قال الله تعالى في النفي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
وتقول: "فارقني زيدٌ لكنّ عمرًا حاضرٌ"، فكلّ واحدة من الجملتين إيجابٌ، إلَّا أنّ معناهما متغايِرٌ، فاكتُفي بمعنى الخبر الثاني عن تقدُّم النافي. ونظائرُ ذلك كثيرةٌ. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ (٤)، فيحتمل أمرَيْن، أحدهما: ما ذكره وهو أن قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ في معنى: ما أراكهم كثيرًا لوجودِ السلامة ممّا ذكر. والثاني أنّه أتي به موجبًا؛ لأنّ الأوّل منفىٌّ؛ لأنّ ما بعد "لَوْ" يكون منفيًا، فصار المعنى: ما أراكهم كثيرًا، وما فشلتم ولا تنازعتم، ولكن الله سلم.
فصل [تخفيف "لكن "]
قال صاحب الكتاب: وتخفف, فيبطل عملها كما يبطل عمل "إن", و"أن". وتقع في حروف العطف على ما سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى.
* * *
قال الشارح: اعلم أنهم قد يخفّفون "لكِنَّ" بالحذف لأجل التضعيف، كما يخفّفون "إنْ"، و"أنّ"، فيسكن آخِرُها، كما يسكن آخرُهما؛ لأن الحركة إنما كانت لالتقاء الساكنين، وقد زال أحدهما، فبقي الحرف الأوّل على سكونه. ولا نعلمها أُعْملت مخفّفةً كما أعملتْ "إنْ"، وذلك أنّ شَبَهَها بالأفعال بزيادة لفظها على لفظ الفعل؛ فلذلك لمّا خُفّفت وأُسكن آخِرها، بطل عملُها، إلَّا أنّ معنى الاستدراك باقٍ على حاله. ولذلك دخلت في باب العطف، إذ كان حكمُها أن تقع بين كلامَيْن متغايِرَيْن، وهي في العطف كذلك. قال أبو حاتم: إذا كانت "لكن" بغير واو في أوّلها؛ فالتخفيف فيها هو الوجه، نحوُ: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٥) ونحوِه؛ لأنها بمنزلةِ "بَل" من جهةِ أنها لا تدخل عليها الواو؛ لأنها من حروف العطف. وإذا كانت الواو في أوّلها، فالتشديد فيها هو الوجه، وإن كان الوجهان جائزَيْن فيها.
وكان يونس يذهب إلى أنّها إذا خُفّفت لا يبطل عملها، ولا تكون حرف عطف، بل تكون عنده مثلَ "إنْ"، و"أنْ"، فكما أنّهما بالتخفيف لم يخرجا عمّا كانا عليه قبل
стр. 1927
التخفيف، فكذلك "لكِنْ". فإذا قلت: "ما جاءني زيدٌ لكنْ عمرٌو"؛ فـ "عمرٌو" مرتفعٌ بـ "لكن"، والاسم مضمرٌ محذوف كما في قوله [من الطويل]:
١١٢٢ - [فلو كنتَ ضَبِّيَّا عَرَفْتَ قرابتي] ... ولكِنّ زَنْجِيٌّ عظيمُ المَشافِرِ
وإذا قلت: "ما ضربتُ زيدًا لكنْ عمرًا"، ففيها ضميرُ القصّة، و"عمرًا" منصوب بفعل مضمر. وإذا قال: "ما مررت يزيد لكن عمرو"، فـ "عمرو" مخفوض بباء محذوفة، وفي "لكن" ضمير القصّة أيضًا، والجارّ والمجرور متعلّق بفعل محذوف دلّ عليه الظاهرُ، كأنه قال: "لكنّه مررت بعمرو". والمذهبُ الأوّل، فاعرفه.
فصل ["كأن "]
قال صاحب الكتاب: "كأن" هي للتشبيه، ركبت الكاف مع "إن", كما رُكبت مع "ذا" و"أي" في "كذا" و"كأين". وأصل قولك:"كأن زيدًا الأسد": إن زيداً كالأسد، فلما قدمت الكاف؛ فتحت لها الهمزة لفظاً, والمعنى على الكسر. والفصل بينه وبين الأصل إنك ههنا بان كلامك على التشبيه من أول الأمر، وثم بعد مضي صدره على الإثبات.
* * *
стр. 1928
قال الشارح: وأمّا "كَأنَّ"، فحرفٌ معناه التشبيه، وهو مركّبٌ من كاف التشبيه و"إنَّ". فأصلُ قولك: "كأنّ زيدًا الأسدُ": إنَّ زيدًا كالأسد. فالكاف هنا تشبيةٌ صريحٌ، وهي في موضع الخبر تتعلّق بمحذوف تقديره: إنَّ زيدًا كائن كالأسد. ثمّ إنّهم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي عقدوا عليه الجملةَ، فأزالوا الكاف من وسط الجملة، وقدّموها إلى أوّلها لإفراط عنايتهم بالتشبيه. فلمّا أدخلوا على "إنَّ"، وجب فتحُها؛ لأن المكسورة لا يقع عليها حروفُ الجرّ، ولا تكون إلَّا أوّلًا. وبقي معنى التشبيه الذي كان فيها متأخّرةً، فصار اللفظ: "كأنّ زيدًا أسدٌ"، إلَّا أن الكاف لا تتعلّق الآنَ بفعل ولا معنى فعل، لأنّها أُزيلت عن الموضع الذي كان يمكن أن تتعلّق فيه بمحذوف، وقُدّمت إلى أوّل الجملة، فزال ما كان لها من التعلّق بخبرِ "إنَّ" المحذوفِ، وليست الكاف هنا زائدة على حدّ زيادتها في "كَذَا"، و"كأيِّ".
فأمّا قوله: "رُكّبت الكاف مع "إنَّ" كما ركّبت مع "ذَا" و"أيٍّ""، فإنّ المراد الامتزاج وصَيْرورتهما كالشيء الواحد، لا أنّها زائدةٌ على حدّ زيادتها فيهما. ألا ترى أن التشبيه في "كأنّ" باقٍ، ولا معنى للتشبيه في "كذا"، و"كأيّ"؟
فإن قيل: فإذا لم تكن الكاف زائدة، فهل لها عملٌ هنا؟ فالجواب أنّ القياس أن تكون "أنَّ" من "كَأنَّ" في موضع جرّ بالكاف.
فإن قيل: الكاف هنا ليست متعلّقة بفعل؛ قيل: لا يمنع ذلك عملَها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، فإنّ الكاف غير متعلّقة بشيء، وهي مع ذلك جارّةٌ. وكذلك "هل من أحدٍ عندك" فـ "مِنْ" جارّةٌ، وليست متعلّقة بفعل، ولا غيرِه. وكذلك قولك: "بحَسْبك زيدٌ"، الباء خافضةٌ وإن لم تتعلّق بفعل. وُيؤيِّد عندك أنها في موضعِ مجرور فتحُها عند دخول الكاف عليها، كما تُفْتَح مع غيرها من العوامل الخافضة وغيرِها من نحوِ: "عجبتُ من أنّك منطلقٌ"، و"أعطيتُك لأنك مستحِقٌّ"، و"أظنُّ أنّك منطلقٌ"، و"بَلَغَني أنّك كريمٌ"، فكما فُتحت "أنَّ" لوقوعها في هذه الأماكن بعد عاملٍ قبلها، كذلك فُتحت بعد الكاف؛ لأنها عاملةٌ.
فإن قيل: فما الفرق بين الأصل والفرع في "كَأنَّ"؟ قيل: التشبيه في الفرع أقعدُ منه في الأصل. وذلك إذا قلت: "زيدٌ كالأسد"، فقد بنيت كلامك على اليقين، ثمّ طَرأ التشبيهُ بعدُ، فَسَرَى من الآخِر إلى الأوّل. وليس كذلك في الفرع الذي هو قولك: "كأنّ زيدًا أسدٌ"؛ لأنّك بنيتَ كلامك من أوّله على التشبيه، فاعرفه.
стр. 1929
فصل [تخفيف "كأن "]
قال صاحب الكتاب: وتخفَّف فيبطل عملها. قال [من الهرج]:
١١٢٣ - ونحرٍ مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان
ومنهم من يعملها. قال [من الرجز]:
١١٢٤ - كأن وريديه رشاءا خلب
стр. 1930
وفي قوله [من الطويل]:
١١٢٥ - [ويومًا تُوافينا بوجهٍ مقسمٍ] ... كأن ظبيةٌ تعطو إلى وارق (١) السَّلمْ
ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجر على زيادة "أن".
* * *
قال الشارح: حكمُ "كَأنَّ" كحكم "أنَّ" المفتوحة. إذا خُفَّفت ففيها وجهان:
стр. 1931
أجودُهما إبطال عملها ظاهرًا، وذلك لنقص لفظها بالتخفيف، فتقول: "كأن زيدٌ أسدٌ"، والمراد: كأنّه زيدٌ أسدٌ، أي: الشأن والحديث. وقوله: يبطل عملها، يريد: ظاهرًا، فأمّا قوله [من الهزج]:
ونحر مشرق اللون ... إلخ
فالشاهد فيه رفعُ "ثدياه"، و"ثدياه" رفيع بالابتداء، و"حقّان" الخبر، والجملة خبرُ "كَأنْ"، والضمير في "ثدياه" يعود إلى "النحر" أو"الوجهِ"، والمراد به صاحبُه. ويجوز إعماله، فيقال: "كأنْ ثَدْيَيْه". وقد روي كذلك. قال الخليل (١): وهذا يُشْبه قولَ الفرزدق [من الطويل]:
فلو كنتَ ضَبّيًا عرفتَ قَرابَتي ... ولكِنّ زَنْجِيٌّ عَظيمُ المَشافِرِ (٢)
والمراد: ولكنّه زنجىٌّ لا يعرف قرابتي. قال (٣): والنصب في هذا كلّه أكثرُ. قال السيرافيّ: مَن نصب جعله الاسمَ وأضمر الخبر، كأنه قال: ولكنّ زنجيَّا. ومَن رفع أضمر الاسم، وكان الظاهر الخبرَ، تقديره: ولكنّك زنجىٌّ، وأما قوله، أنشده سيبويه [من الرجز]:
كأنْ وريديه رشاءا خلب
البيت، فالشاهد فيه نصب "وريديه" على إِعمالها مخفّفةً. والوَرِيدان: حَبْلا العنق من مُقدّمه، والرشاءُ: الحبل. والخُلْب: اللّيف. وأمّا قول الآخر - وهو ابن صريم اليَشْكُريّ -[من الطويل]:
ويومًا تُوافِينا بوَجْهٍ مُقَسَّمٍ ... كأنْ ظَبْيَةٌ تَعْطو إلى وارِقِ السَّلَمْ
فيروى على ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجرّ. فمَن رفع، فعلى الخبر، واسمُها محذوف مقدّر، والمعنى: كأنّها ظبيةٌ تعطو. ومن نصب، فعلى أنه اسمها، والخبر محذوف منويّ، كأنّه قال: كأن ظبيةً هذه المرأةُ، فهذه المرأة الخبرُ. وأمّا الجرّ، فعلى إعمال حرف الجرّ، وهو الكاف، و"أنْ" مزيدةٌ، والمعنى: كظبيةٍ. وصف امرأةً حسنةَ الوجه، فشبّهها بظبيةِ مُخْضِبَةٍ. والعاطيةُ: التي تَتناول أطرافَ الشجر مُرْتَعِيَةً. والوارق: المُورِق، يُقال: ورقت الشجرةُ وأورقت، وأورقت أكثرُ. ويجوز أن يكون المراد وارق الشجر من الخُضْرة والنَّضْرة من الورَاق وهي الأرض الخَضِرة المُخْصِبة، فليس من لفظ الوَرَق، فاعرفه.
