ولولا إرادة التأكيد؛ لكان المصدر أحقَّ بالموضع، وكنت تقول مكان "بَلَغَني أن زيدًا قائمٌ": "بلغني قيامِ زيد".
والذي يدلّك على أنّ "أنَّ" المفتوحة في معنى المصدر، وأنّها تقع موقع المفردات، أنّها تفتقر في انعقادها جملةً إلى شيء يكون معها، ويُضَمّ إليها؛ لأنها مع ما بعدها من منصوبها ومرفوعها بمنزلة الاسم الموصول، فلا يكون كلامًا مع الصلة إلَّا بشيء آخر من خبرٍ يأتي به، أو نحوِ ذلك. فكذلك "أنَّ" المفتوحة, لأنها في مذهب الموصول، إلَّا أنها نفسها ليست اسمًا كما كانت "الّذِي" كذلك. ألا ترى أنها لا تفتقر في صلتها إلى عائدٍ كما تفتقر في الأسماء الموصولات إلى ذلك؟
وإذا ثبت أنها في مذهب المفرد، فهي تقع فاعلة ومفعولة ومبتدأةً، ومجرورة. مثالُ كونها فاعلةً قولك: "بلغني أنّ زيدًا قائمٌ"، فموضعُ "أنَّ" وما بعدها رفعّ بأنّه فاعلٌ، كأنّك قلت: "بلغني قيامُ زيد". ومثالُ كونها مفعولة قولك: "كرهتُ أنّك خارجٌ"، أي: خروجَك. ومثال كونها مبتدأة قولك: "عندي أنّك خارجٌ"، أي: عندي خروجُك، كما تقول: "عندي غلامُك". وتقول في المجرورة "عجبت مِن أنّك قادمٌ"، أي: من قدومك، فلذلك قال: "تعاملها معاملة المصدر حيث تُوقِعها فاعلةً ومفعولةً ومضافًا إليها".
وقوله: "لا تُصدَّر بها الجملة"، يريد أنها إذا وقعت مبتدأةً، فلا بد من تقديم الخبر عليها. ولا تُصدّر بالمبتدأة على قاعدة المبتدآت، فلا تقول: "أنّك منطلقٌ عندي"، وكذلك لو كانت مفعولة، فإنّك لا تُقدّمها، تقول: "أنّك منطلقٌ عرفتُ"، تريد: عرفت أنّك منطلقٌ، وإن كان يجوز "انطلاقَك عرفتُ". وإنّما لم تصدّر بها الجملة لأمرَيْن:
أحدهما: لأن "إنَّ" المكسورة و"أنَّ" المفتوحة مجراهما في التأكيد واحدٌ، إلَّا أن المفتوحة تكون عاملة ومعمولًا فيها، فأُخّرت للإيذان بتعلُّقها بما قبلها، ومُفارَقتِها المكسورةَ التي هي عاملةٌ غيرُ معمول فيها. وجوّزوا تقديم المكسورة؛ لأنها تتنزّل عندهم منزلةَ الفعل الملغى، نحوِ: "أشهدُ لَزيدٌ قائمٌ"، و"أعلمُ لَمحمّدٌ منطلقٌ".
والأمر الآخر: أنها إذا تقدّمت؛ كانت مبتدأةً، والمبتدأ مُعَرَّضُ لدخولِ "إنَّ" عليه، وكان يلزم أن تقول: "إنَّ أنَّ زيدًا قائمٌ بلغني"، فتجمع بين حرفَيْن مؤكِّدَيْن. وإذا كانوا منعوا من الجمع بين اللام و"إنَّ" لكونهما بمعنى واحد، وإن اختلف لفظُهما؛ فأن يمنعوا الجمعَ بين "إنَّ"، و"أنَّ"، وهما بلفظ واحد، كان ذلك أولى.
فصل [مواضع كسر همزة "إن" ومواضع فتحها]
قال صاحب الكتاب: والذي يميز بين موقعيهما "أن" ما كان مظنة للجملة؛ وقعت فيه المكسورة, كقولك مفتتحاً: "إن زيداً منطلقٌ"، وبعد "قال", لأن الجمل تحكى بعده،
стр. 1892
وبعد الموصول, لأن الصلة لا تكون إلا جملة. وما كان مظنة للمفرد وقعت فيه المفتوحة نحو مكان الفاعل، والمجرور، وما بعد "لولا"؛ لأن المفرد ملتزم فيه في الاستعمال، وما بعد "لو"؛ لأن تقدير "لو أنك منطلق لانطلقت": "لو وقع أنك منطلقٌ", أي: لو وقع انطلاقك، وكذلك "ظننت أنك ذاهبٌ" على حذف ثاني المفعولين, والأصل: ظننت ذهابك حاصلاً.
* * *
قال الشارح: لما كان معنى "إنَّ" المكسورة مخالِفًا لمعنَى "أنَّ" المفتوحة، إذ كانت المفتوحة تؤدّي معنى الاسم، والمكسورة لا تؤدّي ذلك، وكانت عواملُ الأسماء تعمل في موضع المفتوحة، إذ كانت في تأويل الاسم، ولا تعمل في موضع المكسورة, لأنها في تأويل الجملة، وكان الخَطَأُ يكثر في وقوع كلّ واحد منهما موضع الآخر؛ لم يكن بدٌّ من ضابط يُميِّز موضعَ كلّ واحد منهما، فقال: ما كان مظنّة للجملة وقعتْ فيه المكسورة. وذلك بأن يتعاقب في الموضع الابتداءُ والفعلُ، فإن وقعت في موضع لا يكون فيه إلَّا أحدُهما؛ كانت المفتوحة، ولم يجز أن تقع فيه المكسورة؛ لأن المكسورة لا يعمل فيها عاملٌ، ولا تكون إلَّا مبتدأة. ومتى تَعاقب على الموضع الاسمُ والفعلُ؛ لم يكن معمولًا لعاملٍ, لأن العامل ينبغي أن يكون له اختصاصٌ بالمعمول. فإذا اختصّ المكانُ بأحد القبيلَيْن؛ كان مبنيًا على ما قبله، وكان معمولًا له، أو في حكم المعمول، فلذلك يجب أن تكون المفتوحة؛ لأنها معمولةٌ لما قبلها، إذ كانت في حكم المصدر.
فإذا وقعت "أنَّ" بعد "لولا"؛ كانت المفتوحة من نحو قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (١). وذلك أن الموضع، وإن كان جملة من حيث كان مبتدأ وخبرًا، فإن الخبر، لمّا لم يظهر عند سيبويه، صار كأنّ الموضع للمفرد من جهة اللفظ والاستعمال، وإن كان في الحكم والتقدير جملةً, لأنّ "أنَّ" واسمها وخبرها اسم مبتدأٌ، والخبر محذوفٌ، كما كان الاسم بعد "لَوْلا" من نحوِ: "لولا زيدٌ لأتيتُك"، والمراد: لولا زيدٌ عندك أو نحوُ ذلك لأتيتُك؛ وأمّا على مذهبِ من يرى أنه مرفوعٌ بتقدير فعلٍ، فالأمرُ ظاهرٌ من حيث كان مفردًا معمولًا.
وأما إذا وقعت بعد "لَوْ"، فتكون مفتوحة أيضًا، نحوَ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣)، فعلى مذهب أبي العبّاس محمّد بن يزيد، فإنها فاعلةٌ في موضعٍ مرفوع بفعل محذوف. فإذا قال: "لو أنّ زيدًا جاء لأكرمتُه"، فتقديره: "لو وقع مجيءُ زيد، لأكرمتُه". وهو رأي صاحب هذا الكتاب, لأن الموضع
стр. 1893
للفعل، فإذا وقع فيه اسمٌ أو ما هو في حكم الاسم؛ كان على إضمار فعل وتقديرِه. وكان السيرافيّ يقول: لا حاجة هنا إلى تقدير فعل، ويجعلها مبتدأ، وقد نابت عن الفعل، إذ كان خبرها فعلًا، وأجاز: "لو أنّ زيدًا جاءني"، ومنع "لو أنّ زيدًا جاءٍ".
وكذلك إذا وقعت بعد "ظننتُ" تكون مفتوحة؛ لأنها في موضع المفعول، فسيبويه يقول (١): إنّ "أنَّ" واسمها وخبرها سدّت مسدَّ مفعولَيْ "ظننتُ". والأخفش يقول: إنَّ "أنَّ" وما بعدها في موضع المفعول الأوّل، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، فإذا قلت: "ظننتُ أنك قائمٌ"، فالتقديرُ: ظننتُ انطلاقَك كائنًا أو حاضرًا.
فصل [مواضع جواز فتح همزة "إنّ" وكسرها]
قال صاحب الكتاب: ومن المواضع ما يحتمل المفرد والجملة فيجوز فيه إيقاع أيتهما شئت نحو قولك "أول ما أقول أني أحمد الله". إن جعلتها خبراً للمبتدأ, فتحت، كأنك قلت: "أول مقولي حمد الله", وإن قدرت الخبر محذوفاً كسرت حاكياً ومنه قوله [من الطويل]:
وكنت أرى زيداً كما قيل سيداً ... إذا إنه عبد القفا واللهازم (٢)
تكسر لتوفر على ما بعد "إذا" ما يقتضيه من الجملة، وتفتح على تأويل حذف الخبر، أي فإذا العبودية حاصلة و"حاصلة" محذوفة.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إنَّ كلّ موضع يتعاقب فيه الاسم والفعل تكون "إنَّ" فيه مكسورة، وكلّ موضع يختصّ بأحدهما تكون مفتوحة، فإذا ساغ في موضع المكسورةُ والمفتوحةُ، كان ذلك على تأويلَيْن مختلفَين.
فمن ذلك قولك: "أوَّلُ ما أقولُ: أإنِّى أحمدُ اللهَ"، إنَّ شئت فتحتَ ألفَ "أنّي" وإن شئت كسرتَ. فإن فتحتَ؛ كان الكلّام تامًا غير مفتقر إلى تقديرِ محذوفِ، فالكلّام مبتدأٌ وخبرٌ، فالمبتدأ "أوّل" وما بعده إلى "أقول" من تمامه. وهو حَدَثٌ؛ لأن "أفْعَلَ" بعضُ ما يُضاف إليه، وقد أُضيف إلى المصدر، فكان في حكم المصدر، و"أنَّ" المفتوحه واسمها وخبرها في حكم الحدث، إذ هي واسمها وخبرها في تأويلِ مصدر من لفظ خبرها مضافٍ إلى اسمها، فكأنّك قلت: "أوَّلُ قولى: الحمدُ لله".
وإذا كسرت، كان الخبر محذوفًا، ويكون "أوّل" مبتدأ، وما بعده إلى قوله: "اللهَ"
стр. 1894
من تمامه؛ لأن قوله: "إنّي أحمدُ اللهَ" جملةٌ محكيّةٌ بالقول، فهي في موضعِ نصب به، فيكون من تمام الكلام الأوّل، والخبرُ محذوف، والتقدير: "أوَّلُ قولي كذا ثابتٌ، أو حاضرٌ". والقول يعني المقُول، والمراد: أوّلُ مَقالي.
