فصل [استعمال "قد" للتقليل]
قال صاحب الكتاب: ويكون للتقليل بمنزلة "ربما" إذا دخل على المضارع كقولهم: "إن الكذوب قد يصدق".
* * *
قال الشارح: قد تستعمل "قَدْ" للتقليل مع المضارع، فهي لتقليل المضارع، وتقريبِ الماضي، فهي تجري مع المضارع مجرى "رُبَّمَا". تقول: "قد يصدق الكذوب"، و"قد يَعْثُر الجَوادُ"، تريد أن ذلك قد يكون منه على قلّةٍ وندرةٍ، كما تقول: "ربّما صدق الكذوبُ وعثر الجوادُ". وذلك لِما بين التقليل والتقريب من المناسبة، وذلك أنّ كلّ تقريب تقليلٌ؛ لأن فيه تقليلَ المسافة. قال الهُذَليّ [من البسيط]:
١١٦٥ - قد أتْرُك القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُه ... كأن أثوابَه سُجَّت بفِرْصادِ
стр. 2032
فصل [فصل "قَدْ" عن الفعل بالقسم, وطرح الفعل بعدها]
قال صاحب الكتاب: ويجوز الفصل بينه وبين الفعل بالقسم, كقولك: "قد والله أحسنت"، و"قد لعمري بتُّ ساهراً". ويجوز طرح الفعل بعدها إذا فُهم, كقوله [من الكامل]:
أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قَدِ (١)
* * *
قال الشارح: اعلم أن "قَدْ" من الحروف المختصّة بالأفعال، ولا يحسن إيلاءُ الاسم إيّاه، وهو في ذلك كالسين و"سَوْفَ". ومنزلةُ هذه الحروف من الفعل منزلةُ الألف واللام من الاسم, لأن السين و"سوف" يقصران الفعل على زمان دون زمان. وهي بمنزلة الألف واللام التي للتعريف، وقَدْ توجِب أن يكون الفعل متوقَّعًا، وهو يُشْبِه التعريفَ أيضًا، فكما أنّ الألف واللام اللتين للتعريف لا يُفصَل بينهما وبين التعريف أيضًا، كان هذا مثلَه، إلَّا أن "قَدْ" اتّسعت العربُ فيها؛ لأنّها لتوقّعِ فعل، وهي منفصلةٌ ممّا بعدها، فيجوز الفصل بينها وبين الفعل بالقَسَم؛ لأنّ القسم لا يفيد معنى زائدًا، وإنّما هو لتأكيد معنى الجملة، فكان كأحد حروفها، وقال: "قد واللهِ أحسنتَ"، و"قد لَعَمْري بِتُّ ساهرًا". هكذا الروايةُ "أحسنتَ" بفتح التاء، و"بِتُّ" بضمّ التاء. فأمّا قوله [من الكامل]:
أفد الترحّل ... إلخ
فالبيت للنابغة، والشاهدُ فيه طرحُ الفعل بعد "قَدْ" لدلالةِ ما تقدّم عليه. ومثلُه "لَمَّا" في جواز الاكتفاء بها، وقد تقدّم قبلُ، فاعرفه.
стр. 2033
ومن أصناف الحرف حروفُ الاستقبال
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: وهي "سوف", و"السين و"أن" و"لا" و"لن". قال الخليل (١): إنَّ "سيفعل" جواب "لن يفعل"، كما أن "ليفعلن" جواب "لا يفعل"؛ لما في "لا يفعل" من اقتضاء القسم. وفي "سوف" دلالةٌ على زيادة تنفيس، ومنه "سوفته", كما قيل من "آمين": "أمَّنَ". ويقال: "سف أفعل". وأن تدخل على المضارع والماضي, فيكونان معه في تأويل المصدر, وإذا دخل على المضارع لم يكن إلا مستقبلاً كقولك: "أريد أن يخرج"، ومن ثم لم يكن منها بُدٌّ في خبر "عسى". ولما انحرف الشاعر في قوله [من الطويل]:
عسى طييء من طييء بعد هذه ... ستطفيء غُلّات الكلى والجوانح (٢)
عما عليه الاستعمال جاء بالسين التي هي نظيرة "أن".
* * *
قال الشارح: هذه الحروف موضوعةٌ للاستقبال، أي: إنّها تفيد الاستقبالَ، وتقصر الفعلَ بعدها عليه. فمن ذلك السين و"سَوْفَ"، ومعناهما التنفيسُ في الزمان. فإذا دخلا على فعل مضارع، خلّصاه للاستقبال، وأزالا عنه الشياعَ الذي كان فيه، كما يفعل الألفُ واللامُ بالاسم، إلَّا أن "سَوفَ" أشدُّ تراخِيًا في الاستقبال من السين، وأبلغُ تنفيسًا.
وقد ذهب قوم إلى أن السين مُنقصةٌ مْن "سَوْف"، حذفوا الواو والفاءَ منها لكثرة الاستعمال، وهو رأي الكوفيين (٣)، وحكوا فيها لغاتٍ، قالوا: "سَوْ أفعلُ"، بحذف الفاء وحدَها، وقالوا: "سَفْ أفعلُ" بحذف الواو وحدها. والذي عليه أصحابُنا أنّهما كلمتان مختلفتا الأصلِ، وإن تَوافقا في بعض حروفهما، ولذلك تختلف دلالتُهما.
стр. 2034
فـ "سوْفَ" أكثرُ تنفيسًا من السين، ولذلك يُقال: "سوَّفتُه"، إذا أطلتَ الميعاد، كأنّك اشتققتَ من لفظِ "سوْفَ" فعلاً، كما اشتققت من لفظِ "آمِينَ" فعلاً، فقلتَ: "أمَّنتُ" على دُعائه. ولو كان أصلهما واحدًا، لكان معناهما واحدًا، مع أنَّ القياس يأبى الحذف في الحروف. وأمّا "سَوْ أفعلُ"، و"سَوْ أفعلُ"، فحكايةٌ يفرُد بها بعضُ الكوفيين مع قلّتها.
ومن ذلك "لا"، وهي مختصّة بنفي المستقبل، فهي نفيُ "يَفعَلُ"، إذا أريد به الاستقبالُ.
وقوله: "لَيَفعَلَن جوابُ لا يفعل"، يريد أنّ "لا يَفعَلُ" يُتلقّى به القسمُ في النفي إذا أُريد المستقبل، كما أنّك تَتَلقّى القسمَ في طرف الإيجاب بقولك: "لَيفعلنّ"؛ لأنّ النون توكيدٌ، وتصرف الفعلَ إلى المستقبل كـ"لا".
وأمّا "لَن"، فتنفي المستقبلَ أيضًا، وهي أبلغُ من "لا"، وهي جوابُ "سيفعل".
وأمّا "أنْ"، فإذا دخلت على الأفعال المضارعة، خلّصتْها للاستقبال، وعملت فيها النصبَ، ولذلك اختصّت بالدخول في خبرِ "عَسى"؛ لأنّ معناها الطَّمَعُ والرَّجاءُ. وذلك إنّما يكون فيما يُستقبل من الزمان. ولمّا لم يُمْكِن الشاعرَ أن يأتِي بـ "أنْ" في خبرها، عدل إلى نظيرتها، وهي السين، فقال [من الطويل]:
عسى طيّئ ... إلخ
والمعنى عسى طيّىءٌ تَقتصُّ من طيّىء، أي: بعضُهم يقتصّ من بعض، فتَبْرُد غُلاّتِ الكُلى، أي: حَرَّ غُلاّتِ الحقد والغَيظِ. وقد تقدّم الكلام على ذلك كلّه، فاعرفه.
فصل [شبهها بـ "أن" في سبكها مع ما بعدها بمصدر]
قال صاحب الكتاب: وهي مع فعلها ماضياً أو مضارعاً بمنزلة "أن" مع ما في حيزها.
* * *
قال الشارح: يريد أنّ "أن" الخفيفة ينسبك منها ومن الفعل الذي بعدها مصدرٌ، فيكون في موضع رفع بأنّه فاعلٌ، أو مبتدأٌ، أو في موضعِ نصب بأنّه مفعولٌ، أو في موضعِ مجرور بالإضافة.
فمثالُ كونها فاعلةً قولُك: "أعجبني أن قمتَ"، والمراد: قيامُك، وزمان ذلك المصدر المُضِيّ؛ لأن فعله الذي انسبك منه كان ماضيًا. وكذلك لو كان فعله مضارعًا، نحوَ قولك: "يسُرّني أن تُحسِن"، والمراد: إحسانُك، فهو مصدرٌ زمانُه المستقبل، أو الحال كما كان الفعلُ كذلك.
стр. 2035
وتقول في المفعول: "كرِهتُ أن قمتَ"، أي: قيامَك، و"أكرَهُ أن تقوم".
وتقول في المجرور: "عجبتُ مِن أن قمتَ"، و"مِن أن تقوم".
ومجرَى و"أنْ" في ذلك مجرَى "أنَّ" المشدّدةِ، إذ كانت "أنَّ" مع اسمها وخبرها. في تأويلِ مصدر مشتقٍّ من لفظ خبرها. وتجري بوُجوه الإعراب على ما ذكرنا في "أن" المخفّفة، نحوَ قولك: "أعجبني أن تحسن"، أي: إحسانُك.
وقوله: "أن وما في حيّزها"، يريد: ما هو بعدها من تمامها، مأخوذٌ من "حيّزِ الدار"، وهو ما يتعلق بها من الحُقوق والمَرافِق، فاعرفه.
فصل ["أن" في لغة تميم وأسد "]
قال صاحب الكتاب: وتميم وأسدٌ يحولون همزتها عيناً, فينشدون بيت ذي الرمة [من البسيط]:
أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... [ماء الصبابة من عينيك مسجوم] (١)
"أعن ترسمت"، وهي عنعنة بني تميم. وقد مر الكلام في "لا" و"لن".