стр. 1932
فصل ["ليت "]
قال صاحب الكتاب: "ليت" هي للتمني, كقوله تعالى: ﴿ياليتنا نُرَدُّ﴾ (١). ويجوز عند الفراء أن تجري مجرى "أتمنى", فيقال: "ليت زيداً قائماً", كما يقال: "أتمنى زيداً قائماً", والكسائي يجيز ذلك على إضمار "كأن". والذي غرهما منها قول الشاعر [من الرجز]:
يا ليت أيام الصبا رواجعا (٢)
وقد ذكرت ما هو علته عند البصريين.
* * *
قال الشارح: "لَيْتَ" حرف ثلاثيُّ البناء، مثلُ "إنَّ" و"أنَّ"، وحقّه أن يكون موقوف الآخر، إلَّا أنه حُرّك لالتقاء الساكنين، وفُتح طلبًا للخفّة، كأنّهم استثقلوا الكسرة بعد الياء، كما فعلوا ذلك في "أيْنَ" و"كَيفَ". ومعناها: أتَمَنَّى. وتعمل عملَ أخواتها من نصب الاسم ورفع الخبر، نحوَ قولك: "ليت زيدًا قائمٌ". قال الله تعالى: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ (٣)، فالنون والألف في موضعِ منصوب بأنّه اسم "لَيْتَ"، و"نردّ" في موضع الخبر. وتقديره: مردودون. وقال سبحانه: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ﴾ (٤)، فالنون والياء في موضع نصب، و"مِتُّ" في موضع رفع، أي: مَيْتٌ.
وقد أجاز الفَرّاء أن تنصب لها الاسمَيْن جميعًا، فقال: "ليت زيدًا قائمًا"، على معنَى "ليت"، فكأنه قال: "أتمنّى زيدًا قائمًا"، أو"تمنّيتُ زيدًا قائمًا"، كأنّه يلمَح الفعلَ الذي ناب الحرفُ عنه فيُعْمِله.
وأجاز الكسائيّ نصب الاسمين معًا، لكن على غير هذا التقدير، وإنّما يُضْمِر "كانَ"، والتقدير عنده: "ليت زيدًا كان قائمًا". قال: لأنّ "كانَ" تستعمل هنا كثيرًا، نحوَ قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٦)، واعتمادُهم على قوله [من الرجز]:
يا ليت أيّام الصبا رواجعا (٧)
فليس على ما تَوهّموه، إنّما هو على حذف الخبر. والتقديرُ: يا ليت أيّام الصّبا
стр. 1933
رواجعَ لنا، أو أقبلتْ رواجعَ. وذلك لأنه لم يُرِد معنى الخبر، وإنّما هو في حال تَمَنّ لنفسه، أو لمن حَلَّ عنده هذا المَحَلَّ، فلذلك ساغ الحذف لدلالة هذا المعنى على "لَنا" في هذا الكلام، كما دلّت حالُ الافتخار في قوله [من المنسرح]:
إنَّ مَحَلا وإنّ مُرْتَحَلا (١)
على معنَى: لَنا، فاعرفه.
فصل [وقوع "أنّ" بعد "ليت "]
قال صاحب الكتاب: وتقول:"ليت أن زيداً خارجٌ" وتسكت, كما سكتَّ على "ظننت أن زيداً خارجٌ".
* * *
قال الشارح: تقول "ليت أنّ زيدًا خارجٌ"، وتكتفي بـ "أنَّ" مع صلتها عن أن تأتي بخبرِ "لَيْتَ"؛ لأنها تدلّ على معنى الاسم والخبر لدخولها على المبتدأ والخبر، كما كانت "ظننت" وأخواتها كذلك، فجاز أن تقول: "ليت أنّ زيدًا خارجٌ"، كما تقول: "ظننت أن زيدًا خارجٌ"، ولا تحتاج إلى خبر؛ لأنّ الصلة قد تضمّنت الاسمَ والخبرَ، كما لم تحتج إلى ذلك المفعول الثاني؛ لأنك قد أتيتَ بذكرِ ذلك في الصلة، إذ المعنى: ظننت انطلاقًا من زيد.
وقياسُ مذهب الأخفش وتقديرِه مفعولًا ثانيًا من "ظننت" أن تُقدِّر في "ليت" خبرًا، ولا يجوز "ليت أن يقوم زيدٌ" وتسكت، حتى تأتي بخبر، فتقول: "ليت أن يقوم زيد خيرٌ له"؛ لأنها إنما تدخل على الفعل، وتعمل فيه، ولا تدخل على المبتدأ والخبر، ولذلك لم تَنُبْ عنهما بخلافِ "أنَّ" المشدّدةِ، فاعرفه.
فصل ["لعل "]
قال صاحب الكتاب: "لعل" هي لتوقع مرجو أو مخوف، وقوله : ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (٢) و ﴿لعلكم تفلحون﴾ (٣) ترج للعباد، وكذلك قوله : ﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ (٤) , ومعناه: اذهبا أنتما على رجائكما ذلك من فرعون.
* * *
قال الشارح: "لَعَلَّ" تَرَجّ. قال سيبويه (٥): "لَعَلَّ" و"عَسَى" طَمَعٌ وإشفاقٌ، وهي
стр. 1934
تنصب الاسم وترفع الخبر كـ "إنَّ"، إلَّا أنّ خبرها مشكوكٌ فيه، وخبرُ "إنَّ" يقينٌ. تقول في الترجّي: "لعلّ زيدًا يقوم"، وفي الإشفاق: "لعلّ بكرًا يضرب". وهذا معناها ومقتضى لفظها لغةً، إلَّا أنّها إذا وردت في التنزيل؛ كان اللفظ على ما يتعارفه الناس، والمعنى على الإيجاب بمعنى "كَيْ"؛ لاستحالة الشكّ في أخبار القديم سبحانه. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، أي: كَيْ تَتَّقُوا. هكذا جاء في التفسير ومثلُه قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (٢)، والمعنى على أن الله أمر بالعدل والعمل بالشرائع قبل أن يُفاجِىء اليومُ الذي لا رَيْبَ في حصوله. فـ "لَعَلَّ" ههنا إِشفاقٌ. فأمّا تذكير "قريب" وإن كان خبرًا عن مؤنث؛ فإنّ الساعة في معنى البعث والنشور، وكلاهما مذكّرٌ، وعلى إرادة حذف مضاف، أي: مجىء الساعة. وكذلك قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣)، أي: اذهبا على رَجائكما وطَمَعِكما من فرعون، فالرجاءُ لهما، أي: باشروا أمرَه مباشرةَ من يرجو ويطمع في إيمانه، مع العلم بأن فرعون لا يؤمن، لكنْ لإلزام الحُجّة وقَطع المَعْذِرة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)، معناه: كي تفلحوا، أي: مَن عمل بالطاعة وانتهى إلى أوامر الله، كان الفَلاحُ مرجوًا له، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وقد لمح فيها معنى التمني من قرأ: ﴿فأطلع﴾ (٥) بالنصب وهي في حرف (٦) عاصم.
* * *
قال الشارح: قد قُرئت هذه الآية: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ بالرفع عطفًا على ﴿أَبْلُغَ﴾، وبالنصب كأنّه جوابُ "لَعَلَّ" إذ كانت في معنى التمنّي، كأنّه شبّه الترجّي بالتمنّي، إذ كان كلّ واحد منهما مطلوبَ الحصول مع الشكّ فيه. والفرقُ بينهما أنّ الترجّي توقُّعُ أمر مشكوك فيه أو مظنونٍ، والتمنّي طلبُ أمر موهوم الحصول، وربما كان مستحيلَ الحصول، نحوَ قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ (٧)، و ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ (٨)، وهذا
стр. 1935
طلبُ مستحيل، إذ كان الواقع بخلافه. ويجوز أن يكون النصب في قوله: "فَأطَّلِعَ"؛ لأنه جواب الأمر، أي: ابْنِ لي فَاطَّلِعَ.
فصل [وقوع "أنَّ" بعد "لعلّ "]
قال صاحب الكتاب: وقد أجاز الأخفش: "لعل أن زيداً" قاسها على "ليت". وقد جاء في الشعر [من الطويل]:
١١٢٦ - لعلك يوماً أن تلم ملمةٌ ... عليك من اللائي يدعنك أجدعا
قياساً على "عسى".
* * *
قال الشارح: لا يحسن وقوعُ "أنَّ" المشدّدة بعد "لَعَلَّ" إذ كانت طمعًا وإشفاقًا، وذلك أمرٌ مشكوكٌ في وقوعه، و"أنَّ" المشدّدة للتحقيق واليقين، فلا تقع إلَّا بعد العلم واليقين، نحوَ "علمت أنّ زيدًا قائمٌ"، و"تيقّنتُ أنّ الأمير عادلٌ". وقد أجاز الأخفش ذلك على التشبيه بـ "لَيْتَ" إذ كان الترجّي والتمنّي يتقاربان على ما ذكرناه آنِفًا، فأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
لعلّك يومًا ... إلخ
стр. 1936
فالبيت لمُتمَّم بن نُوَيْرةَ اليَرْبُوعيّ يرثي أخاه مالكًا، وفيه بُعْدٌ من حيث أنّ "لَعَلَّ" داخلةٌ على المبتدأ والخبرُ، والخبرُ، إذا كان مفردًا، كان هو المبتدأ في المعنى، والاسمُ ههنا جُثًةٌ؛ لأنّه ضمير المخاطب، و"أنْ" والفعلُ حَدَثٌ، فلا يصحّ أن تكون خبرًا عنه. وإنّما ساغ ههنا؛ لأنها بمعنَى "عَسَى" إذ كان معناهما الطَّمع والإشفاق؛ فلذلك جاز دخولُ "أنْ" في خبرها.
فصل [لغات "لعل "]
قال صاحب الكتاب: فيها لغاتٌ: "لعلَّ", و"علَّ", و"عن", و"أن", و"لأن", و"لعنَّ", و"لَغَنَّ". وعند أبي العباس أن أصلها "عل" زيدت عليها لام الابتداء.
