... إلخ فإنّ البيت للأعشى، والشاهد فيه لزومُ الصفة للنكرة. فالرَّفْدُ بالفتح: القدح العظيم، ويروى بالكسر، وهو مَثَلٌ، ولم يُردْ في الحقيقة رفدًا. والأسْرَى: جمع أسِيرٍ. والأقْتالُ: جمع قِتْلٍ وهو العدوّ. وقوله: "هرقته" في موضع الصفة، لـ"رفد" المخفوض بـ "رُبَّ". والذي يتعلّق به "رُبَّ" محذوفٌ تقديره: "سبيتُ"، أو"ملكتُ". وقوله: "مِن معشر أقتال" في موضع الصفة لـ "أسْرَى"، فيتعلّق الجارّ والمجرور بمحذوف، ولا يتعلّق بنفسِ "أسرى"؛ لأن المخفوض بـ "رُبَّ" لا بدّ له من الصفة. * * * قال صاحب الكتاب: ومنها أن فعلها يجب أن يكون ماضياً، تقول: "ربّ رجلٍ كريمٍ قد لقيت"، ولا يجوز "سألقى", أو "لألقين". وتكف بـ "ما", فتدخل حينئذ على الاسم والفعل, كقولك: "ربما قام زيدٌ"، و"ربما زيدٌ في الدار", قال أبو دؤاد [من الخفيف]: ١٠٧٨ - ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بينهن المهار

стр. 1850

وفيها لغات: "رُبُ" الراء مضمومة, والباء مخففة مفتوحة, أو مضمومة, أو مسكنة، و"رَبَّ" الراء مفتوحةٌ, والباء مشددةٌ, ومخففة، و"ربت" بالتاء, والباء مشددة أو مخففة. * * * قال الشارح: حكم "رُبَّ" أن يكون الفعل العامل فيها ماضيًا، نحوَ قولك: "ربّ رجل كريم قد لقيتُ"، و"ربّ رجلٍ عالمٍ رأيتُ"؛ لأنها موضوعة للتقليل، فأولوها الماضِيَ؛ لأنه قد يُحقِّق قلّتَها، فلذلك لاّ يجوز: "ربَّ رجلٍ عالمٍ سَألْقَى، أو لألْقَيَنَّ"؛ لأن السين تفيد الاستقبال، والنون تفيد التأكيد، وتصرف الفعل إلى الاستقبال. وقد تدخل "ما" في "ربّ" على وجهَيْن: أحدهما أن تكون كافّةً، والآخر أن تكون ملغاةً. فأمَا دخولها كافّةً؛ فلأنّها من عوامل الأسماء، ومعناها يصح في الفعل، وفي الجملة. فإذا دخلت عليها "ما"، كفّتْها عن العمل، كما تُكَفّ "إنَّ" في قولك: "أإنَّمَا"، ثمّ يُذْكَر بعدها الفعل والجملة من المبتدأ والخبر، نحوُ قولك: "إنّما ذهب زيد"، و"إنّما زيدٌ ذاهبٌ". فكذلك "رُبَّ" إذا كُفّت بـ "ما" عن العمل، صارت كحرف الابتداء يقع بعدها الجملة من الفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر، قال الشاعر [من الخفيف]: ربَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ من الأمر ... له فَرْجَة كحَل العِقالِ (١) فأوقع بعدها جملةً من الفعل والفاعل كما ترى، فأمّا قوله [من الخفيف]: ربّما الجامل المؤبّل ... إلخ فالبيت لأبي دُؤادٍ الإياديّ، والشاهد فيه وقوع المبتدأ والخبر بعدها حيث كُفّت بـ "ما"، فـ "الجامل" مبتدأ، و"المؤبّل" نعته و"فيهم" الخبر. والجامل: القطيع من