* * *
قال الشارح: هذه لغةٌ لتميم وأسدٍ، يُبدِلون من الهمزة المفتوحة عينًا، وذلك في "أنَّ" و"أنْ" خاصة إيثارًا للتخفيفَ؛ لكثرة استعمالهما وطُولِهما بالصلة، قالوا: "أشهدُ أنَّ محمّدًا رسولُ الله". ولا يجوز مثل ذلك في المكسورة. وأنشدوا بيت ذي الرمّة [من البسيط]:
أعن ترسّمت ... إلخ
والمراد: أنْ، وأُبدلت عينًا، وذلك لقُرْبها منها. وهي أخفُّ منها؛ لارتفاعها إلى وسط الحلق. يُقال: "ترسمتُ الدارَ والمنزلَ"، إذا تأمّلتَ رسمَها. وخَرْقاءُ: صاحبةُ ذي الرمّة، وهي من بني عامر بن رَبِيعَةَ بن صَعْصَعَةَ، والصَّبابةُ: رِقةُ الشَّوْق. ومسجومٌ: مصبوبٌ، يُقال: "سَجَمَ الدَّمْعُ"، و"سجمتِ العينُ دمعَها"، فهو مسجومٌ. وأنشدوا أيضًا في إبدال الهمزة عينًا [من البسيط]:
١١٦٦ - أعَن تَغنت على ساقٍ مُطوَّقةٌ ... وَرْقاءُ تدعو هَدِيلًا فوق أعْوادِ
стр. 2036
وحُكي عن الأصمعيّ، قال: ارتفعت قريشٌ عن عَنْعَنَةِ تميم، وكَشكَشَةِ ربيعةَ. وقد تقدّم ذلك، وإنمّا أعَدْناه هنا حيث عَرَّضَ به.
стр. 2037
ومن أصناف الحرف حرفا الاستفهام
فصل [تعدادهما]
قال صاحب الكتاب: وهما الهمزة "وهل" في نحو قولك: "أزيدٌ قائمٌ؟ " و"أقام زيدٌ؟ " و"هل عمرو خارجٌ؟ " و"هل خرج عمرو؟ " والهمزة أعم تصرفاً في بابها من أختها. تقول "أزيدٌ عندك أم عمرو؟ " و"أزيداً ضربت؟ " و"أتضرب زيداً وهو أخوك؟ " وتقول لمن قال لك: "مررت بزيد": "أبزيد؟ "، وتوقعها قبل الواو والفاء, و"ثم". قال الله تعالى: ﴿أو كلما عاهدوا عهداً﴾ (١)، وقال: ﴿أفمن كان على بينةٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿أثم إذا ما وقع﴾ (٣). ولا تقع "هل" في هذه المواقع.
* * *
قال الشارح: الاستفهام والاستعلام والاستخبار بمعنى واحد. فالاستفهامُ: مصدرُ "استفهمتُ"، أي: طلبتُ الفَهْمَ، وهذه السينُ تفيد الطلبَ، وكذلك الاستعلامُ والاستخبارُ مصدرا "استعلمتُ" و"استخبرتُ". ولمّا كان الاستفهامُ معنى من المعاني؛ لم يكن بدٌّ من أدواتٍ تدل عليه، إذ الحروف هي الموضوعةُ لإفادة المعاني.
وحروفه ثلاثةٌ: الهمزة، و"هَلْ"، و"أمْ". ولم يذكر الشيخ "أمْ" هنا؛ لأنه قد تقدّم ذكرُها في حروف العطف، لأنها لا تَخلُص للاستفهام، إذ كانت عاطفةً مع ما فيها من الاستفهام، فلذلك اقتصر على الهمزة، و"هل".
وهذان الحرفان يدخلان تارةً على الأسماء، وتارة على الأفعال، وذلك قولك في الاسم:
"أزيدٌ قائم؟ " وفي الفعل: "أقام زيد؟ " وتقول في "هل": "هل زيدٌ قائمٌ؟ " و"هل قام زيد؟ ".
ولدخولهما على الأسماء والأفعال وعدم اختصاصهما بأحدهما، لم يجز أن يعملا في لفظِ أحدِ القبيلَيْن، بل إذا دخلا على جمَلة خبريّة، غيرا معناها إلى الاستفهام، ونقلاها عن الخبر.
стр. 2038
فالهمزة أُمُّ هذا الباب، والغالبةُ عليه، وقد يشترك الحرفان، ويكون أحدُهما أقوى في ذلك المعنى، وأكثرَ تصرّفًا من الآخر، فلذلك قال في الهمزة: "والهمزة أعمّ تصرّفًا في بابها من أُختها"، وذلك إذا كانت يلزمها الاستفهامُ، وتقع مواقعَ لا تقع أُختُها فيها، ألا ترى أنّك تقول: "أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ " والمراد: أيُّهما عندك؟ فـ "أمْ" ها هنا مُعادِلةٌ لهمزة الاستفهام. ولا تُعادَل "أمْ " في هذا الموضع بغير الهمزة على ما سبق، ولا يُقال في هذا المعنى: "هل زيد عندك أم عمرٌو؟ " وتقول: "أزيدًا ضربتَ؟ " فتقدِّم المفعول، وتفصل به بين همزة الاستفهام والفعل، ولا يجوز ذلك في غيرها ممّا تستفهم به، فلا تقول: "هل زيدًا ضربت؟ " ولا "متى زيدًا ضربت؟ " وقد تقدّم ذكرُ ذلك.
وتُقرّر بالهمزة، فتقول: "أتَضرب زيدًا، وهو أخوك؟ " فهذا تقريرٌ على سبيل الإنكار. ولا يُستعمل غير الهمزة في هذا ومنه قولُه تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُم؟﴾ (١)، وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢). وكذلك إذا قيل لك: "رأيتُ زيدًا"، وأردتَ أن تستثبت ذلك؟ قلت: "أزيدَنِيهْ؟ " أو"أزيدًا؟ " وكذلك لو قال: "مررت بزيد"، قلت: مستثبتًا: "أزيدِنِيهْ؟ " أو "أبزيدٍ؟ " فتحكي الكلامَ. ولا يجوز مثلُ ذلك بـ "هَلْ" ونحوِها ممّا يُستفهم به.
ولقوّتها وغلبتِها وعموم تصرُّفها، جاز دخولُها على الواو والفاء و"ثمَّ" من حروف العطف، فالواوُ نحو قوله تعاَلى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (٣) والفاءُ نحو قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ (٤)، وقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٦). و"ثُم" نحو قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (٧). ولا يتقدّم شيء من حروف الاستفهام وأسمائه غيرُ الهمزة على حروف العطف، بل حروفُ العطف تدخل عليهنّ، كقولك: "وهل زيد قائمٌ؟ " وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨). وقال الشاعر [من الخفيف]:
١١٦٧ - لَيتَ شِعْرِي هل ثُم هل آتِيَنْهُمْ ... أو يَحُولَنَّ دون ذاك حِمامِي
стр. 2039
وقد احتجّ السيرافيّ لذلك أنّ هذه الحروف العاطفةُ لبعض الجملة المعطوف عليها، لأنّها تربط ما بعدها بما قبلها.
والهمزةُ قد تدخل على الكلام، وينقطع بها بعضُ الجملة، نحوَ قوله في الاستثبات لمن قال: "مررتُ بزيد"، "أبزيدٍ؟ " فيُدْخِلها على الجارّ والمجرور، وهو بعضُ الجملة، وتقول: "كم غلمانُك أثلاثة أم أربعةٌ؟ " فتُبْدَل من "كَمْ" وحدَها، وتقول: "أمُقِيمًا وقد رحل الناسُ؟ " ولا يكون مثلُ ذلك في "هَلْ" ولا غيرِها. وإذ كانت كذلك، جاز أن تدخل على حروف العطف؛ لأنها كبعضِ ما قبلها.
فصل [هل]
قال صاحب الكتاب: وعند سيبويه (١) أن "هل" بمعنى "قد" إلا أنهم تركوا الألف قبلها؛ لأنها لا تقع إلا في الاستفهام. وقد جاء دخولها في قوله [من البسيط]:
١١٦٨ - سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
* * *
стр. 2040
قال الشارح: هذا هو الظاهر من كلام سيبويه، وذلك أنّه قال عقيبَ الكلام على "مَنْ"، و"مَتى"، و"ما": وكذلك "هَلْ"، إنْما هي بمنزلةِ "قَدْ"، ولكنّهم تركوا الألف إذ كانت "هَلْ" إنما تقع في الاستفهام. كأنّه يريد أن أصل "هل" أن تكون بمعنَى "قَدْ"، والاستفهام فيها بتقدير ألف الاستفهام، كما كان كذلك في "مَنْ"، و"مَتى"، و"ما". الأصلُ: "أمَنْ"، و"أْمَتى"، "أما". ولقا كثُر استعمالها في الاستفهام، حُذفت الألف للعلم بمكانها.
قال السيرافي: وأمّا "هَل"، فإنّها حرفٌ دخلت لاستقبال الاستفهام، ومنعت بعضَ ما يجوز في الألف، وهو اقتطاعُها بعضَ الجملة، وجوازُ التعديل والمساواة بها. فلمّا دخلت مانعةٌ لشيء ومجيزةً لشيء، صارت كأنهّا ليست للاستفهام المطلق، فقال لذلك سيبويه: إنّها بمعنَى "قَدْ". والذي يؤيد أنّها للاستفهام بطريق الأصالة أنّه لا يجوز أن تدخل عليها همزةُ الاستفهام، إذ من المُحال اجتماعُ حرفَين بمعنى واحد.