* * *
قال الشارح: اعلم أن العرب قد تَلعّبتْ بَهذا الحرف كثيرًا لكثرته في كلّامهم, لأنّ معناه الطمع، ولا يخلو إنسانٌ من ذلك، فقالوا: "لَعَلَّ"، و"عَلَّ". وقد اختلفوا فيها، فذهب أبو العبّاس المبرّد وجماعةٌ من البصريين (١) إلى أن الأصل "عَلَّ"، واللام في "لعلّ" زيادةٌ على حدّ زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ (٢) في قراءةِ من فتح، وهي قراءة سَعيد بن جُبَيْر، وعلى حد قول الشاعر [من البسيط]:
مَرُّوا عُجالَى فقالوا كيف صاحبُكم ... قال الَّذي سَألُوا أمْسَى لَمَجْهُودَا (٣)
واحتجّوا لزيادة اللام بأنها قد حُذفت كثيرًا. قال الشاعر [من البسيط]:
١١٢٧ - عَلَّ الهَوَى من بَعِيدٍ أن يُقَرِّبَه ... أَمُّ النُّجُومِ ومَرُّ (٤) القَوْمِ بِالعِيسِ
стр. 1937
وقال الآخر [من الرجز]:
يا أبَتا عَلَّكَ أو عَساكا (١)
وقال الآخر [من الطويل]:
١١٢٨ - ولَسْتُ بلَوّامٍ على الأمر بَعْدَما ... يَفُوتُ ولكنْ عَلَّ أنّ يَتقدّما
وهو كثير. فلمّا كانت ممّا تسقط في بعض الاستعمال، كانت زائدة، والكوفيون (٢) يزعمون أن اللام أصلٌ، وأنّهما لغتان، وأنّ الذي يقول: "لَعَلَّ" غيرُ الذي يقول: "عَلَّ". وحجّتُهم أن الزيادة نوعُ تصرّفٍ، وهو بعيد في الحروف. وهذا القولُ قد جنح إليه جماعة من متأخّري البصريين، وهو قول سديد لولا ندرةُ البناء في الحروف، وعدمُ النظير.
وقد قالوا أيضًا: "لَعَنَّ"، و"عَنَّ"، كأنّهم أبدلوا من اللام الآخرة نونًا؛ لأن النون أخفّ من اللام، وهي أقرب إلى حروف المدّ واللين، واللامُ أبعدُ، ولذلك استضعف الجرمىُّ أن تكون من حروف الزيادة.
стр. 1938
وقد قالوا: "لَغَنَّ" بالغين المعجمة، كأنّهم أبدلوا العين غينًا؛ لأنها تقرب منها في الحلق ليس بينهما إلَّا الحاء، وهي أخفّ من العين؛ لأن العين أدخلُ في الحلق، وكُلّما استفل الحرفُ، كان أثقل.
وقالوا أيضًا: "أن"، و"لأنَّ" بمعنى "عَنَّ"، و"لَعَنَّ"، كأنهم أبدلوا من العين همزةً، كما أبدلوا من الهمزة عينًا. وقالوا: "أشهدُ عنّ محمّدًا رسولُ الله"، وقد تقدّم نحوُ ذلك. ولا يفعلون ذلك إلَّا في الهمزة المفتوحة دون المكسورة، فلا يقولون: "عِنَّ زيدًا قائمٌ" في "إنَّ زيدًا قائمٌ". ولم يأتِ في التنزيل العزيز من لغاتها إلَّا "لَعَلَّ"، وهذا الحرفُ، أعني ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فاعرفه.
стр. 1939
شَرْحُ المفَصَّل
للزمَخّشَري
تأليف
موفّق السدّين أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش الموصلي
المتوفيّ سنة ٦٤٣ هـ
قدّم له ووضع هوامشه وفهارسه
الدكتور إيميل بَديع يعقوب
الجزء الخامسّ
منشورات
محمد عَلي بيضون
لِنشر كُتبِ السُنة والجمَاعَة
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
стр. 1940
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأً أو تسجيله علي أشرطة كاسيت أو إدخاله علي الكمبيوتر أو برمجته علي اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا.
الطبعة الأولي
١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف. شارع البحتري, بناية ملكارت
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
стр. 1941
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومن أصناف الحرف
حروفُ العَطْف
فصل [نوعا العطف وحروفه]
قال صاحب الكتاب: العطف على ضربين: عطف مفرد وعطف جملة على جملة, وله عشرة أحرف: فـ "الواو" و"الفاء", و"ثم", و"حتى", أربعتها على جمع المعطوف والمعطوف عليه في حكم. تقول: "جاءني زيدٌ وعمرو"، و"زيد يقوم ويقعد"، و"بكر قاعد وأخوه قائمٌ"، و"أقام بشر وسافر خالدٌ", فتجمع بين الرجلين في المجيء، وبين الفعلين في إسنادهما إلى زيد، وبين مضموني الجملتين في الحصول, وكذلك "ضربت زيداً فعمراً"، و"ذهب عبد الله ثم أخوه"، و"رأيت القوم حتى زيداً". ثم إنها تفترق بعد ذلك.
* * *
قال الشارح: يقال: "حروف العَطْف" و"حروف النَّسْق"، فالعطف من عبارات البصريين، وهو مصدرُ عطفت الشىءَ على الشىء إذا أملته إليه، يقال: "عَطَفَ فلانٌ على فلان"، و"عطفتُ زِمَامَ الناقة إلى كذا"، و"عطف الفارسُ عِنانَه"، أي: ثَناهُ وأماله. وسُمّي هذا القبيل عطفًا؛ لأن الثاني مَثْنيّ إلى الأوّل، ومحمول عليه في إعرابه. والنسق من عبارات الكوفيين، وهو من قولهم: "ثَغْرٌ نَسَقٌ"، إذا كانت أسنانه مستوية، وكلامٌ نَسَقٌ إذا كان على نظام واحد. فلمّا شارك الثاني الأوّلَ وساواه في إعرابه، سمي نسقًا.
وهو من التوابع، فالأوّلُ المتبوع المعطوف عليه، والثاني التابع المعطوف. وهذا الضربُ من التوابع يُخالِف سائرَ التوابع, لأنها تتبع لغير واسطة، والمعطوفُ لا يتبع إلَّا بواسطة. وإنّما كان كذلك؛ لأن الثاني فيه غير الأوّل، ويأتي بعد أن يستوفي العاملُ عملَه، فلم يتّصل إلَّا بحرف بخلافِ ما الثاني فيه الأوّلُ، كالنعت وعطف البيان والتأكيد والبدل، وإن كان يأتي في البدل ما الثاني فيه غير الأوّل، إلَّا أنه بعضُه أو معنى يشتمل عليه، فكأنّه هو هو، فلذلك لم يحتج إلى واسطةِ حرف.
стр. 1942
فإن قيل: فإذا كان العطف إنما هو اشتراكُ الثاني في إعراب الأوّل، فيلزم من هذا أن تسمّي سائر التوابع عطفًا؛ لمشاركتها الأوّلَ في الإعراب، قيل: لَعَمْرِي لقد كان يلزم ذلك، إلَّا أنهم خضّوا هذا البابَ بهذا الاسم للفرق، كما قالوا: "خابئَةٌ"؛ لأنه يُخبَأ فيها، ولم يُقَل ذلك لغيرها ممّا يُخْبَأ فيه، وكما قيل لإناء الزُّجاج: "قارُوَرَةٌ", لأنّ الشيء يقرّ فيها، ولا يُقال لكلِّ ما استقرّ فيه شيءٌ: "قارورة".
واعلم أنهم قد اختلفوا في العامل في المعطوف، فذهب سيبويه وجماعة من البصريين إلى أن العامل فيه العامل في الأوّل، فإذا قلت: "ضربت زيدًا أوعمرًا"، فزيدٌ وعمرٌو جميعًا انتصبا بـ "ضربت"، والحرفُ العاطف دخل بمعناه، وشرّك بينهما. ويؤيّد هذا القولَ اختلافُ العمل لاختلاف العامل الموجود، ولو كان العمل للحرف لم يختلف عملُه؛ لأن العامل إنما يعمل عملًا واحدًا إمّا رفعًا، وإمّا نصبًا، وإمّا خفضًا، وإمّا جزمًا.
وذهب قوم إلى أن العامل في الأوّل الفعل المذكور، والعامل في المعطوف حرف العطف؛ لأن حرف العطف إنما وُضع لينوبَ عن العامل، ويُغْنِيَ عن إعادته، فإذا قلت: "قام زيدٌ وعمرٌو"؛ فالواو أغنت عن إعادةِ "قَامَ" مرّةً أخرى، فصارت ترفع كما ترفع "قَامَ". وكذلك إذا عطفت بها على منصوب، نحوَ قولك: "إنَّ زيدً وعمرًا منطلقان"، فالواو تنصب كما تنصب "إنَّ". وكذلك في الخفض إذا قلت: "مررت بزيدٍ وعمرٍو"، فالواو جرّت كما جرّت الباء. وهو رأي ابن السرّاج، وقد تقدّم وجه ضُعْفه، مع أن العامل ينبغي أن يكون له اختصاصٌ بالمعمول، وحرفُ العطف لا اختصاص له؛ لأنه يدخل على الاسم والفعل، فلم يصح عمله في واحد منهما.
وذهب قومٌ آخرون إلى أن العامل الفعل المحذوف بعد الواو؛ لأن الأصل في قولك: "ضربت زيدًا وعمرًا": "ضربت زيدًا، وضربت عمرًا"، فحُذف الفعل بعد الواو لدلالة الأوّل عليه. واحتجّ هؤلاء بأنّه يجوز إظهارُه، فكما أنّه إذا ظهر كان هو العامل، فكذلك يكون هو العامل إذا كان محذوفًا من اللفظ مرادًا من جهة المعنى. وهذا رأي أبي عليّ الفارسيّ، ورأي أبي الفتح عثمان بن جِنِّي، وإن كان ابن بَرْهانَ قد حكى في شرحه أن العامل في المعطوف الحرف العاطف، والذي نصّ عليه أبو عليّ في الإيضاح الشعْريّ، وكذلك ابن جنّي في سِرّ الصناعة أنّ العامل في المعطوف ما ناب عنه الحرفُ العاطف لا العاطفُ نفسه.
وأرى ما ذهب إليه ابن جنّي من القول بأنّ العامل في المعطوف الفعل المحذوف لا ينفكّ عن ضعفٍ، وإن كان في الحُسْن بعد الأوّل, لأن حذفه إنما كان لضرب من الإيجاز والاختصار، وإعمالُه يؤذن بإرادته، وذلك نقضٌ للغرض مِن حذفه.
وحروف العطف عشرة على ما ذكر، وهي: "الواو"، و"الفاء"، و"ثُمَّ"، و"حَتَّى"، و"أوْ"، و"أمْ"، و"إمَّا"، مكسورةً مكرَّرةُ، و"بَلْ"، و"لكِنْ"، و"لا". فالأربعة الأوَل
стр. 1943
متواخيةٌ؛ لأنها تجمع بين المعطوف والمعطوف عليه في حكم واحد، وهو الاشتراك في الفعل، كقولك: "قام زيدٌ وعمرٌو"، و"ضربت زيدًا وعمرًا"، فالقيام قد وجب لهما، والضرب قد وقع بهما، وكذلك "الفاء"، و"ثمّ"، و"حتّى" يجب بهنّ مثلُ هذا المعنى، نحوُ: "ضربت زيدًا فعمرًا". وكذلك "ثُمَّ"، نحوَ: "ذهب عبد الله ثمّ أخوه". وكذلك "حَتَّى"، نحوَ: "رأيت القومَ حتى زيدًا"، إلَّا أنها تفترق في معانٍ أُخرَ من جهة الاتّصال والتراخي والغاية على ما سيُذكَر من معنى كلّ حرف منفردًا إن شاء الله.
والثلاثة التي تليها في العدّة متواخيةٌ، وهي "أوْ"، و"أمْ"، و"إمَّا" من جهةِ أنّها لأحد الشيئَين أو الأشياء، وإن انفصلت أيضًا من وجوه أُخر.
و"بَلْ" و"لكِنْ" متواخيتان, لأن الثاني فيهما على خلاف معنى الأوّل في النفي والإثبات، و"لا" مفردةٌ.
