فصل [لغات "نعمْ "]
قال صاحب الكتاب: وكنانة تكسر العين من "نعم", وفي قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ قالوا: "نعم". وحكى أن عمر سأل قوماً عن شيء فقالوا: "نعم" بالفتح، فقال عمر: إنما النعم الإبل، فقالوا: نعم. وعن النضير بن شميل أن: "نحم" بالحاء لغة ناس من العرب.
* * *
قال الشارح: الفتح في "نَعَم" والكسر لغتان فصيحتان، إلَّا أن الفتح أشهر في كلام العرب، وقد جاء الكسر في كلام النبي ﷺ وجماعه من الصحابة، منهم عمر وعلي والزبَير وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهم. وذكر الكسائيُّ أن أشياخ قُرَيش يتكلّمون بها مكسورةَ. وحُكي عن أبي عمرو قال: لغةُ كنانة "نَعِم" بالكسر. وربما أبدلوا الحاء من العين، فقالوا: "نَحَمْ" في "نَعَمْ"؛ لأتها تليها في المَخرَج، وهي أخف من العين؛ لأنها أقربُ إلى حروف الفم. حكى ذلك النَّضر بن شُمَيل، فاعرفه.
فصل [لغات "إي" إذا وليها "أن "]
قال صاحب الكتاب: وفي "إي الله" ثلاثة أوجه: فتح الياء، وتسكينها، والجمع بين ساكنين هي ولام التعريف المدغمة وحذفها.
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أن الياء من "إي" ساكنة كالميم من"نَعَمْ"، واللام من" أجَلْ". وإذا لقيها لامُ المعرفة من نحوِ "إي الله"، فإن لك فيه ثلاثةَ أوْجُه: فتحَ الياء، تقول: "إيَ الله"، وهو أعلاها، فتفتح لالتقاء الساكنين كما تفتح نونَ "مِن"، في قولك: "مِنَ الرجل". ولم يكسروها استثقالًا للكسرة بعد كسرة الهمزة. وإذا كانوا قد استثقلوا الكسرة على النون للكسرة قبلها مع أنّ النون حرف صحيح؛ فلأنْ يستثقلوها على الياء المكسور ما قبلها كان ذلك أحرَى وأوْلى. ومنهم من يقول:"إي الله"، فيُشْبع مدّةَ الياء، ويجمع بين الساكنين لوُجود شرطَي الجمع بين ساكنين وهما: ان يكون الساكن الأول حرفَ مد ولين، والثاني مُدغَمًا، كـ "داَبةٍ"، و"شابَّه". والثالث، وهو أقلّها، أن يقولوا: "اللهَ"، فيحذفوا الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن همزة الوصل محذوفة للوصل، فبقي اللفظُ "إللَّهَ" بكسر الهمزة.
ولا يكون في "إللَّهَ" من قولك: "إي اللهَ" إلَّا النصبُ. ولو قلت: "هَا اللهِ"لخفضتَ؛ لأن "إي" ليست عوضًا عن حروف القسم، إنما هي جوابٌ لِمن سأل عن الخبر، فقلت: "إي واللهِ لقد كان كذا، بخلافٍ: "ها" فإنهه عوضٌ عن الواو، ولذلك يُجامِعها.
стр. 1997
ومن أصناف الحرف حروفُ الاستثناء
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي "إلَّا", و"حاشا", و"عدا", و"خلا" في بعض اللغات.
* * *
قال الشارح: قد تقدم الكلام على الاستثناء وحروفه في فصل الاسم بما أغنى عن إعادته.
стр. 1998
ومن أصناف الحرف حرفا الخِطاب
فصل [تعدادهما]
قال صاحب الكتاب: وهما الكاف والتاء اللاحقتان علامة للخطاب في نحو "ذاك", و"ذلك", و"أولئك", و"هناك", و"هاك", و"حيهلك", و"النجاك", و"رويدك", و"أرأيتك", و"إياك" وفي "أنتَ", و"أنتِ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ هذين الحرفين يدلان على الخطاب، وهما في ذلك على ضربين: يكونان اسمين، ويكونان حرفين مجرَّدين من معنى الاسمية. فمن ذلك الكافُ، فإنها تكون اسمًا لخطاب المذكر والمؤنث، فكافُ المذكر مفتوحةٌ، نحو: "ضربتُكَ يا رجلُ". وكافُ المؤنث مكسورة، نحوُ: "ضربتُكِ يا امرأةُ"، فالكافُ هنا اسمُ، وإن أفادت الخطابَ. يدل على ذلك دخولُ حرف الجرّ عليها من نحوِ: "بِكَ" و"بِكِ". وأمّا التي هي حرفٌ مجرّدٌ من معنى الاسمية، فجميعُ ما ذكره، فمنه أسماءُ الإشارة، نحوُ: "ذلك"، و"ذاك"، و"تلك"، و"أُولئك"، فالكاف معها حرفُ لا محالةَ، وذلك لأنه لو كان اسمًا، لكان له موضعُ من الإعراب مِن رفع أو نصب أو جرّ، ولا يجوز أن يكون موضعه رفعًا؛ لأن الكاف ليست من ضمائر المرفوع. ولا يجوز أن تكون منصوبة؛ لأنّك إذا قلت: "ذلِكَ" فلا ناصبَ هنا للكاف. ولا يجوز أن تكون مجرورة؛ لأن الجرّ إنما يكون بحرف جرّ أو بإضافة، ولا حرفَ جرّ هاهنا، فبقي أن تكون مجرورة بالإضافة.
ولا تصح إضافةُ أسماء الإشارة؛ لأنها معارفُ، ولا يُفارِقها تعريفُ الإشارة، ولا يسوغ تعريفُ الاسم إلا بعد تنكيره. ولا يجوز تنكيرُ هذه الأسماء ألبتة، فلا تجوز إضافتُها، وكذلك لا تجوز إضافةُ الأسماء المضمرة. ويؤيّد عندك أن ذلك ليس مضافًا إلى الكاف أنك تقول في التثنية: "ذانِك"، ولو كان مضافًا، لحُذفت النون لإضافة الكاف.
وكذلك الكاف في "هَاكَ"، فإنها حرفٌ مجردٌ من معنى الاسمية، وهو من أسماء الأفعال، نحوُ: "خُذ"، و"تَناولْ". والذي يدل على أن الكاف فيه حرفُ أنهم يستعملون
стр. 1999
موضعَ الكاف للخطاب الهمزةَ، فيقولون: "هاءَ" للمذكر بفتح الهمزة، و"هاءِ" للمؤنث. فلما وقع موقعَ الكاف ما لا يكون إلَّا حرفًا، عُلم أنها حرفٌ. وربما قالوا: "هاءَكَ" بفتح الهمزة والكاف، و"هاءَكِ" بكسر الكاف، كأنهم جمعوا بينهما تأكيدًا للخطاب فالكافُ ها هنا حرفُ، لأنها من أسماء الأفعال، وأسماءُ الأفعال لا تُضاف.
وكذلك "حَيَّهَلَكَ" الكاف فيه حرفٌ، وحكمُها حكمُ "هاءَكَ". وأما "النَّجَاكَ" فهو لمعنَى: انجُ، مع أنه لا يسوغ إضافةُ ما فيه الألفُ واللامُ.
وكذلك "رُوَيدَكَ" الكاف للخطاب, لأنه من أسماء الأفعال، تقول: "رويدك زيدًا". ولو كانت الكاف منصوبة، لَما تعدى إلى "زيد". وقالوا: "أرَأيْتَكَ" فالكاف حرفٌ؛ لأنه بمعنى النظر، ولا يتعدى إلَّا إلى مفعول واحد؛ لأن هذا الفعل لا يتعدّى ضميرُ الفاعل إلى ضميره. قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (١). ومثله "انظُركَ زيدًا"، لأنك لا تقول: "اضْرِبْكَ زيدًا"، وكذلك "إيَّاكَ" الكافُ حرفٌ، وقد تقدّم الكلام عليها في فصل الأسماء.
وأمّا التاء، فقد تكون اسمًا وحرفًا للخطاب، فالاسمُ نحوُ: "ضربتَ"، و"قتلتَ". والحرفُ نحوُ: "أنْتَ". وليست التاء في "أنْتَ" كالتاء في "أكلتَ"، كما أن الكاف في "ذلك" ليست كالكاف في "مالك"؛ لأنه قد ثبت في قولك: "أنَا فعلتُ" أن الاسم هو "أنَ"، والألف مزيدةٌ للوقف، بدليل حَذفها في الوصل. كذلك هو في "أنت" التاءُ حرفٌ للخطاب مجرّدٌ من معنى الاسمية، لا موضعَ له من الإعراب، فاعرفه.
فصل [لحوقهما التثنيةُ والجمع والتذكير والتأنيث]
قال صاحب الكتاب: وتلحقهما التثنية والجمع والتذكير والتأنيث, كما تلحق الضمائر. قال الله تعالى: ﴿ذلكما مما علمني ربي﴾ (٢)، وقال: ﴿ذلكم خير لكم﴾ (٣)، وقال: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ (٤) , وقال: ﴿أن تلكما الجنة﴾ (٥) , وقال: ﴿وأولئك جعلنا لكم﴾ (٦) , وقال: ﴿كذلك قال ربك﴾ (٧). وتقول: "أنتما", و"أنتم", و"أنتن".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول إن الخطاب يكون بأسماءٍ وحروفٍ. فالأسماءُ الكافُ في "لَكَ"، و"ضَرَبَكَ"، والتاءُ في "قُمْتَ"، و"أكَلْتِ". والحروفُ في جميعِ ما تقدّم من
стр. 2000
"ذلِكَ"، و"ذَاكَ"، و"تِلكَ"، و"تِيكَ"، و"أُولئك"، ونحوهن. وتختلف هذه الحروف بحسبِ أحوال المخاطبين كما تختلف الأسماء, فكما تقول: "ضربتُكَ"، و"ضربتُكِ"، و"ضربتُكما"، و"ضربتُكم"، و"ضربتكُن"، فكذلك تختلف هذه الحروفُ. فإذا كان المخاطب مذكرًا، فتحتَ، نحوَ قولك:- "كيف ذلكَ الرجلُ يا رجلُ؟ ذكرت اسمَ الإشارة بقولك: "ذا"، وفتحتَ الكاف حيث كان المخاطب مذكرًا. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (١)، وقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (٢). فإن خاطبت امرأةً كسرت الكافَ، فقلت: "كيف ذلكِ الرجلُ يا امرأةُ؟ " ذكرت "ذا"؛ لأنه إشارةٌ إلى "الرجل"، وكسرت الكافَ؛ لأن المخاطب مؤنث. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ (٣).