فإن قيل: فقد تدخل عليها "أمْ"، وهي استفهامٌ، نحوَ قوله [من البسيط]:
أم هَل كَبِيرٌ بَكَى لم يَقضِ عَبْرَتَهُ ... إثر الأحبَّة يومَ البَين مَشكُومُ (١)
ونحو قوله [من الكامل]:
١١٦٩ - [هل غادرَ الشُّعراءُ من متَرَدِّمِ] ... أمْ هل عرفتَ الدارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
стр. 2041
قيل: "أمْ" فيها معنيان: أحدهما الاستفهام، والآخر العطف. فلمّا احتيج إلى معنى العطف فيها مع "هَلْ"، خُلع منها دلالة الاستفهام، وبقي العطفُ بمعنَى "بَلْ" للترك. ولذلك قال سيبويه (١): إنّ "أمْ" تجيء بمنزلةِ "لا بَلْ" للتحويل من شيء إلى شيء. وليس كذلك الهمزةُ، لأنّه ليس فيها إلَّا دلالةٌ واحدةٌ. وقد أجاز المبرّد دخولَ همزة الاستفهام على "هَلْ" وعلى سائر أسماء الاستفهام، وأنشد [من البسيط]:
سايل فوارس يربوع ... إلخ
وهو قليل لا يُقاس عليه. ووجهُ ذلك أنَّه جعل "هَلْ" بمنزلة "قَد" من قوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٢)، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٣)، فالرواية: بشَدَّتنا بفتح الشين. والشَّدَّةُ: الحَمْلة الواحدة، فاعرفه.
فصل [حذف همزة الاستفهام]
قال صاحب الكتاب: وتحذف الهمزة إذا دل عليها الدليل. قال [من الطويل]:
١١٧٠ - لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... بسبعٍ رمين الجمر أم بثمانِ؟
* * *
стр. 2042
قال الشارح: يجوز حذفُ همزة الاستفهام في ضرورة الشعر، وذلك إذا كان في اللفظ ما يدلّ عليه. ومنه قول عمر بن أبي رَبِيعة [من الطويل]:
بَدا لِيَ منها مِعصَمٌ يَومَ جَمرَت ... وَكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَت ببَنانِ
فلمّا التقينا بالثَّنِيَّة سَلَّمَت ... ونازَعَني البَغلُ اللَّعِينُ عِنانِي
فواللهِ ما أدري دمان كنتُ داريًا ... بسَبع رَمَينَ الجَمْرَ أم بثمانِ؟
والمراد: أبسبع. دل على ذلك قوله: "أم بثمان". و"أمْ" عديلةُ الهمزة، ولم يرد المنقطعةَ، لأنّ المعنى على: ما أدري أيُّهما كان منها، فاعرفه.
فصل [تصدُّر الاستفهام]
قال صاحب الكتاب: وللاستفهام صدر الكلام. لا يجوز تقديم شيء مما في حيزه عليه. لا تقول: "ضربت أزيداً", وما أشبه ذلك.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أنّ الاستفهام له صدرُ الكلام من قِبَل أنّه حرفٌ دخل على جملة تامّة خبريّة، فنقلها من الخبر إلى الاستخبار، فوجب أن يكون متقدّمًا عليها؛ ليفيد ذلك المعنى فيها، كما كانت "ما" النافيةُ كذلك، حيث دخلت على جملة إيجابية، فنقلت معناها إلى السلب. فكما لا يتقدّم على "ما" ما كان من جملة المنفيّ، كذلك لا يتقدّم على الهمزة شيء من الجملة المستفهَم عنها، فلا تقول: "ضربتَ أزيدًا". هكذا مثّله صاحبُ الكتاب، والجيدُ أن تقول: "زيدًا أضربتَ؟ " فتُقدِّم المعمول على الهمزة؛ لأنّك إذا قدّمتَ شيئًا من الجملة. خرج عن حكم الاستفهام، ومن تمام الجملة.
وقوله: "ما كان في حيّزها" يريد ما كان متعلّقًا بالاستفهام ومن تمام الجملة. ومنه قولهم: "حَيزُ الدار"، وهو ما يُضَمّ إليها من مَرافقها، فاعرفه.
стр. 2043
ومن أصناف الحرف حرفا الشَّرْط
فصل [تعدادُهما]
قال صاحب الكتاب: وهما "إن", و"لو". تدخلان على جملتين, فتجعلان الأولى شرطاً, والثانية جزاء, كقولك: "إن تضربني أضربك"، و"لو جئتني لأكرمتك", خلا أن "إن" تجعل الفعل للاستقبال, وإن كان ماضياً, و"لو" تجعله للمضي, وإن كان مستقبلاً, كقوله تعالى: ﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾ (١). وزعم الفراء أن "لو" تُستعمل في الإستقبال كـ "إن".
* * *
قال الشارح: سيبويه (٢) ﵀ إنّما ذكر"إنّ" و"إذْمَا"، وعدّ "إذما" في حيّز الحروف، ولم يذكر "لَوْ"؛ لأن "لَوْ" معناها المُضِيُّ، والشرط إنما يكونا بالمستقبل, لأنّ معنى تعليق الشيء على شرط، إنما هو وقوفُ دخوله في الوجود على دخول غيره في الوجود. ولا يكون هذا المعنى فيما مضى، وإنمّا يذكرها مَن يذكرها في حروف الشرط؛ لأنها كانت شرطًا فيما مضى، إذ كان وجودُ الثاني موقوفًا على وجود الأول.
وقد فرق سيبويه (٣) بين "إذما" و"حَيثُمَا"؛ لأن "إذما" تقع موقعَ "إنْ"، ولم يقم دليلٌ على اسميّتها. ألا ترى أنّه لا يعود من الجزاء بعدها إليها ضميرٌ، كما يكون ذلك مع "حَيثُ" إذا قلت: "حيثما تكن أكُنْ فيه"؟ والفُرْقانُ بينهما أنَّ "إذْ" ظرفُ زمان معناه الماضي، فلمّا ضُمت إليها "ما"، ورُكَّبت معها، وجوزي بها، خرجت عن معنى المضيّ إلى الاستقبال. والشيئان إذا رُكّبا قد يحدث لهما بالجمع والتركيبِ معنى ثالثٌ، ويخرجان عن حكمِ ما لكلّ واحد منهما إلى معنَى مفرد، كما قلنا في "لَوْلا"، و"هَلاَّ". ونظائرُ ذلك كثيرةٌ. وليست "حَيثُمَا" كذلك، بل هي للمكان، ولم تُزَل عن معناها بدخولِ
стр. 2044
و"ما"، عليها. وليست "ما" في "حَيْثُما" و"إذْما" لَغْوا على حدّها في "أيْنَما"، و"مَتى ما" وإنما هي كافّةٌ لهما عن الإضافة بمنزلةِ "إنمَّا" و"كأنما".
واعلم أنّ "إنْ" أُمّ هذا الباب؛ للزومها هذا المعنى، وعدم خروجها عنه إلى غيره، ولذلك اتُّسع فيها، وفُصل بينها وبين مجزومها بالاسم، نحوَ قوَلهم: "إن الله أمكنني من فلان فعلتُ". وقد يُقتصر عليها ويوقَف عندها، نحوَ قولك: "صَلَّ خَلَفَ فلان وإنْ"، أي: وإن كان فاسِقًا. ولا يكون مثلُ ذلك في عْيرها ممّا يُجازى به.
وتدخل على جملتَين، فتربط إحداهما بالأُخرى، وتُصيّرهما كالجملة، نحوَ قولك: "إن تأتني آتِك"، والأصلُ: "تأتيني آتيك". فلمّا دخلت "إنْ"، عقدتْ إحداهما بالأخُرى، حتى لو قلت: "إن تأتني" وسكتَّ، لا يكون كلامًا، حتى تأتي بالجملة الأخُرى. فهو نظيرُ المبتدأ الذي لا بدّ له من الخبر، ولا يفيد أحدُهما إلَّا مع الآخر، فالجملةُ الأُولى كالمبتدأ، والجملة الثانية كالخبر. فهو من التامّ الذي لا يزاد عليه فيصير ناقصًا، نحوِ: "قام زيدٌ". فهذا كلامٌ تامٌّ. فإذا زدتَ عليه "إنْ"، وقلت: "إنْ قام زيدٌ"، صار ناقصًا، لا يتمّ إلَّا بجوابٍ. ومثلُه المبتدأ والخبر، نحوُ قولك: "زيدٌ قائمٌ"، فإذا زدت عليه "أنَّ"، المفتوحةَ، وقلت: "أن زيدًا قائمٌ"، استحال الكلامُ إلى معنى الإفراد بعد أن كان جملة، ولا ينعقد كلامًا إلَّا بضميمةٍ إليه، نحوَ قولك: "بلغني أن زيدًا قائمٌ"، فبضميمةِ "بلغني" إليه، صار كلامًا.
وحقُّ "إن" الجزائيّةِ أن يليها المستقبلُ من الأفعال؛ لأتّك تشترط فيما يأتي أن يقع شيءٌ لوقوع غيره. فإن وليها فعلٌ ماضٍ، أحالت معناه إلى الاستقبال، وذلك قولك: "إن قمتَ قمتُ"، والمراد: إن تَقُمْ أقُم.
فإن قيل: فإنّهم يقولون:"إن كنتَ زُرْتَنِي أمسِ أكرمتُك اليومَ"، وقد وقع بعد "إن" الفعلُ، ومعناه المضيُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ (١)، قيل: قد أجاب عن ذلك المبرد، وقال: إنّما ساغ ذلك في "كانَ" لقوّة دلالتها على المضيّ، وأنّها أصلُ الأفعال وعبارتُها، فجاز لذلك أن تقلب في الدلالة "إنْ". ولذلك لا يقع شيءٌ من الأفعال غيرُ "كان" بعد "إن"، إلَّا ومعناه المضارعُ. وقال ابن السرّاج: هو على تأويلِ: "إن أكُنْ كنتُ قُلْتُه"، وكذلك ما كان مثله.
وأمّا "لَوْ"، فمعناها الشرطُ أيضًا؛ لأن الثاني يوقَف وجودُه على وجود الأول، فالأوّلُ سببٌ وعلّة للثاني، كما كان كذلك في "إنْ"، إلَّا أنْ الفُرْقان بينهما أنّ "لَوْ" يوقَف وجودُ الثاني بها على وجود الأوّل، ولم يُوجَد الشرطُ، ولا المشروطُ، فكأنّه امتنع وجودُ
стр. 2045
الثاني لعدم وجود الأول. فالممتنعُ لامتناع غيره هو الثاني، امتنع لامتناع وجود الأوّل، وإنْ يتوقف بها وجودُ الثاني على وجود الأوّل، ولم يتحقّق الامتناعُ ولا الوجودُ.