فأمّا حَصْرها عشرةً، فعليه أكثرُ الجماعة، وقد ذهب قوم إلى أنها تسعةٌ، وأسقطوا منها "إمَّا"، وهو رأيُ أبي عليّ، قال: لأنها لا تخلو إمّا أن تكون العاطفة الأولى أو الثانيةَ. ولا يجوز أن تكون الأُولى؛ لا العطف إمّا أن يكون مفردًا على مفرد، وإمّا جملةً على جملة، وليس الأمر فيها كذلك. ولا تكون الثانية لأن الواو قد صحبتْها، ولا يجتمع حرفان بمعنى واحد.
وذهب آخرون إلى أنها ثمانيةٌ، وأسقطوا منها "حَتَّى". قالوا: لأنها غايةٌ. وذهب ابن دُرُسْتَوَيْهِ إلى أن حروف العطف ثلاثة لا غير: "الواو"، و"الفاء"، و"ثُمَّ". قال: لأنّها التي تُشْرِك بين ما بعدها وما قبلها في معنى الحديث والإعراب. وليس كذلك البواقي، لأنّهن يُخْرِجن ما بعدهنّ من قصّةِ ما قبلهنّ.
والمذهبُ الأول لِما قدّمناه من أنّ معنى العطف حملُ الثاني على الأوّل في إعرابه وإشراكه في عمل العامل، وإن لم يَشْرَكْه في معناه، وذلك موجودٌ في جميعها. فأمّا اختلاف المعاني، فذلك أمرٌ خارجٌ عن معنى العطف. ألا ترى أن حروف الجرّ تجتمع كلّها في إيصال معاني الأفعال، وإن اختلفت معانيها من نحو ابتداء الغاية، وانتهاء الغاية، والإلصاق، والمِلْك، وغير ذلك؟
واعلم أن العطف على ثلاثة أضرب: عطفُ اسم على اسم إذا اشتركا في الحال، كقولك: "قام زيدٌ وعمرٌو". ولو قيل: "مات زيدٌ والشمسُ"، لم يصحّ؛ لأن الموت لا يكون من الشمس، وعطفُ فعل على فعل إذا اشتركا في الزمان، كقولك: "قام زيدٌ وقعد". ولو قُلْتَ: "ويقعد"، لم يجز لاختلاف الزمانَيْن. وعطفُ جملة على جملة، نحوُ: "قام زيدٌ، وخرج بكرٌ"، و"زيدٌ منطلقٌ، وعمرٌو ذاهبٌ".
والمراد من عطف الجملة على الجملة ربطُ إحدى الجملتَيْن بالأُخرى، والإيذانُ
стр. 1944
بحصول مضمونهما، لئلّا يظنّ المخاطب أن المراد الجملة الثانية، وأن ذِكْرَ الأولى كالغلط، كما تقول في بدل الغلط: "جاءني زيدٌ عمرٌو"، و"مررت برجل ثوب"، فكأنّهم أرادوا إزالةَ هذا التوهّم بربط إحدى الجملتين بالأُخرى بحرف العطف، ليصير الإخبار عنهما إخبارًا واحدًا.
وقوله: "ثمّ تفترق بعد ذلك"، يريد أنّها تشترك في العطف، وهو الاتّفاق في عمل العامل، ثمّ تفترق بعدُ في معان أُخر على حسب اختلاف معاني العطف على ما سيأتي مفصَّلًا حرفًا حرفًا إن شاء الله.
فصل [الواو]
قال صاحب الكتاب: فالواو للجمع المطلق من غير أن يكون المبدوء به داخلاً في الحكم قبل الآخر، ولا أن يجتمعا في وقت واحد، بل الأمران جائزان، وجائز عكسهما, نحو قولك: "جاءني زيد اليوم وعمرو أمس"، و"اختصم بكر وخالد"، و"سيان قعودك وقيامك". قال الله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة﴾ (١)، وقال: ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً﴾ (٢) والقصة واحدةٌ. قال سيبويه (٣): ولم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه يكون أولى بها من الحمار, كأنك قلت مررت بهما.
* * *
قال الشارح: لمّا ذكر عدّة حروف العطف، أخذ في الكلام على معانيها وتفسيرِها مفصّلةً، وإنّما فُسِّرت معانيها ليتحصّل حكمُها في العطف، ألا ترى أن قولك: "جاءني زيدٌ وعبدِ الله"، إذا أردت القسمَ، لم يجز العطف بها؟ فعلمتَ أنّه لا بدّ من مُراعاة معاني هذه الحروف حتى يجب الحكمُ بالعطف. فلذلك ذُكرت معانيها في كُتُب النحو، وإن لم تكن كتبَ تفسيرِ غريبٍ.
فمن ذلك الواو، وهي أصل حروف العطف. والدليل على ذلك أنها لا توجب إلَّا الاشتراكَ بين شيئين فقط في حكم واحد، وسائرُ حروف العطف توجب زيادة حكم على ما توجبه الواوُ. ألا ترى أن الفاء توجب الترتيب، و"أوْ" الشكَّ وغيرَه، و"بَلْ" الإضرابَ.
فلمّا كانت هذه الحروف فيها زيادةُ معنى على حكم الواو، صارت الواو بمنزلة الشيء المفرد، وباقي حروف العطف بمنزلة المركّب مع المفرد. فلهذا صارت الواو أصل حروف العطف، فهي تدلّ على الجمع المطلق، إلَّا أن دلالتها على الجمع أعمُّ من
стр. 1945
دلالتها على العطف. والذي يدلّ على ذلك أنّا لا نجدها تعرى من معنى الجمع. وقد تعرى من معنى العطف، ألا ترى أن واو المفعول معه في قولك: "استوى الماءُ والخشبةَ"، و"جاء البَرْدُ والطَيالسةَ" قد نجدها تفيد معنى الجمع؛ لأنها نائبةٌ عن "مَعَ" الموضوعة لمعنى الاجتماع؟ فكذلك واو القسم ليست عارية من معنى الجمع؛ لأنها نائبةٌ عن الباء. ومعنى الباء الإلصاق، والشيءُ إذا لاصق الشيءَ، فقد جاء معه، وكذلك واو الحال في قولك: "جاء زيدٌ وَيدُه على رأسه"، ونحوِ قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (١) غيرُ عارية من معنى الجمع. ألا ترى أن الحال مصاحبةٌ لذي الحال؟ فقد أفادت معنى الاجتماع، ولا نعلم أحدًا يوثَق بعربيَّته يذهب إلى أن الواو تفيد الترتيب. والذي يؤيّد ما قلنا أن الواو في العطف نظيرُ التثنية والجمع: إذا اختلفت الأسماء احتيج إلى الواو، وإذا اتّفقت جرت على التثنية والجمع، تقول: "جاءني زيدٌ وعمرٌو" لتعذُّر التثنية، فإذا اتّفقت قلت: "جاءني الزيدان والعمران". والواو الأصل، وإنّما زادوا على الاسم الأوّل زيادةً تدل على التثنية، وكان ذلك أوجز وأخصر من أن تذكر الاسمَيْن، وتعطف أحدهما على الآخر، فإذا اختلف الاسمان؛ لم تمكن التثنية، فاضطُرّوا إلى العطف بالواو. والذي يدلّ على ذلك أنّ الشاعر إذا اضطُرّ عاوَدَ الأصلَ، فقال [من الرجز]:
كأنّ بين فَكِّها والفَكِّ ... فَأرَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ في سُكِّ (٢)
وممّا يدلّ على ذلك أيضًا أنّها تستعمل في مواضعَ لا يسوغ فيها الترتيب، نحوِ قولك: "اختصم زيدٌ وعمرٌو"، و"تَقاتل بكرٌ وخالدٌ"، فالترتيب ههنا ممتنعٌ؟ لأن الخصام والقتال لا يكون من واحد، ولذلك لا يقع ههنا من حروف العطف إلَّا الواو، ولا يجوز "اختصم زيدٌ فعمرٌو"، ولا "تقاتل بكرٌ فخالدٌ"؛ لأنك إذا أتيت بالفاء، أو"ثُمَّ"، فقد اقتصرت على الاسم الأوّل؛ لأن الفاء توجب المُهْلَةَ بين الأوّل والثاني. وهذه الأفعالُ إنما تقع من الاثنين معًا، ومن ذلك قولهم: "سِيّان قيامُك وقعودُك"؛ فقولك: "سيّان" أي: مثلان؛ لأن الشيء الممثَّل والمُماثِل لا يكونْ من واحد؛ لأن الشيء لا يماثل نفسَه، فأما قول الشاعر [من البسيط]:
وكان سِيّانِ ألّا يَسْرَحُوا نَعَمًا ... أو يَسْرَحُوه بها واغْبَرَّت السُّوحُ (٣)
وقول الآخر [من الطويل]:
١١٢٩ - فسِيّانِ حَرْبٌ أو تَبُوءُ بِمثلِهِ ... وقد يَقْبَلُ الضَّيْمَ الذليلُ المُسَيَّرُ
стр. 1946
فإنّه استعمل "أوْ" ههنا بمعنى الواو، وهو من الشاذّ الذي لا يُقاس عليه. والذي أنّسه بذلك أنّه رآها في الإباحة، نحوِ: "جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سِيرِينَ"، تُبيح مجالستَهما، فتَدرّج إلى استعمالها في مواضع الواو البتّة.
وتقول: "جمعت زيدًا وعمرًا"، و"المالُ بين زيد وعمرو"، ولا يجوز بالفاء. وإذا ثبت أنها تستعمل في مواضع لا يكون فيها إلَّا الجمع المطلق؛ امتنع استعمالها مُرتِّبةً؛ لأن ذلك يُودِي بالاشتراك، وهو على خلاف الأصل.
وممّا يدلّ أيضًا على أنها للجمع المطلق من غير ترتيب قولُك: "جاءني زيدٌ وعمرٌو بعده"، فلو كانت للترتيب، لكان قولك: "بعده" تكريرًا، ولكان إذا قلت: "جاءني زيدٌ اليومَ وعمرٌو أمسِ" متناقِضًا؛ لأن الواو قد دلّت على خلافِ ما دلّت عليه "أمس" من قِبَلِ أن الواو ترتيب الثاني بعد الأول، و"أمس" تدل على تقدّمه. ومن ذلك قوله تعالى في البقرة: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (١)، وفي الأعراف: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (٢)، والقصّةُ واحدة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣)، وشرعُها يُقدِّم الركوعَ على السجود. ومن ذلك قول أبي النَّجْم [من الرجز]:
١١٣٠ - تُعِلُّهُ من جانبٍ وتُنْهِلُهْ
стр. 1947
والعَلَل لا يكون إلَّا بعد النَّهَل. يُقال. نَهِلَ يَنْهَلُ إذا شرب أوَّلَ شَرْبة. قال الجَعْديّ [من الرمل]:
١١٣١ - [فشَرِبنا غيرَ شربٍ واغلٍ] ... وَشَرِبْنا عَلَلاً بعدَ نَهَلْ
ومن ذلك أيضًا قول لِبيد [من الكامل]:
١١٣٢ - أُغلي السِّباءَ بِكلِّ أدْكَنَ عاتِقٍ ... أو جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
стр. 1948
والجونة: الخابئة المَطلية بالقار. وقُدحت: غرفُت، وقيل: مُزجت، وقيل: بُزلت.
