فقد حمله سيبويه (١) على إرادةِ "إما" أيضًا، و"إنْ" فيه محذوفةٌ من "إما"، يريد: وإما من خريف. ولا يجوز طرح "ما" من "إمَّا" إلَّا في ضرورة. وقدر ذلك أبو العباس المبرد من الغلط، فقال: "ما" لا يجوز إلغاؤُها إلَّا في غاية من الضرورة. ولا يجوز أن يُحمَل الكلام على الضرورة ما وُجد عنه مندوحةٌ، مع أن "إما" يلزمها أن تكون مكررة، وهاهنا جاءت مرةً واحدةً. قال أبو العباس: لو قلت: "ضربتُ إمّا زيدًا"، لم يجز؛ لأن المعنى: إما هذا، وإما هذا. وصحةُ مَحْمَله على ما ذهب إليه الأصمعى أنها "إن" الجزائية. والمراد: وإن سقته من خريف، فلن يعدم الري، ولم يحتج إلى ذكرِ "سقته" مرة ثانية؛ لقوله: "سقته الرواعد من صيف"، كأنه اكتفى بذكره مرة واحدة. ولا يبعد ما قاله سيبويه، وإن كان الأول أظهرَ، فيكون اكتفى بـ "إِمَّا" مرة واحدة، وحذف بعضها، كأنه حملها على "أوْ" ضرورة، وتكون الفاء عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول جوابَ الشرط. ونظيرُ استعماله "إما" هنا من غير تكرير قولُ الفرزدق [من الطويل]:
١١٣٨ - تُهاضُ بدار قد تَقادم عَهْدُها ... وإما بأمْوات ألَم خَيالُها
* * *
стр. 1962
قال صاحب الكتاب: ولم يعد الشيخ أبو علي الفارسي "إمَّا" في حروف العطف؛ لدخول العاطف عليها, ووقوعها قبل المعطوف عليه.
* * *
قال الشارح: قد كنا ذكرنا أن أبا علي لم يعد "إما" في حروف العطف، وذلك لأمرَيْن: أحدهما أنها مكررةٌ، فلا تخلو العاطفة من أن تكون الأُولى أو الثانية، فلا يجوز أن تكون الأوُلى؛ لأنها تُدْخِل الاسمَ الذي بعدها في إعراب الاسم الذي قبلها وليس قبلها ما تعطفه عليه. ولا تكون الثانية هى العاطفة؛ لدخول واو العطف عليها، وحرفُ العطف لا يدخل على مثله. قال ابن السرّاج: ليس "إمَّا" بحرف عطف؛ لأن حروف العطف لا يدخل بعضُها على بعض، فإن وجدت شيئًا من ذلك في كلامهم، فقد خرج أحدهما من أن يكون حرف عطف، نحوَ قولك: "ما قام زيدٌ لا عمرو"، فـ "لا" في هذه المسألة ليست عاطفة، إنما هي نافية. ونحن نجد "إمَّا" هذه لا يُفارِقها حرفُ العطف، فقد خالفتْ ما عليها حروفُ العطف.
والثاني من الأمرَين ابتداؤك بها من نحو قوله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (١). وذلك أن موضع "أنّ" في كلا الموضعين رفعٌ بالابتداء، والتقديرُ: إمّا العذابُ شأنُك أو أمرُك، وإمّا اتّخاذُ الحسن. وحكى سيبويه (٢): "إمّا أن يقوم وإما أن لا يقوم"، فموضعُ "أنْ" فيها رفعٌ، ومثلُ ذلك أجازه سيبويه في البيت الذي أنشده، وهو [من الوافر]:
لقد كَذَبَتك نفسُك فاكذِبَنها ... فإن جَزَعًا وإنْ إجمالَ صَبْرِ (٣)
قال (٤): ولو رفعت، فقلت: "فإنْ جَزَعٌ، وإن إجمالُ صبر"، لكان جائزًا، كأنك
стр. 1963
قلت: "فإما أمري جزعٌ وإمّا إجمالُ صبر". وإذا جاز الابتداء بها لم تكن عاطفة؛ لأن حروف العطف لا تخلو من أن تعطف مفردًا على مفرد، أو جملةً على جملة، فكلا الأمرين لا يُبتدأ به.
وقوله: "لدخول العاطف"، يريد لدخول الواو على "إمَّا" الثانية.
وقوله: "لوقوعها قبل المعطوف عليه" يريد أن الأُولى لا تكون عاطفة لوقوعها أوّلاً قبل ما عُطف عليه، وحرت العطف لا يتقدم على ما عُطف عليه. ولا تكون الثانية عاطفة للزوم حرف العطف، وهو الواو لها، وحرفُ العطف لا يدخل على مثله.
فصل ["لا" و"بل" و"لكن "]
قال صاحب الكتاب: و"لا"، و"بل"، و"لكن" أخوات في أن المعطوف بها مخالف للمعطوف عليه, فـ "لا" تنفي ما وجب للأول, كقولك: جاءني زيد ولا عمرو, و"بل" للإضراب عن الأول منفياً أو موجباً, كقولك: جاءني زيد بل عمرو, وما جاءني بكر بل خالد, و"لكن" إذا عطف بها مفرد على مثله, كانت للاستدراك بعد النفي خاصة كقولك: "ما رأيت زيداً لكن عمراً", وأما في عطف الجملتين, فنظيرة "بل", تقول: "جاءني زيد لكن عمرو لم يجيء"، و"ما جاءني زيد لكن عمرو قد جاء".
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الأحرف الثلاثة متواخية لتقارب معانيها من حيث كان ما بعدها مخُالِفًا لِما قبلها على ما سيوضَح، وليس في حروف العطف ما يُشارِك ما بعده ما قبله في المعنى، إلَّا الواو، والفاء، و"ثُم"، و"حَتى"، فأما "لا" فتُخْرِج الثاني ممّا دخل فيه الأوّل. وذلك قولك: "ضربت زيدًا لا عمرًا"، و"مررت برجل لا امرأةٍ"، و"جاءني زيدُ لا عمرو". ولا تقع بعد نفي، فلا تقول: "ما قام زيدُ لا عمرو"؛ لأنها لإخراج الثاني ممّا دخل فيه الأوَّلُ، والأولُ لَم يدخل في شيء، فإذا قلت: "هذا زيدٌ لا عمرو"، فقد حققت الأولَ، وأبطلت الثاني، كما قال الثقَفي [من البسيط]:
١١٣٩ - هذِي المَفاخِرُ لا قَعْبانِ من لَبَنٍ ... شِيبَا بماءٍ فعادَا بَعْدُ أبْوالَا
стр. 1964
واعلم أنها إذا خَلَتْ من واوٍ داخلةٍ عليها، كانت عاطفةً نافيةً، كقولك: "جاء زيدٌ لا عمرٌو". فإذا دخلت عليها الواو نحوَ قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (٢)، تجردت للنفي، واستبدّت الواوُ بالعطف، لأنها مشتركة تارةً تكون نفيًا وتارةً مؤكدةً للنفي. ووجهُ الحاجة إلى تأكيد النفي أنها قد تُوقِع إبهامًا بدخولها لِمَا سبق إلى النفس في قولك: "ما جاء زيدٌ وعمرو" من غير ذكرِ "لا". ودْلك أنك دللت بها حين دخلتِ الكلامَ على انتفاء المجيء منهما على كل حال مصطحبَين ومفترقَيْن. ومع عدمها كان الكلام يُوهِم أن المجيء انتفى عنهما مصطحبين، فإنّه يجوز أن يكون مجيئهما وقع على غير حال الاجتماع، فالواوُ مستبِدّةٌ بالعطف؛ لأنه لا يجوز دخول حرف العطف على مثله، إذ من المحال عطفُ العاطف.
فإن قيل: فهل يجوز العطف بـ "لَيْسَ" لِما فيها من النفي كما جاز بـ "لا"، فتقولَ: "ضربت زيدًا ليس عمرًا؟ قيل: لا يجوز ذلك على العطف, لأنها فعلٌ، وإنما يُعْطَف بالحروف.
فإن قيل: فهل يجوز بـ "ما"؛ لأنها حرفٌ؟ قيل: لا يجوز ذلك بالإجماع، فلا تقول: "ضربت زيدًا ما عمرًا"؛ لأن "ما" لها صدرُ الكلام، إذ كان يُستأنف بها النفيُ كما يُستأنف بالهمزة الاستفهامُ، فلم يُعْطَف بها؛ لأن لها صدر الكلام كالاستفهام. وحرفُ العطف لا يقع إلا تابعًا لشيء قبله، فلذلك من المعنى لم يجز أن يعمل ما قبلها فيما بعدها، كما لم يجز ذلك في الاستفهام.
وأمّا "بَل"، فللإضراب عن الأول وإثباتِ الحكم للثاني، سواءٌ كان ذلك الحكم إيجابًا أو سَلْبًا، تقول في الإيجاب: "قام زيدٌ بل عمرو"، وتقول في النفي: "ما قام زيد بل عمروٌ"، كأنك أردت الإخبار عن عمرو، فغلطتَ، وسبق لسانُك إلى ذكر "زيد"،
стр. 1965
فأتيت بـ "بَل" مُضْرِبًا عن زيد، ومُثْبِتًا ذلك الحكم لعمرو. قال أبو العباس محمّد بن يزيد المبرد: إذا قلت: "ما رأيتُ زيدًا بل عمرًا"، فالتقدير: بل ما رأيت عمرًا، لأنك أضربت عن موجب إلى موجب. وكذلك تُضْرِب عن منفيّ إلى منفيّ.
وتحقيقُ ذلك أن الإضراب تارةً يكون عن المُحدَّث عنه، فتأتى بعد "بَلْ" بمحدّث عنه، نحوَ: "ضربتُ زيدًا بل عمرًا"، و"ما ضربت زيدًا بل عمرًا"، وتارةً عن الحديث، فتأتي بعد "بَلْ" بالحديث المقصود إليه، نحوَ: "ضربت زيدًا بل أكرمتُه"، كأنّك أردت أن تقول: "أكرمت زيدًا"، فسبق لسانُك إلى "ضربت"، فأضربتَ عنه إلى المقصود، وهو "أكرمته". وتارةً تُضْرِب عن الجميع، وتأتي بعد "بَل" بالمقصود من الحديث، والمُحدَّث عنه، وذلك نحوُ: "ضربتُ زيدًا بل أكرمتُ خالدًا"، كأنك أردت من الأول أن تقول: "أكرمت خالدًا"، فسبق لسانك إلى غيره، فأضربت عنه بـ "بَل"، وأتيتَ بعدها بالمقصود.
هذا هو القياس. وقولُ النحويين: إنك تُضرِب بعد النفي إلى الإيجاب، فإنما ذلك بالحمل على "لكِنْ"، لا على ما تقتضيه حقيقةُ اللفظ، ومن قال من النحويين أن "بَل" يُستدرك بها بعد النفي كـ "لكِنْ"، واقتصر على ذلك، فالاستعمال يشهد بخلافه.