стр. 1851

الإبل مع رُعاتها. والمُؤَبَّلُ: المُعَدّ للقِنْية، يُقال: إبلٌ مؤبّلةٌ، إذا كانت للقنية. والعَناجِيج: جياد الخيل. والمِهارُ: جمع مُهْرٍ. يريد أنهم ذوو يَسارٍ، عندهم الإبلُ والخيل، وبينها أولادُها. وأمّا الملغاة، فمؤكِّدةٌ كتأكيدها في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (١)، و ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٢) فتقول على هذا: "ربّما رجلٍ عندك"، ويكون دخولُها كخروجها. وفيها لغاتٌ، قالوا: "رُبَّ" الراءُ مضمومة، والباءُ مشدّدة، وهو الأصل فيها، إذ لو كان أصلها التخفيف، لم يجز التشديد فيها إلَّا في الوقف، أو ضرورةِ الشعر، نحوِ قوله [من الرجز]: مِثْلَ الحَرِيقِ صادَفَ القَصَبَّا (٣) وليس الأمر في "ربّ" كذلك، فإنّها تُستعمل مشدّدةً في حال الاختيار وسعة الكلام، وفي الوصل، والوقف. وقالوا: "رُبَ" بضمّ الراء، وفتح الباء خفيفةً. ويحتمل ذلك وجوهًا. أحدها: أنهم حذفوا إحدى البائين تخفيفًا كراهيةَ التضعيف، وكان القياس إذا خُفّفت تسكين آخرها؛ لأنه لم يلتقِ فيها ساكنان، كما فعلوا بـ "أنَّ" ونظائرها حين خفّفوها، إلَّا أنّ المسموع "رُبَ" بالفتح، نحوُ قول الشاعر [من الكامل]: أزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فإنّه ... رُبَ هَيْضَلٍ لجب لفقتُ بهيضل (٤) كأنّهم أبقوا الفتحة مع التخفيف دلالةً وأمارةً على أنها كانت مثقّلة مفتوحةً. ومثلُه قولهم: "أُفَ"، لمّا خفّفوها، أبقوا الفتحة دلالة وتنبيهًا على الأصل. ومثلُه قوله: "لا أُكلِّمُ جَرِي دهرٍ" ساكنةَ الياء في موضع النصب في غير الشعر؛ لأنهم أرادوا التشديد في "جريّ". فكما أنه لو ادُّغم الياء الأوُلى في الثانية؛ لم تكن الأُولى إلَّا ساكنة، فكذلك إذا حُذفت الثانية، تبقى الأُولى على سكونها دلالةً وتنبيهًا على إرادة الادّغام. ويمكن أن يكون إنما فُتح الآخر من "رُبَ"؛ لأنه لمّا لحقه الحذف، وتاءُ التأنيث؛ أشبهت الأفعالَ الماضيةَ، ففُتحت كفَتْحها. وقيل: إِنهم لمّا استثقلوا التضعيف، حذفوا الحرف الساكن لضعفه بالسكون. وقد قالوا "رُبْ" بالتخفيف، وسكون الباء على القياس، حذفوا المتحرّكَ؛ لأنه أبلغ في التخفيف ولتطرُّفه، وأبقوا الساكن على حاله.

стр. 1852

وقالوا: "رُبَّتَ"، فألحقوه تاء التأنيث، كما قالوا: "ثُمَّتَ"، قال الشاعر [من السريع]: ١٠٧٩ - ماوِيَّ يا رُبَّتَمَا غارةٍ ... شَعْواءَ كاللَّذْعَةِ بالمِيسَمِ وقال الآخر [من الرجز]: ١٠٨٠ - يا صاحبا رُبَّتَ إنسانٍ [حَسَنْ ... يسألُ عنكِ اليومَ أو يسألُ عَنْ] وهذه التاء تلحق "رُبَّ" ساكنة كما تلحق الأفعالَ، ومتحرّكةَ كما تلحق الأسماءَ، فتقول: "رُبَّتْ" بالسكون، و"رُبَّتَ" بالفتح. فقياسُ مَن أسكنها أن يقف عليها بالتاء، كما يقف على "ضَرَبَتْ". وقياسُ من حرّكها أن يقف عليها بالهاء، كما يقف على "كَيهْ"، و"ذَيهْ". وربما قالوا: "رُبُّ" بضمّ الراء والباء، كأنهم أتبعوا الضمّ الضَّمَّ، وربما قالوا: "رَبَّ"، ففتحوا الراء إتباعًا لفتحة الباء، كما قالوا: "الحَمْدِ لله" فأتبعوا الكسر الكسر مخفّفةً ومشدّدةً على ما تقدّم، فاعرفه.