ومن ذلك: "مررت به فإأذَا أنَّه عبدٌ" بالفتح والكسر. فإذا فتحت، أردت المصدر، كأنّك قلت: "فإذا العبوديّةُ واللُّؤْمُ"، كأنّه رأى نَوَى العبد. وإذا كسر، كان قد رآه نفسَه عبدًا، ويكون بمعنى الجملة، كأنّه قال: فإذا هو عبدٌ. قال الشاعر [من الطويل]:
وكنت أرى زيدًا ... إلخ
روى هذا البيت سيبويه (١) بالفتح والكسر على ما تقدّم، فالكسرُ على نيّة الجملة من المبتدأ والخبر، لأنّ "إذا" هذه يقع بعدها المبتدأ والخبر، والتقدير: فإذا هو عبدُ القفا.
فإن قيل: فقد قرّرتم أنّ "إنَّ" إنما تُكْسَر في كلّ موضع يتعاقب فيه الاسم والفعل، وههنا لا يقع الفعل، إنما يقع الاسم المبتدأ لا غير؛ قيل "إذا" ظرفُ مكان في الأصل دخله معنى المفاجأة، فالدليلُ يقتضي إضافتها إلى الجملة من المبتدأ والخبر، أو من الفعل والفاعل، كما كانت "حَيْثُ" كذلك، إلَّا إنه لمّا دخلها معنى المفاجأة؛ مُنعت من وقوع الفعل بعدها، وذلك أمرٌ عارضٌ. فإذا وقعت "أنَّ"، كانت المكسورة عملًا بالأصل.
وأمّا الفتح في "أنَّ" بعد "إذا" في اليت، فعلى تأويل المصدر المبتدأ، والخبرُ عنه "إذا"، كما تقول: "أمّا في القِتال فتِلْقائي العبوديّةُ". ويجوز أن يكون في موضع المبتدأ، والخبرُ محذوفٌ، والتقدير: فإذا العبوديّة شأنُه. ويكون "إذَا" حرفا دالا على معنى المفاجأة. وإذا كانت كذلك؛ لم تكن خبرًا. ومعنى قوله: "عبد القفا واللهازم" يعني: إذا نظرت إلى قفاه ولهازمه؛ تَبيّنتَ عبوديّته ولؤمَه؛ لأنهما عُضْوان يصونهما الأحرارُ، ويبذُلهما العبيدُ والأرذالُ، فهما موضع الضَّفْع واللَّكْز. واللِّهْزِمَةُ: مَضِيغَةٌ في أصل الحَنَك الأسفل.
وقوله: "تكسر لتُوفّر على ما بعد "إذا" ما يقتضيه من الجملة". يريد أنّ "إذا" المكانيّة تكون على ضربين:
أحدهما: أن تكون ظرفًا مبهمًا كـ "حَيْثُ"، إلَّا أنّ "حَيْثُ" يقع بعدها الجملة من المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، وهذه لا يقع بعدها إلَّا المبتدأ والخبر لمكان المفاجأة، إذ لا تصحّ مفاجأةُ الأفعال.
والثاني: أن تكون حرف ابتداء معناه المفاجأة، فيقع بعدها أيضًا المبتدأ والخبر.
стр. 1895
فعلى هذا إذا كسرت "إنَّ" بعدها فقد وفّرتَ عليها ما تقتضيه من الجملة، وإذا فتحت "أنَّ" كانت مفردة في موضع رفع بالابتداء، والخبرُ محذوف على ما ذكرنا. وقد يجعلها بعضُهم بمعنى الحضرة والمكان، فلا تقتضي جملةً، فإذا وقع بعدها مفردٌ كان مبتدأ، وكانت "إذا" الخبر، نحوَ: "خرجتُ فإذا زيدٌ"، أي: "بحَضْرتي زيدٌ". فإذا وقع بعدها الجملة؛ كانت "إذا" من متعلّقات الخبر، نحوَ: "خرجت فإذا زيدٌ قائمٌ"، أي: "بحَضْرتي زيدٌ قائم"، فالظرفُ يتعلّق بـ "قائم"، فاعرفه.
فصل [حكم همزة "إنّ" بعد "حتي "]
قال صاحب الكتاب: وتكسرها بعد "حتى" التي يبتدأ بعدها الكلام, فتقول: "قد قال القوم ذلك حتى إن زيداً يقوله", وإن كانت العاطفة, أو الجارة, فتحت, فقلت: "قد عرفت أمورك حتى أنك صالحٌ".
* * *
قال الشارح: "حَتَّى" تكون على ثلاثة أضرب: تكون جارّةً بمعنى الغاية، نحوَ قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١). وتكون عاطفة بمعنى الواو، نحو قولك: "قام القومُ حتى زيدٌ"، أي: و"زيدٌ"، ويكون إعرابُ ما بعدها كإعرابِ ما قبلها. وتكون حرف ابتداء يُستأنف بعدها الكلامُ، فتقع بعدها الجملة من المبتدأ والخَبر والفعلِ والفاعل، نحوُ قوله [من الطويل]:
فَيَا عَجَبًا حتّى كُلَيْبٌ تَسُبُّني ... كأنّ أباها نَهْشَلٌ أو مُجاشِعُ (٢)
فأولاها الجملةَ من المبتدأ والخبر، وتقول: "مَرِضَ حتى لا يَرْجُونه"، فتدخل على الفعل، فإن وقعت "أنَّ" بعد "حَتَّى"، فإن كانت الجارّة، أو العاطفة؛ لم تكن إلَّا المفتوحة، نحوَ ما مَثَّلَه من قوله: "عرفتُ أُمورَك حتى أنّك صالحٌ"، أي: "حتى صلاحَك"؛ لأن "حتى" في العطف لا يكون ما بعدها إلَّا من جنس ما قبلها، والصلاحُ من جملة الأُمور، وتقول في الجارّة: "عجبتُ من أحوالك حتى أنّك تُفاخِرني"، أي: "حتى المفاخرةِ"، أي: إلى هذه الحال.
وإن وقعتْ بعد التي للابتداء، لم تكن إلَّا مكسورةً, لأنه موضعٌ تَعاقب عليه الاسم والفعل على ما ذكرنا، فهو موضع جملة، فاعرفه.
стр. 1896
فصل [دخول لام الابتداء علي خبر "إنَّ "]
قال صاحب الكتاب: ولكون المكسور للابتداء, لم تجامع لامه إلا إياها, وقوله [من الطويل]:
١١٠٥ - [يلومونني في حبِّ ليلي عواذلي] ... ولكنني من حبها لعميد
على أن الأصل: و"لكن إنني", كما أن أصل قوله تعالى: ﴿لكنا هو الله ربي﴾ (١): لكن أنا.
* * *
قال الشارح: اعلم أنه قد تدخل لام الابتداء في خبر "إنَّ" مؤكِّدة دون سائر أخواتها، نحوَ قولك: "إنَّ زيدًا لقائمٌ"، و"إنَّ عَمْرًا لأخوك". قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (٢). وحقُّ هذه اللام أن تقع أوّلًا من حيث كانت لام الابتداء، ولامُ الابتداء لها صدرُ الكلام، نحوَ قولك: "لَزيدٌ قائمٌ"، ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ
стр. 1897
عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (٢). وكان القياس أن تقدّم اللام، فتقول "لإنَّ زيدًا قائمٌ" في "إنَّ زيدًا لَقائمٌ". وإنّما كرهوا الجمع بينهما؛ لأنّهما بمعنى واحد، وهو التأكيد، وهم يكرهون الجمع بين حرفَيْن بمعنى واحد. وذلك أن هذه الحروف إنَّما أُتي بها نائبةً عن الأفعال اختصارًا، والجمعُ بين حرفَيْن بمعنى واحد يُناقِض هذا الغرضَ. وإنما وجب اللام أن تكون متقدّمة على "إنَّ"، ومجراهما في التأكيد واحدٌ، لأمرَيْن: أحدهما أنّ "إنَّ" عاملةٌ وحقُّ العامل أن يليه معمولَه، واللامُ ليست عاملة. والثاني أنّ العرب قد نطقت بها نُطْقًا، وذلك مع إبدال الهمزة هاءً في نحو قولك: "لَهِنَّك قائمٌ"، إنما أصلُه: "لإِنّك قائم"، لكنّهم أبدلوا الهمزة هاءً كما أبدلوها في نحو: "هَرَقْتُ الماءَ"، و"هَنَرْتُ الثوْبَ". فلمّا زال لفظُ الهمزة، دخلت مكانها الهاءُ، وبتغيُّر لفظِ "إنَّ"، صارت كأنّها حرف آخر، فسهل الجمعُ بينهما. قال [من الطويل]:
١١٠٦ - ألا يا سَنَا بَرْقٍ على قُلِلِ الحِمى ... لَهِنَّكَ مِن بَرْقٍ عَلَيَّ كَرِيمُ
стр. 1898
وهذه اللام لا تدخل إلَّا في خبر المكسورة, لأنها أُختها في المعنى، وذلك من جهتَيْن: إحداهما: أنَّ "إنَّ" تكون جوابًا للقسم، واللام يُتلّقى بها القسمُ.
والجهة الثانية: أنَّ "إنَّ" للتأكيد، واللام للتأكيد، فلمّا اشتركا فيما ذكرنا؛ ساغ الجمع بينهما لاتّفاق معنيَيْهما.
فإن قيل: فقد قرّرتم أنّهم لا يجمعون بين حرفين بمعنى واحد، فكيف جاز الجمع بينهما ههنا؟ وما الداعي إلى ذلك؟ قيل: إنّما جمعوا بينهما مبالغةً في إرادة التأكيد، وذلك أنّا إذا قلنا: "زيدٌ قائمٌ"، فقد أخبرنا بأنّه قائمٌ لا غير، وإذا قلنا: "إنّ زيدًا قائمٌ"، فقد أخبرنا عنه بالقيام مؤكَدًا، كأنّه في حكم المكرَّر، نحوِ: "زيدٌ قائمٌ، زيدٌ قائمٌ". فإن أتيت باللام، كان كالمكرّر ثلاثًا، فحصلوا على ما أرادوا من المبالغة في التأكيد وإصلاح اللفظ بتأخيرها إلى الخبر.
ولا تدخل هذه اللام في سائر أخواتها من "كَأنَّ"، وَ"لَعَلَّ"، و"لكِنَّ"، فلا تقول: "كأنَّ زيدًا لَقائمٌ"، ولا "لعلّ بكرًا لَقادمٌ"، ولا "لكنّ خالدًا لَكريمٌ"؛ لأن هذه الحروف قد غيّرت معنى الابتداء، ونقلتْه إلى التشبيه، والترجّي، والاستدراك. وهذه اللامُ لام الابتداء، فلا تدخل إلَّا عليه، أو ما كان في معناه.
