← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

فناسَبَ هَمْسُها لِينَ حروف اللين. ولمّا كانت الواو بدلًا من الباء، والبدلُ ينحط عن درجة الأصل، فلذلك لا تدخل إلَّا على كلّ ظاهر، ولا تدخل على المضمر؛ لانحطاط الفرع عن درجة الأصل، لأنه من المرتبة الثانية. والتاءُ لمّا كانت بدلًا من الواو، وكانت من المرتبة الثالثة، انحطّت عن درجة الواو، فاختصّت باسم الله تعالى؛ لكثرة الحلف به. وإلى هذا يُشِير صاحب هذا الكتاب، وهو مذهب أكثر أصحابنا. ومنهم من يقول: إِن البدل يجري مجرى المُبْدَل منه في جميع أحكامه، ولا يتقاصر عن الأصل لقُرْبه منه، ألا تراهم يقولون: "صرفتُ وُجُوهَ القوم، وأُجُوهَ القوم"، فيُبْدِلون الهمزة من الواو، ويوِقعونها في جميع مواقعها قبل البدل. وقالوا أيضًا: "وُسادة، وإسادةٌ"، و"وِعاءٌ، وإعاءٌ". وقرأ سَعيد بن جُبَيْر، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ (١). فكلُّ واحد من هذا يجري في البدل مجرى صاحبه، ولا يلزم انحطاطُه عن درجة الأصل. فأمّا إذا كان بدلًا من بدلٍ؛ فقد تَباعد عن الأصل، وصار في المرتبة الثالثة، فوجب انحطاطُه عن درجة الأصل، وأن لا يُساويه. فلذلك اختصّت التاء باسم الله، ولم تدخل على غيره ممّا يُحْلَف به. فإن قلت: فأنت تزعم أن الواو في "واللهِ" بدل من الباء في "بالله"؛ ولذلك لا تقع في جميع مواقعها. ألا ترى أنها لا تدخل على المضمر، ولا تقول: "وَهُ"، ولا "وَكَ"، كما تقول: "بك لأفعلنّ"، و"به لأفعلنّ"، فقد تَقاصر الفرع عن درجة الأصل كما ترى. فالجواب أن الواو لم يمتنع دخولُها على المضمر لانحطاطها عن درجة الباء، إنّما ذلك من قِبَلِ أن الإضمار يردّ الأشياء إلى أُصولها. ألا ترى أنّ من يقول: "أعطيتُكم درهمًا"، فحذف الواو، وسكّن الميم تخفيفًا، فإنّه إذا أضمر المفعول؛ قال: "أعطيتُكموه" ويردّ الواو لأجل اتّصال الفعل بالمضمر؟ فلذلك جاز أن تقول: "به لأفعلنّ"، و"بك لأفعلنّ"، ولم يجز شيء من ذلك في الواو. وقد حكى أبو الحسن: "تَرَبِّ الكعبة لأفعلنّ"، يريدون: "وربّ الكعبة"، وهو قليل شاذّ، كأنهم جعلوا الواو أصلًا لكثرة استعمالها، وغَلَبَتها على الباء، فالتاءُ تدخل على طريق الاختصاص بالاسم الذي يكون القَسَمُ به أكثر، وقد يكون فيها معنى التعجّب. قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٢) على طريق التعجّب، وقال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٣)، فاعرف ذلك. * * *

стр. 1857

[أصل "م الله "] قال صاحب الكتاب: وقولهم: "م الله" أصله "من الله" لقولهم: "من (١) ربي إنك لأشرٌ", فحذف النون لكثرة الاستعمال، وقيل أصله "ايم" ومن ثم قال: "من ربي" بالضم, ورأي بعضهم أن تكون الميم بدلاً من الواو لقرب المخارج. * * * قال الشارح: وقد قالوا في القسم: "مُ الله لأفعلنّ"، فقال بعضهم: أرادوا "من الله" بحذف النون تخفيفًا, لأن النون الساكنَة تُشبَّه بحروف العلّة، فتُحْذَف تارةً لالتقاء الساكنين، نحوَ قوله [من المنسرح]: ١٠٨٥ - أبْلِغْ أبَا دُخْتَنوسَ مَأْلَكَةً ... غيرَ الذي قد يُقال مِ الكَذِبِ يريد "مِنْ" فحذف النون لالتقاء الساكنين. وقال الآخر [من الطويل]: ١٠٨٦ - [لليلى بذاتِ البيْنِ دارٌ عَرَفْتُها ... وأُخرى بذاتِ الجيشِ آياتُها عُفْرُ] كأنهما مِ الآنَ لم يَتغيّرا ... وقد مَرَّ للدارَيْن من بَعْدِنا عَصْرُ

стр. 1858

أراد: "من الآن" فحذف، والقياسُ التحريك لالتقاء الساكنين، وقد حذفوها لا لالتقاء الساكنين، بل لضربٍ من التخفيف. قال [من الرجز]: مِن لَدُ شَوْلا وإلى إتلائِها (١) فحذف نونَ "لَدُنْ" تخفيفًا. واستدلّوا على أن أصلها "مِنْ" بقول العرب: "مِن ربِّي لأفعلنّ" ولا يُدْخِلون "مِنْ" في القسم إلَّا على "رَبِّي"، فلا يقولون: "مِن الله" كأنهم اختصّوا بعضَ الأسماء ببعض الحروف، وذلك لكثرة القسم، تَصرّفوا فيه هذا التصرّفَ. ومن العرب مَن يقول: "مُن ربي" بضمّ الميم، ولا يستعملون "مُنْ" بضمّ الميم إلَّا في القسم، وذلك أنهم جعلوا ضمَّها دلالةً على القسم، كما جعلوا الواو مكانَ الباء دلالةً على القسم. ومنهم من يجعل "مِنْ" من قولك: "من ربّي لأفعلنّ" مخفّفة من "أيْمُنٍ". و"ايمنٌ" عن سيبويه (٢) اسمٌ مفردٌ، وُضع للقسم مشتقّ من "اليَمِين"، وهو البَرَكَة، وألفُ "ايْمُنٍ" وصلٌ، ولم تجىء في الأسماء ألفُ وصل مفتوحة إلَّا هذا الحرفُ. قال الشاعر [من الطويل]: ١٠٨٧ - فقال فَرِيقُ القَوْمَ لمّا نشدتُهم ... نَعَمْ وفَرِيق لَيْمُنُ اللهِ ما نَدْرِي

стр. 1859

فحذف الهمزة حين استغنى عنها باللام المؤكّدة، وهو مرفوع بالابتداء، وخبرُه محذوف، والتقدير: "لايْمُنُ الله ما أُقْسِمُ به". وكثُر استعماله في القسم، فتَصرّفوا فيه بأنواع التخفيف، فحذفوا نونَه تارةً، وقالوا: "ايْمُ الله". ومنهم من يكسر الهمزة حملًا لها على نظائرها من همزات الوصل. ومنهم من يحذف الياء، ويقول: "امُ اللهِ لأفعلنّ". ومنهم من يُبْقِي الميم وحدها، فيقول: "مُ اللهِ". ومنهم من يكسر الميم؛ لأنها لمّا صارت على حرف واحد، شبّهها بالباء، فكسرها، لأنها قَسَمٌ يعمل في الجرّ، فأجراها مجراها. وذهب قوم من الكوفيين (١) إلى أن "ايمن" جمع "يَمِينٍ"، وعليه ابن كَيْسان، وابن درستويه. وأجاز السِّيرافيّ أن يكون كذلك، والألفُ على هذا عندهم قطعٌ، وإنما حُذفت في الوصل لكثرة الاستعمال. قالوا: جمعوا "يَمِينًا" على "أيْمُنٍ"، كما جمعوا عليه في غير القسم، كما قالوا [من الرجز]: يَسْرِي لها من أيْمُنٍ وأشْمُلِ (٢) وقال زُهَيْر [من الوافر]: ١٠٨٨ - فتُجْمَعُ أيْمُنٌ منّا ومنكم ... بمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بها الدِّماءُ

стр. 1860

وكانوا يحتلفون باليمين. قال امرؤ القيس [من الطويل]: فقلتُ يمينَ الله أبْرَحُ قاعِدًا .... ولو قطعوا رأسي لَدَيْكِ وأوْصالِي (١) ثمّ احتلفوا بالجمع كما يحتلفون بالمفرد، فقالوا: "ايْمُنَ اللهِ لا أفعلُ". ويؤيّد هذا غَرابةُ البناء، لأنه ليس في الأسماء الآحاد ما هو على "أَفْعُل" إلَّا "آنكٌ" وهو الرَّصاص، و"أشُدٌّ"، إلَّا أنّه يضعف من كثرة الحذف وبقائه على حرف واحد، ولم يُعتمد نحو ذلك في المجموع. وقد ذهب قومٌ إلى أن الميم في "م الله" بدلٌ من الواو، وقالوا: لأنها من مَخْرجها، وهو الشفة، وقد أبدلت منها في "فَمٍ"، فافهمْه. فصل [معني "علي "] قال صاحب الكتاب: و"على" للاستعلاء, تقول: "عليه دين" و"فلان علينا أمير"، وقال الله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ (٢)، وتقول على الاتساع: "مررت عليه" إذا جزته, وهو اسمٌ في نحو قوله [من الطويل]: ١٠٨٩ - غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ... [تصلُّ وعن قيضٍ بزيزاء مجهل] أي: من فوقه. * * *

стр. 1861

قال الشارح: هذا من الضرب الثاني، وهو ما يكون حرفًا واسمًا، وهي خمسةٌ على ما ذكرنا: "عَلى"، و"عَنْ"، والكاف، و"مُذْ"، و"مُنْذْ". فأمّا "عَلى" فكان أبو العبّاس يقول. إنها مشترَكةٌ بين الاسم والفعل والحرف، لا أنَّ الاسم هو الفعل والحرف، ولكن يتّفق الاسم والفعل والحرف في اللفظ، فإذا كانت حرفًا؛ دلّت على معنى الاستعلاء فيما دخلت عليه، كقولك: "زيدٌ على الفرس"، فـ "زيد" هو المستعلِي على الفرس، و"عَلى" أفادت هذا المعنى فيه. ومن ذلك "على زيدٍ دَيْنٌ"، كأنه شيءٌ قد علاه فالمُسْتعلى عليه "زيدٌ". وكذلك: "فلانٌ علينا أميرٌ" لاستعلائه من جهة الأمر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (٢)، المراد الركوب عليه، والاستواء فوقه. فأمّا قولهم: "مررت عليه" فاتّساغٌ، وليس فيه استعلاءٌ حقيقةً، إنما جرى كالمثل. ويجوز أن يكون المراد مروره على مكانه، فيكون فيه استعلاءٌ. فأمّا قولهم: "أُمررتُ يَدِي عليه"، ففيه استعلاءٌ، لأن المراد فوقه. وأمّا إذا كانت اسمًا، فتكون ظرفَ مكان بمعنى الجهة، ويدخل عليها حرف الجرّ كما يدخل على غيرها من

стр. 1862

الجهات، نحوَ قول بعض العرب: "نهضتُ من عليه"، أي: من فوقه، كقول الشاعر [من الطويل]: ١٠٩٠ - غَدَت مِن عليه تَنْفُضُ الطَّلَّ بَعْدَما ... رأتْ حاجِبَ الشَّمْسِ استَوَى فتَرَفَّعَا فأمّا البيت الذي أنشده صاحب الكتاب، وهو [من الطويل]: غَدَتْ مِن عليه بعدما تَمَّ ظِمْؤُها ... تَصِلُّ وعن قيْضٍ بزِيزاءِ مَجْهَلِ البيت لمزاحم بن الحارث العُقَيْلِيّ، وقبله: قطعتُ بشَوْشاءٍ كأنّ قُتُودَهْا ... على خاضبٍ يَعْلُو الأماعِزَ مُجْفِلِ أذلك أمْ كُدْرِيَّةٌ ظَلَّ فَرْخُها ... لَقى بشَرَوْرَى كالَيتِيم المُعَيَّلِ فالشَّوْشاءُ: الخفيفة، والخاضب: ذَكَر النَّعام، والأمعز: أرضٌ غليظةٌ، ومُجْفِل: سريعُ الذهاب، وقوله: "أذلك" إشارة إلى الظليم، أي: أذلك الظليمَ تُشْبِه ناقتي في خفّتها وسرعتها؛ أم كدريّةً، يعني قطاةً هذه صفتُها. وشَرَوْرَى: جبلٌ معروفٌ، والمُعيَّل: المُهمَل، والظِّمْء: ما بين الشرْبَتَيْن، وتَصِلُّ: تُصوِّت، وإنّما يصوّت حَشاها من بَين العطش، فنقل الفعل إليها، لأنها إذا صوّت حشاها، فقد صَوَّتَتْ، وإنما يُقال لصوتِ جناحها: "الحَفِيفُ". ويروى: خِمْسُها، وهو الذي يرد الماءَ في خامس يوم، سُمّي بيوم الوُرود.

