ومن أصناف الحرف حرفُ التعليل
فصل [كَيْ]
قال صاحب الكتاب: وهو "كي". يقول القائل: "قصدت فلاناً"، فتقول له: "كيمه"؟ فيقول: "كي يحسن إليّ". و"كيمه" مثل "فيمه" و"عمَّه" و"لمه". دخل حرفُ الجرّ على "ما" الاستفهامية محذوفاً ألفها, ولحقت هاء السكت. واختلف في إعرابها، فهي عند البصريين مجرورةٌ، وعند الكوفيين منصوبة بفعل مضمر (١)، كأنك قلت: "كي تفعل ماذا". وما أرى هذا القول بعيداً من الصواب.
* * *
قال الشارح: أمّا "كَيْ" فحرفٌ معناه العِلّة، والغرضُ من ذلك أنّك إذا قلت: "قصدتُك كي تثيبَني"، فُهم من ذلك أنّ الغرض إنّما هو الثواب، وهو علّةٌ لوجوده. وهي على ضربين: تكون حرفَ جرّ بمعنى اللام، وناصبةً للفعل بمعنى "أن". وذلك أنّ من العرب من يقول: "كَيمَهْ"، فيُدْخِل "كَيْ" على"ما" الاستفهاميّة، ويحذف ألفَها تخفيفًا، وفرقًا بينها وبين الخبريّة، ثم يُدْخِل عليها هاء السكت لبيان الحركة. فلو كانت "كَي"هنا غيرَ حرف جرّ، لم تدخل على "ما" الاستفهامية؛ لأن عوامل الأفعال لا تدخل على الأسماء. ويدلّ على أن "ما" ها هنا استفهام حذفُ ألفها، ولا تُحْذَف ألفُ "ما" إلَّا إذا كانت استفهامًا عند دخول حرف الجرّ عليها، نحوَ قوله: "لِمَة"، و"بِمَهْ"، و"عَمَّهْ".
وإذا كانت حرف جرّ، فالفعلُ بعدها ينتصب بإضمارِ "أنْ"، كما يكون كذلك مع اللام في نحو قولك: "قصدتُك لتُكرِمَني"، والمراد: لأنْ تكرمَني. والذي يدلّ على ذلك أن الشاعر قد أظهر"أن" لمّا اضُطّر إلى ذلك. قال جَمِيل [من الطويل]:
١١٨٦ - فقالت أكُلَّ الناس أصبحتَ مانِحًا ... لِسانَك كَيمَا أنْ تَغُرَّ وتَخدَعا
стр. 2067
ويروى:
لسانَك هذا كي تغرّ وتخدعا
فـ "ما" على الرواية الأوُلى زائدةٌ، ولا شاهدَ فيه حينئذ. فـ "ما" من "كَيمَة" عند البصريين مجرورة، كما يكون ذلك في "عَمّه"، و"لِمَه"؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلَّا أن يكون حرف جرّ، والجارّ والمجرورُ في موضعِ منصوب بالفعل بعده.
والكوفيون يقولون: إن "كَي" من نواصب الأفعال، وليست حرف جر. ويقولون: "مَه" من "كَيمه" في موضع نصب بفعل محذوف نصبَ المصدر، وتقديره: كي تفعل ماذا. وفيه بُعْدٌ, لأن "ما" لَو كانت منصوبة، لكانت موصولة، ولو كانت موصولة، لم تُحذف ألفها؛ لأنّ ألف الموصولة لا تحذف إلَّا في موضع واحد، وهو قولهم: "ادعُ بمَ شئتَ"، أي: بالذي شئتَ، فحذفُ الألف يدلّ أنها ليست موصولة.
وقوله: "وما أرى هذا القولَ بعيدًا من الصواب" بعيد من الصواب. ومنهم من يجعل "كَي" ناصبة بنفسها بمنزلةِ "أنْ"، فاعرفه.
стр. 2068
فصل [انتصاب الفعل بعد "كي "]
قال صاحب الكتاب: وانتصاب الفعل بعد "كي" إما أن يكون بها نفسها, أو بإضمار "أن". وإذا دخلت اللام, فقلت: "لكي تفعل", فهي العاملة, كأنك قلت: "لأن تفعل".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا إنّ "كَيْ" تكون حرف جرّ، فتكون ناصبة للفعل بمعنى "أنْ". فعلى المذهب الأوّل، إذا انتصب الفعلُ بعدها، كان بإضمارِ "أنْ" على ما ذكرناه. وعلى المذهب الثاني الفعل ينتصب بها نفسها، ويجوز دخولُ اللام عليها، كما تدخل على "أنْ"، نحوَ: "جئتُ كي تقومَ، ولِكَي تقومَ"، كما تقول. "لأن تقومَ". وإذا دخلت عليها اللامُ، لم تكن إلَّا الناصبة بنفسها؛ لأن اللام حرف جرّ، وحرفُ الجرّ لا يدخل على مثله، فأما قوله [من الوافر]:
فلا واللهِ لا يُلْفى لِما بي ... ولا لِلْما بهم أبَدًا دَوَاءُ (١)
فشاذ قليل لا يُعتدّ به.
فصل [مجيء "أن" مُظهرة بعد "كي "]
قال صاحب الكتاب: وقد جاءت "كي" مظهرة بعدها "أن" في قول جميل [من الطويل]:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحاً ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا (٢)
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أنّ "كَيْ" تكون ناصبة للفعل بنفسها بمعنى "أنْ"، وتكون حرفَ جرّ بمعنى اللام. وينتصب الفعل بعدها بإضمارِ "أنْ"، ولا يظهر "أنْ" بعدها في الكلام, لأنه من الأصُول المرفوضة. وقد جاء ذلك في الشعر، ومنه بيتُ جَمِيل.
أمّا الكوفيون فيذهبون إلى أن النصب في قولك: "جئتُ لتُكرِمَني" باللام نفسها (٣)، فإذا جاءت "كَيْ" مع اللام فالنصبُ للام، و"كَيْ" تأكيدٌ. فهذا انفردت "كَي"، فالعملُ لها. ودخولُ "أن" بعد "كَي" جائزٌ في كلامهم، تقول: "جئت لكي أن تقوم". ولا موضع
стр. 2069
لـ "أنْ" من الإعراب؛ لأنها مؤكدة للام كتأكيدِ "كَي". وأنشدوا [من الطويل]:
أردتُ لِكَيمَا أن تَطِيرَ بِقرْبَتِي ... وتَترُكَها شَنَّا بِبَيداءَ بَلْقَعِ (١)
والقول ما قدمناه، وهو مذهب سيبويه. ودخولُ "أنْ" بعد "كَيْ" إذا كانت حرف جرّ ضرورة، وللشاعر مُراجَعةُ الأُصول المرفوضة. وأمّا ظهورُ "أنْ" بعد "لِكَيْ" فما أبعدَه! وأمّا البيت الذي أنشده، فليس بمعروف ولا قائلُه، ولئن صحّ، كان حملُه على الزيادة والبدلِ مِن "كَيْمَا"؛ لأنه في معناه كما يُبدَل الفعل من الفعل إذا كان في معناه، فاعرفه.
стр. 2070
ومن أصناف الحرف
حرفُ الرَّدْع
فصل [كلا]
قال صاحب الكتاب: وهو "كلا". قال سيبويه (١): هو ردعٌ وزجرٌ. وقال الزجاج: "كلا" ردعٌ وتنبيهٌ، وذلك قولك: "كلا" لمن قال لك شيئاً تنكره, نحو: "فلانٌ يُبغضك" وشبهه, أي: ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه. قال الله تعالى بعد قوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا﴾ (٢) , أي: ليس الأمر كذلك, لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار, وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للاستصلاح.
* * *
قال الشارح: "كَلاَّ" حرفٌ على أربعة أحرف كـ"أمَّا" و"حَتَّى". وينبغي أن تكون ألفه أصلًا؛ لأنَّا لا نعلم أحدًا يوثَق بعربيّته يذهب إلى أنّ الألف في الحروف زائدةٌ، واختلفوا في معناه، فقال أبو حاتم: "كَلَّا" في القرآن على ضربين على معنى الرِّدّ للأؤل بمعنى "لا"، وعلى معنى "ألا" التي للتنبيه، يُستفتح بها الكلام. وقد قال بعض المفسّرين في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٣): معناه حَقًا، وهذا قريبٌ من معنى "ألا". وقال الفرّاء: "كَلَّا" حرفُ رَدّ يُكتفى بها كـ"نَعَمْ"، و"بَلَى"، وتكون صلة لما بعدها، كقولك: "كَلَّا وَرَبِّ الكَعْبة" بمنزلةِ "إِيْ وربّ الكعبة"، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ (٤). وعن ثَعْلَبٍ قال: لا يوقَف على "كَلَّا" في جميع القرآن، لأنّها جوابٌ، والفائدةُ فيما بعدها. وقالَ بعضهم: يوقف على "كَلَّا" في جميع القرآن؛ لأنّها بمعنى: انْتَبِهْ، إلَّا في موضع واحد، وهو قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ (٥)، والحق فيها أنّها تكون ردّ الكلام قبلها بمعنى "لا", وتكون تنبيهًا كـ"ألا" و"حَقًّا"، وعليه الأكثرُ. ويحسن الوقفُ عليها إذا كانت ردًّا بمعنى: ليس الأمرُ كذلك، ولا يحسن الوقفُ عليها إذا كانت تنبيهًا بمعنى "ألا" و"حَقًّا"، فاعرفه.
стр. 2071
ومن أصناف الحرف اللاماتُ
فصل [تعدادُها]
قال صاحب الكتاب: وهي لام التعريف، ولام جواب القسم، واللام الموطئة للقسم، ولام جواب "لو", و"لولا"، ولام الأمر، ولام الابتداء، واللام الفارقة بين "إن" المخففة والنافية, ولام الجر.
فأما لام التعريف, فهي اللام الساكنة التي تدخل على الاسم المنكور, فتعرفه تعريف جنس, كقولك: "أهلك الناس الدينار والدرهم" و"الرجل خيرٌ من المرأة"، أي: هذان الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار, وهذا الجنس من الحيوان من بين سائر أجناسه, أو تعريف عهد, كقولك: "ما فعل الرجل"، و"أنفقت الدرهم" لرجل ودرهم معهودين بينك وبين مخاطبك. وهذه اللام وحدها هي حرف التعريف عند سيبويه (١)، والهمزة قبلها همزة وصل مجلوبة للابتداء بها كهمزة "ابن", و"اسم", وعند الخليل (٢) أن حرف التعريف "أل" كـ "هل" و"بل" وإنما استمر بها التخفيف للكثرة. وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم، ومنه "ليس من أمبر امصيام في امسفر" (٣). وقال [من المنسرح]:
١١٨٧ - [ذاك خليلي وذو يعاتبني] ... يرمي ورائي بامسهم وَامْسَلِمَهْ
* * *
стр. 2072
قال الشارح: اللام من حروف المعاني، وهي كثيرةُ الاستعمال متشعبةُ المواقعِ، وقد أكثر العلماءُ الكلام عليها، وأفرد بعضُهم لها كُتُبًا تختصّ بها (١). فمنهم من بَسَطَ حتى تداخلت أقسامُها، ومنهم من أوجز حتى نَقَصَ، ونحن نقتصر في هذا الكتاب على شرح ما ذكره المصنّفُ، وإن لم تكن القسمة حاصرةً.