وفضّ ختامها: أي كسر طِينها. ومعلوم أنه لا يُقَدَح إلَّا بعد فضّ ختامها. مع أنا نقول أنها لو كانت الواو للترتيب؛ لكانت كالفاء، فلو كانت كالفاء؛ لوقعتْ موقعَها في الجزاء، وكان يجوز أن تقول: "إن تُحسِنْ إليّ واللهُ يُجازِيك"، كما تقول: "فالله يجازيك". فلما لم يجز ذلك؛ دلّ على ما قلناه. فأمّا ما حكاه سيبويه، وذلك أته قد منع في عدةِ مواضع من كتابه، منها في هذا الباب، قال (١): تقول: "مررت برجلٍ وحمارٍ"، فالواو أشركت بينهما، فلم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه على الحمار، إذ لم تُرِد التقديم في المعنى وإنما هو شيء في اللفظ، كقولك: "مررت بهما". ولهذا قال (٢): وليس في هذا دليل على أنه بدأ شيءٌ قبل شيء.
وقال قوم: إنها ترتيب، واستدلوا بما رُوي عن ابن عباس أنه أمر بتقديم العُمرة، فقال الصحابة: لِمَ تأمرنا بتقديم العمرة وقد قدّم الله الحَج عليها في التنزيل؟ فدلّ إنكارهُم على ابن عباس أنهم فهموا الترتيب من الواو. وكذلك لما نُزل قوله تعالى. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) قال الصحابة: بِمَ نبدأ يا رسولَ الله؟ فقال: ابدؤوا بما بدأ الله بذِكره. فدل ذلك على الترتيب. وزوي أن بعض الأعراب قام خطيبًا بين يدي النبي ﷺ ، فقال في خُطبته: "من أطاع الله ورسولَه؛ فقد رشد، ومن عصاهم؛ فقد غَوَى" (٤). فقال النبي ﷺ : بئس خطيبُ القوم أنتَ، هلا قلت ومن عصى الله ورسولَه. قالوا: فلو كانت الواو للجمع المطلق، لَمَا افترق الحال بين ما علمه الرسول، ﵊، وبين ما قال.
стр. 1949
وتَعلّقوا أيضًا بما جاء في الأثَر أن سُحَيْمًا عبد بني الحَسْحاس أنشد عند عُمَرَ بن الخطاب ﵁ [من الطويل]:
عُمَيْرَةَ وَدّعْ إنْ تَجَهزْتَ غاديَا ... كَفَى الشيْبُ والإِسلامُ للمَرْء ناهِيَا (١)
فقال عمر: لو كنت قدمت "الإِسلام" على "الشيب" لأجزتُك. فدل إنكاره على أن التأخير في اللفظ يدل على التأخير في المرتبة. وما ذكروه لا دلالةَ فيه قاطعةً. أمّا الآية فنقول إن إنكار الجماعة معارَضٌ بأمر ابن عباس، فإنّه، مع فضله، أمر بتقديم العمرة، ولو كانت الواو تُرتب، لَما خالف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ (٢)، فإن النبي ﷺ ، لم يأمر بتقديم "الصفا"؛ لأن اللفظ كان يقتضي ذلك، وإنما بين ﵊ المرادَ لِما في الواو من الإجمال. ويدلّ على ذلك سُؤال الجماعة: بِمَ نبدأ؟ ولو كانت الواو لترتيب، لَفهموا ذلك من غير سؤال؛ لأنهم كانوا عربًا فُصحاءَ، وبلغَتهم نُزّل القرآن، فدل أنها للجمع من غير ترتيب. وأما رد النبي، ﷺ ، على الخطيب، فما كان إلَّا لأن فيه تَرْكَ الأدَب بترك إفراد اسم الله بالذكر. وكذلك إنكار عمر ﵁ لتَرْك تقديم الإِسلام في الذكر، وإن كان لا فرق بينهما.
واعلم أن البغداديين قد أجازوا في الواو أن تكون زائدة، واحتخوا بأنها قد جاءت في مواضع كذلك، منها قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٣). قالوا: معناه: ناديناه أن يا إبراهيم، والواو زائدةٌ. ومنها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ (٤)، تقديره: حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابُها، واحتجّوا أيضًا بقول الشاعر [من الكامل]:
١١٣٣ - حَتى إذا امْتَلأتْ بطُونُكُمُ ... ورأيتُمُ أبنَاءَكُمْ شبوا
وقَلَبْتُمُ ظَهْرَ المِجَن لَنَا ... إن الغَدُورَ الفاحش الخبُّ
стр. 1950
قالوا: معناه قلبتم ظهر المجنّ لنا. وأمّا أصحابنا، فلا يرون زيادة هذه الواو، ويتأوّلون جميعَ ما ذُكر وما كان مثله بأن أجْوِبَبها محذوفةٌ لمكان العلم بها، والمراد: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (١)، أدرك ثوابَنا ونال المنزلةَ الرفيعةَ لدينا. وكذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٢)، تقديره: صادفوا الثواب الذي وُعدوه، ونحوُه. وكذلك قول الشاعر: حتى إذا امتلأت بطونكم وكان كذا وكذا، تَحقق منكم الغدرُ، واستحققتم اللَّوْم، ونحوُ ذلك مما يصلح أن يكون جوابًا، فاعرفه إن شاء الله.
فصل [الفاء و"ثمَّ" و"حتي "]
قال صاحب الكتاب: و"الفاء" و"ثم" و"حتى" تقتضي الترتيب، إلا أن الفاء توجب وجود الثاني بعد الأول بغير مهلة، و"ثم" توجبه بمهلة, ولذلك قال سيبويه (٣): "مررت برجل ثم امرأة"، فالمرور ههنا مروران، ونحو قوله تعالى: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا﴾ (٤). وقوله: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾ (٥) محمول على أنه لما أهلكها حكم بأن البأس جاءها، وعلى دوام الاهتداء وثباته.
* * *
стр. 1951
قال الشارح: اعلم أن هذه الحروف الثلاثة تُوافِق الواوَ من جهة، وتُفارِقها من جهة أخرى. فأمّا جهة الموافَقة، فاشتراكُهن في الجمع بين شيئيْن أو أشياءَ في الحكم، وأمّا المخالفة فمن جهة الترتيب، فالواوُ لا تُرتب. وهذه الثلاثةُ ترتب، وتوجِب أن الثاني بعد الأوّل. فمن ذلك الفاء، فإنها ترتب بغير مهلة، يدل على ذلك وقوعها في الجواب، وامتناعُ الواو و"ثُم" منه، فامتناعُ "ثُم" منه إنما هو لأنها ترتب بمهلة، فعُلم بما دْكرناه أنّ الفاء موضوعة لدخول الثاني فيما دخل فيه الأوَّل متصِلاً.
وجملة الأمر أنّها تدخل الكلامَ على ثلاثة أضرب: ضربُ تكون فيه مُتبِعة عاطفة، وضربٌ تكون فيه مُتْبِعة مجرَّدة من معنى العطف، وضرب تكون فيه زائدة دخولها كخروجها، إلَّا أن المعنى الذي تختص به وتُنسَب إليه هو معنى الإتباع، وما عدا ذلك فعارضٌ فيها؛ فأمّا الأوّل فنحو قولك: "مروت بزيدٍ فعمرو"، و"ضربتُ عمرًا فأوجعتُه"، و"دخلت الكوفةَ فالبصرةَ"، أخبرتَ أنّ مرورَ عمرو كان عقيب مرور زيد بلا مهلة.
ولذلك قال سيبويه: فالمرور مروران، يريد أن مروره بزيد غيرُ مروره بعمرو، وأنّ إيجاع زيد كان عقيب الضرب، وأن البصرة داخلة في الدخول كالكوفة على سبيل الاتصال. ومعنى ذلك أنه لم يقطع سيرَه الذي دخل به الكوفةَ حتى اتصل بالسير الذي دخل به البصرةَ من غير فتور ولا مهلةٍ. ولهذا من المعنى (١) وقع ما قبلها علّة وسببًا لِما بعدها، نحوَ قولك: "أعطيتُه فشكر"، و"ضربته فبكى"، فالإعطاءُ سبب الشكر، والضرب سبب البكاء، والمسبَّبُ يقع ثانيَ السبب وبعده متصلاً به، فلذلك اختاروا لهذا المعنى الفاء، فاعرفه.
وأما الضرب الثاني: وهو الذي يكون الفاء فيه للإتباع دون العطف، ففي كل موضع يكون فيه الأول علة لوجود الآخِر، ولا يشارِك الأوّلَ في الإعراب. وهذا نحوُ جواب الشرط، كقولك: "إن تُحْسِن إليّ، فاللهُ يجازيك"، فالفاءُ هنا للإتباع دون العطف. ألا ترى أن الشرط فعلٌ مجزوم، والجواب بعد الفاء جملةٌ من مبتدأ وخبر لا يسوغ فيها الجزم؟ وإنما أتي بالفاء ههنا توصلاً إلى المجازاة بالجمل المركّبة من المبتدأ والخبر، فإنه لولا الفاءُ، لَما صح أن تكون جوابًا، فلمّا كانَ الإتباع لا يفارقها والعطفُ قد يفارقها، كان الإتباع أصلاً فيها.
وأما الضرب الثالث: وهو زيادتها، فاعلمْ أن الفاء قد تزاد عند جماعةِ من النحويين المتقدمين كأبي الحسن الأخفش وغيره، فإنّه يجيز: "زيدٌ فقائمٌ"، على معنى: "زيدٌ قائمٌ". وحكى: "زيدٌ فوجد" بـ "زيْد وجد"، وأجاز: "زيدًا فاضْرِبْ، وعمرًا فاشْكرْ" ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢)، أي: كَبرْ، وطَهر، واهجُر. ومن
стр. 1952
ذلك ما ذهب إليه أبو عثمان المازني في قولهم: خرجتُ فإذَا زيدٌ قائمٌ": أنّ الفاء زائدة. ومن ذلك قول الشاعر [من الطويل]:
وقائِلَةٍ خَولانُ فانْكِحْ فَتاتَهمْ ... وأكْرُومَةُ الحَيينِ خِلْوٌ كما هِيَا (١)
قالوا: الفاء فيه زائدة؛ لأنه في موضع الخبر، وسيبويه (٢) لا يرى ذلك، ويتأوّل ما جاء من ذلك ممّا يرده إلى القياس.
وأمّا ثُمّ"، فهي كالفاء في أن الثاني بعد الأوّل، إلَّا أنها تفيد مهلهً وتَراخيًا عن الأول، فلذلك لا تقع مواقعَ الفاء في الجواب، فلا تقول: "إنْ تُعْطِنِي ثم أنا أشكرُك"، كما تقول: "فأنا أشكرُك"؛ لأن الجزاء لا يَتراخى عن الشرط. فعلى هذا تقول: "ضربتُ زيداً يومَ الجمعة، ثم عمرًا بعد شهرٍ"، و"بعث اللهُ آدمَ ثم محمدًا"، صلى الله عليهما وسلم. ولا تقول مثلَ ذلك في الفاء؛ لأنه لما تراخى لفظها بكثرة حروفها تراخى معناها؛ لأن قوّة اللفظ مؤذنة بقوة المعنى.