стр. 1863

والقَيْض: قِشْر البَيْض الأعلى الخالي عن الفَرْخ. والزِّيزاء: الأرض الغليظة المستوية التي لا شجر فيها، واحدتها: زِيزاءَةٌ، وقيل: هي المفازة التي لا أعلام فيها، وهمزتُه للإلحاق بنحو "حِمْلاقٍ"، و"سِرْداح". وهي في الحقيقة منقلبة عن ألفٍ منقلبةٍ عن ياء يدلّ على ذلك ظهورها في "دِرْحايةٍ". لمّا بنيت على التأنيث؛ عادت إلى الأصل، ولغةُ هُذَيْل "زَيْزاء" بفتح الزاء كـ"القَلْقال"، وهمزته على هذا منقبلة عن ياء، ووزنُه "فَعْلالٌ"، والأوّل "فِعْلاءٌ". وقولهم في الجمع: "زَيازٍ" دليل على أن العين ياءٌ. وروى سيبويه (١): "ببَيْداءَ" وهي الأكَمَةُ ذات الحجارة، والجمع: بيدٌ، والمَجْهَل: القَفْر الذي لا علامة فيه، وهي صفة لبَيْداء. ومن روى: زيزاء أضافه إلى المجهل، وقدر حذفَ الموصوف، أي: مكان مجهل. والشاهد فيه قوله: "مِن عَلَيْهِ"، أي: من على الفرخ، فَـ "عَلَى" هنا اسمٌ بمعنى "فَوْقٍ" لدخول "مِنْ" عليه. والفرقُ بينها إذا كانت اسمًا، وإذا كانت حرفًا، أنها إذا كانت حرفًا، دلّت على معنى في غيرها، وتوصِل الثاني بالأوّل على جهةِ أن معنى الثاني اتّصل بالأول بمُوصِل بينهما من غيرِ أن يكون له معنى في نفسه. وهذا شرطُ حرف الإضافة. وأمّا إذا كانت اسمًا، فإنّها تدلّ على معنًى في نفسها، وهو معنى الظرفيّة، كما يدلّ "فَوْقٌ" على ذلك. وأمّا إذا كانت فعلًا، فهي تدلّ على حدث وزمان معيَّنٍ، وتُصَرَّف، كقولك: "عَلَا، يَعْلُو"، فهذا يدلّ على العُلُوّ في زمنٍ ماضٍ أو غيرِه، وتكثر في بابها. وليست منهما في شيء أكثرَ من الاشتراك اللفظي. فأمّا التي هي اسمٌ، فمختلَفٌ فيها، فذهب أبو العبّاس وجماعةٌ أنها على الاشتراك اللفظيّ فقط، لأن الحرف لا يُشتقّ، ولا يُشتقّ منه، فكلُّ واحد من الثلاثة مُبايِنٌ لصاحبه، إلَّا من جهة اللفظ. قال قومٌ: إِن الأصل أن تكون حرفًا، وإنما كثُر استعمالُها، فشُبّهت في بعض الأحوال بالاسم، فأُجريت مجراه، وأُدخل عليها حرف الجرّ، كما يُشبَّه الاسم بالحرف، ويجري مجراه من نحو: "كَمْ"، و"كَيْفَ". فصل [معاني "عن "] قال صاحب الكتاب: و"عن" للبعد والمجاوزة, كقولك: "رمى عن القوس"؛ لأنه يقذف عنها بالسهم, ويبعده، و"أطعمه عن الجوع"، و"كساه عن العري"؛ لأنه يجعل الجوع العري متباعدين عنه, و"جلس عن يمنيه", أي متراخياً عن بدنه في المكان الذي بحيال يمينه, وقال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ (٢) , وهو اسم في نحو قولهم: "جلست من عن يمينه", أي: من جانبها. * * *

стр. 1864

قال الشارح: وأمّا "عَنْ" فمشترَكةٌ بين الحرف والاسم؛ فأمّا الحرف فنحو قولك: "انصرفت عن زيد"، و"أخذت عن خالد"، فـ "عَنْ" حرفٌ؛ لأنها أوصلت معنى الفعل قبلها إلى الاسم الذي بعدها. قال أبو العبّاس: إذا قلت: "على زيد نزلت"، و"عن عمرو أخذت"، فهما حرفان يُعْرَف ذلك من حيث أنهما أوصلا الفعل إلى زيد، كما تقول: "بزيدٍ مررت"، و"في الداو نزلت"، و"إليك جئتُ". ومعناها المجاوَزة، وما عدا الشيءَ. وأمّا كونها اسمًا، فيكون بمعنى ألجهة والناحية، فتقوله: "جلست مِن عن يمينه"، أي: من ناحية يمينه، وتَبيّن ذلك بدخول حرف الجرّ عليه؛ لأن حرف الجرّ لا يدخل على حرفٍ مثلِه. قال الشاعر [من الكامل]: ١٠٩١ - فَلَقَدْ أراني للرِّماح دَرِيئَةً ... مِنْ عَن يميني تارةً وأمامِي وقال الآخر [من الطويل]: ١٠٩٢ - وقلتُ اجْعَلِي ضَوْءَ الفَراقِد كلِّها ... يَمِينًا ومَهْوَى النَّجْمِ من عن شِمالِكِ

стр. 1865

أي: من ناحية الشمال، وكذلك قال الآخر، وهو القُطاميّ [من البسيط]: ١٠٩٣ - فقلتُ للرَّكْب لمّا أنْ عَلَا بهمِ ... من عن يَمِينِ الحُبَيَّا نَظْرَةٌ قَبَلُ الحُبَيَّا: موضعٌ، جعل "عَنْ" اسمًا، ولذلك أدخل حرف الجرّ عليه. والفرقُ بينهما إذا كانت اسمًا، وإذا كانت حرفًا، أنّه متى اعتُقد فيها الاسميّة، فأُدْخِل عليها حرف الجرّ، وقيل: "جلست من عن يمينه"، كانت بمعنى الناحية، ودلّت على معنى في نفسها، وهو المكان، كأنّك قلت: "جلست من ناحيةِ يمينه ومكانِه". وإذا لم تُدْخِل عليها "مِنْ"، فإنّما تفيد أنّ اليمين موضعٌ لجلوسك على شرط الحرف، وإذا كانت اسمًا كانت هي الموضع.

стр. 1866

وتقول: "أطْعَمَه من جُوع، وعن جوع"، فإذا جئت بـ "مِنْ"؛ كانت لابتداء الغاية؛ لأنّ الجُوع ابتداء الإطعام، وإذا جئت بـ "عَنْ"؛ فالمعنى أن الإطعام صرفَ الجوع؛ لأن "عَنْ" لِما عدا الشيءَ. فصل [معني الكاف] قال صاحب الكتاب: والكاف للتشبيه كقولك: "الذي كزيد أخوك", وهو اسم في نحو قوله [من الرجز]: ١٠٩٤ - [بيضٌ ثلاث كنعاجٍ جُم] ... يضحكن عن كالبرد المنهم ولا تدخل على الضمير استغناء بـ "مثل". وقد شذ نحو قوله [من الرجز]: [خلي الذنابات شمالاً كثبا] ... وأم أوعال كها أو أقربا (١) * * * قال الشارح: أمّا الكاف الجارّة، فمعناها التشبيه، وهي أيضًا تكون حرفًا من الحروف الجارّة، وتكون اسمًا بمعنى "مِثْلِ"، وذلك قولك: "أنت كزيدٍ" الكافُ حرف

стр. 1867

جرّ عند سيبويه (١) وجماعةِ البصريين، والذي يدل على ذلك أنها لا تقع موقع الأسماء، وذلك في الصلات، نحو قولك: "مررت بالذي كزيد"، فالكاف هنا حرف لا محالةَ، ولذلك مثّل به صاحبُ الكتاب؛ لأن ذلك ليس من مواضع المفردات. فإن قلت: فتكون الكاف اسمًا في موضع رفعِ خبرِ مبتدأ محذوف، والتقدير: "بالذي هو كزيدٍ"، على حدّ قولهم: "ما أنا بالذي قائل لك شيئًا"، والمراد: بالذي هو قائلٌ؛ قيل: لا يحسن حملُه عليه، إذ كان ذلك موضعَ قبح لحذف العائد المرفوع. فلمّا ساغ أن تقول: "مررت بالذي كزيد" من غير قبح، وأجمعوا على استحسانه، واستقباحِهم: "مررت بالذي مِثْلُ زيد"، أو"مررت بالذي شِبْهُ جعفرٍ"، دلّ على أن الكاف حرف جرّ بمنزلته في قولك: "مررت بالذي في الدار"، و"ضربت الذي من الكرام"، بذلك استدلّ سيبويه (٢). وأمّا التي في تأويل الاسم فالتي تقع موقع الاسم المفرد، كقول الشاعر [من مشطور السريع]: ١٠٩٥ - وصالِياتٍ كَكَمَا يُؤْثَفَيْنْ

стр. 1868

فدخول الكاف الأُولى على الثانية دليلٌ أنها اسمٌ، وأنّ المعنى: كمِثْلِ ما يؤثفين. جَمَعَ بين الكاف، و"مثل"، وإن كان معناهما واحدًا مبالغةً في التشبيه. وعُلم بدخول الأُولى على الثانية أنها ليست حرفًا؛ لأن حروف الجرّ لا تدخل إلَّا على الأسماء. فإن قيل: فما تصنع بقوله [من الوافر]: فلا واللهِ لا يُلفى لِما بي ... ولا لِلْمَا بهم أبَدًا دَواءُ (١) فقد أدخل اللام على لام مثلِها، ومع هذا لم يقل أحدٌ: إِن اللام الثانية اسمٌ كما كانت مع الكاف؟ فالجواب أنه لم يثبت في موضع سوى هذا أنّ اللام اسمٌ، كما ثبت أن الكاف اسم. وإذا كان ذلك كذلك؛ فإحدى اللأمَيْن زائدة مؤكّدة، والقياسُ أن تكون الزائدة الثانية دون الأوُلى، لأن حكم الزائد أن لا يُبتدأ به، وليست الكاف كذلك، فإنه قد ثبت أنها اسمٌ في مواضع، منها قول الأعشى [من البسيط]: ١٠٩٦ - هل تَنْتهون ولَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كالطعْن يَهْلِكُ فيه الزيْتُ والفُتُلُ