فمن ذلك لام التعريف، والمراد القصدُ إلى شيء بعينه ليعرفه المخاطبُ كمعرفة المتكلّم، فيتساوى المتكلّم والمخاطبُ في ذلك، وذلك نحو قولك: "الغلام" و"الجارية"، إذا أردتَ غلامًا بعينه وجاريةً بعينها.
واللامُ هي حرف التعريف وحدها، والهمزةُ وصلةٌ إلى المَنْطِق بها ساكنةٌ، هذا مذهبُ سيبويه، وعليه أكثرُ البصريين والكوفيين ما عدا الخليلَ، فإنّه كان يذهب إلى أنّ حرف التعريف "أل" بمنزلةِ "قَدْ" في الأفعال، فهي كلمةٌ مركّبةٌ من الهمزة واللام جميعًا، كتركيبِ "هَلْ", و"بَلْ" وأصلُ الهمزة أن تكون مقطوعة عنده. وإنّما حُذفت في الوصل تخفيفًا لكثَرة الاستعمال،
стр. 2073
واحْتجّ بقطع الهمزة في أنصاف الأبيات، نحوِ قول عَبِيد بن الأبْرَص [من الرمل]:
١١٨٨ - يَا خَلِيلَيَّ ارْبَعا واسْتخبِرَا الْ ... مَنْزِلَ الدارِسَ عن أهْلِ الحِلالِ
مِثْلَ سَحقِ البُردِ عَفى بَعدَكِ الْقَطرُ ... مَغْناه وتأويبُ الشمالِ
ألا ترى أنّ هذا الشعر من الرَّمَل، واللامُ من الجُزْء الذي قبلها، فهي بإزاءِ النون في "فَاعِلُنْ"؟ فلو كانت اللام وحدها في التعريف، لم يجز فصلُها ممّا بعدها لا سيّما وهي ساكنةٌ والساكنُ لا يُنْوى به الانفصال، ففصلُ "ألْ" هنا كفصلِ "قَدْ" من الفعل بعده من قول النابغة [من الكامل]:
وكأن قَدِ (١)
والمراد: قد زالتْ. ويؤيّد ذلك أنّهم قد أثبتوا هذه الهمزة حيث تُحذف همزات الوصل، نحوَ قوله تعالى: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٢) وَ ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٣)، ونحوَ
стр. 2074
قولهم في القَسَم: "أفَأللهِ"، و"لا هَا أللهِ ذا"، ولم تَرَ همزةَ الوصل تثبت في مثل هذا.
والصوابُ ما قاله سيبويه، والدليلُ على صحّته نفوذُ عمل الجارّ إلى ما بعد حرف التعريف. وهذا يدلّ على شدّة امتزاج حرف التعريف بما عرّفه. وإنّما كان كذلك لقلّته وضُعْفه عن قيامه بنفسه، ولو كان على حرفَيْن، لَمَا جاز تجاوُزُ حرف الجرّ إلى ما بعده.
ودليلٌ آخر يدلّ على شدّة اتّصال حرف التعريف بما دخل عليه، وهو أنّه قد حدث بدخوله معنى فيما عرّفه لم يكن قبل دخوله، وهو معنى التعريف، وصار المعرَّف كأنّه غيرُ ذلك المنكور وشيءٌ سِواه. ولهذا أجازوا الجمعَ بين "رجل" و"الرجل" و"غلام" و"الغلام" قافِيَتَين من غيرِ استكراه ولا اعتقادِ إيطاءٍ (١)، فصار حرفُ التعريف للزومه المعرَّفَ كأنّه مبنى معه كياء التحقير، وألف التكسير.
ويؤيّد ما ذكرناه أنّ حرف التعريف نقيضُ التنوين؛ لأنّ التنوين دليلُ التنكير، كما أنّ اللام دليلُ التعريف. فكما أنّ التنوين حرفٌ واحدٌ، فكذلك المُعرّف حرفٌ واحدٌ.
وأمّا ما احتجّ به الخليل من انفصاله منه بالوقوف عليه في الشعر، فلا حجّةَ فيه، ولا دليلَ؛ لأنّ الهمزة لمّا لزمت اللامَ لسكونها، وكثُر اللفظُ بها، صارت كالجُزْء منها من جهة اللفظ لا المعنى، وجرت مجرى ما هو على حرفَين، نحو "هَلْ"، و"بَلْ"، فجاز فصلُها في بعض المواضع لهذه العلّة. وقد جاء الفصلُ في الشعر بين الكلمة وما هو منها ألبتّة، وجاؤوا بتَمامه في المِصْراع الثاني، نحوَ قول كُثَيِّرٍ [من مجزوء الكامل]:
١١٨٩ - يَا نَفسِ أكْلاَ واضطِجا ... عًا نَفسِ لَستِ بخالِدَهْ
стр. 2075
وإذا جاز ذلك في نفس الكلام، كان ذلك فيما جاء بمعنى أوْلى. فأمّا قطعُ هذه الهمزة في قوله تعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١)، ونحوِ ذلك في القسم: "أفأللهِ" و"لا ها أللهِ ذا"، فلا دلالةَ له فيه لأنّه إذا جاز قطعُ همزة الوصل التي لا خلاف بينهم فيها في قوله [من الطويل]:
١١٩٠ - ألا لا أرَى إثْنَيْنِ أحْسَنَ شِيمَةً ... على حَدَثانِ الدَّهْرِ مِنّي ومِن جُمْلِ
وقول الآخر [من الطويل]:
١١٩١ - إذا جاوَزَ الإثْنَينِ سِرٌّ فإنّه ... بنَشْرٍ وتَضْيِيعِ الحدِيثِ قَمِينُ
стр. 2076
فأن يجوز قطعُ الهمزة التي هي مختلَفٌ في أمرها، وهي مفتوحةٌ كالهمزة التي لا تكون إلَّا قطعًا نحوِ همزةِ "أحْمَرَ" و"أصْفَرَ"، أوْلى وأجْوَزُ.
فإن قيل: فلِمَ كان حرف التعريف حرفًا واحدًا ساكنًا؟ فالجوابُ أنّهم أرادوا مَزْجَه بما بعده لِما يُحْدِثه فيه من المعنى، فجعلوه على حرف واحد؛ ليضعف عن انفصاله ممّا بعده، وأسكنوه ليكون أبلغ في الاتصال؛ لأنّ الساكن أضعفُ من المتحرّك.
واعلم أنّ لام التعريف تشتمل على ثلاثة أنواع: تكون لتعريف الجنس، ولتعريف العهد، ولتعريف الحضور.
فأما تعريف الجنس، فأن تدخل اللام على واحد من الجنس لتعريف الجنس جميعِه لا لتعريف الشخص منه، وذلك نحو قولك: "المَلَكُ أفضلُ من الإنسان"، و"العَسَلُ حُلْو"، و "الخَلُّ حامضٌ"، و"أهلك الناس الدرهم والدينار". فهذا التعريف لا يكون عن إحاطةٍ به؛ لأن ذلك متعذَّرٌ؛ لأنّه لا يمكن أحدًا أن يُشاهِد جميعَ هذه الأجناس، وإنّما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسّة المشاهدة أفضلُ من كل واحد من الجنس الآخر، وأنّ كلّ جزء من العسل الشائع في الدنيا حلوٌ، وأن كلّ جزء من الخل حامضٌ.
فأمّا تعريف العهد، فنحوُ قولك: "جاءني الرجلُ"، تخاطب بهذا مَن بينك وبينه عهدٌ في رجلٍ تشير إليه، ولولا ذلك لم تقل: "جاءني الرجلُ"، ولقلتَ: "جاءني رجلٌ". وكذلك: "مرّ بي الغلامُ"، و"ركبتُ الفرسَ" كلُّها معارفُ؛ لإشارتك إلى أشخاصٍ معيّنةٍ، فأدخلتَ عليها الألفَ واللامَ لتعريف العهد، ومعنى العهد أن تكون مع إنسان في حديثِ رجل أو غيرِه، ثمّ يُقْبِل ذلك، فتقول: "وافى الرجلُ"، أي: الذي كنّا في حديثه وذكرِه قد وافى.
وأمّا تعريف الحضور، فهو قولك لمن لم تره قطّ، ولا ذكرتَه: "يا أيُّها الرجلُ أقْبِل"، فهذا تعريفٌ لإشارتك إلى واحد بعينه، ولم يتقدّمه ذكرٌ ولا عهدٌ.
وأمّا الألف واللام في "الَّذِي" و"الَّتِي"، فهي لتعريف اللفظ وإصلاحِه لأن يكون وصفًا للمعرفة، وإنّما هما زائدان، وحقيقةُ التعريف بالصلة، ألا ترى أن نظائرها من نحو "مَنْ"، و"ما" كلّها معارفُ، وليست فيها لامُ المعرفة؟ ويؤكّد زيادةَ اللام هنا لزومُها ما
стр. 2077
دخلتْ عليه، واللامُ المُعرِّفةُ يجوز سقوطُها ممّا دخلت فيه، فلزومُ هذه اللام هنا وعدمُ جواز سقوطها دليل على أنها ليست المعرّفة.
وقومٌ من العرب يُبْدِلون من لام المعرفة ميمًا، وهي يَمانيةٌ، فيقولون: "اَمْرَجُل" في "الرجل". ويُرْوَى أن النَّمِرَ بن تَوْلَبٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ليس مِن امْبِرّ امْصِيامُ في امْسَفَر" (١)، يريد: ليس مَن البرّ الصيامُ في السفر، ويُقال: إنّ النمر لم يرو عن النبيّ ﵇ إلَّا هذا الحديثَ. وذلك شاذّ قليل لا يُقاس عليه، وقد تقدّم الكلام على ذلك في أوّل الكتاب، وأمّا قوله [من المنسرح]:
يَرْمِي وَرَائي بِامْسَهْمِ وامْسَلِمَهْ (٢)
فصدرُه:
ذاك خَلِيلِي وذو يعاتِبُني
الشاهد فيه إبدالُ الميم من اللام في "السهم" و"السلمة" , على أنّ الرواية بـ "السّهم" بسين مشدّدة لادّغام اللام فيها، و"امسلمه" بميم بعد الواو، فاعرفه.