стр. 1853

فصل [واو القسم] قال صاحب الكتاب: و"واو القسم" مبدلة عن الباء الإلصاقية في "أقسمت بالله"، أبدلت عنها عند حذف الفعل، ثم التاء مبدلة عن الواو في "تالله" خاصة, وقد روى الأخفش "ترب الكعبة", فالباء لأصالتها تدخل على المضمر والمظهر, فتقول: "بالله, وبك, لأفعلن". والواو لا تدخل إلا على المظهر لنقصانها عن الباء، والتاء لا تدخل من المظهر إلا على واحد؛ لنقصانها عن الواو. * * * قال الشارح: أصل حروف القسم الباء، والواو مبدلةٌ منها، وإنما قلنا ذلك؛ لأنها حرف الجرّ الذي يُضاف به فعلُ الحَلْف إلى المحلوف، وذلك الفعل "أحْلِفُ"، أو "أُقْسِمُ"، أو نحوُهما، لكنّه لمّا كان الفعل غير متعدّ؛ وصلوه بالباء المعدّية، فصار اللفظ "أحلفُ بالله"، أو"أُقسمُ بالله". قال الله تعالى: (﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (١). قال الشاعر [من السريع]: ١٠٨١ - أُقْسِمُ بالله وآلائِهِ ... والمَرْءُ عَمّا قال مَسْؤُولُ وقال [من الطويل]: ١٠٨٢ - فأقسمتُ بالبيت الذي طاف حَولَهُ ... رِجالٌ بَنَوْه من قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ

стр. 1854

وإنّما خصّوا الباءَ بذلك دون غيرها من حروف الجرّ لأمرَيْن، أحدهما: أنها الأصل في التعدية. والثاني: أن الباء معناها الإلصاق. والمراد إيصال معنى الحلف إلى المحلوف، فلذلك كانت أوْلى، إذ كانت مفيدةً هذا المعنى. والذي يؤيّد عندك أن الباء الأصل في حروف القسم أنها تدخل على المضمر، كما تدخل على المظهر، فتقول: "بالله لأقُومنّ"، و"به لأفعلنّ". والواوُ لا تدخل إلَّا على المظهر ألبتّة، تقول: "واللهِ لأقومنّ". ولو أضمرتَ؛ لقلت: "به لأفعلنّ"، ولا تقول: "وَهُ"، ولا "وَكَ"، فرجوعُك مع الإضمار إلى الباء يدلّ أنها هي الأصل؛ لأن الإضمار يردّ الأشياء إلى أُصولها. قال الشاعر [من الوافر]: ١٠٨٣ - رَأى بَرْقًا فأوْضَعَ فوقَ بَكْرٍ ... فلا بِكَ ما أسألَ ولا أغاما

стр. 1855

وقال الآخر [من الوافر]: ١٠٨٤ - ألا نادَت أُمامةُ باحْتِمالِ ... لتَحْزُنَني فلا بِكِ ما أُبالِي لمّا كنى عن المُقْسَم به، عاد إلى الباء. ولمّا كثُر استعمالُ ذلك في الحلف؛ آثروا التخفيف، فحذفوا الفعل من اللفظ، وهو مرادٌ؛ ليُعلَّق حرف الجرّ به، ثمّ أبدلوا الواو من الباء توسُّعًا في اللغة، ولأنّها أخفُّ، لأن الواو أخفّ من الباء، وحركتُها أخفّ من حركة الباء. وإنما خصّوا الواو بذلك لأمرَيْن، أحدهما: أنها من مَخْرَجها من الشفتَيْن، والآخر: من جهة المعنى، وذلك أن الباء معناها الإلصاق، والواو معناها الاجتماع. والشيءُ إذا لاصَقَ الشىءَ؛ فقد جاء معه. وأمّا التاء فمبدلةٌ من الواو، لأنه قد كثُر إبدالها منها في نحو: "تُكَأةٍ"، و"تُراثٍ"، و"تَوْراة"، و"تُخَمَةٍ"، لشَبَهها بها من جهة اتّساع المخرج. وهي من الحروف المهموسة،