стр. 1869

فالكاف هنا اسم بمنزلة "مِثْل"؛ لأنها فاعلُ "ينهى"، ولا يصحّ أن يكون الفاعل حرفًا. وقد قيل: إن الفاعل ها هنا موصوف محذوف، والتقدير: "ولن ينهى ذوي شطط شيء كالطحن"، ثمّ حذف الموصوف. وذلك ضعيف؛ لأنه لا يصلح حذفُ الموصوف إلَّا حيث يجوز إقامة الصفة مقامه، بحيث يعمل فيه عاملُ الموصوف، والموصوف ها هنا فاعلٌ، والصفة جملةٌ، فلا يصح حذف الموصوف فيها، وإسناد الفعل إلى الجملة؛ لأن الفاعل لا يكون إلَّا اسمًا محضًا. فإن قيل: فما تصنع بقوله [من الطويل]: فحُقَّ لِمِثلِي يا بُثَيْنَةُ يَجْزَعُ (١) فإنّ الفعل فيه مسندٌ إلى فعل محضٍ, فهو "يجزع"، قيل: المراد "أن يجزع"، و"أنْ" والفعل مصدرٌ، وهو الذي أُسند الفعل إليه، لا إلى الفعل نفسه؛ فأما قوله [من الرجز]: يَضْحَكْنَ عن كالبرد المنهمّ (٢) البيتَ، فالشاهد فيه قوله: "عن كالبرد"، فإدخال حرف الجرّ على الكاف دليلٌ على اسميّتها. والمنهمّ: المُذاب، يصف نسوةً بصَفاء الثَّغْر، وأن أسنانهنّ كالبرد الذائب لصفائها ورقّتها. وذهب سيبويه (٣) أن هذه الكاف لا تدخل على مضمر، تقول: "رأيتُ كزيد"؛ ولم يجز: "رأيت كَهُ". وقال: استغنوا عنه بمِثْل وشِبْهٍ، فتقول: "رأيت مثلَ زيد، ومثلَه"، والمعنى فيهما واحدٌ، ومثلُ ذلك في "حَتَّى"، و"مُذْ". قال أبو العبّاس محمَّد بن بزيد: وقد خُولف في الكاف، و"حَتَّى"، فأجازه قومٌ. وقد احتجّ أبو بكر لامتناع الإضمار في هذه الحروف بضُعْفِ تمكُّنها في بابها، لأن الكاف تكون اسمًا، وتكون حرفًا، ولا تضيفها إلى مضمر لبُعْد تمكُّنها وضعفِ المضمر. فأمّا قوله [من الرجز]: نَحَّى الذناباتِ شِمالاً كَثَبَا ... وأُمَّ أوْعالٍ كها أو أقْرَبَا (٤) فالبيت للعَجّاج، والشاهد فيه إدخال الكاف على المضمر، وهو عندنا من قبيل ضرورة الشعر، وحملُها في ذلك على "مِثْل"؛ لأنها في معناها. والذناباتُ: موضع بعينه. وأُمّ أوعال: هَضْبةٌ، ففي "نحّى" ضميرٌ يعود إلى حمار وَحْشيّ ذَكَرَه، ومعنَى "نحّى": مضى في عَدْوه ناحيةً من الذنابات، فكأنه نحّاها عن طريقه شمالَه، بالقرب من

стр. 1870

الموضع الذي عدا فيه. وقوله: "كَهَا"، أي: كالذنابات، أو أقربَ إليه منها، وإن مال إلى أُمّ أوعال، صارت أقرب إليه من الذنابات. وأُم أوعال: رفعٌ بالابتداء، و"كَها" الخبر، والمحفوظُ: و"أُمَّ أوعال" بالنصب. فصل [معني "مُذْ" و"مُنْذُ "] قال صاحب الكتاب: و"مذ", و"منذ", لابتداء الغاية في الزمان, كقولك: "ما رأيته منذ يوم الجمعة", و"مذ يوم السبت", وكونهما اسمين ذُكر في الأسماء المبنية. * * * قال الشارح: وأمّا "مُذ"، و"مُنْذ"، فيكونان اسمين، ويكونان حرفين، والفرقُ بينها إذا كانت اسمًا، وبينها إذا كانت حرفًا من جهة اللفظ، أنها إذا كانت اسمًا؛ رفعت ما بعدها، وإذا كانت حرفًا؛ جرّت ما بعدها. ووجهٌ ثانٍ من الفرق بينهما أنها إذا كانت حرفًا، كانت متعلّقة بما قبلها، وكان الكلامُ بها جملة واحدة، وإذا كانت اسمًا؛ رفع ما بعدها، نحوَ قولك: "ما رأيته مذ يومان"، كان الكلام جملتَيْن: الجملُة الأولى فعلية، والثانية اسمية، يصح أن تصدُق في إِحداهما وتكذِب في الأُخرى. فهذا المعنى مستحيلٌ فيها إذا كانت حرفًا، لأنها تكون حرف إضافة، نحوَ: "زيدٌ قائمٌ في الدار"، فهذا لا يجوز أن تصدق في أنه قائمٌ، وتكذب في أنه في الدار، لأنه خبرٌ واحدٌ. وأمّا الفرق بينهما من جهة المعنى، فإنّ "مُذ" إذا كانت حرفًا؛ دلّت على أن المعنى الكائن فيما دخلت عليه لا فيها نفسها، نحوَ قولك: "زيدٌ عندنا مُذْ شَهْرٍ" على اعتقادِ أنها حرفٌ وخفضِ ما بعدها. فالشهرُ هو الذي حصل فيه الاستقرارُ في ذلك المكان، بدلالةِ "مُذْ" على ذلك؛ وأمّا إذا كانت اسمًا، ورفعت ما بعدها؛ دلّت على المعنى الكائن في نفسها، نحوَ قولك: "ما رأيتُه مذ يومُ الجمعة"، فالرؤيةُ متضمَّنةُ "مُذْ"، وهو الوقت الذي حصلت فيه الرؤيةُ، وهو يوم الجمعة، كأنك قلت: "الوقتُ الذي حصلت فيه الرؤيةُ يومُ الجمعة". وقد ذهب قوم من أصحابنا إلى أنهما لا يكونان إلَّا اسمين على كلّ حال، فإذا رفعا ما بعدهما، كان التقدير على ما مرّ، وإذا خفضا ما بعدهما، كانا في تقدير اسمَيْن مضافَيْن، وإن كانا مبنيَّيْن، كقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (١). ألا ترى أن "لَدُن" مضاف إلى "حكيم عليم"، وإن كان مبنيًّا؟ و"مُنْذ" مركّبةٌ عند الكوفيين. قال قوم منهم: إِنها مركّبةٌ مِنْ "مِنْ"، و"إذ"، وإنما

стр. 1871

غُيّرا عمّا كانا عليه في الإفراد بأن حُذفت الهمزة، ووصلت "مِنْ" بالذال، وضُمّت الميم، فصارت "مُنْذُ". وفرقوا بذلك بين حال الإفراد والتركيب. والذي حملهم على ذلك قولُ بعض العرب في "مُنْذُ": "مِنْذُ" بكسر الميم، يدلّ أن الأصل "مِنْ". وذهب الفرّاء منهم إلى أنها مركّبة من "مِنْ"، و"ذُو"، التي بمعنَى "الَّذِي"، وهي لغة طَيِّىءٍ، نحوُ قول الشاعر [من الوافر]: فإنّ الماء ماءُ أبي وجَدِّي ... وبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وذُو طَوَيْتُ (١) ثمّ حذف الواو تخفيفًا، وبقيت الضمّة تدل عليها. والصواب ما ذكرناه من أنها مفردة غير مركّبة عَمَلًا بالظاهر. ونحن إذا شاهدنا ظاهرًا يكون مثلُه أصلًا؛ قضينا بالشاهد، وإن احتمل غيرَ ذلك، إذا لم تقم بيّنةٌ على خلافه. ألا ترى أن سيبويه حكم على الياء في "سِيدٍ" وهو الذئْب بأنّها أصلٌ، وجعلها من باب "فِيل"، و"دِيكٍ"، ولم يجعلها من باب "رِيحٍ"، و"عِيدٍ"، مع أنه ليس لنا كلمةٌ مركّبة من "س ي د" عملًا بالظاهر؟ فلا يجوز تركُ حاضرٍ متيقَّنٍ له وجةٌ من القياس إلى أمرٍ محتمَل مشكوك فيه لا دليلَ عليه. فأمّا كسر الميم من "منذ"، فلا دليل فيه؛ لأنه لغةٌ كالضمّ، وإن كان الضمّ أشهرَ. وممّا يُبْطِل قول الفراء أنّ "ذُو" بمعنَى "الذي" إنّما يستعملها بنو طيِّىء لا غير، و"مُنْذُ" يستعملها جميع العرب، فكيف يركّبون كلمة يستعملها جميعُهم من كلمةٍ مختلَفٍ فيها بينهم. واعلم أنهم قد اختلفوا في ارتفاع الاسم الواقع بعد "مُنْذُ"، و"مُذْ"، فذهب قوم من الكوفيين (٢) إلى أن الاسم يرتفع بعدهما بإضمار فعل، قالوا: لأن "منذ" مركبة من "مِنْ" و"إذْ"، و"إذ" تُضاف إلى الفعل والفاعل كثيرًا، نحوَ قولك: "إذ قام زيدٌ"، و"إذ قعد بكرٌ". ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ (٥). فلذلك كان الاسم المرتفع بعدها بتقدير فعل، والمراد: "مذ مضى يومان"، و"مذ مضت ليلتان". قالوا: ولذلك يُستعمل الفعل بعدها، فتقول: "ما رأيته مذ وُجد"، و"مذ كان كذا وكذا"، باعتبارِ "إذْ"، والخفضُ باعتبارِ "مِنْ". قالوا: ولذلك كان الخفض بـ "مُنْذُ" أكثر منه بـ "مُذْ"؛ لظهور نون "مِنْ".

стр. 1872

وذلك ضعيفٌ، لأن "منذ" لابتداء الغاية في الزمان، فلا يقع بعدها إلَّا الزمان، فإذا وقع بعدها فعلٌ، فإنّما هو على تقدير زمانٍ محذوفٍ مضافٍ إلى الفعل. فإذا قلت: "ما رأيتُه مذ كان كذا"، فالتقدير: مذ زمانُ كان كذا، فحذف المضاف، وأُقيم الفعل مقامه خبرًا. ولذلك قال سيبويه: وممّا يُضاف إلى الفعل قوله: "منذ كان كذا"، وليس مراده أنّ "مُذْ" مضافة إلى الفعل، لأن الفعل لا يُضاف إليه إلَّا الزمان. فلو كانت "إذْ" مضافة إلى الفعل؛ لكانت اسمًا، و"مُذْ"، إذا كانت اسمًا؛ لم تكن إلَّا مبتدأً، ولذلك لم يُجِز أبو عثمان الإخبار عن "مُذْ"؛ لأن الإخبار عنها يجعلها خبرًا، و"مُذْ" لا تكون إلَّا مبتدأً. وقال الفرّاء: الاسم يرتفع بعد "مُذْ" بأنّه خبر مبتدأ محذوف. قال: لأن "منذ" مركّبةٌ كما قدمناه من "مِنْ"، و"ذُو"، التي بمعنَى "الذي"، و"الَّذِي" توصَل بالمبتدأ والخبرِ، وقد يحذف في المبتدأ العائدُ، والتقدير: "ما رأيته مذ هو يومان"، على نحو قولهم: "ما أنا بالذي قائل لك شيئًا". والمراد: "بالذي هو قائلٌ". ومنه قوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (١) في قراءةِ من رفع "أحسن"، وقوله تعالى: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (٢)، أي: التي هي بعوضةٌ. وهذان قولان بُنيا على أصل فاسد، وهو القول بالتركيب، وقد أبطلناه، مع أن "إذ" تُضاف إلى المبتدأ كما تُضاف إلى الفعل والفاعل، فليس تقدير المحذوف فِعْلًا بأوْلى من أن يكون اسمًا مبتدأً. وأمّا قولهم: إنه يستعمل بعدها الفعل كثيرًا، نحوَ: "ما رأيته مذ قَدِمَ"، ونحوِ ذلك، فهو عندنا على حذفِ مضاف. و"ذُو" في لغةِ طَيىء تُوصَل بالفعل والفاعل كما توصل بالمبتدأ والخبر، فليس تقدير المحذوف مبتدأً بأوْلى من أن يكون فعلًا، فتعيينُ الصلة مبتدأ وخبرًا دون الفعل تحكّمٌ، مع أن حذف المبتدأ إذا كان صلة، وهو العائد قبيحٌ. إنما جاز منه ألفاظٌ شاذّةٌ تُسْمَع، ولا يُحْمَل عليها ما وُجد عنه مندوحةٌ. والصواب ما ذهب إليه البصريون من أنّ ارتفاعه بأنّه خبرٌ، والمبتدأ "مُنْذُ"، و"مُذْ". فإذا قلت: "ما رأيتُه مذ يومان"، كالك قلت: "ما رأيتُه مذ ذلك يومان"، فهما جملتان