فـ "إنْ" إذا وقع بعدها الماضي، أحالت معناه إلى الاستقبال. و"لَوْ" إذا وقع بعدها المستقبل أحالت معناه إلى المضيّ، نحوَ قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (١) أي: لو أطاعكم، فهي خلافُ "إن" في الزمان، وإن كانت مثلها من جهةِ كون الأوّل شرطًا للثاني. ولذلك قال صاحب الكتاب فيهما: إنهّما يدخلان على جملتَين، فيجعلان الأولى شرطًا والثانيةَ جزاءً، كقولك: "إنْ تضربْني أضربْك"، و"لو جئتَني لأكرمتُك"، فيتوقّف وجودُ الضرب الثاني على وجود الضرب الأول، كما يتوقف الإكرام على وجود المجيء. وزعم الفراء أن "لَوْ" قد تستعمل للاستقبال بمعنى "إنْ".
فصل [فعل الشرط وجوابه]
قال صاحب الكتاب: ولا يخلو الفعلان في باب "إن" من أن يكونا مضارعين، أو ماضيين، أو أحدهما مضارعاً والآخر ماضياً. فإذا كانا مضارعين, فليس فيهما إلا الجزم، وكذلك في أحدهما إذا وقع شرطاً. فإذا وقع جزاء, ففيه الجزم والرفع. قال زهير [من البسيط]:
١١٧١ - وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حَرِمُ
* * *
стр. 2046
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ "إن" الشرطيّةَ تدخل على جملتَين فعليّتَين، فتُعلَّق إحداهما بالأُخرى، وتربط كلَّ واحدة منهما بصاحبتها حتى لا تنفرد إحداهما عن الأُخرى. وإنّما وجب أن تكون الجملتان فعليّتين من قبل أن الشرط إنما يكون بما ليس في الوجود، ويحتمل أن يوجَد وأن لا يوجد، والأسماءُ ثابتةٌ موجودة لا يصح تعليقُ وجود غيرها على وجودها.
ولا يخلو هذان الفعلان من أن يكونا مضارعين، أو ماضيين، أو أحدهما ماضيًا والآخر مضارعًا. فإن كانا مضارعين، كانا مجزومين، وظهر الجزمُ فيهما، كقولك: "إن تقم أقم". وإن كان ماضيين، كانا مُثْبَتَيْن على حالهما، وكان الجزم فيهما مقدّرًا، نحوَ قولك: "إن قمتَ قمتُ"، والمعنى: "إن تقم أقم".
فإن كان الأوّل ماضيًا والثاني مضارعًا، فيكون الأول في موضعِ مجزوم، والثاني معربًا، نحوَ قولك: "إن قمتَ أقم". ولا يحسن عكسُ هذا الوجه بأن يكون الأوّل مضارعًا معربًا والثاني ماضيًا مبنيًّا، نحوَ قولك: "إن تقم قمت". وذلك لأمرين: أحدهما أنّ الشرط إذا كان مجزومًا، لزم أن يكون جوابه كذلك؛ لأنّك إذا أعملته في الأوّل، كنت قد أرهفتَه للعمل غايةَ الإرهاف، فتركُ إعماله في الثاني تراجع عمّا اعتزموه، وصار بمنزلةِ "زيدٌ قائمٌ ظننتُ ظَنًّا"؛ لأن تأكيد الفعل إرهافٌ وعنايةٌ بالفعل، وإلغاؤُه إهمالٌ واطراحٌ، وذانك معنيان متدافعان. الثاني أنّ "إنْ"، إذا جزمتْ، اقتضتْ مجزومًا بعدها؛ لأنّها بجزْمها ما بعدها يظهر أنّها تجزم، وجزمُها يتعلّق بفعلين. وإذا لم يظهر جزمُها، صارت بمنزلةِ حرف جازم لا يؤتى له بمجزوم.
فأمّا قوله تعالى. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) فإنّ جَزْمَ "تغفر لنا" بـ "لم" لا بـ "إِن". ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، لمّا كانت "إنْ" هي الجازمةَ "ليغفر لي" جُزم الجواب؟ وقد يُجزم الجواب وإن كان الشرط غير مجزوم. وأحسنُ ذلك أن يكون الشرط بـ "كَانَ"؛ لقوّةِ "كان" في باب المجازاة، وقول صاحب
стр. 2047
الكتاب: وإذا وقع جزاءً، يعني المضارع، ففيه الجزمُ والرفعُ. فأمّا قوله [من البسيط]:
وإن أتاه خليل ... إلخ
فالشاهد فيه رفعُ "يقول"، وهو الجواب، أمّا الجزم فصحيحٌ على ما ذكرناه، وأمّا الرفع فقبيحٌ، والذي جاء منه في الشعر متأْوَّلٌ من قبيل الضرورة، فقوله: "يقول: لا غائب مالي ولا حرم"، فسيبويه (١) يتأوّله على إرادة التقديم، كأنّ المعنى "يقول إن أتاه خليل". وقد استُضعف، والجيّدُ أن يكون على إرادة الفاء، فكأنّه قال: فيقول. والفاءُ قد تُحذف في الشعر، نحوِ قوله [من البسيط].
١١٧٢ - مَن يفعلِ الحَسَناتِ الله يَشْكُرُها ... [والشّرُ بالشرّ عند الله مثلانِ]
ومثله قوله [من الرجز]:
١١٧٣ - يَا أقْرعُ بْنَ حابِسٍ يا أقرَعُ ... إنّك إن يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ
стр. 2048
والمعنى: "إنك تصرعُ إن يصرعْ أخوك"، أو على تقدير الفاء. ومثله قول الآخر [من الطويل]:
١١٧٤ - فقلتُ تَحَمَّلْ فَوْق طَوْقِك إِنهّا ... مُطَبَّعَةٌ مَن يَأتِها لا يَضِيرُها
فرفع على إرادة التقديم أو إرادة الفاء، فاعرفه.
стр. 2049
فصل [مواضع فاء الجزاء]
قال صاحب الكتاب: وإن كان الجزاء أمراً، أو نهياً، أو ماضياً صريحاً، أو مبتدأ وخبراً، فلا بد من الفاء كقولك: "إن أتاك زيدٌ فأكرمه"، و"إن ضربك, فلا تضربه"، و"إن أكرمتني اليوم, فقد أكرمتك أمس"، و"إن جئتني, فأنت مكرمٌ", وقد تجيء الفاء محذوفة في الشذوذ, كقوله [من البسيط]:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... [والشر بالشر عند الله مثلان] (١)
ويقام "إذا" مقام الفاء. قال الله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٢).
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أن الشرط والجزاء لا يصحّان إلَّا بالأفعال، أمّا الشرط فلأنّه علّةٌ وسببٌ لوجود الثاني. والأسبابُ لا تكون بالجوامد، إنما تكون بالأعراض والأفعال. وأمّا الجزاءُ، فأصلُه أن يكون بالفعل أيضًا؛ لأنه شيءٌ موقوفٌ دخولُه في الوجود على دخول شرطه. والأفعالُ هي التي تحدُث وتنقضي، ويتوقف وجودُ بعضها على وجود بعض، لا سيّما والفعلُ مجزومٌ؛ لأن المجزوم لا يكون إلَّا مرتبطًا بما قبله، ولا يصحّ الابتداءُ به من غير تقدُّم حرف الجزم عليه.
وأمّا إذا كان الجزاء بشيء يصلح الابتداءُ به، كالأمر والنهي والابتداء والخبرِ، فكأنّه لا يرتبط بما قبله. وربمّا آذن بأنّه كلام مستأنَف غير جزاء لما قبله، فإنّه حينئذ يفتقر إلى ما يربطه بما قبله، فأتوا بالفاء؛ لأنها تفيد الاتّباعَ، وتُؤذِن بأنّ ما بعدها مسبَّبَ عمّا قبلها، إذ ليس في حروف العطف حرفٌ يوجَد فيه هذا المعنى سوى الفاء، فلذلك خصّوها من بين حروف العطف، ولم يقولوا: "إنْ تُحْسِنْ إليّ واللهُ يجازيك"، ولا "ثُمَّ الله يجازيك".
فمن ذلك قولك: "إن أتاك زيدٌ فأكْرِمْه". ألا ترى أنّه لولا الفاءُ، لم يُعْلَم أنّ الإكرام متحقِّقٌ بالإتيان، وكذلك "إن ضربك عمرو فلا تضربْه"، فالأمرُ هنا والنهيُ ليسا على ما يُعْهَد في الكلام وجودُهما مبتدَأيْن غيرَ معقودَيْن بما قبلهما. ومن أجل ذلك احتاجوا إلى الفاء في جواب الشرط مع المبتدأ والخبر, لأنّ المبتدأ ممّا يجوز أن يقع أوّلا غير مرتبط بما قبله. وذلك نحوُ قولك: "إن جئتَني فأنت مُكْرَمٌ"، و"إن تُحْسِن إليّ فاللهُ يُجازيك"، فموضعُ الفاء وما دخلتْ عليه جزمٌ على جواب الشرط. يدل على ذلك قوله تعالى في قراءةِ نافع: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ (٣) بالجزم.
стр. 2050
وكذلك لو وقع في الجزاء فعلٌ ماضٍ صحيحٌ، لم يصحّ إلَّا بالفاء. ومعنى قولنا: "ماضٍ صحيحٌ" أن يكون ماضيًا لفظًا ومعنًى، نحوَ قولك: "إن أكرمتَني اليومَ فقد أكرمتُك أمسِ"؛ لأن الجزاء لا يكون إلَّا بالمستقبل، وإذا وقع ماضيًا، كان على تقدير خبرِ المبتدأ، أي: فأنا قد أكرمتُك أمس.