стр. 1856

فناسَبَ هَمْسُها لِينَ حروف اللين. ولمّا كانت الواو بدلًا من الباء، والبدلُ ينحط عن درجة الأصل، فلذلك لا تدخل إلَّا على كلّ ظاهر، ولا تدخل على المضمر؛ لانحطاط الفرع عن درجة الأصل، لأنه من المرتبة الثانية. والتاءُ لمّا كانت بدلًا من الواو، وكانت من المرتبة الثالثة، انحطّت عن درجة الواو، فاختصّت باسم الله تعالى؛ لكثرة الحلف به. وإلى هذا يُشِير صاحب هذا الكتاب، وهو مذهب أكثر أصحابنا. ومنهم من يقول: إِن البدل يجري مجرى المُبْدَل منه في جميع أحكامه، ولا يتقاصر عن الأصل لقُرْبه منه، ألا تراهم يقولون: "صرفتُ وُجُوهَ القوم، وأُجُوهَ القوم"، فيُبْدِلون الهمزة من الواو، ويوِقعونها في جميع مواقعها قبل البدل. وقالوا أيضًا: "وُسادة، وإسادةٌ"، و"وِعاءٌ، وإعاءٌ". وقرأ سَعيد بن جُبَيْر، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ (١). فكلُّ واحد من هذا يجري في البدل مجرى صاحبه، ولا يلزم انحطاطُه عن درجة الأصل. فأمّا إذا كان بدلًا من بدلٍ؛ فقد تَباعد عن الأصل، وصار في المرتبة الثالثة، فوجب انحطاطُه عن درجة الأصل، وأن لا يُساويه. فلذلك اختصّت التاء باسم الله، ولم تدخل على غيره ممّا يُحْلَف به. فإن قلت: فأنت تزعم أن الواو في "واللهِ" بدل من الباء في "بالله"؛ ولذلك لا تقع في جميع مواقعها. ألا ترى أنها لا تدخل على المضمر، ولا تقول: "وَهُ"، ولا "وَكَ"، كما تقول: "بك لأفعلنّ"، و"به لأفعلنّ"، فقد تَقاصر الفرع عن درجة الأصل كما ترى. فالجواب أن الواو لم يمتنع دخولُها على المضمر لانحطاطها عن درجة الباء، إنّما ذلك من قِبَلِ أن الإضمار يردّ الأشياء إلى أُصولها. ألا ترى أنّ من يقول: "أعطيتُكم درهمًا"، فحذف الواو، وسكّن الميم تخفيفًا، فإنّه إذا أضمر المفعول؛ قال: "أعطيتُكموه" ويردّ الواو لأجل اتّصال الفعل بالمضمر؟ فلذلك جاز أن تقول: "به لأفعلنّ"، و"بك لأفعلنّ"، ولم يجز شيء من ذلك في الواو. وقد حكى أبو الحسن: "تَرَبِّ الكعبة لأفعلنّ"، يريدون: "وربّ الكعبة"، وهو قليل شاذّ، كأنهم جعلوا الواو أصلًا لكثرة استعمالها، وغَلَبَتها على الباء، فالتاءُ تدخل على طريق الاختصاص بالاسم الذي يكون القَسَمُ به أكثر، وقد يكون فيها معنى التعجّب. قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٢) على طريق التعجّب، وقال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٣)، فاعرف ذلك. * * *

стр. 1857

[أصل "م الله "] قال صاحب الكتاب: وقولهم: "م الله" أصله "من الله" لقولهم: "من (١) ربي إنك لأشرٌ", فحذف النون لكثرة الاستعمال، وقيل أصله "ايم" ومن ثم قال: "من ربي" بالضم, ورأي بعضهم أن تكون الميم بدلاً من الواو لقرب المخارج. * * * قال الشارح: وقد قالوا في القسم: "مُ الله لأفعلنّ"، فقال بعضهم: أرادوا "من الله" بحذف النون تخفيفًا, لأن النون الساكنَة تُشبَّه بحروف العلّة، فتُحْذَف تارةً لالتقاء الساكنين، نحوَ قوله [من المنسرح]: ١٠٨٥ - أبْلِغْ أبَا دُخْتَنوسَ مَأْلَكَةً ... غيرَ الذي قد يُقال مِ الكَذِبِ يريد "مِنْ" فحذف النون لالتقاء الساكنين. وقال الآخر [من الطويل]: ١٠٨٦ - [لليلى بذاتِ البيْنِ دارٌ عَرَفْتُها ... وأُخرى بذاتِ الجيشِ آياتُها عُفْرُ] كأنهما مِ الآنَ لم يَتغيّرا ... وقد مَرَّ للدارَيْن من بَعْدِنا عَصْرُ

