← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

ومن أصناف الحرف النونُ المؤكِّدةُ فصل [ضرباها] قال صاحب الكتاب: وهي على ضربين: ثقيلةٌ, وخفيفةٌ. فالخفيفة تقع في جميع مواضع الثقيلة إلا في فعل الاثنين, وفعل جماعة المؤنث, تقول: اضرِبَنَّ, و"اضربُنَّ", و"اضربِنَّ", و"اضربَنْ" و"اضربُنْ" و"اضربِنْ", وتقول: اضربانِّ واضربنانِّ, ولا تقول: "اضربانْ" ولا "اضربنان", إلا عند يونس (١). * * * قال الشارح: اعلم أنّ هاتَين النونَين الشديدة والخفيفة من حروف المعاني، والمرادُ بهما التأكيد. ولا تدخلان إلاَّ على الأفعال المستقبلة خاصّةً، وتُؤثَّران فيها تأثيرَين: تأثيرًا في لفظها وتأثيرًا في معناها. فتأثيرُ اللفظ إخراجُ الفعل إلى البناء بعد أن كان معربًا. وتأثيرُ المعنى إخلاصُ الفعل للاستقبال بعد أن كان يصلح لهما. المشدّدةُ أبلغُ في التأكيد من المخفّفة, لأنّ تكرير النون بمنزلة تكرير التأكيد، فقولُك: "اضرِبُن" خَفيفةَ النون بمنزلة قولك: "اضْرِبوا كلُّكم"، وقولُك: "اضْرِبُنِّ" مشدّدةَ النون بمنزلةِ "اضربوا كلّكم أجمعون". فإذا لحقتْ هذه النون الفعلَ، كان ما قبلها مفتوحًا مع الواحد المذكّر، شديدةً كانت أو خفيفةً، سواء كان الفعل في موضعِ جزم أو في موضعِ رفع. تقول فيما كان موضعه جزمًا: "لا تضربَنَّ زيدًا" شديدةَ النون، و"لا تضربَنْ خالدًا" خفيفةَ النون. وتقول فيما كان موضعه رفعًا: "هل تضربَنَّ زيداً؟ " و"هل تضربَنْ؟ ". وإنّما كان ما قبل هذه النون مفتوحًا هنا؛ لأنّ آخِرَ الفعل ساكنٌ لحدوث البناء فيه عند اتّصال هذه النون به؛ لأنّها تؤكّد معنَى الفعليّة، فعاد إلى أصله من البناء، والنونُ الخفيفةُ ساكنةٌ.

стр. 2102

والشديدةُ نونان: الأُولى منهما ساكنةٌ، فاجتمع ساكنان، فكرهوا ضمَّها أو كسرَها؛ لأنّ ضمّها يُلْبِس بفعل الجمع، وكسرها يلبس بفعل المؤنث، كقولك في فعل الجمع: "لاتَضرِبُنَّ"، وفي فعل المؤنّث "تَضْرِبِنَّ". وقد اختلفوا في هذه الحركة، فذهب قومٌ إلى أنَّها بناءٌ، وذهب آخرون إلى أنّها حركةُ التقاء الساكنين. واحتجّ الأوّلون بأنّها لو كانت لالتقاء الساكنين، لكانت عارضة، وقد قالوا: "قُولَنَّ"، و"بِيعَنَّ"، فأعادوا الواو والياء، فدلّ أنّ الحركة حركةُ بناء لا حركةُ التقاء الساكنين. والصحيحُ الثاني. فأمّا إعادةُ المحذوف، فإنّ النون لمّا دخلت على هذا الفعل، صار كالتركيب، وصار الكلمتان كالكلمة الواحدة، وصارت الحركةُ كاللازمة لذلك. وتقول في فعل الاثنين: "اضرِبَانِّ زيدًا"، و"لَا تَضرِبَانِّ زيدًا". قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وتقول في الجمع: "هل تَضرِبُنَّ زيدًا يا قومُ"، و"لا تضربُنَّ زيدًا يا قوم"، فتحذف الواو التي هي ضميرُ الفاعل لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمّةُ قبلها تدلّ عليها. وتقول في المؤنّث: "هل تَضرِبِنَّ يا هندُ"، والأصل: "تَضرِبِينَنَّ"، فحذفت النون التي هي علامةُ الرفع للبناء، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. فإن قيل: ولِمَ لا حُذفت الألف لالتقاء الساكنين في فعل الاثنين كما سقطت الواوُ في فعل الجماعة، والياءُ في فعل المؤنّث؟ قيل: لأنّها لو سقطتْ، لأشبه فعلَ الواحد، وليس ذلك في فعل الجماعة، وفعل المؤنّث، مع أنَّه وُجد فيه الشرطان المرعيّان في الجمع بين ساكنَيْن، وهو كونُ الساكن الأوّل حرفَ مدّ ولين، والثاني مدّغمًا فهو كـ "دابَّةٍ" و"شابّة" و"تُمُودَّ الثَّوْبُ"، و"أُصَيْمَّ"، و "مُدَيقِّ" تصغيرِ: "أصَمَّ" و"مِدَقٍّ"، غيرَ أنّ الحذف أوْلى فيما لا يُشكِل. وكل موضع تدخل فيه الشديدة، فإنّ الخفيفة تدخل فيه أيضًا، إلَّا مع فعل الاثنين وفعل جماعة النساء. فإنّ الخليل وسيبويه كانا لا يَرَيان ذلك. وكان يونس (٢) وناسٌ من النحويين غيره يرون ذلك، وهو قول الكوفيين (٣). وحجّةُ سيبويه أنّا لو أدخلنا النون الخفيفة في فعل الاثنين، لقلنا: "اضرِبَانْ زيدًا"، فكان يجتمع ساكنان في الوصل على غير شرطه؛ لأن الساكن الثاني هنا غير مدغم. ولسنا مضطرّين إليها بحيث نصير إلى صورةٍ نخرج بها عن كلام العرب.

стр. 2103

فأمّا فعل جماعة المؤنّث، فإذا دخلت عليه نونُ التوكيد المشدّدةُ؛ فإنّك تقول: "اضرِبْنانِّ" و"هل تَضرِبنانِّ؟ " والأصل: هل تَضْرِبنَ؟، فالنون لجماعة المؤنّث، ثمّ دخلت النون الشديدة، فصار هل تضربنَنِّ؟ باجتماعِ ثلاث نونات، وهم يستثقلون اجتماعَ النونات. ألا ترى أنّهم قالوا: "أني" وَ"كَأنِّي"، والأصل: "أنّنِي"، و"كَأنَّنِي"، فحذفوا النونات استثقالًا لاجتماعهنّ؟ فلمّا أدّى إدخالُ نون التأكيد على فعل جماعة النساء إلى اجتماع ذلك، ولم يُمّكِن حدْفُ إحداهنّ، أدخلوا ألفًا فاصلةً بين النونات لِيزول في اللفظ اجتماعُهنّ، فقالوا: اضربنَانِّ، فالألفُ ههنا شبيهٌ بالألف الفاصلة بين الهمزتين في نحو: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١)، و ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ (٢)؛ لأنّه بالفصل بينهما يزول الاستثقالُ. وسيبويه لا يرى إدخالَ نون التأكيد الخفيفةِ لِما يُؤدِّي إليه من اجتماع الساكنين على غير شرطه، وهما النون وألف الوصل. وكان يونس يجيز ذلك، ويقول: "اضْرِبْنَان"، و"هل تَضرِبنَانْ؟ " كما يفعل في التثنية، وكأنّه يكتفي بأحد الشرطَين، وهو المدّ الذي في الألف. ونظيرُ ذلك عنده قراءةُ من قرأ ﴿مَحْيَايَ﴾ (٣) بإسكان الياء. وليس ذلك بقياس، وهو خلافُ كلام العرب. فإذا وُقف على هذه النون على قياس قول يونس، قالوا: "اضرِبْنَا"، و"هل تَضرِبْنا؟ " فتُمدّ مقدارَ ألفين: ألفِ الفصل، والألفِ المبدلةِ من النون التي على حدِّ ﴿لَنَسْفَعًا﴾ (٤). وكان الزجّاج يُنْكِر ذلك، ويقول لو مُدَّ مَهْمَا مُدّ لم يكن إلَّا ألفًا واحدةً. والقولُ ما قاله يونس؛ لأنه يجوز أن يتفاوت المد، فيكون مدٌّ بإزاءِ ألف واحدة، ومدٌّ بإزاء ألفَيْن. والكوفيون (٥) يزعمون أنّ النون الخفيفة أصلها الشديدة، فخُفّفت كما خُفّفت "إنَّ"، و"لكِنَّ". ومذهبُ سيبويه أنّ كلّ واحد منهما أصلٌ، وليست إحداهما من الأخُرى، إذ لو كانت منها, لكان حكمُهما حكمًا واحدًا، وليس الأمر كذلك، ألا ترى أنّك تُبدِل من الخفيفة في الوقف ألفًا، وتحذف إذا لقيها ساكنٌ، وحكمُ "إنْ"، و"لكِنْ" بعد التخفيف كحكمهما قبله لا يختلف الأمرُ فيهما؟ فلمّا اختلف حكمُ النونَين، دلّ على اختلافهما في أنفسهما.

стр. 2104

فصل [ارتباطُها بالمستقبَل] قال صاحب الكتاب: ولا يؤكد بها إلا الفعل المستقبل الذي فيه معنى الطلب, وذلك ما كان قسماً, أو أمراً, أو نهياً, أو استفهاماً أو عرضاً أو تمنياً ,كقولك: "بالله لأفعلن"، و"أقسمت عليك إلا تفعلن"، و"لما تفعلن" و"اضربن"، و"لا تخرجن"، و"هل تذهبن"، و"ألا تنزلن"، و"ليتك تخرجن". * * * قال الشارح: مَظنَّةُ هذه النون الفعلُ المستقبلُ المطلوبُ تحصيلُه؛ لأنّ الفعل المستقبل غيرُ موجود، فإذا أُريد حصولُه، أُكّد بالنون إيذانًا بقوّة العناية بوجوده. ومظنّتُها ما ذكر من المواضع. فمن ذلك فعلُ القسم، نحوُ قولك: "والله لأقومنّ"، و"أقسمتُ علمِك لَتفعلنّ". قال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (١). قال الشاعر [من الطويل]: ١٢٠٣ - فمنْ يَكُ لم يَثْأرْ بأعراضِ قَوْمهِ ... فإنّي وَرَبّ الراقِصاتِ لأثأرا وهذه النون تقع هنا لازمة. لو قلت: "والله لَيقومُ زيدٌ"، لم يجز. وإنّما لزمت ههنا؛ لئلاّ يُتوهّم أنّ هذه اللامُ التي تقع في خبرِ "إنَّ" لغير قسم، فأرادوا إزالةَ اللبس

стр. 2105

بإدخال النون وتخليصِه للاستقبال، إذ لو قلت: "إنَّ زيدًا لَيقومُ"، جاز أن يكون للحال والاستقبال بمنزلةِ ما لا لامَ فيه. فإذا قلت: "إنّ زيدًا لَيقومنّ"، كان هذا جوابَ قسم، والمرادُ: الاستقبال لا غير. وذهب أبو عليّ إلى أنّ النون هنا غيرُ لازمة، وحكاه عن سيبويه، قال: ولَحاقُها أكثرُ. والسيرافيّ وجماعةٌ من النحويين يرون أنّ لحاق النون يقع لازمًا للفصل الذي ذكرناه، وهو الظاهر من كلام سيبويه (١)، ودْلك قوله: إِنّ اللام إنّما لزمت اليمينَ كما لزمت النون اللامَ، وهذا نصٌّ منه. ومن ذلك فعل الأمر والنهي والاستفهام، تقول في الأمر: "اضربَنَّ زيدًا"، وفي النهي: "لا تضربَنَّ زيدًا". قال الله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وتقول في الاستفهام: "هل تضربنّ جعفرًا؟ " قال الشاعر [من الطويل]: وإيّاك والمَيْتاتِ لا تَقرَبَنَّها ... ولا تَعْبُدِ الشيْطانَ واللهَ فاعْبُدا (٤) فقال: "لا تقربنّها" بالنون الشديدة في النهي، وقال: "والله فاعبدا"، فأتى بالنون الخفيفة مع الأمر، ثمَّ وقف فأبدل منها الألفَ. وتقول في الاستفهام: "هل تقولَنَّ ذلك؟ " قال الأعشى [من المتقارب]: ١٢٠٤ - وهل يَمنَعَنِّي ارتِيَادُ البلادِ ... مِن حَذَرِ الموتِ أنّ يَأتِيَن والأصل دخولها على الأمر والنهي للتوكيد. والاستفهامُ مضارعٌ للأمر؛ لأنّه واجبٌ، وفيه معنى الطلب. فإذا قلت: "هل تفعلنَّ كذا؟ " فإنّك تستدعي منه تعريفَك كما يستدعي الآمِرُ الفعلَ. وكان يونس (٥) يجيز دخولَ هذه النون في العَرْض، فيقول: "ألا