والكوفيون أيضًا يرون زيادةَ "ثم" كزيادة الفاء والواو عندهم. قال زهَيْر [من الطويل]:
١١٣٤ - أرانى إذا ما بِتُ بِتُّ على هَوى ... فَثم إذا أصبحتُ أصبحتُ غادِيا
стр. 1953
وعلى ذلك تأوّلوا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (١).
* * *
قال صاحب الكتاب: و "حتى" الواجب فيها أن يكون ما يعطف بها جزءًا من المعطوف عليه إما أفضله كقولك: "مات الناس حتى الأنبياء", أو أدونه, كقولك: "قدم الحاج حتى المشاة".
* * *
قال الشارح: اعلم أن "حَتى" قد تكون عاطفة تُدْخِل ما بعدها في حكمِ ما قبلها كالواو والفاء، وهو أحدُ أقسامها. ولها في العطف شرائطُ: أحدها أن يكون ما بعدها من جنسِ ما قبلها، وأن يكون جُزءًا له، وأن يكون فيه تحقيرٌ أو تعظيمٌ، وذلك نحوُ: "قدم الحاج حتى المشاةُ"، فهذا تحقير، و"مات الناس حتى الأنبياء"، وهذا تعظيم. ولذلك قال: إِما أفْضَلَهُ أو أدوَنَهُ. ولو قلت: "قدم الحاج حتى الحِمارُ"، لم يجز؛ لأنه ليس من جنس المعطوف عليه، وكذلك لو قلت: "قدم زيدُ حتى عمرو"، لم يجز؛ لأن الثاني، وإن كان من جنس الأول، فليس بعضًا له. وكذلك لو قلت: "رأيت القومَ حتى زيدًا"، وكان زيد غير معروف بحَقارة أو عِظَم، لم يجز أيضًا، وإن كان بعضًا له.
واعلمْ أن حَتى إنما يتحقق العطفُ بها في حالة النصب لا غير، نحوِ قولك: "رأيت القومَ حتى زيدًا"، فالاسمُ بعد "حتى" داخل في حكم ما قبلها، ولذلك تبِعه في الإعراب، فأمّا إذا قلت: "قدِم القوم حتى زيدٌ"، فإنّه لا يتحقق هاهنا العطفُ لاحتمالِ أن تكون حرف ابتداء، وهو أحد وجوهها، وما: عدها مبتدأٌ محذوفُ الخير. وكذلك إذا خفضت ربّما يُتوهم فيها الغايةُ، على نحو قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢)، ولذلك لم يُمثل الفارسي في العطف إلَّا بصورة النصب، فقال: نحوَ قولك: "ضربتُ القومَ حتى زيدًا"، ثم عضد ذلك بالنقل؛ لئلا يمنع المخالفُ هذه الصورةَ، فقال: وقد رواه سيبويه وأبو زيد وغيرهما، وكذلك رواه يونسُ.
وفي الجملة "حَتى" غيرُ راسخة القَدَم في باب العطف، ولا متمكنة فيه؛ لأن الغرض من العطف إدخال الثاني في حكم الأول، وإشراكه في إعرابه إذا كان المعطوف غير المعطوف عليه، فأما إذا كان الثاني جزءا من الأول؛ فهو داخل في حكمه؛ لأن
стр. 1954
اللفظ يتناول الجميع من غير حرفِ إشراك. ألا ترى أنك إذا قلت: "ضربت القومَ"، شمل هذا اللفظ زيدًا وغيرَه ممن يعقل، فلم يكن في العطف فائدةٌ سوى إرادة تفخيم وتحقير وذلك يحصل بالخفض على الغاية.
فصل ["أو" و"إمّا" و"أمْ "]
قال صاحب الكتاب: و"أو"، و"إمَّا"، و"أم" ثلاثتها لتعليق الحكم بأحد المذكورين، إلا أن "أو" و"إما" تقعان في الخبر والأمر والاستفهام نحو قولك: "جاءني زيد أو عمرو"، و"جاءني إما زيد وإما عمرو"، و"اضرب رأسه أو ظهره"، و"اضرب إما رأسه وإما ظهره"، و"ألقيت عبد الله أو أخاه", و"ألقيت إما عبد الله وإمّا أخاه".
* * *
قال الشارح: يريد أنّ هذه الحروف الثلاثة تجتمع في أن الحكم المذكور مَسندٌ بها إلى أحد الاسمَين المذكورَيْن لا بعينه، و"أوْ"، و"إما" تقعان في الخبر والأمر والاستفهام. ولذلك يكون الجواب عن هذا الاستفهام "نَعَمْ"، إن كان عنده واحدٌ منهما، أو"لا" أن لم يكن، إذ المعنى: ألقيتَ أحدَهما؟ والذي يدل أن أصلهما أحد الشيئين، أنه إذا لم يكن معك في الكلام دليل يوجب زيادةَ معنى على هذا المعنى، لم يُحْمَل في التأويل إلَّا عليه.
* * *
قال صاحب الكتاب: و"أم" لا تقع إلا في الاستفهام إذا كانت متصلة، والمنقطعة تقع في الخبر أيضًا. تقول في الاستفهام: "أزيدٌ عندك أم عمرو" وفي الخبر: "إنها لإبل أم شاءٌ".
* * *
قال الشارح: وأما "أم" فتكون على ضربَين: متصلة وهي المعادِلة لهمزة الاستفهام، ومنقطعة. فأما المتصلة، فتأتي على تقدير: "أي"؛ لأنها لتفصيلِ ما أجملتْه "أي"، وذلك أن السؤال على أربع مراتب في هذا الباب: الأول: السؤال بالألف منفردةَ، كقولك: أعندك شىءٌ ممّا تحتاج إليه؟ فيقول: نَعَمْ. فتقول: ما هو؟ فيقول: متاعٌ. فتقول: أيُّ المتاعِ؟ فيقْول: "بَزٌّ" فتقول: أكَتانٌ هو أم مَرْوي؟ فيكون الجواب حينئذ اليقينَ. فالجوابُ مرتب على هذه المراتب المذكورة، فأشدُّها إبهامًا السؤالُ الأوَّل: لأنه ليس فيه ادعاءُ شيء عنده.
ثم الثاني: لأن فيه ادعاءَ شيء عنده، إذا قلت: "ما الشيءُ الذي عندك؟ ".
ثم السؤال الثالث: وهو بـ "أي" وهو لتفصيلِ ما أجملتَه.
стр. 1955
ثم السؤال الرابع: بالألف مع "أم"، وهو لتفصيلِ ما أجملتْه "أيّ"، فتقول: "أزيد عندك أم عمرو؟ " و"أزيدًا لقيتَ أم بشرًا؟ " فمعناه: أيهما عندك؟ وأيهما لقيتَ؟ ولا تُعادَل أم هذه إلَّا بالهمزة، وينبغي أن يجتمع في "أمْ" هذه ثلاثُ شرائط حتى تكون متصلة. أحدها: أن تُعادِل همزةَ الاستفهام، والثاني: أن يكون السائل عنده علمُ أحدهما، والثالث: أن لا يكون بعدها جملة من مبتدأ وخبر، نحوُ قولك: "أزيدٌ عندك أم عمرو عندك"؟ فقولك بعدها: "عمرو عندك" يقتضي أن تكون منفصلة، ولو قلت: "أَم عمرو"، من غير خبر، كانت متصلة. وتقول: "أأعطيتَ زيدًا أم حرمتَه"؟ فتكون متصلة أيضًا؛ لأن الجملة بعدها إنما هي فعل وفاعل، وليست ابتداء وخبرًا.
والجواب عن هذا السؤال، إن كان قد فعل واحدًا منهما، التعيينُ؛ لأن الكلام بمنزلةِ "أيهما"، و"أيهم"، ولا يكون "لا"، ولا "نَعَمْ"؛ لأن المتكلّم مُدعٍ أن أحد الأمرَين قد وقع، ولا يدري أي الأمرين هو، ولا يعرفه بعينه، فهو يسأل عنه من يعتقد أن عِلمَ ذلك عنده ليُعرفه إياه عينًا. فإن كان الأمر على غير دَعْواه؛ كان الجواب: "لم أفعلْ واحدًا منهما".
وقيل لها: "متصلة" لاتصال ما بعدها بما قبلها وكَوْنِه كلامَا واحدًا، وفي السؤال بها معادَلة وتسوية؛ فأمّا المعادلة فهي بين الاسمَيْن، جعلت الاسم الثاني عديلَ الأول في وقوع الألف على الأول، و"أمْ" على الثاني، ومذهبُ السائل فيهما واحدٌ. فأما التسوية فهي أن الاسمَيْن المسؤول عن تعيين أحدهما مستويان في علم السائل، أي الذي عنده في أحدهما مثلُ الذي عنده في الآخر. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ (١)، فهذا على التقدير والتوضيح. ومثله قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ (٢)، فهو من الناس استفهام، ومن القديم سبحانه توقيفٌ وتوبيخٌ للمشركين خرج مخرجَ الاستفهام، ولا خيرَ في واحد منهم، إئما هو على ادّعاءهم أن هناك خيرًا، فقُرّعوا بهذا على هذه الطريقة، فاعلم.
وأمّا الضرب الثاني من ضربَيْ "أم"، وهي المنقطعة، فإنما قيل لها: "منقطعة"؛ لأنها انقطعت مما قبلها خبرًا كان أو استفهامًا، إذ كانت مقدرةَ بـ "بَل" والهمزِة على معنى "بَلْ أكَذا". وذلك نحو قولك فيما كان خبرًا: "إنّ هذا لزيدٌ أم عمرو"، كأنك نظرت إلى شخص، فتوهّمتَه زيدًا، فأخبرتَ على ما توهمتَ، ثم أدركك الظن أنه عمرو، فانصرفتَ عن الأول، وقلت: "أم عمرٌو" مستفهمًا على جهة الإضراب عن الأول. ومثلُ ذلك قول العرب: "إنها لإبِلٌ أم شاءٌ" أي: بل أهي شاءُ. فقوله: "إنها لإبلٌ" إخبارُ، وهو كلامُ تام، وقوله: "أم شاء" استفهامٌ عن ظَن وشَك عرض له بعد الإخبار. فلا بد من إضمارِ
стр. 1956
"هِيَ"؛ لأنه لا يقع بعد "أم" هذه إلَّا الجملةُ؛ لأنه كلامُ مستأنَفٌ، إذ كانت "أم" في هذا الوجه إنما تعطف جملةً على جملة، إلَّا أن فيها إبطالًا للأوّل وتراجُعًا عنه من حيث كانت مقدرةَ بـ "بَل" والهمزةِ على ما تقدم. فـ "بَل" للإضراب عن الأول، والهمزةُ للاستفهام عن الثاني. وليس المراد أنها مقدرة بـ "بَلْ" وحدَها، ولا بالهمزة وحدها؛ لأن ما بعد "بَل" متحقق، وما بعد "أم" هذه مشكوك فيه مظنونٌ، ولو كانت مقدرة بالألف وحدها، لم يكن بين الأول والآخر عُلقةٌ. والدليل على أنها ليست بمنزلةِ "بَلْ" مجرَّدةً من معنى الاستفهام قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ؟﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ؟﴾ (٢)، إذ يصير ذلك متحقّقًا، تَعالى الله عن ذلك.