وربمّا حُذفت الفاء من المبتدأ إذا وقع جزاءً، وهي مرادةٌ. قال الشاعر [من البسيط]:
من يفعلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشكُرُها ... والشَّرُّ بالشرّ عند الله مِثْلانِ
هكذا أنشده سيبويه، وقد أنشده غيرُه من الأصحاب [من البسيط]:
من يفعل الخيرَ فالرحمنُ يشكرُه
ولا يكون فيه ضرورةٌ على هذه الرواية.
وقد أقاموا "إذا" التي للمفأجاة في جواب الشرط، وهي ظرفُ مكان عن الفعل. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (١)، كأنّه قال: "فهم يقنطون"، والأصلُ: "يقنطوا". وإنما ساغت المجازاةُ بـ "إذا" هذه؛ لأنه لا بصحّ الابتداءُ بها، ولا تكون إلَّا مبنية على كلام، نحوَ: "خرجتُ فإذا زيدٌ" فـ "زيدٌ" مبتدأ، و"إذا" خبرٌ مقدَّمٌ، والتقديرُ: فحَضَرَني زيدٌ.
فإن قيل: فما هذه الفاءُ في قولك: "خرجتُ فإذا زيدٌ؟ " قيل: قد اختلف العلماء فيها، فذهب الزياديّ إلى أن دخولها هنا على حدّ دخولها في جواب الشرط. وذهب أبو عثمان إلى أنها زائدةٌ، إلَّا أنها زيادة لازمة على حد زيادةِ "ما" في قولهم: "افعل ذلك آثِرًا مّا". وذهب أبو بكر إلى أنها عاطفةٌ، كأنّه حمل ذلك على المعنى؛ لأنّ المعنى: خرجتُ فقد جاءني زيدٌ، وأنت إذا قلت ذلك، كانت الفاء عاطفة لا محالةَ، كذلك ما كان في معناه. وهو أقربُ الأقوال إلى السَّداد؛ لأن العمل على المعنى كثيرٌ في كلامهم.
فأمّا قول الزياديّ فضعيفٌ؛ لأنه لا معنى للشرط هنا، ولو كان فيه معنى الشرط، لأغنت "إذا" في الجواب عن الفاء، كما أغنت في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٢). وقول أبي عثمان لا ينفكّ من نوع ضُعّف أيضًا؛ لأن الفاء لو كانت زائدة، لجاز "خرجتُ إذا زيدٌ"؛ لأنّ الزائد حكمُه أنَ يجوز طرحُه، ولا يختل الكلامُ بذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، لما كانت زائدة، جاز أن تقول في الكلام لا في القرآن:
стр. 2051
"فبرحمةٍ". وكذلك "عَمَّا قَلِيلٍ" يجوز في الكلام: "عن قليلٍ". وأمّا لزوم الزيادة، فعلى خلاف الدليل، فلا يُحْمَل عليه ما وُجد عنه مندوحةٌ، فاعرفه.
فصل [استعمال "إنْ "]
قال صاحب الكتاب: ولا تُستعمل "إن" إلا في المعاني المحتملة المشكوك في كونها, ولذلك قبح "إن احمر البسر كان كذا"، و"إن طلعت الشمس آتك" إلا في اليوم المغيم, وتقول: "إن مات فلان كان كذا"، وإن كان موته لا شُبهة فيه إلا أن وقته غير معلوم, فهو الذي حسّن فيه.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ "إنّ" في الجزاء مبهمةٌ لا تُستعمل إلَّا فيما كان مشكوكًا في وجوده، ولذلك كان بالأفعال المستقبلة؛ لأنّ الأفعال المستقبلة قد توجَد، وقد لا توجَد، ولذلك لا تقع المجازاةُ بـ "إِذا" وإن كانت للاستقبال؛ لأنّ الذاكر لها كالمعترف بوجود ذلك الأمر، كقولك: "إذا طلعت الشمسُ فأتِني".
ولو قلت: "إن طلعت الشمس فأتني"، لم يحسن إلَّا في اليوم المُغيم الذي يجوز أن ينقشع الغَيمُ فيه، وتطلع الشمسُ، ويجوز أن يتأخّر، فقولُك: "إذا طلعت" فيه اعترافٌ بأنّها ستطلع لا محالةَ.
وحَقُّ ما يجازى به أن لا تدري أيكون أم لا يكون، فعلى هذا تقول: "إذا أحمرّ البُسْرُ فأتني"، وقبُح "إن احمرّ البسر"؛ لأن احمرار البسر كائنٌ.
وتقول: "إذا أقام الله القيامةَ عذّب الكفّارَ". ولا يحسن "إنْ أقام الله القيامة"؛ لأنّه يجعل ما أخبر الله تعالى بوجوده مشكوكًا فيه.
وربما استُعملت "إنْ" في مواضعِ "إذا"، و"إذا" في مواضعِ "إنْ"، ولا يبيّن الفرقُ بينهما
لِما بينهما من الشرْكة، وتقول من ذلك: "إن متُّ فافضوا دَيْنِي"، وإن كان موته كائنًا لا
محالةَ، فهو من مواضع "إذا"، إلَّا أن زمانه لمّا لم يكن متعينًا، جاز استعمالُ "إنْ" فيه. قال
الله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (١). وقال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
١١٧٥ - كم شامِتٍ بي إن هلكتُ .... وقائل لله دَرُّه
стр. 2052
فهذه من مواضعِ "إذا"؛ لأن الموت والهلاك حتمٌ على كل حَيّ، فأمّا قول الآخر [من الطويل]:
١١٧٦ - إذا أنْتَ لَم تَنزعْ عن الجَهْل والخَنَا .... أصَبْتَ حَليمًا أو أصابَك جاهِلُ
فهو من مواضعِ "إن"؛ لأنّه يجوز أن ينزع عن ذلك، وأن لا ينزع، إلَّا أنّ بعضهما أحسن من بعض، فقولنا: "إن مات زيدٌ كان كذا" أحسنُ من قولنا: "إن احمرّ البسرُ"؛ لأن موت زيد مجهولُ الوقت، واحمرار البسر له وقتٌ معلومٌ، فاعرفه.
стр. 2053
فصل [زيادة "ما" بعد "إنْ "]
قال صاحب الكتاب: وتجيء مع زيادة "ما" في آخرها للتأكيد. قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ (١) , وقال [من الطويل]:
فإمّا تريني أزجي ظعينتي ... [أُصعِّدُ سيرًا في البلاد وأفرع] (٢)
* * *
قال الشارح: قد تزاد "ما" مع "إن" الشرطيّة مؤكدةً، نحوَ قولك: "إمّا تأتني آتِك" والأصلُ: "إن تأتني آتِك". زيدت "ما" على "إنْ" لتأكيدِ معنى الجزاء. ويدخل معها نونُ التوكيد، وإن لم يكن الشرط من مواضعها؛ لأنّ موضعها الأمرُ والنهيُ وما أشبههما ممّا كان غير موجب، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ (٤)، وقال. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ (٥).
والعلّةُ في دخولها أنها لمّا لحقت أوَّلَ الفعل بعد "إنْ"، أشبهت اللامَ في "واللهِ لَيَفعَلَنَّ"، فجامعتْها نونا التأكيد، كما تكون مع اللام في "ليفعلنّ". وجهةُ التشبيه بينهما أنّ "ما" هنا حرفٌ تأكيد، كما أن اللام مؤكّدةٌ، والفعلُ واقعٌ بعدها كما يقع بعد اللام، والكلامُ غيرُ واجب كما هو كذلك في الأمر والنهي. فلمّا شابهت اللامَ في ذلك، لزمت الفعلَ بعدها النونُ في الشرط، كما لزمت اللامَ في "ليفعلنّ"، وصار الشرط في مواضع النون بعد أن لم يكن موضعًا لها. وقد جاءت أخبارٌ مُثْبَتةٌ قد لزمها النونِ لدخول هذا الحرف أعني "ما" المؤكدةَ في أوائلهنّ، وذلك قولهم: "بعَيْنٍ مّا أرَيَنَّكَ" (٦)، و [من الطويل]:
ومِن عِضَةٍ مَا يَنْبُتَنَّ شَكِيرُها (٧)
وإذا لزمت النون هذه الأخبارَ الصريحةَ لوجود هذا الحرف، فدخولُها مع فعل الشرط أوْلى لِما ذكرنا. وقد يجوز أن لا تأتى بهذه النون مع فعل الشرط. وذلك نحوُ قولك: "إمّا تأتني آتِك". قال الشاعر، أنشده أبْو زيد [من الكامل]:
١١٧٧ - زعمتْ تماضِرُ أنَّني إما أمُت ... يَسْدُدْ أُبَينُوها الأصاغِرُ خَلّتي
стр. 2054
وقال الآخر، أنشده سيبويه [من المتقارب]:
فإمَّا تَرَيني وَلِي لِمَّةٌ .... فإن الحوادثَ أوْدَى بها (١)
وقال رُؤْبَة [من الرجز]:
١١٧٨ - إمّا تَرَينِي اليومَ أُمَّ حَمْزِ ... قارَبْتُ بَينَ عَنَقِي وجَمْزِي
стр. 2055
وذلك أن هذه النون لم تدخل فارقةً بين معنيَيْن، وإنما دخلت لضرب من الاستحسان، وهو الحمل على "لَيَفعَلَنَّ"؛ لشَبَهٍ بينهما. وقد جاز سقوطُ النون مِن "ليفعلنّ" على ما حكاه سيبويه وإذا لم تلزم مع "ليفعلنّ" مع أنّ النون فيه تفرق بين معنيَيْن، فأنْ لا تلزم "إمَّا يفعلنّ" بطريق الأوْلى، إذ النونُ فيه لا تفرق بين معنيين. قال الشاعر [من الطويل]:
فإمّا تَرَيني اليومَ أُزْجِي ظَعِينَتي ... أُصَعّدُ سَيرًا في البلاد وأُفْرع (١)
البيت لعبد الله (٢) بن هَمّام السَّلوليّ، أنشده الزمخشريّ شاهدًا على المجازاة بـ "إمَّا" وحذفِ نون التأكيد من شرطها. ورواه سيبويه (٣):
إذما ترينى اليوم أزجي ظعينتي
وبعده:
فإنِّىَ مِن قَوْمٍ سِواكم وإنمّا .... رِجالِيَ فَهْمٌ بالحِجاز وأشجَعُ
قال (٤): سمعناهما ممن يرويهما عن العرب هكذا "إذْما" والمعنى "إمّا". ولا شاهد فيه على هذه الرواية. وإنما سيبويه أنشده شاهدًا على صحة المجازاة بـ "إذْمَا" وخروجِها إلى معنى "إمَّا". والمُزْجِي فاعلٌ من "أُزْجيه" إذا سقته برِفْقٍ، والظعينةُ: المرأةُ في الهَوْدَج، والمُفرعُ ها هنا: المُنْحَدِر، وهو من الأضْداد، وانتمى في النَّسَب إلى فَهْمٍ وأشجعَ، وهو من سَلول بن عامر؛ لأنهم كلهم من قيسِ عَيْلانَ بن مُضَرَ، فاعرفه.