стр. 2106

تَنزِلَنَّ"، و"ألا تَقُولَنَّ"؛ لأنّك تعرض، فهو بمنزلة الأمر والنهي؛ لأنَّه استدعاءٌ كما تستدعي بالأمر. وكذلك التمنّي في معنى الأمر أيضًا, لأنّ قولك: "لَيتَكَ تَخرُجَنَّ" بمعنى: "اخرُجَنَّ"؛ لأنّ التمنّي طلبٌ في المعنى، فاعرفه. فصل [أحكامها] قال صاحب الكتاب: ولا يؤكد بها الماضي ولا الحال ولا ما ليس فيه معنى الطلب. وأما قولهم في الجزاء المؤكد حرفه بـ "ما": إما تفعلن. قال الله تعالى: ﴿فإما ترين من البشر أحداً﴾ (١) , وقال: ﴿فإما نذهبن بك﴾ (٢) , فلتشبيه "ما" بلام القسم في كونها مؤكدة. وكذلك قولهم: "حيثما تكونن آتك", و"بجهد ما تبلغنَّ", و"بعين ما أرينك" (٣). فإن دخلت في الجزاء بغير "ما"؛ ففي الشعر تشببهاً للجزاء بالنهي. ومن التشبيه بالنهي دخولها في النفي, وفيما يقاربه من قولهم: "ربما تقولن ذاك"، و"كثر ما يقولن ذاك". قال [من المديد]: ١٢٠٥ - ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات * * *

стр. 2107

قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ هذه النون لا تدخل إلَّا على مستقبلٍ فيه معنى الطلب؛ لتأكيده وتحقيقِ أمر وجوده. والماضي والحالُ موجودان حاصلان، فلا معنى لطلب حصولِ ما هو حاصلٌ. وإذا امتنع الطلبُ فيه، امتنع تأكيده، فلذلك لا تقول: "لآكُلَنَ"، ولا "لا تأكلنَّ"، ولا "واللهِ لآكلنّ"، وهو في حال الأكل. فهذا امتنع من الحال كان امتناعُه من الماضي أوّلى، ولا تدخل أيضًا على خبر لا طلبَ فيه. فأمّا قولهم. "إمَّا تَفعَلَنَّ أفعَل"، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ (١)، وقوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ (٢)، فإنّما دخلت النونُ حين دخلت "ما"، و"ما" مُشبَّهةٌ باللام في "لَتفعلنّ". ووجهُ الشبَه بينهما أنّها حرفٌ للتأكيد. وقد اختلفوا في النون مع "إمَّا" هذه: هل تقع لازمةً أو لا؟ فذهب المبرّد إلى أنّها لازمةٌ، ولا تُحذف إلَّا في الشعر تشبيهًا بالأمر والنهي، وذهب أبو عليّ وجماعةٌ من المتقدّمين إلى أنّها لا تلزم. قال: وإذا كانت مع اللام في "لَتفعلنّ" غيرَ لازمة، فهي ههنا أوْلى. وأنشد أبو زيد [من الكامل]: رْعمتْ تُماضِرُ أنّني إمَّا أمُت ... يَسْدُد أُبَينُوها الأصاغِرُ خَلّتي (٣) وقال الأعشى [من المتقارب]: فإمَّا تَرَيني وَلِي لِمَّة ... فإنّ الحَوادِثَ أوْدَى بها (٤) فالشاهد فيه كثيرٌ، ومثلُ "إمّا تفعلنّ" "حَيثُمَا تفعلنّ" المعنى واحدٌ، وقد دخلت هذه النون في الخبر وإن لم يكن فيه طلبٌ، وهو قليل. قالوا: "بجهد ما تبلغنّ"، و"بعين ما أرينّك" (٥). شبّهوا دخولَ "ما" في هذه الأشياء بدخولها في الجزاء، وجعلوا كونَه لا يبلُغ إلَّا بجهد بمنزلة غير الواجب الذي لا يبلغ، وقوله: "بعين ما أرينّك"، أي: أتَحَقَّقُ ذلك، ولا شكّ فيه، فهو توكيدٌ. ودخلت "ما" لأجل التوكيد، وشُبّهت باللام في "لَيفعلنّ"، فأمّا قول الشاعر [من المديد]: ربّما أوفيت ... إلخ البيت لجَذِيمة الأبرش، وربّما وقع في بعض النسخ لعمرو بن هند. والذي حسّن دخولّ النون زيادةُ "ما" مع "رُبَّ" و"ترفعنْ" من جملتها. وصف أنّه يحفظ أصحابَه في رأسِ جبل إذا خافوا من عدوّ، فيكون طَلِيعةً لهم. والعربُ تفخر بهذا؛ لأنّه يدلّ على شَهامة، والعَلَمُ: الجبلُ. والشَّمالاتُ: جمع شَمالٍ من الرياح، وخصّها بذلك لأنّها تهبّ بشدّة في أكثر أحوالها، وجعلها ترفع ثوبَه لإشراف المَرقَبَة التي يَرْبَأ فيها.

стр. 2108

وقد تدخل هذه النون مع النفي تشبيهًا له بالنهي؛ لأنّ النهي نفيٌ، كما أنّ الأمر إيجابٌ، فتقول من ذلك: "ما يخرجنّ زيدٌ". قال الشاعر [من الطويل]: وَمِن عِضَةٍ مَا يَنْبُتَنَّ شَكِيرُها (١) وقد جاء في النفي بـ "لَمْ" لوجود صورة النفي. قال الشاعر [من الرجز]: ١٢٠٦ - يَحسبه الجاهلُ مالم يَعْلَما ... شَيْخًا على كُرْسِيّه مُعَمَّما أراد النون الخفيفة، فأبدل منها الألفَ للوقف، وفي ذلك ضعفٌ على أنّ المضارع مع "لم" بمعنى الماضي، والماضي لا تدخله النونُ ألبتّة. وقوله: "وفيما يقاربه" يريد أنّ "قَلَّمَا" لمَّا كُفّت بـ "ما"، ودخلت على الفعل في "قلَّما يفعلُ"، وأُجري نفيًا، وغلب ذلك فيه، ضارَعَ الحرفَ، فلم يقتض الفاعلَ كما لا يقتضيه الحرفُ. ولذلك لا يقع إلَّا صدرًا, ولا يكون مبنيًّا على شيء. فأمّا "كَثُرَ ما يقولنّ ذلك"، فلمّا كان خلافه، أُجرى مجراه كـ"صَدْيانَ" و"رَيَّانَ" ونحوِ ذلك ممّا كثُر تَعدادُه ممّا أجري مجرى خلافه، فاعرفه.

стр. 2109

فصل [حَذْفُها] قال صاحب الكتاب: وطرح هذه النون سائغ في كل موضع إلا في القسم, فإنه فيه ضعيفٌ، وذلك قولك: "والله ليقوم زيدٌ". * * * قال الشارح: قد ذكرنا دخول هذه النون والحاجةَ إليها، وهي في كلِّ ذلك على ثلاثة أضرب: ضربٌ يلزم دخولُ النون فيه ولا يجوز سقوطها، وضربٌ تدخل ولا تلزم، وضربٌ لا تدخل فيه إلَّا على سبيل الضرورة. فأمّا الأوَّل الذي تلزم فيه، فهو أن يكون الفعل في أوّله اللامُ لجواب القَسَم، كقولك: "واللهِ لأقومنّ"، واللامُ لازمة لليمين، والنون لازمةُ اللام لا يجوز طرحُها، فاللائم لازمة للتوكيد. ولو لم تلزم، التبس بالنفي إذا حلف أنّه لا يفعل. ولزمت النونُ لِما ذكرناه من إرادة الفصل بين الحال والاستقبال. وذهب أبو عليّ أنّه يجوز أن لا تلحق هذه النون الفعلَ، قال: ولَحاقُها أكثر، وزعم أنّه رأيُ سيبويه, والمنصوصُ عنه خلافُ ذلك. وأمّا الضرب الثاني. وهو الذي يجوز دخولُها فيه وخروجُها منه، فالأمرُ، والنهيُ، والاستفهامُ، نحو قولك: "اضرِبَنَّ زيدًا"، و"لا تخرجنّ يا عمرُو"، و"هل يقومَنَّ؟ " فإن أثبتَّها فللتأكيد، وَلَكَ أن لا تأتي بها. وأمّا الضرب الثالث: وهو ما لا يجوز دخولها فيه، فالخبرُ، لا يجوز "أنت تخرجنّ" إلَّا في ضرورة شاعر، فاعرفه. فصل [وجوب حذف النون الخفيفة إذا وليها ساكن] قال صاحب الكتاب: وإذا لقي الخفيفة ساكن بعدها, حذفت حذفاً, ولم تحرك كما حرك التنوين, فتقول: "لا تضرب ابنك". قال [من الخفيف]: ١٢٠٧ - لا تُهين الفقير علَّك أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه

стр. 2110

أي: لا تهينن. * * * قال الشارح: اعلم أنّ أمر هذه النون الخفيفة في الفعل كالتنوين في الاسم؛ لأنّ مجراهما واحد؛ لأنّ النون تُمكِّن الفعلَ كتمكين التنوين الاسمَ. ألا ترى أنّ حكمهما واحد في الوقف، فإن كان ما قبل النون مفتوحًا، قلبتَها ألفًا في الوقف، وذلك قولك في "اضرِبَنْ": "اضرِبَا"، وفي "لَيَضرِبَن": "لَيَضرِبَا". قال الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (١). فإن كان ما قبلها مضمومًا أو مكسورًا، حذفتها ولم تُبدِل كما تفعل بالتنوين، فتقول في الوقف على "هل تضربُن": "هل تضربُون"، ولْي الوقف على "هل تضربِن": "هل تضربِين". لمّا وقفتَ، حذفتَ النون الخفيفة، ولم تبدل منها كما أبدلت مع الفتحة؛ لأنّك تقول في الأسماء: "رأيتُ زيدًا"، فتُبدِل الألف في النصب من التنوين، وتقول في الرفع: "هذا زيدُ"، وفي الجرّ": "مررت بزيدِ"، فلا يُبدلون، وإنّما يحذفوها حذفا، كذلك هذه النون. وإذا حُذفت، عاد الفعلُ إلى إعرابه، فالنونُ نظيرهُ التنوين، لا فرق بين النون الخفيفة في الأفعال وبين التنوين في الأسماء، إلَّا أنّ النون تحذف إذا لقيها ساكنٌ بعدها من كلمة أُخرى، والتنوين يُحرَّك لالتقاء الساكنين. وقد يجوز حذفها في الشعر وفي قلّة من الكلام، فتقول إذا أردت النون الخفيفة: "اضرِبَ الرجلَ". ومنه قول الشاعر [من المنسرح]: لا تهين الفقير ... إلخ

стр. 2111

والمراد: لا تُهينَن، فحذفها لسكونها وسكونِ ما بعدها. وربّما حُذفت في الشعر، وإنّ لم يكن بعدها ساكنٌ على توهُّم الساكن، نحوَ قولك [من المنسرح]: اِضرِبَ عَنكَ الهُمومَ طارِقَها ... ضَرْبَك بالسيف قَونَسَ الفَرَسِ (١) وهذا أمرُ هذه النون، وإنّما حُذفت وخالفت التنوينَ؛ لأنّ ما يلحق الأفعالَ أضعفُ ممّا يلحق الأسماءَ, لأنّ الأسماء هي الأوّلُ، والأفعالُ فروعٌ دَواخِلُ عليها, ولأنّك مخيَّرٌ في النون: إن شئت أتيت بها، وإن شئت لا، إلَّا ما وقع منها مع الفعل المستقبل في القسم، والأسماءُ كلُّها ما ينصرف منها فالتنوينُ لازمٌ لها، فاعرفه.