فصل [الفرق بين "أو" و"أَمْ "]
قال صاحب الكتاب: والفصل بين "أو", و"أمْ" في قولك: "أزيد عندك أو عمرو؟ " و"أزيد عندك أم عمرو؟ " وأنك في الأول لا تعلم كون أحدهما عنده, فأنت تسأل عنه، وفي الثاني تعلم أن أحدهما عنده إلا أنك لا تعلمه بعينه, فأنت تطالبه بالتعيين.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم الفصل بين "أو" و"أم"، وذلك أنّ "أو" لأحد الشيئين، فإذا قال: "أزيدٌ عندك أو عمرو؟ " فالمراد: أأحدُ هَذَين عندك؟ فأنت لا تعلم كونَ أحدهما عنده، فأنت تسأله ليُخبِرك، ولذلك يكون الجواب "لا"، إن لم يكن عنده واحدٌ منهما، أو"نَعَمْ" إذا كان عنده أحدهما. ولو قال الذي الجواب "زيدٌ" أو"عمرٌو"، لم يكن مُجيبًا بما يُطابِق السؤالَ صريحًا، بل حصل الجواب ضِمْنًا وتَبَعًا, لأن في التعيين قد حصل أيضًا علمُ ما سأل عنه. وأمّا "أم " إذا كانت متصلة، وهي المعادَلة بهمزة الاستفهام، فمعناها معنَى "أي". فإذا قال: "أزيدٌ عندك أم عمرو؟ " فالمراد: أيهما عندك؟ فأنت تدري كونَ أحدهما عنده بغير عينه، فأنت تطلب تعيينه، فيكون الجواب "زَيدٌ"، أو"عمرو". ولا تقول: "نَعَم"، ولا "لا"؛ لأنه لا يريد السائل هذا الجوابَ على ما عنده، فقد تَبين أن السؤال بـ "أو" معناه: أأحدهما؟ وبـ "أم" معناه أيهما؟ فإذا قال: "أزيدٌ عندك أو عمرو؟ " فأجبتَ بـ "نَعَم"، عَلِمَ أن عنده أحدَهما. وإذا أراد التعيين، وضع مكانَ "أوْ" "أمْ" واستأنف بها السؤالَ، وقال: "أزيدٌ عندك أم عمرو؟ " فيكون حينئذ الجواب "زيدٌ"، أو "عمرو"، فاعرفه.
стр. 1957
فصل [معاني "أو" و"إمّا "]
قال صاحب الكتاب: ويقال في "أو" و"إما" في الخبر أنهما للشك، وفي الأمر إنهما للتخيير والإباحة, فالتخيير كقولك أضرب زيداً أو عمراً، وخذ إما هذا وإما ذلك, والإباحة (١) كقولك: "جالس الحسن أو ابن سيرين"، و"تعلم إما الفقه وإما النحو".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إن الباب في "أوْ" أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء في الخبر وغيرِه، تقول في الخبر: "زيدٌ أو عمرو قام" والمراد أحدهما، وتقول في الأمر: "خُذْ دينارًا أو ثوبًا"، أي: أحدَهما، ولا تجمع بينهما. ولها في ذلك معانٍ ثلاثةٌ: أحدها الشك، وذلك يكون في الخبر، نحوِ قولك: "ضربت زيدًا أو عمرًا"، و"جاءني زيدٌ أو عمرو"، تريد أنك ضربت أحدهما، وأن الذي جاءك أحدهما. والأكثرُ في استعمالٍ "أوْ" في الخبر أن يكون المتكلم شاكا لا يدري أيّهما الجائي، ولا أيّهما المضروب، والظاهرُ من السامع أن يحمل الكلامَ على شك المتكلم، وقد يجوز أن يكون المتكلم، غيرَ شاك، وإنما أراد تشكيك السامع بأمرِ قصده، فأبْهَمَ عليه وهو عالمُ، كقولك: "كلمتُ أحدَ الرجلَيْن"، و"اخترتُ أحدَ الأمرَين" تقول، وأنت عارفٌ به، ولا تُخبِر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٣). ومنه قول لَبيدٍ [من الطويل]:
١٣٥ - تَمنى ابْنَتايَ أنْ يَعِيش أبوهما ... وما أنا إلامن رَبِيعَةَ أومُضَرْ
стр. 1958
وقد علم لبيد أنّه من مضر وليس من ربيعة، وإنما أراد: من إحداهما بين القبيلتين، كأنه أبهم عليهما. يُعزّى ابنتَيْه في نفسه بأنه من إحدى هاتين القبيلتين، وقد فنوا، ولا بد أن يصير إلى مَصيرهم. وإنما خصّ القبيلتين لعِظَمهما، ولو زاد في الإبهام؛ لكان أعظم في التعزية.
والمعنى الثاني: أن تكون للتخيير، نحوَ قولك: "خُذْ ثوبًا" أو دينارًا، أو عشرةَ دراهم"، فقد خيرتَه أحدَهما، وكان الآخر غير مباح له؛ لأنه لم يكن للمخاطب أن يتناول شيئًا منها قبل، بل كانا محظورَيْن عليه، ثم زال الحَظْرُ من أحدهما، وبقى الآخر على حظره، قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١)، فأوجب أحدَ هذه الثلاثة، وزمامُ الخِيرة بيد المكلَّف، فأيهما فعل؛ فقد كَفرَ، وخرج عن العُهدة، ولا يلزمه الجمعُ بينهما.
وأمّا الثالث: فهو الإباحة، ولفظها كلفظ التخيير، وإنما كان الفرق بينهما أن الإباحة تكون فيما ليس أصله الحظر، نحوَ قولك: "جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سِيرِينَ"، و"البس خَزًّا أو كَتانًا"، كأنه نبه المخاطبَ على فضل أشياءَ من المباحات، فقال: "إن كنتَ لابسًا، فالبس هذا الضربَ من الثياب المباحة، وإن كنتَ مُجالِسًا، فجالِسْ هذا الضرب من الناس". فإن جالَسَ أحدَهما، فقد خرج عن العُهْدة؛ لأن "أو" تقتضي أحدَ الشيئين. وله مجالستُهما معًا لا لأمرٍ راجع إلى اللفظ، بل لأمرٍ خارجٍ، وهو قرينةٌ انضمت إلى اللفظ، وذلك أنه قد علم أنه إنما رغب في مجالسة الحسن لِما في ذلك من النفْع والحَظ، وهذا المعنى موجود في ابن سيرين.
ويجري النهىُ في ذلك هذا المجرى، نحوَ قولك للابس: "لا تلبسْ حريرًا، أو مُذهبا"، المعنى: لا تلبس حريرًا ولا مذهّبًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٢)، فهذه "أو" هي التي تقع في الإباحة؛ لأن النهى قد وقع على الجمع والتفريق، ولا يجوز طاعةُ الآثم على الانفراد، ولا طاعة الكفور على الانفراد، ولا جمعُهما في الطاعة، فهو ههنا في النهي بمنزلة الإيجاب، نحوِ: "جالسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين".
стр. 1959
ومجرَى "إما" في الشك والتخيير والإباحة بمنزلةِ "أوْ"، ودْلك قولك في الخبر: "جاءني إما زيدٌ وإمّا عمرو"، أي: أحدُهما، وكذلك وقوعهما في التخيير، تقول: "اضرب إما عمرًا وإذا خالدًا"، فالآمرُ لا يَشُك، ولكنه خيّر المأمورَ كما كان ذلك في "أوْ". ونظيرُه قوله : ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (١)، وقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٢). وتقول في الإباحة: "تَعلمْ إما الفِقْهَ وإما النحوَ"، و"جالسْ إما الحسنَ وإمّا ابنَ سيرين". حالُها في ذلك كله كحالِ "أو". ولِما بينهما من المناسبة، جاءت في الشعر مُعادِلةً لـ "أوْ"، نحوَ: "ضربت إمّا زيدًا أو عمرًا"، فإن تقدمتْ "إمَّا" وتبعتها "أوْ"، كان المعنى لـ"إما" دونها لتقدمها؛ ولذلك يُبْنَى الكلام معهما على الشك من أوّله بخلاف "أو" إذا كانت منفردةً، فاعرفه.
فصل [الفرق في العطف بين "أو" و"إما "]
قال صاحب الكتاب: وبين "أو" و"إما" من الفصل إنك مع "أو" يمضي أول كلامك على اليقين, ثم يعترضه الشك، ومع "إمَّا" كلامك من أوله مبني على الشك.
* * *
قال الشارح: لما كانت "إمَّا" كـ"أوْ" في أنهما لأحد الأمرَيْن، وبأن شدةُ تناسُبهما، أخذ في الفصل بينهما. وجملة ذلك أن الفصل بينهما من جهة المعنى والذات، فأمّا المعنى، فإنك إذا قلت: "ضربتُ زيدًا، أو اضرب زيدًا"، جاز أن تكون أخبرته بضرْبك زيدًا، فأنت متيقن، أو أمرتَه بضَرْبه، أو أبَحتَه، ثم أدركك الشك بعد ما كنت على يقين، و"إما" في أوّل ذِكرها تؤذن بأحد من أمرَين، فافترق حالاهما من هذا الوجه. وأمّا الفصل من جهة الذات، فإن "أو" مفردةٌ، و"إما" مركبة من "إن"، و"ما". فعلى هذا، لو سمّيت بـ "أوْ" أعربت، ولو سميت بـ "إمَّا " حكيت كما تحكي إذا سمّيت بـ "إنما"، و"كَأنما". والذي يدل على أن أصل "إما" "إن " ضُمت إليها "ما" ولزمتها للدلالة على المعنى، أن الشاعر لما اضطُر إلى إلغاء "ما" منها، عادت إلى أصلها، وهو "إن"، نحوَ قول الشاعر [من الوافر]:
١١٣٦ - لَقَد كَذَبَتْك نَفْسُك فاكذِبَنْهَا ... فإن جَزَعا وإنْ إجمالَ صَبرِ
стр. 1960
فهذا على معنى: فإما جزعًا وإمّا إجمالَ صبر؛ لأن الجزاء لا معنى له هاهنا، وليس كقولك [من البسيط]:
إنْ حَقًا وإنْ كَذِبا (١)
ولكن على حد قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٢) قال سيبويه (٣): ألا ترى أنك تُدْخِل الفاء؟ فجعل دخولَ الفاء على "إنْ" مانِعًا من كونها للجزاء. ووجهُ ذلك أنّها هاهنا، لو كانت للجزاء، لاحتجتَ لها إلى جواب؛ لأن ما تقدّم لا يصح أن يسد مسد الجواب بعد دخول الفاء؛ لأن الشرط لا يتعقب الجزاءَ، إنما الجزاءُ هو الذي يتعقب الشرطَ، وليس كذلك "إنْ حقًّا وإن كذبا"، فإنه لا فاء فيه، فأمّا قول الآخر، وهو النمِر بن تَولَبٍ [من المتقارب]:
١١٣٧ - سَقَتهُ الرواعِدُ من صيفٍ ... وإن من خَرِيفٍ فلَنْ يَعدَما
стр. 1961
فقد حمله سيبويه (١) على إرادةِ "إما" أيضًا، و"إنْ" فيه محذوفةٌ من "إما"، يريد: وإما من خريف. ولا يجوز طرح "ما" من "إمَّا" إلَّا في ضرورة. وقدر ذلك أبو العباس المبرد من الغلط، فقال: "ما" لا يجوز إلغاؤُها إلَّا في غاية من الضرورة. ولا يجوز أن يُحمَل الكلام على الضرورة ما وُجد عنه مندوحةٌ، مع أن "إما" يلزمها أن تكون مكررة، وهاهنا جاءت مرةً واحدةً. قال أبو العباس: لو قلت: "ضربتُ إمّا زيدًا"، لم يجز؛ لأن المعنى: إما هذا، وإما هذا. وصحةُ مَحْمَله على ما ذهب إليه الأصمعى أنها "إن" الجزائية. والمراد: وإن سقته من خريف، فلن يعدم الري، ولم يحتج إلى ذكرِ "سقته" مرة ثانية؛ لقوله: "سقته الرواعد من صيف"، كأنه اكتفى بذكره مرة واحدة. ولا يبعد ما قاله سيبويه، وإن كان الأول أظهرَ، فيكون اكتفى بـ "إِمَّا" مرة واحدة، وحذف بعضها، كأنه حملها على "أوْ" ضرورة، وتكون الفاء عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول جوابَ الشرط. ونظيرُ استعماله "إما" هنا من غير تكرير قولُ الفرزدق [من الطويل]:
١١٣٨ - تُهاضُ بدار قد تَقادم عَهْدُها ... وإما بأمْوات ألَم خَيالُها
* * *
стр. 1962
قال صاحب الكتاب: ولم يعد الشيخ أبو علي الفارسي "إمَّا" في حروف العطف؛ لدخول العاطف عليها, ووقوعها قبل المعطوف عليه.