فصل [لام جواب القسم]
قال صاحب الكتاب: ولام جواب القسم نحو قولك: "والله لأفعلن". وتدخل على الماضي, كقولك: "والله لكذب". وقال امرؤ القيس [من الطويل]:
١١٩٢ - حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال
стр. 2078
والأكثر أن تدخل عليه مع "قد", كقولك: "والله لقد خرج".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ أصل هذه اللام لامُ الابتداء، وهي أحدُ الموجِبَيْن اللذين يُتلقّى بهما القسم، وهما اللامُ و"إنَّ". وهذه اللامُ تدخل على الجملتين الاسميّةِ والفعلّيةِ. مثالُ الأوّل: "واللهِ لَزيدٌ قائمٌ"، كما تقول: "إنّ زيدًا قائمٌ". وإنّما قلنا إنّ أصلها الابتداءُ؛ لأنّها لحد تتعرّى من معنى الجواب، وتخلُص للابتداء، ولا تتعرّى من الابتداء، فلذلك كان أخصَّ معنيَيْها، وذلك قولك: "لَعَمْرُك لأقُومَنَّ"، و"لَعَمْرُ اللهِ ما نَدْري". ألا ترى أنّها ههنا خالصةٌ للابتداء، إذ لا يصحّ فيها معنى الجواب؛ لأنّ القسم لا يُجاب بالقسم؟
أمّا الداخلة على الفعل، فهي تدل على الماضي والمستقبل. فإذا دخلت على المستقبل، فلا بدّ من النون الثقيلة أو الخفيفة، نحو قولك: "واللهِ لأقومنّ". قال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (٢). فاللامُ للتأكيد واتّصالِ القسم إلى المُقْسَم عليه. وتفصل بين النفي والإيجاب. ودخلت النونُ أيضًا مؤكّدةً وصارفةً للفعل إلى الاستقبال وإعلام السامع أنّ هذا الفعل ليس للحال، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣)، أي: لَحاكِمٌ. فإن زال الشكُّ بغير النون، استُغني عنها. قال الله تعالى: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٥)؛ لأن "سَوْفَ" تختصّ بالاستقبال. ولم تأتِ هذه اللام والنون إذا وليت المستقبلَ إلَّا مع القسم أو نيّةِ القسم.
قال سيبويه (٦): سألتُ الخليل عن قوله: "لَيفعلنّ" إذا جاءت مبتدأةً، قال: هي على نيّة القسم، فإذا قلت: "لَتَنطَلِقَنَّ"، فكأنّك قلت: "والله لتنطلقنّ". قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٧) أي: واللهِ لَتعلمنّ.
стр. 2079
وأمّا دخولها على الماضي، فإنّ الأكثر أن تدخل مع "قَدْ"، وذلك أنّ أصل هذه اللام الابتداءُ، ولامُ الابتداء لا تدخل على الماضي المحض، فأُتي بـ "قَدْ" معها؛ لأنّ "قَدْ" تُقرِّب من الحال. والذي حسّن دخولها على الماضي دخولُ معنى الجواب فيها. والجوابُ كما يكون بالماضي، كذلك يكون بالمستقبل، فجوازُ دخولها على لفظ الماضي لِما مازَجَها من معنى الجواب، ودخولُ "قَدْ" معها قَضاءٌ من حقّ الابتداء، وذلك نحو قولك: "واللهِ لقد قمتُ". قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (١). وربّما حُذفت اللام، نحوَ قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٢)، أي: لَقد أفلح، وربّما حُذفت "قد". قال الشاعر [من الطويل]:
حلفت لها واللهِ ... إلخ
أي: والله لقد ناموا، فاعرفه.
فصل [اللام المُوطِّئة للقَسَم]
قال صاحب الكتاب: والموطئة للقسم هي التي في قولك: "والله لئن أكرمتني لأكرمنك".
* * *
قال الشارح: هذه اللام يسمّيها بعضهم لامَ الشرط؛ لدخولها على حرف الشرط. وبعضُهم يسمّيها الموَطِّئة؛ لأنّها يَتعقّبها جوابُ القسم، كأنّها توطئةٌ لذكر الجواب، وليست جوابًا للقسم، وإن كان ذلك أصلَها, لأنّ القسم لا يجاب بالشرط كما لا يجاب بالقسم؛ لأن الشرط يجري مجرى القسم لِما بينهما من المناسبة من جهةِ احتياج كلّ واحد منهما إلى جواب. والقسمُ وجوابه جملتان تَلازمتا، فكانتا كالجملة الواحدة، كما أنّ الشرط وجوابه كالجملة الواحدة. ولذلك قد تُسمّي الفقهاءُ التعليقَ على شرط يَمِينًا، وقد سمى الإِمام محمّد بن الحسن الشَّيبانيّ كتابًا له "كتابَ الأيْمان"، وإن كان مُعْظَمه تعليقًا على شرط، نحوَ: "إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ"، و"إن أكلتِ أو شربتِ فأنتِ طالقٌ"، ونحوِ ذلك، وذلك قولك: "واللهِ لئنّ أكرمتَني لأكرِمَنَّك"، فاللام الأوُلى مؤكّدةٌ وَطْأةٌ للجواب، والجوابُ "لأكرمنّك"، وهو جوابُ القسم. والشرط مُلْغى لا عملَ له؛ لأنّك صدّرتَ بالقسم، وتركتَ الشرط حشوًا.
وإذا اجتمع الجزاءُ والقسمُ؛ فأيّهما سبق الآخرَ وتَصدّر، كان الجواب له. مثالُ تصدّر الشرط قولك: "إن تَقُمْ واللهِ أقُمْ"، جزمتَ الجوابَ بحرف الجزاء لتصدُّره، وألغيتَ القسمَ لأنّه حشوٌ. ومثالُ تصدُّر القسم قولك: "واللهِ لَئِنْ أتيتَني لأتيتُك"، فاللامُ
стр. 2080
الأُولى موطئةٌ، والثانيةُ جوابُ القسم، واعتمادُ القسم عليه لا عملَ للشرط فيه. يدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ (١)، الجوابُ للقسم المحذوف، والشرط مُلْغى، بدليل ثبوت النون في الفعل المنفيّ، إذ لو كان جوابًا للشرط لكان مجزومًا، فكانت النون محذوفةً. ومثله قول الشاعر [من الطويل]:
لَئِنْ عادَ لي عبدُ العَزِيزِ بمِثْلِها ... وأمْكَنَني منها إذَنْ لا أُقِيلُها (٢)
فرفع "أُقِيلُها"؛ لأنّه معتمَدُ القسم، فاعرفه.
فصل [لام جواب "لو" و"لولا "]
قال صاحب الكتاب: ولام جواب "لو" و"لولا", نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣) , وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ (٤). ودخولها لتأكيد إرتباط إحدى الجملتين بالأخرى. ويجوز حذفها, كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ (٥). ويجوز حذف الجواب أصلاً, كقولك: "لو كان لي مالٌ" وتسكت، أي: لأنفقت, وفعلتُ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ (٧).
* * *
قال الشارح: بعضهم يجعل هذا اللام قِسمًا قائمًا برأسه، وقعت في جوابِ "لَوْ" و"لَوْلا" لتأكيد ارتباط الجملة الثانية بالأُولى. والمُحقّّقون على أنّها اللامُ التي تقع في جواب القسم، فإذا قلت: "لو جئتَني لأكرمتُك"، فتقديرُه: واللهِ لو جئتني لأكرمتُك. وكذلك اللامُ في جوابِ "لَوْلا"، إذا قلت: "لولا زيدٌ لأكرمتُك"، فتقديره: واللهِ لولا زيدٌ لأكرمتُك. فإذا صرّحتَ بالقسم، لم يكن بدٌّ من اللام، نحوَ قوله [من الطويل]:
١١٩٣ - فوَاللهِ لولا اللهُ لا شيءَ غيرُه ... لَزُعْزعَ من هذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ
стр. 2081
وقول الآخر [من الرجز]:
١١٩٤ - وَاللهِ لو كنتَ لِهذا خالِصَا ... لَكنْتَ عَبْدًا آكِلَ الأبارِصا
وتقول. إذا لم تأتِ بالقسم ونويتَه: "لولا زيدٌ لأكرمتُك"، أي: واللهِ لولا زيدٌ لأكرمتُك. قال الله تعالى، ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ (١)، وقال: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وربّما حُذفت إذا لم يظهر القسمُ. قال يزيد بن الحَكَم [من الطويل]:
وَكَمْ مَوْطِنٍ لولايَ طِحْتَ كما هَوى ... بأجْرامِه مِن قُلَّةِ النّيق مُنْهَوِي (٣)
стр. 2082
والمراد: لَطِحْتَ.
ولا تدخل هذه اللام في جوابِ "لَوْ" و"لَولا"، إلَّا على الماضي دون المستقبل. وقد ذهب أبو عليّ في بعض أقواله إلى أنّ اللام في جواب "لَوْ" و"لَوْلا" زائدةٌ مؤكّدةٌ، واستدلّ على ذلك بجواز سقوطها، وأنشد [من الوافر]:
فلَوْ أنَّا على حَجَرٍ ذُبِحْنا ... جَرَى الدَّمَيانِ بالخَبَر اليَقِينِ (١)
فقال: "جرى الدميان"، فلم يأتِ باللام، فسقوطُها مع "لَوْ" كسقوطها مع "لَوْلا". وربّما حذفوا الجواب ألبتّة، وذلك إذا كان في اللفظ ما يدل عليه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ (٢)، والمراد- والله أعلمُ- لَكان هذا القرآنَ، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٣)، أي: لانتصفتُ، وفعلتُ كذا وكذا، فاعرفه.
فصل [لام الأمر]
قال صاحب الكتاب: ولام الأمر نحو قولك: "ليفعل زيدُ", وهي مكسورة, ويجوز تسكينها عند واو العطف وفائه, كقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ (٤). وقد جاء حذفها في ضرورة الشعر. قال [من الوافر]:
محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا (٥)
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول على الأمر وحرفِه، إلَّا أنّه لا بدّ من ذكرِ طرف من أحكامه حَسْبَما ذكره المصنّفُ.
اعلم أنّ هذه اللام من عوامل الأفعال، وعملُها فيها الجزمُ، فهي في ذلك كـ "إن" الشرطيّة و"لَم" الجازمةِ، وإنّما عملت فيها لاختصاصها بالأفعال كاختصاصهما. واختصّ عملُها بالجزم؛ لأنّها لما اختصّت بالأفعال، وعملت فيها، وجب أن تعمل عملًا هو خاصّ بالأفعال، وهو الجزمُ، كما فعلنا ذلك في حروف الجزم، نحوِ: "لَمْ"، و"لَمَّا"، و"إن" في الجزاء وأخواتِها.