стр. 2112

ومن أصناف الحرف هاءُ السَّكت فصل قال صاحب الكتاب: وهي التي في نحو قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (١). وهي مختصة بحال الوقف، فإذا أدرجت (٢) قلت: "مالي هلك", "سلطاني خذوه", وكل متحرك ليست حركته إعرابية يجوز عليه الوقف بالهاء, نحو: "ثمَّه", و"ليته", و"كيفه", و"إنه", و"حيَّهله", وما أشبه ذلك. * * * قال الشارح: هذه الهاء للسكت تزاد لبيان الحركة زيادةً مطّردةً في نحو قولك: "فِيمَة"، و"لِمَه"، و" عَمَّه"، والمراد: فيمَ، ولِمَ، وعَمَّ، والأصلُ: فِيمَا, ولِمَا، وعَمَّا. دخلت حروفُ الجرّ على "ما" الاستفهاميّةِ، ثمّ حُذفت الألف للفرق بين الإخبار والاستخبار، وبقيت الفتحةُ تدل على الألف المحذوفة، ثمّ كرهوا أن يقفوا بالسكون، فيزول الدليل والمدلولُ عليه، فأتوا بالهاء لِيقع الوقفُ عليها بالسكون، وتسلمَ الفتحة التي هي دليلٌ على المحذوف. وقد وقف ابن كثير على "عَمَّة" في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣) "عمه" بالهاء لِما ذكرناه من إرادة بيان الحركة. ومثلُه "ارْمِهْ"، و"اغزُهْ" و"اخْشَه". زياءت الهاء لبيان حركةِ ما قبلها. وزيادتُها في ذلك على ضربين: لازمة وغيرُ لازمة. فاللازمةُ إذا كان الفعلُ الداخلة عليه على حرف واحد، نخوَ: "عِهْ"، "قِهْ"، "شِه" وغيرُ اللازمة إذا كان ما دخلت عليه على أكثر من حرف واحد، نحوَ ما تقدّم من قولنا: "لمَه"، و"فِيمَهْ"، و"عَمَّهْ"، ونظائره. قال سيبويه (٤): الأكثرُ في الوقف على "ارمِ"، و"اغْزُ" بالهاء، ومنهم من لا يُلْحِقها

стр. 2113

ويُسكَّن الحرف. قال: وأمّا "قِه" ونحوها، فكلمٌ تقف عليها بالهاء، ومظِنّتها أن تقع بعد حركة متوغّلة في البناء، نحوَ: ﴿حِسَابِيَهْ﴾ (١)، و ﴿مَالِيَهْ﴾ (٢)، و ﴿كِتَابِيَهْ﴾ (٣). وإذا وصلتَ، سقطت هذه الهاءُ من جميع ما ذكرنا؛ لأنّها إنما دخلت شُحًّا على الحركة لئلّا يُزيلها الوقفُ. فأمّا الوصل، فإنّ الحركَة تثبت فيه، فلم تكن حاجةٌ إلى الهاء. ومثّل ﴿مَالِيَهْ﴾، و ﴿حِسَابِيَهْ﴾، و"ثَمَّه"، و"إنَّه"، و"لَيْتَهْ"، و"حَيَّهَلَهْ"؛ لأنّها حركات متوغّله في البناء. ولا تدخل هذه الهاء على مُعرَب، ولا على ما تُشبه حركته حركةَ الإعراب، فلذلك لا تدخل على المنادَى المضموم، ولا على المبنيّ مع "لا"، نحوِ: "لا رجلَ"، ولا على الفعل الماضي؛ لشَبَه هذه الحركات بحركات الإعراب. وإذا لم تدخل على المُشابِه للمعرب، فأن لا تدخل على المعرب كان ذلك بطريق الأولى، وذلك من قبل أنّ حركات البناء المحافَظ عليها أقوى من حيث إِنّها تجري مجرى حروف تركيب الكلمة التي لا يُستغنى عنها لا سيّما إذا صارت دلالةً وأمارةً على شيء محذوف، فاعرفه. فصل [وجوب تسكينها] قال صاحب الكتاب: وحقها أن تكون ساكنة، وتحريكها لحنٌ, ونحو ما في إصلاح ابن السكيت (٤) من قوله [من الرجز]: ١٢٠٨ - يا مرحباه بحمار عفراء

стр. 2114

و [من الرجز] ١٢٠٩ - يا مرحباه بحمار ناجيه مما لا مُعَرَّجَ عليه للقياس واستعمال الفصحاء. ومعذرة من قال ذلك أنه أجرى الوصل مجرى الوقف مع تشبيه هاء السكت بهاء الضمير. * * * قال الشارح: اعلم أنه قد يُؤتَى بهذه الهاء لبيان حروف المد واللين، كما يؤتى بها لبيان الحركات، نحوَ: "وَا زَيدَاه"، و"وا عَمرَاه" (١)، و"وَا غُلامَهُوه"، و"وا انقطاعَ ظَهرِهِيه"؛ لئلاّ يُزيل الوقفُ ما فيها من المدّ. ولا تكون هذه الهاء إلَّا ساكنةً؛ لأنّها موضوعة للوقف، والوقفُ إنّما يكون على الساكن، وتحريكُها لحنٌ وخروجٌ عن كلام العرب؛ لأنه لا يجوز ثباتُ هذه الهاء في الوصل فتحَرِّكَ، بل إذا وصلتَ، استغنيتَ عنها بما بعدها من الكلام. تقول: "وَا زيدَاه"، فإذا وصلتَ قلت: "وا زيدا وعمراه"، فتُلحِق الهاء الذي تقف عليه، وتُسقِطها من الذي تصله، فأمّا قول الشاعر [من الرجز]: يَا مَرْحَباهُ بحِمارِ عَفرَاء فإنّ الشعر لعُرْوَةَ بن حِزام العُذريّ. وقول الآخر [من الرجز]: يا مَرحَباهُ بِحمارِ ناجِيَهْ

стр. 2115

فضرورةٌ، وهو رديءٌ في الكلام لا يجوز، وإنّما لمّا اضطُرّ الشاعر حين وصل إلى التحريك؛ لأنّه لا يجتمع ساكنان في الوصل على غير شرطه، حرّكه. وقد رُويت بضمّ الهاء وكسرِها، فالكسرُ لالتقاء الساكنين، والضمُّ على التشبيه بهاء الضمير في نحو: "عَصاهُ"، و"رَحاهُ". وبعد هذا البيت [من الرجز]: إذا أتَى قَرَّبْتُهُ بما شاء ... من الشَّعير والحَشيش والماء ومعناه أنّ عروة كان يُحبُّ عفراءَ. وفيها يقول [من الرجز]: ١٢١٠ - يا رَبَّ يا رَبّاهُ إيّاكَ أسَل ... عَفْراءَ يا رَبّاهُ من قَبلِ الأجَلْ فإن عَفْراءَ من الدُّنيا الأمَلْ ثمّ خرج، فلقي حمارًا عليه امرأةٌ، فقيل له: هذا حمارُ عفراءَ، فقال [من السريع]: يا مرحباه بحمار عفراء فرحّب بحمارها لمَحبّته لها، وأعدّ له الشعيرَ والحشيشَ والماءَ. ونظيرُ معناه

стр. 2116

قول الآخر [من الوافر]: ١٢١١ - أُحِبُّ لحُبِّها السُّودانَ حتّى ... أُحِبُّ لحُبِّها سُودَ الكِلابِ ويروى بالمد والقصر. فمَن مَدَّ أسكن الهمزة، فكان من خامس السريع، وأجزاؤه: مُستفعِلُن مُستفعِلُن فَعولان، موقوفٌ مخبونٌ، وهو من المترادف، والأبياتُ مهموزة مُرْدَفة. فإن قصرتَه، فهو أيضًا من السريع، إلَّا أنّه من السادس، وأجزاؤه: مُسْتَفْعِلُن مُستفعِلُن فعولُن، مكسوفٌ مخبونٌ، وهو من المتواتر، ورَوِيُّه الألف، والأبياتُ مقصورة.

стр. 2117

ومن أصناف الحرف شِينُ الوقف فصل قال صاحب الكتاب: وهي شين التي تلحقها بكاف المؤنث إذا وقف من يقول: "أكرمتكش"، و"مررت بكش". وتسمى الكشكشة, وهي في تميم, والكسكسة في بكرٍ، وهي إلحاقهم بكاف المؤنث سينًا. وعن معاوية أنه قال يوماً: من أفصح الناس؟ فقام رجل من جرم - وجرمٌ من فصحاء الناس - فقال: قومٌ تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليست فيهم غمغمة قُضاعة، ولا طمطمانية حمير, قال معاوية: فمن هم؟ قال. "قومي". * * * قال الشارح: من العرب من يُبْدِل كافَ المؤنّث شينًا في الوقف حِرْصًا على البيان، لأنّ الكسرة الدالّة على التأنيث تخفى في الوقف، فاحتالوا للبيان بأن أبدلوها شينًا، فقالوا: "عَلَيشِ" في "عليكِ"، و"مِنْشِ" في "مِنْكِ"، و"مررت بِشِ" في "بِكِ". وقد يُجرون الوصل مُجرَى الوقف. قال المجنون [من الطويل]: فعَيْناشِ عَيناها وجيدُشِ جِيدُها ... سِوَى أنّ عَظمَ الساقِ مِنْشِ دَقِيقُ (١) ومن كلامهم: "إذا أعياشِ جاراتشِ فأقْبِلِي على ذِي بَيْتِشِ" (٢): أي: إذا أعياكِ جاراتكِ فأقبلي على ذي بَيتِكِ، ويقولون: "ما الذي جاء بِشِ"؟ يريدون: بكِ. وقد قُرىء قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٣): قد جعل رَبُّشِ تَحتَشِ سريًّا (٤). وقد زادوا على هذه الكاف في الوقف شينًا حرصًا على البيان، فقالوا: "مررت

стр. 2118

بِكِش"، و"أعطَيتُكِش". فإذا وصلوا حذفوا الجميع، وهي كَشكَشَةُ بني أسَدٍ وتميمٍ. وأمَّا كَسكَسَةُ بكر، فإنّهم يزيدون على كاف المؤنّث سينًا غيرَ معجمة لِتُبيِّن كسرةُ الكاف، فيؤكَّد التأنيث، فيقولون: "مررت بِكِس"، و"نزلت عليكِس". فإذا وصلوا، حذفوا لبيان الكسرة. فأمّا قول معاوية: فَجَرمٌ بَطنان من العرب أحدهما في قُضاعة -وهو جرم بن زَبّان- والآخرُ في طَيِّىء يوصَفون بالفصاحة. والفُراتيّةُ لغةُ أهل الفُرات الذي هو نهرُ أهل الكوفة. والفُراتان: الفُراتُ ودُجَيلٌ، ويروى: لَخلَخانيّة العراق. واللخلخانيّةُ: العُجمة في المنطق، يُقال: "رجل لخلخانيٌّ"، إذا كان لا يفصُح. وكشكشةُ بني تميم إلحاق الشين كافَ المؤنّث، وكسكسةُ بكر إلحاقُهم السينَ كافَ المؤنّث، وليستا بالفصيحة. والغمغَمَةُ أن لا يَتبيّن الكلامُ، وأصله أصواتُ الثِّيران عند الذعْر، وأصوات الأبطال عند القِتال. وقُضاعةُ أبو حَيّ من اليَمَن، وهو قضاعةُ بن مالك بن سَبَأ. والطُّمطُمانيّةُ أن يكون الكلام مشتبهًا بكلام العَجَم. يقال: "رجلٌ طِمطِمٌ"، أي: في لسانه عجمةٌ لا يفصح. قال عنترة [من الكامل]: ١٢١٢ - تأوِي له حِزَقُ النَّعامِ كما أوَت ... حِزَقٌ يَمانِيَةٌ لأعجَمَ طِمطِمِ الحِزقة: الجماعة، والطُّمطُمانيّ بالضمّ مثله، وحِمْيَرٌ أبو قبيلة، وهو حِميَرُ بن سَبَأ بن يَشجُبَ بن يَعرُبَ بن قَحطانَ، ومنهم كانت الملوكُ الأوَلُ. وصف هذا الجَرميُّ قومَه بالفَصاحة، وعدم اللُّكنة، والتباعدِ عن هذه اللغات المستهجَنة، فاعرفه.

стр. 2119

ومن أصناف الحرف حرفُ الإنكار فصل قال صاحب الكتاب: وهو زيادة تلحق الآخر في الاستفهام على طريقين: أحدهما أن تلحق وحدها بلا فاصل, كقولك: "أزيدنيه؟ " والثاني أن تفصل بينها وبين الحرف الذي قبلها "إن" مزيدة, كالتي في قولهم: "ما إن فعل" فيقال: "أزيدٌ إنيه؟ " * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذه الزيادة أُتي بها عَلَمًا على الإنكار، وهو حرفٌ من حروف المدّ كالزيادة اللاحقة للنُّدبة. وذلك على معنيين: أحدُهما أن تنْكِر وجودَ ما ذُكر وجوده وتبطِله، كرجلٍ قال: "أتاك زيدٌ"، وزيدٌ ممتنعٌ إتيانُه، فيُنكِر لبطلانه عنده. والوجه الآخر أن تنكِر أن يكون على خلافِ ما ذُكر، كقولك:"أتاك زيدٌ"، فتُنكِر سؤالَه عن ذلك، وزيدٌ من عادته أن يأتيه. قال سيبويه (١): إذا أنكرتَ أن يثبت رأيُه على ما ذكر، أو تُنكِر أن يكون رأيُه على خلاف ما ذكر. ومن العرب من يزيد بين الأوّل وهذه الزيادة زيادةٌ تفصل بينهما، وتلك الزيادةُ "إن" التي تزاد للتأكيد في نحوِ [من الكامل]: ١٢١٣ - ما إن يَمسُّ الأرضَ إلَّا مَنكِبٌ ... [منهُ وَحَرفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ]