стр. 1873

على ما تقدّم. وإنما قلنا: إِنّ "مُذْ" في موضعِ مرفوع بالابتداء؛ لأنه مقدّرٌ بالأمَد، والأمد لو ظهر، لم يكن إلَّا مرفوعًا بالابتداء، فكذلك ما كان في معناه. وذهب الزجّاجيّ إلى أن "مُذْ" الخبر، وما بعده المبتدأ، واحتج بأن معنَى "مذ" هنا معنى الظرف، فإذا قلت: "ما رأيته مذ يومان"، كان المعنى: بيني وبين لقائه يومان، فكما أن الظرف خبرٌ، فكذلك ما كان في معناه. وله في الرفع معنيان: تعريفُ ابتداء المدّة من غير تعرُّض إلى الانتهاء، والآخر تعريف المدّة كلها. فإذا وقع الاسم بعدهما معرفة، نحوَ قولك: "ما رأيتُه مذ يومُ الجمعة" ونحوه؛ كان المقصود به ابتداء غاية الزمان الذي انقطعت فيه الرؤيةُ وتعريفَه، والانتهاءُ مسكوتٌ عنه، كأنّك قُلْتَ: "وإلى الآنَ"، ويكون في تقديرِ جواب "مَتَى". وإذا وقع بعده نكرةٌ، نحوُ: "ما رأيته مذ يومان" ونحوِ ذلك؛ كان المراد منه انتظَام المدّة كلّها من أوّلها إلى آخِرها، وانقطاع الرؤية فيها كلِّها. فإن خفضت ما بعدهما معرفةً كان أو نكرةً؛ كان المراد الزمان الحاضر، ولم تكن الرؤية وقعت في شيء منه. والغالب على "مُنْذُ" الحرفيّةُ والخفض بها، والغالب على "مُذ" الاسميّة للنقص الذي دخلها، إذ الأصل "مُنْذُ"، و"مُذْ" مخفّفةٌ منها بحذف عينها. والحذف ضربٌ من التصرّف، وبابه الأسماء والأفعال؛ لتمكُّنها ولحاقِ التنوين بها، ولم يأتِ في الحروف إلَّا فيما كان مضاعَفًا من نحو"أن" و"رُبَّ". وإنّما قلنا: إن "مُذْ" مخفّفة من "مُنْذُ"؛ لأنها في معناها، ولفظُهما واحدٌ. ولذلك قال سيبويه (١): لو سمّيتَ بـ "مُذْ"، ثمّ صغَرتها؛ لقلت: "مُنَيْذٌ"، تردّ المحذوف، وكذلك لو كسّرت؛ لقلت: "أمْناذٌ". وهما مبنيّان حرفَيْن. ويكونان اسمَيْن. فإذا كانا حرفين؛ فلا مقالَ في بنائهما؛ لأن الحروف كلها مبنيّةٌ. وإذا كانا اسمين، فهما في معنى الحرف، وينوبان عنه، فيُبْنيان كبنائه، وحقُّهما السكون، لأن أصل البناء أن يكون على السكون. فأمّا "مُذْ" فجاءت على الأصل، ولم يُوجَد فيها ما يُخْرِجها عن الأصل. وأمّا "مُنْذُ"، فحقها أيضًا أن تكون ساكنة الآخِر إلَّا أنه التقى في آخِرها ساكنان النون والذال، فوجب التحريك لالتقاء الساكنين، وخُضت بالضمّ إتباعًا لضمّة الميم، ولم يُعتدّ بالنون حاجزًا لسكونه. فإن لَقِيَ "مُذْ" ساكنٌ من كلمةٍ بعدها، ضُمّت، نحوَ قولك: "لم أرَه مُذُ الليلة، ومُذُ الساعة"، وذلك إتباعًا لضمّة الميم. وإذا ساغ لهم الإتباعُ مع الحاجز؛ فلأن يجوز مع عدم الحائل كان أوْلى. فإن شئت أن تقول: إنّا لما اضطُررنا إلى التحريك لالتقاء الساكنين، حُرّك بالحركة التىِ كانت له في الأصل، ولكونهما يكونان اسمَيْن، ذُكرا في الأسماء المبنية، فاعرفه.

стр. 1874

فصل [معني "حاشا "] قال صاحب الكتاب: و"حاشا" معناها التنزيه. قال [من الكامل]: حاشا أبي ثوبان إن به ... ضنّا عن الملحاة والشتم (١) وهو عند المبرد يكون فعلاً في نحو قولك: "هجم القوم حاشا زيداً", بمعنى: جانب بعضهم زيداً، "فاعل" من "الحشا" وهو الجانب, وحكى أبو عمرو الشيباني عن بعض العرب: "اللهم اغفر لي, ولمن سمع, حاشا الشيطان, وابن الأصبغ" بالنصب, وقوله تعالى: ﴿حاش لله﴾ (٢) بمعنى براءة لله من السوء. * * * قال الشارح: اعلم أنّ "حَاشا" عند سيبويه (٣) حرفٌ يجرّ ما بعده كما يجرّ "حتى" ما بعده، وفيه معنى الاستثناء، فهو من حروف الإضافة يدخل في باب الاستثناء لمضارَعةِ "إلَّا" بما فيه من معنى النفي، إذ كان معناه التنزيه والبراءة. ألا ترى أنك إذا قلت: "قام القوم حاشا زيدٍ"، فالمراد أن زيدًا لم يقم، فأُدْخِل حرف الجرّ هنا في باب الاستثناء، إذ كان معناه النفي، كما أُدخل "لَيْسَ" و"لا يَكُونُ"، و"خَلا"، و"عَدا" لِما فيها من معنى النفي، فتقوله: "أتاني القوم حاشا زيدٍ"، بمعنى: "إلَّا زيدًا"، فموضعُ "حاشا" ها هنا نصبٌ بما قبله من الفعل، يدل على ذلك أنه لو وقع موقعه اسمٌ؛ كان منصوبًا، نحو: "غَير". والفرقُ بينها إذا كانت استثناءَ، وبينها إذا كانت حرف إضافة غيرَ استثناء، أنها إذا كانت استثناء منضمنةً لجملةٍ تُخرِج منها بعضًا، وإذا كانت حرف إضافة، فليست كذلك، تقول: "حاشا زيدٍ أن ينالَه السُّوءُ"، كأنك قلت: حاشاه نَيلُ السوء ومَسُّ السوء. وفيه معنى الاستقرار على طريق النفي، كأنّه قال: "حاشاه أن يستقرّ له مسُّ السوء"، إلَّا أنه لكثرة الاستعمال كالمَثَل الذي لا يُغيَّر عن وجهه. فأمّا البيت الذي أنشده، وهو [من الكامل]: حاشا أبي ثوبان ... إلخ هكذا أنشده أبو العبّاس المبرّد والسيرافيّ وغيرهما من البصريين. وفيه تخليطٌ من جهة الرواية. وذلك أنه ركّب صدره على عجزِ غيره. وهذا البيت للجُمَيّح، وهو مُنْقِذ بن الطَّمّاح بن قيس بن طَرِيف، أورده المُفَضَّل الضّبّيّ في مفضَّليَّاته، وأوّلُه: يا جارَ نَضْلَةَ قد أنَى لك أن ... تَسْعَى بجارك في بني هِدمِ متنظِّمِين جوار نَضْلَةَ يا ... شاهَ الوُجوهُ لذلك النَّظْمِ

стр. 1875

وبنو رَواحَةَ ينظرون إذا ... نَظَرَ النَّدِيُّ بآنُفِ خُثْمِ حاشا أبي ثَوْبانَ إنّ أبَا ... قابوسَ ليس ببُكْمَةٍ فَدْمٍ عمرَو بن عبد الله إنَّ به ... ضِنَّا عن المَلْحاة والشَّتْمِ الشاهد فيه جرّ "أبي ثوبان" بـ "حاشا". وسببُ هذه الأبيات أن نضلة بن الأشتر كان جارًا لبني هدم بن عَوف، فقتلوه غَدْرًا، فَنَعَى عليهم جميحٌ ذلك. شاهت: قبُحت، والشَّوْهُ: قُبْحُ الخِلْقة. وقوله: "متنظّمين"، أي: في سِلْكٍ واحدٍ. وبنو رَواحَةَ: فَخِذٌ من بني عَبْسٍ. والنادي، والنَّدِيُّ: المَجْلِس. والمراد: أهْلُ النديّ. والآنُفُ الخُثْمُ: العِراضُ ليست بشُمّ. وقوله: "إنّ به ضِنًّا" أي: يضِنّ بنفسه عن الملحاة والشَّتْمِ. والمَلْحاةُ: المَفْعَلة من "لَحَوْتُ الرجلَ"، إذا ألححتَ عليه باللائمة. وعمرو بن عبد الله بدلٌ من "أبا قابوس"، ومُنع "قابوس" من الصرف ضرورةً لِما فيه من التعريف. ولم يَحْكِ سيبويه في "حاشا" إلَّا الجرَّ، ولم يُجِز النصب بها. وقد خالَفَه جماعةٌ من الفريقَيْن في ذلك، فذهب أبو العبّاس المبرّد، وهو قول أبي عمرو الجَرْميّ والأخفش إلى أنها تكون حرف خفض كما ذكر سيبويه، نحوَ قولك: "أتاني القوم حاشا زيدٍ"؛ لأن المعنى: "سِوَى زيدٍ". وقد تكون فعلًا من "حاشَيْتُ"، فتنصب ما بعدها بمنزلة "خَلا"، و"عَدا"؛ لأنك إذا قلت: "أتاني القوم"، وقع في نفس السامع أن زيدًا فيهم، فأردت أن تُخْرِج ذلك من نفسه، فقلت: "حاشا زيدًا"، أي: جاوَزَ مَن أتاني زيدًا، فيكون في "حاشا" ضميرُ فاعل لا يُثنَّى، ولا يُجْمَع، ولا يؤنّث، و"زيدٌ" لم يأتك لأنه استثناءٌ من موجَب. وكذلك إذا قلت: "لقيت القومَ حاشا خالدًا"، فخالدٌ لم تلقه. وإذا قلت: "ما مررت بالقوم حاشا خالدًا" فخالدٌ ممرورٌ به؛ لأنه استثناءٌ من منفيّ. والحجّة للقول بأنّها فعلٌ أنها تتصرّف تصرُّفَ الأفعال، فتقول: "حاشَيْتُ، أُحاشِي"، كما تقول: "رامَيْتُ أُرامِي". قال النابغة [من البسيط]: وَلَا أرَى فاعِلًا في الناس يُشْبِهُهُ ... ولا أُحاشِي من الأقْوامِ من أحدِ (١) هذا استدلال أبي العباس، قال: فإذا قلت: "حاشا لزيدٍ"، فلا يكون "حاشا" إلَّا فعلًا؛ لأنه لو كان حرفًا؛ لم يدخل على حرف مثله. وكذلك "حاشا لله"، فإذا استُعمل بغير لام؛ جاز أن تكون فعلًا، فتنصب، وجاز أن تكون حرف خفض. قالوا: وممّا يؤيّد كونها فعلًا قولُهم: "حَاشَ"، بغير ألف، نحوُ قوله تعالى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ (٢) في قراءة

стр. 1876

الجماعة ما عدا أبا عمرو (١)، والحذفُ لا يكون في الحروف، إلَّا فيما كان مضاعفًا، نحوّ: "إنَّ"، و"رُبَّ". وقد جاء في الأفعال كثيرًا، وفي الأسماء، نحوَ: "غَدٍ"، و"يَدٍ". والذي حسّنه هنا كونُ الألف منقلبةً عن الياء، والياءُ ممّا يسوغ حذفُه. وممّا يؤيد ذلك ما حكاه أبو عمرو وغيره أنَّ العرب تخفض بها، وتنصب، حُكي عنهم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، ولِمن سمع حاشا الشيطانَ، وابنَ الأصْبَغِ". وهذا نصٌّ. وابن الأصبغ بالصاد غير المعجمة والغين المعجمة كان يُسْتَيْطِعُ. وقال الزجّاج: "حاشا لله" في معنى "بَراءةً لله"، وهي من قولهم: "كنت في حَشَى فلانٍ"، أي: في ناحيةِ فلان. قال الشاعر [من الطويل]: بأيً الحَشَا أمْسَى الخَلِيطُ المُبايِنُ (٢) فإذا قال: "حاشى لفلانٍ"، فكأنّه قال: "تَنحّى زيدٌ من هذا المكان، وتَباعد"، كما أنّك إذا قلت: "تَنَحّى من هذا المكان"، فمعناه: صار في ناحيةٍ منه أُخرى. والصواب ما ذهب إليه سيبويه، وذلك أنها لو كانت فعلًا بمنزلةِ "خَلا"، وَ"عَدا"؛ لَجاز أن تقع في صلةِ "ما"، فتقول: "أتاني القوم ما حاشى زيدًا"، كما تقول: "ما خلا زيدًا"، و"ما عدا عمرًا". فلمّا لم يجز ذلك؛ دلّ أنها حرفٌ. وأمّا قوله [من البسيط]: وما أُحاشِي من الأقوام من أحد (٣) فيجوز أن يكون تصريفَ فعل من لفظ "حاشا" الذي هو حرفٌ يُستثنى به، ولا يقع الاستثناء بـ "حَاشَى يُحاشِي"، فنزلّ "حاشى يحاشي" منزلةَ "هَلَّلَ" من "لَا إلهَ إلَّا اللهُ"، و"سَبْحَلَ" من "سُبْحانَ الله"، و"حَمْدَلَ" من "الحمدُ لِله"، فيكون المراد أنه لفظٌ بـ "لَا إله إلَّا اللهُ"، و"سبحان الله"، و"الحمد للهِ"، وكذلك يكون التصرّف في قوله: "أُحاشِي"، أي: لا أستثني بحاشا أحدًا. وأمّا دخول لام الجرّ، فعلى سبيل الزيادة والعوض من لام الفعل؛ وأمّا حذف الآخِر منه فلضربٍ من التخفيف وطول الكلمة. وكان الفرّاء من الكوفيين يزعم أن "حاشا" فعلٌ، لا فاعلَ له، فإذا قلت: "حاشا لله"، فاللام موصلةٌ لمعنى الفعل، والخفضُ بها. فإذا قلت: "حاشا اللهِ"، بحذف اللام، فاللام مرادةٌ، والخفضُ على إرادتها، وهذا ضعيف عجيب أن يكون فعلٌ بلا فاعل. وأمّا قوله بأن الخفض بها وتقديرِها، فضعيفٌ؛ لأن حرف الجرّ إذا حُذف لا يبقى عملُه إلَّا على نَدْرةٍ، فاعرفه.