واعلم أن الإضراب له معنيان: أحدهما إبطالُ الأول والرجوع عنه، إما لغلطٍ أو نِسْيانٍ على ما ذكرنا، والآخر: إبطالُه لانتهاءِ مدّةِ ذلك الحكم، وعلى ذلك يأتي في الكتاب العزيزنحوَ قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، ثم قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (٢) كأنّه انتهتْ هذه القصةُ الأوُلى، فأخذ في قصة أُخرى، ولم يُرِد أن الأول لم يكن. وكذلك قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٣)، وهو كثير في القرآن والشعر. وذلك أن الشاعر إذا استعمل "بَل" في شعر، نحوِ قوله [من الرجز]:
بَل جَوزِ تَيْهاءَ كظَهْرِ الحَجَفتْ (٤)
ونحو [من الرجز]:
١١٤٠ - بَلْ بَلَدٍ مِلْءِ الفِجاجِ قتمُهْ
стр. 1966
فإنّه لا يريد أن ما تقدم من قوله باطلٌ، وإنما يريد أن ذلك الكلام انتهى، وأخذ في غيره، كما يذكر الشاعر معانِيَ كثيرةً، ثم يقول: فعُدْ عن ذا، ودَعْ ذا، وخُذْ في حديثٍ غيره، فاعرفه.
وأمّا "لكِنْ"، فحرفُ عطف أيضًا، ومعناه الاستدراك، وإنما تعطف عندهم بعد النفي، كقولك: "ما جاء زيدٌ لكن عمرو"، و"ما رأيت بكرًا لكن بشرًا، و"ما مررت بمحمدٍ لكن عبدِ الله"، فتُوجب بها بعد النفي. ولا يجوز: "جاءني زيدٌ لكن عمرو"؛ لأنه يجب أن الثاني فيها على خلاف معنى الأول من غير إضراب عن الأول، فإذا قلت: "جاءني زيدُ"، فهو إيجابُ، فإذا وصلته، فقلت: "لكن عمرو"، صار إيجابًا أيضًا، وفسد الكلام، ولكن تقول في مثل هذا: "جاءني زيد لكن عمرو لم يأتِ" حتى يصير ما بعدها نفيًا، والذي قبل إيجابًا لتحقيق الاستدراك.
ولو قلت في هذا: "لكن لم يقم زيدٌ"، أو "لكن ما قام عمرو"، لأدَّيْتَ المعنى، لكن الاستعمال له يقِل لتَنافُره، لأن الأول عطف جملة على جملة في صورة عطف مفرد على مفرد؛ لأن الاسم الذي بعدها يلي الاسمَ الذي قبلها. ولو قلت: "تكلّم زيد لكن عمرو سكت" جاز، لمخالفة الثاني الأوّلَ في المعنى، فجرى مجرى النفي بعد الإثبات. وذلك أن "لكِنْ" إئما تُستعمل إذا قدر المتكلمُ أن المخاطب يعتقد دخولَ ما بعد "لكِنْ" في الخبر الذي قبلها، إمّا لكونه تبَعًا له، وإذا لمخالَطةِ موجب ذلك، فتقول: "ما جاءني زيدٌ لكن عمرو"، فتخرِج الشك من قبل المخاطب إذ جاز أَن يعتقد أن عمرًا لم يأتِ مع ذلك، فإذا لم يكن بين "عمرو" وبين "زيد" عُلْقَةٌ تجوِّز المشاركةَ؛ لم يجز استعمالُ "لكِنْ"؛ لأن الاستدراك إئما يقع فيما يُتوهم أنّه داخل في الخبر، فيستدرك المتكلمُ إخراجَ المستدرَك منه.
فإن قيل: فلِمَ لا يجوز: "جاءنى زيد لكن عمرو" على معنى النفي؟ قيل: لأن النفى لا يكون إلَّا بعلامةِ حرف النفى، وليس الإيجابُ كذلك، فاستغنيت في الإيجاب
стр. 1967
عن الحرف، ولم تستغنِ في النفي عن الحرف لِما بيّنّا، وقياسُه كقياسِ "زيدٌ في الدار"، و"ما زيدٌ في الدار"، فهو في النفي بحرف، وفي الإيجاب بغير حرف.
واعلم أنّ "لكِن" قد وردت في الاستعمال على ثلاثةِ أضرب:
تكون للعطف والاستدراك، وذلك إذا لم تدخل عليها الواو، وكانت بعد نفى، فعطفتْ مفردًا على مثله
ولمجرد الاستدراك، وذلك إذا دخلت عليها الواو.
وتكون حرف ابتداء يُستأنف بعدها الكلام، نحوَ "إنما"، و"كأنما"، و"لَيْتَما"، وذلك إذا دخلت على الجملة.
وكان يونس فيما حكاه عنه أبو عمرو يذهب إلى أن "لكن" إذا خُفّفت كانت بمنزلةِ "إنَّ"، و"أنَّ". وكأنّهما إذا خُفّفا لم يخرجا عمّا كانا عليه قبل التخفيف، فكذلك تكون "لكن" إذا خُفّفت، فإذا قال: "ما جاءنى زيدٌ لكن عمرو"، كان الاسم مرتفعًا بـ "لكن"، والخبر مضمز. وإذا قال: "ما ضرْبت زيدًا لكن عمرًا"، كان في "لكن" ضميرُ القصة، وانتصب "زيدٌ" بفعل مضمر. وإذا قال: "ما مررت برجل صالح لكن طالح"؛ فـ"طالح" مجرورٌ بباء محذوفة، والتقدير: لكن الأمرُ مررت بطالح. كأنه لما راى لفظَ "لكن" المخففةِ موافقَ لفظِ الثقيلة، ومعناهما واحدٌ في الاستدراك، جعلها منها، وقاسها في أخواتها من نحو "أنَّ"، و"كَأنَّ" إذا خُففتا. وفيه بُعْدُ، لاحتياجه في ذلك إلى إضمار الشأن والحديث، والقولِ: إنها محذوفة منها، وليس الباب في الحروف ذلك, لأنه قبيل من التصرّف، والحق أنها أصلٌ برأسه، فإنّ الشيئين قد يتقاربان في اللفظ والمعنى، وليس أحدهما من الآخر، كقولنا: "سَبِطٌ"، و"سِبَطرٌ"، و"لؤلؤٌ"، وَ"لَألٌ" و"دمِثٌ"، و"دمَثْرٌ".
وقوله صاحب الكتاب: "لكن" إذا عُطف بها على مفرد كانت للاستدراك، فهو ظاهر على ما تقدّم.
وقوله: و"أما في عطف الجملتَيْن فنظيرةُ "بَل"، فالمراد أنها إذا عطفت بها مفردًا على مفرد، كان معناها الاستدراك، وكانت مخالفةً لـ"بَل"؛ لأن "بَل" يعطف بها بعد الإيجاب والنفي، و"لكِنْ" لا يعطف بها إلَّا (١) بعد النفي على تقدم. وإذا عطف بها جملةٌ تامةٌ على جملة تامَة؛ كانت نظيرةَ "بل" في كونها لا (٢) يعطف بها إلَّا بعد النفي والإثبات كـ "بَلْ"، وليس المراد أنهما في المعنى واحدٌ، إذ الفرق بينهما ظاهرٌ. وذلك أن
стр. 1968
"لكِنْ" لا بدّ فيها من نفي وإثباتٍ. إن كان قبلها نفىٌ، كان ما بعدها مُثْبتًا، وإن كان قبلها إيجابٌ، كان ما بعدها منفيًا. وهذا الحكم لا يُراعَى في "بَل"؛ لأنّه رجوعٌ عن الأول حتى يصير بمنزلةِ ما لم يكن، وما لم يُخبَر عنه بنفي ولا إثباتٍ، فالعطفُ بـ "بَلْ" فيه إخبارٌ واحدٌ، وهو بما بعدها لا غيرُ، وما قبلها مُضرَبٌ عنه. والعطفُ بـ "لكِنْ" فيها إخباران: بما قبلها -وهو نفيٌ- وبما بعدها وهو إيجابٌ، فاعرفه.
стр. 1969
ومن أصناف الحرف حروفُ النفْي
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي "ما" و"لا" و"لم" و"لما" و"لن" و"إن". فـ "ما" لنفي الحال في قولك: "ما يفعل", و"ما زيدٌ منطلقٌ أو منطلقاً" على اللغتين (١) , ولنفي الماضي المقرب من الحال في قولك: "ما فعل". قال سيبويه (٢): أما "ما" فهي نفيٌ لقول القائل: "هو يفعل" إذا كان في فعل الحال, وإذا قال: "لقد فعل", فإن نفيه: "ما فعل" فكأنه قيل "والله ما فعل".
* * *
قال الشارح: اعلم أن النفي إنما يكون على حسب الإيجاب؛ لأنه إكذابٌ له، فينبغي أن يكون على وَفق لفظه لا فرقَ بينهما، إلَّا أن أحدهما نفىٌ، والآخر إيجابٌ.
وحروف النفي ستّةٌ: "ما"، و"لا"، و"لَمْ"، و"لَمَّا"، و"لَن"، و"إن". فأما"ما" فإنها تنفى ما في الحال، فإدْا قيل: "هو يفعل" وتريد الحال، فجوابُه ونفيُه "ما يفعل"، وكذلك إذا قرّبه وقال: "لقد فعل"، فجوابُه ونفيُه: "ما فعل"؛ لأن قوله: "لقد فعل" جوابُ قَسَم، فإذا أبطلته وأقسمتَ، قلت: "ما فعل"؛ لأن "ما" يُتلقى بها القسم في النفي، وتقديره: "واللهِ ما فعل".
فإن قيل: فهلّا كان جوابه: "لا يفعل", لأن "لا" ممّا يُتلقى به القسمُ أيضًا في النفي؟ قيل: "لا" حرفٌ موضوعٌ لنفي المستقبل، فلا يُنْفَى بها فعلُ الحال. وتقول أيضًا: "ما زيدٌ منطلقٌ"، فيكون جوابًا ونفيًا لقولهم: "زيدٌ منطلقٌ"، إذا أرُيد به الحال. وإن شئت أعملت على لغة أهل الحجاز، فقلت: "ما زيدٌ منطلقًا". وقد تقدم الكلام على إعمالِ "ما".
стр. 1970
واعلم أن "ما" تكون على ضربَيْن اسمًا، وحرفًا، فإذا كانت اسمًا، فلها أربعةُ مواضع: تكون استفهامًا كقولك: "ما عندك"؟ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وتكون خبرًا كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢). وتكون موصولة، نحوَ قوله سبحانه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٣). وتكون نكرة موصوفة، كقوله تعالى في أحد الوجهين: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (٤).
وإذا كانت حرفًا، فلها خمسةُ مواضعَ: تكون نافية على ما شُرح من أمرها، وتكون كافّةً، نحوَ: "إنما"، و"كَأنمَّا"، فإن "ما" كفّتْ هذه الحروف عن العمل، وصرفتْ معناها إلى الابتداء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٥).
الثالث: أن تكون مُهيَّئةً، نحوَ "حَيثُ ما" و"إذما" و"رُبما"، هيأت "مِا" "حَيثُ" و"إذ" للجزاء، وهيأتْ "رُبَّ" لأن تِليِها الأفعالُ بعد أن لم تكن كذلك.