стр. 2120

كأنّهم أرادوا زيادةَ علم الإنكار للبيان والإيضاح، فزادوا "إنْ" أيضًا توكيدًا لذلك المعنى، وذلك قولك في جواب "ضربتُ زيدًا": "زيدًا إنِيهْ"، بقّيت الاسمَ على حاله من الإعراب، وزدتَ بعده "إن" لما ذكَرناه، ثُمّ كسرتَ النون لالتقاء الساكنين على حدّ الكسر في التنوين، فحرفُ المدّ زائدٌ للإنكار، و"إن" لتأكيده، والهاءُ لبيان حرف المدّ، وحرفُ المدّ في الأوّل للإنكار، والهاءُ للوقف، فلذلك قال صاحب الكتاب: هذه الزيادة على طريقين، فاعرفه. فصل [معنيا حرف الإنكار] قال صاحب الكتاب: ولها معنيان: أحدهما إنكار أن يكون الأمر على ما ذكر المخاطب, والثاني إنكار أن يكون على خلاف ما ذكر, كقولك لمن قال: "قدم زيدٌ": "أزيدنيه؟ "، منكراً لقدومه أو لخلاف قدومه, وتقول لمن قال: "غلبني الأمير": "آلاميروه؟ " قال الأخفش: كأنك تهزأ به وتنكر تعجبه من أن يغلبه الأمير. قال سيبويه (١): وسمعنا رجلاً من أهل البادية قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية, فقال: "أأنا إنيه؟ " منكراً لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج. * * * قال الشارح: قد تقدّم شرح ما في هذا الفصل فيما قبله بما أغنى عن إعادته هنا، وقوله: "آلأميرُوه؟ " الألف ممدودة؛ لأنّ همزة الاستفهام لمّا كانت مفتوحة، ودخلت همزةَ لام التعريف، وكرهوا حذفَها لئلاّ يلتبس الخبر بالاستخبار، قلبوا الثانية، وأقرّوها كما في قوله تعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٣). وحرفُ الإنكار واوٌ لانضمام الراء قبلها، والهاءُ ساكنة لأنّها للسكت. فأمّا ما حكاه سيبويه من قول البَدَويّ حين قيل له: "أتخرج إلى البادية إن أخصبت؟ " فقال: "أأنَا إنِيه؟ " فجاء على المعنى؛ لأنّ المضمر للفاعل في "تخرج"

стр. 2121

المخاطب، وحين أنكر رأيَه أن يكون على خلافِ أن يخرج، واستفهم عن ذلك، وصار المخاطب هو المتكلّم، ولم يُمْكِنه أن يأتي بالفاعل وحده، فصله وجاء به على المعنى، فقال. "أأنا إنيه؟ " بالألف الاستفهاميّة والأصليّة. فصل [حركة حرف الإنكار] قال صاحب الكتاب: ولا يخلو الحرف الذي تقع بعده من أن يكون متحركاً, أو ساكناً. فإن كان متحركاً تبعته في حركته, فتكون ألفاً وواواً وياء بعد المفتوح والمضموم والمكسور كقولك في: "هذا عمر": "أعمروه؟ " وفي "رأيت عثمان": "أعثماناه", وفي "مررت بحذام": "أحذاميه؟ " وإن كان ساكناً حرك بالكسر, ثم تبعته كقولك: "أزيدنيه؟ " و"أزيدٌ إنيه؟ ". * * * قال الشارح: يريد أنّ هذه الزيادة مدّةٌ تتبع حركةَ ما قبلها إن كان متحرّكًا, ولم يكن بينهما فاصلٌ. فإن كان مضمومًا، كانت الزيادة واوًا، نحوَ قولك في جواب من قال: "هذا عُمَرُ" مُنْكِرًا: "أعُمَرُوهْ؟ " وإن كان مفتوحًا، كانت الزيادة ألفًا، نحو قولكَ في جواب من قال: "رأيت عثمانَ": "أعثمانَاه؟ " وإن كان مكسورًا كانت ياءً، نحو قولك في جوابِ من قال: "مررت بحَذامِ": "أحَذامِيه؟ " على حدِّ ما يُفْعل بزيادة النُّدبة. وإن كان ما قبل الزيادة ساكنًا، قدّرت الزيادة ساكنةً، ثمّ كسرت الساكنَ الأوّل لالتقاء الساكنين، وجعلتَ الزيادة ياءً من جنس الكسرة، نحوَ قولك في جوابِ من قال: "هذا زيدٌ": "أزيدُنِيه؟ " فالدال مضمومة محكيّة، وحركتُها إعرابٌ، والتنوينُ متحرّك بالكسر، وحركتُها بناءٌ لالتقاء الساكنين، وكذلك النصب والجرّ، نحوُ قولك في "ضربتُ زيدَا": "أزيدَنِيهْ؟ " بفتح الدال، وفي "مررت بزيدٍ": "أزيدِنِيهْ؟ " بكسر الدال. والتنوينُ مكسور لالتقاء الساكنين والمدة بعدها ياءٌ للكسرة قبلها. وكذلك يُفْعَل مع الإنكار بـ "إنْ"، نحوَ قولك في جواب من قال: "هذا زيدٌ": "أزيدٌ إنِيهْ؟ " وفي من قال: "ضربتُ زيدًا"، "أزيدًا إنِيه؟ " وفي الجَرّ: "أزيدٍ إنيهْ؟ " فاعرفه. فصل [محلّ حرف الإنكار] قال صاحب الكتاب: وإن أجبت من قال: "لقيت زيداً وعمراً", قلت: "أزيداً وعمرنيه". وإذا قال: "ضربت عمر", قلت: "أضربت عمراه". وإن قال: "ضربت زيداً الطويل": "أزيداً الطويلاه", فتجعلها في منتهى الكلام. * * *

стр. 2122

قال الشارح: يريد أن محلّ علامة الإنكار آخِرُ الكلام ومنتهاه، ولذلك تقع بعد المعطوف، وبعد المفعول، وبعد النعت، فتقول مُجيبًا لمن قال: "لقيتُ زيدًا وعمرًا": "أزيدًا وعمرَنِيه؟ " فتُسقِطها من الأوّل، وتُثبِتها في المعطوف، وتكسر التنوين لسكون المدّة بعده، وتجعلها ياءً لانكسارِ ما قبلها على ما سبق. وتقول في جواب من قال: "ضربتُ عُمَرَ": "أضربتَ عُمَرَاه؟ " فألحقتَها المفعولَ، ولم تُلحِقها الفعلَ، لأَنّ المفعول منتهى الكلام متّصلًا بما قبله، وعلامةُ الإنكار لا تقع حَشوًا، وتجعلها ألفًا للفتحة قبلها إذ ليس فيه تنوينٌ، وكذلك تقول في جواب من قال: "ضربتُ زيدًا الطويلَ": "أزيدًا الطويلاه؟ " ألحقتَ الهاء الصفةَ؛ لأنّه منتهى اَلكلام وكانت ألفًا للفتحة، فاعرفه. فصل [ترك حرف الإنكار في الدرج] قال صاحب الكتاب: وتترك هذه الزيادة في حال الدرج فيقال: "أزيداً يا فتى؟ " كما تركت العلامات في "مَنْ" حين قلت "من يا فتى؟ ". * * * قال الشارح: قد تقدّم أن مدّة الإنكار من زيادات الوقف، فلا تثبت الوصل، فهي نظيرهُ الزيادة في "مَن" إذا استفهمتَ عن النكرة في الوقف في نحوِ "مَنو"، و"مَنا"، و"مَنِي"، فإذا قيل: "لقيتُ زيدًا"، قيل في جوابه: "أزيدًا يا فتى؟ " تركتَ العلامة من "زيد" لوَصلك إيّاه بما بعده، كما تركتَ حروف اللين في "مَنُو"، و"مَنا"، و"مَنِي" إذا وُصل بما بعده. ولا تدخل هذه العلامةُ في "يا فَتى"؛ لأنّه ليس من حديث المسؤول، فتُنكِرَ ذلك عليه، فقولُك: "يا فتى" يمنع العْلامةَ بمنزلة الطويل، ولا تدخله العلامةُ, لأنّه ليس من الحديث فيتوجّهَ الإنكارُ إليه، فاعرفه.

стр. 2123

ومن أصناف الحرف حرف التذكُّر فصل قال صاحب الكتاب: وهو أن يقول الرجل في نحو: "قال", و"يقول", و"من العام": "قالا"، فيمد فتحة اللام, و"يقولو" و"من العامي", إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامه. * * * قال الشارح: اعلم أنّ هذه المدّة قد تزاد بعد الكلمة أو الحرف إذا أريد اللفظُ بما بعده، ونُسي ذلك المراد، فيقف متذكّرًا, ولا يقطع كلامه؛ لأنّه لم ينته كلامه، إذ غايتُه ما يتوقعه بعده، فيطوّل وقوفَه. فصل [حركة حرف التذكُّر] قال صاحب الكتاب: وهذه الزيادة في اتباع ما قبلها إن كان متحركاً بمنزلة زيادة الإنكار, فإذا سكن حرك بالكسر كما حرك ثمة ثم تبعته. قال سيبويه (١): سمعناهم يقولون "إنه قدي" و"ألي" يعني في "قد فعل", وفي الألف واللام إذا تذكر "الحارث" ونحوه, قال: وسمعنا من يوثق به يقول: "هذا سيفني", يريد: سيف من صفة كيت وكيت. * * * قال الشارح: فإن كان قبل المتوقَّع حرفٌ متحرّكٌ، فلا يخلو من أن يكون مفتوحًا أو مضمومًا أو مكسورًا، نحوَ: "قَال" مَثَلًا، و"يَقولُ" و"مِنَ العام". فإن كان مفتوحًا ألحقتَه ألفًا، نحوَ: "قَالا"، وإن كان مضمومًا ألحقتَه واوًا، نحو: "يقولُو"، وفي المكسور ياءً، نحو: "مِن العامِي" إذا تَذكّر، ولم يرد أن يقطع.

стр. 2124

فإن كان الحرف الموقوف عليه ساكنًا، نحوَ لام المعرفة في "الغلام" و"الرجل"، فإِنَّكَ تكسرها تشبيهًا بالقافية المجرورة إذا وقع حرفُ رَوِيّها حرفًا ساكنًا صحيحًا، نحوَ قوله [من الكامل]: وَكأن قَدِي (١) لأنّ "قَدْ" إذا لقيها ساكنٌ بعدها تُكسَر، نحوَ قولك: "قَدِ احْمَرَّ البُسرُ"، و"قَدِ انطلق الرجلُ". ولو وقعت "من" قافيةً، لأُطلقت إلىَ الفتح، وكان زيادةُ الإطلاق ألفًا. وقد يجوز إطلاقُها إلى الكسر، فتكون الزيادة ياءً لأنّ (٢) "من" قد تُفْتَح في نحو قولك: "مِنَ الرجل"، وتُكسَر في نحو "مِنِ ابنك". فتقول في القافية المنصوبة: "مَنا" وفي القافية المجرورة:"مَنِي". فعلى هذا تقول في التذكّر: "قَدِى" في "قَدْ قَامَ" أو "قَدْ قَعَدَ". وكذلك كلُّ ساكن وقفتَ عليه، وتذكرتَ بعده كلامًا، فإنّك تكسره وتُشْبع كسرتَه للاستطالة والتذكّرِ، إذا كان ممّا يُكسَر إذا لقيه ساكنٌ بعده. فإن كان الساكن ممّا يكون في وقت مضمومًا، وفي وقت مفتوحًا، ووقفتَ عليه متذكّرًا؛ ألحقتَ ما يكون مضمومًا واوًا، وما يكون مفتوحًا ألفًا، فتقول: "ما رأيته مُذُو"، أي: مذ يومُ كذا, لأنّ "مُذ" إذا لقيها ساكنٌ بعدها، ضُمّت؛ لأنّ الأصل في "مُنْذ" الضمُّ. وتقول: "عجبت مِنا" بألف في "مِن زيد" ونحوه؛ لأنّك تقول: "مِنَ الرجل"، و"مِنَ الغلام"، فتفتحه. ومَن كانت لغتُه الكسرَ نحوَ: "مِنِ الغلام"، قال متذكّرًا: "مِنِي". فحكمُ التذكّر في هذا الباب حكمُ القافية، والجامعُ بينهما أنّ القافية موضع مَدّ واستطالةِ، كما أنّ التذكّر موضع استشرافٍ وتطاوُلٍ إلى المتذكَّر. وحكى سيبويه: "هذا سَيفُني"، يريد: هذا سيفٌ حادٌّ أو ماضٍ أو نحوهما من الصفات، فنَسِيَ، ومَدَّ متذكّرًا إن لم يرد أن يقطع اللفظ، وكان التنوين حرفًا ساكنًا, فكُسر كما كسر ذاك. وقد قال سيبويه: سمعنا من يوثق به يقول ذلك. انتهى الكلام على قسم الحروف، وهو القسم الثالث، ويتلوه المشترَكُ. والحمد لله ربّ العالمين، ولا حول ولا قوّة إلَّا باللهِ العليّ العظيم.