стр. 1877

فصل ["عدا" و"خلا "] قال صاحب الكتاب: و"عدا", و"خلا" مر الكلام فيهما في الاستثناء. * * * قال الشارح: قد تقدّم الكلام فيهما، ولا بدّ من تبنيةِ جملةٍ عليهما، وذلك أنهما يكونان فعلَيْن، فينصبان ما بعدهما، ويُضْمَر الفاعل فيهما، ويجريان مجرَى "لَيْس" و"لا يَكُونُ" في الاستثناء، فتقول: "أتاني القومُ خلا زيدًا" على تقديرِ: "خلا بعضهم زيدًا"، و"ما أتاني القوم عدا بكرًا" على معنى: "عدا بعضهم بكرًا"، كأنّك قلت: "جاوز بعضهم زيدًا". فإذا دخلتْ "ما" عليهما؛ كانا فعلَيْن لا محالةَ، وكانت مع ما بعدها مصدرًا في موضع الحال، كأنّك قلت: "مُجاوَزتَهم زيدًا"، أي: مُجاوِزين زيدًا، وخالين من زيد. وتكون من قبيلِ "رجع عَوْدَه على بَدْئه" ونظائرِه. ويكونان حرفين، فيجرّان ما بعدهما، نحوَ قولك: "أتاني القوم خلا زيدٍ". ولا خلاف بين البصريين والكوفيين في جواز الخفض بـ "خَلا". ولم يذكر أحدٌ من النحويين الخفض بـ "عَدا" إلَّا أبو الحسن الأخفش، فإنّه قرنها مع "خلا" في الجرّ، فاعرفه. فصل ["كَيْ "] قال صاحب الكتاب: و"كَيْ", في قولهم: "كيمه" من حروف الجر بمعنى "لمه". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول في "كَيْ" بما أغنى عن إعادته، غيرَ أنّا نذكرها هنا لغةً تختصّ بهذا الفصل، وذلك أنّ "كَيْ" حرفٌ يُقارِب معناه معنى اللام؛ لأنها تدلّ على العلّة والغرض، ولذلك تقع في جوابِ "لِمَهْ"، فيقول القائل: "لِمَ فعلتَ كذا؟ " فتقول: "ليكونَ كذا". وهذا المعنى قريبٌ من قولك: "فعلت ذلك كَيْ يكونَ كذا"؛ لدلالتها على العلّة، إلَّا أنّها تستعمل ناصبة للفعل كـ "أنْ"، فلذلك تدخل عليها اللام، فتقول: "جئت لِكَيْ تقومَ"، كما تقول: "لأنْ تقومَ". وقد تُستعمل استعمالَ حرف الجرّ، فيُدْخِلونها على الاسم، قالوا: "كَيْمَهْ"، والأصل: "ما" الاستفهاميةُ، فأدخلوا عليها "كَيْ"، كما يُدْخِلون اللام، ثمّ حذفوا الألف، وأتوا بهاء السَّكْت في الوقف، فقالوا: "كَيْمَهْ"، كما قالوا: "لِمَهْ". فقال بعضهم: إنها حرفٌ مشترَكٌ تكون حرفًا ناصبًا للفعل كـ "أنْ"، وتكون حرفًا جارًّا. فإذا قلت: "جئت لكي تقومَ"، كانت الناصبهَ للفعل؛ لدخول اللام؛ لأن حرف الجرّ لا يدخل على مثله. وإذا قلت: "كَيْمَهْ"، كانت الجارّة لدخولها على الاسم. فإذا قلت: "جئت كي تقوم" من

стр. 1878

غير قرينة، جاز أن تكون الناصبة للفعل، وجاز أن تكون الجارّة، ويكون النصبُ بتقديرِ "أنْ"، كما يكون كذلك مع اللام. قال ابن السرّاج: ويجوز أن تكون "كَيْ" حرفًا ناصبًا على كل حال؛ وأمّا دخولها على "ما" فلشَبَهها باللام لتقارُب معنيَيْهما، فاعرفه. فصل [حذف حروف الجر] قال صاحب الكتاب: وتحذف حروف الجر, فيتعدى الفعل بنفسه, كقوله تعالى: ﴿واختار لموسى قومه سبعين رجلاً﴾ (١) , وقوله [من الطويل]: منا الذي اختير الرجال سماحة ... [وجوداً إذا هبَّ الرياح الزعازع] (٢) وقوله [من البسيط]: أمرتك الخير فافعل ما أُمرت به ... [فقد تركتك ذا مال وذا نشب] (٣) وتقول: "أستغفر الله ذنبي"، ومنه "دخلت الدار". وتحذفت مع "أنّ", و"إنْ", كثيراً مستمراً. * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إِن الأفعال المقتضية للمفعول على ضربين: فعلٌ يصل إلى مفعوله بنفسه، نحوُ: "ضربتُ زيدًا"، فالفعلُ هنا أفضى بنفسه بعد الفاعل إلى المفعول الذي هو "زيدٌ" فنصبه؛ لأنّ في الفعل قوّةً أفضت إلى مباشَرة الاسم. وفعلٌ ضعُف عن تجاوُز الفاعل إلى المفعول، فاحتاج إلى ما يستعين به على تناوُله والوصول إليه، وذلك نحوُ: "مررت"، و"عجبت"، و"ذهبت". لو قُلْتَ: "عجبت زيدًا"، و"مررت جعفرًا"؛ لم يجز ذلك؛ لضعف هذه الأفعال في العُرْف والاستعمال عن الإفضاء إلى هذه الأسماء. فلمّا ضعُفت، اقتضى القياسُ تقويتَها لتصل إلى ما تقتضيه من المفاعيل، فرفدوها بالحروف، وجعلوها موصِلةً لها إليها، فقالوا: "مررت بزيد"، و"عجبت من خالد"، و"ذهبت إلى محمّد". وخصّ كلُّ قبيل من هذه الأفعال بقبيل من هذه الحروف. هذا هو القياس، إلَّا إنهم قد يحذفون هذه الحروف في بعض الاستعمال تخفيفًا في بعض كلامهم، فيصل الفعلُ بنفسه، فيعمل. قالوا من ذلك: "اخترت الرجالَ زيدًا"، و"استغفرت اللهَ ذنبًا"، و"أمرت زيدًا الخيرَ". قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (٤)، فقولهم: "اخترت الرجالَ زيدًا"، أصله: "من الرجال"؛ لأنّ "اختار" فعل يتعدّى إلى مفعول واحد بغير حرف

стр. 1879

الجرّ، وإلى الثاني به. والمُقدَّم في الرتبة هو المنصوب بغير حرف جرّ، فإن قدّمت المجرور؛ فلضربٍ من العناية للبيان، والنيّةُ به التأخير. قال الشاعر [من البسيط]: أمرتُكَ الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به ... فقد تَرَكْتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ والمراد: "بالخير"، فحذف حرف الجرّ. وقال الآخر [من البسيط]: أسْتَغْفِرُ الله ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبادِ إليه الوَجْهُ في العَمَل (١) والمراد: "من ذنبٍ"، وهو في البيت الأوّل أسهل منه ها هنا؛ لأن "الخَيْر" مصدرٌ، والمصدر مقدّرٌ بـ "أنْ" والفعلِ، وحرفُ الجرّ يحذف كثيرًا مع "أنْ"، فساغ مع ما كان مقدّرًا به. وأمّا قوله [من الطويل]: ومِنّا الذي اخْتِيرَ الرجالَ سَماحةً ... وَجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازعُ (٢) فالبيت للفرزدق، والشاهد فيه حذف "مِنْ"، والمراد: "من الرجال"، فحُذف، وعُدّي الفعل بنفسه. وفي تقديم المفعول على المجرور بـ "مِنْ" دلالةٌ على أنّه مفعول ثان، وليس ببدلٍ، إذ البدل لا يسوغ تقديمه. يصف قومه بالجود والكرم عند اشتداد الزمان وهبوبِ الرياح، وهي الزعازع. وإنّما أراد زمن الشتاءِ؛ لأنه مَظِنَّةُ الجَدْب. وهذا الحذف، وإن كان ليس بقياس، لكن لا بدّ من قَبُوله؛ لأنّك إنما تنطق بلغتهم، وتَحْتَذِي في جميعِ ذلك أمثلتَهم، ولا تَقيس عليه، فلا تقول في "مررت بزيد": "مررت زيدًا"، على أنّه قد حكى ابن الأعرابيّ عنهم: "مررت زيدًا"، وهو شاذّ. ومن ذلك: "دخلت الدارَ"، فالمراد: "في الدار"؛ لأنه فعلٌ لازمٌ، وقد تقدّم الكلام عليه قبلُ. وقد كثُر حذفها مع "أن" الناصبة للفعل، و"أنَّ" المشدّدة الناصبةِ للاسم، نحوَ: "أنا راغبٌ في أنْ ألقاك"، ولو قلت: "أن ألقاك" من غير حرف جرّ؛ جاز. وكذلك تقول في المشدّدة: "أنا حريصٌ في أنّك تُحْسِنُ إليّ" ولو قلت: "أنّك تحسن إليّ" من غير حرف جرّ؛ جاز. ولو صرّحت بالمصدر، فقلت: "أنا راغبٌ في لِقائك، وحريصٌ في إحسانك إليّ"، لم يجز حذفُ حرف الجرّ، كما جاز مع "أنْ"، و"أنَّ"؛ لأنّ "أن" وما بعدها من الفعل، وما يتعلّق به، والاسم والخبر ومتعلّقاته بمعنى المصدر، فطال، فجوّزوا معه حذف حرف الجرّ تخفيفًا، كما حذفوا الضمير المنصوب من الصلة، نحوَ قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٣)، ولم يُجوِّزوا مع المصدر المحض، فاعرفه.