стр. 1858

أراد: "من الآن" فحذف، والقياسُ التحريك لالتقاء الساكنين، وقد حذفوها لا لالتقاء الساكنين، بل لضربٍ من التخفيف. قال [من الرجز]: مِن لَدُ شَوْلا وإلى إتلائِها (١) فحذف نونَ "لَدُنْ" تخفيفًا. واستدلّوا على أن أصلها "مِنْ" بقول العرب: "مِن ربِّي لأفعلنّ" ولا يُدْخِلون "مِنْ" في القسم إلَّا على "رَبِّي"، فلا يقولون: "مِن الله" كأنهم اختصّوا بعضَ الأسماء ببعض الحروف، وذلك لكثرة القسم، تَصرّفوا فيه هذا التصرّفَ. ومن العرب مَن يقول: "مُن ربي" بضمّ الميم، ولا يستعملون "مُنْ" بضمّ الميم إلَّا في القسم، وذلك أنهم جعلوا ضمَّها دلالةً على القسم، كما جعلوا الواو مكانَ الباء دلالةً على القسم. ومنهم من يجعل "مِنْ" من قولك: "من ربّي لأفعلنّ" مخفّفة من "أيْمُنٍ". و"ايمنٌ" عن سيبويه (٢) اسمٌ مفردٌ، وُضع للقسم مشتقّ من "اليَمِين"، وهو البَرَكَة، وألفُ "ايْمُنٍ" وصلٌ، ولم تجىء في الأسماء ألفُ وصل مفتوحة إلَّا هذا الحرفُ. قال الشاعر [من الطويل]: ١٠٨٧ - فقال فَرِيقُ القَوْمَ لمّا نشدتُهم ... نَعَمْ وفَرِيق لَيْمُنُ اللهِ ما نَدْرِي

стр. 1859

فحذف الهمزة حين استغنى عنها باللام المؤكّدة، وهو مرفوع بالابتداء، وخبرُه محذوف، والتقدير: "لايْمُنُ الله ما أُقْسِمُ به". وكثُر استعماله في القسم، فتَصرّفوا فيه بأنواع التخفيف، فحذفوا نونَه تارةً، وقالوا: "ايْمُ الله". ومنهم من يكسر الهمزة حملًا لها على نظائرها من همزات الوصل. ومنهم من يحذف الياء، ويقول: "امُ اللهِ لأفعلنّ". ومنهم من يُبْقِي الميم وحدها، فيقول: "مُ اللهِ". ومنهم من يكسر الميم؛ لأنها لمّا صارت على حرف واحد، شبّهها بالباء، فكسرها، لأنها قَسَمٌ يعمل في الجرّ، فأجراها مجراها. وذهب قوم من الكوفيين (١) إلى أن "ايمن" جمع "يَمِينٍ"، وعليه ابن كَيْسان، وابن درستويه. وأجاز السِّيرافيّ أن يكون كذلك، والألفُ على هذا عندهم قطعٌ، وإنما حُذفت في الوصل لكثرة الاستعمال. قالوا: جمعوا "يَمِينًا" على "أيْمُنٍ"، كما جمعوا عليه في غير القسم، كما قالوا [من الرجز]: يَسْرِي لها من أيْمُنٍ وأشْمُلِ (٢) وقال زُهَيْر [من الوافر]: ١٠٨٨ - فتُجْمَعُ أيْمُنٌ منّا ومنكم ... بمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بها الدِّماءُ

стр. 1860

وكانوا يحتلفون باليمين. قال امرؤ القيس [من الطويل]: فقلتُ يمينَ الله أبْرَحُ قاعِدًا .... ولو قطعوا رأسي لَدَيْكِ وأوْصالِي (١) ثمّ احتلفوا بالجمع كما يحتلفون بالمفرد، فقالوا: "ايْمُنَ اللهِ لا أفعلُ". ويؤيّد هذا غَرابةُ البناء، لأنه ليس في الأسماء الآحاد ما هو على "أَفْعُل" إلَّا "آنكٌ" وهو الرَّصاص، و"أشُدٌّ"، إلَّا أنّه يضعف من كثرة الحذف وبقائه على حرف واحد، ولم يُعتمد نحو ذلك في المجموع. وقد ذهب قومٌ إلى أن الميم في "م الله" بدلٌ من الواو، وقالوا: لأنها من مَخْرجها، وهو الشفة، وقد أبدلت منها في "فَمٍ"، فافهمْه. فصل [معني "علي "] قال صاحب الكتاب: و"على" للاستعلاء, تقول: "عليه دين" و"فلان علينا أمير"، وقال الله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ (٢)، وتقول على الاتساع: "مررت عليه" إذا جزته, وهو اسمٌ في نحو قوله [من الطويل]: ١٠٨٩ - غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ... [تصلُّ وعن قيضٍ بزيزاء مجهل] أي: من فوقه. * * *
следующие страницы →