وهي مكسورة، وإنّما وجب لها الكسرُ من قبل أنّها حرفٌ جاء لمعنى، وهو على حرف واحد كهمزة الاستفهام، وواو العطف، وفائه. وكان حقّه أن يكون مفتوحًا كما
стр. 2083
فُتحن، غيرَ أنه لما كانت اللام هنا من عوامل الأفعال الجازمةِ، والجزمُ في الأفعال نظيرُ الجرّ في الأسماء، حُملت في الكسر على حروف الجرّ، نحو اللام والباء في قولك: "لزيدٍ"، و"بزيدٍ". وحكى الفرّاء أن بعض العرب يفتحها.
وقد تسكن هذه اللامُ تخفيفًا إذا تقدّمها واوُ العطف أو فاؤه، وذلك من قبل أن الواو والفاء لما كانا مفردين لا يمكن انفصالُهما مما بعدهما, ولا الوقوفُ عليهما، صارتا كبعض ما دخلتا عليه، فشُبّهت حينئذ اللامُ بالخاء في "فَخْذ" والباء في "كَبدٍ"، فكما يُقال: "فَخذ"، و"كَبْدٌ"، كذلك يقال: "وَلْيَقُم زيدٌ". قال الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١). فأما قراءةُ الكسائي: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ (٣)، فضعيفةٌ عند أصحابنا, لأن "ثُم" حرفٌ على ثلاثة أحرف يمكن الوقوفُ عليه، فلو أسكنتَ ما بعده من اللام، لكنت إذا وقفتَ عليه تبتدىء بساكنٍ، وذلك لا يجوز.
واعلم أن هذه اللام لا يجوز حذفُها وبقاءُ عملها إلَّا في ضرورةِ شاعر. أنشد أبو زيد في نوادره [من الطويل]:
وتُمسِى صَرِيعًا لا تَقُومُ لحاجةٍ ... ولا تسمَعُ الداعي ويُسْمِعكَ مَن دَعَا (٤)
أراد: وليسمعك، فحذف اللام، وعملُها باقٍ. وأنشد سيبويه [من الوافر]:
محمَّد تفد نفسك ... إلخ
أراد لِتَفدِ، وإنما لم يجز حذفُ هذه اللام في الكلام؛ لأنّها جازمة، فهي في الأفعال نظيرةُ حروف الجر في عوامل الأسماء، فكما لا يسوغ حذفُ حرف الجر وإعمالُه في الأكثر، لم يجز ذلك في الأفعال؛ لأن عوامل الأفعال أضعفُ من عوامل الأسماء؛ لأن إعراب الأفعال إنما كان بطريق الحمل على الأسماء، فهي في الإعراب أضعفُ منها. هذا قولُ أكثرِ النحويين، قال أبو العباس محمد بن يزيد: ولا أراه على ما قالوا؛ لأن عوامل الأفعال لا تُضْمَر، ولا سيما الجازمةُ؛ لأنّها في الأفعال كالجارّ في الأسماء، وحروفُ الجرّ لا تضمر، لْوجب أن يكون كذلك في الأفعال، فاعرفه.
فصل [لام الابتداء]
قال صاحب الكتاب: ولامُ الابتداء هي اللام المفتوحة في قولك: "لَزيدٌ منطلقٌ".
стр. 2084
ولا تدخل إلَّا على الاسم والفعل المضارع, كقوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ (١)، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢). وفائدتُها توكيدُ مضمون الجملة. ويجوز عندنا "إن زيدًا لَسَوف يقوم", ولا يُجيزه الكوفيون.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه اللام أكثرُ اللامات تصرُّفًا، ومعناها التوكيد، وهو تحقيقُ معنى الجملة وإزالةُ الشك. وهي مفتوحة، وذلك مقتضى القياس فيها وفي كل ما جاء على حرفٍ يُبتدأ به، إذ الساكن لا يمكن الابتداءُ به، فوجب تحريكُه ضرورةَ جوازِ الابتداء به، وكانت الفتحة أخفّ الحركات، وبها نصل إلى هذا الغرض، ولم يكن بنا حاجة إلى تكلُّفِ ما هو أثقلُ منها.
وهي تدخل على الاسم والفعل المضارع، ولا تدخل على الماضي. فأمّا دخولها
على الاسم، فإذا كان مبتدأ تدخل فيه لتأكيد مضمون الجملة، وذلك نحو قولك: "لَزِيدٌ
عاقلٌ"، و"لَمحمد منطلقٌ"، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (٣).
ولا تدخل هذه اللام في الخبر إلَّا أن تدخل "إنَّ" المثقلةُ، فتُلْزِم تأخيرَ اللام إلى الخبر، وذلك نحو قولك: "إن زيدًا لَمنطلقٌ". وأصلُ هذا: لَإن زيدًا منطلقٌ، فاجتمع حرفان بمعنى واحد، وهو التوكيد، فكُره اجتماعُهما، فأخرت اللام إلى الخبر، فصار: "إن زيدًا لَمنطلقٌ". وإذ وجب تأخيرُ اللام إلى الخبر، لزم أن تدخل على جميع ضروب الخبر. والخبرُ يكون مفردًا، فتقول في ذلك: "إن زيدًا لمنطلقٌ"، ويكون جملة من مبتدأ وخبر، فتقول حينئذ: "إن زيدًا لأبوه قائمٌ".
فإن كان الخبر جملة من فعل وفاعل، فلا يخلو ذلك الفعل من أن يكون مضارعًا، أو ماضيًا. فإن كان مضارعًا، دخلت اللامُ عليه لمضارعته الاسمَ، فتقول: "إن زيدًا لَيَضْرِبُ"، كما تقول: "لَضارِبٌ". فإن كان ماضيًا، لم تدخل اللام عليه؛ لأنه لا مضارعةَ بينه وبين الاسم، فلا تقول: "إن زيدًا لَضَرب"، ولا "إن بكرًا لَقعد".
وإن كان الخبر ظرفًا، دخلت عليه الْلامُ أيضًا، نحوَ قولك: "إن زيدًا لَفي الدار"، ويُقدَّر تعلُّق الظرف بـ "مُستقر" لا بـ "استقر"، كما قُدّر إذا وقع صلة للّذِي بـ "استقرَّ" لا بـ "مستقرّ"، وقد تقدّم الكلام على ذلك مستقصى في موضعه.
فإن قيل: فلِمَ زعمتم أن حكم اللام أن تكون متقدّمة على "إنّ"، وهلا كان الأمر بالعكس؛ لأنهما جميعًا للتأكيد؟ قيل: إنما قلنا ذلك لأمرَيْن:
أحدهما: أن العرب قد نطقت بهذا نطقًا، وذلك مع إبدال الهمزة هاءً في قولك:
стр. 2085
"لَهِنَّكَ قائمٌ"، والمراد: لإنكَ قائمٌ، لكنهم لما أبدلوا من الهمزة هاءً؛ زال لفظ "إن" وصارت كأنها حرفٌ آخرُ، فجاز الجمعُ بينهما. قال الشاعر [من الطويل]:
ألا يا سَنا برقٍ على قُلَلِ الحِمى ... لَهِنكَ من بَرْقٍ عَلَىَّ كَرِيم (١)
والأمر الثاني: أن "إنَّ" عاملةٌ، واللام غير عاملة، فلا يجوز أن تكون مرتبةُ اللام بعدها؛ لأن "إن" لا تلي الحروفَ لا سيما إن كان ذلك الحرف ممّا يختصّ الاسمَ من العوامل، ويصرفه إلى الابتداء.
فإن قيل: إذا كان الغرض من تأخير اللام الفصلَ بينها وبين "إن"، وأن لا يجتمعا، فهلا أُخرت، "إنَّ" إلى الخبر، وأُقرت اللام أولاً؟ فالجواب أنه لمّا وجب تأخير أحدهما للفصل بينهما، كان تأخير اللام أولى؛ لأن "إنَّ" عاملةٌ في الاسم، فلا تدخل إلَّا عليه. فلو أُخرت إلى الخبر، والخبرُ يكون اسمًا وفعلاً وجملةً، فكان يؤدي إلى إبطال عملها؛ لأن العامل ينبغي أن يكون له اختصاصٌ بالمعمول، وليس كذلك اللامُ؛ لأنّها غيرُ عاملة، فيجوز دخولُها على الاسم والفعل والجملة، فتقول "إن زيدًا لَقائمٌ"، و"إن زيدًا لَيقوم". قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢).
واعلم أنّ أصحابنا قد اختلفوا في هذه اللام إذا دخلت على الفعل المضارع في خبرِ "إنّ"، فذهب قوم إلى أنّها تقصر الفعل على الحال بعد أن كان مبهمًا، واستدل على ذلك بقول سيبويه (٣): حتى كأنك قلت: "لَحاكِمٌ فيها"، يريد من المعنى. وأنت إذا قلت: "إن زيدًا لَحاكمٌ" فهو للحال. وذهب آخرون إلى أنها لا تقصره على أحد الزمانَيْن، بل هو مبهمٌ فيهما على ما كان. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤). فلو كانت اللامِ تقصره للحال، كان مُحالاً، وهو الاختيار عندنا. فعلى هذا يجوز أن تقول: "إن زيدًا لَسَوْف يقوم". وعلى القول الأول -وهو رأيُ الكوفيين- لا يجوز ذلك، كما لا يجوز أن تقول: "إن زيدًا لسوف يقوم الآنَ"؛ لأن اللام تدل على الحال كما يدل عليه "الآنَ".
فصل [اللام الفارقة]
قال صاحب الكتاب: واللام الفارقة في نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (٥)، وقولهِ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ (٦)، وهي لازمة لخبرِ "إن" إذا خُففتْ.
* * *
стр. 2086
قال الشارح: النحويون يسمّون هذه اللام الفارقةَ ولامَ الفصل، وذلك أنها تفصل بين المخففة من الثقيلة، وبين النافية. وقد اختلفوا في هذه اللام، فذهب قومٌ إلى أنها اللام التي تدخل في خبرِ "إنَّ" المشددة للتأكيد، إلَّا أنها إذا كانت مشددة، فأنت في إدخالها وتَرْكها مخيرٌ. تقول في ذلك: "إن زيدًا قائمٌ"، فإن شئت: "إن زيدًا لَقائمٌ". فإن خففتَ "إن"، لزمت اللامُ، وذلك قولك: "إن زيدٌ لَقائمٌ". ألزموها اللامَ إيذانًا منها بأنها المشددة التي من شأنها أن تدخل معها اللامُ، وليست النافيةَ التي بمعني "ما". قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ (٢)، فـ "إِن" ها هنا المخففةُ من الثقيلة، واسمُها مضمرٌ بمعنى الشأن والحديث، ودخلت اللامُ لِما ذكرناه من التأكيد، ولزمتْ للفرق بينهما وبين النافية التي في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُور﴾ (٣). والمراد: ما الكافرون إلَّا في غرور، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (٤).