стр. 1880

فصل [إضمار حروف الجر] قال صاحب الكتاب: وتضمر قليلاً. ومما جاء من ذلك إضمار "رُبَّ" والباء في القسم, وفي قول رؤبة: "خيرٍ" إذا قيل له: "كيف أصبحت", واللام في "لاه أبوك". * * * قال الشارح: قد تقدّم القول على حروف الجرّ، وأنّها قد تحذف في اللفظ اختصارًا واستخفافًا إذا كان في اللفظ ما يدلّ عليها، فتجري لقوّة الدلالة عليها مجرى الثابت الملفوظ به، وتكون مرادة في المحذوف منه. وذلك لا يُبْنَى الاسم المحذوف منه، وهي في ذلك على ضربين: أحدهما: ما يحذفُ ثمّ يوصَل الفعل إلى الاسم، فينصبه كالظروف إذا قلت: "قمت اليومَ"، وأنت تريد: "في اليوم"، ونحوُ: "اخترتُ الرجالَ زيدًا"، و"استغفرت اللهَ ذنبي" ونظائره. والثاني: ما يحذف ولا يوصل الفعل، فيكون الحرف المحذوف كالمُثْبَت في اللفظ، فيجرّون به الاسم، كما يجرّون به وهو مثبتٌ ملفوظٌ به. وهو نظير حذف المضاف وتبقيةِ عمله، نحوِ: "ما كل سَوْداءَ تَمْرَةً ولا بَيْضاءَ شَحْمَةً" (١)، وكقوله [من المتقارب]: أكُلَّ أمرىءٍ تَحْسِبِينَ امْرَأً ... ونارٍ تَوَقدُ بالليل نارَا (٢) على إرادة "كلّ". ومن ذلك قول الآخر [من الخفيف]: رَسْمِ دارٍ وقفتُ في طَلَلِهْ ... كِدْتُ أقْضِي الحياةَ من جَلَلِهْ (٣) أراد: "رُبَّ رسم دار"، ثمّ حذف لكثرة استعمالها، ومن ذلك قوله [من الرجز]: ١٠٩٧ - وَبَلَد مالُه مُؤَزَّرٌ

стр. 1881

وقوله [من الرجز]: وبَلْدَةٍ ليس بها أنِيسُ ... إلَّا اليَعافِيرُ وإلا العِيسُ (١) كلّ ذلك مخفوض بإضمار "رُبَّ". وذلك أنّه لا يخلو الانجرارُ من أن يكون بالحرف الجارّ، أو بحرف العطف، إذ قد صار بدلًا منه، فلا يكون بحرف العطف؛ لأنه قد انجرّ حيث لا حرف عطف، وذلك فيما تقدّم، وفي قول الآخر [من الوافر]: فإمّا تعْرِضِنَّ أمَيْمَ عَنّي ... وَينْزَغُكِ الوُشاةُ أُولو النِّباط فَحُورٍ قد لَهَوْتُ بهنّ عِيْنٍ ... نَواعِمَ في المُروط وفي الرياطِ (٢) ألا ترى أن الفاء هنا ليست حرف عطف، وإنّما هي جواب الشرط، وإذا كانت الفاء جواب "إنِ" الشرطيّة؛ حصل الجرّ بإضمار الحرف لامحالةَ. ومن ذلك قولهم في القسم في الخبر لا الاستفهامِ في ما حكاه سيبويه (٣): "اللهِ لأقومنّ" يريد: بالله ثمّ حذف. وحكى أبو العبّاس أن رؤبة قيل له: "كيف أصبحتَ"؟ فقال. "خَيْرٍ عافاك اللهُ"، أي: بخيرٍ، فحذف الباء لوضوح المعنى. ومن ذلك ما ذهب إليه بعض متقدّمي البصريين في قوله : ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ (٤)، على تقديرِ "في"؛ لئلاّ يلزم منه العطف على عاملَيْن، وعليه حمل بعضُهم قراءةَ حَمْزةَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٥)، على تقديرِ: "وبالأرحام"؛ لأنّ العطف على المكنيّ المخفوض لا يسوغ إلَّا بإعادة الخافض، ومن ذلك قولهم: "لاهِ أبُوك"، يريدون: "للهِ أبوك"، قال الشاعر [من البسيط]: ١٠٩٨ - لاهِ ابنُ عَمك لا أفضَلت في حَسَبٍ ... عَنَّا ولا أنت ديَّانِي فَتَخزوني

стр. 1882

والمراد. "لله ابن عمّك"، و"عَنْ" هنا بمعنى "عَلى"، وتخزونى من قولهم: "حزَوْته"، أي: سُسْته، فاللامُ المحذوفة لامُ الجرّ، والباقية فاء الفعل، يدلّ على ذلك فتحُ اللام. ولو كانت الجارّة؛ لكانت مكسورة. وقد قالوا: "لَهْي أبوك"، فقلبوا العين إلى موضع اللام، وبُني على الفتح لتضمُّنه لامَ التعريف، كما بُنيت "آمِينَ" كذلك، يدلّك أن الثانية فاءُ الكلمة. وليست الجارّة فتحُها، وليس بعدها ألفٌ ولامٌ، ولامُ الجرّ مع الظاهر مكسورة في اللغة الفاشية المعمول بها.

стр. 1883

ومن أصناف الحرف الحروفُ المشبَهةُ بالفعل فصل [تعدادُها] قال صاحب الكتاب: وهي "إن", و"أن", و"لكن", و"كأن", و"ليت", و"لعل", وتلحقها "ما" الكافة, فتعزلها عن العمل, ويبتدأ بعدها الكلام. قال الله تعالى: ﴿إنما إلهكم إله واحد﴾ (١) , وقال: ﴿إنما ينهاكم الله﴾ (٢) , وقال ابن كراع [من الطويل]: ١٠٩٩ - تحلل وعالج ذات نفسك وانظرن ... أبا جعل لعلما أنت حالم

стр. 1884

وقال [من الطويل]: ١١٠٠ - أعد نظراً يا عبد قيس لعلما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا ومنهم من يجعل "ما" مزيدة, ويعملها, إلا أن الإعمال في "كأنما", و"لعلما", و"ليتما" أكثر منه في "إنما", و"أنما" و"لكنما". وروى بيت النابغة [من البسيط]: ١١٠١ - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... [إلي حمامتنا ونصفهُ فقد] على وجهين. * * *

стр. 1885

قال الشارح: قد تقدّم الكلام على هذه الحروف قبلُ مفصَّلًا، ونحن نُشِير إلى طَرَفٍ منه مُجْمَلًا، فنقول: هذه الحروف تنصب الاسم وترفع الخبر؛ لشَبَهها بالفعل. وذلك من وجهَين: أحدهما من جهة اللفظ، والآخر من جهة المعنى. فأمّا الذي من جهة اللفظ، فبناؤُها على الفتح كالأفعال الماضية. وأمّا الذي من جهة المعنى، فمن قبل أن هذه الحروف تطلب الأسماءَ وتختصّ بها، فهي تدخل على المبتدأ والخبر، فتنصب المبتدأ، وترفع الخبر؛ لِما ذكرناه من شَبَه الفعل، إذ كان الفعل يرفع الفاعل، وينصب المفعول. وشُبّهت مِنْ الأفعال بما تقدّم مفعوله على فاعله، فإذا قلت: "إنّ زيدًا قائمٌ"، كان بمنزلةِ "ضرب زيدًا عمرٌو". وقد تدخل "ما" على هذه الحروف، فتكفّها عن العمل، وتصير بدخول "ما" عليها حروفَ ابتداء، تقع الجملةُ الابتدائية والفعلية بعدها، ويزول عنها الاختصاص بالأسماء، ولذلك يبطل عملُها فيما بعدها. وذلك نحو قولك: "إنَّما"، و"أنَّما"، و"كَأنَّما"، و"لَيْتَما"، وَ"لَعَلَّما". فأمّا "إنَّما"، و"أنَّما"، فحكمُهما حكم "إنَّ"، و"أنَّ": تفتحها في الموضع الذي تفتح فيه "أنَّ"، وتكسرها في الموضع الذي تكسر فيه "إنَّ"، فتقول: "حَسِبْتُك إِنّما أنت عالمٌ". ولا تكون "إنّما" ها هنا إلَّا مكسورة؛ لأنه موضعُ جملةٍ. ولا تقع المفتوحة ها هنا؛ لأن المفتوحة مصدرٌ. والمفعولُ الثاني من مفعولَيْ هذه الأفعال ينبغي أن يكون هو الأوّلَ إذا كان مفردًا، وليس المصدر بالكاف في "حسبتك"، لأن الكاف ضمير المخاطب، و"أنَّمَا"، المفتوحةُ مصدرٌ، فهو غير المخاطب. ومن ذلك قول كُثَيِّرٍ [من الطويل]: ١١٠٢ - أرانى ولا كُفرانَ لله إنّما ... أُواخِي من الإخوانِ كُلَّ بَخِيلِ

стр. 1886

فـ "إنَّما" هنا لا تكون إلَّا المكسورة، لأنها في موضع المفعول الثاني، لـ"أرَى"، وهو فتح، "إنَّما" ها هنا، لم يستقم، لِما ذكرناه. وأمّا قوله تعالى في قراءةِ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، بفتحِ "أنَّمَا"، فضعيفةٌ ممتنعةٌ على قياس مذهب سيبويه، وقد أجازها الأخفش على البدل على حدّ قوله [من الطويل]: فما كان قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكَ واحدٍ (٢) فأمّا "إنَّما" المكسورة فتقديرها تقديرُ الجمل كما كانت "إنَّ" كذلك، و"ما"، كافّةٌ لها عن العمل، ويقع بعدها الجملة من المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل. وهي مكفوفةُ العمل على ما ذكرنا، ومعناها التقليل، فإذا قلت: "إنّما زيدٌ بَزّازٌ"؟ فأنت تُقلل أمره، وذلك أنك تسلبه ما يُدّعى عليه غيرَ البَزّ، ولذلك قال سيبويه (٣) في "إنَّما سرتُ حتى أدخلها": أنك تُقلِّل. وذلك أنّ "إنَّما" زادت "إنَّ" تأكيدًا على تأكيدها، فصار فيها معنى الحَصر، وهو إثبات الحكم للشيء المذكور دون غيره، فإنّ معنى "إنَّما اللهُ إلهٌ واحدٌ"، أي: ما الله إلَّا إله واحد، نحو: "لا إله إلا الله"، وكذلك ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ (٤)، أي: ما أنت إلَّا منذرٌ، ومن ها هنا قال أبو عليّ في قوله [من الطويل]: إنما يُدافِع عن أحسابهم أنا أو مِثْلِي (٥)

стр. 1887

والمراد: ما يدافع عن أحسابهم إلَّا أنا، فـ "أنَا" ههنا في محل رفع بأنّه فاعلُ "يدافع"، لا تأكيد الضمير في الفعل. ويجوز أن تجعل "ما" زائدةً مؤكّدةً على حدّ زيادتها في قوله لْعالى: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (١) و ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٢)، فلا يبطل عملها، فتقول: "إنما زيدًا قائمٌ"، كما تقول: "إنّ زيدًا قائمٌ". وأمّا المفتوحة فهي تُقدَّر تقديرَ المفردات، وهي مع ما بعدها في تأويل المصدر كما كانت "أنَّ" كذلك، فتفتحها في كلّ موضع يختصّ بالمفرد، نحوِ قوله تعالى: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣)، فتفتح "أنّما" ههنا، لأنَّها في موضعِ رفعِ ما لم يسمّ فاعله. ومن ذلك قول الشاعر [من الخفيف]: ١١٠٣ - أبْلِغِ الحَارِثَ بنَ ظَالِم المُو ... عِدَ والناذِرَ النُّذورَ عَلَيَّا أنمَا تَقْتُلُ النِّيامَ ولا تَقْتل ... يَقْظانَ ذا السِّلاحِ كَمِيَّا لا تكون "أنَّما" ههنا أيضًا إلَّا مفتوحة؛ لأنها في موضع المفعول الثاني لـ "أبْلِغْ"، فهي في موضع المصدر؛ لأن المراد: أبْلِغه هذا القولَ.