وقد ذهب الكوفيون إلى جواز هذه اللام في خبرِ "لكِنَّ" (١)، واستدلّوا على جوازه بقول الشاعر، أنشده حميد بن يحيى [من الطويل]:
[يَلُومُونَنِي في حُبِّ لَيْلَى عَوَاذِلِي] ... ولكنّني من حبِّها لعميد
ويقولون: "لَكِنَّ"، أصلها "إنَّ" زيدت عليها اللام والكاف، وذلك ضعيف. وذلك أنّا إنما جوّزنا دخول اللام في خبرِ "إنَّ" لاتّفاقهما في المعنى، وهو التأكيد، وأنّها لم تُغيِّر معنى الابتداء، فجاز دخول اللام عليها كما يجوز مع الابتداء المحض في نحوِ: "لَزيدٌ قائمٌ". وأمّا "لكِن" فقد أحدثت استدراكًا، وليس ذلك في اللام. والتأكيدُ وَفْقُ المؤكَّد، فهي تُخالِفه بزيادةٍ أو نقصٍ خرج عن التأكيد.
وأمّا القول بأنّها مركّبة، فليس ذلك بالسهل ولا دليل عليه. وأمّا البيت الذي أنشده فشاذّ قليل، وصحّةُ مَحْمَله على أنّه أراد "لكِن" الخفيفةَ، فأتي بـ "إنَّ" بعدها، والتقدير: ولكنْ إنّني، فحذفت الهمزة تخفيفًا، وادّغمت النون في النون، فقيل: "وَلكِنَّنِي" على حدّ قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ﴾ (٢)، والأصل: "لكن أنا هو الله"،
стр. 1899
فحذف، وادّغم، ويجوز أن تكون اللام هنا زائدة مثلَ إنشاد بعضهم [من البسيط]:
١١٠٧ - مَرّوا عُجالَى فقالوا كَيْفَ صاحبُكم ... فقال الذي سَألُوا أمْسَى لمَجهودَا
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ (١) بفتح "أنَّ" في قراءة سَعِيد بن جُبَيْر. فاللامُ ههنا زائدةٌ بمنزلة الباء مع الفاعل في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٣)، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: ولها إذا جامعتها ثلاثة مداخل, تدخل على الاسم إن فُصل بينه وبين "إن", كقولك: "إن في الدار لزيداً", وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرة﴾ (٤)، وعلى الخبر كقولك: "إن زيداً لقائمٌ", وقوله تعالى: ﴿إن الله لغفور﴾ (٥)، وعلى ما يتعلق بالخبر إذا تقدمه كقولك: "إن زيداً لطعامك آكلٌ" و"إن عمراً لفي الدار جالسٌ", وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٦) وقول الشاعر [من البسيط]:
١١٠٨ - إذا امرأً خصني عمداً مودته ... على التنائي لعندي غير مكفور
стр. 1900
ولو أخرت, فقلت: "آكل لطعامك", أو "غير مكفور لعندي", لم يجز؛ لأن اللام لا تتأخر عن الاسم والخبر.
* * *
قال الشارح: قوله: "ولها إذا جامعتها ثلاثة مداخل"، يعني إذا جامعت اللامُ "إنَّ"، أي: اجتمعا في كلام واحد. ومَداخِلُ: جمعُ مَدْخَل، وهو المكان الذي يُدْخَل فيه، وذلك في الخبر والاسم وفضلة الخبر. فمثالُ كونها في الخبر: "إنّ زيدًا لقائمٌ"، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). وحقُّها الصدر، إلَّا أنهم كرهوا الجمع بين حرفَيْن بمعنى واحد، ففرقوا بينهما بأن خلّفوا اللام إلى الخبر.
والثاني: أن تدخل على الاسم إذا فُصل بينه وبين "إنَّ" بأن يكون الخبر ظرفًا، أو جارًا ومجرورًا، ثمّ يُقدَّم على الاسم، فحينئذ يجوز دخولها على الاسم، وذلك نحو قولك: "إنَّ في الدار لزيدًا". وفي التنزيل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ (٣)، و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ (٤) و ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ (٥)، و ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ (٦) و ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٧)؛ لأن الغرض قد حصل وهو الفصل بينهما بتقديم الخبر.
стр. 1901
الموضع الثالث: أن تدخل على معمول الخبر، وذلك إذا تقدّم بعد الاسم، نحوَ قولك: "إنّ زيدًا لَطعامَك آكِلٌ"، فالطعامُ معمول الخبر الذي هو "آكِلٌ"، ولمّا تقدّم عليه؛ وقع موقع الخبر، فجاز دخول اللام عليه؛ لأنه وقع موقعَ ما في مَظِنّتها وهو الخبر، فأمّا قول الشاعر [من البسيط]:
إنّ امرأ خصّني ... إلخ
هذا البيت أنشده سيبويه (١) لأبي زُبَيْد الطائيّ، والشاهدُ فيه دخول اللام على الظرف الذي هو "عِنْدِي"، والظرف يتعلق بـ "مكفور"، لكنّه لمّا تقدّم عليه، حسن دخول اللام عليه. والمعنى: على التنائي لغيرُ مكفور عندي، والمراد: لا أجحدُ مودّةَ مَن وَدَّني غائبًا. وذلك أن هذا الشاعر يمدح الوليد بن عُقْبَةَ، وصف نعمة اختصّه بها مودّةً على تَنائيه وبُعْدِه عنه. ومن هذا المعنى قول الآخر [من الطويل]:
فليس أخِي مَن وَدَّني رَأْيَ عَيْنِه ... ولكنْ أخي مَن وَدَّنِي وهو غائِبُ (٢)
فإن قيل: الظرف منصوب بـ "مكفور" مخفوض بإضافةِ "غَيْر" إليه، ومعمولُ المضاف إليه لا يتقدّم على المضاف؛ فالجواب عنه من وجهَيْن: أحدهما: أنَّه ظرفٌ، والظروفُ قد اتُّسع فيها ما لم يُتسع في غيرها، حتى أجازوا الفصلَ بها بين المضاف والمضاف إليه، نحوَ [من السريع]:
لله درُّ اليومَ مَن لامَها (٣)
والمراد: "مَن لامَها اليوم".
والوجه الثاني: أنّه إنما جاز ذلك, لأنّ "غَيْرًا" في معنى "لا" النافية، فكأنّه قال: على التنائي لَعندي "مكفورٌ" وما بعد "لا"، و"لَنْ"، و"لَمْ" من حروف النفي يجوز تقديمُ معمولِ منفيها عليها، وعلى هذا أجازوا: "أنت زيدًا غيرُ ضاربٍ" ولم يجيزوا "أنت زيدًا مثلُ ضاربٍ".
قال: ولو أخّرت الفضلة، فقلت: "آكِلْ لَطعامَك"، أو "إنّ زيدًا قائمٌ لَفي الدار"، لم يجز؛ لأن الفضلة تأخرت عن الجملة. وموضعُ اللام صدرُ الجملة، وإنّما أُخّرت إلى الخبر وما يقع موقعَ الخبر، فلا تؤخّر عن جميع الجملة رأسًا، فيكون بمنزلة اطراحها. ولو قلت: "إنّ زيدًا في الدار لقائمٌ"، جاز؛ لأن اللام لم تتأخر عن الجملة, لأنها داخلةٌ
стр. 1902
على الخبر، ومثلُه: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (١)، فدخلت اللام الخبرَ مع تأخيرها عن معمولها، وهو الجارّ والمجرور والظرف، فاعرفه.
فصل [تعليق العامل بلام الابتداء]
قال صاحب الكتاب: وتقول: "علمت أن زيداً قائم", فإذا جئت باللام؛ كسرت, وعلقت الفعل, قال الله تعالى: ﴿والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ (٢) , ومما يحكى من جراءة الحجاج على الله تعالى أن لسانه سبق في مقطع "والعاديات" إلى فتحة ﴿إنَّ﴾ (٣) , فأسقط اللام.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول إِن حق هذه اللام أن تقع صدرَ الجملة، وإنّما أُخّرت لضرب من استحسان، وهو إرادة الفصل بينها وبين "إنَّ" لاتّفاقهما في المعنى. وهم يكرهون الجمع بين حرفَين بمعنى واحد، فأُخّرت اللام إلى الخبر لفظًا، وهي في الحكم والنيّة مقدّمةٌ، والموجودُ حكمًا كالموجود لفظًا، فلذلك تُعلِّق العاملَ مؤخَّرةَ كما تُعلِّقه إذا كانت مصدَّرةً، فتقول: "قد علمت أنّ زيدًا قائمٌ" فتفتح "أنَّ" لتعلّقها بما قبلها.
فإذا أُدخلت اللام؛ علّقت العاملَ، وأبطلت عمله في اللفظ، وأتيتَ بالمكسورة، نحوَ قولك: "قد علمت إنَّ زيدًا لَقائمٌ". قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (٤)، ومن ذلك ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٥)، فعلّق العامل في ثلاثة مواضع. والتعليقُ ضربٌ من الإلغاء؛ لأنه إبطال عمل العامل لفظًا لا محلًا، والإلغاء إبطال عمله بالكلّية، فكلُّ تعليق إلغاءٌ، وليس كلّ إلغاء تعليقًا.
ويحكى أن الحجّاج بن يوسف قرأ: "أن ربّهم بهم يومئذ خبيرٌ"، بفتح "أنَّ" نَظَرًا إلى العامل، فلمّا وصل إلى الخبر؛ وجد اللام، فأسقطها تعمُّدًا لِيقالَ: إنّه غالطٌ ولم يلحَن, لأن أمر اللحن عندهم أشدُّ من الغلط، وإن كان في ذلك إقدامٌ على كلّام الله تعالى. وتُحْكَى هذه الحكاية عن بعض العرب، وقيل: إنّه ابن أخي ذي الرمّة، فاعرفه.
стр. 1903
فصل [العطف علي محل "إن" واسمها]
قال صاحب الكتاب: ولأن محل المكسورة وما عملت فيه الرفع, جاز في قولك: "إن زيداً ظريف وعمراً"، و"إن بشراً راكب لا سعيد أو بل سعيداً"، أن ترفع المعطوف حملاً على المحل. قال جرير [من الكامل]:
١١٠٩ - إن الخلافة والنبوة فيهم ... والمكرمات وسادة أطهار
* * *
قال الشارح: تقول: "إنَّ زيدًا ظريفٌ وعمرًا"، فتعطف بالواو على لفظ "زيد"، فجمعتَ بين الثاني والأول في عمل العامل، والمراد: "وإن عمرًا ظريفٌ"، فحذفت خبر الثاني لدلالة خبر الأوّل عليه. وحكمُ المعطوف أن يجوز حذفُ خبره إذا وافق خبرَ الأوّل، فإن خالفه، لم يجز الحذف؛ لأنه لا يدلّ عليه كما يدلّ على مُوافِقه، إذ الموافق له واحدٌ. والمخالفُ أشياءُ كثيرة، فلا تصحّ دلالته على واحد بعينه كما تصحّ دلالته على ما وافقه، لا فرقَ بين أن يكون حرف العطف موجِبًا للثاني معنى الأوّل كالواو والفاء وثُمَّ، وغير موجب كـ "لا" و"بَلْ" ونحوهما. فإذا قلت: "قام زيدٌ لا عمرٌو"، فقد نفيتَ عنه القيامَ الذي أثبتّه للأوّل، ولو أردت أن تنفي عن الثاني القيامَ، لم يجز إلَّا أن تذكره.