الرابع: أن تكون مع الفعل في تأويل المصدر، وهذا مذهب سيبويه (٦) فيها، كأنّه يعتقد أنها حرفٌ كـ "أَن"، إلَّا أنها لا تعمل عملَ "أنْ"، والفرقُ بينهما عنده أن "أنْ" مختصةٌ بالأفعال لا يليها غيرُها، و"ما"، إذا كانت مصدريةً، فإنه يليها الفعلُ والاسمُ، فالفعلُ قولك: "يُعجِبني ما تصنع"، أي: يعجبني صنيعُك، والاسمُ قولك: "يعجبني ما أنت صانعٌ"، أي: صنيعُك. وكل حرف يليه الاسمُ مرّةً والفعلُ أُخرى، فإنّه لا يعمل في واحد منهما. فكان الأخفش لا يجيز أن تكون "ما" إلَّا اسمًا، وإذا كانت كذلك؛ فإن كانت معرفة، فهي بمنزلةِ "الذِي"، والفعلُ في صلتها كما يكون في صلةِ "الذِي"، وإن كانت نكرة، فهي في تقدير شَيءٍ، ويكون ما بعدها صفةً لها، ويرتفع ما بعدها كما يرتفع إذا كانت صفة لشَيْء، ولا تكون حرفًا عنده.
الخامس: أن تكون صلةً مؤكدةً لا تفيد إلَّا تمكينَ المعنى وتوفيرَه بتكثير اللفظ، وذلك نحو قولك: "غضبت من غيرِ ما جُرْمٍ"، أي: من غير جرمٍ. ومنه قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٧) فَـ "ما" زائدةٌ، والمعنى: فَبِرَحْمةٍ من الله، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "لنت". ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٨)، وَ"ما" لَغْوٌ مؤكدةٌ، ومثله ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (٩) فـ "بعوضة" منتصب على البدل من "مَثَلٍ"، و"ما" مؤكدةٌ، فاعرفه.
стр. 1971
فصل ["لا "]
قال صاحب الكتاب: و"لا" لنفي المستقبل في قولك: "لا يفعل". قال سيبويه (١): وأما "لا" فتكون نفياً لقول القائل: "هو يفعل", ولم يقع الفعل. وقد نفي بها الماضي في قوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ (٢) , وقوله [من الرجز]:
فأي أمر سييءٍ لا فعله (٣)
وينفي بها نفياً عاماً في قولك: "لا رجل في الدار", وغير عام في قولك: "لا رجل في الدار ولا امرأة", و"لا زيدٌ في الدار ولا عمروٌ", ولنفي الأمر في قولك: "لا تفعل" ويسمى النهي, والدعاء في قولك: "لا رعاك الله".
* * *
قال الشارح: وأمّا "لا"، فحرفٌ نافٍ أيضًا موضوع لنفي الفعل المستقبل، قال سيبويه: وإذا قال: "هو يفعل"، ولم يكن الفعل واقعًا؛ فنفيُه: "لا يفعل"، فـ "لا" جوابُ "هو يفعل" إذا أُريد به المستقبل، فإذا قال القائل: "يقوم زيدٌ غدًا"، وأُريد نفيُه، قيل. "لا يقوم"؛ لأن "لا" حرفٌ موضوعٌ لنفي المستقبل، وكذلك إذا قال: "لَيَقعَلَنَّ"، وأُريد النفي، قيل: "لا يفعل"؛ لأن النون تصرف الفعلَ للاستقبال، وربما نفوا بها الماضي، نحوَ قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (٤)، أي: لم يصدق، ولم يصل. ومنه قوله تعالى أيضًا: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (٥) أي: لم يقتحم، وكذلك قوله [من الرجز]:
فأي أمر سيّئ لا فعله (٦)
حملوا "لا" في ذلك على "لَمْ"، إلَّا أنهم لم يغيروا لفظ الفعل بعد "لا"كما غيروه بعد "لَمْ"؛ لأن "لا" غير عاملة، و"لَمْ" عاملة، فلذلك غيروا لفظَ الفعل إلى المضارع، ليظهر فيه أثرُ العمل.
وقد تدخل الأسماءَ، فيُنفَى بها نفيًا عامًا، نحوَ: "لا رجلَ في الدار"، و"لا غلامَ لك"، وغير عامّ، نحو قولك: "لا رجلٌ عندك ولا امرأة" و"لا زيدٌ عندك ولا عمرو"، كأنّه جوابُ: "هل رجلٌ عندك أم امراةٌ"، وهل "زيدٌ عندك أم عمرو؟ " ولذلك لا يكون الرفع إلا مع التكرار. وقد شرحنا ذلك فيما تقدم وخلاف أبي العباس فيه بما أغنى عن إعادته.
стр. 1972
وقد تكون نَهيًا فتجزم الأفعالَ نحوَ قولك: "لا ينطلق بكرٌ، ولا يخرجْ عمرو". قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (١) وقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٢) ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٣)، وهو كثيرٌ جدًّا.
وقوله: "ولنفي الأمر"، يريد النهي؛ لأنه بإزاء الأمر في قولك: "لِينطلقْ بكرٌ، ولِيخرجْ عمرو". وذلك أن النهي عكسُ الأمر وضِدُّه.
وقد تكون دعاءً في نحو قولك: "لا رعاك اللهُ"، و"لا قام زيدٌ ولا قعد"، يريد الدعاء عليه، وهو مَجاز من قبل وضعِ الماضي موضعَ المضارع، وحقُّ هذا الكلام أن تكون نفيًا لقيامه وقعوده.
وتكون زائدة مؤكدة كما كانت "ما" كذلك. قال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (٤)، إنما هو: أُقسمُ، وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٥) إنما هو: أقسمُ. والذي يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٦). وكذلك قال المفسّرون في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٧)، إنما هو أقسمُ، والجواب: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٨).
فإن قيل: الزيادة إنما تقع في أثناء الكلام وأواخره ولا تقع أوّلًا، قيل القرآن كلُّه جملةٌ واحدةٌ كالسورة الواحدة، فاعرفه.
فصل ["لم" و"لمّا "]
قال صاحب الكتاب: و"لم", و"لما" لقلب معنى المضارع إلى الماضي ونفيه, إلا أن بينهما فرقاً, وهو أن "لم يفعل" نفيُ "فَعَلَ". و"لما يفعل" نفي "قد فَعَلَ". وهي "لمْ" ضمت إليها "ما", فازدادت في معناها أن تضمنت معنى التوقع والانتظار, واستطال زمان فعلها, ألا ترى أنك تقول: "ندم ولم ينفعه الندم", أي عقيب ندمه, وإذا قلته بـ "لما", كان على معنى أن لم ينفعه إلى وقته؟ ويسكت عليها دون أختها في قولك: "خرجت ولما" أي: ولما تخرج, كما يسكت على "قد" في [من الكامل]:
كأن قد (٩)
* * *
стр. 1973
قال الشارح: اعلم أن "لَم" و"لَمَّا" أُختان, لأنهما لنفي الماضي؛ ولذلك ذكرهما معًا. فأما "لَمْ"، فقال سيبويه (١): هو لنفي "فَعَلَ"، يريد أنه موضوع لنفي الماضي، فإذا قال القائل: "قام زيدٌ"، كان نفيُه: "لم يقَم". وهو يدخل على لفظ المضارع، ومعناه الماضي. قال بعضهم: إن "لَم" دخلت على لفظ الماضي، ونقلته إلى المضارع ليصحّ عملُها فيه. وقال الآخرون دخلت على لفظ المضارع، ونقلت معناه إلى الماضي. وهو الأظهرُ؛ لأن الغالب في الحروف تغيير المعاني لا الألفاظِ نفسها، فقالوا: قلبتْ معناه إلى الماضي منفيًا، ولذلك يصحّ اقتران الزمان الماضي به، فتقول: "لم يقم زيدٌ أمس"، كما تقول: "ما قام زيدٌ أمس". ولا يصح أن تقول: "لم يقم غدًا"، إلَّا أن يدخل عليه "إن" الشرطيةُ، فتقلبه قلبًا ثانيًا؛ لأنها ترد المضارع إلى أصل وَضْعه من صلاحيّة الاستقبال، فتقول: "إن لم تقم غدًا لم أقم". وذلك من حيث كانت "لَمْ" مختضة بالفعل غير داخلة على غيره، صارت كأحد حروفه. ولذلك لم يجز الفصل بينها وبين مجزومها بشيء. وإن وقع ذلك، كان من أقبح الضرورة. ويؤيد شدّةَ اتصالها بما بعدها أنهم أجازوا: "زيدًا لم أضْرِبْ"، كما يجوز "زيدًا أضرب". وقد عُلم أنه لا يجوز تقديم المعمول حيث لا يجوز تقديم العامل.
فإن قيل: فما الحاجة إلى "لَمْ" في النفي؟ وهلّا اكتُفي بـ "ما" من قولهم: "ما قام زيدٌ"، قيل: فيها زيادةُ فائدة ليست في "ما". وذلك أن "ما" إذا نفتِ الماضي، كان المراد ما قرب من الحال، ولم تنفِ الماضي مطلقًا، فاعرفِ الفرق بينهما إن شاء الله تعالى.
وأمّا "لَما"، فهي "لَمْ" زيدت عليها "ما"، فلم يتغير عملُها الذي هو الجزم. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (٢). وتقع جوبًاونفيًا لقولهم: "قد فعل". وذلك أنك تقول: "قام"، فيصلح ذلك لجميع ما تَقدمك من الأزمنة، ونفيُه: "لم يقم" على ما تقدم. فإذا قلت: "قد قام"، فيكون ذلكَ إثباتًا لقيامه في أقربِ الأزمنة الماضية إلى زمن الوجود. ولذلك صلح أن يكون حالًا، فقالوا: "جاء زيدٌ ضاحكًا"، و"جاء زيد يضحك"، و"جاء زيدٌ قد ضحك". ونفيُ ذلك: "لَما يقم"، زدتَ على النافي، وهو "لَمْ"، "ما"، كما زدت في الواجب حرفًا، هو "قَد"؛ لأنّهما للحال، ولِما فيه تطاول، يُقال: "ركب زيدٌ وقد لبس خُفهُ"، و"ركب زيدٌ ولما يلبس خفه". فالحالُ قد جمعهما. وكذلك تقول: "ندم زيدٌ ولم ينفعه ندمُه"، أي: عقيبَ ندمه انتفى النفعُ. ولو قال: "ولما ينفعه ندمُه" امتد وتَطاول. لأن "ما" لما رُكبت مع "لَمْ"، حدث لها معنًى بالتركيب لم يكن لها، وغيرتْ معناها كما غيرت معنى "لَو" حين قلت "لَوْما".