وذهب قوم آخرون إلى أن هذه اللام ليست التي تدخل "إن" المشددة التي هي للابتداء؛ لأن تلك كان حكمُها أن تدخل على اسم "إن"، فأُخرت إلى الخبر لئلا يجتمع تأكيدان. وساغ ذلك من حيث كان الخبر هو المبتدا في المعنى، أو ما هو واقعٌ موقعه.
وهذه اللامُ لا تدخل إلَّا على المبتدأ وعلى خبر "إنَّ" إذ كان إياه في المعني أو متعلّقًا به، ولا تدخل من الفعل إلَّا على ما كان مضارعًا واقعًا في خبر "إنّ"، وكان فعلاً للحال. وإذ لم تدخل إلَّا على ما ذكرناه، لم يجز أن تكون اللام التي تصحب "إن" الخفيفةَ إياها، إذ لا يجوز دخولُ لام الابتداء على الفعل الماضي. وقد وقع بعد "إن" هذه الفعلُ الماضي، نحوَ: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ (٥)، ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (٦). وأيضًا فإن لام الابتداء تُعلِّق العاملَ عن عمله، فلا يعمل ما قبلها فيما بعدها، نحوَ قولك: "اعلم لَزيدٌ منطلقٌ"، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٧)، وقد تجاوزت الأفعال إلى ما بعد هذه اللام، فعملتْ فيها، نحوَ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ (٨)، ونحو قوله [من الكامل]:
هَبِلَتْكَ أمكَ إنْ قَتَلتَ لمُسلمًا ... حَلت عليك عُقُوبَةُ المُتَعَمّدِ (٩)
فلمّا عمل الفعل فيما بعد هذه اللام، عُلم من ذلك أنها ليست التي تدخل على
стр. 2087
الفعل في خبرِ "إنّ" المشدّدة، وليست هي أيضًا التي تدخل على الفعل المستقبل، والماضي للقسم، نحوَ: "لَيفعلنَّ" "و"لَفَعَلَ". ولو كانت تلك، لزم الفعلَ الذي تدخل عليه إذا كان مضارعًا إحدى النونَيْن. فلمَّا لم تلزم، عُلم أنّها ليست إيّاها. قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ (١)، ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (٢)، فلم تلزم النونُ.
فصل [لام الجر]
قال صاحب الكتاب: ولام الجر في قولك: "المال لزيد"، و"جئتك لتكرمني"، لأن الفعل المنصوب بإضمار "أن" في تأويل المصدر المجرور, والتقدير: "لإكرامك.
* * *
стр. 2088
ومن أصناف الحرف تاءُ التأنيث الساكنة
فصل
قال صاحب الكتاب: وهي التاء في "ضربت". ودخولها للإيذان من أول الأمر بأن الفاعل مؤنث, وحقها السكون ولتحركها في "رمتا" لم ترد الألف الساقطة؛ لكونها عارضة إلا في لغة رديئه يقول أهلها: "رماتا".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ هذه التاء تلحق لفظَ الفعل الماضي، نحوَ قولك: "قامتُ هندُ"، و"قعدت جُمْلُ". وهي تُخالِف تاءَ التأنيث من جهتَين: من جهة المعنى ومن جهة اللفظ. فأمّا المعنى، فإنّ تاء التأنيث اللاحقة للأسماء إنّما تدخل لتأنيث الاسم الداخلة عليه، نحوَ قولك: "قائمةٌ"، و"قاعدةٌ"، و"امرأةٌ". واللاحقةُ الأفعالَ إنّما تدخل لتأنيث الفاعل إيذانًا منهم بأنّه مؤنّثٌ، فيُعلَم ذلك من أمره قبل الوصول إليه وذِكْرِه.
والذي يدلّ على أنّ المقصود بالتأنيث إنّما هو الفاعل لا الفعل أنّ الفعل لا يصحّ فيه معنى التأنيث، وذلك من قبل أنّه دالٌ على الجنس، والجنسُ مذكّرٌ لشِياعه وعمومِه. والشيءُ كلّما شاع وعمّ فالتذكيرُ أوْلى به من التأنيث، ألا ترى أنّ شَيئًا مذكّرةٌ، وهو أعمُّ الأشياء وأشيعُها, ولذلك قال سيبويه: لو سمّيتَ امرأةً بـ "نِعْمَ" و"بِئسَ" لم تصرفهما؛ لأنّ الأفعال كلّها مذكّرٌ لا يصحّ تأنيثُها. وأيضًا فلو كان المراد تأنيث الفعل دون فاعله؛ لجاز "قامتْ زيدٌ"، كما تقول: "قام زيدٌ ثمَّتَ عمروٌ"، و"رُبَّتَ رجلٍ لقيتُ". فلمّا لم يجز ذلك، صحّ أنّ التاء في "قامت هندٌ" لتأنيث الفاعل الذي يصحّ تأنيثُه، لا لتأنيث الفعل الذي لا يصحّ تأنيثُه.
أمّا اللفظ، فإنّ تاء التأنيث اللاحقة للأسماء تكون متحرّكة في الوصل، نحوَ قولك: "هذه امرأةٌ قائمةٌ يا فَتى"، و"رأيت امرأةً قائمةً يا فتى"، و"مررت بامرأةٍ قائمةٍ يا فتى"، والتاء التي تلحق الأفعالَ لا تكون إلَّا ساكنة وَصلًا ووَقفًا. وذلك قولك "قامتْ هندٌ"، "هندٌ قامت". فإن لَقِيَها ساكنٌ بعدها، حُرّكت بالكسر لالتقاء الساكنين، نحوَ قولك:
стр. 2089
"رمتِ المرأةُ". ولا يُرَدّ الساكن المحذوف، إذ الحركةُ غيرُ لازمة إذ كانت لالتقاء الساكنين، ولذلك تقول: "المرأتان رَمَتا"، فلا تردّ الساكنَ وإن انفتحت التاءُ؛ لأنّها حركةٌ عارضةً إذ ليس بلازم أن يُسْنَد الفعل إلى اثنين. فأصلُ التاء السكونُ، وإنّما حُرّكت بسبب ألف التثنية. وقد قالَ بعضهم: "رَمَاتا"، فردّ الألفَ الساقطةَ لتحرُّك التاء، وأجرى الحركة العارضة مُجْرَى اللازمة من نحو: "قُولا"، و"بِيعا" و"خافا". وذلك قليل ردىء من قبيل الضرورة. ومنه قول الشاعر [من المتقارب]:
١١٩٥ - لَهَا مَتنَتانِ خَظَاتاكما ... أكَبَّ على ساعِدَيْهِ النَّمِرْ
في أحد الوجهَين، وذلك أنّ بعضهم يقول: أراد "خَظَاتانِ"، فحذف النون للضرورة، وهو رأيُ الفرّاء. وبعضهم يقول: أراد: "خَظَتا"، من قولهم: "خَظا اللحمُ"، أي: اكتنز، وكثُر. والأصلُ في "خظتْ": "خظاتْ"، وإنّما حُذفت الألف لالتقاء الساكنين: سكونَها وسكونَ التاء بعدها. فلمّا تحرّكت للَحاق ألف الضمير بعدها، أعادوا الألف الساقطة ضرورةً على ما ذكرناه، أو على تلك اللغة. ومثله قول الآخر [من الرجز]:
مَهلًا فِداءٍ لك يا فضالَهْ ... أجَرَّه الرُّمْحَ ولاتُهالَه (١)
стр. 2090
أراد: تُهَل مِن "هَالَه الشيءُ يَهُوله"، إذا أفزَعَه. والأصلُ: تُهال: فلمّا سكنت اللامُ للنَّهي، حُذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثمّ دخلت هاءُ الوقف ساكنةً، فحُرّكت اللام لالتقاء الساكنين، كما حرّكوها في قولهم: لم أُبَلِه. وكان القياس أن يُقال: تهَلَه، فلا يرَدّ المحذوف، إذ الحركةُ عارضةٌ لالتقاء الساكنين، إلَّا أنهم أجروها مجرى اللازمة، فأعادوا المحذوف. ويؤيّد هذا القولَ قولُهم. "لَحْمَرُ" في "الأحَمر"، و"لَبيَضُ" في "الأبْيَض"، و ﴿عَادَا لولَى﴾ (١) في "الأولى". وذلك أّنهم اعتدّوا بحركة الهمزة المحذونة لمّا ألقوها على لام المعرفة، فأجروا ما ليس بلازم مجرى اللازم، فاعرفه.
стр. 2091
ومن أصناف الحرف
التنوين
فصل [أضربه]
قال صاحب الكتاب: وهو على خمسة أضرب: الدال على المكانة (١) في نحو: "زيدٍ", و"رجلٍ"، والفاصل بين المعرفة والنكرة في نحو: "صهٍ", و"مهٍ", و"إيهٍ"، والعوض من المضاف إليه في "إذ", و"حينئذٍ" (٢) , و"مررت بكل قائماً", و [من الخفيف]:
١١٩٦ - [طلبوا صلحنا] ولات أوانٍ ... [فأجبنا أن ليس حين بقاء]
стр. 2092
والنائب مناب حرف الإطلاق في إنشاد بني تميم في نحو قول جرير [من الوافر]:
أقلي اللوم عاذل والعتابن ... وقولي إن أصبت لقد أصابن (١)
والتنوين الغالي في نحو قول رؤبة [من الرجز]:
وقاتم الأعماق خاوي المخترقن (٢)
ولا يلحق إلا القافية المقيَّدة (٣).
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ التنوين في الحقيقة نونٌ تلحق آخِرَ الاسم المتمكّن، وغيرُه من وجوه التنوين فمبنيةٌ، يُقال: "نوّنتُ الكلمةَ تَنْوينًا" إذا ألحقتَها هذه النوَن. فالتنوينُ مصدرٌ غلب حتى صار اسمًا لهذه النون. وفرقوا بهذا الاسم بين هذه النون والنون الأصليّة، نحوِ: "قُطْنٍ" و"رسن" والملحقةِ الجاريةِ مجرى الأصليّة، نحو "رَعْشنٍ"، و"فِرْسِن". وذلك أنّ التنوين ليس مُثبَتًا في الكلمة، إنّما هو تابعٌ للحركات التابعة بعد تمام الجزء جِيءَ به لمعنًى، وليس كالنون الأصليّة التي من نفس الكلمة أو المُلْحَقةِ الجاريةِ مجرى الأصل، ولذلك من إرادة الفرق لم يثبت لها صورةٌ في الخطّ. وهو على خمسة أضرب:
أحدها: أن يأتي للفرق بين ما ينصرف وما لا ينصرف، وهو الدالّ على المكانة، أي: أنّه باقٍ على مكانه من الاسميّة لم يخرج إلى شَبَه الحرف، فيكونَ مبنيًّا، نحوَ: "الَّذِي" و"الَّتِي"، ولا إلى شبه الفعل، فيمتنعَ من الصوف، نحوَ: "أحمَدَ"، و"إبْراهِيمَ". وذلك نحوَ تنوين "رَجُلٍ"، و"فَرَسٍ"، و"زيدٍ"، و"عمرو"، و"أحمدٍ"، و"إبراهيم"، إذا أردت بهما النكرة. فإذا قلت: "لقيتُ أحمدًا"، فقد أعلمتَه أنّك مررت بواحد ممّن اسمُه "أحمدُ"، وإذا قلت: "أحمدَ" بغير تنوين، فأنت تُعْلمه أنك مررت بالرجل الذي اسمه أحمد، وبينك وبينه عهدٌ فيه وتواضعٌ، والتنوينُ هو الدالّ على ذلك.