стр. 2125

القسم الرابع: في المُشتَرَك فصل قال صاحب الكتاب: المشترك, نحو: الإمالة, والوقف, وتخفيف الهمزة, والتقاء الساكنين, ونظائرها مما يتوارد فيه الأضرب الثلاثة أو اثنان منها. وأنا أورد ذلك في هذا القسم على نحو الترتيب المار في القسمين، معتصماً بحبل التوفيق من ربي بريئاً من الحول والقوة إلا به. * * * قال الشارح: هذا القسم الرابع آخِرُ أقسام الكتاب، وهو أعلاها وأشرفُها إذ كان مشتملًا على نُكت هذا العلم وتصريفه، وأكثرُ الناس يضعف عن الإحاطة به لغموضه، والمنفعةُ به عامّةٌ. وقد سمّاه المشترك؛ لأنّه قد يشترِك فيه القُبُلُ الثلاث -أعني الاسم والفعل والحرف- أو اثنان منها. وفي تسميته بالمشترك نظرٌ؛ لأن المشترك اسمٌ مفعولٌ، وفعلُه "اشتَرَكَ"، ولا مفعولَ له إذ كان لازمًا, ولا يُبنَى من اللازم فعلٌ للمفعول، إلاّ أن يكون معه ما يقام مقام الفاعل من جارّ ومجرور أو ظرف أو مصدر. وأحملُ ما يُحمَل عليه أن يكون أراد المشترك فيه، وحذف حرفَ الجرّ، وأسند اسم المفعول إلى الضمير، فصار مرفوعًا به. وأمّا أن يكون قد حذف الجارّ والمجرور معًا، فليس بالسهل؛ لأنّ ما أقيمَ مقام الفاعل يجري مجرى الفاعل، فكما لا يحسن حذفُ الفاعل كذلك لا يحسن حذفُ ما أقيم مقامه، وقال: وذلك نحو الإمالة، والوقف، وتخفيف الهمزة، والتقاء الساكنين، فإنّ هذه الأشياء تتوارد على الاسم والفعل والحرف. فالإمالةُ تكون في الاسم نحو: "عماد"، و"كتاب"، وفي الفعل نحو: "سَعى"، و"رَمى". وقد جاءت في الحرف أيضًا نحو "بَلى"، و"يا" في النداء. وكذلك الوقف، فإنّه يكون في الاسم والفعل والحرف. وكذلك تخفيف الهمزة، والتقاء الساكنين على ما سيَرِد في موضعه إن شاء الله.

стр. 2126

ومن أصناف المشترك الإمالةُ فصل [ماهيتُها] قال صاحب الكتاب: يشترك فيها الاسم والفعل. وهي أن تنحو بالألف نحو الكسرة؛ ليتجانس الصوت، كما أشربت الصاد صوت الزاي لذلك. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الإمالة مصدرُ "أَمَلتُهُ أمِيلُه إمالَة". والمَيلُ: الانحراف عن القصد، يقال منه: "مال الشيءُ"، ومنه "مال الحاكمُ" إذا عدل عن الاستواء. وكذلك الإمالةُ في العربية عدولٌ بالألف عن استوائه، وجنوحٌ به إلى الياء، فيصير مخرجه بين مخرج الألف المفخَّمة، وبين مخرج الياء. وبحسب قُرْب ذلك الموضع من الياء تكون شدّةُ الإمالة، وبحسب بُعده تكون خفّتُها. والتفخيمُ هو الأصل، والإمالةُ طارئةٌ، والذي يدلّ أنّ التفخيم هو الأصل أنّه يجوز تفخيم كل مُمال، ولا يجوز إمالةُ كل مفخَّم. وأيضًا فإنّ التفخيم لا يحتاج إلى سبب، والإمالةُ تحتاج إلى سبب. والإمالة لغةُ بني تميمِ، والفتحُ لغةُ أهل الحجاز، قال الفرّاء: أهلُ الحجاز يفتحون ما كان مثلَ "شاء"، و"خاف"، و"جاء"، و"كادَ"، وما كان من ذوات الياء والواو. قال: وعامّةُ أهل نَجْد من تميم وأسد وقيس يسرون إلى الكسر من ذوات الياء في هذه الأشياء، ويفتحون في ذوات الواو مثلِ: "قال" و"جالَ". والمُمال كثيرٌ في كلام العرب، فمنه ما يكون في كثرة الاستعمال تفخيمُه وإمالتُه سواءً، ومنه ما يكون أحدُ الأمرين فيه أكثر وأحسنَ. وكان عاصمٌ يُفرِط في الفتح، وحمزةُ يفرط في الكسر. وأحسنُ ذلك ما كان بين الكسر المُفرِط، والفتح المفرط. والغرضُ من الإمالة تقريبُ الأصوات بعضِها من بعض لضربِ من التشاكل، وذلك إذا ولي الألفُ كسرةً قبلها أو بعدها، نحو: "عِماد"، و"عالِم"، فيُميلوَن الفتحة قبل الألف إلى الكسرة، فيميلون الألف نحو الياء. فكما أنّ الفتحة ليست فتحة محضة، فكذلك الألفُ التي بعدها؛ لأنّ الألف تابعةٌ للحركة، فكأنّها تصير حرفًا ثالثًا بين الألف والياء. ولذلك عدّوها مع

стр. 2127

الحروف المستحسنة حتى كملت حروفُ المُعْجَم خمسةً وثلاثين حرفًا. كأنّهم فعلوا ذلك هنا كما فعلوا في الادغام، وقرّبوا بعضَها من بعض، نحو قولك في "مَصدَرِ": "مَزْدَرٌ"، فقرّبوا الصاد من صوت الزاي ليتناسب الصوتان، ولا يتنافرا. وذلك أن الصاد مُقارِبةُ الدال في المخرج، وبينهما مع ذلك تنافٍ وتباينٌ في الأحوال والكيفيّة. وذلك أنّ الصاد مهموسة، والدال مجهورة، والصاد مستعلِية مُطْبقة، والدال ليست كذلك، والصاد رِخوَةٌ، والدال شديدة، والصاد من حروف الصغير, والدال ليست كذلك. فلمّا تَباينا في الأحوال هذا التباينَ، أرادوا أن يفرقوا بينهما في بعض الأحوال على حدّ تقاربهما في المخرج استثقالًا لتحقيق الصاد مع الدال مع ما ذكرناه من المباينة، فأبدلوا من الصاد الزاء لأنّها من مخرجها، وهما من حروف الصفير, وتُوافِق الدال في الجَهْر، فيتناسب الصوتان ولا يختلفان. ونحو ذلك قراءةُ من قرأ: ﴿زِراط﴾ (١) في ﴿صِراط﴾. وقالوا: "لم يُحْرَمْ من فزدَ له" (٢) والمراد: "فُصِدَ"؛ لأنّ العرب كانت إذا جاء أحدَهم ضَيْفٌ، ولم يحضرهم قِرَى فصدوا بعضَ الإبل، وشرب الضيفُ من ذلك الدمِ، فلم يُحْرَم؛ لأنّه وجد ما يسُدّ مَخْمَصَتَه. وكذلك في الإمالة قرّبوا الألف من الياء؛ لأنّ الألف تطلب من الفم أعلاه، والكسرة تطلب أسفلَه وأدناه، فتنافرا. ولمّا تنافرا، أُجنحت الفتحةُ نحو الكسرة، والألفُ نحو الياء، فصار الصوتُ بين بين، فاعتدل الأمرُ بينهما، وزال الاستثقالُ الحاصل بالتنافر، فاعرفه. [أسبابها] قال صاحب الكتاب: وسبب ذلك أن تقع بقرب الألف كسرة أو ياءٌ، أو تكون هي منقلبة عن مكسورة أو ياء أو صائرة ياء في موضع، وذلك نحو قولك "عماد" (٣) , و"شملال" و"عالم" و"سيال" و"شيبان" و"هابَ" و"خاف" و"ناب" و"رمى" و"دعا" لقولك: دعى ومعزى وحبلى لقولك معزيان وحبليان. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الإمالة لها أسبابٌ. وتلك الأسبابُ ستةٌ، وهو أن يقع بقرب الألف كسرةٌ، أو ياءٌ قبله، أو بعده، أو تكون الألف منقلبة عن ياء، أو كسرة، أو مُشبِهة للمنقلب، أو يكون الحرف الذي قبل الألف يُكْسَر في حال وإمالته لإمالته. فهذه أسبابُ الإمالة، وهي من الأسباب المُجوِّزة، لا المُوجِبة. ألا ترى أنّه ليس في العربيّة سببٌ

стр. 2128

يوجب الإمالةَ لا بدّ منها، بل كلُّ مُمال لعلّةٍ، فلَكَ أن لا تُميله مع وجودها فيه، ونحو ذلك ممّا هو علّةٌ للجواز الواوُ إذا انضمّت ضمًّا لازمًا، نحو: "وُقِّتت"، و"أُقِّتت"، و"وُجُوهٌ"، و"أجُوهٌ"، فانضمامُ الواو أمرٌ يُجوِّز الهمزةَ، ولا يُوجِبها. فمثالُ الأوّل وهو ما أُميل للكسرة قولك في "عِمَادٍ": "عِمادٌ" وفي "شِمْلَالٍ": "شِملالٌ" وفي "عَالِم": "عالِمٌ". فالكسرةُ في "عِماد" هي التي دعتْ إلى الإمالة؛ لأنّ الحرف الذي قبل الألف، وهو الميمُ، تُمال فتحتها إلى الكسرة؛ لأجل انكسار العين في "عماد"، وكذلك "شِمْلال" تُميل فتحةَ اللام منه لكسرة شين "شِمْلالٍ"، ولا يُعتدّ بالميم فاصلةً لسكونها، فهي حاجزٌ غيرُ حصين، فصارت كأنّها غيرُ موجودة، فإذًا قولك: "شملال" كقولك: "شِمالٌ". وإذا كانوا قد قالوا: "صبغت" في "سبغت" فقلبوا السين صادًا مع قوّة الحاجز لتحرُّكه، وقالوا: "صراط" والأصل: "سراط" فلأَنْ يجوز فيما ذكرناه كان أولى. وقالوا: "عالمٌ"، فأمالوا للكسرة بعدها، كما أمالوا للكسرة قبلها، إلَّا أنّ الكسرة إذا كانت متقدّمة على الألف، كانت أدعى للإمالة منها إذا كانت متأخّرة. وذلك أنّها إذا كانت متقدّمة، كان في تقدّمها تسفّلٌ بالكسرة، ثمّ تصعد إلى الألف. وإذا كانت الكسرة بعد الألف، كان في ذلك تسفّلٌ بعد تصعّدٍ. والانحدارُ من عالٍ أسهلُ من الصعود بعد الانحدار، وإن كان الجميع سببًا للإمالة. واعلم أنّه كلّما كثرت الكسراتُ، كان أدعى للإمالة لقوّة سببها. ومتى بعدت عن الألف، ضُعفت؛ لأنّ للقُرب من التأثير ما ليس للبُعْد. ولاجتماع الأسباب حكمٌ ليس لانفرادها، فإذا الإمالةُ في "جِلِبّاب" أقوى من إمالة "شِمْلال"؛ لأن الكسرتين أقوى من الكسرة الواحدة. وإمالةُ "عماد" أقوى من إمالة "شملال"؛ لقرب الكسرة من الألف. وإمالة "شملال" أقوى من إمالة "أكلتُ عِنَبا"؛ لقوّة الحاجز بالحركة. وإمالةُ "أكلت عنبا" أقوى من إمالة "دِرْهَمانِ"؛ لأنّ بين كسرة الدال من "درهمان" وبين الألف منها ثلاثةَ أحرف. فلمّا كانت الكسرة أقرب إلى الألف، فالإمالةُ له ألزمُ، والنصب فيه جائزٌ. وكلّما كثُرت الكسرات والياءات كانت الإمالة فيه أحسن من النصب. وقالوا: "شَيبانُ"، و"قَيْسُ عَيْلانَ"، و"شوكُ السَّيالِ"، وهو شجرٌ، و"الضَّياح"، وهو لَبَنٌ، فأمالوا ذلك لمكان الياء. وقالوا: "رأيت زيدًا"، فأمالوا، وهو أضعفُ من الأوّل؛ لأنّ الألف بدلٌ من التنوين، وأهلُ الحجاز لا يميلون ذلك ويفتحونه. فأمّا الياء الساكنة إذا كان قبلها حركةٌ من جنسها، نحو: "ديباج" و"دِيماس"، فإنّ الإمالة فيه أقوى من إمالتها، إذا لم يكن ما قبلها حركة من جنسها من نحو: "شيْبانَ"، و"عَيْلانَ"؛ لأنّ الأوّل فيه سببان: الكسرةُ والياء، والثاني فيه سببٌ واحدٌ.