ومن ذلك أنهم قد يحذفون الفعل الواقع بعد "لَمَّا"، فيقولون: "يريد زيدٌ أن يخرج
стр. 1974
ولما"، أي: ولما يخرجْ، كما يحذفونه بعد "قَدْ" في قول الشاعر [من الكامل]:
أفِدَ الترَحلُ غيرَ إنَّ رِكابَنا ... لَما تَزَل بِرِحالنا وكأنّ قَدِ (١)
أي: وكأن قَد زالتْ، كأنهم اتسعوا في حذف الفعل بعد "قَدْ" وبعد "لما"؛ لأنهما لتوقُعِ فعل؛ لأنك تقول: "قد فعل" لِمن يتوقع ذلك الخبرَ، وتقول: "فَعَلَ" مبتدِئًا من غير توقعه، فساغ حذفُ الفعل بعد "لما"، و"قَدْ" لتقدم ما قبلهما، ولم يسغ ذلك في "لَمْ"، إذ لم يتقدّم شيءَ يدل على المحذوف. وإنما شبهوا "لمْ" بـ "لَما"، وحذفوا الفعل بعدها، كما أنشدوا [من الرجز]:
١١٤١ - يارُبَّ شَيْخٍ مِن لُكَيز ذى غَنَم ... في كَفّه زَيْغٌ وفي فِيهِ فقَمْ
أجلَحَ لْم يَشمَط وقد كَادَ وَلَمْ
стр. 1975
فصل [لَنْ]
قال صاحب الكتاب: و"لن" لتأكيد ما تعطيه "لا" من نفي المستقبل. تقول: "لا أبرح اليوم مكاني". فإذا وكدت وشددت, قلت: "لن أبرح اليوم مكاني". قال الله تعالى: ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي﴾ (٢). وقال الخليل (٣): أصلها "لا أن", فخففت بالحذف, وقال الفراء: نونها مبدلة من ألف "لا", وهي عند سيبويه (٤) حرف برأسه, وهو الصحيح.
* * *
قال الشارح: اعلم أن "لَنْ" معناها النفي، وهي موضوعة لنفي المستقبل، وهي أبلغ في نفيه من "لا"؛ لأن "لا" تنفي "يَفْعَلُ" إذا أُريد به المستقبل، و"لَنْ" تنفي فعلاً مستقبْلًا قد دخل عليه السين وسَوْفَ، وتقع جوابًا لقول القائل: "سيقوم زيدٌ"، و"سوف يقوم زيدٌ". والسين وسوف تفيدان التنفيس في الزمان، فلذلك يقع نفيُه على التأبيد وطُولِ المُدّة، نحوِ قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (٥)، وكذلك قول الشاعر [من البسيط]:
١١٤٢ - ولن يُراجِعَ قَلبي حُبَّها أبدًا ... زَكِنْتُ من بُعْضهم مثلَ الذي زكنوا
стр. 1976
فذكر الأبد بعد "لَن" تاكيدًا لِما تُعطيه "لَنْ"من النفى الأبَدي. ومنه قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ (١)، ولم يلزم منه عدم الرؤية في الآخرة؛ لأن المراد أنّك لن تراني في الدنيا، لأن السؤال وقع في الدنيا، والنفيُ على حسب الإثبات.
واعلمْ أنهم قد اختلفوا في لفظِ "لَنْ" فذهب الخليل إلى أنها مركبة من "لا" و"أنْ" الناصبة للفعل المستقبل، نافية كما أن "لا" نافية، وناصبةُ للفعل المستقبل، كما أن "أنْ" كذلك، والمنفى بها فعل مستقبل، كما أن المنصوب بـ "أنْ" مستقبلٌ، فاجتمع في "لَنْ" ما افترق فيهما، فقُضي بأنّها مركبةٌ منهما، إذ كان فيها شيءٌ من حروفهما. والأصلُ عنده: "لا" "أن، فحُذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ثم خذفت الألف لالتقاء الساكنين، وهما الألف والنون بعدها، فصار اللفظ "لن".
وكان الفراء يذهب إلى أنّها "لا"، والنون فيها بدلٌ من الألف، وهو خلاف الظاهر، ونوعٌ من علم الغَيب.
وسيبويه يرى أنها مفردة غير مركبة من شيء عملًا بالظاهر، إذ كان لها نظيرٌ في الحروف، نحوُ: "أنْ"، و"لَمْ"، و"أم". ونحن إذا شاهدنا ظاهرًا يكون مثلُه أصلاً، أمضينا الحكمَ على ما شاهدنا من حاله، وإن أمكن أن يكون الأمر في باطنه على خلافه. ألا ترى أن سيبويه ذهب إلى أن الياء في "السَّيد" الذي هو الذِئب أصلٌ. وإن أمكن أن تكون واوًا، انقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها على حد "قِيل"، و "عِيدٍ" وجعله من قبيل "فِيلٍ"، و"ديكٍ"، وصغّره على"سُيَيدٍ" كـ "دِيكٍ"، و"دُيَيكٍ"، و"فِيلٍ"، و"فُيَيلٍ"، وإن كان لا عهدَ لنا بتركيب اسم من (س ي د)، عملًا بالظاهر على أن يوجَد ما يستنزلنا عنه، وقد أفسد سيبويه (٢) قولَ الخليل بأن "أن" المصدرية لا يتقدم عليها ما كان في صلتها، ولو كان أصلُ "لَنْ" "لا أنْ"، لم يجز: "زيدًا لن أضربَ" لأنّ "أضرب" من صلةِ "أنِ" المركبةِ، وما أحسنَه من قولٍ! ويمكن أن يُقال أن الحرفَين إذا رُكبا، حدث لهما بالتركيب معنى ثالثٌ، لم يكن لكل واحد من بَسائطِ ذلك المركب، وذلك ظاهر، فاعرفه.
فصل [إن]
قال صاحب الكتاب: و"إن" بمنزلة "ما" في نفي الحال, وتدخل على الجملتين الفعلية والاسمية, كقولك: "إن يقوم زيدٌ" و"إن زيدٌ قائمٌ". قال الله تعالى: ﴿إن
стр. 1977
يتبعون إلا الظن﴾ (١) , وقال: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ (٢) , ولا يجوز إعمالها عمل "ليس" عند سيبويه, وأجازه المبرد (٣).
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "إن" المكسورة الخفيفة قد تكون نافية، ومجراها مجرى "ما" في نفي الحال، وتدخل على الجملتَيْن: الفعلية والاسمية، نحوَ قولك: "إن زيدٌ إلَّا قائم". قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٤)، وتقول في الفعل: "إنْ قام زيدٌ" أي ما قام زيد، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (٥).
وتقول: "إن يقوم زيد". قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٧). وكان سيبويه لا يرى فيها إلَّا رفعَ الخبر؛ لأنها حرفُ نفي دخل على الابتداء والخبر، والفعلِ والفاعل كما تدخل همزة الاستفهام، فلا تُغيِّره، وذلك كمذهب بني تميم في "ما".
وغيرُه يُعْمِلها عملَ "لَيسَ"، فيرفع بها الاسم، وينصب الخبر، كما فعل ذلك في "ما". وقد أجازه أبو العباس المبرّد، قال: لأنه لا فَضلَ بينها وبين "ما"، والمذهبُ الأول, لأن الاعتماد في عملِ "ما" على السماع، والقياسُ يأباه، ولم يُوجَد في "إن" من السماع ما وُجد في "ما".
وجملةُ الأمر أنّ "إنْ" لها أربعة مواضع: فمن ذلك الجزاءُ، نحو قولك: "إنْ تأتني آتِك"، وهي أصل الجزاء، كما أن الألف أصل الاستفهام. الثاني: أن تكون نافية على ما تقدم. الثالث: أن تكون مخففة من الثقيلة، وقد تقدم الكلام عليها. والرابع: أن تدخل زائدةً مؤكدة "ما"، فتردّها إلى المبتدأ والخبرِ، نحوَ قولك: "ما إنْ زيدٌ قائمٌ". ولا يكون الخبر إلا مرفوعًا، نحوَ قول الشاعر [من الوافر]:
فما إن طِبُّنا جُبُنٌ ولكِن ... مَنايَانا ودولةُ آخَرِينَا (٨)
فاعرفه.
стр. 1978
ومن أصناف الحرف حروفُ التنبيه
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي "ها", و"ألا" و"أما". تقول: "ها أن زيداً منطلق"، و"ها افعل كذا"، و"ألا إن عمراً بالباب"، و"أما إنك خارج"، و"ألا لا تفعل", و"أما والله لأفعلن". قال النابغة [من البسيط]:
١١٤٣ - ها إن تا عذرة إن لم تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد
стр. 1979
وقال [من الطويل]:
١١٤٤ - نحن اقتسمنا المال نصفين بيننا ... فقلت لهم: هذا لها ها وذا ليا
وقال [من الطويل]:
١١٤٥ - ألا يا اصبحاني قبل غارة سنجال ... [وقبل منايا عاديات وآجال]
стр. 1980
وقال [من الطويل]:
١١٤٦ - أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الحروف معناها تنبيهُ المخاطب على ما تُحدِّثه به، فإذا قلت: "هذا عبد الله منطلقًا"، فالتقدير: انظر إليه منطلقًا، أو انْتَبِهْ عليه منطلقًا. فأنت تُنبه المخاطب لعبد الله في حال انطلاقه، فلا بد من ذكرِ "منطلقًا"؛ لأن الفائدة به تنعقد، ولم ترد أن تُعرِّفه إياه، وهو يُقدر أنّه يجهله، كما تقول: "هذا عبد الله". وتقول: "ها إنّ
стр. 1981
عبد الله منطلقٌ"، و"ها افعل كذا"، كأنّه تنبيه المخاطَب للمُخبَر أو المأمورِ. وأمّا البيت الذي أنشده، وهو [من البسيط]:
ها إِن تا عذرة ... إلخ
ويروى "إن لم تكن قُبلت"، وهو للنابغة. الشاهد فيه إدخالُ "ها" التي للتنبيه على "إن". والعُذْرُ والمَعْذِرة والعُذرَى واحد، والعِذرهْ بالكسرة كالرِّكْبة والجِلسة بمعنى الحالة. قال الشاعر [من الوافر]:
١١٤٧ - تَقبلَ عِذْرَتي وحَبَا بدُهْمٍ ... يُصِم حَنينُها سَمْعَ المنادَى
وأما قول الآخر [من الطويل]:
نحن اقتسمنا المال ... إلخ
فإن البيت للَبِيد، والشاهد فيه قوله: "هذا لها ها وذا ليا". يريد: وهذا ليا. وإنما جاز تقديم "ها" على الواو؛ لأنك إذا عطفت جملة على أُخرى، صارت الأُولى كالجُزء من الثانية، فجاز دخول حرف التنبيه عليها، نحو قولك. "ألا وإن زيدًا قائمٌ"، "ألا وإن عمرًا مُقِيمٌ".