والثاني: أن يكون دالاًّ على النكرة، ولا يكون في معرفة ألبتّة، ولا يكون إلَّا تابعًا لحركات البناء دون حركات الإعراب، وذلك نحو: "صَهٍ"، و"مَهٍ"، و"إيهٍ". فإذا قلت:
стр. 2093
"صَهٍ" منوّنًا، فكأنّك قلت: "سُكوتًا". وإذا قلت: "صهِ" بغير تنوين، فكأنّك قلت: "السُّكوتَ". وإذا قلت: "مَهٍ" بالتنوين، فمعناه "كَفًّا". وإذا قلت: "مَهِ"، فكأنّك قلت: "الكَفَّ". وكذلك إذا قلت: "إيهٍ"، معناه استزادةً. وإذا قلت: "إيهِ"، فكأنّك قلت: "الاستزادةَ". فالتنوينُ عَلَمُ التنكير وتركه علمُ التعريف. قال ذو الرُّمّة [من الطويل]:
وَقَفْنَا وقلنا إيهِ عن أمِّ سالِمٍ ... وما بالُ تَكلِيمِ الدِيارِ البَلاقِعِ (١)
فكأنّه قال: "الاستزادةَ". وقد أنكر هذا البيتَ الأصمعيّ، وقال: العربُ لا تقول إلَّا: "إيهٍ" بالتنوين. والصوابُ ما قاله الشاعر من أنّ المراد من "إيهِ" بغير تنوين المعرفةُ. وإذا أراد النكرةَ، نوّن على ما قدّمنا. وخَفِيَ على الأصمعيّ هذا المعنى للُطفه. ونظائرُ ذلك كثيرةٌ من نحو: "سِيبَوَيْهِ"، و"سيبويهٍ"، و"عَمرَوَيْهِ"، و"عمرويهٍ". قال الشاعر [من الرجز]:
١١٩٧ - يَا عَمْرَوَيهِ انْطَلَقَ الرِّفاقُ ... وأنْتَ لا تَبْكِي ولا تَشْتَاقُ
إذا نكرتَ نوّنتَ، وإذا أردت المعرفة لم تُنوِّن، فاعرفه.
الثالث: تنوين العِوَض، وذلك نحوُ: "إذٍ"، و"يومئذٍ"، و"ساعتَئِذٍ". وسُمّي هذا الضرب من التنوين تنوينَ عوض؛ لأنّه عوضٌ من جملةِ كان الظرف الذي هو "إذْ" مضافًا إليها (٢)؛ لأنّه قد تقدّم إنّ "إذ" تضاف إلى الجملة، فلمّا حُذفت تلك الجملة للعلم بموضعها، عُوّض منها التنوين اختصارًا، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَالَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (٣). والأصلُ: يومَئِذ تُزلزل الأرض زلزالها، وتُخرِج الأرض أثقالها، ويقول الإنسان: ما لها. فخذفت هذه الجُمَل الثلاث، وناب منابَها التنوين، فاجتمع ساكنان، وهما الذال والتنوين، فكُسرت الذال لالتقاء الساكنين.
стр. 2094
وليست هذه الكسرةُ في الذال بكسرةِ إعراب، وإن كانت "إذٍ" في موضعِ جرّ بإضافةِ ما قبلها إليها، وإنّما الكسرةُ فيها لالتقاء الساكنين كما كُسرت الهاء في "صَهٍ"، و"مَهٍ" لسكونها وسكونِ التنوين بعدها، وإن اختلف معنى التنوين فيهما، فكان في "إذ" عوضًا، وفي "صَهٍ" عَلَمًا للتنكير. والذي يدلّ أنّ الكسرة في ذال "إذٍ" من قولك: "يومئذٍ"، و"حينئذٍ" كسرةُ بناء لا كسرةُ إعراب قولُ الشاعر [من الوافر]:
نَهَيتُكَ عن طِلابِك أمَّ عَمرٍو ... بعافِيَةٍ وأنتَ إذٍ صَحِيحُ (١)
ألا ترى أن "إذٍ" في هذا البيت ليس قبلها شيءٌ يُضاف إليها، فيُتوهّمَ أنّه مخفوضٌ به؟
فأمّا قولهم: "مررتُ بكلٍّ قائمًا" فقد تقدّم الكلام عليه، وعلى الخلاف فيه, وذلك أنّ منهم مَن جعله تنوين عوض كالذي في "يومئذٍ" ونظائره؛ لأنّ حقّ هذا الاسم أن يُضاف إلى ما بعده، فلمّا قُطع عن الإضافة لدلالةِ كلام قبله عليه، عُوّض التنوين. ومنهم مَن جعله تنوينَ تمكين؛ لأنّ الإضافة كانت مانعة من التنوين، فلمّا قُطع عن الإضافة إليه، دخله التنوينُ, لأنه اسمٌ معربٌ حقّه أن تدخله حركاتُ الإعراب والتنوينُ. وهذا الوجهُ عندي الوجهُ من قبل أنّ هذا العوض إنّما جاء فيما كان مبنيًّا ممّا حقُّه أن يُضاف إلى الجمل، وأمّا المعرب الذي يُضاف إلى مفرد، فلا. وأمّا [من الخفيف]:
لات أوانٍ ... إلخ
فمن قول الشاعر [من الخفيف]:
طَلَبُوا صُلحَنا ولاتَ أوانٍ ... فأجَبْنا أنّ لاتَ حِينَ بَقاءِ (٢)
فإنّ أبا العبّاس المبرّد ذهب إلى أنّ كسرة "أوان" ليست إعرابًا, ولا عَلَمًا للجرّ، والتنوين الذي بعده ليس الذي يتبع حركاتِ الإعراب، وإنّما تقديرُه عنده أنّ "أوانٍ" بمنزلةِ "إذٍ" في أنّ حقّه أن يكون مضافًا إلى الجملة، نحوَ قولك: "جئتُك أوانَ قام زيدٌ، وأوانَ الحَجّاجُ أميرٌ"، فلمّا حذف المضاف إليه من "أوان"، عوّض من المضاف إليه تنوينًا، والنونُ كانت ساكنة كسكون الذال في "إذٍ" فلمّا لقيها التنوينُ ساكنًا، كُسرت لالتقاء الساكنين كما، كُسرت ذالُ "إذ" عند دخول التنوين عليها. وهو قول ضعيف؛ لأنّ "أوانًا" من أسماء الزمان تُضاف تارةً إلى الجملة، وتارةً إلى المفرد. قال الشاعر [من الرجز]:
١١٩٨ - هذا أوانُ الشَّدِّ فاشتَدِّي زِيَمْ
стр. 2095
فأضافه إلى المفرد، وقال [من الرجز]:
١١٩٩ - هذا أوانُ الغَرِّ
وذلك كثيرٌ. والذي حمله على هذا القول أنّه رآه مخفوضًا, وليس قبله ما يوجب خفضَه، فتَخيّله لذلك. والذي عليه الجماعةُ أنّه مخفوضٌ، والكسرةُ فيه إعرابٌ، والتنوين تنوينُ تمكين، والخافضُ "لات". وهي لغةٌ قليلةٌ لقومٍ من العرب يخفضون بهاء. وقد قرأ عيسى بن عمر (١): ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (٢) بجر "حين" على ما ذكرنا، فاعرفه.
الرابع: من ضروب التنوين تنوين الترنّم. وهذا التنوين يُستعمل في الشعر والقوافي للتطريب، مُعاقِبًا بما فيه من الغّنة لحروف المدّ واللين. وقد كانوا يستلذّون الغنّةَ في كلامهم، وقد قال بعضهم: إنّما قيل للمُطرِب: "مُغنِّ"؛ لأنّه يُغنَّن صوتَه، وأصلُه مُغَنِّنٌ، فأُبدِل من النون الآخيرة ياءً، كما قالوا: "تَقَضَّى البازي"، والمراد: تَقَضَّضَ. وقالوا: "قَصَّيْتُ أظفَارِي"، والمعنى: قَصَّصْتُ.
وهو على ضربين: أحدهما أن يلحق متممًا للبناء مُكملًا للوزن. والآخر أن يلحق زيادةً بعد استيفاء البيت جميعَ أجزائه نَيِّفًا عن آخِره بمنزلة الخَرْم (٣) في أوّله، فالأوّلُ
стр. 2096
منهما نحوُ قول امرئ القيس في إنشاد كثير من بني تميم [من الطويل]:
قِفَا نَبكِ مِن ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنزِلِن ... [بِسْقطِ اللّوَى بينَ الدَّخولِ فَحَوْمَلن] (١)
وقول جرير [من الوافر]:
أقلّي اللوم عاذل والعتابنْ (٢)
فالنون هنا معاقبةٌ للياء والألف في "منزلِي" و"العتابا". ونحو قوله [من الوافر]:
سُقِيتِ الغَيثَ أيَّتُها الخِيامُنْ (٣)
وقالوا [من الرجز]:
دَايَنتُ أروَى والدُّيونُ تُقضَن (٤)
فجاؤوا بها مع الفعل كما تجيء حروفُ اللين إطلاقًا. وقد جاؤوا بها مع المضمر.