стр. 2129

والإمالةُ للياء الساكنة من نحو: "شيبان"، و"عيلان" أقوى من الإمالة للياء المتحرّكة من نحو "الحَيَوان"، و"المَيَلان"؛ لأنّ الساكنة أكثرُ لِينًا واستثقالًا، فكانت أدعى للإمالة. والإمالةُ للياءَين نحو: "كَيال"، و"بَيّاع" أقوى من الياء الواحدة، نحو: "البَيان"، و"شوكِ السَّيالِ"؛ لأنّ الياءين بمنزلة علّتَيْن وسببَيْن. وإمالةُ ما الياء فيه مُجاوِرةٌ للألف من نحو "السَّيال"، والبَيان أقوى من إمالة ما تباعدتْ عنه. ومن ذلك ما كانت ألفه منقلبة عن ياء أو مكسورٍ. فمثالُ الأوّل قولك في الاسم: "نابٌ"، و"عابٌ" وفي الفعل "صارَ بمكان كذا وكذا"، و"باعَ"، و"هابَ"، إنّما أُميلت ها هنا لتدلّ أنّ الأصل في العين الياء، وأنّها مكسورة في "بِعت"، و"صِرْت"، و"هِبْت"، إلاّ أنّ الكسر في "بِعْت"، و"صِرْت" ليس بأصلٍ، وهو في "هاب" أصلٌ، وكذلك إن كان من "فَعِلَ" بكسر العين، وألفُه منقلبة من واو، نحو: "خاف زيدٌ من كذا". فأمّا "مِعْزَى"، و"حُبْلَى" فيسوغ فيهما الإمالةُ؛ لقولك: "حُبْلَيَانِ"، و"مِعْزَيانِ" وسيوضح أمرُهمْا بأكشفَ منْ هذا البيان. فصل [شرطها] قال صاحب الكتاب: وإنما تؤثر الكسرة قبل الألف إذا تقدمته بحرف كـ "عماد"، أو بحرفين أولهما ساكن كـ "شملال"، فإذا تقدمت بحرفين متحركين أو بثلاثة أحرف كقولك: "أكلت عنباً" و"فتلت قنباً" لم تؤثر, وأما قولهم يريد أن ينزعها ويضربها، وهو عندها، وله درهمان، فشاذٌ, والذي سوغه أن الهاء خفية فلم يعتد بها. * * * قال الشارح: يريد أنّ الكسر من مقتضيات الإمالة وإن كان بين الألف والكسرة حرفٌ متحرّكٌ، نحو: "عِماد"، و"جِبال"؛ لأنّ الميم من "عماد" مفتوحةٌ، والفتحةُ أيضًا تُمال إلى الكسرة لإماْلة الألف, فكأنّها من الألف وليست شيئًا غيره. وكذلك لو فصلتَ بينهما بحرفَيْن: الأوّلُ منهما ساكنٌ، نحو: "سِرْبال"، و"شِمْلال"؛ لأنّ الساكن لا يحْفَل به، وأنّه ليس بحاجز قويِّ، فصار كأنّك قلت، "سِبال"، وْ"شِمال". ومثله: "هو مِنّا"، و ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١) الإمالةُ فيه جيّدةٌ. وكذلكْ قالوا: "صَويقٌ"، وهم يريدون سَوِيقًا، فقلبوا السين صادًا للقرب من القاف، وبينهما حرفان الأوّل متحرّكٌ، والثاني ساكنٌ. وفي الجملة كلّما كانت الكسرة أو الياء أقربَ إلى ألفه، فالإمالةُ ألزمُ له، والنصبُ فيه جائزٌ.

стр. 2130

فإن كان الفاصل بينهما حرفَيْن متحرَّكَين، نحو قولك: "أكلتُ عِنَبَا" و"فتلتُ قِنَّبَا"، لم تسغ الإمالةُ؛ لتباعُد الكسرة من الألف، فأمّا قولهم: "يريد أن ينزِعَها، وأن يضرِبَها" فقليلٌ. والذي سوّغه أنَ الهاء خفيّةٌ، فكانت كالمعدومة، فصار اللفظ كأنّه "يريد أن يَنْزِعا"، و"أن يَضرِبا"، فأمالوا الألف للكسرة، كما أمالوها في "عماد"، فلذلك لا تمال في نحو"لم يعلما"؛ لعدم الكسرة. فأمّا قولهم: "له دِرْهَمانِ"، فأمالوا ها هنا أيضًا، وهو قليل. والذي حسّنه كونُ الراء ساكنةً، فلم يكن حاجزًا حصينًا، والهاء خفيّةٌ، فهي كالمعدومة لخفائها. وقد تقدّم الكلام عليها في فصل الاسم، وليس شيءٌ من ذا تمال ألفُه في الرفع، فلا يقال: "هو يَضْرِبُها" ولا "يَقتُلُها"، وذلك أنّه وقع بين الألف والكسرة ضمّةٌ، فصارت حاجزًا، فاعرفه. فصل [إجراء الألف المنفصلة مجري المتصلة والكسرة العارضة مجري الأصلية في الإمالة] قال صاحب الكتاب: وقد أجروا الألف المنفصلة مجرى المتصلة، والكسرة العارضة مجرى الأصلية، حيث قالوا درست علماً ورأيت زيداً ومررت ببابه وأخذت من ماله. * * * قال الشارح: يريد أنّهم أجروا المبدلة من التنوين مجرى ما هو من نفس الكلمة، وجعلها منفصلة من الاسم؛ لأنّها ليست لازمة، إذ كانت من أعراض الوقف، فتُمِيلها، نحو قولك: "درست عِلْما"، و"رأيت زَيدا"، كما تقول: "عِماد"، و"شَيْبان". وقالوا: "أخذت من ماله" و"وقفت ببابِه"، فأمالوا الألف لكسرة الإعراب، وهي عارضةٌ، تزول عند زوال عاملها، وحدوثِ عاملِ غيرِه، لكنّهم شبّهوها بكسرة عين "فاعِلِ" بعد الألف. وذلك أنّ الغرض من الإمالة إنّما هو مشاكَلةُ أجراس الحروف، والتباعدُ من تَنافيها، وذلك أمرٌ راجعٌ إلى اللفظ، لا فرقَ فيه بين العارض واللازم، إلَّا أنّ الإمالة في نحو "عائِدٍ"، و"سالِمٍ"، و"عِمادٍ" أقوى من الإمالة هنا؛ لأنّ الكسرة هناك لازمةٌ، وهي في "مالِهِ" و"بابِهِ" عارضةٌ. ألا ترى أنّها تزول في الرفع والنصب، والرفعُ والنصبُ لا إمالةَ فيه كما لاْ إمالة في "آجُرٌ"، و"تابَلٌ"؟ فاعرفه. فصل [إمالة الألف التي في آخر الكلمة] قال صاحب الكتاب: والألف الآخرة لا تخلو من أن تكون في اسم أو فعل، وأن تكون ثالثة, أو فوق ذلك. فالتي في الفعل تمال كيف كانت، والتي في الاسم

стр. 2131

إن لم يعرف انقلابها عن الياء لم تمل ثالثة، وتمال رابعة, وإنما أميلت "العلا" لقولهم: "العليا". * * * قال الشارح: الألف إذا كانت في آخر الكلمة، فلا تخلو من أن تكون منقلبة عن واو أو ياء. فإن كانت منقلبة من ياء في اسم أو فعل، فإمالتُها حسنةٌ، وذلك قولك في الفعل: "رَمى"، "قَصى"، "سَعى"، وفي الاسم "فَتى"، و"رَجى"؛ لأنّ اللام هي التي يُوقَف عليها، وإن كانت من الواو. فإن كان فعلًا، جازت الإمالة فيه على قُبح، نحو قولك: "غَزا"، "دَعا"، "عَدا"؛ لأنّ هذا البناء قد يُنْقل بالهمزة إلى "أَفْعَلَ"، فيصير واوه ياءً؛ لأنّ الواو إذا وقعت رابعةً، صارت ياءً، نحو: "أَغْزَيْتُ"، "وأَدْعَيْتُ"، فتقول: "أَغْزى"، "وأدْعى" بالإمالة. وأيضًا فإنّه قد يُبنى لِما لم يسمّ فاعلْه، فيصير إلى الياء، نحو: "غُزِىَ"، و"دُعِيَ"، فتخيّلوا ما هو موجود في الحكم موجودًا في اللفظ. فإن كان اسمًا، نحو: "عَصًا"، و"قَفًا"، و"رَحًا"، لم تُمَلْ ألفه؛ لأنّها لا تنتقل انتقال الأفعال؛ لأنّ الأفعال تكون على "فَعَلَ"، و"أَفْعَلَ"، و"اسْتَفْعَلَ"، و"فَعَّلَ". والأسماء لا تتصرّف هذا التصرّفَ، فلا يكون فيها إمالةٌ. هذا إذا كانت ثالثةً، فأمّا إذا كانت رابعةً طرفًا، فإمالتُها جائزةٌ، وهي التي تختار. ولا تخلو من أن تكون لامًا أو زائدةً، فإذا كانت لامًا، فلا تخلو من أن تكون منقلبة من ياء من نحو: "مَرْمًى"، و"مَسْعًى"، و"مَلْهًى"، و"مَغْزَى". فأمّا "مرمًى" و"مسعًى"، فهو من "رَمَيْتُ"، و"سَعَيْتُ"، و"ملهًى"، و"مغزًى"؛ فإنّهما وإن كانا من "لَهَوْتُ"، و"غَزَوْتُ"، فإنّ الواو ترجع إلى الياء لوقوعها رابعةً. ولذلك تظهر في التثنية، فتقول: "مِلْهَيان"، و"مَغزَيانِ". وكلّما ازدادت الحروفُ كثرةً، كانت من الواو أبعدَ، أو تكون الألفُ زائدة للتأنيث، أو للإلحاق. وحَقُّ الزائد أن يُحْمَل على الأصل، فيُجْعَل حكمه حكم ما هو من الياء، إذ كانت ذواتُ الواو ترجع إلى الياء، إذا زادت على الثلاثة. وذلك نحو "حُبْلَى" و"سَكْرَى"، الإمالةُ فيهما سائغةٌ؛ لأنّ الألف في حكم الياء. ألا ترى أنّها تنقلب ياءً في التثنية، نحو قولك: "حبليان"، و"سكريان"، وفي الجمع السالم، نحو: "حبليات"، و"سكريات". ولو اشتققتَ منهما فعلًا، لكان بالياء، نحو: "حبليتُ"، و"سكريتُ". وكذلك ما زاد من نحو: "سَكارى" و"شُكَاعى". فأمّا المُلْحَقة من نحو "أَرْطَى" و"مَعْزًى"، و"حَبَنْطًى"، فكذلك. ألا تراك تقول في التثنية: "أَرْطَيَان"، و"مِعْزَيانِ"، و"حَبَنْطَيانِ". كلُّ هذا يرجع إلى الياء، ولذلك يُمال، فهذا حكمُ الألف إذا كانت رابعة مقصورة، أو على أكثر من ذلك، اسمًا كانت أو فعلًا. وإنّما أميلت "العُلَى"، وهو اسمٌ على ثلاثة أحرف من الواو؛ لقولهم: "العُلْيَا"، فالألفُ التي في "العُلَى" تلك الياء التي في "العُلْيَا"، لكنّه لمّا جُمع على الفُعَل، قُلبت الياء ألفًا، فهو كقولهم: "الكُبَر" من "الكُبْرَى"، و"الفُضَل" من "الفُضْلَى"، فاعرفه.

стр. 2132

فصل [إمالة الألف المتوسطة] قال صاحب الكتاب: والمتوسطة إن كانت في فعل يقال فيه: "فعلت" كـ "طاب", و"خاف", أُميلت ولم ينظر إلى ما انقلبت عنه. وإن كانت في اسم نظر إلى ذلك فقيل: "نابٌ" ولم يقل: "بابٌ" (١). * * * قال الشارح: الألف المتوسّطة إذا كانت عينًا، فلا تخلو من أن تكون من واو أو ياء. فإذا كانت منقبلة من ياء، ساغت الإمالةُ فيها في اسم كانت، أو فعل، فتقول في الاسم: "نابٌ"، و"عابٌ"؛ لأنّهما من الياء؛ لقولهم في جمع نابٍ: "أَنْيابٌ". و"عابٌ" بمعنى "العَيْب". وتقول في الفعل "باتَ"، و"صارَ إلى كذا"، و"هاَبَ". وإنّما أُميلت هنا لتدلّ على أنّ العين من الياء، ولأنّ ما قبلها ينكسر في "بِتُّ"، و"صِرْتُ" و"هِبْتُ". وإذا كانت منقلبة من واو، فإن كان فعلًا على فَعِلَ كـ "عَلِمَ"، جازت الإمالةُ، نحو قولك: "خافَ"، و"ماتَ" في لغةِ من يقول: "مَاتَ يَمَاتُ"؛ لأنّ ما قبل الألف مكسورٌ في "خِفْتُ" و"مِتُّ". ومن قال: "مَاتَ يَمُوتُ"، لم يُجِز الإمالةَ في قوله. وكذلك في نظائره من نحو: "قال"، و"قام". وقرأ القرّاء: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ (٢)، إلاّ أنّه فيما كان من الياء أحسنُ؛ لأنّ فيه علّتَيْن: كونُه من الياء - وهو مكسورٌ في "هِبْتُ" و"بِعْتُ"، وليس في ذوات الواو إلاّ علّةٌ واحدةٌ، وهو الكسرُ لا غير. فأمّا إذا كانت بنات الواو على "فَعَلَ"، أو "فَعُلَ" لم تُمَلْ، فعلًا كانت أو اسمًا، فالفعلُ "قال"، و"طال"، والاسمُ "بابٌ"، و"دارٌ"، إذ كانت العين واوًا, وليست بفَعِلَ كـ "خِفْتُ"، كأنّهم يفرقون بين ما "فعلتُ" منه مكسورُ الفاء، نحو: "خِفْتُ"، و"نِمْتُ" وبين ما فعلتُ منه مضموم الفاء، نحو: "قُلْتُ"، و"طُلْتُ". وليس ذلك في الأسماء. فصل [إمالة الألف لألف مُمالة قبلها] قال صاحب الكتاب: وقد أمالوا الألف لألف ممالة قبلها. قالوا: "رأيت عمادا ومعزانا" (٣). * * *