стр. 1888

والفرق بين "أنَّ"، و"أنَّما"، وإن كان كلّ واحد منهما مع ما بعده مصدرًا، أنّ "أنَّ" عاملةٌ فيما بعدها، و"أنَّمَا" غير عاملة، فقد كفّتْها "ما" عن العمل، وصار يليها كلُّ كلام بعد أن كان يليها كلامٌ مخصوصٌ. والفرق بين "إنَّما"، و"أنَّما"، أنّ "إنَّما" المكسورة إذا كُفّت بـ "ما"؛ كانت بمنزلةِ فعل مُلْغَى؛ لأنها بمنزلة الفعل. فإذا كُفّت بـ "ما"، لم يبق لها اسمٌ منصوبٌ، فصارت بمنزلة الفعل الملغى، نحوِ: "زيدٌ ظننتُ منطلقٌ"، و"أشهدُ لَزيدٌ قائمٌ". و"أنَّما" المفتوحةُ، إذا كُفّت، كانت بمنزلة الاسم. ويجوز أن تكون "ما" زائدةً مؤكّدةً، فتنصب ما بعدها على ما ذكرناه في "إنَّما" المكسورة، وكذلك سائر الحروف، نحوُ: "لَكِنَّما"، و"كَأنَّما"، و"لَيْتَما"، وَ"لَعَلَّما"، تقول: "لكنّما زيدٌ قائمٌ". قال الشاعر [من الطويل]: ولكنّما أهْلِي بوادٍ أنِيسُه ... ذِئابٌ تَبغَّى الناسَ مَثْنَى ومَوْحَدُ (١) وأولاها المبتدأ والخبرَ حين كفّها عن العمل، وإن شئت؛ قلت: "لكنّما قال زيدٌ"، فيليها الفعلُ والفاعلُ. قال امرؤ القيس [من الطويل]: ولكنّما أسْعَى لمَجْدٍ مُؤَثلِ ... [وقد يُدْرِكْ المَجْدَ المؤثَّل أَمْثَالِي] (٢) وكذلك "كأنّما". قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ (٣). وكذلك "لَعَلَّ". تقول: "لَعَلَّمَا زيدٌ قائمٌ"، وإن شئت: "لعلّما قائمٌ زيدٌ". وأنشد [من الطويل]: أعِدْ نَظَرًا يا عبدَ قَيْسٍ لَعَلَّمَا ... إلخ (٤) البيت للفرزدق، والشاهد فيه قوله: "لعلّما أضاءت". لمّا كفّها بـ "ما" عن العمل؛ أولاها الفعلَ الذي لم يلها قبلُ. ولا تكون "ما" ههنا بمعنى "الَّذِي"؛ لأن القوافي منصوبة. ولا يجوز أن تكون "لعلّ" بمعنى الشأن، وتكون "ما" نافيةُ، و"الحمار" اسمها، و"أضاءت" الخبر؛ لأنّ "ما" لا يتقدّم خبرُها على اسمها. والمعنى أنهم أهل ذِلَّةٍ وضُعْفٍ، لا يأمَنون من يطرُقهم ليلًا، فلذلك قيّدوا حمارهم، وأطفؤوا نارهم. وعكسُ هذا المعنى قول الآخر [من الطويل]: ١١٠٤ - وكلُّ أُناسٍ قارَبُوا قَيَدَ فَحْلِهم ... ونحنُ خَلَعْنا قَيْدَه فَهْوَ سارِبُ

стр. 1889

وأمّا البيت الآخر الذي أنشده، وهو [من الطويل]: تحلّلْ وعالجْ (١) ... إلخ فهو لسُوَيْد بن كُراع العُكْلّى، والشاهد فيه قوله: "لعلّما أنت حالِمُ"، فإنه أولى "لعلّما" المبتدأ والخبرَ، ولم يُعْمِلها فيهما لزوال الاختصاص، وجعلها من حروف الابتداء، كأنّه يَهْزَأ برجل أوعده، ويُهدِّده، أي. إنّك كالحالم في وعيدك ويمينك في مَضرّتي. قال: تَحَلَّلْ، أَي: استثنِ، وعالِجْ ذاتَ نفسك من ذهاب عقلك بتعاطيك ما ليس في وِسْعك. ومن ذلك: "لَيْتَمَا" الإلغاءُ فيها حسنٌ، والإعمال أحسنُ لقوّة معنى الفعل فيها، وعدمِ تغيُّر معناها. ألا ترى أن الاستدراك والتشبيه والتمنّي والترجّي على حاله في "لكنّما"، و"كأنّما"، و"لَيْتَمَا"، و"لعلّما"، ولم يتغيّر كما يتغيّر في "إنّما"، فأمّا قوله [من البسيط]: قالت ألَا ليتما هذا الحَمامُ لنا ... إلى حمامتنا ونِصفُه فَقَدِ (٢) البيت للنابغة الذُّبْيانيّ، والشاهد فيه قوله: "ألا ليتما هذا الحمام لنا"، وأنّه قد رُوي على وجهين: بالنصب والرفع. فالنصبُ من وجهين: أحدهما: على إعمالِ "ليت" على

стр. 1890

ما وصفنا لبقاء معناها. والآخر: أن تكون "ما" زائدة مؤكّدة على ما ذكرناه. وقد كان رُؤْيَةُ ينشده مرفوعًا. ورفعُه من وجهين أحدهما أن تكون "ما" موصولة بمعنى "الّذِي"، وما بعدها صلةٌ، والتقديرُ: ألا ليت الذي هو الحمامُ، على حد: "ما أنا بالذي قائل لك شيئًا". والآخر على إلغاء "ليت"، وكفّها عن العمل. يصف زَرْقاءَ اليمامةِ بحدّة البَصَر، وأنّها رأت حمامًا طائرًا، فأحصت عدّتَها في حال طَيَرانها. فصل [معني "إنّ" و"أن" والفرق بينهما] قال صاحب الكتاب: "إن", و"أن", هما تؤكدان مضمون الجملة, وتحققانه, إلا أن المكسورة الجملة معها على استقلالها بفائدتها، والمفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد, تقول: "إن زيداً منطلقٌ" وتسكت, كما سكت على "زيدٌ منطلقٌ"، وتقول: "بلغني أن زيداً منطلقٌ"، و"حقٌ أن زيداً منطلقٌ"، فلا تجد بداً من هذا الضميم كما لا تجده مع الإنطلاق ونحوه. وتعاملها معاملة المصدر حيث توقعها فاعلة ومفعولة ومضافاً إليها في قولك: "بلغني أن زيداً منطلقٌ"، و"سمعت أن عمراً خارجٌ", و"عجبت من طول أن بكرًا واقفٌ". ولا تصدر بها الجملة كما تصدر بأختها, بل إذا وقعت في موقع المبتدأ التزم تقديم الخبر عليها, فلا يقال: "أن زيداً قائم حق". * * * قال الشارح: يشير في هذا الفصل إلى فائدةِ "إنَّ" و"أنَّ"، وطَرَفٍ من الفرق بينهما. فأمّا فائدتهما، فالتأكيدُ لمضمون الجملة، فإنّ قول القائل: "إنّ زيدًا قائمٌ" ناب منابَ تكرير الجملة مرتَيْن، إلَّا أن قولك: "إن زيدًا قائمٌ" أوْجَزُ من قولك: "زيدٌ قائمٌ زيدُ قائمٌ"، مع حصول الغرض من التأكيد. فإن أدخلتَ اللام، وقلت: "إنّ زيدًا لَقائمٌ"، ازداد معنى التأكيد، وكأنّه بمنزلة تكرار اللفظ ثلاثَ مرّات. وكذلك "أنَّ" المفتوحة تفيد معنى التأكيد كالمكسورة، إلَّا أن المكسورة الجملة معها على استقلالها بفائدتها، ولذلك يحسن السكوت عليها؛ لأن الجملة عبارةٌ عن كلّ كلام تامّ قائم بنفسه مفيدٍ لمعناه، فلا فرق بين قولك: "إنّ زيدًا قائمٌ"، وبين قولك: "زيدٌ قائمٌ" إلَّا معنى التأكيد. ويؤيّد عندك أن الجملة بعد دخول "إنَّ" عليها على استقلالهما بفائدتها، أنّها تقع في الصلة كما كانت كذلك قبلُ، نحوَ قولك: "جاءني الذي إنّه عالمٌ". قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (١)، وليست "أنَّ" المفتوحةُ كذلك، بل تقلب معنى الجملة إلى الإفراد، وتصير في مذهب المصدر المؤكَّد.

стр. 1891

ولولا إرادة التأكيد؛ لكان المصدر أحقَّ بالموضع، وكنت تقول مكان "بَلَغَني أن زيدًا قائمٌ": "بلغني قيامِ زيد". والذي يدلّك على أنّ "أنَّ" المفتوحة في معنى المصدر، وأنّها تقع موقع المفردات، أنّها تفتقر في انعقادها جملةً إلى شيء يكون معها، ويُضَمّ إليها؛ لأنها مع ما بعدها من منصوبها ومرفوعها بمنزلة الاسم الموصول، فلا يكون كلامًا مع الصلة إلَّا بشيء آخر من خبرٍ يأتي به، أو نحوِ ذلك. فكذلك "أنَّ" المفتوحة, لأنها في مذهب الموصول، إلَّا أنها نفسها ليست اسمًا كما كانت "الّذِي" كذلك. ألا ترى أنها لا تفتقر في صلتها إلى عائدٍ كما تفتقر في الأسماء الموصولات إلى ذلك؟ وإذا ثبت أنها في مذهب المفرد، فهي تقع فاعلة ومفعولة ومبتدأةً، ومجرورة. مثالُ كونها فاعلةً قولك: "بلغني أنّ زيدًا قائمٌ"، فموضعُ "أنَّ" وما بعدها رفعّ بأنّه فاعلٌ، كأنّك قلت: "بلغني قيامُ زيد". ومثالُ كونها مفعولة قولك: "كرهتُ أنّك خارجٌ"، أي: خروجَك. ومثال كونها مبتدأة قولك: "عندي أنّك خارجٌ"، أي: عندي خروجُك، كما تقول: "عندي غلامُك". وتقول في المجرورة "عجبت مِن أنّك قادمٌ"، أي: من قدومك، فلذلك قال: "تعاملها معاملة المصدر حيث تُوقِعها فاعلةً ومفعولةً ومضافًا إليها". وقوله: "لا تُصدَّر بها الجملة"، يريد أنها إذا وقعت مبتدأةً، فلا بد من تقديم الخبر عليها. ولا تُصدّر بالمبتدأة على قاعدة المبتدآت، فلا تقول: "أنّك منطلقٌ عندي"، وكذلك لو كانت مفعولة، فإنّك لا تُقدّمها، تقول: "أنّك منطلقٌ عرفتُ"، تريد: عرفت أنّك منطلقٌ، وإن كان يجوز "انطلاقَك عرفتُ". وإنّما لم تصدّر بها الجملة لأمرَيْن: أحدهما: لأن "إنَّ" المكسورة و"أنَّ" المفتوحة مجراهما في التأكيد واحدٌ، إلَّا أن المفتوحة تكون عاملة ومعمولًا فيها، فأُخّرت للإيذان بتعلُّقها بما قبلها، ومُفارَقتِها المكسورةَ التي هي عاملةٌ غيرُ معمول فيها. وجوّزوا تقديم المكسورة؛ لأنها تتنزّل عندهم منزلةَ الفعل الملغى، نحوِ: "أشهدُ لَزيدٌ قائمٌ"، و"أعلمُ لَمحمّدٌ منطلقٌ". والأمر الآخر: أنها إذا تقدّمت؛ كانت مبتدأةً، والمبتدأ مُعَرَّضُ لدخولِ "إنَّ" عليه، وكان يلزم أن تقول: "إنَّ أنَّ زيدًا قائمٌ بلغني"، فتجمع بين حرفَيْن مؤكِّدَيْن. وإذا كانوا منعوا من الجمع بين اللام و"إنَّ" لكونهما بمعنى واحد، وإن اختلف لفظُهما؛ فأن يمنعوا الجمعَ بين "إنَّ"، و"أنَّ"، وهما بلفظ واحد، كان ذلك أولى. فصل [مواضع كسر همزة "إن" ومواضع فتحها] قال صاحب الكتاب: والذي يميز بين موقعيهما "أن" ما كان مظنة للجملة؛ وقعت فيه المكسورة, كقولك مفتتحاً: "إن زيداً منطلقٌ"، وبعد "قال", لأن الجمل تحكى بعده،