وكذلك العطف بـ "بَلْ" إذا قلت: "إنَّ بشرًا راكبٌ بل سعيدًا"، فقد أثبتّ الركوب لسعيد، ويكون المراد الإخبار بذلك عن الثاني، وجَرْيُ الأوّل كالغلط. ويجوز الرفع بالعطف على موضع "إنَّ"؛ لأنها في موضع ابتداء. وتحقيقُ ذلك أنّها لمّا دخلت على المبتدأ والخبر لتحَقيق مؤدّاه وتأكيدِه من غير أن تُغيِّر معنى الابتداء؛ صار المبتدأُ
стр. 1904
كالملفوظ به، وصار "إنّ زيدًا قائمٌ"، و"زيدٌ قائمٌ" في المعنى واحدًا، فجاز لذلك الأمران: النصب والرفع، فالنصبُ على اللفظ، والرفع على المعنى.
وقول صاحب الكتاب: و"لأنّ محلّ المكسورة وما عملتْ فيه الرفع جاز في قولك: إنَّ زيدًا ظريفٌ وعمرًا ... أن ترفع المعطوف" ليس بسديد؛ لأنّ "إنّ" وما عملتْ فيه ليس للجميع موضعٌ من الإعراب؛ لأنه لم يقعْ موقع مفرد، وإنّما المراد موضعُ "إنَّ" قبل دخولها، على تقديرِ سقوط "إنَّ" وارتفاعِ ما بعدها بالابتداء، وهو شبيهٌ بقوله [من الطويل]:
ولا ناعِبٍ إلَّا ببَيْنٍ غُرابُها (١)
على توهُّم دخول الباء في المعطوف عليه، إذ كان تقع فيه كثيرًا، كما تُوهّم سقوطُ "إنَّ" ههنا، فأما قوله [من الكامل]:
إنّ الخلافة ... إلخ
البيت لجرير، والشاهد فيه رفع "المكرمات" حملًا على موضعِ "إنَّ"؛ لأنها بمنزلة الابتداء, لأنها لم تُغيِّر معناه، فقدّرها محذوفةً، كأنّه قال: "الخلافةُ والنبوّةُ فيهم، والمكرماتُ وسادةٌ أطهارٌ". والنصب جائز على اللفظ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وفيه وجه آخر ضعيفٌ, وهو عطفه على ما في الخبر من الضمير.
* * *
قال الشارح: يريد أن العطف على الضَمير المرفوع من غير تأكيده ضعيفٌ قبيحٌ، وقد تقدّمت قاعدةُ ذلك.
* * *
قال صاحب الكتاب: و"لكن" تشايع "إن" في ذلك دون سائر أخواتها. وقد أجرى الزجاج الصفة مجرى المعطوف, وحمل عليه قوله: ﴿قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب﴾ (٢). وأباه غيره. وإنما يصح الحمل على المحل بعد مضي الجملة فإن لم تمض لزمك أن تقول "إن زيداً وعمراً قائمان" بنصب "عمرو" ولا غير.
* * *
قال الشارح: ويجوز العطف على موضعِ: "لكِنَّ" بالرفع، كما جاز في "إنَّ"، تقول: "لكنّ زيدًا قائمٌ وعمرٌو". و"لكِنَّ" لا تُغيِّر معنى الابتداء، فهي وسيلةُ "إنَّ" في ذلك أكثرَها
стр. 1905
في الأمر أنّ فيها معنى الاستدراك، والاستدراكُ لا يُزيل معنى الابتداء والاستئنافِ، فجاز أن يُعْطَف على موضعها كـ "إنَّ"؛ لأنّ "إنَّ" إنما جاز أن يعطف على موضعها دون سائر أخواتها, لأنها لم تُغيِّر معنى الابتداء بخلافِ "كأنّ"، و"ليت"، و"لعلّ".
ومن النحويين من لم يجز العطف على موضعِ "لكنّ"، ويدّعي زوالَ معنى الابتداء، لإفادة معنى الاستدراك فيها. والمذهب الأوّل, لأن الاستدراك ليس معنًى يرجع إلى الخبر، وإنما هو رجوعٌ عن معنى الكلام الأوّل إلى كلام آخر، وتدارُكُه. وذلك أمرٌ لا يتعلّق بالخبر.
وقوله: "ولكِنَّ" تشايع "إنَّ" في ذلك"، يريد: تُصاحِبها في ذلك وتُتابِعها، وهو من قولهم: "حَياكم اللهُ، وأشاعَكم السلامَ"، أي: أصحبَكم، وأتبعَكم.
وقوله: "وقد أجرى الزجّاج الصفة مجرى المعطوف" يريد صفة الاسم المنصوب بـ "إنَّ". وذلك أنّ سيبويه (١) ومن يرى رأيَه كان يجوّز العطف على موضعه بالرفع، ولا يجوّز ذلك في الصفة، لو قلت: "إنَّ زيدًا العاقلُ في الدار" لم يجز عنده، وتقول: "لا رجلَ ظريفٌ في الدار" فتصف المنفيّ على الموضع.
والفرقُ بينهما أنّ "لا" مع الاسم الذي دخلتْ عليه بمنزلة شيء واحد، إذ قد بُنيا معًا كبناء "خمسةَ عشرَ" في تركيب أحدهما مع الآخر، وليس كذلك اسمُ "إنَّ"؛ لأنه منفصلٌ. يدلّ على ذلك جوازُ تقديم الخبر إذا كان ظرفًا، كقولك: "إنَّ في الدار زيدًا"، ولا يجوز مثلُ ذلك في "لا رجلَ" للبناء. فأمّا جواز العطف على الموضع، فلأنّ المعطوف منفصلٌ من المعطوف عليه، إذ ليس من اسمه، وقد فصله حرفُ العطف منه، والصفةُ من اسم الموصوف؛ لأنهما يرجعان إلى شيء واحد.
وقد أجاز ذلك الزجّاج وغيره من النحويين، وقاسه على العطف، وحمل عليه قولَه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٢). والمذهب الأوّل. فأمّا قوله تعالى: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، فهو محمول على البدل من المضمر في "يقذف"، أو على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو علّامُ الغيوب، أو خبرٌ بعد خبر. ويجوز نصبه على أن يكون حالًا من المضمر في الظرف، والنيّةُ في الإضافة الانفصال، والمراد به الحال.
وقوله: إنّما يصحّ الحمل على المحلّ بعد مضيّ الجملة، فالمراد أن العطف على الموضع لا يجوز قبل تمام الكلام, لأنه حملٌ على التأويل، ولا يصحّ تأويل الكلام إلَّا بعد تمامه، فعلى هذا تقول: "إنَّ زيدًا وعمرًا منطلقان"، ولا يجوز الرفع في "عمرو" بالعطف على الموضع؛ لأن الكلام لم يتمّ، إذ الخبر متأخّر عن الاسم المعطوف، ولكن
стр. 1906
لو قلت: "إنَّ زيدًا وعمرو منطلقٌ" على التقديم والتأخير، جاز، كأنّك قلت: "إنّ زيدًا منطلقٌ وعمرٌو". قال ضابِىءُ بن الحارث البُرْجُميّ [من الطويل]:
فمَن يَكُ أمْسَى في المدينة رَحْلُه ... فإنّي وقَيّارٌ بها لَغَرِيبُ (١)
والمراد: فإنّي لَغريبٌ بها، وقيّارٌ أيضًا، فإنّك لو عطفت على الموضع قبل التمام، لاستحال، إذ الخبر قد يكون خبرًا عن منصوبٍ ومرفوعٍ قد عمل فيهما عاملان مختلفان، فيجيء من ذلك أن يعمل في الخبر عاملان مختلفان، وهذا محالٌ. وقد أجاز ذلك الكوفيون (٢). فأمّا أبو الحسن من أصحابنا والكسائيّ، فأجازاه مطلقًا على كلّ حال، سواءٌ كان يظهر فيه عملُ العامل، أو لم يظهر، نحوَ قولك: "إنّ زيدًا وعمرٌو قائمان"، و"إنّك وبكرٌ منطلقان".
وذهب الفرّاء من الكوفيين إلى أن ذلك إنما يجوز إذا لم يظهر عملٌ، نحوَ قولك: "إنّك وزيدٌ ذاهبان"، واحتجّوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣)، فـ "الصابئون" رفعٌ بالعطف على موضع "إنَّ" ولم يأت بالخبر الذي هو"مَن آمن بالله". وروي عن بعض العرب: "إنّك وزيدٌ ذاهبان" وهذا نصٌّ على ما ذهبوا إليه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وزعم سيبويه (٤) أن ناساً من العرب يغلطون فيقولون: "إنهم أجمعون ذاهبون", و"إنك وزيد ذاهبان". وذلك أن معناه معنى الابتداء، فيرى أنه قال "هم", كما قال [من الطويل]:
ولا سابق شيئاً [إذا كان جائيا] (٥)
قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ (٦). فعلى التقديم والتأخير, كأنه ابتدأ ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ , بعد ما مضى الخبر. وأنشد [من الوافر]:
١١١٠ - وإلا فاعلموا أنّا وأنتم ... بُغاةٌ ما بقينا في شقاق
* * *
стр. 1907
قال الشارح: كأنّه أخذ في الجواب عن شُبَهٍ تَعلّق بها الخَصمُ. فأمّا قولهم: "إنّهم أجمعون ذاهبون"، فشاهدٌ للزجّاج في جوازٍ حملِ النعت على موضع "إنَّ"؛ لأن التأكيد والنعت مجراهما واحدٌ. وقولهم: "إنَّك وزيدٌ ذاهبان"، فشاهدٌ لمذَهب الكوفيين في جواز حمل العطف على موضع "إنَّ" قبل الخبر، وكذلك الآية. فحمل سيبويه قولهم: "إنّهم أجمعون ذاهبون" على أنه غلطٌ من العرب، فقال: واعلمْ أنْ ناسًا من العرب يغلطون، فقولون: "إنّهم أجمعون ذاهبون"، و"إنّك وزيدٌ ذاهبان". ووجةُ الغلط أنهم رأوا أنّ معنَى "إنّهم ذاهبون" هُمْ ذاهبون، فاعتُقد سقوط "إنَّ" من اللفظ، ثمّ عطف عليه بالرفع كما غلط الآخر في قوله [من الطويل]:
ولا ناعب إلَّا ببَيْنٍ غُرابُها (١)
فقدّر ثبوت الباء في الأول، إذ كانت الباء تدخل في خبر "لَيْس". كثيرًا. ومثلُ الأوّل قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢)، كأنّه اعتقد سقوطَ الفاء، فعطف عليه بالجزم؛ لأنه لولا الفاء، لكان مجزومًا، وقال بعضهم: إنّ وجه الغلط أنّ لفظَ "هُمْ" المتّصلِ مع "إنَّهُمْ" المنصوبِ الموضع قد يكون منفصلًا مرفوعَ الموضع، فجعل "إنَّهُمْ" في تقدير "هُمْ أجمعون".