فإن خاطبت اثنين، ألحقتَ الكافَ علامةَ التثنية مذكّرًا كان أو مؤنثًا كما تفعل إذا كانت اسمًا، نحوَ: "ضربتُكما" فتقول: "كيف ذلكما الرجلُ يا رجلان؟ " أفردتَ "ذا"؛ لأن المسؤول عنه واحدُ، وثنّيت الكاف لأن الخطاب مع اثنين. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ (٤)؛ لأن الخطاب مع صاحبَيْ يوسف. ولو كان المسؤول عنه مؤنثًا؛ لأنثتَ الإشارة، فكنت تقول: "كيف تِلكُمَا المرأةُ يا رجلان؟ " قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ (٥). أنث الإشارةَ لتأنيث المشار إليه، وثنّي الخطابَ إذ كان المخاطب آدَمَ وحَوّاء, ﵉.
فإن كان المخاطب جمعًا، إن كانوا مذكرين، ذكرتَ وجمعتَ، وإن كن مؤنثاتٍ، أنثتَ وجمعتَ، تقول: "كيف ذلكم الرجلُ يا رجالُ؟ " قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦). فإن كان المشار إليه أيضًا جمعًا، قلت: "كيف أُولئكم الرجالُ يا رجالُ؟ " قال الله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٧). وتقول: "كيف ذلِكن الرجلُ يا نسوةُ؟ " إذا كن جمعًا. قال الله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فيه﴾ (٨)، فاعرف ذلك، وقِسْ عليه ما يأتي منه، فاجعلِ الأول للأوّل، والآخِرَ للآخر، وعامل كلَّ واحد من المشار إليه والمخاطب من التثنية والجمع والتذكير والتأنيث بحسب حاله على ما وصفتُ لك.
وكذلك حكمُ التاء في "أنتَ"، تكسرها مع المؤنث، وتفتحها مع المذكر، وتُثني مع المثنى، وتَجْمَعَ مع الجمع.
стр. 2001
فصل [الهاء والياء في "إيّاه" و"إيّاي "]
قال صاحب الكتاب: ونظير الكاف الهاء والياء وتثنيتهما وجمعهما في "إياه", و"إياي" على مذهب أبي الحسن.
* * *
قال الشارح: قد تقدم القول على "إياكَ" وما فيه من الخلاف في فصل المبنيات من الأسماء بما أغنى عن إعادته، والذي عليه الاعتمادُ منه قولُ أبي الحسن. إن "إيَّا" اسمٌ مبهمٌ كُنى به عن المنصوب، وجُعلت الكاف والهاء والياء بيانًا عن المقصود؛ ليُعلَم المخاطب من الغائب والمتكلم، فهي حروفٌ لا موضع لها من الإعراب, هذا معنى قوله: "ونظيرُ الكاف الهاءُ والياءُ"، يريد أنّهما لا موضع لهما من الإعراب، وقيده بقوله: "على مذهب أبي الحسن" تحرُّزا من مذهب غيره. وذلك أن الخليل (١) يذهب إلى أن الكاف والهاءَ والياء في موضعِ خفض بإضافةِ "إيا" إليها، و"إيا" مع ذلك عنده اسمٌ مضمر. وحُكي عن المازني مثلُ ذلك، وقد أجازه السيرافي. وقال الخليل (٢): لو قال قائل: "إياكَ نفسَك"، لم أُعنّفه. يريد تأكيدَ الكاف. فاعرف ذلك.
стр. 2002
ومن أصناف الحرف حروفُ الصِّلة
فصل [تعدادهما]
قال صاحب الكتاب: وهي "إن", و"أن", و"ما", و"لا", و"من" والباءُ في نحو قولك: "ما إن رأيت زيداً". والأصل: "ما رأيت", ودخول "إن" صلة أكدت معنى النفي. قال دريد [من الكامل]:
ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم هانيء أينقٍ جرب (١)
وعند الفراء أنهما حرفا نفي, ترادفا كترادف حرفي التوكيد في "إن زيداً لقائمٌ", وقد يقال: "انتظرني ما إن جلس القاضي"، أي: ما جلس بمعنى: "مدة جلوسه".
* * *
قال الشارح: يريد بالصلة أنها زائدة. ويعني بالزائد: أن يكون دخوله كخروجه من غير إحداثٍ معنى. والصلةُ والحَشوُ من عبارات الكوفيين، والزيادةُ والإلغاءُ من عبارات البصريين. وجملةُ الحروف التي تزاد هي هذه الستةُ التي ذكرها: "إنْ"، مكسورةَ الهمزة، و"أنْ" مفتوحةَ الهمزة، و"ما"، و"لا"، و"مِن"، والباءُ.
وقد أنكر بعضهم وقوعَ هذه الأحرف زوائدَ لغيرِ معنى، إذ ذلك يكون كالعَبَث، والتنزيلُ مُنزه عن مثل ذلك. وليس يخلو إنكارُهم لذلك من أنهم لم يجدوه في اللغة أو لما ذكروه من المعنى. فإن كان الأوّلُ، فقد جاء منه في التنزيل والشعر ما لا يُحصَى على ما سنذكره في كل حرف منها. وإن كان الثاني، فليس كما ظنّوا؛ لأنّ قولنا: "زائدٌ" ليس المراد أنّه قد دخل لغير معنى ألبتة، بل يزاد لضرب من التأكيد. والتأكيدُ معنى صحيح. قال سيبويه (٢) عقيبَ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٣) ونظائَرِه. فهو لَغوٌ من حيث إنها لم تُحدِث شيئًا لم يكن قبلَ أن تجيء من المعنى، سوى تأكيد الكلام.
стр. 2003
فمن الحروف المزيدة "إن" المكسورةُ، فإنها تقع زائدةٌ، والغالبُ عليها أن تقع بعد "ما". وهي في ذلك على ضربَين: مُؤكَّدة وكافة، وأمّا المؤكدةُ ففي قولهم: "ما إنّ رأيتُه"، والمرادُ: ما رأيتُه، و"إنْ" لَغوٌ لم يُحدِث دخولها شيئًا لم يكن قبلُ، وأما قوله [من الكامل]:
ما إن رأيتُ ولا سمعتُ به ... إلخ
فإن البيت لدُرَيد بن الصمة، وبعده:
مُتَبَذلاً تَبدُو مَحاسِنُه ... يَضَعُ الهِناءَ مَواضِعَ النُقبِ
الشاهد فيه زيادةُ "إنْ" بعد "ما"، والمراد: ما رأيتُ. والأيْنُقُ: جمعُ ناقةٍ، وأصلُها: أنوُقٌ، فاستثقلوا الضمة على الواو، فقدموها إلى موضع الفاء، لِتسكنَ، فصار: أونُقًا، وربّما تكلمت به العربُ، حكى ذلك ابن السِّكيت عن بعض الطائيين، ثم قلبوها ياء تخفيفًا، فصار: أينقًا. والهِناءُ: القِطران، يقال: "هَنَأتُ البعيرَ أهنِئُه"، إذا طَلَيتَه بالهناء، وإبلٌ مَهنُوءةٌ، أي: مَطلِيةٌ. والنقبُ: جمعُ نَقْبَةٍ، وهو أوّلُ ما يبدو من الجَرَب قِطَعًا متفرقة. وقال الكُمَيت [من الوافر]:
فما إنْ طِبُّنا جُبُنٌ وَلكِن ... مَنايانَا ودَوْلَةُ اخَرينا (١)
فالطبّ: العادة ها هنا. يقول: ما لنا بالجُبُن عادةٌ، ولكن حضرت مَنيتُنا ودولةُ آخرين، حتى نال الأعداءُ مّنا.
وهذه "إن" إذا دخلت على "ما" النافية، نحوَ: "ما إن زيدٌ قائمٌ"، فهي في لغة بني تميم مؤكدة لأنهم لا يُعمِلون "ما"، وفي لغة أهل الحجاز تكون زائدةً كافةً لها عن العمل، ويكون ما بعدها مبتدأ وخبرًا، كما كانت "ما" كافةً لـ "إِن" عن العمل في قولك: "إنما زيدٌ قائمٌ"، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِد﴾ (٢).
وقد ذهب الفراء إلى أن "ما" و"إن" جميعًا للنفي كأنها تزادا "ما" ها هنا على النفي، مبالغةً في النفي وتأكيدًا له، كما تزاد اللامُ تأكيدًا للإيجاب في قولك: "إن زيدًا لقائمٌ". وغالى في ذلك حتى قال: يجوز أن يُقال: "لا إن ما" فيكون الثلاثةُ للنفي، وأنشد [من البسيط]:
إلَّا الأوارِي لا إن ما أُبَينُها ... والنُّؤْيَ كالحَوْض بالمظلومة الجَلَدِ (٣)
والصواب ما ذهب إليه الجماعةُ من أن "إن" بعد "ما" زائدةٌ، و"ما" وحدَها للنفي،
стр. 2004
إذ لو كانت "إن" أيضًا للنفي، لانعكس المعنى إلى الإيجاب؛ لأن النفى إذا دخل على النفي، صار إيجابًا.
وقد تزاد "إن" المكسورة المؤكدةُ مع "ما" المصدريّة بمعنى الحين والزمان، فيقال: "انتظرنا ما إنْ جلس القاضي"، يريد زمانَ جلوسه. ومثلُه: "أقِم ما أقمتَ" و"لا أُكلَّمك ما اختلف الليلُ والنهارُ". قال الله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ (١). وحقيقتُه أنّ "ما" مع الفعل بتأويل المصدر، والمصدرُ يُستعمل بمعنى الحين، نحوُ: "خفوقَ النجْمِ"، و"مَقدَمَ الحاج". والظرفُ في الحقيقة هو الاسمُ المحذوف الذي أُقيم المصدر مُقامَه، فإذا قال: "اجلِس ما جلستَ"، فقد قال: "اجلسْ جلوسَك"، أي: وقتَ جلوسك، فحُذف اسم الزمان، وأُقيم المصدر مقامه. قال الشاعر [من الطويل]:
١١٥٤ - وَرَج الفتى للخَيرِ ما إن رأيتَه ... على السّن خَيرًا مَا يَزالُ يَزِيدُ
أي: رَجّ الخيرَ له إذا رأيتَه يزداد على السن والكبَر خيرًا. و"خيرا" نصبٌ على التمييز.
[زيادة "أن "]
قال صاحب الكتاب: وتقول في زيادة "أن": "لما أن جاء أكرمته" و"أما والله أن لو قمت لقمت".
* * *
стр. 2005
قال الشارح: وقد تزاد "أن" المفتوحةُ أيضًا توكيدًا للكلام، وذلك بعد "لَما" في قولك: "لما أن جاء زيدٌ قمتُ"، والمراد: لما جاء زيدٌ قمتُ. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ (١)، فـ "أنْ" فيه مؤكدةٌ بدليل قوله تعالى في سورة هُودِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ (٢)، والقصةُ واحدة. وقالوا: "أمَا واللهِ أنْ لو فعلتَ لَفعلتُ"، وذلك في القسم إذا أُقسِم على شيء في أوّله، فيقع في جواب القسم، ولا يقع جوابًا له في غير ذلك، فاعرفه.