* * *
قال الشارح: قد كنا ذكرنا أن أبا علي لم يعد "إما" في حروف العطف، وذلك لأمرَيْن: أحدهما أنها مكررةٌ، فلا تخلو العاطفة من أن تكون الأُولى أو الثانية، فلا يجوز أن تكون الأوُلى؛ لأنها تُدْخِل الاسمَ الذي بعدها في إعراب الاسم الذي قبلها وليس قبلها ما تعطفه عليه. ولا تكون الثانية هى العاطفة؛ لدخول واو العطف عليها، وحرفُ العطف لا يدخل على مثله. قال ابن السرّاج: ليس "إمَّا" بحرف عطف؛ لأن حروف العطف لا يدخل بعضُها على بعض، فإن وجدت شيئًا من ذلك في كلامهم، فقد خرج أحدهما من أن يكون حرف عطف، نحوَ قولك: "ما قام زيدٌ لا عمرو"، فـ "لا" في هذه المسألة ليست عاطفة، إنما هي نافية. ونحن نجد "إمَّا" هذه لا يُفارِقها حرفُ العطف، فقد خالفتْ ما عليها حروفُ العطف.
والثاني من الأمرَين ابتداؤك بها من نحو قوله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (١). وذلك أن موضع "أنّ" في كلا الموضعين رفعٌ بالابتداء، والتقديرُ: إمّا العذابُ شأنُك أو أمرُك، وإمّا اتّخاذُ الحسن. وحكى سيبويه (٢): "إمّا أن يقوم وإما أن لا يقوم"، فموضعُ "أنْ" فيها رفعٌ، ومثلُ ذلك أجازه سيبويه في البيت الذي أنشده، وهو [من الوافر]:
لقد كَذَبَتك نفسُك فاكذِبَنها ... فإن جَزَعًا وإنْ إجمالَ صَبْرِ (٣)
قال (٤): ولو رفعت، فقلت: "فإنْ جَزَعٌ، وإن إجمالُ صبر"، لكان جائزًا، كأنك
стр. 1963
قلت: "فإما أمري جزعٌ وإمّا إجمالُ صبر". وإذا جاز الابتداء بها لم تكن عاطفة؛ لأن حروف العطف لا تخلو من أن تعطف مفردًا على مفرد، أو جملةً على جملة، فكلا الأمرين لا يُبتدأ به.
وقوله: "لدخول العاطف"، يريد لدخول الواو على "إمَّا" الثانية.
وقوله: "لوقوعها قبل المعطوف عليه" يريد أن الأُولى لا تكون عاطفة لوقوعها أوّلاً قبل ما عُطف عليه، وحرت العطف لا يتقدم على ما عُطف عليه. ولا تكون الثانية عاطفة للزوم حرف العطف، وهو الواو لها، وحرفُ العطف لا يدخل على مثله.
فصل ["لا" و"بل" و"لكن "]
قال صاحب الكتاب: و"لا"، و"بل"، و"لكن" أخوات في أن المعطوف بها مخالف للمعطوف عليه, فـ "لا" تنفي ما وجب للأول, كقولك: جاءني زيد ولا عمرو, و"بل" للإضراب عن الأول منفياً أو موجباً, كقولك: جاءني زيد بل عمرو, وما جاءني بكر بل خالد, و"لكن" إذا عطف بها مفرد على مثله, كانت للاستدراك بعد النفي خاصة كقولك: "ما رأيت زيداً لكن عمراً", وأما في عطف الجملتين, فنظيرة "بل", تقول: "جاءني زيد لكن عمرو لم يجيء"، و"ما جاءني زيد لكن عمرو قد جاء".
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الأحرف الثلاثة متواخية لتقارب معانيها من حيث كان ما بعدها مخُالِفًا لِما قبلها على ما سيوضَح، وليس في حروف العطف ما يُشارِك ما بعده ما قبله في المعنى، إلَّا الواو، والفاء، و"ثُم"، و"حَتى"، فأما "لا" فتُخْرِج الثاني ممّا دخل فيه الأوّل. وذلك قولك: "ضربت زيدًا لا عمرًا"، و"مررت برجل لا امرأةٍ"، و"جاءني زيدُ لا عمرو". ولا تقع بعد نفي، فلا تقول: "ما قام زيدُ لا عمرو"؛ لأنها لإخراج الثاني ممّا دخل فيه الأوَّلُ، والأولُ لَم يدخل في شيء، فإذا قلت: "هذا زيدٌ لا عمرو"، فقد حققت الأولَ، وأبطلت الثاني، كما قال الثقَفي [من البسيط]:
١١٣٩ - هذِي المَفاخِرُ لا قَعْبانِ من لَبَنٍ ... شِيبَا بماءٍ فعادَا بَعْدُ أبْوالَا
стр. 1964
واعلم أنها إذا خَلَتْ من واوٍ داخلةٍ عليها، كانت عاطفةً نافيةً، كقولك: "جاء زيدٌ لا عمرٌو". فإذا دخلت عليها الواو نحوَ قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (٢)، تجردت للنفي، واستبدّت الواوُ بالعطف، لأنها مشتركة تارةً تكون نفيًا وتارةً مؤكدةً للنفي. ووجهُ الحاجة إلى تأكيد النفي أنها قد تُوقِع إبهامًا بدخولها لِمَا سبق إلى النفس في قولك: "ما جاء زيدٌ وعمرو" من غير ذكرِ "لا". ودْلك أنك دللت بها حين دخلتِ الكلامَ على انتفاء المجيء منهما على كل حال مصطحبَين ومفترقَيْن. ومع عدمها كان الكلام يُوهِم أن المجيء انتفى عنهما مصطحبين، فإنّه يجوز أن يكون مجيئهما وقع على غير حال الاجتماع، فالواوُ مستبِدّةٌ بالعطف؛ لأنه لا يجوز دخول حرف العطف على مثله، إذ من المحال عطفُ العاطف.
فإن قيل: فهل يجوز العطف بـ "لَيْسَ" لِما فيها من النفي كما جاز بـ "لا"، فتقولَ: "ضربت زيدًا ليس عمرًا؟ قيل: لا يجوز ذلك على العطف, لأنها فعلٌ، وإنما يُعْطَف بالحروف.
فإن قيل: فهل يجوز بـ "ما"؛ لأنها حرفٌ؟ قيل: لا يجوز ذلك بالإجماع، فلا تقول: "ضربت زيدًا ما عمرًا"؛ لأن "ما" لها صدرُ الكلام، إذ كان يُستأنف بها النفيُ كما يُستأنف بالهمزة الاستفهامُ، فلم يُعْطَف بها؛ لأن لها صدر الكلام كالاستفهام. وحرفُ العطف لا يقع إلا تابعًا لشيء قبله، فلذلك من المعنى لم يجز أن يعمل ما قبلها فيما بعدها، كما لم يجز ذلك في الاستفهام.
وأمّا "بَل"، فللإضراب عن الأول وإثباتِ الحكم للثاني، سواءٌ كان ذلك الحكم إيجابًا أو سَلْبًا، تقول في الإيجاب: "قام زيدٌ بل عمرو"، وتقول في النفي: "ما قام زيد بل عمروٌ"، كأنك أردت الإخبار عن عمرو، فغلطتَ، وسبق لسانُك إلى ذكر "زيد"،
стр. 1965
فأتيت بـ "بَل" مُضْرِبًا عن زيد، ومُثْبِتًا ذلك الحكم لعمرو. قال أبو العباس محمّد بن يزيد المبرد: إذا قلت: "ما رأيتُ زيدًا بل عمرًا"، فالتقدير: بل ما رأيت عمرًا، لأنك أضربت عن موجب إلى موجب. وكذلك تُضْرِب عن منفيّ إلى منفيّ.
وتحقيقُ ذلك أن الإضراب تارةً يكون عن المُحدَّث عنه، فتأتى بعد "بَلْ" بمحدّث عنه، نحوَ: "ضربتُ زيدًا بل عمرًا"، و"ما ضربت زيدًا بل عمرًا"، وتارةً عن الحديث، فتأتي بعد "بَلْ" بالحديث المقصود إليه، نحوَ: "ضربت زيدًا بل أكرمتُه"، كأنّك أردت أن تقول: "أكرمت زيدًا"، فسبق لسانُك إلى "ضربت"، فأضربتَ عنه إلى المقصود، وهو "أكرمته". وتارةً تُضْرِب عن الجميع، وتأتي بعد "بَل" بالمقصود من الحديث، والمُحدَّث عنه، وذلك نحوُ: "ضربتُ زيدًا بل أكرمتُ خالدًا"، كأنك أردت من الأول أن تقول: "أكرمت خالدًا"، فسبق لسانك إلى غيره، فأضربت عنه بـ "بَل"، وأتيتَ بعدها بالمقصود.
هذا هو القياس. وقولُ النحويين: إنك تُضرِب بعد النفي إلى الإيجاب، فإنما ذلك بالحمل على "لكِنْ"، لا على ما تقتضيه حقيقةُ اللفظ، ومن قال من النحويين أن "بَل" يُستدرك بها بعد النفي كـ "لكِنْ"، واقتصر على ذلك، فالاستعمال يشهد بخلافه.
واعلم أن الإضراب له معنيان: أحدهما إبطالُ الأول والرجوع عنه، إما لغلطٍ أو نِسْيانٍ على ما ذكرنا، والآخر: إبطالُه لانتهاءِ مدّةِ ذلك الحكم، وعلى ذلك يأتي في الكتاب العزيزنحوَ قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، ثم قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (٢) كأنّه انتهتْ هذه القصةُ الأوُلى، فأخذ في قصة أُخرى، ولم يُرِد أن الأول لم يكن. وكذلك قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٣)، وهو كثير في القرآن والشعر. وذلك أن الشاعر إذا استعمل "بَل" في شعر، نحوِ قوله [من الرجز]:
بَل جَوزِ تَيْهاءَ كظَهْرِ الحَجَفتْ (٤)
ونحو [من الرجز]:
١١٤٠ - بَلْ بَلَدٍ مِلْءِ الفِجاجِ قتمُهْ