قالوا [من الرجز]:
يا أبَتا عَلَّكَ أو عَساكَنْ (٥)
فهذه النون ليست زائدة علي بناء البيت، بل هي من تمامه. وأما الثاني، فهو إلحاقها نَيَّفًا عن آخر البيت بمنزلة الخرم في أوّله، نحوُ قول رُؤبة [من الرجز]:
وقاتِمِ الأعْماقِ خاوِي المُختَرَقِن ... مُشتَبِهِ الأعلامِ لَمّاعِ الخَفَقِن (٦)
النون في "المخترقن" زيادةٌ؛ لأنّ القاف قد كمّلت وزنَ البيت؛ لأنّه من الرجز، فالقافُ بمنزلة النون في "مُستفعِلُن". ويسمّي أبو الحسن هذه النون الغالي. وسمّوا الحركةَ التي قبلها الغُلُوّ؛ لأنّه دخل دخولًا جاوَزَ الحدَّ؛ لأنَّه مُنع من الوزن. والغُلُوُّ. تَجاوُزُ الحدّ. ومثله [من الرجز]:
١٢٠٠ - ومَنْهَلٍ وردتُه طامٍ خالْ
стр. 2097
وصاحب الكتاب جعل هذا الغالي قسمًا غيرَ الأوّل. والصواب أنّه ضربٌ منه، ويجمعهما الترنّمُ، إذ الأوّل إنّما يلحق القوافى المطلقَةَ مُعاقِبًا لحروف الإطلاق. والثاني- وهو الغالي- إنّما يلحق القوافي المقيّدةَ.
وقد أخَلَّ بتنوين المقابَلة، وهو قسمٌ من أقسام التنوين ذكره أصحابُنا. وذلك أن يكون في جماعة المؤنّثُ مُعادِلاً للنون في جماعة المذكّر. وذلك إذا سُمّي به، نحوُ امرأة سمّيتها بـ "مُسْلِماتٍ" ففيها التعريفُ والتأنيثُ، فكان يجب أن لا يُنوَّن لاجتماع علّتَين فيه، لكن التنوين فيه بإزاء النون التي تكون في المذكّر من نحو قولك: "المسلمون"، فسمّوه بتنوينِ مقابلة لذلك. وذلك قولك إذا سمّيت رجلاً بـ "مسلماتٍ" أو"قائمات" قلت: "هذا مسلماتٌ"، و"رأيت مسلماتٍ" و"مررت بمسلماتٍ"، فتُثْبِت التنوين هنا كما أنّك إذا سمّيت رجلاً بـ "مسلمون" قلت: "هذا مسلمون"، و"رأيت مسلمين"، و"مررت بمسلمين". فالتاء في "مسلماتٌ" بمنزلة الواو في "مسلمون"، كما أن التاء والكسوة بمنزلة الياء في "مسلمين"، فالتنوينُ في "مسلماتٍ" اسم رجل معرفةً ليس عَلَمًا للصرف بمنزلة تنوين "بكرٍ" و"زيدٍ". ولو كان مثله، لزال عند التسمية. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (١). وقال الشاعر [من الطويل]:
تَنَورَّتُها من أذرِعاتِ وأهلُها ... بيَثرِبَ أدْنَى دارَها نظرٌ عالِي (٢)
وقد أنشده بعضهم: "أذرعاتِ"، بغير تنوين، شَبَّهَ تاء الجمع بهاء الواحدة، فلم ينوّن للتعريف والتأنيث، فاعرفه.
فصل [التقاء التنوين بساكن]
قال صاحب الكتاب: والتنوين ساكن أبداً إلا أن يلاقي ساكناً آخر, فيُكسَر أو يضم, كقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٍ ارْكُضْ﴾ (٣) , وقرىء بالضم (٤). وقد يحذف, كقوله [من المتقارب]:
فألفيته غير مستعتبٍ ... ولا ذاكر الله إلا قليلاً (٥)
стр. 2098
وقرىء: ﴿قُل هُوَ الله أحَدُ الله الصَّمَدُ﴾ (١).
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ التنوين نونٌ ساكنةٌ تلحق آخِرَ الاسم. وإنما كان ساكنًا؛ لأنّه حرفٌ جاء لمعنى في آخِر الكلمة، نحو نون التثنية والجمع الذي على حدّ التثنية، وألف النُّدْبة، وهاء تبيين الحركة. ولم يقع أوّلاً فتمسَّ الحاجة إلى تحريكه نحوِ واو العطف، وفائه، وهمزة الاستفهام، ونحوِ ذلك ممّا قد يُبتدأ به، ولا يمكن الابتداءُ بالساكن.
فإذا لَقِيَه ساكنٌ بعده، حُرّك لالتقاء الساكنين، وقضيّتُه أن يُحرَّك بالكسرة؛ لأنّه الأصل في كلّ ساكنَيْن التقيا، وذلك قولك: "هذا زَيدُنِ العاقلُ"، و"رأيت زيدَنِ العاقلَ"، و"مررت بزيدِنِ العاقلِ". قال الله تعالى: ﴿مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٢)، وقال: ﴿عَذَابٍ ارْكُضْ﴾ (٣)، قُرئت بالضمّ والكسر. فمَن كسر فعلى الأصل، ومن ضمّ أتبع الضمَّ الضمَّ كراهيةَ الخروج من كسر إلى ضمّ، ومثلُه ﴿وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا﴾ (٤) , جاءت مكسورةً ومضمومةً (٥).
وربّما حذفوه لالتقاء الساكنين تشبيهًا له بحروف المدَّ واللين. وقد كثُر ذلك عنهم حتى كاد يكون قياسًا، فمن ذلك قوله تعالى في قراءةِ من قرأ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ (٦) والمعنى: "سابقٌ" منوّنٌ، فحُذف التنوين للساكن بعده كما يحذف حرف المدّ من نحوِ: "يَغزُ الجَيشُ"، و"يَرْم الغَرَضَ". ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٧)، قُرىء على وجهين (٨): أحدهما ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ بتنوين "عزير"؛ لأن "ابنًا" الآنَ خبرٌ عن "عزير"، فجرى مجرى قولك: "زيدٌ ابنُ عمرو". والقراءةُ الأُخرى ﴿وقالت اليهود عزيرُ ابن الله﴾. وهي على وجهين: أحدهما: أن يكون "عزير" خبرَ مبتدأ محذوف، و"ابنٌ" وصفٌ له، فحُذف التنوين من "عزير"؛ لأن "ابنًا" وصفٌ له، فكأنّهم قالوا: هو عزير بن الله. والوجه الآخر: أن يكون جعل "ابنًا" خبرًا عن "عزير"، وحذف التنوينَ لالتقاء الساكنين، وعليه الشاهد.
стр. 2099
ومن ذلك قوله تعالى في قراءة أبي عمرو: ﴿قُلْ هُوَ اَللهُ أَحَدُ اللهُ اَلصَمَدُ﴾ (١). وزعم أبو الحسن أن عيسى بن عمر (٢) أجاز نحو ذلك. فأمّا قوله [من المتقارب]:
فألفيته ... إلخ
فإنّ الشاهد حذفُ التنوين لالتقاء الساكنين، والمراد: "ولا ذاكرٍ الله"، فالتنوينُ وإن كان محذوفًا في اللفظ، فهو في حكم الثابت. ولولا ذلك، لَخَفَص. والبيت لأبي الأسود الدُؤليّ، وقبله:
فذكّرته ثمَّ عاتَبته ... عِتابًا رَفيقًا وقَوْلاً جَمِيلا
ومعناه: أنّ رجلاً كان يُقال له نُسَيْب بن حميد كان يغشى أبا الأسود ويودّه، فذكر لأبي الأسود أن عنده جُبَّة إصْبَهانيْةً، ثمّ رآها أبو الأسود، وطلب ابتياعها منه، فأغلى سيمتَها عليه. وكان أبو الأسود من البخلاء، فذكّره بما بينهما من المودّة، فلم يُفِد عنده، فقال البيتَيْن. ومثلُ ذلك قول الآخر [من الرجز]:
واللهِ لو كنتَ لِهذا خالِصًا ... لَكنتَ عَبداً آكِلَ الأبارِصا (٣)
أراد: آكِلاً، فحذف التنوين، ونصب. ومثله [من الكامل]:
١٢٠١ - عَمْرُو الذي هَشَمَ الثَّرِيدَ لقَوْمِهِ ... ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُون عِجافُ
стр. 2100
أراد: "عمرٌو الذي". وقال ابن قيس [من الخفيف]:
١٢٠٢ - كيف نَوْمي على الفِراش ولمّا ... تَشْمَلِ الشَّأْمَ غَارةٌ شَعْواءُ
تُذهِلُ الشَّيخَ عَن بَنِيه وتُبْدِي ... عن خِدامِ العَقِيلَةُ العَذراءُ
أي: "عن خدام العقيلةُ"، فحذف التنوين في هذا كلّه لالتقاء الساكنين, لأنّه ضارع حروفَ اللين بما فيه من الغُنّة، والقياسُ تحريكه، فاعرفه.
стр. 2101
ومن أصناف الحرف
النونُ المؤكِّدةُ
فصل [ضرباها]
قال صاحب الكتاب: وهي على ضربين: ثقيلةٌ, وخفيفةٌ. فالخفيفة تقع في جميع مواضع الثقيلة إلا في فعل الاثنين, وفعل جماعة المؤنث, تقول: اضرِبَنَّ, و"اضربُنَّ", و"اضربِنَّ", و"اضربَنْ" و"اضربُنْ" و"اضربِنْ", وتقول: اضربانِّ واضربنانِّ, ولا تقول: "اضربانْ" ولا "اضربنان", إلا عند يونس (١).
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ هاتَين النونَين الشديدة والخفيفة من حروف المعاني، والمرادُ بهما التأكيد. ولا تدخلان إلاَّ على الأفعال المستقبلة خاصّةً، وتُؤثَّران فيها تأثيرَين: تأثيرًا في لفظها وتأثيرًا في معناها. فتأثيرُ اللفظ إخراجُ الفعل إلى البناء بعد أن كان معربًا. وتأثيرُ المعنى إخلاصُ الفعل للاستقبال بعد أن كان يصلح لهما.
المشدّدةُ أبلغُ في التأكيد من المخفّفة, لأنّ تكرير النون بمنزلة تكرير التأكيد، فقولُك: "اضرِبُن" خَفيفةَ النون بمنزلة قولك: "اضْرِبوا كلُّكم"، وقولُك: "اضْرِبُنِّ" مشدّدةَ النون بمنزلةِ "اضربوا كلّكم أجمعون".
فإذا لحقتْ هذه النون الفعلَ، كان ما قبلها مفتوحًا مع الواحد المذكّر، شديدةً كانت أو خفيفةً، سواء كان الفعل في موضعِ جزم أو في موضعِ رفع. تقول فيما كان موضعه جزمًا: "لا تضربَنَّ زيدًا" شديدةَ النون، و"لا تضربَنْ خالدًا" خفيفةَ النون. وتقول فيما كان موضعه رفعًا: "هل تضربَنَّ زيداً؟ " و"هل تضربَنْ؟ ".
وإنّما كان ما قبل هذه النون مفتوحًا هنا؛ لأنّ آخِرَ الفعل ساكنٌ لحدوث البناء فيه عند اتّصال هذه النون به؛ لأنّها تؤكّد معنَى الفعليّة، فعاد إلى أصله من البناء، والنونُ الخفيفةُ ساكنةٌ.