فصل [زيادة "ما "]
قال صاحب الكتاب: و"غضبت من غير ما جُرم"، و"جئت لأمر ما"، و"إنما زيدًا منطلق"، و"أينما تجلس أجلس"، و"بعين ما أرينك" (٣). وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿عما قليل﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿أيما الأجلين قضيت﴾ (٧)، وقال: ﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ (٨)، وقال: ﴿مثل ما أنكم تنطقون﴾ (٩).
* * *
قال الشارح: قد زيدت "ما" في الكلام على ضربين: كافةً، وغير كافة. ومعنى الكافة أن تكف ما تدخل عليه عما كان يُحدِث فيه قبل دخولها من العمل. وقد دخلت كافة على الكلم الثلاث: الحرفِ والاسمِ والفعلِ.
أمّا دخولُها على الحرف للكف، فعلى ضربين: أحدُهما أن تدخل عليه، فتمنعه العملَ الذي كان له قبلُ، وتدخل على ما كان دخل عليه قبل الكف غيرَ عامل فيه، نحوَ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١٠)، و ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (١١) و "كأنما زيدٌ أسدٌ"، و"لَعَلَّمَا أنتَ حالمٌ" (١٢). والآخرُ أن تدخل على الحرف، وتكفه عن عمله، وتُهيِّئه للدخول على ما لم يكن يدخل عليه قبل الكف. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
стр. 2006
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) و ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ (٢) ومنه قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) ألا ترى أنه قد ولي "رُبَّ" بعد دخولِ "ما" من الفعل ما لم يكن يليها قبلُ، وأمّا دخولها على الاسم فنحوُ قوله [من الكامل]:
١١٥٥ - [أَعَلَاقة أُم الوُليدِ] بَعْدَ ما ... أفنانُ رأسِك كالثغامِ المُخْلِس
وقوله [من الخفيف]:
١١٥٦ - بَيْنَما نحن بالبَلاكِثِ فالقاع ... سراعًا والعِيسُ تَهْوي هُوِيَّا
стр. 2007
ألا ترى أن "بَعْدَ"، و"بَينَ" حقهما أن يضافا إلى ما بعدهما من الأسماء، ويجرّاه،
وحين دخلت عليهما، "ما" كفتهما عن ذلك، ووقع بعدهما الجملةُ الابتدائيةُ؟
وأمّا دخولها على الفعل، فإنها تدخل عليه، فتجعله يلي ما لم يكن يليه قبلُ. ألا ترى أنها تدْخِل الفعلَ على الفعل، نحوَ. "قَلمَا سرتَ"، و"قَلمَا تقوم"؟ ولم يكن الفعل، قبل دخولها يلي الفعلَ فـ "قَل" فعلٌ كان حقه أن يليه الاسمُ، لأنه فعلٌ، فلما دخلتْ عليه "ما"، كفته عن اقتضائه الفاعلَ، وألحقتْه بالحروف، وهيأته للدخول على الفعل، كما تُهيِّىء "رُبَّ" للدخول على الفعل، وأخلصوها له. فأما قوله [من الطويل]:
صددتِ فأطوَلتِ الصدودَ وقَلمَا ... وِصالٌ على طُولِ الصدود يَدُومُ (١)
فلا يجوز رفعُ "وصال" بـ "يَدُومُ"، وقد تأخر عن الاسم، ولكن يرتفع لفعل مقدَّر يُفسره "يدوم". وتفسيرُه: فلمَا يبقى وصالٌ، ونحوُه ممّا يفسره "يدوم". ولا يرتفع بالابتداء؛ لأنه موضعُ فعل. وارتفاعه هنا على حد ارتفاع الاسم بعد "هَلا" التي للتحضيض، و"إن" التي للجزاء، و"إذا" الزمانيةِ. وقد أجروا "كَثُرَ ما يقولون ذلك" مُجْرَى "قَلما"، إذ كان خلافه، كما قالوا: "صَدْيان"، و"رَيانُ"، و"غَرْثانُ"، و"شَبْعانُ"، ونظائرُ ذلك كثيرة.
الثاني استعمالُها زائدةً مؤكدة غيرَ كافةٍ, وذلك على ضربين:
أحدهما: أن تكون عوضًا من محذوف، والآخرُ أن تكون مؤكدة لا غيرُ. فالأولُ قولهم: أمَّا أنت منطلقًا انطلقتُ معك"، و"أما زيدٌ ذاهبًا ذهبتُ معه". ومنه قولُ الشاعر [من البسيط]:
أبَا خراشَه أما أنْتَ ذا نَفَرٍ ... فإن قَوْمِيَ لم تأْكُلْهُم الضبعُ (٢)
قال سيبويه (٣): إنما هي "أنْ" ضُمْت إليها "ما" للتوكيد، ولزمت عوضًا من ذهاب
стр. 2008
الفعل، والأصلُ: "أن كنتَ منطلقًا انطلقتُ معك"، أي: لأنْ كنتَ. فموضعُ "أنْ" نصبٌ بـ "انطلقتُ"، لما سقطت اللامُ، وصل الفعلُ فنصب. وأما "أنْ" في البيت فموضعها أيضًا نصبٌ بفعل مضمر دل عليه "فإن قومي لم تأكلهم الضبعُ" ويفسره، ولا يكون منصوبًا بـ "لَم تأكلهم الضبعُ"؛ لأن ما بعد "إن" لا يعمل فيما قبلها.
وأمّا الضرب الثاني: وهو أن تزاد لمجرد التأكيد غيرَ لازمة للكلمة، فهو كثير في التنزيل والشعر وسائر الكلام. ومن ذلك قولهم: "غضبتَ من غيرِ ما جُرْم"، فَـ "ما" زائدةٌ، والمرادُ من غير جرم، و"جئتَ لأمر ما"، فـ "ما" زائدةٌ، والمعنى على النفي، والمراد: "ما جئتَ إلَّا لأمر". وهو شبية بقولهم: "شَرّ أهَرَّ ذا نابٍ" (١)، أي: ما أهرّه إلَّا شرٌّ، كأن شخصًا جاء في غير المعتاد، فقيل له ذلك.
وقيل: "إنما زيدًا منطلقٌ"، فيجوز في "إن" الإعمال والإلغاءُ، فمَن ألغى ورفع وقال: "إنما زيدٌ منطلقٌ"، كانت "ما" كافة من قبيل الضرب الأول، ولم تكن من هذا الضرب. ومَن أعملها، وقال: "إنما زيدًا منطلقٌ"، كانت مُلْغاة، والمرادُ بها التأكيدُ، ولذلك ذكرها هنا.
وقالوا: "أيْنَما تَجْلِسْ أجْلِسْ"، و"متى ما تقم أقم" فـ "ما" فيهما زائدة مؤكدة، وذلك أن "أينَ"، و"مَتى" يجوز المجازاةُ بهما من غير زيادة "ما" فيهما، وذلك أنهما ظرفان، فـ "أينَ" من ظروف المكان، وهو مشتملٌ على جميع الأمكنة مبهمٌ فيها، و"مَتى" مبهم في جميع الأزمنة. فلما كانا مبهمَين، ضارعا حروفَ المجازاة, لأن الشرط إبهامٌ، فلذلك جازت المجازاةُ بهما لِما فيهما من الإبهام. وليسا مضافين إلى ما بعدهما، فتمتنعَ المجازاةُ بهما. وإذا كانت المجازاة بهما من غيرِ "ما" جائزة، كان إلحاقُ "ما" بهما لَغوًا على سبيل التأكيد، فلذلك عَد "أينما" في هذا الضرب.
والذي يدل على صحةِ ما ذكرناه أن "حَيث" و"إذ"، إِذا كانا مضافَين إلى ما بعدهما من الجُمَل، لم تجز المجازاةُ بهما، إلَّا بعد دخولِ "ما" عليهما، نحو قولك: "حيث مَا تجلسْ أجلس". وذلك من قبل أن "حَيْثُ" اسمٌ، وقد كان يُضاف إلى ما بعده، كما يُضاف "بَعْدَ" إلى ما بعده. فلما أُريدت المجازاةُ بهما، أُزيلت الإضافة عنهما بأن كُفّت عنهما بـ "ما"، فعملا حينئذ في الفعل الواقع بعدهما الجزمَ. والدليلُ على أنها كافةٌ هنا، وليست المؤكدةَ، لزومُها في الجزاء كما لزمت في الاسم لما صُرف ما بعدها إلى الابتداء، وذلك أن "حَيثُ" ظرفُ مكان مُشبةٌ بـ "حِينَ" من ظروف الزمان، وكما أن "حِينَ" مضافٌ إلى الجملة كذلك أُضيف "حَيْثُ" إلى الجملة. وإذا أُضيفت إلى الجملة، صار
стр. 2009
موضع الجملة جرًّا بالإضافة. فإذا وقع الفعل المضارع بعدها؛ وقع موقعَ اسم مجرور. والفعلُ متى وقع موقعَ اسم، لم يجز فيه إلَّا الرفعُ. فلو جُوزى بـ "حَيثُ"، ولم ينضمّ إليها "ما"، لم يجز، لأنّك إذا جازيتَ بها جزمتَ. وهذا موضعٌ لا يكون الفعل فيه إلَّا مرتفعًا لوقوعه موقعَ الاسم. وكذلك "إذ" لا يُجازَى بها حتى تُكَفّ بـ "ما"، وإذا امتنعت المجازاة بها، ضُمّ إليها "ما" الكافّةُ، فمنعتْها الإضافةَ، كما أنك لمّا ضممتها إلى الحروف والأسماء، منعتَها الإضافةَ والجرّ في قوله [من الكامل]:
بعدَما أفْنانُ رأسِك (١)
وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)؛ فلذلك ذَكَرَ "ما" من "أيْنَما" أنها صلةٌ مؤكّدةٌ، ولم يذكر "حَيْث ما" فاعرفه.
وقالوا: "بِعَيْنٍ مَّا أرَيَنَّكَ" (٣)، فـ "ما" مؤكدةٌ، والمراد: بعَين أرينّك، وهو مَثَلٌ يُضرَب في استعجال الرسول. قال الغُوريّ: أي: اعجلْ، وكُنْ كأنيّ أنْظُرُ إليك، قال ابن كَيْسانَ: "ما" لا موضع لها من الإعراب هنا، يريد أنّها حرفٌ زائدٌ مؤكّدٌ.
وفي التنزيل منه كثيرٌ، فمن ذلك قوله تعالى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٤)، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٥)، فيعود الجارُّ إلى ما بعد "ما". وعملُه فيه دليلٌ على أنها ملغاةٌ زائدةٌ، والمعنى على فبنَقْضهم ميثاقهم، وفَبِرحمة من الله، إذ لا يسوغ حَمْلُها على ظاهر النفي إذ يصير المعنى: أنك لنتَ لهم لا برحمة من الله، وكذلك بقيةُ الآي من قوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ (٧)، والمعنى: عن قليلٍ، وأيَّ الأجلين قضيت.
فأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ (٨) فإنّ "ما" معها زائدةٌ؛ لأنّ الحكم بعد دخولِ "ما" على ما كان قبلُ، وذلك أنّه لا يجازَى بها إلَّا في ضرورةِ شاعر. هذا مذهبُ أهل البصرة، وذلك لأنها لوَقْتٍ معلومٍ، والذاكرُ لها كالمعترف بأنّها كائنةٌ لا
стр. 2010
محالةَ. وأصلُ الجزاء أن لا يكون معلومًا. وقد جُوزي بها في الشعر، نحوِ قول الفرزدق [من الطويل]:
١١٥٧ - فقام أبو لَيلَى إليه ابنُ ظالمٍ ... وكان إذا ما يَسْلُلِ السيفَ يَضرِبِ
وهو قليل. قالي سيبويه (١): والجيدُ ما قال كعْبُ بن زُهَير [من الخفيف]:
١١٥٨ - وإذا ما تَشاءُ تَبعَثُ منها ... مَغْرِبَ الشمسِ ناشِطًا مَذْعُورا
стр. 2011
إلَّا أنْ المجازاة للضرورة مع "ما" أحسنُ. قال أبو علي: وكان القياس يوجب عندي على الشاعر إذا اضطُرّ، فجازى بـ "إذا"، أن يكفّها عن الإضافة بما كَفّ "حَيثُ"، و"إذْ" لّما جوزي بهما، إلَّا أنّ الشاعر إذا ارتكب الضرورةَ، استجاز كثيرًا ممّا لا يجوز في الكلام.
وإنّما جازت المجازاةُ بها في الشعر، لأنّها قد شاركتْ "إنْ" في الاستبهام إذ كان وقتها غيرَ معلوم، فأشبهت بجَهالة وقتها ما لا يُدْرَى أيكون أم لا فاعرفه.
وأمّا قوله تعالى: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (١)، فقد قرأ حمزة والكسائي (٢): "مثلُ" بالرفع على الصفة لـ "حَقّ"، ونصب الباقون. ويحتمل النصب غيرَ وجه. أحدُها أن يكون مبنيًّا لإضافته إلى غير متمكّن، وهو ﴿أَنَّكُمْ﴾، و"ما" زائدةٌ للتوكيد. ولو كانت "ما" لغير لغو، لَما جاز الرفعُ, لأن ما كان مبنيًّا مع غيره على الفتح لا يرتفع، نحوَ: "لا رجلَ في الدار". وقال أبو عثمان المازني: بني "ما" مع "مِثلَ"، فجعلهما بمنزلةِ "خمسةَ عشرَ". قال: وإن كانت "ما" زائدة. وأنشد أبو عثمان [من الرمل]:
١١٥٩ - وتَداعى مَنخِراه بِدَمٍ ... مِثْلَ مَا أثمَرَ حُمّاضُ الجَبَلْ
стр. 2012
قال أبو عثمان: سيبويه والنحويون يقولون: إنما بُني "مثلَ"؛ لأنه أضيف إلى غير معرب، وهو "أنكم". وقال أبو عمر الجَرْميّ: هو حالٌ من النكرة، وهو "حَقٌّ". والمذهبُ الأوّل وهو رأيُ سيبويه. وما ذهب إليه الجرميُّ صحيحٌ، إلَّا أنّه لا ينفكّ من ضعف؛ لأن الحال من النكرة ضعيفٌ. وقال المبرّد: لا اختلافَ في جوازِ ما قال يعني الجرميَّ. وما قال أبو عثمان فضعيفٌ أيضًا لقلّة بناء الحرف مع الاسم. فأمّا "لا رجلَ في الدار" فليس ممّا نحن فيه, لأن "لا" عاملةٌ غير زائدة، و"ما" في ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (١) فيمن ذهب إلى بنائها زائدةٌ، ولا يكون فيه حجّةٌ. ويؤيّد مذهبَ سيبويه في أنّ البناء ليس لتركيب "ما" مع "مِثلَ" أنّك لو حذفتَ "ما"، لبقى البناءُ بحاله، نحوَ: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ﴾ لإضافته إلى غير متمكّن، ألا ترى إلى قوله [من البسيط]:
لم يَمنَعِ الشرْبَ منها غيرَ أن نَطَقَت ... حَمامةٌ في غُصونٍ ذاتٍ أوْقالِ (٢)
وقوله [من الطويل]:
عَلى حِينَ عاتَبتُ المَشِيبَ على الصِّبا ... وقلتُ ألَمَّا أصْحُ والشيْبُ وازعُ (٣)
ونحوِ ذلك من الأسماء التي بُنيت لإضافتها إلى غير متمكن في الاسميّة فاعرفه.
فصل [زيادة "لا "]
قال صاحب الكتاب: وقال تعالى: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ (٤) أي: ليعلم, وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ (٥). وقال العجاج [من الرجز]:
١١٦٠ - في بئر لا حُورٍ سرى وما شَعَرْ
стр. 2013
ومنه: "ما جاءنى زيدٌ ولا عمرٌو" قال الله تعالى. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ (٢).
* * *
قال الشارح: وقد تزاد "لا" مؤكدةً ملغاةً كما كانت "ما" كذلك؛ لأنها أختُها في النفي، كلاهما يعمل عملَ "لَيْسَ". قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣)، فَـ "لا" زائدةٌ مؤكّدةٌ، والمعنى: لِيَعْلَمَ. ألا تَرى أنّه لولا ذلك لانعكس المعنى؟ وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٤)، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (٥) إنّما هو: فأقسم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٦)، ولذلك قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٧): إنّ "لا" زائدةٌ مؤكّدةٌ، والمرادُ- والله أعلمُ-: أقسم.
وقد استبعد بعضهم زيادةَ "لا" هنا وأنكر أن يقع الحرف مزيدًا للتأكيد أوّلًا، واستقبحه، قال: لأنّ حكم التأكيد ينبغي أن يكون بعد المؤكَّد. ومنع من جوازه ثَعْلَبٌ، وجعل "لا" رَدًّا لكلام قبلها. وعلى هذا يقف عليها، ويبتدىء: أُقسم بيوم القيامة.
والمعنى على زيادتها، وأمّا كونها أوّلًا، فلأنّ القرآن كالجملة الواحدة نُزّل دفعة واحدةً إلى السماء الدنيا، ثمّ نزّل بعد ذلك على النبيّ ﷺ في نيّف وعشرين سنة. قال أبو العبّاس: فقيل: إنّ الزائد من هذا الضرب إنّما يقع بين كلامَين، أو بعد كلام، فكان من جوابهم أنّ مَجاز القرآن كله مجازٌ واحدٌ بعد ابتدائه، وأنّ بعضه يتّصل ببعض.
فإنما جاز أن تكون حروف النفي صلة على طريق التأكيد لأنه بمنزلةِ نفي النقيض في نحو قولك: "ما جاءني إلَّا زيدٌ"، فهو إثبات قد نفي فيه النقيض، وحُقَّق المجيء
стр. 2014
لزَيد، فكأنه قيل: لا أقسم إلَّا بيوم القيامة ولا يمتنع القسمُ بيوم القيامة، وكذلك ما كان في معناه. ومن ذلك قول العجّاج [من الرجز]:
في بئْرِ لا حورٍ سرى وما شَعَرْ
المراد في بئر حور، و"لا" مزيدةٌ. هكذا فسّره أبو عبيدة. والحُورُ: الهَلَكَةُ، أي: في بئر هلكة سرى وما شعر، فالجارُّ متعلّقٌ بـ "سَرَى". وقالوا: "ما جاءني زيدٌ ولا عمرٌو". قالوا: وهي التي جمعتْ بين الثاني والأول في نفي المجيء، و"لا" حقّقتْ المنفيّ وأكدتْه، ألا ترى أنّك لو أسقطتَ "لا"، فقلت. "ما جاءني ريدٌ وعمرٌو"، لم يختلف المعنى. وذهب الرُّمّانيّ في شرح الأُصول إلى أنّك إذا قلت: "ما جاءني زيدٌ وعمرٌو"، احتمل أن تكون إنما نفيتَ أن يكونا اجتمعا في المجيء. فهذا الفرقُ بين المحقِّقة والصلة، فالمحقّقةُ تفتقر إلى تقديّم نفي، والصلةُ لا تفتقر إلى ذلك. فمثالُ الأوّل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ (١) وَ"لا" ها هنا المحققةُ، وقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ (٢) و"لا" فيه المؤكدة، والمعنى: لا تستوي الحسنةُ والسيئةُ، لأنّ "استوى" من الأفعال التي لا تكتفي بفاعل واحد، كقولنا: "اختصم"، و"اصطلح" وفي الجملة لا تزاد إلَّا في موضع لا لَبْسَ، فيه فاعرفه.
فصل [زيادة "مِنْ "]
قال صاحب الكتاب: وتُزاد "من" عند سيبويه في النفي خاصة لتأكيده وعمومه (٣)، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ (٤). والاستفهام كالنفي. قال الله تعالى: ﴿هل من مزيد﴾ (٥) , وقال تعالى: ﴿هل من خالق غير الله﴾ (٦) , وعن الأخفش زيادته في الإيجاب.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "منْ" قد تزاد مؤكدةً، وهو أحدُ وجوهها، وإن كان عملُها باقيًا، والمراد بقولنا: "زائدة" أنها لا تُحْدِث معنًى لم يكن قبل دخولها، وذلك نحو قولك: "ما جاءني من أحدٍ"، فإنّه لا فرق بين قولك: "ما جاءني من أحد"، وبين قولك: "ما جاءني أحدٌ". وذلك أنّ "أحدًا" يفيد العمومَ كـ"دَيّارٍ" و"عَرِيبٍ"، و"من" كذلك، فإذا أُدخلت عليها، صارت بمنزلة تكرار الاسم، نحوِ: "أحدٌ أحدٌ". فأمّا قولك: "ما جاءني من رجل"، فذهب سيبويه إلى أن "من" تكون فيه زائدة مؤكدة. قال (٧): ألا ترى أنك إذا
стр. 2015
أخرجتَ "منْ"، كان الكلام حسنًا، ولكنّه أُكد بـ "منْ"؛ لأن هذا موضعُ تبعيض، فأراد أنّه لم يأتِ بعضُ الرجال. وقد ردّ ذلك أبو العباس، فقال: إذا قلنا: "ما جاءني رجلٌ"، احتمل أن يكون واحدًا، وأن يكون الجنسَ، فإذا دخلتْ "مِنْ"، صارت للجنس لا غير. وهذا لا يلزم؛ لأنه إذا قال: "ما جاءني رجلٌ"، جاز أن ينفي الجنس بهذا اللفظ كما ينفي في قولك: "ما جاءني أحدٌ"، فإذا أدخل "منْ"، لم تُحْدِث ما لم يكن، وإنما تأتي توكيدًا.