стр. 1908
وكذلك اعتُقد سقوطُ "إنَّ" في قولك: "إنّك وزيدّ ذاهبان"؛ لأن معناهما واحدٌ.
فأمّا قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ (١)، فيحتمل أُمورًا: أحدها أن يكون المراد التقديم والتأخير، ويكون المعنى: الذين آمنوا والذين هادوا مَن آمن بالله واليومِ الآخر منهم، فلا خوفَ عليهم ولا هم يحزَنون. و"الصابئون والنصارى" مبتدأً، وخبرُه هَذا الظاهر. ويجوز أن يكون الظاهر خبرَ "إنَّ" يكون في النيّة مقدّمًا، ويكون "الصابئون والنصارى" رفعا بالابتداء، كأنّه كلامٌ مستأنَفٌ. والمراد: "والصابئون والنصارى كذلك"، على حدّ قوله [من الطويل]:
غَدَاةَ أحَلَّتْ لابْن أصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصَيْنٍ عَبِيطاتِ السَّدائفِ والخَمْرُ (٢)
أي: والخمرُ كذلك، وهو كثيرٌ. فأمّا قول الشاعر [من الوافر]:
وإلَّا فاعلموا ... إلخ
البيت لبِشْر بن أبي خازم، والشاهد فيه رفع "بغاة" على خبرِ "أنَّ"، والنيّةُ به التقديم، ويكون "أنْتُمْ" ابتداءً مستأنَفًا، وخبرُه محذوف دلّ عليه خبرُ "أنَّ". ويجوز أن يكون خبرِ "أنَّ" هو المحذوف، و"بغاةٌ" الظاهرُ خبرَ "أنتم". وساغ حذفُ الأوّل لدلالة الثاني عليه. والبُغاة: جمعُ باغ، وهو الباغي بالفَساد، وأراه من "بَغَى الجُرْحُ" إذا وَرِمَ، وتَرامى إلى فسادٍ. والشقاق: الخِلاف، وأصله من المَشقّة، كأنّ كلّ واحد منهما يأتي بما يشُقّ على الآخر، أو من الشِّقّ، وهو الجانب، كأنّ كلّ واحد يكون في شِقٍّ غيرِ شقّ الآخر.
فصل [دخول "إنّ" علي "أنَّ "]
قال صاحب الكتاب: ولا يجوز إدخال "إن" على "أن" فيقال: "إنّ أنّ زيداً في الدار", إلا إذا فُصل بينهما, كقولك: "إن عندنا أن زيداً في الدار".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم الكلام على "أنَّ" المفتوحة، وأنها لا تقع أوّلاً، ولا تكون إلَّا مبنيّة على كلام. ولا تدخل "إنَّ" المكسورةُ عليها، وإن كانت في تقديرِ اسم مفرد لاتّفاقهما في المعنى، وهم لا يجمعون بين حرفَيْنِ بمعنى واحد.
فإذا أُريد ذلك؛ فصلوا بينهما، فقالوا: "إنَّ عندنا أنَّ زيدًا في الدار". فـ "أنَّ" واسمها وخبرها في تأويلِ اسم "إنَّ"، والظرفُ خبرٌ. وإذا كانوا امتنعوا من الجمع بين اللام و"إنَّ"، مع تبايُنِ لفظَيْهما؛ فلأن لا يجمعوا بين "إنَّ" المكسورة والمفتوحة مع اتّحاد
стр. 1909
اللفظ والمعنى كان ذلك أوْلى. وربّما أوهم اجتماعُ "إنّ" المكسورة والمفتوحة تقصيرَ إِحداهما عن تفخيم المعنى. وليس الأمر كذلك، إذ اللام تُفخِّم المعنى، إذا قلت: "لَزيدٌ خيرٌ منك"، كما تفخّم "إنَّ" في قولك: "إنّ زيدًا خيرٌ منك". فسبيلُ اجتماعهما في الكلام سبيلُ اجتماع "إنَّ" واللام، وليس كذلك التأكيدُ لتمكين المعنى، نحوِ: "زيدٌ زيدٌ"، أو لإزالة الغلط في التأويل، نحوِ: "أتاني القومُ كلّهم أجمعون".
فصل [تخفيف "إن" و"أن "]
قال صاحب الكتاب: وتخففان, فيبطل عملهما. ومن العرب من يعملهما. والمكسورة أكثر إعمالاً. ويقع بعدهما الاسم والفعل. والفعل الواقع بعد المكسورة يجب أن يكون من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر. وجوّز الكوفيون غيره. وتلزم المكسورة اللام في خبرها, والمفتوحة يُعوَّض عما ذهب منها أحد الأحرف الأربعة: حرف النفي, و"قد" و"سوف", والسين. تقول: "إن زيدٌ لمنطلقٌ". وقال الله تعالى: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ (١) وقرىء: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم﴾ (٢) على الإعمال. وأنشدوا [من الطويل]:
١١١١ - فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... فراقك لم أبخل وأنت صديق
стр. 1910
وقال الله تعالى: ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (١) , وقال: ﴿وإن نظنك لمن الكاذبين﴾ (٢) , وقال: ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ (٣). وأنشد الكوفيون [من الكامل]:
١١١٢ - بالله ربك إن قتلت لمسلمًا ... وجبت عليك عقوبة المتعمد
ورووا: "إن تزينك لنفسك, وإن تشينك لهيه", وتقول: "علمت أن زيدٌ منطلقٌ", والتقدير: "أنه زيدٌ منطلقٌ". وقال الله تعالى: ﴿وآخر دعواهم إن الحمد لله رب العالمين﴾ (٤).
стр. 1911
وقال [من البسيط]:
١١١٣ - في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالكٌ كُلُّ من يحفى وينتعل
وعلمت: "أن لا يخرج زيدٌ, وأن قد خرج, وأن سوف يخرج, وأن سيخرج". قال الله تعالى: ﴿أيحسب أن لم يره أحد﴾ (١) , وقال: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾ (٢).
* * *
قال الشارح: اعلم أن الحذف والتغيير في الحروف ممّا يأباه القياسُ، وقد جاء ذلك قليلًا، وأكثرُه فيما كان مضاعفًا من نحو "أإنَّ" وأخواتها، و"رُبَّ"، ولم يأتِ في "ثُمَ"؛ لأنه إنّما ساغ فيما ذكرنا لثقل التضعيف مع شَبَهها بالأفعال من جهة اختصاصها بالأسماء، وليس ذلك في "ثُمَّ".
فأمّا "أإنَّ"، فهي على ضربَيْن: مكسورة ومفتوحة، وقد جاء التخفيف فيهما جميعًا. فأمّا المكسورة إذا خُفّفت؛ فلك فيها وجهان: الإعمال والإلغاء، والإلغاء فيها أكثر، وذلك لأنها وإن كانت تعمل بلفظها وفتحِ آخرِها؛ فهي إذا خُفّفت؛ زال اللفظ. ولا يلزم
стр. 1912
مثلُ ذلك في الفعل إذا خُفّف بحذف شيء منه؛ لأن الفعل لم يكن عملُه للفظه بل لمعناه، فإذا أُلغيت؛ صارت كحرف من حروف الابتداء، يليها الاسمُ والفعلُ، ويلزمها اللامُ فصلًا بينها وبين "إن" النافيةِ، إذ لو قلت: "إنّ زيدٌ قائمٌ"، لالتبس الإيجابُ بالنفي. فمثالُ الاسم قولك: "إنْ زيدٌ لَقائمٌ"، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (١)، المعنى: لَعليها حافظٌ، و"ما" زائدةٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٢)، أي: لَجميعٌ لدينا محضرون. ومثال دخولها على الفعل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤).
ولا تكون هذه الأفعال الواقعة بعدها إلَّا من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، لأن "إنَّ" مختصّةٌ بالمبتدأ والخبر، فلمّا أُلغِيَتْ، ووليها فعلٌ؛ كان من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر, لأنّها وإن كانت أفعالًا، فهي في حكم المبتدأ والخبر؛ لأنها إنما دخلت لتعيين ذلك الخبر، أو الشكّ فيه لا لإبطال معناه.
وقد أجاز الكوفيون وقوعَ أيٍّ الأفعال شئت بعدها، وأنشدوا [من الكامل]:
بالله ربّك إن قتلت ... إلخ
وذلك شاذّ قليل. وأمّا إعمالها مع التخفيف، فنحوُ: "إنْ زيدًا منطلقٌ". حكى سيبويه (٥) ذلك في كتابه، قال: حدّثنا مَن نَثِقُ به أنّه سمع من العرب وقُرّاءِ أهل المدينة، ﴿وإن كلا لما جميع لدينا محضرون﴾ (٦) يُجْرونها على أصلها، ويشبّهونها بفعل حُذف بعض حروفه، وبقي عملُه، نحوِ: "لم يَكُ زيد منطلقًا"، و"لم أُبَلْ زيدًا". والأكثرُ في المكسورة الإلغاءُ. قال سيبويه (٧): وأمّا اْكثرُهم فأدخلوها في حروف الابتداء بالحذف كما أدخلوها في حروف الابتداء حين ضمّوا إليها "ما" في قولك: "إنّما زيدٌ أخوك".
وإذا أُعْمِلت، لم تلزمها اللام؛ لأن الغرض من اللام الفصل بين "إن" النافيةِ وبين
стр. 1913
التي للإيجاب، وبالإعمال يحصل الفرقُ، وإن شئت أَدخلت اللام مع الإعمال، فقلت: "إنْ زيدًا لقائمٌ".
وأهل الكوفة (١) يذهبون إلى جواز إعمال "إن" المخفّفة، ويرون أنها في قولهم: "إنْ زيدًا لَقائمٌ" بمعنى النفي، و"إنْ" واللام بمعنى "إلَّا"، فالمعنى: ما زيدٌ إلَّا قائمٌ. والصواب مذهب البصريين؛ لأنه وإن ساعَدَهم المعنى، فإنه لا عَهْدَ لنا باللام تكون بمعنَى "إلَّا". ولو ساغ ذلك ههنا، لجاز أن يُقال: "قام القوم لَزيدًا" على معنى: "إلَّا زيدًا". وذلك غير صحيح، فاللام هنا المؤكدة دخلت لمعنى التأكيد، ولزمتْ للفصل بينها وبين "إنْ" التي للجحد. والذي يدلّ على ذلك أنها تدخل مع الإعمال في نحو "إنْ زيدًا لَقائمٌ"، وإن لم يكن ثمّ لبسٌ.