стр. 2102
والشديدةُ نونان: الأُولى منهما ساكنةٌ، فاجتمع ساكنان، فكرهوا ضمَّها أو كسرَها؛ لأنّ ضمّها يُلْبِس بفعل الجمع، وكسرها يلبس بفعل المؤنث، كقولك في فعل الجمع: "لاتَضرِبُنَّ"، وفي فعل المؤنّث "تَضْرِبِنَّ".
وقد اختلفوا في هذه الحركة، فذهب قومٌ إلى أنَّها بناءٌ، وذهب آخرون إلى أنّها حركةُ التقاء الساكنين. واحتجّ الأوّلون بأنّها لو كانت لالتقاء الساكنين، لكانت عارضة، وقد قالوا: "قُولَنَّ"، و"بِيعَنَّ"، فأعادوا الواو والياء، فدلّ أنّ الحركة حركةُ بناء لا حركةُ التقاء الساكنين. والصحيحُ الثاني. فأمّا إعادةُ المحذوف، فإنّ النون لمّا دخلت على هذا الفعل، صار كالتركيب، وصار الكلمتان كالكلمة الواحدة، وصارت الحركةُ كاللازمة لذلك.
وتقول في فعل الاثنين: "اضرِبَانِّ زيدًا"، و"لَا تَضرِبَانِّ زيدًا". قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وتقول في الجمع: "هل تَضرِبُنَّ زيدًا يا قومُ"، و"لا تضربُنَّ زيدًا يا قوم"، فتحذف الواو التي هي ضميرُ الفاعل لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمّةُ قبلها تدلّ عليها. وتقول في المؤنّث: "هل تَضرِبِنَّ يا هندُ"، والأصل: "تَضرِبِينَنَّ"، فحذفت النون التي هي علامةُ الرفع للبناء، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
فإن قيل: ولِمَ لا حُذفت الألف لالتقاء الساكنين في فعل الاثنين كما سقطت الواوُ في فعل الجماعة، والياءُ في فعل المؤنّث؟ قيل: لأنّها لو سقطتْ، لأشبه فعلَ الواحد، وليس ذلك في فعل الجماعة، وفعل المؤنّث، مع أنَّه وُجد فيه الشرطان المرعيّان في الجمع بين ساكنَيْن، وهو كونُ الساكن الأوّل حرفَ مدّ ولين، والثاني مدّغمًا فهو كـ "دابَّةٍ" و"شابّة" و"تُمُودَّ الثَّوْبُ"، و"أُصَيْمَّ"، و "مُدَيقِّ" تصغيرِ: "أصَمَّ" و"مِدَقٍّ"، غيرَ أنّ الحذف أوْلى فيما لا يُشكِل.
وكل موضع تدخل فيه الشديدة، فإنّ الخفيفة تدخل فيه أيضًا، إلَّا مع فعل الاثنين وفعل جماعة النساء. فإنّ الخليل وسيبويه كانا لا يَرَيان ذلك. وكان يونس (٢) وناسٌ من النحويين غيره يرون ذلك، وهو قول الكوفيين (٣). وحجّةُ سيبويه أنّا لو أدخلنا النون الخفيفة في فعل الاثنين، لقلنا: "اضرِبَانْ زيدًا"، فكان يجتمع ساكنان في الوصل على غير شرطه؛ لأن الساكن الثاني هنا غير مدغم.
ولسنا مضطرّين إليها بحيث نصير إلى صورةٍ نخرج بها عن كلام العرب.
стр. 2103
فأمّا فعل جماعة المؤنّث، فإذا دخلت عليه نونُ التوكيد المشدّدةُ؛ فإنّك تقول: "اضرِبْنانِّ" و"هل تَضرِبنانِّ؟ " والأصل: هل تَضْرِبنَ؟، فالنون لجماعة المؤنّث، ثمّ دخلت النون الشديدة، فصار هل تضربنَنِّ؟ باجتماعِ ثلاث نونات، وهم يستثقلون اجتماعَ النونات. ألا ترى أنّهم قالوا: "أني" وَ"كَأنِّي"، والأصل: "أنّنِي"، و"كَأنَّنِي"، فحذفوا النونات استثقالًا لاجتماعهنّ؟ فلمّا أدّى إدخالُ نون التأكيد على فعل جماعة النساء إلى اجتماع ذلك، ولم يُمّكِن حدْفُ إحداهنّ، أدخلوا ألفًا فاصلةً بين النونات لِيزول في اللفظ اجتماعُهنّ، فقالوا: اضربنَانِّ، فالألفُ ههنا شبيهٌ بالألف الفاصلة بين الهمزتين في نحو: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١)، و ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ (٢)؛ لأنّه بالفصل بينهما يزول الاستثقالُ.
وسيبويه لا يرى إدخالَ نون التأكيد الخفيفةِ لِما يُؤدِّي إليه من اجتماع الساكنين على غير شرطه، وهما النون وألف الوصل. وكان يونس يجيز ذلك، ويقول: "اضْرِبْنَان"، و"هل تَضرِبنَانْ؟ " كما يفعل في التثنية، وكأنّه يكتفي بأحد الشرطَين، وهو المدّ الذي في الألف. ونظيرُ ذلك عنده قراءةُ من قرأ ﴿مَحْيَايَ﴾ (٣) بإسكان الياء. وليس ذلك بقياس، وهو خلافُ كلام العرب.
فإذا وُقف على هذه النون على قياس قول يونس، قالوا: "اضرِبْنَا"، و"هل تَضرِبْنا؟ " فتُمدّ مقدارَ ألفين: ألفِ الفصل، والألفِ المبدلةِ من النون التي على حدِّ ﴿لَنَسْفَعًا﴾ (٤). وكان الزجّاج يُنْكِر ذلك، ويقول لو مُدَّ مَهْمَا مُدّ لم يكن إلَّا ألفًا واحدةً. والقولُ ما قاله يونس؛ لأنه يجوز أن يتفاوت المد، فيكون مدٌّ بإزاءِ ألف واحدة، ومدٌّ بإزاء ألفَيْن.
والكوفيون (٥) يزعمون أنّ النون الخفيفة أصلها الشديدة، فخُفّفت كما خُفّفت "إنَّ"، و"لكِنَّ". ومذهبُ سيبويه أنّ كلّ واحد منهما أصلٌ، وليست إحداهما من الأخُرى، إذ لو كانت منها, لكان حكمُهما حكمًا واحدًا، وليس الأمر كذلك، ألا ترى أنّك تُبدِل من الخفيفة في الوقف ألفًا، وتحذف إذا لقيها ساكنٌ، وحكمُ "إنْ"، و"لكِنْ" بعد التخفيف كحكمهما قبله لا يختلف الأمرُ فيهما؟ فلمّا اختلف حكمُ النونَين، دلّ على اختلافهما في أنفسهما.
стр. 2104
فصل [ارتباطُها بالمستقبَل]
قال صاحب الكتاب: ولا يؤكد بها إلا الفعل المستقبل الذي فيه معنى الطلب, وذلك ما كان قسماً, أو أمراً, أو نهياً, أو استفهاماً أو عرضاً أو تمنياً ,كقولك: "بالله لأفعلن"، و"أقسمت عليك إلا تفعلن"، و"لما تفعلن" و"اضربن"، و"لا تخرجن"، و"هل تذهبن"، و"ألا تنزلن"، و"ليتك تخرجن".
* * *
قال الشارح: مَظنَّةُ هذه النون الفعلُ المستقبلُ المطلوبُ تحصيلُه؛ لأنّ الفعل المستقبل غيرُ موجود، فإذا أُريد حصولُه، أُكّد بالنون إيذانًا بقوّة العناية بوجوده. ومظنّتُها ما ذكر من المواضع. فمن ذلك فعلُ القسم، نحوُ قولك: "والله لأقومنّ"، و"أقسمتُ علمِك لَتفعلنّ". قال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (١). قال الشاعر [من الطويل]:
١٢٠٣ - فمنْ يَكُ لم يَثْأرْ بأعراضِ قَوْمهِ ... فإنّي وَرَبّ الراقِصاتِ لأثأرا
وهذه النون تقع هنا لازمة. لو قلت: "والله لَيقومُ زيدٌ"، لم يجز. وإنّما لزمت ههنا؛ لئلاّ يُتوهّم أنّ هذه اللامُ التي تقع في خبرِ "إنَّ" لغير قسم، فأرادوا إزالةَ اللبس
стр. 2105
بإدخال النون وتخليصِه للاستقبال، إذ لو قلت: "إنَّ زيدًا لَيقومُ"، جاز أن يكون للحال والاستقبال بمنزلةِ ما لا لامَ فيه. فإذا قلت: "إنّ زيدًا لَيقومنّ"، كان هذا جوابَ قسم، والمرادُ: الاستقبال لا غير. وذهب أبو عليّ إلى أنّ النون هنا غيرُ لازمة، وحكاه عن سيبويه، قال: ولَحاقُها أكثرُ. والسيرافيّ وجماعةٌ من النحويين يرون أنّ لحاق النون يقع لازمًا للفصل الذي ذكرناه، وهو الظاهر من كلام سيبويه (١)، ودْلك قوله: إِنّ اللام إنّما لزمت اليمينَ كما لزمت النون اللامَ، وهذا نصٌّ منه.
ومن ذلك فعل الأمر والنهي والاستفهام، تقول في الأمر: "اضربَنَّ زيدًا"، وفي النهي: "لا تضربَنَّ زيدًا". قال الله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وتقول في الاستفهام: "هل تضربنّ جعفرًا؟ " قال الشاعر [من الطويل]:
وإيّاك والمَيْتاتِ لا تَقرَبَنَّها ... ولا تَعْبُدِ الشيْطانَ واللهَ فاعْبُدا (٤)
فقال: "لا تقربنّها" بالنون الشديدة في النهي، وقال: "والله فاعبدا"، فأتى بالنون الخفيفة مع الأمر، ثمَّ وقف فأبدل منها الألفَ. وتقول في الاستفهام: "هل تقولَنَّ ذلك؟ " قال الأعشى [من المتقارب]:
١٢٠٤ - وهل يَمنَعَنِّي ارتِيَادُ البلادِ ... مِن حَذَرِ الموتِ أنّ يَأتِيَن
والأصل دخولها على الأمر والنهي للتوكيد. والاستفهامُ مضارعٌ للأمر؛ لأنّه واجبٌ، وفيه معنى الطلب. فإذا قلت: "هل تفعلنَّ كذا؟ " فإنّك تستدعي منه تعريفَك كما يستدعي الآمِرُ الفعلَ. وكان يونس (٥) يجيز دخولَ هذه النون في العَرْض، فيقول: "ألا