وإعلم أنّ ابن السرّاج قال: حقُّ الملغى عندي أن لا يكون عاملًا ولا معمولًا فيه حتى يُلْغَى من الجميع، ويكون دخولُه كخروجه، لا يُحْدِث معنى عْيرَ التوكيد، واستغرب أن تكون هذه الخوافض زائدةٌ؛ لأنها عاملة، قال: ودخلت لمعانٍ غيرِ التأكيد.
وفي الجملة الإلغاءُ على ثلاثة أوجه: إلغاءٌ في المعنى فقط، وإلغاءٌ في الإعمال فقط، وإلغاءٌ فيهما جميعًا. فالإلغاءُ في المعنى نحوُ حروف الجرّ، كقولك: "ما زيدٌ بقائم"، و"ما جاءني من أحد". وأمّا ما أُلغي في العمل، فنحوُ: "زيدٌ منطلقٌ ظننتُ " و"ما كان أحْسَنَ زيدًا". وأمّا الإلغاءُ في المعنى واللفظ، فنحوُ: "ما"، و"لا"، و"إنْ". واعلم أنّ سيبويه لا يجيز زيادةَ "مِنْ" إلَّا مع النفي على ما تقدّم من قولنا: "ما جاءني من أحد"، و"ما جاءنا من بشير ولا نذير" ألا ترى أن المعني زيادتها إذ ليس المقصود نفيَ بشير واحد، ولا نذير واحد، وإنّما المراد الجنسُ. وكذلك الاستفهامُ، نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ؟﴾ (١)، إذ ليس المراد جوازَ التقدير على خالق واحد، والجامعُ بين الاستفهام والنفي أنهما غير واجبَيْن.
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى جواز زيادتها في الواجب، وقد تقدّم الكلام على ذلك مستوفى في فصل حروف الإضافة.
فصل [زيادة الباء]
قال صاحب الكتاب: وزيادةُ الباء لتأكيد النفي والإيجاب في نحو: "ما زيدٌ بقائمٍ", وقالوا: "بحسبك زيدٌ" و ﴿كفى بالله﴾ (٢).
* * *
قال الشارح: قد زيدت الباء في أماكن، ومعنى قولنا: "زيدت"، أي: أنها دخلت
стр. 2016
لمجرّد التأكيد من غيرِ إحداثِ معنى، كما كانت "ما"، و"إنْ" ونحوُهما كذلك في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (١) وقوله [من الوافر]:
فما إن طِبّنا جُبُنٌ (٢)
وزيادتُها قد جاءت في موضعَيْن: أحدهما: أن تزاد مع الفضلة، وأعني بالفضلة المفعول وما أشبهه، وهو الغالب عليها. والآخرُ: أن تزاد مع أحد جزأي الجملة التي لا تنعقد مستقلّةً إلَّا به. فأمّا زيادتها مع المفعول، فنحو قوله تعالي: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣)، والمراد: أيدِيَكم. ألا ترى أنّ الفعل متعدٍّ بنفسه، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٤) و ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ (٥)؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٦)، والمراد: ألم يعلم أن الله يرى، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٧). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٨)، والمراد: تنبت الدهنَ. ألا ترى أنّه مِن "أنبَتَ"؟ فالهمزةُ فيه للنقل، وإذا كاَنت كذلك، فلا يُجْمَع بينها وبين الباء، فإنّه لا يجوز أن يُقال: "أذهَبتُ بزيدٍ"؛ لأن أحدهما يُغْنِي عن الآخر.
وقد ذهب قومٌ إلى أن الباء هنا ليست زائدة، وأنهّا في موضع الحال، والمفعولُ محذوف، والمعنى: تنبِت ما تُنبِته ودُهْنُه فيه، كما يُقال: "خرج زيدٌ بثيابه"، أي: وثيابُه عليه، وركب بسيفه. ومنه قول الشاعر [من المتقارب]:
ومُستَنَّة كاستِنانِ الخَرُوف ... قد قَطَعَ الحَبْلَ بالمِرْوَدِ (٩)
أي: ومرودُه فيه.
وأمّا المُشابِة للمفعول؛ فقد زيدت في خبر "لَيسَ"، و"ما" لتأكيد النفي. قالوا: "ليس زيدٌ بقائم"، أي: قائمًا. قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟﴾ (١٠)، أي: كافِيًا عبدَه. وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟﴾ (١١)، أي ربَّكم. وقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٢)، أي: طاردَ المؤمنين، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (١٣)، أي: مؤمنًا لنا.
وأمّا زيادتها مع أحد جزءَي الجملة، ففي ثلاثة مواضع:
أحدُها: مع الفاعل قالَ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ (١٤) فالباءُ وما عملتْ فيه في موضعِ
стр. 2017
مرفوع بفعله على حدِّ "ما جاءني من أحد"، والمراد: كفى الله، قال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١) ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢)، والمراد: كفى اللهُ، وكفينا. قال الشاعر [من الطويل]:
كَفَى الشيبُ والإِسلامُ للمَرْء ناهِيَا (٣)
لما حذف الباء، رفع. وقالوا في التعجّب: "أكْرِمْ بزيدٍ"، و"أحْسِنْ ببَكرٍ". قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٤)، فالباء ها هنا زائدةٌ وما بعدها في موضع مرفوع بفعله، ولا ضميرَ في الفعل. وقد تقدّم الكلام عليه في التعجّب.
الثاني: زيادتها مع المبتدأ، وذلك في موضع واحد. قالوا: "بحَسْبك زيدٌ أن تفعلَ"، والمراد: حسبُك. قال الشاعر [من المتقارب]:
بِحَسْبِكَ في القوم أن يَعْلَمُوا ... بأنّك فيهم غَنِيٌّ مُضِرْ (٥)
ولا يُعْلَم مبتدأٌ دخل عليه حرفُ الجرّ في الإيجاب إلَّا هذا، فأمّا في غير الإيجاب، فقد دخل عليه الخافضُ غيرُ الباء. قالوا: "هل من رجل عندك؟ "فموضعُ المجرور رفعٌ بأنّه فاعلٌ (٦) قال الله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ (٨)، فموضعُ المجرور رفعٌ بالابتداء، وقد زادوها في خبرِ "لكِنّ" تشبيهًا له بالفاعل. قال الشاعر [من الطويل]:
١١٦١ - ولكِنَّ أجْرًا لو فعلْت بهَيّنٍ ... وهل يُنْكَرُ المعْرُوفُ في الناس والأجْرُ
стр. 2018
وأمّا الثالث: فقد زادوها مع خبر المبتدأ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ (١). قال أبو الحسن: الباء زائدة، وتقديرها: جزاءُ سيئة مثلُها، فاعرفه.
стр. 2019
ومن أصناف الحرف حرفا التفسير
فصل ["أي "]
قال صاحب الكتاب: وهما "أي", و"أن". تقول في نحو قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه﴾ (١) , أي: من قومه, كأنك قلت: تفسيره: من قومه، أو معناه: من قومه. قال الشاعر [من الطويل]:
١١٦٢ - وترمينني بالطرف أي أنت مذنبٌ ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي
* * *
стр. 2020
قال الشارح: من الحروف حرفا التفسير، ويُقال لهما: حرفا العِبارة. فأمّا "أي"، فتكون تفسيرًا لما قبلها، وعبارةً عنه. وشرطُها أن يكون ما قبلها جملة تامّةً مستغنيةً بنفسها، يقع بعدها جملةٌ أُخرى تامّةٌ أيضًا، تكون الثانيةُ هي الأُولى في المعنى مفسّرة لها، فتقع "أيْ" بين جملتَين، وذلك قولك: "ركب بسيفه، أي: وسيفُه معه"، و"خرج بثيابه، أي: وثيابُه عليه". فقدلُك: "وسيفه معه" هو في المعنى: بسيفه، وكذلك "خرج بثيابه"، وهو في المعنى: وثيابُه عليه. لا بد أن تكون الجملة الثانية في المعنى الأولى، وإلا فلا تكون تفسيرًا لها.
وتقول: "رميتُه من يدي، أي: ألقيتُه"، فقدلك: "ألقيته" بمعنى "رميتُه من يدي". وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (١)، أي: من قومه، فحصلت الجملة الثانية مفسّرة للأولى. والمخالَفةُ بينهما من حيث أن في الثانية "من" وهي مرادةٌ في الأُولى، وليست في لفظها، ولذلك صحّ أن تكون تفسيرًا لها. وقد ذهب قومٌ إلى أنّ "أيْ" هنا اسمٌ من أسماء الأفعال، ومسمّاه: "عُوا" و"افْهَمُوا"، كـ"صَهْ" و"مَهْ". وليس الأمر على ما ظن هؤلاء, لأنّ "صَهْ"، و"مَهْ" يدلاّن على معنى في أنفسهما إذا أفردا، وهو اُسكُتْ واُكفُفْ، وليس كذلك "أيْ"؛ لأنها لا يُفْهَم لها معنى حتى تُضاف إلى ما بعدها، فأمّا قوله [من الطويل]:
وترمينني بالطرف ... إلخ
الشاهد فيه قوله: "أي أنت مذنبٌ" جعله تفسيرًا لقوله: "ترمينني بالطرف"، إذ كان معنى "ترمينني بالطرف"، أي: تنظر إليّ نَظَرَ مُغْضَبٍ. ولا يكون ذلك إلَّا عن ذَنْب، فلذلك قال: "أي أنت مذنب". والقِلَى: البُغضُ. ومنه قوله تعالى: و ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٢). وقوله: "لكِنَّ إياك"، "لكن" بمعنى الشأن والحديث، والهاءُ منويّة، و"إيّاك" مفعولُ "أقْلِي" قُدّم عليه، والمراد: لَكِنَّهُ، أي: لكن الأمرَ والشأنَ لا أقليك. فلمّا تقدّم الكاف، أُتي بالضمير المنفصل. وقوله: "وترمينني"، الياءُ هي الفاعلةُ، والنونُ الأُولى علامةُ الرفع لا تُحذف إلَّا في الجزم والنصب، والثانيةُ وِقايةٌ كالتي في "ضَرَبَني"، و"خاطَبَني"، فاعرفه.
стр. 2021
فصل ["أن "]
قال صاحب الكتاب: وأما "أن" المفسرة, فلا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول, كقولك: "ناديته أن قم"، و"أمرته أن اقعد"، و"كتبت إليه أن ارجع", وبذلك فُسّر قوله : ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وناديناه أن يا إبراهيم﴾ (٢).