فصل [تصدّر الشرط]
قال صاحب الكتاب: والشرط كالاستفهام في أن شيئاً مما في حيزه لا يتقدمه, ونحو قولك: "آتيك إن تأتني"، و"قد سألتك لو أعطيتني" ليس ما تقدم فيه جزاء مقدماً، ولكن كلاماً وارداً على سبيل الإخبار, والجزاء محذوفٌ, وحذف جواب "لو" كثيرٌ في القرآن والشعر.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إِنّ الشرط كالاستفهام له صدر الكلام، ولذلك لا يعمل في أسماء الشرط شيءٌ ممّا قبله، ولا يتقدّم عليه ما كان في حيّزه إلَّا أن يكون
стр. 2056
العاملُ خافضًا، فإنّه يجوز تقديمُه على المجرور إذا كان في صلةِ ما بعده أو مبتدأ، نحوَ قولك: "بمن تَمْرُرْ أمْرُرْ"، و"على من تَتزِلْ أنْزِل". فالباءُ وما اتصلتْ به من قولك: "بمن تمرر" لمحي موصْعِ نصب بالفعل الذي هو "تمرر" وكذلك "على" وما بعده من المجرور في موضع نصب بفعل الشرط.
وإنّما ساغ تقديمُه هنا لأن الجاز يتنزّل منزلةَ الجزء ممّا يعمل فيه، ولذلك يُحْكم على موضعهما بالنصب مع أنّ الضرورة قادت إلى ذلك؛ لعدم جواز الفصل بين الخافض ومخفوضه. ولا يتقدّم الجزاءُ على أداته، فلا تقول: "آتِك إن أتيتَنى"، و"أُحْسِنْ إليك إن أكرمتَني" بالجزم على الجواب؛ لأن الجزاء لا يتقدّم على ما ذكرناه، فإن رفعتَ، وقلتَ: "آتيك إن أتيتَنى"، و"أًحْسِنُ إليك إن أكرمتَنى"، جاز. ومثلُه: "أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدارَ"، و"أنا ظالمٌ إن فعلتُ"، ولم يكن ما تقدّم جوابًا، وإنمّا هو كلام مستقل عُقّب بالشرط، والاعتمادُ على المبتدأ والخبر، ثُمّ عُلّق بالشرط كما يُعلَّق بالظرف في نحوِ: "آتيك يومَ الجمعة"، و"أنتِ طالق يومَ السبْت"، والجوابُ محذوف. وليس ما تقدّم بجواب، ألا ترى أنّ الجواب إذا كان فعلاً كان مجزومًا، وإن كان جملة اسمية لزمته الفاءُ، وكان يجب أن يُقال: "فأنت طالق إن دخلت الدار" كما تقوله إذا تأخّر؟ وهذا معنى قوله: "وليس ما تقدّم فيه جزاء مقدّمًا، ولكن كلامًا واردًا على سبيل الإخبار والجزاء محذوف".
واعلم أنّه لا يحسن أن تقول: "آتيك إن تأتني"؛ لأنك جزمت بـ "إن". وإذا أعملتها، لم يكن بدٌّ من الجواب، ولم تأتِ بجواب، ولو قلت. "أتيتك إن أتيتني"، جاز؛ لأن حرف الشرط لم يجزم فساغ أن لا تأتي بجواب. وقد كثُر حذف المبتدأ بعد الفاء في جواب الشرط، نحوُ قولك: "إن تأتني فمُكرَمٌ، وإن تعرضْ فكريمٌ". وذلك لأنه قد جرى ذكره مع الشرط، فاستُغني بذلك عن إعادته.
وقد يحذف جوابُ "لَوْ" أيضًا كثيرًا، وقد جاء ذلك في القرآن والشعر. فالقرآن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (١) فلم يأتِ لـ"لو" بجواب، فلم يقل: "لكان هذا القرآنَ". وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ (٢)، والجواب محذوفٌ تقديره: "لَرأيتَ سُوءَ مُنْقَلَبِهم". وقال الشاعر [من الطويل]:
١١٧٩ - وَجَدّكَ لو شيءٌ أتانا رَسولُه ... سِواكَ ولكِنْ لم نَجِدْ لك مَدْفَعا
والمراد: "لرأين ما يُسخنهن وما يُسخِّنُ أعينَهنّ". ومن ذلك "لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتنِي" (١) لم يأتِ بجوابٍ، والمراد: "لانْتصفتُ". وذلك كلُّه للعلم بموضعه. وقال أصحابُنا: إنّ حذف الجوابَ في هذه الأشياء أبلغُ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنّك إذا قلت لعبدك: "واللهِ لَئِنْ قمتُ إليك" وسكت عن الجواب، ذهب فِكرُه إلى أشياءَ من أنواع المكروه، فلم يدر أيها يبقى، ولو قلت: "لأضرِبَنَّك" فأتيتَ بالجواب، لم تُبْقِ شيئًا غيرَ الضرب. ومنه قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (٢)، ولم يعيِّن العقوبةَ، بل أبْهَمَهَا؛ لأن إبهامها أوقعُ في النفس، فاعرفه.
فصل [وجوب أن يلي الفعل "لو" و"إنْ "]
قال صاحب الكتاب: ولا بد من أن يليهما الفعل, ونحو قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ (٣) , و ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٤) على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر. ولذلك لم يجز: "لو زيد ذاهب"، ولا "إن عمرو خارج". ولطلبهما الفعل, وجب في "أن" الواقعة بعد "لو" أن يكون خبرها فعلاً, كقولك: "لو أن زيداً جاءني لأكرمته", وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ (٥). ولو قلت: "لو أن زيداً حاضري لأكرمته", لم يجز.
* * *
стр. 2059
قال الشارح: قد تقدّم القول: إن الشرط لا يكون إلَّا بالأفعال؛ لأنّك تُعلّق وجودَ غيرها على وجودها، والأسماءُ ثابتةٌ موجودةٌ ولا يصح تعليقُ وجودِ شيء على وجودها. ولذلك لا يلي حرفَ الشرط إلَّا الفعلُ، ويقبح أن يتقدّم الاسم فيه على الفعل، ويُفصَل بينهما بالاسم؛ لكَوْنها جازمةَ للفعلُ، والجازمُ يقبح أن يفصل بينه وبين ما عمل فيه، فلا يجوز "لم زيدٌ يأتك" على معنى "لم يأتِك زيد". وكذلك بقيّةُ الجوازم لا يفصل بينهما بشيء كالظرف ونحوِه، لأنّ الجازم في الأفعال نظيرُ الجارّ في الأسماء، كما لا يفصل بين الجارّ والمجرور بشيء إلَّا في الشعر، كذلك الجازمُ.
فأمّا "إنْ" خاصة، فلقُوّتها في بابها وعدم خروجها عن الشرط إلى غيره، تَوسّعوا فيها، فأجازوا فيها الفصل بالاسم، ولم يكنَ ذلك بأبعدَ من حذف فعل الشرط في قولهم: "المرءُ مقتولٌ بما قَتَلَ به إن خَنْجَرٌ فخنجزٌ". فإن كان بعدها فعلٌ ماضٍ في اللفظ لا تأثيرَ لها فيه، فالفصلُ حسنٌ، وجاز في الكلام وحالِ السَّعَة والاختيارِ، وشُبّهت بما ليس بعامل من الحروف نحوِ همزة الاستفهام.
وإن كان بعدها فعل مضارع مجزومٌ، قبُح تقدمُ الاسم إلَّا في الشعر؛ لأنّها قد جرت بعد الإعمال وظهوره مجرى "لَمْ"، و"لَمَّا" ونحوِهما من الجوازم. فكما لا تقول: "لم زيد يَقُم"، و"لم زيدًا أضرِبْ"، إلَّا في ضرورة الشعر، كذلك لا تقول: "إن زيدٌ يقمْ أقم" إلَّا في ضرورة الشعر. فعلى هذا تقول إذا وليها الفعلُ الماضي: "إن زيدٌ ركب ركبتُ". ومن كلامهم "إن الله أمكنني من فلان فعلتُ". وقال : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (٢)، وقال الشاعر [من البسيط]:
١١٨٢ - عاوِدْ هَراةَ وإنْ معمورُها خَرِبَا ... [وَأَسعدِ اليومَ مَشغُوفًا إِذا طَرِبا]
стр. 2060
هراة: اسمُ موضع. وارتفاعُ الاسم بعد "إنْ" هنا عند أصحابنا (١) على أنّه فاعلُ فعل محذوف، فسّره هذا الظاهرُ، وتقديرُه: "إن استجارك أحد من المشركين استجارك"، وكذلك نظائرُه. لا يجيز البصريون إلَّا ذلك وموضع هذا الفعل الظاهر جزمٌ؛ لأنه مفسَّرٌ بمجزوم، فكان مثلَه. والذي يدلّ على أن موضع هذا الفعل الماضي جزمٌ أنّ الشاعر لمّا جعله مستقبلًا جزمه. من ذلك قوله [من الخفيف]:
١١٨٣ - فَمَتى واغلٌ يَنُبْهم يُحَيوه ... وتُعْطَف عليه كَأسُ الساقي
стр. 2061
وقال الآخر [من الرمل]:
١١٨٤ - صَعْدَة نابِتَةٌ في حائِرٍ ... أيْنَما الرِّيحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ
فظهورُ الجزم في الفعل المضارع بعد الاسم يدل أن الفعل الماضي إذا وقع بعدها الاسمُ، فموقعه مجزومٌ. وذهب الفرّاء من الكوفيين إلى أنّ الاسم من نحوِ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ و ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ مرتفعٌ بالضمير الذي يعود إليه من "هلك"، و"استجارك"، كما يكون في قولك: "زيدٌ استجارك".