стр. 2133

قال الشارح: وقد أمالوا الألف لألف ممالة قبلها، فقالوا: "رأيت عِمادا ومِعْزانا"، و"حسبتُ حِسابا"، و"كتبتُ كِتابا"، أجروا الألف الممالة مجرى الياء لقُرْبها منها، فأجنحوا الألفَ الأخيرةَ نحو الياء، والفتحةَ قبلها نحو الكسرة، كما فعلوا ذلك فيما قبلها من الألف والفتحة، والغرضُ من ذلك تناسبُ الأصوات وتقاربُ أجراسها، فاعرفه. فصل [الأحرف التي تمنع الإمالة] قال صاحب الكتاب: وتمنع الإمالة سبعة أحرف وهي الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف إذا وليت الألف قبلها أو بعدها، إلا في باب "رمى" و"باع" فإنك تقول فيهما طاب وخاف وصغى وطغى (١) وذلك نحو صاعد وعاصم وضامن وعاضد وطائف وعاطس وظالم وعاظل وغائب وواغل وخامد وناخل وقاعد وناقف (٢). أو وقعت بعدها بحرف أو حرفين كناشط ومفاريص وعارض ومعاريض وناشط ومناشيط وباهظ ومواعيظ ونابغ ومباليغ ونافخ ومنافيخ ونافق ومعاليق (٣). * * * قال الشارح: هذه الحروف من موانع الإمالة، وهي تمنع الإمالة على أوصاف مخصوصة. وإنّما منعت الإمالة؛ لأنّها حروفٌ مستعلِيَةٌ، ومعنى الاستعلاء أن تصعد إلى الحَنَك الأَعْلى، إلَّا أنّ أربعة منها تستعلي بإطباقٍ، وهي الصاد والضاد والطاء والظاء. ومعنى الإطباق أن ترفع ظهرَ لسانك إلى الحنك الأعلى، فينطبق على ما حاذاه من ذلك. وثلاثةٌ منها مستعليةٌ من غير إطباق، وهي العين والخاء والقاف. والألف إذا خرجتْ من موضعها، اعتلت إلى الحنك الأعلى، فإذا كانت مع هذه الحروف المستعلية، غلبتْ عليها كما غلبت الكسرةُ والياء عليها، إذ معنى الإمالة أن يقرب الحرفُ ممّا يُشاكِله من كسرة أو ياء. فإذا كان الذي يشاكل الحرفَ غيرَ ذلك أملته بالحرف إليه. وهذه الحروفُ منفتحةُ المَخارج، فلذلك وجب الفتحُ معها، ورُفضت الإمالة هنا من حيث اجتُلبت فيما تقدّم، فمن المواضع التي تُمْنَع فيها الإمالة أن تكون مفتوحةً قبل الألف، نحو: "صاعِدٍ"، و"ضامن"، و"طائف"، و"ظالم"، و"غائب"، و"خامد"، و"قاعد". فهذه الألف في جميع ما ذكرناه منصوبةٌ غيرُ ممالة؛ لما ذكرناه من إرادة تجانُس

стр. 2134

الصوت لا سيّما وهي مفتوحةٌ، والفتحُ ممّا يزيدها استعلاءً. قال سيبويه (١): لأنّها إذا كانت ممّا يُنْصَب مع غير هذه الحروف، لزمها النصبُ مع هذه الحروف، قال: ولا نعلم أحدًا يُمِيل هذه الألفَ إلَّا من لا يوثَق بعربيّته، وكذلك إذا كان حرفٌ من هذه الحروف بعد الألف، يريد أنّ النصب كان جائزًا فيها مع سبب الإمالة، فهو مع هذه الحروف لازمٌ، وذلك قولك: "عاصمٌ"، و"عاضدٌ"، و"عاطلٌ"، و"واغلٌ"، و"ناخلٌ"، و"ناقفٌ"، فهذا كلُّه غيرُ ممال. وقد شبّهه سيبويه (٢) بقولهم: "صبقت" في "سبقت"، حيث أرادوا المشاكلة والعملَ من وجه واحد، إذ كانت السين مهموسة، والقافُ مجهورة مستعلية، فقاربوا بينهما بأن أبدلوا منها أقربَ الحروف إليها، وهي الصاد, لأنّها تُقارِبها في المخرج والصفير، وتقارب القافَ في الاستعلاء، وإن لم تكن مثلها في الإطباق. وكذلك إن كانت بعد الألف بحرف، نحو: "ناشص"، وهو المرتفعُ، يقال: "نشص نشوصًا"، أي: ارتفع. و"عارضٌ"، وهو السحاب المعترض في الأُفْق، والعارضُ: النابُ، والضَّرْسُ الذي يليه. و"ناشطٌ" من قولهم: "نشِط الرجلُ ينشَط نَشاطًا"، وهو كالمَرَح. و"باهظ" من قولهم: "بَهَظَهُ الحِمْلُ"، يقال: "شيءٌ باهظٌ"، أي: شاقٌّ، و"نابغٌ" من قولهم: "نَبَغَ"، أي: ظَهَرَ، و"نافخٌ"، و"نافقٌ" فاعلٌ من "نَفَقَ البَيْعُ"، أي: راجَ. فهذا وما كان مثله نصبٌ غيرُ مُمال، ولا يمنعه الحاجزُ بينهما من ذلك كما لم يمنع السينَ من انقلابها صادًا الحرفُ، وهو الباء في قولك: "صبقت" في معنى "سبقت". ولا يميل ذلك أحدٌ من العرب إلَّا من لا يوثق بعربيّته، هذا نصُّ سيبويه. وكذلك إن كان الحاجز بينهما حرفَيْن، نحو: "مَفارِيصَ"، وهو جمعُ "مِفْرَاصٍ" لِما يُقْطَع به، و"مَعاريِضَ" وهو التَّوْرِيَةُ بالشيء عن الشيء، وفي المَثَل "إنّ في المعاريض لَمندوحةً عن الكذب" (٣). و"مَناشِيط" وهو جمع "مَنْشوطٍ"، من "نَشَطَ العُقْدَةَ" إذا ربطها ربطًا يسهّل انحلالَها، ويجوز أن يكون جمع "مِنْشاط" للرجل يكثر نشاطُه. و"مَواعِيظ" جمع "مَوْعُوظ" مفعول من الوَعْظ الذي هو النصح. و"مَبالِيغ" جمع "مَبْلُوغ" من قولهم: "قد بلغتُ المكانَ" إذا وصلتَ إليه، فالمكان مبلوغٌ، والواصل إليه بالغٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٤). و"مَنَافِيخ": جمع "مِنْفاخٍ"، وهو ما يُنْفَخ به كالكِير

стр. 2135

للحَدّاد. و"معَالِيق": جمع "مِعْلاقٍ"، وهو كالكَلُّوب، فهذا أيضًا ونحوه مِمّا لا يُمال وإن كان بينهما حرفان، كما لم يمتنع السين من الصاد في "صَوِيقٍ"، و"صِراطٍ". وقد أمال هذا النحو قومٌ من العرب، فقالوا: "مناشيط"؛ لتراخي هذه الحروف عن الألف، وهو قليل، والكثيرُ النصب. [عدم منع هذه الأحرف الإمالة إذا وقعت مكسورةً قبل الألف بحرف] قال صاحب الكتاب: وإن وقعت قبل الألف بحرف وهي مكسورة أو ساكنة بعد مكسور لم تمنع عند الأكثر نحو صعاب ومصباح وضعاف ومضحاك وطلاب ومطعام وظماء وإظلام وغلاب ومغناج وخباث وإخبات وقفاف ومقلات (١). * * * قال الشارح: قد ذكرنا أنّ هذه الحروف من موانع الإمالة؛ لأنّ الصوت يَستعلي عند النُّطْق بها إلى أعلى الحنك، والإمالةُ تسفّلٌ، وكان بينهما تنافٍ. وهي، مع ذلك، إذا كانت بعد الألف، كانت أدعى لمَنْع الإمالة منها إذا كانت قبله؛ لأنّها إذا كانت بعد الألف، كنتَ متصعّدًا بالمستعلي بعد الانحدار بالإمالة. وإذا كانت قبله، كنت منحدرًا بعد التصعّد بالحرف. والانحدارُ أخفُّ عليهم من التصعّد. وقد شبّهه سيبويه (٢) بقولهم: "صبقتُ" في "سبقتُ"، و"صُقْتُ" في "سُقْتُ"، و"صَوِيق" في "سويق". ولم يقولوا في "قَسْوَرٍ"، و"قِسْتُ": "قَصْوَرٌ"، و"قِصْتُ"؛ لأنّ المستعلي إذا تقدّم كان أخفّ عليهم؛ لأنّك تكون كالمنحدر من عالٍ. وإذا تأخّر كنتَ مُصْعِدًا بالمستعلي بعد التسفّل بالسين، وهو أشقُّ. فإذا وقعت قبل الألف بحرف، وكانت مكسورة، فإنّها لا تمنع الإمالة، نحو: "صِعابٍ"، و"ضِعافٍ". وكانت الإمالةُ فيها حسنة؛ لأنّ الكسرة أدنى إلى المستعلي من الألف، والكسرةُ تُوهي استعلاء المستعلي، والنصبُ جيد، والإمالةُ أجود. فلو كان المستعلي بعد الكسرة، لم تجز الإمالةُ, لأنّ المستعلي أقربُ إلى الألف، وهو مفتوح. وذلك قولك: "حِقابٌ"، و"رِصاصٌ"، فيمن كسر الراء. وكذلك لو كانت ساكنةً بعد مكسور، لم تمنع عند الأكثر، نحو: "مِصْباح"، و"مِطْعام"؛ لأنّ المستعلي هنا لا يُعتدّ به، لسكونه، فهو كالمَيّت الذي لا يُعتّد به، فصار من جملة المكسور المتقّدمِ عليه؛ لأنّ محلّ الحركة بعد الحرف على الصحيح من

стр. 2136

المذهب، فهي مجاورةٌ للساكن، فصارت الكسرة كأنّها فيها. ألا ترى أنّهم قالوا: "مُؤْسى"، فهمزوا الواو لمجاورة الضمّة، وأجروها مجرى المضمومة نفسَها، فجرت مجرى "صِعابٍ" و"ضِعافٍ" في جواز الإمالة. هذا هو الكثير، وقد ذهب بعضهم إلى منع الإمالة، وأجرىَ على الساكن حُكْمَ المفتوح بعده، فمَنَعَه من الإمالة، كما يُمْنَع "قَوائِمُ". والوجهُ الأوّل. وقوله: "إلا في بابِ "رَمَى"، و"بَاعَ"، يريد أنّ هذه الحروف لا تمنع الإمالةَ إذا كانت فاءً مفتوحةً من فعلٍ معتل العين أو اللام بالياء، نحو: "طابَ"، و"خافَ"، و"قَلى"، و"طَغى". فما كان من ذلك، فإنّه يمال؛ لأنّ ألفه منقلبة عن ياء، وهو سببٌ قويٌّ، فغُلب المستعلي مع قوّة تصرُّف الفعل، وليست كألف "فاعل"؛ لأنّ هذه الألف أصليٌّ، وتلك منقلبةٌ عن ياء، وكذلك ما كان من بابِ "غَزا"، و"عَدا"، أي: إن كان معتلّ اللام بالواو، نحو: "صَغا"، و"صَفا"؛ لأنّ هذه اللام تصير ياءً كما ذكرنا في "أغْزَيْتُ"، و"غُزِيَ"، ففي هذه الأفعال داعِيان إلى الإمالة: الانقلابُ عن الياء، وهو سببٌ قويٌّ، وقوّةُ تصرُّف الفعل، فغُلب المستعلي، فاعرفه. فصل [إجراء المنفصل مجري المتصل في الإمالة] قال صاحب الكتاب: قال سيبويه (١): وسمعناهم يقولون: "أراد أن يضربها زيد" فأمالوا، وقالوا: "أراد أن يضربها قبل", فنصبوا للقاف، وكذلك "مررت بمال قاسم وبمال ملق". * * * قال الشارح: المراد بذلك أنّهم قد أجروا المنفصل مجرى المتّصل. ومعنى المنفصل أن تكون الألف من كلمة، والمستعلي من كلمة أخرى، فيجريان مجرى ما هو من كلمة واحدة. وذلك أنّهم قالوا: "أراد أن يضرِبَها زيدٌ"، فأمالوا للكسرة قبلها، وقالوا: "أراد أن يضربها قبلُ"، فنصبوا مع وجود المْقتضي للإمالة، وهو كسرةُ الراء؛ لأجل المانع، وهو حرف الاستعلاء، وهو "القاف" في "قبلُ". وكذلك "بمال قاسمٍ"، و"بمال مَلِقٍ" وإن كانا في كلمتَيْن، فإنّهم أجروهما مجرى ما هو من كلمة واحدة، نحو: "عاقد"، و"ناعقٍ"، و"مَناشِيطَ". ومنهم من يفرق بين المتّصل والمنفصل، فأمال "بمال قاسم" كأنّه لم يحفل بالمستعلي، إذ كان من كلمة أخرى، وصار كأنّك قلت: "بمال" وسكتَّ، فاعرفه.