* * *
قال الشارح: وقد تكون "أنْ" بمعنَى "أيْ" للعبارة والتفسير، وذلك أحدُ أقسامها، نحوُ قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ (٣)، معناه: أي امْشُوا؛ لأنّ انطلاقهم قام مقام قولهم: "امشوا"، ولهذا فُسِّر به. وقد اختلفوا في معنى المشي في الآية، فقال قوم: المراد بالمشي النَّماءُ والكثرةُ، كما قال الحُطَيْئة [من الوافر]:
١١٦٣ - فَمَا مَن وَسْطَهُمْ وُيقِيمُ فيهم ... وَيمْشِي إن أُرِيدَ به المَشاءُ
والذي عليه الأكثرُ أن المراد بالمشي الحركةُ السريعةُ؛ لئلا يسمعوا القرآنَ وكلامَ النبي ﷺ ويُعاينوا بَراهِينَه. والذي يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ
стр. 2022
وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (١)، وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (٢)، فـ "أنْ" بمعنى "أيْ"، وهو تفسيرُ "ما أمرتني به"؛ لأن الأمر في معنى القول.
ولـ"أنْ" هذه إذا كانت تفسيرًا ثلاثُ شرائط:
أوّلُها: أن يكون الفعل الذي تُفسِّره وتُعبِّر عنه فيه معنى القول، وليس بقول.
الثاني: أن لا يتّصل بـ "أنْ" شيءٌ من صلة الفعل الذي تفسّره, لأنّه إذا اتصل بها شيءٌ من ذلك، صارت من جملته، ولم تكن تفسيرًا له، وذلك نحو قولك: "أوْعزتُ إليه بأنْ قُمْ"، و"كتبتُ إليه بان قُم"؛ لأن الباء ها هنا متعلّقة بالفعل. وإذا كانت متعلّقة به، صارت من جملته، والتفسيرُ إنما يكون بجملة غير الأوُلى.
والثالثُ: أن يكون ما قبلها كلامًا تامًّا؛ لِما ذكرناه من أنّها وما بعدها جملة مفسّرةٌ جملةً قبلها، ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣): إِن "أنْ" فيه مخفّفة من الثقيلة، والمعنى: أنّه الحمدُ لله، ولا تكون تفسيرًا؛ لأنّه ليس قبلها جملةٌ تامّة، ألا ترى أنك لو وقفتَ على قوله: وَ ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ لم يكن كلامًا؟ وأمّا قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (٤) "أنْ" فيه بمعنى "أيْ"؛ لأن النداء قول، و"ناديناه" كلامٌ تامٌّ.
стр. 2023
ومن أصناف الحرف الحرفان المصدريّان
فصل [تعدادهما]
قال صاحب الكتاب: وهما "ما", و"أن" في قولك: "أعجبني ما صنعت, وما تصنع", أي: صنيعك, وقال الله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ (١) , أي: برحبها, وقد فسر به قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ (٢). وقال الشاعر [من الوافر]:
يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهابا (٣)
وتقول: "بلغني أن جاء عمرو"، و"أُريد أن تفعل"، و"إنه أهل أن يفعل".وقال الله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا﴾ (٤).
* * *
قال الشارح: ومن الحروف حرفان يكون كل واحد منهما وما بعده مصدرًا يُحْكَم على محلّه بالإعراب، ويقع فاعلاً ومفعولًا ومجرورًا، وهما "ما"، و"أنْ". فأمّا "ما" إذا كانت والفعلَ مصدرًا؛ ففيها خلافٌ بين أصحابنا. فسيبويه كان يقول (٥): إنّها حرفٌ كـ"أنْ"، إلَّا أنّها لا تعمل عملَها، فيقول في "أعجبني ما صنعتَ": إِنّه بمنزلةِ "أعجبني أن قمتَ"، ويلزمه على هذا أن يقول: "أعجبني ما ضربتَ زيدًا"، كما تقول: "أن ضربتَ زيدًا". قال المبرد: وكان يقوله.
والأخفش كان يرى أنها في هذه المواضع لا تكون إلَّا اسمًا، فإن كانت معرفة؛ فهي بمنزلةِ "الَّذِي" عنده، والفعل في صلتها كما يكون في صلةِ " الَّذِي"، ويرتفع كما يرتفع الفعل إذا كان في صلةِ "الذي". وتكون نكرة في تقديرِ "شَيْء"، ويكون الفعل بعدها صفةً لها، وفي كِلا الحالين لا بد من عائدٍ يعود عنده إليها، فيُجيز: "أعجبني ما صنعتَ"، والمعنى: صنعتَهُ, لأنّ الفعل متعدٍّ، فجاز أن تُقدِّر ضميرًا يكون مفعولًا، ولا
стр. 2024
يجوز عنده: "أعجبنى ما قمتَ"؛ لأنّ الفعل غيرُ متعدّ، فلا يصح تقديرُ ضمير فيه، ولذلك لا يجوز عنده: "أعجبني ما ضربتَ زيدًا"؛ لأن الفعل قد استوفى مفعولَه. ولا يصح فيه تقديرُ ضميرِ مفعول آخرَ.
وممّا يؤيد مذهبَ سيبويه قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١)، فلو كانت "ما" هنا اسمًا، للَزم أن يكون في الجملة بعدها ضميرٌ، ولا ضميرَ فيها، ولا يصح تقديرُ ضمير؛ لأنّ الفعل قد استوفى مفعولَه.
فإن قيل: فأنت تقول: "أعجبني ما صنعت"، و"سرّني ما لبِستَ"، ويكون ثَمّ عائدٌ على معنى "صنعتَهُ"، و"لبستَةُ"، ولا يعود الضمير إلَّا إلى اسم، قيل: متى اعتقدتَ عودَ الضمير إلى "ما" كانت اسمًا لا محالةَ، ومتى لم تعتقد ذلك؛ فهي حرفٌ. فأمّا قوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ (٢) ففيه أيضًا دلالةٌ على أنّ "ما" حرفٌ، وليست اسمًا؛ لأنّه ليس في صلتها عائدٌ، والفعلُ لازمٌ ولا يتعدّى، ولا يصحّ تقديرُ إلحاق الضمير به.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ (٣)، ففيه قولان: أحدهما: أن "ما" فيه بمعنَى "مَنْ"، والمراد: والسماءِ ومَن بناها. والقولُ الثاني: أنّ "ما" مع الفعل بمعنى المصدر، والمراد: وبنائها، فالقَسَمُ إذا بالسماء وبنائها، أقسم الله تعالى بهما تفخيمًا لأمرهما. وعليه أكثرُ المفسّرين. ومثلُه قول الشاعر [من الوافر]:
يسرّ المرء ... إلخ
فالشاهد فيه قوله:"ما ذهب الليالي". وذلك أنّه جعل "ما" مع ما بعدها من الفعل في موضع المصدر المرفوع بأنّه فاعلٌ، ولا عائدَ في اللفظ، ولا مقدَّرٌ، لأنّ الفعل لازمٌ، والمراد: يسرّ المرءَ ذَهابُ الليالي إمّا ليتناول وظيفتَه، وإذا رَجاءَ تبدّلِ حال، وهو في الحقيقة من عُمْره يُحْسَب.
وأمّا "أنْ"، فهي حرف بلا خلاف، وهي تدخل على الفعل الماضي والمضارع. فإذا وقع بعدها المضارعُ، خلّصته للاستقبال كالسين و"سَوف"، وتصير "أنْ" في تأويلِ مصدر لا يقع في الحال، إنما تكون لِما لم يقع كما كان المضارع بعدها كذلك، والماضي إن وقعت على ماض.
والفرق بينها وبين "ما" أنّ "ما" تدخل على الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، و"أنْ" مختصّةٌ بالفعل، ولذلك كانت عاملة فيه، ولعدمِ اختصاصِ "ما" لم تعمل شيئًا، وذلك
стр. 2025
قولك في الفعل: "يُعجِبني ما تصنع"، أي: صنيعُك، ودخولُها على الاسم قولك: "يعجبني ما أنت صانعٌ"، أي: صنيعُك.
وتقول: "بلغني أن جاء زيدٌ"، أي: مجيئُه، فيكون المصدر بمعنى الماضي, لأنّ "أنْ" دخلت على فعل ماض.
وتقول: "أُريد أن تفعل" أي: فعْلَك، فيكون المصدر لِما لم يقع؛ لأن "أنْ" دخلت على فعل مستقبل. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (١)، يُرْوَى برفع الجواب ونصبِه. فمَن رفعه. كان الخبر "أنْ" والعْعلَ، على تقديرِ: فما كان جوابُ قومه إلَّا قولَهم. ومَن نصبه، كان خبرًا مقدمًا، و"أن قالوا" في موضع الاسم.
فصل [رفع الفعل بعد "أن" المصدرية]
قال صاحب الكتاب: وبعض العرب يرفع الفعل بعد "أن" تشبيها بـ "ما" قال [من البسيط]:
أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا (٢)
وعن مجاهد ﴿أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣) بالرفع.
* * *
قال الشارح: قال ابن جِنيّ: قرأتُ على محمّد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قولَ الشاعر [من البسيط]:
يا صاحِبَىَّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوسَكُما ... وحَيثُمَاكُنْتُما لَاقَيْتُما رَشَدا
أن تَحْمِلا حاجَةً لِي خَفَّ مَحملُها ... وَتَصْنَعا نِعْمَةً عندي بها ويَدا
أنْ تَقرَآنِ على أسْماءَ وَيْحَكُما ... مِنِّي السلامَ وأنْ لا تشْعِرا أحَدا
فقال في تفسيرِ "أن تقرآن"، وعلّةُ رفعه: إِنه شبّه "أنْ" بـ "ما"، فلم يُعْمِلْها في صلتها، ومثلُه الآيةُ، وهو رأيُ السيرافي. ولعلّ صاحب هذا الكتاب نقله من الشرح.
وقوله: "أن تحملا حاجة" في موضعِ نصب بفعل مضمر دلّ عليه ما تضمّنه البيتُ الأوّلُ من النداء والدعاء، والمعنى: أسألُكما أن تحملا. وهو رأيُ البغداديين، ولا يراه البصريون، وصحّةُ مَحْمَل البيت عندهم على أنّها المخفّفةُ من الثقيلة، أي. أنَّكُمَا تقرآن، و"أنْ" وما بعدها في موضع البدل من قوله: حاجة؛ لأنّ حاجته قراءةُ السلام عليها. وقد استبعدوا تشبيهَ "أنْ" بـ "ما"؛ لأن "ما" مصدرٌ معناه الحال، و"أنْ" وما بعدها مصدرٌ إمّا ماضٍ، وإما مستقبلٌ على حسب الفعل الواقع بعدها، فلذلك لا يصحّ حملُ إِحداهما على الأُخرى، فاعرفه.
стр. 2026
ومن أصناف الحرف حروفُ التحضيض
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي: "لولا", و"لوما", و"هلا", و"ألا". تقول: "لولا فعلت كذا"، و"لوما ضربت زيداً"، و"هلا مررت به"، و"ألا قمت", تريد استبطاءه وحثه على الفعل. ولا تدخل إلا على فعل ماض أو مستقبل قال الله تعالى: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿لو ما تأتينا بالملائكة﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فلولا أن كنتم غير مدينين ترجعونها﴾ (٣). وإن وقع بعدها اسمٌ منصوب أو مرفوع, كان بإضمار رافع أو ناصب, كقولك لمن ضرب قوماً: "لولا زيدًا", أي: لولا ضربته. قال سيبويه (٤): وتقول: "لولا خيراً من ذلك"، و"هلا خيراً من ذلك"، أي: هلا تفعل خيراً. قال: ويجوز رفعه على معنى: هلا كان منك خيرٌ من ذلك, وقال جرير [من الطويل]:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا (٥)
قال الشارح: اعلم أنّ هذه الحروف مركّبةٌ تدلّ مفرداتُها على معنى، وبالضمّ والتركيب تدلّ على معنى آخرَ لم يكن لها قبل التركيب، وهو التحضيضُ. والتحضيض: الحَث على الشيء، يُقال: "حَضَضته على فَعْله" إذا حثثتَه عليه، والاسمُ الحُضّيضَى. فـ "لَوْلا" التي للتحضيض مركبة من "لَوْ"، و"لا"، فـ "لوْ" معناها امتناعُ الشيء لامتناع غيره. ومعنَى "لا" النفيُ، والتحضيضُ ليس واحدًا منهما. وكذلك "لَوْما" مركّبة من "لَوْ"، و"ما". و"هَلاَّ" مركبة من "هَل"، و"لا"، و"ألا" في معناها مركّبة من "أنْ"، و"لا".
стр. 2027
ومعناها كلُّها التحضيضُ والحَثُّ. وإذا وَلِيَهنّ المستقبلُ كنّ تحضيضًا، وإذا وليهنّ الماضي، كن لَوْما وتوبيخًا فيما تَرَكَه المخاطبُ، أو يُقدَّر فيه التركُ، نحوَ قول القائل: "أكرمتُ زيدًا"، فتقول: "هَلاَّ خالدًا"، كأنّك تصرِفه إلى إكرامِ خالد، وتحثّه عليه، أو تلومه على تركِ إكرامه. وحيث حصل فيها معنى التحضيض -وهو الحثّ على إيجاد الفعل وطلبُه- جرت مجرى حروف الشرط في اقتضائها الأفعالَ، فلا يقع بعدها مبتدأٌ، ولا غيرُه من الأسماء. ولذلك قال: "لا تدخل إلَّا على فعل ماض أو مستقبل".
فأمّا قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ (١)، فقد وليه الماضي، إلَّا أنّ الماضي هنا في تأويل المستقبل، كما يكون بعد حرف الشرط كذلك, لأنه في معناه، والتقديرُ: إن أخرْتَني أصَّدَّقْ، ولذلك جَزَمَ "وَأكُنْ" بالعطف على موضعِ "فأصَّدَّقَ".
قوله: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ (٢)، فشاهدٌ على إيلائه الفعلَ المستقبلَ، والمراد: إيتنا بها.
وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا﴾ (٣) وليه الجملةُ الشرطيةُ، وهي في معنى الفعل إذ كانت مختصّة بالأفعال، ولا يقع بعدها الاسمُ، فإن وقع بعدها اسمٌ، كان في نيّة التأخير، نحوَ قولك: "هلاّ زيدًا ضربتَ"، والمراد: هلا ضربت زيدًا، وعلى تقديرِ فعل محذوف، نحوَ قولك لفاعلٍ الإكرام: "هلّا زيدًا"، أي: هلّا أكرمتَ زيدًا.
ولذلك قال: إذا وقع بعدها اسم مرفوع أو منصوب كان بإضمارِ رافعٍ أو ناصبٍ، أي: من الأفعال.
قال سيبويه (٤): تقول: "لولا خيرًا من ذلك"، و"هلاّ خيرًا من ذلك" والمراد: هلا تفعل خيرًا من ذلك. ولو رفعه على تقديرِ:"هلا كان منك خيرٌ من ذلك" لجاز. ومنه البيت الذي أنشده [من الطويل]:
تعدّون عقر النيب ... إلخ
البيت لجرير، وقيل: للأشْهَب بن رُمَيلَةَ، والشاهد فيه أنّه أضمر فعلًا نَصَبَ "الكمى المقنعا". ومعناه أن هؤلاء بني ضَوْطَرَى، والضوطرى: الضَّخْمُ الذي لا غَناءَ عنده، يمشون بالإطعام والضيافةِ، ويجعلون الكرمَ أكبرَ مَجْدهُم. فقال: تعدّون عقر النِّيب، وهو: جمعُ نابٍ، وهي: المُسِنّة من الإبل ونحوِها للأضْياف، أكبرَ مجدكم يا بني ضوطرى لولا الكميَّ اَلمقنعَ، والكَمِىُّ: الشجاع المتكمّى في سِلاحه، أي: المستتر. والمقنَّع: الذي عليه البَيضَةُ. كأنّه ينسبهم إلى الفَشَل، وعدم الشجاعة.
стр. 2028
فصل [المعني الآخر لـ "لولا" و"لوما "]
قال صاحب الكتاب: ولـ "لولا" و"لوما" معنى آخر, وهو امتناع الشيء لوجود غيره, وهما في هذا الوجه داخلتان على اسمٍ مبتدأ, كقولك: "لولا علي لهلك عمر".
* * *
قال الشارح: جملةُ الأمر أن "لَوْلا"، و"لَوْما" على وجَهَيْن: أحدهما هذا، والثاني أن تكونا لامتناع الشيء لوجود غيره. ويقع بعِدهما المبتدأُ، وتختصّان بذلك، ويكون جوابُهما سادًا مَسَدَّ خبر المبتدأ لطُوله، وذلك نحو قولك: "لولا زيدٌ لاْكرمتُك"، و"لوما خالذ لزُرْتُك"، فقد امتنع الإكرامُ والزيارةُ لوجودِ زيد وخالد. فقد صارا في هذا الوجه يدخلان على جملتَين ابتدائيةٍ وفعليّةٍ لرَبْط الجملة الثانية بالأُولى. فالجملةُ الابتدائيةُ هي التي تليها، والجملةُ الفعليةُ هي الجواب، فقولك: "لولا زيدٌ لأكرمتُك"، معناه: لولا زيدٌ مانع لأكرمتُك. والأصل قبل دخول الحرف: "زيد مانع لأكرمتُك"، ولا يكون حينئذ لإحدى الجملتين تعلّق بالأُخرى. فإذا دخلت "لولا" أو"لوما"، ربطت إحداهما بالأُخرى، وصيرت الأولى شرطًا والثانية جزاء.
وقد ذهب الكوفيون (١) إلى أن الاسم مرتفعٌ بعدها بها نفسِها لنيابتها عن الفعل، وذلك أنّا إذا قلنا: "لولا زيدٌ لأكرمتُك"، قالوا: معناه: لولا منع زيدٌ، فحُذف الفعل، وناب عنه الحرفُ. وقد استُضعف بأنّ العامل ينبغى أن يكون له اختصاصٌ بما يعمل فيه، وهذا الحرفُ لا يختصّ بالاسم؛ لأنّه قد دخل على الفعل. قال الشاعر [من البسيط]:
لَولَا حُدِدْتُ ولا عُذْرَى لمحدودِ (٢)
وقال الآخر [من الطويل]:
١١٦٤ - ألا زَعَمَتْ أسْماءُ أن لا أُحِبُّها ... فقلتُ: بَلى لولا يُنازِعني شغلي
стр. 2029
فإذا قد صار هذان الحرفان من قبيل المشترَك، إذ يُستعملان في التحضيض والامتناع؛ لأن اللفظ متّفقٌ، والمعنى مختلف متعدّدٌ، ولم يمتنع ذلك منهما، كما كان ذلك في الحروف المفْرَدة، نحوِ همزة الاستفهام، وهمزة النداء، واللام في "لزيدٍ"، واللام في "لِيَضرِبْ زيدٌ"، و"هَلْ" التي في قولك: "هل زيدٌ منطلق؟ " و"هَلْ" التي بمعنَى "قَدْ". فكما اتّفقتْ ألفاظُ الحروف المفردة، واختلفت معانيها، كذلك هذه الحروف المركّبة، فاعرفه.
стр. 2030
ومن أصناف الحرف حرف التقريب
فصل [قد]
قال صاحب الكتاب: وهو "قد" يُقرِّب الماضي من الحال إذا قلت: "قد فعل". ومنه قول المؤذن: "قد قامت الصلاة", ولا بد فيه من معنى التوقع. قال سيبويه (١): وأما "قد", فجواب "هل فعل". وقال أيضاً (٢): فجواب "لما يفعل", وقال الخليل (٣): هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر.
* * *
قال الشارح: "قَدْ" حرفٌ معناه التقريبُ، وذلك أنك تقول: "قام زيدٌ"، فتُخبِر بقيامه فيما مضى من الزمن، إلَّا أن ذلك الزمان قد يكون بعيدًا، وقد يكون قريبًا من الزمان الذي أنت فيه، فإذا قرّبتَه بـ "قَدْ"، فقد قرّبتَه ممّا أنت فيه، ولذلك قال المُؤذِّن: "قد قامت الصلاة"، أي: قد حان وقتُها في هذا الزمان. ولذلك يحسن وقوعُ الماضي بموضع الحال إذا كان معه "قَدْ"، نحوَ قولك: "رأيتُ زيدًا قد عزم على الخروج"، أي: عازمًا.
وفيها معنى التوقع يعني لا يُقال: "قد فعل" إلا لمن ينتظر الفعلَ أو يَسأل عنه، ولذلك قال سيبويه: وأمّا "قَدْ" فجوابُ "هل فعل"؛ لأنّ السائل ينتظر الجوابَ، وقال أيضًا. وأمّا "قَدْ" فجوابٌ لقوله: "لَما يَفْعَل"، فتقول: "قد فعل". وذلك أنّ المُخْبِر إذا أراد أن ينفي، والمُحدّث ينتظر الجوابَ، قال: "لَمَّا يَفعَل"، وجوابُه في طرف الإثبات: "قد فعل"؛ لأنه إيجابٌ لِما نفاه. وقولُ الخليل: "هذا الكلامُ لقوم ينتظرون الخبر"، يريد أنّ الإنسان إذا سأل عن فعلٍ أو عُلِمَ أنّه متوقعٌ أن يُخْبَر به، قيل: "قد فَعَلَ". وإذا كان المُخْبِر مبتدِئًا قال: "فعل كذا وكذا"، فاعرفه.
стр. 2031
فصل [استعمال "قد" للتقليل]
قال صاحب الكتاب: ويكون للتقليل بمنزلة "ربما" إذا دخل على المضارع كقولهم: "إن الكذوب قد يصدق".
* * *
قال الشارح: قد تستعمل "قَدْ" للتقليل مع المضارع، فهي لتقليل المضارع، وتقريبِ الماضي، فهي تجري مع المضارع مجرى "رُبَّمَا". تقول: "قد يصدق الكذوب"، و"قد يَعْثُر الجَوادُ"، تريد أن ذلك قد يكون منه على قلّةٍ وندرةٍ، كما تقول: "ربّما صدق الكذوبُ وعثر الجوادُ". وذلك لِما بين التقليل والتقريب من المناسبة، وذلك أنّ كلّ تقريب تقليلٌ؛ لأن فيه تقليلَ المسافة. قال الهُذَليّ [من البسيط]:
١١٦٥ - قد أتْرُك القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُه ... كأن أثوابَه سُجَّت بفِرْصادِ
стр. 2032
فصل [فصل "قَدْ" عن الفعل بالقسم, وطرح الفعل بعدها]
قال صاحب الكتاب: ويجوز الفصل بينه وبين الفعل بالقسم, كقولك: "قد والله أحسنت"، و"قد لعمري بتُّ ساهراً". ويجوز طرح الفعل بعدها إذا فُهم, كقوله [من الكامل]:
أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قَدِ (١)
* * *
قال الشارح: اعلم أن "قَدْ" من الحروف المختصّة بالأفعال، ولا يحسن إيلاءُ الاسم إيّاه، وهو في ذلك كالسين و"سَوْفَ". ومنزلةُ هذه الحروف من الفعل منزلةُ الألف واللام من الاسم, لأن السين و"سوف" يقصران الفعل على زمان دون زمان. وهي بمنزلة الألف واللام التي للتعريف، وقَدْ توجِب أن يكون الفعل متوقَّعًا، وهو يُشْبِه التعريفَ أيضًا، فكما أنّ الألف واللام اللتين للتعريف لا يُفصَل بينهما وبين التعريف أيضًا، كان هذا مثلَه، إلَّا أن "قَدْ" اتّسعت العربُ فيها؛ لأنّها لتوقّعِ فعل، وهي منفصلةٌ ممّا بعدها، فيجوز الفصل بينها وبين الفعل بالقَسَم؛ لأنّ القسم لا يفيد معنى زائدًا، وإنّما هو لتأكيد معنى الجملة، فكان كأحد حروفها، وقال: "قد واللهِ أحسنتَ"، و"قد لَعَمْري بِتُّ ساهرًا". هكذا الروايةُ "أحسنتَ" بفتح التاء، و"بِتُّ" بضمّ التاء. فأمّا قوله [من الكامل]:
أفد الترحّل ... إلخ
فالبيت للنابغة، والشاهدُ فيه طرحُ الفعل بعد "قَدْ" لدلالةِ ما تقدّم عليه. ومثلُه "لَمَّا" في جواز الاكتفاء بها، وقد تقدّم قبلُ، فاعرفه.
стр. 2033
ومن أصناف الحرف حروفُ الاستقبال
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي "سوف", و"السين و"أن" و"لا" و"لن". قال الخليل (١): إنَّ "سيفعل" جواب "لن يفعل"، كما أن "ليفعلن" جواب "لا يفعل"؛ لما في "لا يفعل" من اقتضاء القسم. وفي "سوف" دلالةٌ على زيادة تنفيس، ومنه "سوفته", كما قيل من "آمين": "أمَّنَ". ويقال: "سف أفعل". وأن تدخل على المضارع والماضي, فيكونان معه في تأويل المصدر, وإذا دخل على المضارع لم يكن إلا مستقبلاً كقولك: "أريد أن يخرج"، ومن ثم لم يكن منها بُدٌّ في خبر "عسى". ولما انحرف الشاعر في قوله [من الطويل]:
عسى طييء من طييء بعد هذه ... ستطفيء غُلّات الكلى والجوانح (٢)
عما عليه الاستعمال جاء بالسين التي هي نظيرة "أن".
* * *
قال الشارح: هذه الحروف موضوعةٌ للاستقبال، أي: إنّها تفيد الاستقبالَ، وتقصر الفعلَ بعدها عليه. فمن ذلك السين و"سَوْفَ"، ومعناهما التنفيسُ في الزمان. فإذا دخلا على فعل مضارع، خلّصاه للاستقبال، وأزالا عنه الشياعَ الذي كان فيه، كما يفعل الألفُ واللامُ بالاسم، إلَّا أن "سَوفَ" أشدُّ تراخِيًا في الاستقبال من السين، وأبلغُ تنفيسًا.
وقد ذهب قوم إلى أن السين مُنقصةٌ مْن "سَوْف"، حذفوا الواو والفاءَ منها لكثرة الاستعمال، وهو رأي الكوفيين (٣)، وحكوا فيها لغاتٍ، قالوا: "سَوْ أفعلُ"، بحذف الفاء وحدَها، وقالوا: "سَفْ أفعلُ" بحذف الواو وحدها. والذي عليه أصحابُنا أنّهما كلمتان مختلفتا الأصلِ، وإن تَوافقا في بعض حروفهما، ولذلك تختلف دلالتُهما.
стр. 2034
فـ "سوْفَ" أكثرُ تنفيسًا من السين، ولذلك يُقال: "سوَّفتُه"، إذا أطلتَ الميعاد، كأنّك اشتققتَ من لفظِ "سوْفَ" فعلاً، كما اشتققت من لفظِ "آمِينَ" فعلاً، فقلتَ: "أمَّنتُ" على دُعائه. ولو كان أصلهما واحدًا، لكان معناهما واحدًا، مع أنَّ القياس يأبى الحذف في الحروف. وأمّا "سَوْ أفعلُ"، و"سَوْ أفعلُ"، فحكايةٌ يفرُد بها بعضُ الكوفيين مع قلّتها.
ومن ذلك "لا"، وهي مختصّة بنفي المستقبل، فهي نفيُ "يَفعَلُ"، إذا أريد به الاستقبالُ.
وقوله: "لَيَفعَلَن جوابُ لا يفعل"، يريد أنّ "لا يَفعَلُ" يُتلقّى به القسمُ في النفي إذا أُريد المستقبل، كما أنّك تَتَلقّى القسمَ في طرف الإيجاب بقولك: "لَيفعلنّ"؛ لأنّ النون توكيدٌ، وتصرف الفعلَ إلى المستقبل كـ"لا".
وأمّا "لَن"، فتنفي المستقبلَ أيضًا، وهي أبلغُ من "لا"، وهي جوابُ "سيفعل".
وأمّا "أنْ"، فإذا دخلت على الأفعال المضارعة، خلّصتْها للاستقبال، وعملت فيها النصبَ، ولذلك اختصّت بالدخول في خبرِ "عَسى"؛ لأنّ معناها الطَّمَعُ والرَّجاءُ. وذلك إنّما يكون فيما يُستقبل من الزمان. ولمّا لم يُمْكِن الشاعرَ أن يأتِي بـ "أنْ" في خبرها، عدل إلى نظيرتها، وهي السين، فقال [من الطويل]:
عسى طيّئ ... إلخ
والمعنى عسى طيّىءٌ تَقتصُّ من طيّىء، أي: بعضُهم يقتصّ من بعض، فتَبْرُد غُلاّتِ الكُلى، أي: حَرَّ غُلاّتِ الحقد والغَيظِ. وقد تقدّم الكلام على ذلك كلّه، فاعرفه.
فصل [شبهها بـ "أن" في سبكها مع ما بعدها بمصدر]
قال صاحب الكتاب: وهي مع فعلها ماضياً أو مضارعاً بمنزلة "أن" مع ما في حيزها.
* * *
قال الشارح: يريد أنّ "أن" الخفيفة ينسبك منها ومن الفعل الذي بعدها مصدرٌ، فيكون في موضع رفع بأنّه فاعلٌ، أو مبتدأٌ، أو في موضعِ نصب بأنّه مفعولٌ، أو في موضعِ مجرور بالإضافة.
فمثالُ كونها فاعلةً قولُك: "أعجبني أن قمتَ"، والمراد: قيامُك، وزمان ذلك المصدر المُضِيّ؛ لأن فعله الذي انسبك منه كان ماضيًا. وكذلك لو كان فعله مضارعًا، نحوَ قولك: "يسُرّني أن تُحسِن"، والمراد: إحسانُك، فهو مصدرٌ زمانُه المستقبل، أو الحال كما كان الفعلُ كذلك.
стр. 2035
وتقول في المفعول: "كرِهتُ أن قمتَ"، أي: قيامَك، و"أكرَهُ أن تقوم".
وتقول في المجرور: "عجبتُ مِن أن قمتَ"، و"مِن أن تقوم".
ومجرَى و"أنْ" في ذلك مجرَى "أنَّ" المشدّدةِ، إذ كانت "أنَّ" مع اسمها وخبرها. في تأويلِ مصدر مشتقٍّ من لفظ خبرها. وتجري بوُجوه الإعراب على ما ذكرنا في "أن" المخفّفة، نحوَ قولك: "أعجبني أن تحسن"، أي: إحسانُك.
وقوله: "أن وما في حيّزها"، يريد: ما هو بعدها من تمامها، مأخوذٌ من "حيّزِ الدار"، وهو ما يتعلق بها من الحُقوق والمَرافِق، فاعرفه.
فصل ["أن" في لغة تميم وأسد "]
قال صاحب الكتاب: وتميم وأسدٌ يحولون همزتها عيناً, فينشدون بيت ذي الرمة [من البسيط]:
أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... [ماء الصبابة من عينيك مسجوم] (١)
"أعن ترسمت"، وهي عنعنة بني تميم. وقد مر الكلام في "لا" و"لن".
* * *
قال الشارح: هذه لغةٌ لتميم وأسدٍ، يُبدِلون من الهمزة المفتوحة عينًا، وذلك في "أنَّ" و"أنْ" خاصة إيثارًا للتخفيفَ؛ لكثرة استعمالهما وطُولِهما بالصلة، قالوا: "أشهدُ أنَّ محمّدًا رسولُ الله". ولا يجوز مثل ذلك في المكسورة. وأنشدوا بيت ذي الرمّة [من البسيط]:
أعن ترسّمت ... إلخ
والمراد: أنْ، وأُبدلت عينًا، وذلك لقُرْبها منها. وهي أخفُّ منها؛ لارتفاعها إلى وسط الحلق. يُقال: "ترسمتُ الدارَ والمنزلَ"، إذا تأمّلتَ رسمَها. وخَرْقاءُ: صاحبةُ ذي الرمّة، وهي من بني عامر بن رَبِيعَةَ بن صَعْصَعَةَ، والصَّبابةُ: رِقةُ الشَّوْق. ومسجومٌ: مصبوبٌ، يُقال: "سَجَمَ الدَّمْعُ"، و"سجمتِ العينُ دمعَها"، فهو مسجومٌ. وأنشدوا أيضًا في إبدال الهمزة عينًا [من البسيط]:
١١٦٦ - أعَن تَغنت على ساقٍ مُطوَّقةٌ ... وَرْقاءُ تدعو هَدِيلًا فوق أعْوادِ