وأمّا "ألا"، فحرفٌ معناه التنبيه أيضًا، نحو قولك: "ألَا زيدٌ قائم"، و"ألا إِن زيدًا قائم". قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). وهي مركّبة من الهمزة و"لا" النافية، مغيَّرةً عن معناها الأولِ إلى التنبيه، ولذلك جاز
стр. 1982
أن تليها "لا" النافية في قوله [من الوافر]:
١١٤٨ - ألَا لَا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا ... [فنجهَلُ فوقَ جَهلِ الجاهلينا]
وصار يليها الاسمُ والفعل والحرف، نحوَ قولك: "ألا زيدٌ منطلقٌ"، و"ألا قام زيدٌ"، و"ألا يقومن"، فأما قوله [من الطويل]:
ألا يا أصبحاني قبل غارة سنجال
فالبيت للشَّمَّاخ وتمامه:
وقَبْلَ مَنْايا غادياتٍ وآجالِ (١)
سِنْجالٌ بكسر السين غير المعجمة والجيم: موضغ بعينه بأذرْبَيْجان.
وأمّا "أمَا"، فتنبية أيضًا، وتُحقق الكلامَ الذي بعدها، والفرقُ بينها وبين "ألا" أن "أمَا" للحال، و"ألا" للاستقبال، فتقول: "أمَا إن زيدًا عاقلٌ"، تريد أنّه عاقل على الحقيقة لا على المجاز، فأما قوله [من الطويل]:
أما والذي أبكى ... إلخ
فإن البيت لأبي صَخر الهُذَلي، والشاهد فيه قوله: "أمَا والذي أبكى" وإدخالُه "أما" على حرف القسم كأنَّه يُنبه المخاطبَ على استماع قسمه، وتحقيقِ المُقسَم عليه. وقد
стр. 1983
تكون "أما" بمعنَى "حَقّا"، فتفتح "أن" بعدها، تقول: "أما أنه قائمٌ". ولا تكون هاهنا حرفَ ابتداء، ولكنها في تأويل الاسم. وذلك الاسم مقدرُ، وتُقدُر النظرف، أي: أفي حق أنّك قائمٌ، وتكون "أن" وما بعدها في موضعِ رفع بالظرف عند أبي الحسن، وعند سيبويه في موضعِ مبتدأ في هذا الموضع، فاعرفه.
فصل [دخول "ها" علي أسماء الإشارة والضمائر]
قال صاحب الكتاب: وأكثر ما تدخل "ها" على أسماء الإشارة والضمائر, كقولك: "هذا", و"هذه", و"ها أنا ذا", و"ها هو ذا", و"ها أنت ذا" و"ها هي ذه", وما أشبه ذلك.
* * *
قال الشارح: قد تقدم أن "ها" لتنبيه المخاطب على ما بعدها من الأسماء المبهمة لينتبه لها، وتصير عنده بمنزلة الأسماء الظاهرة، وذلك لأنّها مبهمةٌ لوقوعها على كل شيء من حيوان وجَماد، فافتقرت إلى تنبيه المخاطب لها، كما افتقرت إلى الصفة. وقال الرُّماني: إنما كثُر التنبيه في هذَا ونحوه من حيث كان يصلح لكل حاضر، والمراد واحدٌ بعيمه، فقوي بالتنبيه لتحريك النفس على طَلَبه بعينه، إذ لم تكن علامةُ تعريف في لفظه، وليس كذلك "أنْتَ"؛ لأنه للمخاطب خاصّةً لاشتماله على حرف الخطاب.
فإن قيل: فأنت قد تقول: "ها هو ذا"، وليس فيه علامة تعريف، قيل: تقدمُ الظاهر الذي يعود إليه هذا الضمير بمنزلة أداة التعريف، فلذلك تقول: "هذَا" فيها تنبيهُ، أي: انظر، وانتبهْ. وهي تُستعمل للقريب، و"ذا" إشارة إلى مذكّر، و"ذهِ" إشارة إلى مؤنث. وليست الهاء في "ذه" بمنزلة الهاء في "طلحةَ"، و"قائمة"، وإنما هي بدل من ياء "هذِي". والذي يدل أن الياء أصل قولك في تصغيرِ و"ذا" الذي للمذكر؛ "ذَي". و"ذِي، تأنيث "ذَا" من لفظه، فكما أن الهاء لا حَظ لها في المذكر، فكذلك هي في المؤئث.
وإنما دخلت هاء التنبيه على المضمر لِما بينهما من المشابهة، وذلك أن كل واحد منهما ليس باسم للمسمّى لازم له، وإنما هو على سبيل الكناية، على أن أبا العباس المبرد قال: علاماتُ الإضمار كَلّها مبهمة إذ كانت واقعة على كل شيء، والمبهمُ على ضربَين، فمنه ما يقع مضمرًا، ومنه ما يقع غيرَ مضمر. وقال علي بن عيسى: المبهم من الأسماء ما افتقر في البيان عن معناه إلى غيره، فتقول: "ها أنا ذا"، فـ "ها" داخلة عند سيبويه على المضمر الذي هو"أنا" لِما ذكرناه من شَبَهه بالمبهم، وعند الخليل أنه داخل على المبهم تقديرًا، والتقديرُ: ها ذا أنا (١)، فأوقعوا "أنا" بين التنبيه والمبهم، وهذا إنما
стр. 1984
يقوله المتكلّمُ إذا قدّر أن المخاطب يعتقده غائبًا، فيقول: "ها أنا ذا"، أي. حاضرٌ غيرُ غائب، وكذلك "ها هو ذا"، فسيبويه يرى أن دخولها على المضمر كدخولها على المبهم. والخليل يعتقد دخولها على المبهم، وإنما قدموا التنبيهَ، والتقديرُ: هذا هو. ونحوُه: "ها أنت ذا" وها هي ذه"، فاعرفه.
فصل [لغات "أما "]
قال صاحب الكتاب: ويحذفون الألف من "أما" فيقولون: "أم والله", وفي كلام هجرس بن كليبٍ: "أم وسيفي وزريه، ورمحي ونصليه، وفرسي وأذنيه، لا يدع الرجل قاتل أبيه، وهو ينظر إليه". ويبدل بعضهم من همزته هاء فيقول: "هما والله", و"هم والله", وبعضهم عيناً, فيقول: "عما والله", وعم والله".
* * *
قال الشارح: حكى محمد بن الحسن عن العرب: "أمَ واللهِ لأفعلن" يريدون: أما والله، فحذفوا الألف تخفيفًا. وذلك شاذ قياسًا واستعمالًا، أمّا شذوذُه في الاستعمال، فما أقَلَّه! وأما القياس فمن جهتَين:
إحداهما: أن الألف خفيفة غيرُ مستثقَلة، ألا ترى أن من قال: ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (١)،و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (٢)، فحذف الياءَ تخفيفًا في الوقف لم يحذف الألف في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ (٣)، لخفتها.
والجهة الثانية: أنّ الحذف في الحروف بعيدُ جدًّا؛ لأنه نوع من التصرّف،
والحروفُ لا تصرُّفَ لها لعدم اشتقاقها. والأمر الآخر أن هذه الحروف وُضعت اختصارًا نائبةً عن الأفعال دالّةً على معانيها، فهمزةُ الاستفهام أغنتْ عن "أستَفهمُ"، و"ما" النافيةُ أغنت عن "أنفى". فلو اختصرتَ هذه الحروف وحذفت منها شيئًا لكان اختصارًا لمختصَرٍ، وذلك إجحافُ، فلذلك بعُد الحذف فيها، ووجب إقرارها على ما هي عليه لعدم الدلالة على المحذوف.
والذي حسنه قليلًا هنا بقاءُ الفتحة قبلها دلالةَ على الألف المحذوفة، إذ لو لم يكن ثَم محذوف لكانت الميم ساكنة، نحوَ: "أم" في العطف، و"هَل"، "بَلْ". فلما تحرّكت من غير علّة، عُلم أن ثم محذوفًا، فيُراد هذا مع ما في حذفها من التخفيف، فإن الألف، وإن كانت خفيفة، فلا إشكالَ في كونِ حذفها أخفّ من وجودها، هذا مع ما في القسم بعدها من الدلالة عليها، إذ كانا يتصاحبان كثيرًا. وقد حمل أبو الفتح بن جني
стр. 1985
قوله تعالى في قراءة علي وزيد: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١) على أن المراد: لا تُصيبَنَّ، على حد قراءة الجماعة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يا أبتا] (٢)، بفتح التاء في أحد الوجهين أن يكون المراد: "يا أبَتَا" بالألف، ثمّ حذفت تخفيفًا، وبقيت الفتحة دلالةً على الألف المحذوفة، وذلك قليل.
وأمّا الحكاية عن هِجرَسِ بن كُلَيب، فإنّه كانت جليلةُ أُخت جَساس بن مُرَّةَ تَحْتَ كُلَيْب، فقتل أخوها زوجَها، وهي حُبلَى بهجرس بن كُليب فلمّا شَبَّ، قال [من الطويلَ]:
أصاب أبي خالي وما أنا بالذي ... أُمَيِّلُ أمرِي بين خالي ووالدي
وأُورِثُ جَسّاسَ بنَ مُرَّةَ غُصَّةً ... إذا ما اعترتْني حَرُّها غيرُ بارِد
ثم قال [من البسيط]:
يا لَلرّجالِ لِقلبِ ما له آسِ ... كيف العَزاءُ وثَأْري عند جَساسِ
ثم قال. أمَ وسيفي وزرّيه، ورمحي ونصليه، وفرسي وأُذنيه، لا يدع الرجل قاتل أبيه، وهو ينظر إليه، ثمّ طعنه فقتله، وقال [من الوافر]:
ألَم تَرَنِي ثَأرتُ أبي كُلَيْبًا ... وقد يُرجَى المُرَشحَ للذُّحولِ
غسلتُ العارَ عن جُشَم بن بَكر ... بجَسّاسِ بن مُرَّةَ ذي التْبُولِ
جدعت بقَتله بكَرًا وأهل ... لَعَمرُ اللهِ للجَدْع الأصِيلِ
стр. 1986
ومن أصناف الحرف حروفُ النِّداء
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي "يا", و"أيا", و"هيا", و"أي", والهمزة و"وا". فالثلاثة الأول: لنداء البعيد أو من هو بمنزلته من نائم أو ساهٍ، فإذا نودي بها من عداهم فلحرص المنادى على إقبال المدعو عليه, ومُفاطنته لما يدعوه له, و"أي" الهمزة: للقريب, و"وا": للندبة خاصة.
* * *
قال الشارح: قد تقدم أنّ النداء التصويت بالمنادى لِيعطف على المنادِي. والنداءُ مصدرُ يُمَدّ ويُقصَر، وتُضَم نونُه وتُكْسَر. فَمَن مد جعله من قبيل الأصوات كالصُّراخ والبُكاء والدّعاء والرُّغاء، وكذلك مَن ضم؛ لأن غالب الأصوات مضمومٌ. ومَن قصره جعله كالصوت، والصوتُ غير ممدود. ومَن كسر النون ومَدَّ، جعله مصدَر "نَادى" كالعِداء والشراء مصدرِ"عَادَى"، و"شَارَى". وهو مشتق من قولهم: "نَدا القومُ يندو"، إذا اجتمعوا، فتشاوروا، أو تَحدثوا. ومنه قيل للموضع الذي يُفعَل فيه ذلك: "نَدِيٌّ" و"نادٍ"، وجمعُه: أندِيَةٌ، وبذلك سُمِّيت دارُ الندوَة بمَكةَ.
وحروف النداء ستة، وهي: "يا"، و"أيا"، و"هَيا"، و"أي"، والهمزةُ، و"وا". والخمسةُ يُنبه بها المدعو، فالثلاثةُ الأوُلُ يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتَهم للمتراخي عنهم، أو الإنسانِ المُغرِض، أو النائمِ المستثقل، و"أي" والهمزةُ تُستعملان إذا كان صاحبك قريبًا، وإنما كان كذلك من قبل أن البعيد والمتراخي والنائم المستثقل والساهي يُفتقر في دعائهم إلى رفعِ صوت ومَدّه.
وهذه الأحرفُ الثلاثة التي هي "يا"، و"أيا"، و"هَيا" أواخرهن ألفاتٌ، والألفُ مُلازِمة للمد، فاستُعملت في دعائهم لإمكان امتداد الصوت ورَفعِه بها، وليست الياءُ هنا في "أي" كذلك؛ لأنها ليست مدة من حيث كان ما قبلها مفتوحًا. وذلك لا يكون مدةً إلَّا إذا سكنت، وكان حركةُ ما قبلها من جنسها، والهمزةُ ليست من حروف
стр. 1987
المدَّ، فاستُعملت للقريب. وقد يستعملون الحروف الموضوعة للمدّ موضعَ "أيْ" والهمزةِ، أعني للقريب، ولمن كان مُقبِلًا عليك توكيدًا. ولا يستعملون الهمزةَ و"أيْ" في مواضع الثلاثة الأول، أعني للبعيد.
وأصلُ حروف النداء "يا"؛ لأنها دائرةٌ في جمع وجوده؛ لأنها تُستعمل للقريب والبعيد والمستيقظِ والنائم والغافل والمُقبِل، وتكون في الاستغاثة والتعجب. وقد تدخل في النُّدبة بدلاً من "وا". فلما كانت تدور فيه هذا الدوَرانَ، كانت لأجل ذلك أُم الباب والأصلَ في حروف النداء، فإذا "أيا"، وَ"هَيا" أُختان؛ لأنهما للبعيد ولكل ما أُريد مدُّ الصوت به.
وقد اختلف العلماء في "أيا" و"هَيا"، فقال الأكثرُ: هما أصلان، وليس أحدهما بدلًا من الآخر. وذهب ابن السكيت إلى أن الأصل في "هَيا": "أيا"، والهاءُ بدلٌ من الهمزة على حد قولههم في "إياكَ"، "هِياكَ". قال الشاعر [من الطويل]:
١١٤٩ - فَهِيَّاكَ والأمرَ الذي إنْ تَوسعتْ ... مَوارِدُهُ ضاقَتْ عليك مَصادِرُهْ
وقول الآخر [من الرجز]:
١١٥٠ - فانصرفت وَهي حَصان مُغْضَبَه ... ورفعتْ بصَوْتِها هَيَا أبَهْ
стр. 1988
أنشدهما ابن السكيت، وقال: أراد: أيَا أبَةْ، وإنّما أبدل من الهمزة هاءً. ولا يبعد ما قاله لأنّ "أيا" أكثرُ استعمالًا من"هَيا"، فجاز أن يُعتقد أنها أصلٌ. وقال أخرون هي "يا" أدخل عليها هاءُ التنبيه مبالغةً، كما قال الشاعر [من الطويل]:
١١٥١ - ألَا يا صَبَا نَجْدٍ متى هِجْتِ من نَجْدِ ... لقد زادَنِي مَسراكِ وَجْدًا على وَجْدِ
стр. 1989
فجمع بين "ألا"، و"يا"، وكلاهما للتنبيه.
وأما "وا"، فمختصٌّ به النُّدْبَةُ؛ لأن الندبة تفجعٌ وحُزْنٌ، والمرادُ رفيع الصوت ومدُّه لاستماع جميع الحاضرين. والمدُّ الكائنُ في الواو والألف أكثرُ من المدّ الكائن في الياء والألف.
وأصلُ النداء تنبيهُ المدعو ليُقْبِل عليك، وتُؤثر فيه الندبةُ والاستغاثةُ والتعجبُ، وهذه الحروفُ لتنبيه المدعوّ، والمدعوُّ مفعولٌ في الحقيقة، ألا ترى أنّك إذا قلت: "يا فلانُ"، فقيل لك: "ماذا صنعتَ به؟ " فقلتَ: "دعوتُه"، أو"ناديتُه"، وكان الأصل أن تقول فيه: "يا أدعوك"، و"أناديك"، فيُؤْتَى بالفعل وعلامةِ الضمير, لأن النداء حالُ خطاب، والمخاطَبُ لا يُحدث عن اسمه الظاهرِ، لئلا يتوهم أن الحديث عن غيره، ولأن حضوره يُغْنِي عن اسمه، ولكنهم جعلوا في أوّل الكلام حرف النداء، وهو قولهم: "يا"، ليفصلوا بين الخطاب الذي ليس بنداءٍ وبينه، ويخاطبوا بذلك القريبَ والبعيدَ. وكان ذلك بحرِف لين ليمتدّ به الصوتُ، وعُرف بالنداء حتى استُغني عن ذكرِ الفعل، وحُذف اختصارًا مع أمن اللبس، فقالوا: "يا فلانُ"، ولم يقولوا: "يا أدعو فلانًا". وكان حقُّه أن يقولوا: "يا أدعوك"، إلَّا أن الفعل حُذف لِما ذكرنا، ووُصْع الاسم الظاهر موضعَ المضمر؛ لئلا يظن كلُّ سامع النداء أنه هو المنادى والمعني بعلامة الإضمار. واختص باسمه الظاهر دون كلّ من يسمعه، وجرى ذلك له إذا كان وحده، كما يجري عليه إذا كان في جماعةٍ؛ لئلا يختلف، فيلتبسَ، كما لزم ذلك الفاعلَ في إعرابه. ألا ترى أنك ترفع الفاعل للفرق بينه وبين المفعول، ومع هذا فإنك ترفعه حيث لا مفعولَ، نحوَ: "قام زيدٌ وظرُف خالدٌ"؟
واعلم أنهم قد اختلفوا في العامل في المنادى، فذهب قومٌ إلى أنه منصوب بالفعل المحذوف لا بهذه الحروف، قال: وذلك من قبل أن هذه الحروف إنما هي تنبيهُ المدعوّ، وهي غيرُ مختصة، بل تدخل تارة على الجملة الاسمية، نحوَ قول الشاعر [من البسيط]:
يَا لَعْنَةُ اللهِ والأقْوامُ كُلُّهُمُ ... والصالحون على سِمْعانَ مِن جارِ (١)
وتارةً على الجملة الفعلية، نحوَ قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ (٢) وما هذا سبيلُه فإنه لا يعمل، ولا يُقال بأنه عمل بطريق النيابة عن الفعل الذي هو" أدعو"؛ لأنّا نقول:
стр. 1990
نيابتُها عن الأفعال لا توجب لها العملَ؛ لأن عامّة حروف المعاني إنما أُتي بها عوضًا من الأفعال لضرب من الإيجاز والاختصار، فالواوُ في "جاء زيدٌ وعمرو" نائبٌ عن "أعطفُ"، و"هَل" نائبٌ عن "أستفهمُ"، و"ما" نائبُ عن "أنفي". ومع ذلك فإنه لا يجوز إعمالُها، ولا تعلقُ الظرف بها ولا الحالِ؛ لأن ذلك يكون تراجُعًا عمّا اعتزموه من الإيجاز، وعَوْدًا إلى ما وقع الفِرارُ منه؛ لأن الفعل يكون ملحوظا مرادًا، فيصير كالثابت. وإذا كان كذلك، فلا يجوز لهذه الحروف أن تعمل. وإذا لم تكن عاملة، كان العمل للفعل المحذوف.
وذهب الأكثرون إلى أن هذه الحروف هي العاملة أنفسُها دون الفعل المحذوف؛ لنيابتها عن الفعل الذي هو "أُنادي"، أو"أدعو"، ولذلك تصل تارة بأنفسها، وتارة بحرف الجز، نحوَ قولك: "يازيدُ"، و"يا لَزيدٍ"، و"يا بكرُ"، و"يا لبَكرٍ". وجرت مجرى الفعل الذي يتعدّى تارة بنفسه، وتارة بحرف الجرّ، نحوِ: "جئتُ زيدًا"، و"جئتُ إلى زيد" و"سميتُه بكرًا"، و"سمّيتُه ببكرٍ".
والفرقُ بينها وبين سائر حروف المعاني، أن حروف المعاني غيرُ حروف النداء. وذلك أن حروف المعاني نائبةٌ عن أفعالِ هي عبارةٌ عن غيرها, نحوَ: "ضربتُ زيدًا، وقتلتُه، وأكرمتُه"، فهذه الألفاظُ غيرُ الأفعال المُؤثرة الواصلةِ منك إلى زيد. وليس كذلك حروف النداء؛ لأن حقيقةَ فعلك في النداء إنما هو نفسُ قولك: "يا زيدُ" هذه التي تلفظ بها, ولا فرقَ بين قولك: "أدعو" وبين قولك: "يا"، كما أن بين لفظك بـ "ضربتُ" وبين نفس ذلك الفعل الذي هو الضربُ في الحقيقة فرقًا، فجرت "يا" نفسها في العمل مجرى "أدعو". كما جرى "أُنادي" مجراه، وصار "يا"، و"أدعو"، و"أُنادي" من قبيل الألفاظ المترادفة. ولم تكن "يا" عبارة عما وصل إليه، كما جرتْ "ضربتُ" ونحوُها عبارةً عن الأثر والملاصَقة. فلما اختص "يا" من بين حروف المعاني بما وصفنا، وجرت مجرى "أدعو" و"أُنادي" في المعنى؛ تَولّت بنفسها نصب المنادى، كما لو ظهر أحدُ الفعلَين هنا لَتَولى بنفسه النصبَ. ويُؤيِّد ما ذكرناه من جَرْيها مجرى الفعل جوازُ إمالتها مع الامتناع من إمالة الحروف من نحوِ "ما" و"لا"، و"حَتى"، و"كَلا". وقد حمل بعضَهم ما رأى من قوّةِ جَرْي هذه الحروف مجرى الأفعال، ونَصْبِها لما بعدها، وتعلّقِ حروف الجر بها وجوازِ إمالتهَا، إلى أن قال: إنها من أسماء الأفعال من نحوِ: "صَهْ"، و"مَة". والحق أنها حروف؛ لأنها لا تدل على معنى في أنفسها، ولا تدل على معنى إلَّا في غيرها، فاعرفه.
فصل [النداء الذي لا تنبيه فيه]
قال صاحب الكتاب: وقول الداعي: "يا رب", و"يا الله" استقصار منه لنفسه، وهضم لها, واستبعادٌ عن مظان القبول والاستماع، وإظهار للرغبة في الإستجابة بالجوار.
* * *
стр. 1991
قال الشارح: أمّا قولهم: "يا اللهُ"، أو"يا مالكَ المُلْك"، أو"يا ربُ اغفِر لي"، فإن هذا لا يجوز أن يُقال إنه تنبيهٌ للمدعو كما تقدم، ولكنه أُخْرِج مُخرَجَ التنبيه، ومعناه الدعاءُ لله عر وجل، ليُقْبِل عليك بالخير الذي تطلبه منه. والذي حسّن إخراجَه مخرج التنبيه البيانُ عن حاجة الداعي إلى إقبال المدعوّ عليه بما يطلبه. فقد وقف في ذلك موقفَ مَن كأنه مغفولٌ عنه، وإن لم يكن المدعوُّ غافلاً. ألا ترى أنك تقول: "يا زيدٌ اقْضِ حاجتي" مع العلم أنه مُقبِل عليك؟ وذلك لإظهاو الرَّغْبة والحاجةِ، وأنه قد صارت منزلته منزلةَ من غفل عنه.
стр. 1992
ومن أصناف الحرف حروفُ التصديق والايجاب
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي "نعم", و"بلى", و"أجل", و"جير", و"إي", و"إن". فأما "نعم", فمصدقة لما سبقها من كلام منفي أو مثبت. تقول إذا قال: "قام زيدٌ أو لم يقم": "نعم" تصديقاً لقوله, وكذلك إذا وقع الكلامان بعد حرف الاستفهام, إذا قال: "أقام زيدٌ؟ " أو "ألم يقم زيد؟ " فقلت: "نعم", فقد حققت ما بعد الهمزة. و"بلى" إيجاب لما بعد النفي. تقول لمن قال: "لم يقم زيد", أو "ألم يقم زيد؟ ": "بلى", أي: قد قام. قال الله تعالى: ﴿بلى قادرين﴾ (١) , أي نجمعها. و"أجل" لا يصدق بها إلا في الخبر خاصة. يقول القائل: "قد أتاك زيد", فتقول: "أجل". ولا تستعمل في جواب الاستفهام, و"جير" نحوها بكسر الراء، وقد تفتح. قال [من الطويل]:
١١٥٢ - وقلن على الفردوس أول مشرب ... أجل جير أن كانت أُبيحت دعاثره
стр. 1993
ويقال: "جير لأفعلن" بمعنى: حقاً. و"إن" كذلك. قال [من مجزوء الكامل]:
ويقلن شيبٌ قد علا ... ك وقد كبرت, فقلت إنه (١)
و"أي" لا تُستعمل إلا مع القسم، إذا قال لك المستخبر: "هل كان كذا؟ " قلت: "إي والله"، و"إي والله"، و"إي لعمري"، و"إي ها الله ذا".
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الحروف التي يُجاب بها، فمنها "نَعَمْ"، و"بَلى". وفي الفرقَ بينهما نوعُ إشكال، ولذلك يكثر الغلطُ فيهما، فتوضَع إِحداهما موضعَ الأخُرى. وجملة القول في الفرق بينهما أن "نَعَمْ" عِدَة وتصديقٌ كما قال سيبويه (٢)، فإذا وقعت بعد طلبٍ كانت عدةً، وإذا وقعت بعد خبر، كانت تصديقًا نفيًا كان أو إيجابًا.
وأمّا "بلى"، فيُوجَب بها بعد النفي، فهي توفع النفيَ وتُبطِله. وإذا رفعته؛ فقد أوجبت نقيضَه. وهي أبدًا تُوجِب نقيض ذلك المنفي المتقدّم، ولا يصح أن تُوجِب إلَّا بعد رفعِ النفي وإبطالهِ.
وأما "نَعَمْ"، فإنّها تُبقِى الكلامَ على إيجابه ونَفيه؛ لأنها وُضعت لتصديقِ ما تقدّم من إيجابٍ أو نفي، من غيرِ أن ترفع ذلك وتُبْطِله. مثالُه إذا قال القائل: "أخَرَجَ زيدٌ"، وكان قد خرج، فإنّك تقول في الجواب: "نَعَمْ"، أي: نَعَم قد خرج، فإن لم يكن خرج. قلتَ في الجواب: "لا"، أي: لم يخرج. فإن قال: "أما خرج زيدٌ؟ " وكان لم يخرج، فإنّك له في الجواب: "نَعَم"، أي: نعم ما خرج، فصدقتَ الكلام على نفسه باطّراح حرف الاستفهام، كما صدّقته على إيجابه، ولم ترفع النفيَ وتُبطِله بخلافِ "بَلى". وإن كان قد خرج، قلت في الجواب: "بَلى"، أي: بلى قد خرج، فرفعتَ ذلك النفى، وحدث في بعضه إثباتُ نقيضه، بخلافِ "نَعَمْ" التي تُبْقِي الكلام على حاله، ولا ترفعه. قال الله
стр. 1994
تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ﴾ (١)، أي: بلى نجمعها قادرين، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ بَلَى﴾ (٢). ولو قال:"نعم"، لكان كُفْرًا هذا قول النحويين المتقدمين من البصريين. وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنه يجوز أن يقع "نعم" موقعَ "بلى"، وهو خلافُ نص سيبويه. وأحسنُ ما يُحمَل عليه كلامُ هذا المتأخر أنّ "نعم" إذا وقعتْ بعد نفيٍ قد دخل عليه الاستفهامُ، كانت بمنزلةِ "بلى" بعد النفي، أعني للإثبات؛ لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهامُ رُدّ إلى التقرير وصار إيجابًا، ألا ترى إلى قوله [من الوافر]:
١١٥٣ - ألَسْتُمْ خَيرَ مَن رَكِبَ المَطايا ... وأندى العالَمِين بُطُونَ راحِ
فإنه أخرجه فخرَجَ المدح، ويُقال: إن الممدوح اهتزّ بذلك. فعلى ذلك لا يقع "نعم" في جوابِ ما كان من ذلك إلا تصديقًا لفَحْواه، كما يقع في جواب الإيجاب، فاعرفه
وأمّا "أجَل"، فأمرها كأمر "نَعَمْ" في التصديق. قال الأخفش: إلَّا أن استعمالَ "أجل" مع غير الاستفهام أفصحُ.
стр. 1995
وأمّا "جَيرَ"، فحرفٌ معناه "أجَلْ"، و"نَعَم". وإنما جُمع بينهما للتأكيد. قال الشاعر، أنشده الجَوْهري [من الطويل]:
وقلن على الفردوس ... إلخ
الفِرْدَوْس: البُسْتان. والدَّعاثِرُ: جمع دَعْثَرَةٍ، وهو الحَوْض المتثلم. وأكثرُ ما يُستعمل مع القسم، يُقال: "جيرِ لا أفعلن"، أي: نَعَمْ واللهِ. وهو مكسورُ الآخر، وربما فُتح، وحقه الإسكان كـ "أجَل"، و"نَعَمْ". وإنما حُرك آخره لالتقاء الساكنين: الراء والياء كـ "أينَ" و"كَيفَ"، و"لَيتَ". والكسرُ فيه على أصل التقاء الساكنين، والفتحُ طلبًا للخفة لثِقَل الكسرة بعد الياء.
فإن قيل: فما بالهم فتحوا في "أينَ"، و"كَيفَ"، و"لَيْتَ"، وكسروا "جَيرِ" وفيها من الثقل ما في "لَيتَ" وأخواته؟ قيل: على مقدار كثرة استعمال الحرف يختار تخفيفُه، فلما كثُر استعمالُ "أين"، و"كيف"، و"ليت" مع العلّة التي ذكرناها من اجتماع الكسرة والياء؛ آثروا الفتحةَ لذلك. ولما قل استعمالُ "جَيرِ"، لم يحفِلوا بالثقل، وأتوا فيه بالكسر الذي هو الأصل، فاعرفه.
وأما "إيْ"، فحرفٌ يجاب به كـ "نَعَم" و"جَيرِ" ولا يُستعمل إلَّا في القسم، تقول لمن قال: "أقام زيدٌ؟ ": "إيْ واللهِ"، و"إي ورَبي"، و"إي لَعَمرِي". قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ (١)، وهمزتُها مكسورةٌ، والياءُ فيها ساكنةٌ، إذ لم يلتق في آخرها ساكنان بقيت ساكنةً على ما يقتضيه البناءُ.
فأما "إن"، فيكون جوابًا بمعنَى "أجَل"، فإذا قال: "قد أتاك زيدٌ"، فتقول: "إنه" أي: أجل، والهاءُ للسَّكت، والمرادُ "إنّ"، إلَّا أنك الحقتَها الهاءَ في الوقف، والمعنى معنى: "أجل". ولو كانت الهاء هاءَ الإضمار؛ لثبتت في الوصل كما تثبت في الوقف. وليس الأمر كذلك، إنما تقول في الوصل: "إن يا فتى" بحذف الهاء، قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبوح ... يَلُمنَنِي وألُومُهُنَّة
ويَقُلنَ: شَيبٌ قد عَلَا ... ك وقد كَبِرتَ فقلتُ إنهْ (٢)
وإنما ألحقوا الهاءَ كراهيةَ أن يجمعوا في الوقف بين ساكنين، لو قالوا: "إن"، فألحقوها الهاء لبيان الحركة التي تكون في الوصل، إذ كانوا لا يقفون إلَّا على ساكن. وأما خروجُ "إنَّ" إلى معنى "أجَل"، فإنها لمّا كانت تُحقّق معنى الكلام الذي تدخل عليه في قولك: "إنَّ زيدًا لَراكبٌ"، فتُحقَّق كلامَ المتكلم، حُقق بها كلامُ السائل إذ كان معناها التحقيق، فحصل من أمرها أنها تحقق تارةً كلامَ المتكلم، وتارةً كلامَ غيره على سبيل الجواب، فاعرفه.
стр. 1996
فصل [لغات "نعمْ "]
قال صاحب الكتاب: وكنانة تكسر العين من "نعم", وفي قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ قالوا: "نعم". وحكى أن عمر سأل قوماً عن شيء فقالوا: "نعم" بالفتح، فقال عمر: إنما النعم الإبل، فقالوا: نعم. وعن النضير بن شميل أن: "نحم" بالحاء لغة ناس من العرب.
* * *
قال الشارح: الفتح في "نَعَم" والكسر لغتان فصيحتان، إلَّا أن الفتح أشهر في كلام العرب، وقد جاء الكسر في كلام النبي ﷺ وجماعه من الصحابة، منهم عمر وعلي والزبَير وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهم. وذكر الكسائيُّ أن أشياخ قُرَيش يتكلّمون بها مكسورةَ. وحُكي عن أبي عمرو قال: لغةُ كنانة "نَعِم" بالكسر. وربما أبدلوا الحاء من العين، فقالوا: "نَحَمْ" في "نَعَمْ"؛ لأتها تليها في المَخرَج، وهي أخف من العين؛ لأنها أقربُ إلى حروف الفم. حكى ذلك النَّضر بن شُمَيل، فاعرفه.
فصل [لغات "إي" إذا وليها "أن "]
قال صاحب الكتاب: وفي "إي الله" ثلاثة أوجه: فتح الياء، وتسكينها، والجمع بين ساكنين هي ولام التعريف المدغمة وحذفها.
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أن الياء من "إي" ساكنة كالميم من"نَعَمْ"، واللام من" أجَلْ". وإذا لقيها لامُ المعرفة من نحوِ "إي الله"، فإن لك فيه ثلاثةَ أوْجُه: فتحَ الياء، تقول: "إيَ الله"، وهو أعلاها، فتفتح لالتقاء الساكنين كما تفتح نونَ "مِن"، في قولك: "مِنَ الرجل". ولم يكسروها استثقالًا للكسرة بعد كسرة الهمزة. وإذا كانوا قد استثقلوا الكسرة على النون للكسرة قبلها مع أنّ النون حرف صحيح؛ فلأنْ يستثقلوها على الياء المكسور ما قبلها كان ذلك أحرَى وأوْلى. ومنهم من يقول:"إي الله"، فيُشْبع مدّةَ الياء، ويجمع بين الساكنين لوُجود شرطَي الجمع بين ساكنين وهما: ان يكون الساكن الأول حرفَ مد ولين، والثاني مُدغَمًا، كـ "داَبةٍ"، و"شابَّه". والثالث، وهو أقلّها، أن يقولوا: "اللهَ"، فيحذفوا الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن همزة الوصل محذوفة للوصل، فبقي اللفظُ "إللَّهَ" بكسر الهمزة.
ولا يكون في "إللَّهَ" من قولك: "إي اللهَ" إلَّا النصبُ. ولو قلت: "هَا اللهِ"لخفضتَ؛ لأن "إي" ليست عوضًا عن حروف القسم، إنما هي جوابٌ لِمن سأل عن الخبر، فقلت: "إي واللهِ لقد كان كذا، بخلافٍ: "ها" فإنهه عوضٌ عن الواو، ولذلك يُجامِعها.
стр. 1997
ومن أصناف الحرف حروفُ الاستثناء
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي "إلَّا", و"حاشا", و"عدا", و"خلا" في بعض اللغات.
* * *
قال الشارح: قد تقدم الكلام على الاستثناء وحروفه في فصل الاسم بما أغنى عن إعادته.
стр. 1998
ومن أصناف الحرف حرفا الخِطاب
فصل [تعدادهما]
قال صاحب الكتاب: وهما الكاف والتاء اللاحقتان علامة للخطاب في نحو "ذاك", و"ذلك", و"أولئك", و"هناك", و"هاك", و"حيهلك", و"النجاك", و"رويدك", و"أرأيتك", و"إياك" وفي "أنتَ", و"أنتِ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ هذين الحرفين يدلان على الخطاب، وهما في ذلك على ضربين: يكونان اسمين، ويكونان حرفين مجرَّدين من معنى الاسمية. فمن ذلك الكافُ، فإنها تكون اسمًا لخطاب المذكر والمؤنث، فكافُ المذكر مفتوحةٌ، نحو: "ضربتُكَ يا رجلُ". وكافُ المؤنث مكسورة، نحوُ: "ضربتُكِ يا امرأةُ"، فالكافُ هنا اسمُ، وإن أفادت الخطابَ. يدل على ذلك دخولُ حرف الجرّ عليها من نحوِ: "بِكَ" و"بِكِ". وأمّا التي هي حرفٌ مجرّدٌ من معنى الاسمية، فجميعُ ما ذكره، فمنه أسماءُ الإشارة، نحوُ: "ذلك"، و"ذاك"، و"تلك"، و"أُولئك"، فالكاف معها حرفُ لا محالةَ، وذلك لأنه لو كان اسمًا، لكان له موضعُ من الإعراب مِن رفع أو نصب أو جرّ، ولا يجوز أن يكون موضعه رفعًا؛ لأن الكاف ليست من ضمائر المرفوع. ولا يجوز أن تكون منصوبة؛ لأنّك إذا قلت: "ذلِكَ" فلا ناصبَ هنا للكاف. ولا يجوز أن تكون مجرورة؛ لأن الجرّ إنما يكون بحرف جرّ أو بإضافة، ولا حرفَ جرّ هاهنا، فبقي أن تكون مجرورة بالإضافة.
ولا تصح إضافةُ أسماء الإشارة؛ لأنها معارفُ، ولا يُفارِقها تعريفُ الإشارة، ولا يسوغ تعريفُ الاسم إلا بعد تنكيره. ولا يجوز تنكيرُ هذه الأسماء ألبتة، فلا تجوز إضافتُها، وكذلك لا تجوز إضافةُ الأسماء المضمرة. ويؤيّد عندك أن ذلك ليس مضافًا إلى الكاف أنك تقول في التثنية: "ذانِك"، ولو كان مضافًا، لحُذفت النون لإضافة الكاف.
وكذلك الكاف في "هَاكَ"، فإنها حرفٌ مجردٌ من معنى الاسمية، وهو من أسماء الأفعال، نحوُ: "خُذ"، و"تَناولْ". والذي يدل على أن الكاف فيه حرفُ أنهم يستعملون
стр. 1999
موضعَ الكاف للخطاب الهمزةَ، فيقولون: "هاءَ" للمذكر بفتح الهمزة، و"هاءِ" للمؤنث. فلما وقع موقعَ الكاف ما لا يكون إلَّا حرفًا، عُلم أنها حرفٌ. وربما قالوا: "هاءَكَ" بفتح الهمزة والكاف، و"هاءَكِ" بكسر الكاف، كأنهم جمعوا بينهما تأكيدًا للخطاب فالكافُ ها هنا حرفُ، لأنها من أسماء الأفعال، وأسماءُ الأفعال لا تُضاف.
وكذلك "حَيَّهَلَكَ" الكاف فيه حرفٌ، وحكمُها حكمُ "هاءَكَ". وأما "النَّجَاكَ" فهو لمعنَى: انجُ، مع أنه لا يسوغ إضافةُ ما فيه الألفُ واللامُ.
وكذلك "رُوَيدَكَ" الكاف للخطاب, لأنه من أسماء الأفعال، تقول: "رويدك زيدًا". ولو كانت الكاف منصوبة، لَما تعدى إلى "زيد". وقالوا: "أرَأيْتَكَ" فالكاف حرفٌ؛ لأنه بمعنى النظر، ولا يتعدى إلَّا إلى مفعول واحد؛ لأن هذا الفعل لا يتعدّى ضميرُ الفاعل إلى ضميره. قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (١). ومثله "انظُركَ زيدًا"، لأنك لا تقول: "اضْرِبْكَ زيدًا"، وكذلك "إيَّاكَ" الكافُ حرفٌ، وقد تقدّم الكلام عليها في فصل الأسماء.
وأمّا التاء، فقد تكون اسمًا وحرفًا للخطاب، فالاسمُ نحوُ: "ضربتَ"، و"قتلتَ". والحرفُ نحوُ: "أنْتَ". وليست التاء في "أنْتَ" كالتاء في "أكلتَ"، كما أن الكاف في "ذلك" ليست كالكاف في "مالك"؛ لأنه قد ثبت في قولك: "أنَا فعلتُ" أن الاسم هو "أنَ"، والألف مزيدةٌ للوقف، بدليل حَذفها في الوصل. كذلك هو في "أنت" التاءُ حرفٌ للخطاب مجرّدٌ من معنى الاسمية، لا موضعَ له من الإعراب، فاعرفه.
فصل [لحوقهما التثنيةُ والجمع والتذكير والتأنيث]
قال صاحب الكتاب: وتلحقهما التثنية والجمع والتذكير والتأنيث, كما تلحق الضمائر. قال الله تعالى: ﴿ذلكما مما علمني ربي﴾ (٢)، وقال: ﴿ذلكم خير لكم﴾ (٣)، وقال: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ (٤) , وقال: ﴿أن تلكما الجنة﴾ (٥) , وقال: ﴿وأولئك جعلنا لكم﴾ (٦) , وقال: ﴿كذلك قال ربك﴾ (٧). وتقول: "أنتما", و"أنتم", و"أنتن".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول إن الخطاب يكون بأسماءٍ وحروفٍ. فالأسماءُ الكافُ في "لَكَ"، و"ضَرَبَكَ"، والتاءُ في "قُمْتَ"، و"أكَلْتِ". والحروفُ في جميعِ ما تقدّم من
стр. 2000
"ذلِكَ"، و"ذَاكَ"، و"تِلكَ"، و"تِيكَ"، و"أُولئك"، ونحوهن. وتختلف هذه الحروف بحسبِ أحوال المخاطبين كما تختلف الأسماء, فكما تقول: "ضربتُكَ"، و"ضربتُكِ"، و"ضربتُكما"، و"ضربتُكم"، و"ضربتكُن"، فكذلك تختلف هذه الحروفُ. فإذا كان المخاطب مذكرًا، فتحتَ، نحوَ قولك:- "كيف ذلكَ الرجلُ يا رجلُ؟ ذكرت اسمَ الإشارة بقولك: "ذا"، وفتحتَ الكاف حيث كان المخاطب مذكرًا. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (١)، وقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (٢). فإن خاطبت امرأةً كسرت الكافَ، فقلت: "كيف ذلكِ الرجلُ يا امرأةُ؟ " ذكرت "ذا"؛ لأنه إشارةٌ إلى "الرجل"، وكسرت الكافَ؛ لأن المخاطب مؤنث. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ (٣).
فإن خاطبت اثنين، ألحقتَ الكافَ علامةَ التثنية مذكّرًا كان أو مؤنثًا كما تفعل إذا كانت اسمًا، نحوَ: "ضربتُكما" فتقول: "كيف ذلكما الرجلُ يا رجلان؟ " أفردتَ "ذا"؛ لأن المسؤول عنه واحدُ، وثنّيت الكاف لأن الخطاب مع اثنين. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ (٤)؛ لأن الخطاب مع صاحبَيْ يوسف. ولو كان المسؤول عنه مؤنثًا؛ لأنثتَ الإشارة، فكنت تقول: "كيف تِلكُمَا المرأةُ يا رجلان؟ " قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ (٥). أنث الإشارةَ لتأنيث المشار إليه، وثنّي الخطابَ إذ كان المخاطب آدَمَ وحَوّاء, ﵉.
فإن كان المخاطب جمعًا، إن كانوا مذكرين، ذكرتَ وجمعتَ، وإن كن مؤنثاتٍ، أنثتَ وجمعتَ، تقول: "كيف ذلكم الرجلُ يا رجالُ؟ " قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦). فإن كان المشار إليه أيضًا جمعًا، قلت: "كيف أُولئكم الرجالُ يا رجالُ؟ " قال الله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٧). وتقول: "كيف ذلِكن الرجلُ يا نسوةُ؟ " إذا كن جمعًا. قال الله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فيه﴾ (٨)، فاعرف ذلك، وقِسْ عليه ما يأتي منه، فاجعلِ الأول للأوّل، والآخِرَ للآخر، وعامل كلَّ واحد من المشار إليه والمخاطب من التثنية والجمع والتذكير والتأنيث بحسب حاله على ما وصفتُ لك.
وكذلك حكمُ التاء في "أنتَ"، تكسرها مع المؤنث، وتفتحها مع المذكر، وتُثني مع المثنى، وتَجْمَعَ مع الجمع.