стр. 2137

فصل [الراء والإمالة] قال صاحب الكتاب: والراء غير المكسورة إذا وليت الألف منعت منع المستعلية تقول راشد، وهذا حمارك، ورأيت حمارك، على التفخيم. والمكسورة أمرها بالضد من ذلك يمال لها ما لا يمال مع غيرها، تقول طارد وغارم وتغلب غير المكسورة كما تغلب المستعلية فتقول من قرارك وقريء: ﴿كانت قوارير﴾ (١). فإذا تباعدت لم تؤثر عند أكثرهم، فأمالوا "هذا كافرٌ"، ولم يميلوا "مررت بقادر"، وقد فخم بعضهم الأول وأمال الآخر. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الراء حرفُ تكرير، فإذا نطقتَ به، خرج كأنّه متضاعفٌ، وفي مَخْرَجه نوعُ ارتفاع إلى ظهر اللسان إلى مخرج النون فْوَيْقَ الثنايَا. فإذا كان مفتوحًا أو مضمومًا، منعت إمالة الحرف، نحو قولك: "هذا راشدٌ"، و"هذا فِراشٌ"، فلم يميلوا. وأجروه ها هنا مجرى المستعلى لِما ذكرناه، ولأنّهم لما نطقوا كأنّهم تكلّموا برائَيْن مفتوحتَيْن، فقويت على نصب الألف، وصارت بمنزلة القاف. فهي في منع الإمالة أقوى من غيرها من الحروف، ودون المستعلية في ذلك. فإذا كانت مكسورة، فهي تُقوِّي الإمالة أكثرَ من قوّة غيرها من الحروف المكسورة؛ لأنّ الكسرة تتضاعف، فهي من أسباب الإمالة. وإذا كانت مضمومة أو مفتوحة، فالضمُّ والفتح يتضاعفان، وهما يمنعان الإمالة. وإذا كانت الراء بعد ألف تمال لو كان بعدها غيرُ الراء، لم تُمِلْ في الرفع والنصب، وذلك قولك: "هذا حمارك"، و"رأيت حمارك"، فهذا نصبٌ. ولولا الراء لكان ممّا يمال، نحو: "عِمادٍ"، و"كِتابٍ"، فالراء إذا كانت مفتوحة أو مضمومة في منعِ الإمالة بمنزلة المتقدّمة في نحو "راشِدٌ". وإذا جاءت بعد الألف مكسورةً، أمالت الألف قبلها وكان أمرُها بالضدّ من تلك المفتوحةِ والمضمومة، لأنّها تكون سببًا للإمالة. وذلك قولك: "مررت بحمارِك". ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ (٢). وكذلك "غارمٌ"، و"عارفٌ"، فكأنّه الإمالةُ ها هنا ألزمُ منها في "عائد" ونحوه. فإن وقع قبل الألف حرفٌ من المستعلية، حسنت الإمالةُ التي كانت تُمْنَع في نحو: "قاسِمٍ" من أجل الراء، فتقول: "طائفٌ"، و"غائبٌ" بالفتح، ولا تميل لمكان المستعلي في أوّله. وتقول: "طاردٌ"، و"غارمٌ"، فتُميله لأجل الراء المكسورة؛ لأنّها كالحرفَيْن

стр. 2138

المكسورَيْن، فغلبتْ ها هنا المستعلي كما غلبت المفتوحةُ على منع الإمالة الكسرةَ والياء ونحوَهما من أسباب الإمالة، ولأن حرف الاستعلاء إذا كان قبل الألف، كان أضعفَ في منع الإمالة ممّا إذا كان بعده. وذلك لأنّه إذا تقدّم، كان كالانحدار من عالٍ إلى سافلٍ، وذلك أسهلُ من العكس. ولقوّة الراء المكسورة بتكريرها وضُعْفِ حرف الاستعلاء إذا تقدّم، ساغت الإمالةُ معه، فلذلك تميل نحو "قادر"، و"غارب"، ولا تميل نحو: "فارقٍ"، و"سارقٍ"، وذلك لقوّة المستعلي إذا تأخّر وضُعْفِه إذا تقدّم. والراء المكسورةُ تغلب الراء المفتوحة والمضمومةَ إذا جامعتْهما، نحو: "مِن قَرارِك"، وقُرىء: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ (١). وذلك لأنّ الراء المفتوحة لم تكن أقوى في منع الإمالة من المستعلي. وقد غلبت المكسورةُ في نحو "طاردٍ"، "وغارمٍ"، قال سيبويه: ولم تكن الراء المفتوحة التي قبل الألف بأقوى من حرف الاستعلاء. وإذا تباعدت هذه الراء عن الألف، لم تُؤثِّر، قالوا: "هذا كافرٌ" و"هي المَنابِرُ"، فأمالوا. ولم تمنع الراء الإمالةَ كما منعت في "هذا حمارُك"؛ لتباعُدها عن الألف، ففصل الحرفُ بينها وبين الألف، ولم تكن في القوّة كالمستعلية, لأنّ الراء، وإن كانت مكرّرة، فليس فيها استعلاء هذه الحروف, لأنّها من مخرج اللام، وقريبةٌ من الياء. ولذلك الألثغُ يجعل مكانَها ياء، فيقول في "بارَكَ اللهُ لك": "بايَكَ الله لك". ولم يميلوا "مررت بقادرٍ"؛ لأنّ الراء لمّا تباعدت من الألف بالفاصل بينهما، لم يبق لها تأثيرٌ لا في منع إمالة، ولا في تسويغها، فأمالوا "الكافرون" و"الكافرُ" على ما ذكرنا. ولم يعتدّوا بالراء وإن كانت مضمومة في منع الإمالة كما اعتدّوها إذا وليت الألفَ. ولم يميلوا "مررت بقادر" للقاف، كما لم يميلوا "طائفٌ"، و"ضامنٌ"، كما أمالوا "قاربٌ" لفصل الحرف بينهما. ومن العرب من لا يميل الأوّل، فيقول: "هذا كافرٌ"، فينصب في الرفع والنصب، ويجعلونها بمنزلتها إذا لم يَحُلْ بينها وبين الألف شيءٌ، كأنّ الحرف المكسور بعد الألف ليس موجودًا. وقدّروا أنّ الراء قد وليت الألفَ، فصارت بمنزلةِ "هذا حمارٌ"، و"رأيت حمارًا"، كما أنّ الطاء في "ناشطٍ"، والقاف في "السَّمالِق" كأنّها تلي الألف في منع الإمالة. وإذا كانت الراء مجرورة في "الكافر" ومكسورةً في "الكافرين"، أمالوا، كأنّ الراء تلي الألف، فالإمالةُ حسنة، وليس كحُسْنها في "الكافرين"؛ لأنّ الكسر في "الكافرين"

стр. 2139

لازمٌ للراء وبعدها ياءٌ، والكافرُ لا ياء فيه. وليست الكسرةُ بلازمة للراء إلَّا في الخفض، وفي الجمع تلزم في الخفض والنصب والوقف، يقولون: "مررت بقادرٍ"، فتغلب القافَ كما غلبتها في "غارم"، و"صارم". قال أبو العبّاس: وتركُ الإمالة أحسنُ لقُرْب المستعلية من الألف وتراخي الراء عنها. وأنشد هذا البيت [من الطويل]: عَسَى اللهُ يُغْنِي عن بِلادِ ابن قادرٍ ... بمُنْهَمِرٍ جَوْنِ الرَّبابِ سَكُوبِ (١) أنشده ممالًا، والنصبُ أحسنُ لِما ذكرتُ لك، فاعرفه. فصل [ما أُميلَ شذوذًا] قال صاحب الكتاب: وقد شذ عن القياس قولهم الحجاج والناس ممالين, وعن بعض العرب "هذا مالٌ وبابٌ", وقالوا: "العشا", و"المكا" و"الكبا", وهؤلاء من الواو. وأما قولهم: "الرِّبا" فلأجل الراء. * * * قال الشارح: إمالةُ "الحَجّاج" إنّما شذّت؛ لأنّها ليس فيها كسرةٌ، ولا ياءٌ ونحوهما من أسباب الإمالة، وإنّما أُميل لكثرة استعماله، فالإمالةُ أكثرُ في كلام العرب، فحملوه على الأكثر. هذا قول سيبويه (٢). وقال أبو العبّاس المبرّد، إنّما أمالوا "الحجّاج" إذا كان اسمًا عَلَمًا للفرق بين المعرفة والنكرة، والاسمِ والنعتِ, لأنّ الإمالة أكثرُ في كلامهم، وليس بالجنس، والمرادُ إمالته في حال الرفع والنصب في نحو "هذا الحجّاج" و"رأيت الحجّاجَ". فأمّا إذا قلت: "مررت بالحجّاجِ"، فالإمالةُ سائغةٌ، وليست شاذّة؛ لأجل كسرة الإعراب، فهو بمنزلةِ: "مررت بمالِ زيد". فأمّا إذا كان صفة، نحو قولك: "رجلٌ حجّاجٌ" للرجل يُكْثِر الحجَّ، أو يغلب بالحجُّة، فإنّه لا تسوغ فيه الإمالةُ لفقد سببها، إلَّا في حال الجرّ. وأمّا "الناسُ" فإمالته في حال الرفع والنصب شاذّة لعدم سبب الإمالة. والذي حسّنه كثرةُ الاستعمال، والحملُ على الأكثر. وأمّا في حال الجرّ فحسنٌ، قال سيبويه (٣): على أنّ أكثر العرب ينصب ذلك، ولا يُمِيله. وأمّا "مالٌ" و"بابٌ"، فالجيّد إمالتهما في حال الجرّ، وأمّا إمالتُهما في حال الرفع، والنصب فقليلٌ. قال سيبويه (٤): وقال ناسٌ يُوثَق بعربيّتهم: "هذا بابٌ"، و"هذا مالٌ"، فأمالوهما كأنّهم شبّهوا الألف فيهما، وإن كانت منقلبة من واو، بألِف

стр. 2140

"غَزَا"، و"دَنا" المنقلبةِ من واو، فأجروا العينَ كاللام، وإن كانت العين أبعدَ من الإمالة. ومَن أمال "هذا بابٌ ومالٌ" لم يمل "هذا ساقٌ"، ولا "قارٌ"؛ لأنّه لم يبلغ من قوّة الإمالة في بابٍ أن تمال مع حروف الاستعلاء. قال أبو العبّاس: لا تجوز الإمالةُ في "بابٍ" و"مالٍ"؛ لأنّ لام الفعل قد تنقلب ياءً، وعين الفعل لا تنقلب. قال أبو سعيد السيرافيّ: وقول سيبويه أمثلُ؛ لأنّ عين الفعل قد تنقلب أيضًا فيما لم يُسمّ فاعله، نحو: "قِيلَ"، و"عِيدَ المريضُ". وقد تُنْقَل بالهمزة، فتُقْلَب ألفه ياء في المستقبل، نحو: "يُقِيل"، و"يُقِيم". قال سيبويه (١): والذين لا يميلون في الرفع والنصب أكثرُ وأعمُّ في كلامهم. وأمّا "عابٌ"، و"نابٌ" فمن الياء، و"عابٌ" بمعنى عَيْبٍ، فهو من الياء، وكذلك "نابٌ"؛ لقولهم في تكسيره: "أنْيابٌ"، وفي الفعل: "يَنِيبُ". وقوله: "هؤلاء من الواو" راجعٌ إلى "العَشا"، و"المَكا"، و"الكِبا"، فالعَشاء: هو الطعام، والعشا مقصورًا - وهو المراد ها هنا -: مصدرُ الأَعْشَى، وهو الذي لا يُبصِر بالليل، ويبصر بالنهار، وهو من الواو؛ لقولهم: "امرأةٌ عَشْواء"، و"امرأتان عَشْواوان". وإنّما سوّغ إمالتَه كونُ ألفه يصيرُ ياء في الفعل، نحو قولك: "أَعْشاه الله فعَشِيَ"، بالكسر، يَعْشى عَشًا. وقالوا: "هما يعشيان"، ولم يقولوا: "يعشوان"؛ لأنّ الواو لمّا صارت في الواحد ياءً، تُركت على حالها في التثنية، فلمّا كانت تصير إلى ما ذكرنا من الياء، سوّغوا فيها الإمالةَ، وإن كان أصلها الواو. وأمّا "المُكاء" بالمدّ، فهو الصَّفِير من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٢). و"المَكا" بالفتح والقصر: جُحْرُ الثعلب والأرنب، فهو من الواو؛ لقولهم في معناه: "مَكْوٌ". قال الشاعر [من المديد]: ١٢١٤ - كم به مِن مَكْوِ وَحْشِيّةٍ ... قِيظَ في مُنْتَثَلٍ أو شِيامْ
следующие страницы →