وأمّا "لَوْ" فإذا وقع بعدها الاسم وبعده الفعلُ، فالاسمُ محمولٌ على فعلِ قبله مضمر يفسّره الظاهرُ، وذلك لاقتضائها الفعلَ دون الاسم، كما كان في "إنْ" كذلك. وهذا محقَّق لها شَبَهًا بأداة الشرط، فحكمُها في هذا حكمُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (١)، و ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٢). قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ (٣)، فقولُه: "أنتم" فاعلُ فعل دلّ عليه "تملكون" هذا الظاهرُ، والتقديرُ: "لو تملكون خزائن تملكون". وكان هذا
стр. 2062
الضمير متصلًا، فلمّا حُذف الفعل، فُصل الضمير منه، وأُتي بالمنفصل الذي هو "أنتم"، وأجري مُجْرَى الظاهر.
ومن كلامِ حاتم "لو ذاتُ سِوارٍ لطمَتني" على تقديرِ: "لو لطمتني ذات سوار لطمتني". ولاقتضاءِ "لَو" الفعل إذا وقع بعدها "أنَّ" المشدَّدةُ، لم يكن بدّ من فعل في خبرها، نحوِ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (١)، ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ (٢). وذلك أن الخبر محل الفائدة، و"أنَّ" إنما أفادت تأكيدًا، ومعتمَدُ الامتناع إنّما هو خبرُ "أنَّ"، فلذلك وجب أن يكون فعلاً محضًا قضاءً لحقِّ "لَوْ" في اقتضائها الفعلَ، ولو قلت: "لو أن زيدًا حاضري"، أو نحوَ ذلك من الأسماء، لم يجز، كما أنّك لو قلت: "لو زيدٌ حاضرٌ" أو نحو ذلك، لم يجز، فاعرفه.
فصل [مجيء "لو" للتمني]
قال صاحب الكتاب: وقد تجيء "لو" في معنى التمني, كقولك: "لو تأتيني فتحدثني"، كما تقول: "ليتك تأتيني" ويجوز في "فتحدثني" النصب والرفع. قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٣) , وفي بعض المصاحف "فيدهنوا" (٤).
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أنّ "لو" قد تُستعمل بمعنى "أَنْ" للاستقبال، فحصل فيها معنى التمنّي؛ لأنه طلبٌ، فلا تفتقر إلى جواب، وذلك نحوُ:"لو أعطاني ووَهَبَني". والتمنيّ نوعٌ من الطلب، والفرقُ بينه وبين الطلب أنّ الطلب يتعلق باللسان والتمنّي شيءٌ يهجِس في القلب، يقدّره المتمني، فعلى هذا تقول: "لو تأتيني فتُحدثُني" بالرفع والنصب، فالرفع على الاستئناف، والنصبُ على تخيُّل معنى التمنّي، كما تقول: "لَيْتَك تأتيني فتحدّثَني". وعليه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٥). وحكى سيبويه (٦) إنها في بعض المصاحف: "فيُذهِنوا" بالنصب. وتقدّم الكلام على ذلك مُشبَعًا في نواصب الأفعال المستقبلة، فاعرفه.
فصل [تضمن "أما" معني الشرط]
قال صاحب الكتاب: و"أما" فيها معنى الشرط, قال سيبويه (٧): إذا قلت: "أما زيدٌ
стр. 2063
فمنطلقٌ", فكأنك قلت: "مهما يكن من شيء فزيدٌ منطلقٌ"، ألا يرى أن الفاء لازمة لها؟
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول في "أمَّا" المفتوحةِ الهمزة أنّها للتفصيل، وإذا ادّعى مُدَّعٍ أشياءَ في شخصٍ، نحوَ أن يُقال: "زيدٌ عالمٌ شجاعٌ كريمٌ"، وأردتَ تفصيلَ ما ادّعاه؛ فإنّك تقول في جوابه: "أمّا عالمٌ شجاعٌ فمُسلَّمٌ، وأمّا كريمٌ ففيه نَظَرٌ".
وفيها معنى الشرط، يدل على ذلك دخولُ الفاء في جوابها. وذلك أنّك إذا قلت: "أمّا زيدٌ فمنطلقٌ"، معناه: مهما يكن من شيء فزيدٌ منطلقٌ، وأصلُ هذه الفاء أن تدخل على مبتدأ، كما تكون في الجزاء كذلك من نحو قولك: "إن تُحْسِنْ إليّ فالله يجازيك". وإنمّا أُخرت إلى الخبر مع "أمَّا" لضرب من إصلاح اللفظ. وذلك أن "أمّا" فيها معنى الشرط، وأداةُ الشرط يقع بعدها فعلُ الشرط، ثُمّ الجزاءُ بعده، فلمّا حُذف فعل الشرط هنا وأداته، وتضمّنت "أمّا" معناهما، كرهوا أن يليها الجزاءُ من غيرِ واسطة بينهما، فقدّموا أحد جُزئي الجواب، وجعلوه كالعوض من فعل الشرط.
ووجهٌ ثان وهو أن الفاء، وإن كانت هنا مُتْبِعة عْيرَ عاطفة، فإنّ أصلها العطفُ ألا ترى أن العاطفة لا تنفكُ من معنى الإتباع، نحو: "جاءني زيدٌ فمحمّدٌ"، و"رأيت زيدًا فصالحًا".
ومن عادة هذه الفاء - مُتْبعةٌ كانت أو عاطفة - أن لا تقع مبتدأةً في أوّل الكلام، وأنّه لا بدّ أن يقع قبلها اسمٌ أو فعلٌ، فلو قالوا: "أمّا فزيدٌ منطلقٌ"، كما يقولون: "مهما وقع من شيء فزيدٌ منطلقٌ"، لَوقعت الفاء أوّلاً مبتدأة، وليس قبلها اسمٌ ولا فعلٌ، إنّما قبلها حرفٌ، وهو "أمَّا" فقدّموا أحد الاسمين بعد الفاء مع "أمَّا" لِما حاوَلوه من إصلاح اللفظ، لِيقع قبلها اسمٌ في اللفظ، فيكون الاسم الثاني الذي بعده، وهو خبرُ المبتدأ، تابعًا للاسم قبله، وإن لم يكن معطوفًا عليه. فعلى هذا أجازوا: "أمّا زيدًا فأنا ضاربٌ"، فنصبوا زيدًا بـ "ضاربٌ"، وإن كان ما بعد الفاء ليس من شأنه أن يعمل فيما قبله، لكنّه جاز هنا من حيث كانت الفاء في نية التقديم على جميعِ ما قبلها.
وغالَى أبو العبّاس فأجاز "أمّا زيدًا فإنّي ضاربٌ"، على أن يكون "زيدًا" منصوبًا بـ "ضارب". وفيه بُعْدٌ؛ لأن "إنَّ" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
ربما حذفوا الفاء من جواب "أمّا" كما يحذفونها من جواب الشرط المحض، وهو من قبيل الضرورة. قال الشاعر، أَنشده سيبويه [من الطويل]:
فأمّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيكُمُو ... ولكِن سَيرًا في عِراض المَواكِبِ (١)
стр. 2064
أراد: "فلا قتالَ"، فحذف الفاءَ ضرورةَ. ومثله قول الآخر [من الطويل]:
فأمّا صُدورٌ لا صدورَ لجَعْفَر ... ولكِن أعْجازًا شديدًا ضَرِيرُها (١)
أراد: "فلا صدور لجعفر"، فاعرفه.
فصل ["إذَنْ "]
قال صاحب الكتاب: و"إذن" جواب وجزاء, يقول الرجل: "أنا آتيك"، فتقول: "إذن أكرمك". فهذا الكلام قد أجبته به, وصيرت إكرامك جزاء له على إتيانه. وقال الزجاج: تأويلها: "إن كان الأمر كما ذكرت, فإني أكرمك". وإنما تعمل "إذن" في فعل مستقبل غير معتمد على شيء قبلها, كقولك لمن يقول لك: "أنا أكرمك": "إذن أجيئك". فإن حدث فقلت: "إذن أخالك كاذباً", ألغيتها؛ لأن الفعل للحال. وكذلك إن اعتمدت بها على مبتدأ أو شرط أو قسم فقلت: "أنا إذن أكرمك"، و"إن تأتني إذن آتك"، و"والله إذن لا أفعل". وقال كثيرٌ: [من الطويل]
١١٨٥ - لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أُقيلُها
стр. 2065
وإذا وقعت بين الفاء والواو وبين الفعل, ففيها الوجهان. قال الله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ﴾ (١) , وقريء: ﴿لا يلبثوا﴾ (٢). وفي قولك: "إن تأتني آتك وإذن أكرمك" ثلاثة أوجه: الجزم والرفع والنصب.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "إذًا" من نواصب الأفعال المستقبلة، ومعناها الجوابُ والجزاءُ، يجورْ أن يقول: القائلُ "أنا آتيك"، فتقول في جوابه: "إذًا أُكْرِمَك". فقولك: "إذًا أُكرمك" جوابٌ لقوله، وجزاءٌ لفعل الإتيان. ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعشَرٌ خُشُنٌ ... عند الحَفِيظَة إنْ ذو لُوثَةٍ لَانا (٣)
فـ "إذًا" جواب لقوله: "كنْتُ مِن مازنٍ" على سبيل البدل من قوله: "لم تسْتَبِحْ إبِلِي"، وجزاءٌ على فعل المستبيح. فأمّا إعمالها، فله شروطٌ أربعةٌ: أن تكون جوابًا، أو في تقدير الجواب، وأن تقع أوّلًا لا يعتمد ما بعدها على ما قبلها، وأن لا يُفْصَل بينها وبين معمولها بغير القَسَم، وأن يكون الفعل بعدها مستقبلاً. وقد ذُكر ذلك في عوامل نصب الأفعال بما أغنى عن إعادته هنا، فاعرفه.