стр. 1892

وبعد الموصول, لأن الصلة لا تكون إلا جملة. وما كان مظنة للمفرد وقعت فيه المفتوحة نحو مكان الفاعل، والمجرور، وما بعد "لولا"؛ لأن المفرد ملتزم فيه في الاستعمال، وما بعد "لو"؛ لأن تقدير "لو أنك منطلق لانطلقت": "لو وقع أنك منطلقٌ", أي: لو وقع انطلاقك، وكذلك "ظننت أنك ذاهبٌ" على حذف ثاني المفعولين, والأصل: ظننت ذهابك حاصلاً. * * * قال الشارح: لما كان معنى "إنَّ" المكسورة مخالِفًا لمعنَى "أنَّ" المفتوحة، إذ كانت المفتوحة تؤدّي معنى الاسم، والمكسورة لا تؤدّي ذلك، وكانت عواملُ الأسماء تعمل في موضع المفتوحة، إذ كانت في تأويل الاسم، ولا تعمل في موضع المكسورة, لأنها في تأويل الجملة، وكان الخَطَأُ يكثر في وقوع كلّ واحد منهما موضع الآخر؛ لم يكن بدٌّ من ضابط يُميِّز موضعَ كلّ واحد منهما، فقال: ما كان مظنّة للجملة وقعتْ فيه المكسورة. وذلك بأن يتعاقب في الموضع الابتداءُ والفعلُ، فإن وقعت في موضع لا يكون فيه إلَّا أحدُهما؛ كانت المفتوحة، ولم يجز أن تقع فيه المكسورة؛ لأن المكسورة لا يعمل فيها عاملٌ، ولا تكون إلَّا مبتدأة. ومتى تَعاقب على الموضع الاسمُ والفعلُ؛ لم يكن معمولًا لعاملٍ, لأن العامل ينبغي أن يكون له اختصاصٌ بالمعمول. فإذا اختصّ المكانُ بأحد القبيلَيْن؛ كان مبنيًا على ما قبله، وكان معمولًا له، أو في حكم المعمول، فلذلك يجب أن تكون المفتوحة؛ لأنها معمولةٌ لما قبلها، إذ كانت في حكم المصدر. فإذا وقعت "أنَّ" بعد "لولا"؛ كانت المفتوحة من نحو قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (١). وذلك أن الموضع، وإن كان جملة من حيث كان مبتدأ وخبرًا، فإن الخبر، لمّا لم يظهر عند سيبويه، صار كأنّ الموضع للمفرد من جهة اللفظ والاستعمال، وإن كان في الحكم والتقدير جملةً, لأنّ "أنَّ" واسمها وخبرها اسم مبتدأٌ، والخبر محذوفٌ، كما كان الاسم بعد "لَوْلا" من نحوِ: "لولا زيدٌ لأتيتُك"، والمراد: لولا زيدٌ عندك أو نحوُ ذلك لأتيتُك؛ وأمّا على مذهبِ من يرى أنه مرفوعٌ بتقدير فعلٍ، فالأمرُ ظاهرٌ من حيث كان مفردًا معمولًا. وأما إذا وقعت بعد "لَوْ"، فتكون مفتوحة أيضًا، نحوَ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣)، فعلى مذهب أبي العبّاس محمّد بن يزيد، فإنها فاعلةٌ في موضعٍ مرفوع بفعل محذوف. فإذا قال: "لو أنّ زيدًا جاء لأكرمتُه"، فتقديره: "لو وقع مجيءُ زيد، لأكرمتُه". وهو رأي صاحب هذا الكتاب, لأن الموضع

стр. 1893

للفعل، فإذا وقع فيه اسمٌ أو ما هو في حكم الاسم؛ كان على إضمار فعل وتقديرِه. وكان السيرافيّ يقول: لا حاجة هنا إلى تقدير فعل، ويجعلها مبتدأ، وقد نابت عن الفعل، إذ كان خبرها فعلًا، وأجاز: "لو أنّ زيدًا جاءني"، ومنع "لو أنّ زيدًا جاءٍ". وكذلك إذا وقعت بعد "ظننتُ" تكون مفتوحة؛ لأنها في موضع المفعول، فسيبويه يقول (١): إنّ "أنَّ" واسمها وخبرها سدّت مسدَّ مفعولَيْ "ظننتُ". والأخفش يقول: إنَّ "أنَّ" وما بعدها في موضع المفعول الأوّل، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، فإذا قلت: "ظننتُ أنك قائمٌ"، فالتقديرُ: ظننتُ انطلاقَك كائنًا أو حاضرًا. فصل [مواضع جواز فتح همزة "إنّ" وكسرها] قال صاحب الكتاب: ومن المواضع ما يحتمل المفرد والجملة فيجوز فيه إيقاع أيتهما شئت نحو قولك "أول ما أقول أني أحمد الله". إن جعلتها خبراً للمبتدأ, فتحت، كأنك قلت: "أول مقولي حمد الله", وإن قدرت الخبر محذوفاً كسرت حاكياً ومنه قوله [من الطويل]: وكنت أرى زيداً كما قيل سيداً ... إذا إنه عبد القفا واللهازم (٢) تكسر لتوفر على ما بعد "إذا" ما يقتضيه من الجملة، وتفتح على تأويل حذف الخبر، أي فإذا العبودية حاصلة و"حاصلة" محذوفة. * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إنَّ كلّ موضع يتعاقب فيه الاسم والفعل تكون "إنَّ" فيه مكسورة، وكلّ موضع يختصّ بأحدهما تكون مفتوحة، فإذا ساغ في موضع المكسورةُ والمفتوحةُ، كان ذلك على تأويلَيْن مختلفَين. فمن ذلك قولك: "أوَّلُ ما أقولُ: أإنِّى أحمدُ اللهَ"، إنَّ شئت فتحتَ ألفَ "أنّي" وإن شئت كسرتَ. فإن فتحتَ؛ كان الكلّام تامًا غير مفتقر إلى تقديرِ محذوفِ، فالكلّام مبتدأٌ وخبرٌ، فالمبتدأ "أوّل" وما بعده إلى "أقول" من تمامه. وهو حَدَثٌ؛ لأن "أفْعَلَ" بعضُ ما يُضاف إليه، وقد أُضيف إلى المصدر، فكان في حكم المصدر، و"أنَّ" المفتوحه واسمها وخبرها في حكم الحدث، إذ هي واسمها وخبرها في تأويلِ مصدر من لفظ خبرها مضافٍ إلى اسمها، فكأنّك قلت: "أوَّلُ قولى: الحمدُ لله". وإذا كسرت، كان الخبر محذوفًا، ويكون "أوّل" مبتدأ، وما بعده إلى قوله: "اللهَ"

стр. 1894

من تمامه؛ لأن قوله: "إنّي أحمدُ اللهَ" جملةٌ محكيّةٌ بالقول، فهي في موضعِ نصب به، فيكون من تمام الكلام الأوّل، والخبرُ محذوف، والتقدير: "أوَّلُ قولي كذا ثابتٌ، أو حاضرٌ". والقول يعني المقُول، والمراد: أوّلُ مَقالي. ومن ذلك: "مررت به فإأذَا أنَّه عبدٌ" بالفتح والكسر. فإذا فتحت، أردت المصدر، كأنّك قلت: "فإذا العبوديّةُ واللُّؤْمُ"، كأنّه رأى نَوَى العبد. وإذا كسر، كان قد رآه نفسَه عبدًا، ويكون بمعنى الجملة، كأنّه قال: فإذا هو عبدٌ. قال الشاعر [من الطويل]: وكنت أرى زيدًا ... إلخ روى هذا البيت سيبويه (١) بالفتح والكسر على ما تقدّم، فالكسرُ على نيّة الجملة من المبتدأ والخبر، لأنّ "إذا" هذه يقع بعدها المبتدأ والخبر، والتقدير: فإذا هو عبدُ القفا. فإن قيل: فقد قرّرتم أنّ "إنَّ" إنما تُكْسَر في كلّ موضع يتعاقب فيه الاسم والفعل، وههنا لا يقع الفعل، إنما يقع الاسم المبتدأ لا غير؛ قيل "إذا" ظرفُ مكان في الأصل دخله معنى المفاجأة، فالدليلُ يقتضي إضافتها إلى الجملة من المبتدأ والخبر، أو من الفعل والفاعل، كما كانت "حَيْثُ" كذلك، إلَّا إنه لمّا دخلها معنى المفاجأة؛ مُنعت من وقوع الفعل بعدها، وذلك أمرٌ عارضٌ. فإذا وقعت "أنَّ"، كانت المكسورة عملًا بالأصل. وأمّا الفتح في "أنَّ" بعد "إذا" في اليت، فعلى تأويل المصدر المبتدأ، والخبرُ عنه "إذا"، كما تقول: "أمّا في القِتال فتِلْقائي العبوديّةُ". ويجوز أن يكون في موضع المبتدأ، والخبرُ محذوفٌ، والتقدير: فإذا العبوديّة شأنُه. ويكون "إذَا" حرفا دالا على معنى المفاجأة. وإذا كانت كذلك؛ لم تكن خبرًا. ومعنى قوله: "عبد القفا واللهازم" يعني: إذا نظرت إلى قفاه ولهازمه؛ تَبيّنتَ عبوديّته ولؤمَه؛ لأنهما عُضْوان يصونهما الأحرارُ، ويبذُلهما العبيدُ والأرذالُ، فهما موضع الضَّفْع واللَّكْز. واللِّهْزِمَةُ: مَضِيغَةٌ في أصل الحَنَك الأسفل. وقوله: "تكسر لتُوفّر على ما بعد "إذا" ما يقتضيه من الجملة". يريد أنّ "إذا" المكانيّة تكون على ضربين: أحدهما: أن تكون ظرفًا مبهمًا كـ "حَيْثُ"، إلَّا أنّ "حَيْثُ" يقع بعدها الجملة من المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، وهذه لا يقع بعدها إلَّا المبتدأ والخبر لمكان المفاجأة، إذ لا تصحّ مفاجأةُ الأفعال. والثاني: أن تكون حرف ابتداء معناه المفاجأة، فيقع بعدها أيضًا المبتدأ والخبر.

стр. 1895

فعلى هذا إذا كسرت "إنَّ" بعدها فقد وفّرتَ عليها ما تقتضيه من الجملة، وإذا فتحت "أنَّ" كانت مفردة في موضع رفع بالابتداء، والخبرُ محذوف على ما ذكرنا. وقد يجعلها بعضُهم بمعنى الحضرة والمكان، فلا تقتضي جملةً، فإذا وقع بعدها مفردٌ كان مبتدأ، وكانت "إذا" الخبر، نحوَ: "خرجتُ فإذا زيدٌ"، أي: "بحَضْرتي زيدٌ". فإذا وقع بعدها الجملة؛ كانت "إذا" من متعلّقات الخبر، نحوَ: "خرجت فإذا زيدٌ قائمٌ"، أي: "بحَضْرتي زيدٌ قائم"، فالظرفُ يتعلّق بـ "قائم"، فاعرفه. فصل [حكم همزة "إنّ" بعد "حتي "] قال صاحب الكتاب: وتكسرها بعد "حتى" التي يبتدأ بعدها الكلام, فتقول: "قد قال القوم ذلك حتى إن زيداً يقوله", وإن كانت العاطفة, أو الجارة, فتحت, فقلت: "قد عرفت أمورك حتى أنك صالحٌ". * * * قال الشارح: "حَتَّى" تكون على ثلاثة أضرب: تكون جارّةً بمعنى الغاية، نحوَ قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١). وتكون عاطفة بمعنى الواو، نحو قولك: "قام القومُ حتى زيدٌ"، أي: و"زيدٌ"، ويكون إعرابُ ما بعدها كإعرابِ ما قبلها. وتكون حرف ابتداء يُستأنف بعدها الكلامُ، فتقع بعدها الجملة من المبتدأ والخَبر والفعلِ والفاعل، نحوُ قوله [من الطويل]: فَيَا عَجَبًا حتّى كُلَيْبٌ تَسُبُّني ... كأنّ أباها نَهْشَلٌ أو مُجاشِعُ (٢) فأولاها الجملةَ من المبتدأ والخبر، وتقول: "مَرِضَ حتى لا يَرْجُونه"، فتدخل على الفعل، فإن وقعت "أنَّ" بعد "حَتَّى"، فإن كانت الجارّة، أو العاطفة؛ لم تكن إلَّا المفتوحة، نحوَ ما مَثَّلَه من قوله: "عرفتُ أُمورَك حتى أنّك صالحٌ"، أي: "حتى صلاحَك"؛ لأن "حتى" في العطف لا يكون ما بعدها إلَّا من جنس ما قبلها، والصلاحُ من جملة الأُمور، وتقول في الجارّة: "عجبتُ من أحوالك حتى أنّك تُفاخِرني"، أي: "حتى المفاخرةِ"، أي: إلى هذه الحال. وإن وقعتْ بعد التي للابتداء، لم تكن إلَّا مكسورةً, لأنه موضعٌ تَعاقب عليه الاسم والفعل على ما ذكرنا، فهو موضع جملة، فاعرفه.
следующие страницы →