وأمّا المفتوحة، فإذا خُفّفت، لم تُلْغَ عن العمل بالكلّيّة، ولا تصير بالتخفيف حرفَ ابتداء، إنما ذلك في المكسورة، بل يكون فيها ضمير الشأن والحديثِ، نحوَ قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٣)، والمراد: أنّهُ، أي: أنّ الأمر والشأن، وهو الجيّد الكثير، فإن لم يكن فيه ضميرٌ، أعملته فيما بعده، نحوَ قوله [من الطويل]:
فلو أنك في يوم الرخاء ... إلخ
فـ "الكاف" في موضعِ نصبِ اسمِ "أنْ". قال سيبويه (٤): وليس هذا بالجيّد ولا بالكثير كالمكسورة، يعني إعمالها ظاهرًا فيما بعدها.
وإنما أجازوا في "أن" الإضمارَ من قبل أن اتصال المكسورة باسمها وخبرها اتّصالٌ واحدٌ، واتّصال المفتوحة بما بعدها اتّصالان؛ لأن أحدهما اتّصال العامل بالمعمول، والآخر اتّصال الصلة بالموصول. ألا ترى أن ما بعد المفتوحة صلةٌ لها، فلمّا قوي مع الفتح اتّصالُ "أنّ" بما بعدها؛ لم يكن بدّ من اسم مقدر محذوف تعمل فيه. ولمّا ضعُف اتّصال المكسورة بما بعدها؛ جاز إذا خُفِّفت أن تُفارِق العملَ، وتخلُص حرفَ ابتداء. ووجهٌ ثانٍ أنها إذا كانت مفتوحة، لم تقع أوّلًا في موضع الابتداء، فيُجْعَلَ ما يليها مبتدأً، وتُلْغَى هي كـ "إنْ" إذا كسرتها، وخفّفتَ؛ لأن المكسورة تدخل على المبتدأ، وتؤكّده، ومعنى الجملة باقٍ. فإذا أُلغيت، ولم تعمل فيما بعدها، فالمبتدأُ واقعٌ موقعَه، وليس
стр. 1914
كذلك المفتوحة, لأنها وإن كانت تدخل على المبتدأ، إلَّا أنها تُحِيل معنى الجملة إلى الإفراد، وتكون مبنيّة على ما قبلها. فلو أُلغيث، لَوقع بعدها الجملة، وليس ذلك من مواضع الجُمَل.
ثمّ نعود إلى تفسير هذا الفصل من كلّامه حرفًا حرفًا، وإن كنّا قد بيّنّا قوله: "وتخفّفان فيبطل عملهما"، يريد: ظاهرًا، إلَّا أن المفتوحة لا يبطل عليه جملةُ عملها بالكلّيّة، فهذا أُلغي عملها في الظاهر؛ كانت مُعْمَلةً في الحكم والتقديرِ لِما ذكرناه من الفرق بين المكسورة والمفتوحة.
قوله: "ومن العرب من يُعْمِلها"، يريد: في الظاهر، نحوَ قوله [من الطويل]:
فلو أنك في يوم الرخاء ... إلخ
إنّما ذلك في "إنَّ" المكسورة على ما ذكرنا، على أن الكوفيين قد ذهبوا إلى أنه لا يجوز إعمال "إن" الخفيفة النصبَ في الاسم بعدها، واحتجّوا بأنّه قد زالت المشابهةُ بينها وبين الفعل بنقص لفظها. وما ذكرناه من النصوص يشهد عليهم.
وقوله: "وتلزم المكسورةَ اللامُ في خبرها"، قد ذكرنا أن هذه اللام هي لام التأكيد التي تأتي في خبر المشدّدة، وليست لامًا غيرها أُتي بها للفصل. يدّل على ذلك دخولها مع الإعمال في "إنَّ زيدًا لقائمٌ"، ولو كانت غير مؤكّدة؛ لم تدخل إلَّا عند الحاجة إليها، وهو الفصلُ، ندخول اللام كان للتأكيد. وأمّا لزومها الخبرَ، فكان للفصل، فاعرفه.
قوله: "والمفتوحة يُعوَّض عمّا ذهب منها أحد الأحرف الأربعة: حرفِ النفي، وقَدْ، وسَوْفَ، والسين"، فإنّه أطلق اللفظ، وفيه تفصيلٌ. وذلك أنه لا يخلو بعد التخفيف من أن يليها اسمٌ أو فعل. فإن وليها اسمٌ؛ لم تحتج إلى العوض, لأنها جاءت على مقتضى القياس فيها، وذلك نحو قوله [من البسيط]:
في فتية كسيوف الهند ... إلخ
والمراد أنْه هالك، فالهاء مضمرة مرادة، و"هالكٌ" مرفوعٌ لأنه خبر مقدّم، والتقدير: كلّ من يحفى وينتعل هالكٌ. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (١) ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) فيمن قرأ بتخفيف النون والرفعِ. والمراد: أنَّهُ
стр. 1915
غَضَبُ الله عليها، ولا يجوز أن تكون "أنّ" بمعنَى "أيْ" كالّتي في قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ (١). قال سيبويه (٢): لأنّها لا تأتي إلَّا بعد كلام تامّ، وليس الخامسة وحدها بكلام تامّ، فتكونَ بمعنى "أيْ".
فأمّا إذا وليها فعلٌ؛ أُتي بالعوض، كأنّهم استقبحوا أن تلي "أنَّ" المخفّفةُ الفعلَ إذا حُذفت الهاء، وأنت تريدها، كأنّهم كرهوا أن يجمعوا على الحرف الحذفَ، وأن يليه ما لم يكن يليه، وهو مُثقَّلٌ، فأتوا بشيء يكون عوضًا من الاسم، نحوِ: "لا"، وقَدْ"، والسين، و"سَوْفَ"، نحوَ قولك: "قد عرفت أنْ لا يقومُ زيدٌ، وأنْ سيقومُ زيدٌ، وأنْ قد قام زيدٌ". ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٣)، وقوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٤). فمنهم من يجعل هذه الأشياء عوضًا من الاسم، ومنهم من يجعلها عوضًا عن توهينها بالحذف، وإيلائها ما لم يكن يليها من الأفعال قبلُ.
والآيات التي أوردها شواهدُ على الأحكام التي ذكرها. فأمّا قوله تعالى في يس: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٥) فـ "كلٌّ" رفع بالابتداء، لا أعلمُ في ذلك خلافًا؛ وأمّا التي في سورة هُود، فقد قُرىء ﴿وَإِنْ كُلٌّ﴾ (٦) بالرفع، ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ بالنصب. وقد تقدّم الكلام عليها. وقد قرئ: "لَمَّا" بالتشديد (٧)، ويحتمل أن تكون "لمَّا" بمعنى "إلَّا" للاستثناء، نحوَ قولهم: "عزمتُ عليك لمّا ضربتَ كاتبَك"، يريد: إلَّا ضربتَ كاتبَك. و"إن"، نافية، والتقدير: وما كلّ إلَّا لَيُوَفُيَنَّهُمْ. ويجوز أن تكون "إنَّ" المخفّفة من الثقيلة، و"لَمَّا" بمعنى "إلَّا"، وهي زائدة؛ لأنّ "إلَّا" تُستعمل زائدةً، نحوَ قول الشاعر [من الطويل]:
١١١٤ - أرَى الدَّهْرَ إلَّا مَنْجَنُونًا بأهْلِه ... وما صاحبُ الحاجات إلَّا معذَّبَا
стр. 1916
وأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
فلو أنك في يوم الرخاء (١) ... إلخ
البيت ذكره محمّد بن القاسِم الأنباريّ عن الفراء. الشاهدُ فيه إعمال "أن" المخفّفة في الظاهر, لأن الكاف في موضع نصب، وقد حكى بعضُ أهل اللغة: "أظنُّ أنْكَ قائمٌ، وأحسبُ أنْهُ ذاهبٌ". وقال الشاعر [من المتقارب]:
١١١٥ - بأنْكَ رَبِيعٌ وغَيْثٌ مَرِيعٌ ... وأنْكَ هناك تكون الثّمالَا
стр. 1917
وهو قليل شاذّ. وأما قوله [من الكامل]:
بالله ربّك إنَّ قتلت (١) ... إلخ
فأنشده الكوفيون شاهدًا على إيلاء "إن" المكسورة فعلًا من غير الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، وقد أنشده ابن جِنّي في سِرّ الصناعة [من الكامل]:
شلَّتْ يمينُك إنْ قتلتَ لَمُسْلِمًا (٢)
ومثله ما حُكي عن بعض العرب: "إنْ تَزِينُكَ لَنَفْسُكَ، وإنْ تَشينُك لَهِيَهْ". والبيت شاذ نادرٌ وهو من أبيات لعاتِكَةَ وقبله:
يا عمرُو لو نَبَّهْتَه لَوجدتَه ... لا طائشًا رَعِشَ الجَنانِ ولا اليَدِ
وكذلك الحكاية. وقال الفرّاء: هو كالنادر؛ لأن العرب لا تكاد تستعمل مثلَ هذا إلَّا مع فعل ماض، وذلك أنّ "إن" المخفّفة لمّا تُشاكِل التي للجزاء، استوحشوا أن يأتوا بها مع المضارع ولا يُعْمِلوها فيه، فأتوا بها جمع لفظ الماضي؛ لأنها لا عَمَلَ لها فيه، فلذلك كانت هنا كالنادر، ثمّ أعْلَمَك أنّ "أنْ"، إذا وليها الاسم وأُلغيت عن العمل ظاهرًا، لا يأتون بعوضٍ، نحوَ: "علمت أنْ زيدٌ قائمٌ"، والتقدير: أنّه زيدٌ قائمٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، أي: أنَّهُ، فـ "أنْ" وما بعدها في موضع رفع بأنّه خبر المبتدأ الذي هو "آخِرُ دعواهم"، فلا تكون "أنْ" ههنا بمعنَى "أيْ" للعبارة؛ لأنه يبقى المبتدأ بلا خبر. ونحوُه قوله:
في فتية كسيوف الهند (٤) ... إلخ
فأمّا إذا وليها الفعل، فلا بدّ من العوض على ما ذكرنا، نحوِ: "علمت أنْ لا يخرجُ زيدٌ، وأنْ قد خَرَجَ". قال أبو صَخْر الهُذَليّ [من الكامل]:
١١١٦ - فتَعَلَّمِي أنْ قد كَلِفْتُ بِكُمْ ... ثُمَّ افْعَلِي ماشئتِ عن عِلْمِ
стр. 1918
و"أنْ سوف يخرجُ". و"أنْ سيخرجُ". قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (١)، وقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٢)، فعوّضت مع الفعل ولم تعوّض مع الاسم, لأنه مع الاسم لحِقها ضربٌ واحدٌ من التغيير، وهو الحذف، ومع الفعل ضربان: الحذف ووقوع الفعل بعدها، فاعرفه.
فصل [مشاكلة الفعل الذي يدخل علي "إنّ" لها في التحقيق]
قال صاحب الكتاب: والفعل الذي يدخل على المفتوحة مشددة أو مخففة يجب أن يشاكلها في التحقيق, كقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٣) , قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٤) , فإن لم يكن كذلك, نحو: "أطمع", و"أرجو" و"أخاف" فليدخل على "أن" الناصبة للفعل كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ (٥) , وكقولك: "أرجو أن تحسن إليَّ, وأخاف أن تسيء إليَّ". وما فية وجهان كـ "ظننت", و"حسبت", و"خلت", فهو داخل عليهما جميعاً تقول: "ظننت أن تخرج وأنك تخرج وأنك ستخرج", وقريء قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٦) بالرفع والنصب (٧).