стр. 2066
ومن أصناف الحرف حرفُ التعليل
فصل [كَيْ]
قال صاحب الكتاب: وهو "كي". يقول القائل: "قصدت فلاناً"، فتقول له: "كيمه"؟ فيقول: "كي يحسن إليّ". و"كيمه" مثل "فيمه" و"عمَّه" و"لمه". دخل حرفُ الجرّ على "ما" الاستفهامية محذوفاً ألفها, ولحقت هاء السكت. واختلف في إعرابها، فهي عند البصريين مجرورةٌ، وعند الكوفيين منصوبة بفعل مضمر (١)، كأنك قلت: "كي تفعل ماذا". وما أرى هذا القول بعيداً من الصواب.
* * *
قال الشارح: أمّا "كَيْ" فحرفٌ معناه العِلّة، والغرضُ من ذلك أنّك إذا قلت: "قصدتُك كي تثيبَني"، فُهم من ذلك أنّ الغرض إنّما هو الثواب، وهو علّةٌ لوجوده. وهي على ضربين: تكون حرفَ جرّ بمعنى اللام، وناصبةً للفعل بمعنى "أن". وذلك أنّ من العرب من يقول: "كَيمَهْ"، فيُدْخِل "كَيْ" على"ما" الاستفهاميّة، ويحذف ألفَها تخفيفًا، وفرقًا بينها وبين الخبريّة، ثم يُدْخِل عليها هاء السكت لبيان الحركة. فلو كانت "كَي"هنا غيرَ حرف جرّ، لم تدخل على "ما" الاستفهامية؛ لأن عوامل الأفعال لا تدخل على الأسماء. ويدلّ على أن "ما" ها هنا استفهام حذفُ ألفها، ولا تُحْذَف ألفُ "ما" إلَّا إذا كانت استفهامًا عند دخول حرف الجرّ عليها، نحوَ قوله: "لِمَة"، و"بِمَهْ"، و"عَمَّهْ".
وإذا كانت حرف جرّ، فالفعلُ بعدها ينتصب بإضمارِ "أنْ"، كما يكون كذلك مع اللام في نحو قولك: "قصدتُك لتُكرِمَني"، والمراد: لأنْ تكرمَني. والذي يدلّ على ذلك أن الشاعر قد أظهر"أن" لمّا اضُطّر إلى ذلك. قال جَمِيل [من الطويل]:
١١٨٦ - فقالت أكُلَّ الناس أصبحتَ مانِحًا ... لِسانَك كَيمَا أنْ تَغُرَّ وتَخدَعا
стр. 2067
ويروى:
لسانَك هذا كي تغرّ وتخدعا
فـ "ما" على الرواية الأوُلى زائدةٌ، ولا شاهدَ فيه حينئذ. فـ "ما" من "كَيمَة" عند البصريين مجرورة، كما يكون ذلك في "عَمّه"، و"لِمَه"؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلَّا أن يكون حرف جرّ، والجارّ والمجرورُ في موضعِ منصوب بالفعل بعده.
والكوفيون يقولون: إن "كَي" من نواصب الأفعال، وليست حرف جر. ويقولون: "مَه" من "كَيمه" في موضع نصب بفعل محذوف نصبَ المصدر، وتقديره: كي تفعل ماذا. وفيه بُعْدٌ, لأن "ما" لَو كانت منصوبة، لكانت موصولة، ولو كانت موصولة، لم تُحذف ألفها؛ لأنّ ألف الموصولة لا تحذف إلَّا في موضع واحد، وهو قولهم: "ادعُ بمَ شئتَ"، أي: بالذي شئتَ، فحذفُ الألف يدلّ أنها ليست موصولة.
وقوله: "وما أرى هذا القولَ بعيدًا من الصواب" بعيد من الصواب. ومنهم من يجعل "كَي" ناصبة بنفسها بمنزلةِ "أنْ"، فاعرفه.
стр. 2068
فصل [انتصاب الفعل بعد "كي "]
قال صاحب الكتاب: وانتصاب الفعل بعد "كي" إما أن يكون بها نفسها, أو بإضمار "أن". وإذا دخلت اللام, فقلت: "لكي تفعل", فهي العاملة, كأنك قلت: "لأن تفعل".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا إنّ "كَيْ" تكون حرف جرّ، فتكون ناصبة للفعل بمعنى "أنْ". فعلى المذهب الأوّل، إذا انتصب الفعلُ بعدها، كان بإضمارِ "أنْ" على ما ذكرناه. وعلى المذهب الثاني الفعل ينتصب بها نفسها، ويجوز دخولُ اللام عليها، كما تدخل على "أنْ"، نحوَ: "جئتُ كي تقومَ، ولِكَي تقومَ"، كما تقول. "لأن تقومَ". وإذا دخلت عليها اللامُ، لم تكن إلَّا الناصبة بنفسها؛ لأن اللام حرف جرّ، وحرفُ الجرّ لا يدخل على مثله، فأما قوله [من الوافر]:
فلا واللهِ لا يُلْفى لِما بي ... ولا لِلْما بهم أبَدًا دَوَاءُ (١)
فشاذ قليل لا يُعتدّ به.
فصل [مجيء "أن" مُظهرة بعد "كي "]
قال صاحب الكتاب: وقد جاءت "كي" مظهرة بعدها "أن" في قول جميل [من الطويل]:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحاً ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا (٢)
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أنّ "كَيْ" تكون ناصبة للفعل بنفسها بمعنى "أنْ"، وتكون حرفَ جرّ بمعنى اللام. وينتصب الفعل بعدها بإضمارِ "أنْ"، ولا يظهر "أنْ" بعدها في الكلام, لأنه من الأصُول المرفوضة. وقد جاء ذلك في الشعر، ومنه بيتُ جَمِيل.
أمّا الكوفيون فيذهبون إلى أن النصب في قولك: "جئتُ لتُكرِمَني" باللام نفسها (٣)، فإذا جاءت "كَيْ" مع اللام فالنصبُ للام، و"كَيْ" تأكيدٌ. فهذا انفردت "كَي"، فالعملُ لها. ودخولُ "أن" بعد "كَي" جائزٌ في كلامهم، تقول: "جئت لكي أن تقوم". ولا موضع
стр. 2069
لـ "أنْ" من الإعراب؛ لأنها مؤكدة للام كتأكيدِ "كَي". وأنشدوا [من الطويل]:
أردتُ لِكَيمَا أن تَطِيرَ بِقرْبَتِي ... وتَترُكَها شَنَّا بِبَيداءَ بَلْقَعِ (١)
والقول ما قدمناه، وهو مذهب سيبويه. ودخولُ "أنْ" بعد "كَيْ" إذا كانت حرف جرّ ضرورة، وللشاعر مُراجَعةُ الأُصول المرفوضة. وأمّا ظهورُ "أنْ" بعد "لِكَيْ" فما أبعدَه! وأمّا البيت الذي أنشده، فليس بمعروف ولا قائلُه، ولئن صحّ، كان حملُه على الزيادة والبدلِ مِن "كَيْمَا"؛ لأنه في معناه كما يُبدَل الفعل من الفعل إذا كان في معناه، فاعرفه.
стр. 2070
ومن أصناف الحرف
حرفُ الرَّدْع
فصل [كلا]
قال صاحب الكتاب: وهو "كلا". قال سيبويه (١): هو ردعٌ وزجرٌ. وقال الزجاج: "كلا" ردعٌ وتنبيهٌ، وذلك قولك: "كلا" لمن قال لك شيئاً تنكره, نحو: "فلانٌ يُبغضك" وشبهه, أي: ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه. قال الله تعالى بعد قوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾ (٢) , أي: ليس الأمر كذلك, لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار, وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح.
* * *
قال الشارح: "كَلاَّ" حرفٌ على أربعة أحرف كـ"أمَّا" و"حَتَّى". وينبغي أن تكون ألفه أصلًا؛ لأنَّا لا نعلم أحدًا يوثَق بعربيّته يذهب إلى أنّ الألف في الحروف زائدةٌ، واختلفوا في معناه، فقال أبو حاتم: "كَلَّا" في القرآن على ضربين على معنى الرِّدّ للأؤل بمعنى "لا"، وعلى معنى "ألا" التي للتنبيه، يُستفتح بها الكلام. وقد قال بعض المفسّرين في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٣): معناه حَقًا، وهذا قريبٌ من معنى "ألا". وقال الفرّاء: "كَلَّا" حرفُ رَدّ يُكتفى بها كـ"نَعَمْ"، و"بَلَى"، وتكون صلة لما بعدها، كقولك: "كَلَّا وَرَبِّ الكَعْبة" بمنزلةِ "إِيْ وربّ الكعبة"، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ (٤). وعن ثَعْلَبٍ قال: لا يوقَف على "كَلَّا" في جميع القرآن، لأنّها جوابٌ، والفائدةُ فيما بعدها. وقالَ بعضهم: يوقف على "كَلَّا" في جميع القرآن؛ لأنّها بمعنى: انْتَبِهْ، إلَّا في موضع واحد، وهو قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ (٥)، والحق فيها أنّها تكون ردّ الكلام قبلها بمعنى "لا", وتكون تنبيهًا كـ"ألا" و"حَقًّا"، وعليه الأكثرُ. ويحسن الوقفُ عليها إذا كانت ردًّا بمعنى: ليس الأمرُ كذلك، ولا يحسن الوقفُ عليها إذا كانت تنبيهًا بمعنى "ألا" و"حَقًّا"، فاعرفه.