* * *
стр. 1919
قال الشارح: قد تقدّم أن "أنّ" المفتوحة معمولةٌ لِما قبلها، وأنّ معناها التأكيد والتحقيق، مجراها في ذلك مجرى المكسورة، فيجب لذلك أن يكون الفعل الذي تُبْنَى عليه مطابقًا لها في المعنى بأن يكون من أفعال العلم واليقين ونحوِهما، ممّا معناه الثبوت والاستقرار؛ ليَطابَق معنيا العامل والمعمول، ولا يتناقضا.
وحكمُ المخفّفة من الثقيلة في التأكيد والتحقيق حكم الثقيلة؛ لأن الحذف إنما كان لضرب من التخفيف، فهي لذلك فهي حكم المثقّلة، فلذلك لا يدخل عليها من الأفعال إلَّا ما يدخل على المثقّلة، فتقول: "تيقّنتُ أنْ لا تفعلُ ذاك"، كأنّك قلت: "أنَّك لا تفعل ذاك". قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (١)، وقال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٢)، وقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٣)، وهو من رؤية القلب بمعنى العلم، فـ "أَنْ" ههنا المخفّفة من الثقيلة، واسمها منويٌّ معها. ولا يقع قبلها شيء من أفعال الطَّمَع والإشفاق، نحوِ: "اشتهيتُ"، و"أردتُ"، و"أخافُ"؛ لأنّ هذه الأفعال يجوز فيها أن يوجَد ما بعدها وأن لا يوجد، فلذلك لا يقع بعدها إلَّا "أن" الخفيفة الناصبة للأفعال، لأنَّه لا تأكيد فيها ولا مضارَعةَ لِما فيه تأكيدٌ، فتقول: "أرجُو أنْ تًحْسِنَ إليّ، وأخافُ أنْ تُسيءَ إليّ". قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ (٤)، فهذا كلّه منصوب لا يجوز رفعه، وإذا قلت: "علمت أنْ سيَقُومُ"، فإنّه مرفوع لا يجوز نصبه؛ لأنّ ذلك ليس من مواضع الشكّ.
ومن الأفعال ما قد يقع بعدها "أن" المشدّدة والمخفّفة منها بمعناها، ويقع بعدها أيضًا الخفيفة الناصبة للأفعال المستقبلة، وهي أفعال الظنّ والمَحْسَبة، نحوُ: "ظننت"، و"حسبت"، و"خِلْت"، فهذه الأفعال أصلها الظنّ. ومعنى الظنّ أن يتعارض دليلان، ويترجّح أحدُهما على الآخر، وقد يقوى المُرْجَحُ فيستعمل بمعنى العلم واليقين، نحوَ قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (٥). وربما ضعُف، فصار ما بعدها مشكوكًا في وجوده، يحتمل أن لا يكون كأفعال الخوف والرجاء، فعلى هذا تقول إذا أُريد العلم: "ظننت أنّ زيدًا قائمٌ"، و"أظنُّ أنْ سيقومُ زيدٌ". قال الله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ (٦)، وقال: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ (٧)، والمراد بالظنّ هنا العلم؛ لأنه وَقْتُ رفعِ الشُّكوك. وقد قرئ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٨) رفعًا ونصبًا (٩)؛ فالرفع على أن
стр. 1920
الحِسْبان بمعنى العلم، و"أن" المخفّفة من الثقيلة العاملة في الأسماء، و"لا" عوضٌ من الذاهب، والتقديرُ: وحسبوا أنَّهُ لا تكون فتنة. والنصب على الشكّ بإجرائه مجرى الخوف، و"أن" العاملة في الفعل النصبَ.
فصل ["إنّ" بمعني "أجلْ" و"أنّ" بمعني "لعلَّ "]
قال صاحب الكتاب: وتخرج "إن" المكسورة إلى معنى "أجل". قال [من مجزوء الكامل]:
ويقُلنَ: شيبٌ قد علا ... ك وقد كبرت, فقلت: إنه (١)
وفي حديث عبد الله بن الزبير: "إن وراكبها" (٢). وتخرج المفتوحة إلى معنى "لعل", كقولهم: "إيت السُّوق أنك تشتري لحماً", وتبدل قيس وتميمٌ همزتها عيناً, فتقول: "أشهد عن محمداً رسول الله".
* * *
قال الشارح: وقد تستعمل "إنَّ" في الجواب بمعنى "أجَلْ"، فتقول في جوابِ من قال: "أجاءك زيدٌ": "إنَّهْ"، أي: نَعَمْ قد جاءني. والهاء للسكت أُتي بها لبيان الحركة، وليست ضميرًا، إنما تريد: "إنَّ"، إلَّا أنّك ألحقتَها الهاء في الوقف، والمعنى بمعنى "أجَلْ". والذي يدلّ على ذلك أنّها لو كانت للإضمار، لَثبتت في الوصل كما تثبت في الوقف، وأنت إنما تقول: "إنَّ يا فَتى"، كما تقول: "أجَلْ يا فتى"، فأما قوله [من مجزوء الكامل]:
ويقلن شيب (٣) ... إلخ
وقبله:
بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو ... ح يَلُمْنَني وألومُهُنَّهْ
ويروى:
بكرتْ عليّ عَواذلي ... يَلْحِيْنَني وألومُهُنّهْ
فالشعر لابن قيس الرُّقَيّات، والشاهد فيه قوله: "إنَّهْ" بإلحاق الهاء محافَظة على
стр. 1921
الحركة، لئلّا يُذْهِبها الوقف، فيجتمعَ ساكنان، إذ كانوا لا يقفون إلَّا على ساكنٍ. بكر العواذل أي: أخذ العواذل في اللَّوْم في هذا الوقت الذي هو بُكْرةٌ، وإنما كثُر ذلك حتى يُقال: "وإنْ بَكَرْتُمْ بُكْرَةٌ". والصَّبُوح: الشُّرْب صباحًا، أي: يلمنني على ذلك بعد المَشِيب، فقلت: نَعَمْ هو كذلك.
وإنّما خرجتْ "إنَّ" إلى معنَى "أجَلْ"؛ لأنّها تحقيق معنى الكلام الذي تدخل عليه في قولك: "إنَّ زيدًا راكبٌ". فلفا كانت تُحقِّق هذا المعنى؛ خرجت إلى تحقيق معنى الكلام الذي يتكلّم به المخاطبُ القائلُ، كما كانت تُحقِّق معنى كلام المتكلّم، فصارت تارةً تُحقّق كلام المتكلّم، وتارةً تحققّ معنى كلام غيره. وأمّا حديث عبد الله بن الزَّبِير فقد ذكرناه في فصلِ المنصوب بـ "لا".
وقد تستعمل "أنَّ" المفتوحة بمعنى "لَعَلَّ". يُقال: "إيتِ السُّوقَ أنّك تشتري لنا كذا"، أي: لَعَلَّكَ. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) على "لعلّها". ويؤيّد ذلك قراءةُ أُبَىّ (٢): ﴿لَعَلَّهَا﴾، كأنّه أبْهَمَ أمرُهم، فلم يُخْبِر عنهم بالإيمان ولا غيرِه. ولا يحسن تعليقُ "أنَّ" بـ "يشعركم"؛ لأنّه يصير كالعُذْر لهم، قال حُطائطُ بن يَعْفُرَ [من الطويل]:
١١١٧ - أرِيني جَوادًا ماتَ هَزْلًا لعلَّني ... أرَى ما تَرَيْنَ أو بَخِيلًا مُخَلَّدا
стр. 1922
قال المَرْزُوقيّ: هو بمعنَى "لَعَلَّ"، وقد روي: "لَعَلِّنِي أوى ما ترين". ومنه بيت أبي النَّجْم [من الرجز]:
١١١٨ - واعْدُ لأنَّا في الرّهان نُرْسِلُهْ
ويروى: "لَعَنَّا"، وهي لغةٌ في "لَعَلَّ"، وقال امرؤ القيس [من الكامل]:
١١١٩ - عُوجُوا على الرَّبْع المُحِيلِ لأنَّنَا ... نَبْكِى الدّيارَ كما بكى ابنُ خَذامِ (١)
стр. 1923
وقُرىء: ﴿رَبِيّ﴾ (١) بالكسر على الاستئناف، كأنّه أخبر أنّها إذا جاءت لا يؤمنون، ويكون الكلام قد تمّ قبلها، أي: وما يُشْعِركم ما يكون منهم.
وقد تُبْدَل همزةُ "أنَّ" عينًا، فتقول: "أشهدُ عَنَّ محمّدًا رسولُ الله". ويروى في بيت ذي الرُّمّة، وهو [من البسيط]:
١١٢٠ - أأنْ تَرَسَّمْتَ من خَرْقاءَ منزلةً ... [ماءُ الصَّبابَةِ مِنْ عينيكَ مَسْجومُ]
стр. 1924
أعَنْ ترسّمتَ. ومنه قول الآخر [من الطويل]:
١١٢١ - فعَيْناكِ عَيْناها وجِيدُكِ جِيدُها ... سِوَى عَنَّ عَظْمَ الساقِ مِنْكِ دَقِيقُ
وهي عَنْعَنَةُ بني تميم، وقد استوفيتُ هذا الموضع في شرح المُلوكيّ.
فصل [لكن]
قال صاحب الكتاب: "لكنَّ" هي للاستدراك توسطها بين كلامين متغايرين نفياً وإيجاباً، فيستدرك بها النفي بالإيجاب بالنفي وذلك قولك: "ما جاءني زيد لكن عمراً جاءني"، و"جاءني زيد لكن عمراً لم يجيء".
* * *
قال الشارح: أمّا "لكِنَّ"، فحرفٌ نادرُ البناء لا مثالَ له في الأسماء والأفعال. وألفُه أصلٌ: لأنّا لا نعلم أحدًا يُؤخَذ بقوله ذهب إلى أن الألفات في الحروف زائدةٌ، فلو سمّيت به لصار اسمًا، وكانت ألفه زائدة، ويكون وزنه فَاعِلاَّ؛ لأن الألف لا تكون أصلًا في ذوات الأربعة من الأفعال والأسماء.
стр. 1925
وذهب الكوفيون إلى أنها مركّبة، وأصلُها "إنَّ" زيدت عليها "لا" و"الكافُ". وهو قول حسن لندرة البناء، وعدم النظير، ويؤيّده دخولُ اللام في خبره، كما تدخل في خبرِ "إنَّ" على مذهبهم. ومنه [من الطويل]:
ولكنّني مِن حُبّها لَعَمِيدُ (١)
والمذهب الأوّل لضُعْف تركيب ثلاثة أشياء وجَعْلِها حرفًا واحدًا.
ومعناها الاستدراك، كأنك لمّا أخبرتَ عن الأوّل بخبرٍ، خفت أن يُتوهّم من الثاني مثلُ ذلك، فتداركتَ بخبره إن سَلْبًا أو إيجابًا. ولابدّ أن يكون خبر الثاني مخالفًا لخبر الأوّل لتحقيق معنى الاستدراك، ولذلك لا تقع إلَّا بين كلامَيْن متغايرَيْن في النفي والإيجاب، فهي شبيهةٌ بـ "أنَّ" المفتوحة في كونها لا تقع أوّلًا، إلَّا أنّ "أنَّ" في تقديرِ مفرد، و"لكِنَّ" في تقديرِ جملة. ولهذا يُعْطَف على موضعها بالرفع، كما يعطف على موضع "إنَّ" المكسورة، فاعرفه.
فصل [التغاير في المعني بمنزلته في اللفظ]
قال صاحب الكتاب: والتغاير في المعنى بمنزلته في اللفظ كقولك: "فارقني زيدًا لكن عمراً حاضرٌ"، و"جاءني زيدٌ لكن عمراً غائبٌ"، وقوله : ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ (٢) على معنى النفي, وتضمن: ما أراكهم كثيراً.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ "لكِنّ" المشدّدة والخفيفة سِيّان في الاستدراك، وأنّ ما بعدهما يكون مخالفًا لِما قبلهما. فالخفيفةُ يُوجَب بها بعد نفي، ويُشْرَك الثاني والأوّل في عمل العامل, لأنها عاطفةٌ مفردًا على مفرد، كقولك: "ما جاءني زيدٌ لكنْ عمرٌو"، فتُشْرِك بينهما في الإعراب الذي أوجبه العاملُ. وليس كذلك المشدّدة، فإنّها تدخل على جملة تصرفها إلى الاستئناف. ولشَبَهها بالخفيفة لا يكون ما بعدها إلَّا مخالفًا لِما قبلها مُغايِرًا له.
وتقع بعد النفي والإثبات، فإن كان ما قبلها موجبًا؛ كان ما بعدها منفيًا. وإن كان ما قبلها منفيًا؛ كان ما بعدها موجبًا؛ لأن ما بعدها كلامٌ مستغنٍ، فمعناه يُنْبِىء عن المغايَرة، ولا حاجةَ إلى الأداة النافية، بل إن كان؛ فحسنٌ، وإن لا؛ فلا ضرورةَ إليه.
стр. 1926
قال الله تعالى في النفي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
وتقول: "فارقني زيدٌ لكنّ عمرًا حاضرٌ"، فكلّ واحدة من الجملتين إيجابٌ، إلَّا أنّ معناهما متغايِرٌ، فاكتُفي بمعنى الخبر الثاني عن تقدُّم النافي. ونظائرُ ذلك كثيرةٌ. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ (٤)، فيحتمل أمرَيْن، أحدهما: ما ذكره وهو أن قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ في معنى: ما أراكهم كثيرًا لوجودِ السلامة ممّا ذكر. والثاني أنّه أتي به موجبًا؛ لأنّ الأوّل منفىٌّ؛ لأنّ ما بعد "لَوْ" يكون منفيًا، فصار المعنى: ما أراكهم كثيرًا، وما فشلتم ولا تنازعتم، ولكن الله سلم.
فصل [تخفيف "لكن "]
قال صاحب الكتاب: وتخفف, فيبطل عملها كما يبطل عمل "إن", و"أن". وتقع في حروف العطف على ما سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى.
* * *
قال الشارح: اعلم أنهم قد يخفّفون "لكِنَّ" بالحذف لأجل التضعيف، كما يخفّفون "إنْ"، و"أنّ"، فيسكن آخِرُها، كما يسكن آخرُهما؛ لأن الحركة إنما كانت لالتقاء الساكنين، وقد زال أحدهما، فبقي الحرف الأوّل على سكونه. ولا نعلمها أُعْملت مخفّفةً كما أعملتْ "إنْ"، وذلك أنّ شَبَهَها بالأفعال بزيادة لفظها على لفظ الفعل؛ فلذلك لمّا خُفّفت وأُسكن آخِرها، بطل عملُها، إلَّا أنّ معنى الاستدراك باقٍ على حاله. ولذلك دخلت في باب العطف، إذ كان حكمُها أن تقع بين كلامَيْن متغايِرَيْن، وهي في العطف كذلك. قال أبو حاتم: إذا كانت "لكن" بغير واو في أوّلها؛ فالتخفيف فيها هو الوجه، نحوُ: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٥) ونحوِه؛ لأنها بمنزلةِ "بَل" من جهةِ أنها لا تدخل عليها الواو؛ لأنها من حروف العطف. وإذا كانت الواو في أوّلها، فالتشديد فيها هو الوجه، وإن كان الوجهان جائزَيْن فيها.
وكان يونس يذهب إلى أنّها إذا خُفّفت لا يبطل عملها، ولا تكون حرف عطف، بل تكون عنده مثلَ "إنْ"، و"أنْ"، فكما أنّهما بالتخفيف لم يخرجا عمّا كانا عليه قبل
стр. 1927
التخفيف، فكذلك "لكِنْ". فإذا قلت: "ما جاءني زيدٌ لكنْ عمرٌو"؛ فـ "عمرٌو" مرتفعٌ بـ "لكن"، والاسم مضمرٌ محذوف كما في قوله [من الطويل]:
١١٢٢ - [فلو كنتَ ضَبِّيَّا عَرَفْتَ قرابتي] ... ولكِنّ زَنْجِيٌّ عظيمُ المَشافِرِ
وإذا قلت: "ما ضربتُ زيدًا لكنْ عمرًا"، ففيها ضميرُ القصّة، و"عمرًا" منصوب بفعل مضمر. وإذا قال: "ما مررت يزيد لكن عمرو"، فـ "عمرو" مخفوض بباء محذوفة، وفي "لكن" ضمير القصّة أيضًا، والجارّ والمجرور متعلّق بفعل محذوف دلّ عليه الظاهرُ، كأنه قال: "لكنّه مررت بعمرو". والمذهبُ الأوّل، فاعرفه.
فصل ["كأن "]
قال صاحب الكتاب: "كأن" هي للتشبيه، ركبت الكاف مع "إن", كما رُكبت مع "ذا" و"أي" في "كذا" و"كأين". وأصل قولك:"كأن زيدًا الأسد": إن زيداً كالأسد، فلما قدمت الكاف؛ فتحت لها الهمزة لفظاً, والمعنى على الكسر. والفصل بينه وبين الأصل إنك ههنا بان كلامك على التشبيه من أول الأمر، وثم بعد مضي صدره على الإثبات.
* * *
стр. 1928
قال الشارح: وأمّا "كَأنَّ"، فحرفٌ معناه التشبيه، وهو مركّبٌ من كاف التشبيه و"إنَّ". فأصلُ قولك: "كأنّ زيدًا الأسدُ": إنَّ زيدًا كالأسد. فالكاف هنا تشبيةٌ صريحٌ، وهي في موضع الخبر تتعلّق بمحذوف تقديره: إنَّ زيدًا كائن كالأسد. ثمّ إنّهم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي عقدوا عليه الجملةَ، فأزالوا الكاف من وسط الجملة، وقدّموها إلى أوّلها لإفراط عنايتهم بالتشبيه. فلمّا أدخلوا على "إنَّ"، وجب فتحُها؛ لأن المكسورة لا يقع عليها حروفُ الجرّ، ولا تكون إلَّا أوّلًا. وبقي معنى التشبيه الذي كان فيها متأخّرةً، فصار اللفظ: "كأنّ زيدًا أسدٌ"، إلَّا أن الكاف لا تتعلّق الآنَ بفعل ولا معنى فعل، لأنّها أُزيلت عن الموضع الذي كان يمكن أن تتعلّق فيه بمحذوف، وقُدّمت إلى أوّل الجملة، فزال ما كان لها من التعلّق بخبرِ "إنَّ" المحذوفِ، وليست الكاف هنا زائدة على حدّ زيادتها في "كَذَا"، و"كأيِّ".
فأمّا قوله: "رُكّبت الكاف مع "إنَّ" كما ركّبت مع "ذَا" و"أيٍّ""، فإنّ المراد الامتزاج وصَيْرورتهما كالشيء الواحد، لا أنّها زائدةٌ على حدّ زيادتها فيهما. ألا ترى أن التشبيه في "كأنّ" باقٍ، ولا معنى للتشبيه في "كذا"، و"كأيّ"؟
فإن قيل: فإذا لم تكن الكاف زائدة، فهل لها عملٌ هنا؟ فالجواب أنّ القياس أن تكون "أنَّ" من "كَأنَّ" في موضع جرّ بالكاف.
فإن قيل: الكاف هنا ليست متعلّقة بفعل؛ قيل: لا يمنع ذلك عملَها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، فإنّ الكاف غير متعلّقة بشيء، وهي مع ذلك جارّةٌ. وكذلك "هل من أحدٍ عندك" فـ "مِنْ" جارّةٌ، وليست متعلّقة بفعل، ولا غيرِه. وكذلك قولك: "بحَسْبك زيدٌ"، الباء خافضةٌ وإن لم تتعلّق بفعل. وُيؤيِّد عندك أنها في موضعِ مجرور فتحُها عند دخول الكاف عليها، كما تُفْتَح مع غيرها من العوامل الخافضة وغيرِها من نحوِ: "عجبتُ من أنّك منطلقٌ"، و"أعطيتُك لأنك مستحِقٌّ"، و"أظنُّ أنّك منطلقٌ"، و"بَلَغَني أنّك كريمٌ"، فكما فُتحت "أنَّ" لوقوعها في هذه الأماكن بعد عاملٍ قبلها، كذلك فُتحت بعد الكاف؛ لأنها عاملةٌ.
فإن قيل: فما الفرق بين الأصل والفرع في "كَأنَّ"؟ قيل: التشبيه في الفرع أقعدُ منه في الأصل. وذلك إذا قلت: "زيدٌ كالأسد"، فقد بنيت كلامك على اليقين، ثمّ طَرأ التشبيهُ بعدُ، فَسَرَى من الآخِر إلى الأوّل. وليس كذلك في الفرع الذي هو قولك: "كأنّ زيدًا أسدٌ"؛ لأنّك بنيتَ كلامك من أوّله على التشبيه، فاعرفه.
стр. 1929
فصل [تخفيف "كأن "]
قال صاحب الكتاب: وتخفَّف فيبطل عملها. قال [من الهرج]:
١١٢٣ - ونحرٍ مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان
ومنهم من يعملها. قال [من الرجز]:
١١٢٤ - كأن وريديه رشاءا خلب
стр. 1930
وفي قوله [من الطويل]:
١١٢٥ - [ويومًا تُوافينا بوجهٍ مقسمٍ] ... كأن ظبيةٌ تعطو إلى وارق (١) السَّلمْ
ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجر على زيادة "أن".
* * *
قال الشارح: حكمُ "كَأنَّ" كحكم "أنَّ" المفتوحة. إذا خُفَّفت ففيها وجهان: