← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

المذهب، فهي مجاورةٌ للساكن، فصارت الكسرة كأنّها فيها. ألا ترى أنّهم قالوا: "مُؤْسى"، فهمزوا الواو لمجاورة الضمّة، وأجروها مجرى المضمومة نفسَها، فجرت مجرى "صِعابٍ" و"ضِعافٍ" في جواز الإمالة. هذا هو الكثير، وقد ذهب بعضهم إلى منع الإمالة، وأجرىَ على الساكن حُكْمَ المفتوح بعده، فمَنَعَه من الإمالة، كما يُمْنَع "قَوائِمُ". والوجهُ الأوّل. وقوله: "إلا في بابِ "رَمَى"، و"بَاعَ"، يريد أنّ هذه الحروف لا تمنع الإمالةَ إذا كانت فاءً مفتوحةً من فعلٍ معتل العين أو اللام بالياء، نحو: "طابَ"، و"خافَ"، و"قَلى"، و"طَغى". فما كان من ذلك، فإنّه يمال؛ لأنّ ألفه منقلبة عن ياء، وهو سببٌ قويٌّ، فغُلب المستعلي مع قوّة تصرُّف الفعل، وليست كألف "فاعل"؛ لأنّ هذه الألف أصليٌّ، وتلك منقلبةٌ عن ياء، وكذلك ما كان من بابِ "غَزا"، و"عَدا"، أي: إن كان معتلّ اللام بالواو، نحو: "صَغا"، و"صَفا"؛ لأنّ هذه اللام تصير ياءً كما ذكرنا في "أغْزَيْتُ"، و"غُزِيَ"، ففي هذه الأفعال داعِيان إلى الإمالة: الانقلابُ عن الياء، وهو سببٌ قويٌّ، وقوّةُ تصرُّف الفعل، فغُلب المستعلي، فاعرفه. فصل [إجراء المنفصل مجري المتصل في الإمالة] قال صاحب الكتاب: قال سيبويه (١): وسمعناهم يقولون: "أراد أن يضربها زيد" فأمالوا، وقالوا: "أراد أن يضربها قبل", فنصبوا للقاف، وكذلك "مررت بمال قاسم وبمال ملق". * * * قال الشارح: المراد بذلك أنّهم قد أجروا المنفصل مجرى المتّصل. ومعنى المنفصل أن تكون الألف من كلمة، والمستعلي من كلمة أخرى، فيجريان مجرى ما هو من كلمة واحدة. وذلك أنّهم قالوا: "أراد أن يضرِبَها زيدٌ"، فأمالوا للكسرة قبلها، وقالوا: "أراد أن يضربها قبلُ"، فنصبوا مع وجود المْقتضي للإمالة، وهو كسرةُ الراء؛ لأجل المانع، وهو حرف الاستعلاء، وهو "القاف" في "قبلُ". وكذلك "بمال قاسمٍ"، و"بمال مَلِقٍ" وإن كانا في كلمتَيْن، فإنّهم أجروهما مجرى ما هو من كلمة واحدة، نحو: "عاقد"، و"ناعقٍ"، و"مَناشِيطَ". ومنهم من يفرق بين المتّصل والمنفصل، فأمال "بمال قاسم" كأنّه لم يحفل بالمستعلي، إذ كان من كلمة أخرى، وصار كأنّك قلت: "بمال" وسكتَّ، فاعرفه.

стр. 2137

فصل [الراء والإمالة] قال صاحب الكتاب: والراء غير المكسورة إذا وليت الألف منعت منع المستعلية تقول راشد، وهذا حمارك، ورأيت حمارك، على التفخيم. والمكسورة أمرها بالضد من ذلك يمال لها ما لا يمال مع غيرها، تقول طارد وغارم وتغلب غير المكسورة كما تغلب المستعلية فتقول من قرارك وقريء: ﴿كانت قوارير﴾ (١). فإذا تباعدت لم تؤثر عند أكثرهم، فأمالوا "هذا كافرٌ"، ولم يميلوا "مررت بقادر"، وقد فخم بعضهم الأول وأمال الآخر. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الراء حرفُ تكرير، فإذا نطقتَ به، خرج كأنّه متضاعفٌ، وفي مَخْرَجه نوعُ ارتفاع إلى ظهر اللسان إلى مخرج النون فْوَيْقَ الثنايَا. فإذا كان مفتوحًا أو مضمومًا، منعت إمالة الحرف، نحو قولك: "هذا راشدٌ"، و"هذا فِراشٌ"، فلم يميلوا. وأجروه ها هنا مجرى المستعلى لِما ذكرناه، ولأنّهم لما نطقوا كأنّهم تكلّموا برائَيْن مفتوحتَيْن، فقويت على نصب الألف، وصارت بمنزلة القاف. فهي في منع الإمالة أقوى من غيرها من الحروف، ودون المستعلية في ذلك. فإذا كانت مكسورة، فهي تُقوِّي الإمالة أكثرَ من قوّة غيرها من الحروف المكسورة؛ لأنّ الكسرة تتضاعف، فهي من أسباب الإمالة. وإذا كانت مضمومة أو مفتوحة، فالضمُّ والفتح يتضاعفان، وهما يمنعان الإمالة. وإذا كانت الراء بعد ألف تمال لو كان بعدها غيرُ الراء، لم تُمِلْ في الرفع والنصب، وذلك قولك: "هذا حمارك"، و"رأيت حمارك"، فهذا نصبٌ. ولولا الراء لكان ممّا يمال، نحو: "عِمادٍ"، و"كِتابٍ"، فالراء إذا كانت مفتوحة أو مضمومة في منعِ الإمالة بمنزلة المتقدّمة في نحو "راشِدٌ". وإذا جاءت بعد الألف مكسورةً، أمالت الألف قبلها وكان أمرُها بالضدّ من تلك المفتوحةِ والمضمومة، لأنّها تكون سببًا للإمالة. وذلك قولك: "مررت بحمارِك". ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ (٢). وكذلك "غارمٌ"، و"عارفٌ"، فكأنّه الإمالةُ ها هنا ألزمُ منها في "عائد" ونحوه. فإن وقع قبل الألف حرفٌ من المستعلية، حسنت الإمالةُ التي كانت تُمْنَع في نحو: "قاسِمٍ" من أجل الراء، فتقول: "طائفٌ"، و"غائبٌ" بالفتح، ولا تميل لمكان المستعلي في أوّله. وتقول: "طاردٌ"، و"غارمٌ"، فتُميله لأجل الراء المكسورة؛ لأنّها كالحرفَيْن

стр. 2138

المكسورَيْن، فغلبتْ ها هنا المستعلي كما غلبت المفتوحةُ على منع الإمالة الكسرةَ والياء ونحوَهما من أسباب الإمالة، ولأن حرف الاستعلاء إذا كان قبل الألف، كان أضعفَ في منع الإمالة ممّا إذا كان بعده. وذلك لأنّه إذا تقدّم، كان كالانحدار من عالٍ إلى سافلٍ، وذلك أسهلُ من العكس. ولقوّة الراء المكسورة بتكريرها وضُعْفِ حرف الاستعلاء إذا تقدّم، ساغت الإمالةُ معه، فلذلك تميل نحو "قادر"، و"غارب"، ولا تميل نحو: "فارقٍ"، و"سارقٍ"، وذلك لقوّة المستعلي إذا تأخّر وضُعْفِه إذا تقدّم. والراء المكسورةُ تغلب الراء المفتوحة والمضمومةَ إذا جامعتْهما، نحو: "مِن قَرارِك"، وقُرىء: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ (١). وذلك لأنّ الراء المفتوحة لم تكن أقوى في منع الإمالة من المستعلي. وقد غلبت المكسورةُ في نحو "طاردٍ"، "وغارمٍ"، قال سيبويه: ولم تكن الراء المفتوحة التي قبل الألف بأقوى من حرف الاستعلاء. وإذا تباعدت هذه الراء عن الألف، لم تُؤثِّر، قالوا: "هذا كافرٌ" و"هي المَنابِرُ"، فأمالوا. ولم تمنع الراء الإمالةَ كما منعت في "هذا حمارُك"؛ لتباعُدها عن الألف، ففصل الحرفُ بينها وبين الألف، ولم تكن في القوّة كالمستعلية, لأنّ الراء، وإن كانت مكرّرة، فليس فيها استعلاء هذه الحروف, لأنّها من مخرج اللام، وقريبةٌ من الياء. ولذلك الألثغُ يجعل مكانَها ياء، فيقول في "بارَكَ اللهُ لك": "بايَكَ الله لك". ولم يميلوا "مررت بقادرٍ"؛ لأنّ الراء لمّا تباعدت من الألف بالفاصل بينهما، لم يبق لها تأثيرٌ لا في منع إمالة، ولا في تسويغها، فأمالوا "الكافرون" و"الكافرُ" على ما ذكرنا. ولم يعتدّوا بالراء وإن كانت مضمومة في منع الإمالة كما اعتدّوها إذا وليت الألفَ. ولم يميلوا "مررت بقادر" للقاف، كما لم يميلوا "طائفٌ"، و"ضامنٌ"، كما أمالوا "قاربٌ" لفصل الحرف بينهما. ومن العرب من لا يميل الأوّل، فيقول: "هذا كافرٌ"، فينصب في الرفع والنصب، ويجعلونها بمنزلتها إذا لم يَحُلْ بينها وبين الألف شيءٌ، كأنّ الحرف المكسور بعد الألف ليس موجودًا. وقدّروا أنّ الراء قد وليت الألفَ، فصارت بمنزلةِ "هذا حمارٌ"، و"رأيت حمارًا"، كما أنّ الطاء في "ناشطٍ"، والقاف في "السَّمالِق" كأنّها تلي الألف في منع الإمالة. وإذا كانت الراء مجرورة في "الكافر" ومكسورةً في "الكافرين"، أمالوا، كأنّ الراء تلي الألف، فالإمالةُ حسنة، وليس كحُسْنها في "الكافرين"؛ لأنّ الكسر في "الكافرين"

стр. 2139

لازمٌ للراء وبعدها ياءٌ، والكافرُ لا ياء فيه. وليست الكسرةُ بلازمة للراء إلَّا في الخفض، وفي الجمع تلزم في الخفض والنصب والوقف، يقولون: "مررت بقادرٍ"، فتغلب القافَ كما غلبتها في "غارم"، و"صارم". قال أبو العبّاس: وتركُ الإمالة أحسنُ لقُرْب المستعلية من الألف وتراخي الراء عنها. وأنشد هذا البيت [من الطويل]: عَسَى اللهُ يُغْنِي عن بِلادِ ابن قادرٍ ... بمُنْهَمِرٍ جَوْنِ الرَّبابِ سَكُوبِ (١) أنشده ممالًا، والنصبُ أحسنُ لِما ذكرتُ لك، فاعرفه. فصل [ما أُميلَ شذوذًا] قال صاحب الكتاب: وقد شذ عن القياس قولهم الحجاج والناس ممالين, وعن بعض العرب "هذا مالٌ وبابٌ", وقالوا: "العشا", و"المكا" و"الكبا", وهؤلاء من الواو. وأما قولهم: "الرِّبا" فلأجل الراء. * * * قال الشارح: إمالةُ "الحَجّاج" إنّما شذّت؛ لأنّها ليس فيها كسرةٌ، ولا ياءٌ ونحوهما من أسباب الإمالة، وإنّما أُميل لكثرة استعماله، فالإمالةُ أكثرُ في كلام العرب، فحملوه على الأكثر. هذا قول سيبويه (٢). وقال أبو العبّاس المبرّد، إنّما أمالوا "الحجّاج" إذا كان اسمًا عَلَمًا للفرق بين المعرفة والنكرة، والاسمِ والنعتِ, لأنّ الإمالة أكثرُ في كلامهم، وليس بالجنس، والمرادُ إمالته في حال الرفع والنصب في نحو "هذا الحجّاج" و"رأيت الحجّاجَ". فأمّا إذا قلت: "مررت بالحجّاجِ"، فالإمالةُ سائغةٌ، وليست شاذّة؛ لأجل كسرة الإعراب، فهو بمنزلةِ: "مررت بمالِ زيد". فأمّا إذا كان صفة، نحو قولك: "رجلٌ حجّاجٌ" للرجل يُكْثِر الحجَّ، أو يغلب بالحجُّة، فإنّه لا تسوغ فيه الإمالةُ لفقد سببها، إلَّا في حال الجرّ. وأمّا "الناسُ" فإمالته في حال الرفع والنصب شاذّة لعدم سبب الإمالة. والذي حسّنه كثرةُ الاستعمال، والحملُ على الأكثر. وأمّا في حال الجرّ فحسنٌ، قال سيبويه (٣): على أنّ أكثر العرب ينصب ذلك، ولا يُمِيله. وأمّا "مالٌ" و"بابٌ"، فالجيّد إمالتهما في حال الجرّ، وأمّا إمالتُهما في حال الرفع، والنصب فقليلٌ. قال سيبويه (٤): وقال ناسٌ يُوثَق بعربيّتهم: "هذا بابٌ"، و"هذا مالٌ"، فأمالوهما كأنّهم شبّهوا الألف فيهما، وإن كانت منقلبة من واو، بألِف

стр. 2140

"غَزَا"، و"دَنا" المنقلبةِ من واو، فأجروا العينَ كاللام، وإن كانت العين أبعدَ من الإمالة. ومَن أمال "هذا بابٌ ومالٌ" لم يمل "هذا ساقٌ"، ولا "قارٌ"؛ لأنّه لم يبلغ من قوّة الإمالة في بابٍ أن تمال مع حروف الاستعلاء. قال أبو العبّاس: لا تجوز الإمالةُ في "بابٍ" و"مالٍ"؛ لأنّ لام الفعل قد تنقلب ياءً، وعين الفعل لا تنقلب. قال أبو سعيد السيرافيّ: وقول سيبويه أمثلُ؛ لأنّ عين الفعل قد تنقلب أيضًا فيما لم يُسمّ فاعله، نحو: "قِيلَ"، و"عِيدَ المريضُ". وقد تُنْقَل بالهمزة، فتُقْلَب ألفه ياء في المستقبل، نحو: "يُقِيل"، و"يُقِيم". قال سيبويه (١): والذين لا يميلون في الرفع والنصب أكثرُ وأعمُّ في كلامهم. وأمّا "عابٌ"، و"نابٌ" فمن الياء، و"عابٌ" بمعنى عَيْبٍ، فهو من الياء، وكذلك "نابٌ"؛ لقولهم في تكسيره: "أنْيابٌ"، وفي الفعل: "يَنِيبُ". وقوله: "هؤلاء من الواو" راجعٌ إلى "العَشا"، و"المَكا"، و"الكِبا"، فالعَشاء: هو الطعام، والعشا مقصورًا - وهو المراد ها هنا -: مصدرُ الأَعْشَى، وهو الذي لا يُبصِر بالليل، ويبصر بالنهار، وهو من الواو؛ لقولهم: "امرأةٌ عَشْواء"، و"امرأتان عَشْواوان". وإنّما سوّغ إمالتَه كونُ ألفه يصيرُ ياء في الفعل، نحو قولك: "أَعْشاه الله فعَشِيَ"، بالكسر، يَعْشى عَشًا. وقالوا: "هما يعشيان"، ولم يقولوا: "يعشوان"؛ لأنّ الواو لمّا صارت في الواحد ياءً، تُركت على حالها في التثنية، فلمّا كانت تصير إلى ما ذكرنا من الياء، سوّغوا فيها الإمالةَ، وإن كان أصلها الواو. وأمّا "المُكاء" بالمدّ، فهو الصَّفِير من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٢). و"المَكا" بالفتح والقصر: جُحْرُ الثعلب والأرنب، فهو من الواو؛ لقولهم في معناه: "مَكْوٌ". قال الشاعر [من المديد]: ١٢١٤ - كم به مِن مَكْوِ وَحْشِيّةٍ ... قِيظَ في مُنْتَثَلٍ أو شِيامْ

стр. 2141

و"الكِباءُ" بالمدّ: ضربٌ من البَخُور، و"الكِبا" مقصورًا: الكُناسةُ، وهو من الواو؛ لقولهم: "كَبَوْتُ البيت". وقالوا في التثنية: "كِبَوانِ". وقالوا فيه "كُبَةٌ"، وفي الجمع: "كُبُونَ" و"كُبِينَ". ودخلها الإمالة على التشبيه بما هو من الياء؛ لأنّها لامٌ، واللامُ يتطرّق إليها التغييرُ، ألا ترى أنك تميل "غَزَا"، ولا تميل "قَالَ"؟ وأمّا "الرَّبا" في البَيْع، فهو من الواو؛ لقولهم في التثنية: "رِبَوانِ"، وقالوا: "رِبَيان" جعلوه من الياء، وأمالوه لذلك مع كسرة الراء في أوّله، فاعرفه. فصل [إمالة "فاعل" من المضاعف في بعض اللغات] قال صاحب الكتاب: وقد أمال قوم "جاد", و"جوادٌّ" نظراً إلى الأصل، كما أمالوا: "هذا ماش" في الوقف. * * * قال الشارح: الوجه فيما كان من ذلك ممّا هو فاعلٌ من المضاعَف، نحو: "جادٍّ"، و"مارٍّ", وما كان نحوهما، و"جَوادُّ"، و"مَوارُّ" في الجمع، أن لا تُمال؛ لأنّ الكسرة التي كانت فيه تُوجِب الإمالةَ قد حُذفت للادغام. وقد أمال قومٌ ذلك، فقالوا: "جادّ"، و"جوادّ". قالوا: لأنّ الكسرة مقدَّرة، وأصله "جادِدٌ"، و"جَوادِدُ"، فأمالوه كما أمالوا "خافَ"؛ لأنّ تقديره: "خَوِفَ"، أو لأنّه يرجع إلى "خِفْتُ"، وإن لم تكن الكسرةُ في اللفظ. ومثلُ ذلك: "هذا ماشْ"، أمالوا مع الوقف، ولا كسرة فيه؛ لأنّه إذا وُصل الكلامُ يُكْسَر, فتُقوِّي الإمالةَ الكسرةُ، فاعرفه. فصل [الإمالة للمشاكلة] قال صاحب الكتاب: وقد أميل ﴿والشمس وضحاها﴾ (١) , وهي من الواو لتشاكل ﴿جلاها﴾ (٢) و ﴿يغشاها﴾ (٣). * * *

стр. 2142

قال الشارح: "الضُّحَى": مقصورًا حين تُشرِق الشمسُ، وهو جمعُ "ضَحْوَةٍ"، كقَرْيَةٍ وقُرًى. والقياسُ يأبى الإمالةَ؛ لأنّه من الواو، وليس فيه كسرةٌ، وإنّما أمالوه حين قُرن بـ "جَلاَّها"، و"يَغْشَاها"، وكلاهما ممّا يمال؛ لأنّ الألف فيهما من الياء؛ لقولك: "جَلَّيْتُه". وكذلك ألفُ "يَغْشَى"؛ لقولك في التثنية: "يَغْشَيان"، فأرادوا المشاكلةَ. والمشاكلةُ بين الألفاظ من مطلوبهم، ألا ترى أنهم قالوا: "أَخَذَهُ ما قدُم وما حدُث" (١)، فضمّوا فيهما. ولو انفرد، لم يقولوا إلَّا: "حَدَثَ" مفتوحًا، ومنه الحديثُ: "ارْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ غيرَ مَأْجُوراتٍ" (٢)، والأصلُ: "مَوْزورات"، فقلبوا الواو ألفًا مع سكونها لتُشاكِل "مأجورات"، ولو انفرد لم يُقْلَب. وكذلك "الضُحَى" إذا انفرد لم يُمَلْ، وإنّما أُميل لازدواج الكلام حين اجتمع مع ما يمال، فاعرفه. فصل [إمالة الفتحة] قال صاحب الكتاب: وقد أمالوا الفتحة في قولهم: "من الضرر" و"من الكبر" و"من الصغر" و"من المحاذر". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الفتحة قد تمال كما تمال الألف؛ لأنّ الغرض من الإمالة مشاكلةُ الأصوات، وتقريبُ بعضها من بعض. وذلك موجودٌ في الحركة كما هو موجود في الحرف؛ لأنّ الفتحة من الألف. وقد كان المتقدّمون يسمّون الفتحة الألفَ الصغيرةَ، والضمّة الواو الصغيرة؛ والكسرة الياء الصغيرة؛ لأنّ الحركات والحروفَ أصواتٌ. وإنّما رأى النحويون صوتًا أعظمَ من صوت، فسمّوا العظيمَ حرفًا، والضعيفَ حركةً، وإن كانا في الحقيقة شيئًا واحدًا، فلذلك دخلت الإمالةُ في الحركة كما دخلت الألف، إذ الغرضُ إنّما هو تجانسُ الصوت، وتقريبُ بعضها من بعض. فكلُّ ما يوجب إمالةَ الألف يوجب إمالة الحركة التي هي الفتحةُ، وما يمنع إمالةَ الألف يمنع إمالة الفتحة. وأكثرُ ما جاء ذلك مع الراء المكسورة؛ لأنّ الراء حرفٌ مكرّرٌ لا نظيرَ له، وله أحكامٌ قد ذُكرتْ ينفرد بها، فلذلك تقول: "من الكِبَرِ"، و"من الصَّغَرِ"، فأمالوا الفتحة بأن أجنحوها إلى الكسرة، فصارت بين الفتحة وبين الكسرة، كما فعلوا ذلك بالفتحة التي قبل الألف في "عِمادِ" و"كِتابٍ" حين أرادوا إمالة الألف وهذه الراء المكسورةُ تغلب على المستعلي إذا وقع

стр. 2143

قبلها، نحو قولك: "من الضَّرَر والصَّغَر والبَقَرِ"، كما غلبتْه في نحو "قاربٍ"، و"طاردٍ"، و"غارمٍ". وقالوا: "من عَمْرٍو"، فأمالوا فتحة العين، وإن فصل بينها وبين الراء الميمُ لأنّ الميم ساكنةٌ، فلم يُعتدّ بها حاجزًا. وقالوا: "من المُحاذَرِ"، فأمالوا فتحةَ الذال للراء بعدها, ولم يميلوا الألف؛ لأنّه قد اكتنفها فتحتان، وبعُدت من الراء، فاعرفه. فصل [إمالة الحروف والأسماء المبنية] قال صاحب الكتاب: والحروف لا تمال نحو "حتى" و"على" و"إلى" و"إما" و"إلا" إلا إذا سمي بها. وقد أميل "بلى" و"لا" في "إمالا" و"يا" في النداء لإغنائها عن الجمل. والأسماء غير المتمكنة يمال منها المستقبل بنفسه نحو "ذا" و"متى" و"أنّى", ولا يمال ما ليس بمستقبل نحو "ما" الاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة أو الموصوفة ونحو: "إذا". قال المبرد: وإمالة "عسى" جيدة. * * * قال الشارح: القياس يأبى الإمالةَ في الحروف؛ لأنّ الحروف أدواتٌ جوامدُ غير متصرّفة، والإمالةُ ضربٌ من التصرّف, لأنّه تغييرٌ. قال سيبويه (١): فرقوا بينها وبين ألفات الأسماء، نحو: "حُبْلى"، و"عَطْشى". يريد أنّ الحروف غير متصرّفة، ولا تلحقها تثنيةٌ، ولا جمعٌ، ولا تغييرٌ، فلا تصير ألفاتُها ياءات. فمن ذلك "حَتَّى"، و"عَلى"، و"إلى"، و"أَمَّا"، و"إلَّا" لا يمال شيءٌ من ذلك لما ذكرناه. قال أبو العبّاس: الإمالة فيها خطأٌ. وإنّما خصّ هذه الحروف بالتنصيص عليها؛ لأنّها لمّا كانت على عدّة الأسماء والأفعال، خاف أن يُظَنّ بها جوازُ الإمالة، فخصّها بالذكر، وإن كان هذا الحكم عامًّا بجميعها، سوى ما أستثنيه لك. فإن سُمّي بها، صارت أسماء، فيمال "حتّى"؛ لأنّ ألفه قد وقعت رابعةً، فصارت في حكم المنقلبة عن الياء، وقبل التسمية لا تدخلها الإمالةُ. وقولُ صاحب الكتاب: "إذا سُمّي بها"، يريد ما ذكرناه من أنّها تصير قابلةً للإمالة بخروجها عن حكم الحرفيّة، يوجبها ما يوجب الإمالة للأسماء، ويمنعها ما يمنع الإمالةَ الأسماءَ، ولم يُرِد أنّها تمال لا محالة. ألا ترى أنّ "إلى"، و"لَدى"، و"إذا" إذا سُمّي بها، صارت في حكم الظاهر، وألفاتُها في حكم ما هو من الواو. فلو ثُنّيت، لَكان بالواو، نحو: "إلَوانِ"، و"لَدَوانِ". ولذلك لو سمّيتَ بها امرأة، وجمعتَها بالألف والتاء، قلت: "إلَواتٌ"، و"لَدَواتٌ"، فتنقلب واوًا. وأمّا "على"، فمعناها يقتضي الواو؛ لأنّها من "العُلُوِّ". وإذا كانت من الواو، فلا تمال.

стр. 2144

وقد أمالوا "بَلى" لكونها على ثلاثة أحرف كالأسماء، وإنما تكفي في الجواب، فصارت دلالتُها كدلالة الأسماء. ولا يلزم على ذلك إمالة "حَتَّى"، و"إلَّا" ونحوهما ممّا هو على ثلاثة أحرف فصاعدًا؛ لأنّها وإن كانت على عدّة الأسماء؛ فإنّها لا تفيد بانفرادها, ولا تكفي عن شيء، فلم تكن مثلَ "بَلى". ومن ذلك قولهم: "إمَّا لا" تمال، وذلك أنّهم أرادوا: "افعلْ هذا إن كنتَ لا تفعل غيرَه"، ولكنّهم حذفوا الفعل لكثرته في الكلام، فـ "ما" في "إمّا" ها هنا كما كانت في "أَمَّا أنت منطلقًا" عوضٌ من الفعل. يدلّ على ذلك أنّه لا يظهر معها الفعلُ. ولمّا كان أصلُ هذه الكلمة ما ذكرنا، حُذفت منها هذه الأشياء، فغُيّرت أيضًا بالإمالة "لا" منها، و"لا" حرفٌ لا يمال في غير هذا الموضع إذا كان منفردًا. وقد حكى قُطْرُبٌ إمالتَها، ووجهُ ذلك أنّها قد تقع جوابًا، ويُكتفى بها في الجواب، فيقال في جواب: "زيدٌ عندك": "لا"، فلمّا استقلّت بنفسها، أمالوها. وإمالةُ "بَلى" أقيسُ من إمالةِ "لا"؛ لأنّها مع ذلك على ثلاثة أحرف كالأسماء. وأمّا "يا" في النداء، فإنّه حرفٌ، والقياسُ أن لا يمال كأخواته، إلَّا أنّه لمّا كان نائبًا عن الفعل الذي هو: أُنادي وأَدْعُو، وواقعًا موقعَه، أمالوه كما أمالوا "إمّا لا"، ولأجل الياء أيضًا قبلها. فأمّا الأسماء المبنيّة غير المتمكّنة، فأمرُها كأمر الحروف، وألفاتُها أصولٌ غيرُ زوائد، ولا منقلبة. والدليلُ على ذلك أنّها غيرُ مشتقّة، ولا متصرّفة، فلا يُعْرَف لها أصلٌ غير هذا الذي هي عليه، إذ بالاشتقاق يُعْرَف كونها زائدةً. ولا تكون منقلبة؛ لأنّها لاماتٌ. واللامُ إذا كانت حرفَ علّة، لا تنقلب إلَّا إذا كانت في محلَّ حركة. وهذه الحروف مبنيّة على السكون لا حَظَّ لها في الحركة، فلو كانت الألفُ في "ما" مَثَلًا أصلها الواوُ، لَقالوا: "مَوْ", ولم تُقْلَب، كما قالوا: "لَوْ"، و"أو". ولو كانت من الياء، لقالوا: "مَيْ". فلمّا لم تكن زائدة، ولا منقلبة، حكمنا عليها بأنّها أصلٌ، وهو الظاهر. ولا يُعْدَل عن الظاهر إلى غيره إلَّا بدليل. وإذا لم تكن ياء، لم تُمَلْ. وقد أميل منها أشياء. قالوا: "ذا"، فأمالوا، حكى ذلك سيبويه (١). وإنّما جازت إمالتُه، وإن كان مبنيًّا غير متمكّن من قبل أنّه يُشابِه الأسماء المتمكّنة من جهةِ أنّه يوصَف، ويوصَف به، ويُثنَّى، ويُجمع، ويُصغَّر، فساغت فيه الإمالةُ كما ساغت في الأسماء المعربة المتمكّنة. وألفُه منقلبة عن ياء هى عينُ الكلمة، واللامُ محذوفة، كأنّ أصله "ذَيّ"، فثقل عليه التضعيف، فحذفوا الياء الثانية، فبقيت "ذيْ"، فقلبوها ألفًا لانفتاح ما

стр. 2145

قبلها، وإن كانت في نفسها ساكنة طلبًا للخفّة، كما قالوا في التسب إلى "الحِيرة": "حاريٌّ"، وفي "طَيَّىء": "طائيٌّ". وحكى أبو زيد عن بعضهم في تحقير "دابَّةٍ": "دُوَابَّةٌ"، والأصلُ: "دُوَيْبَّةٌ"، ثُمّ أبدلوا من ياء التصغير ألفًا، وإن كانت ساكنة. ومن ذلك إمالتُهم "مَتى"، و"أنّى"؛ لأنّهما مستقلّتان بأنفسهما غيرُ محتاجتين إلى ما يوضحهما كاحتياج "إذا"، و"ما"، فقرُبتا من المعرفة، فأميلتا لذلك (١). ولا يمال ما لا يستقلّ في الدلالة، وهو ما يفتقر إلى ما بعده كالأسماء الغالبِ عليها شَبَهُ الحرف نحو "ما" الاستفهاميّةِ، والشرطيّة، والموصولة، فهذه قد غلب عليها شبهُ الحرف، فـ "ما" الاستفهاميّةُ متضمِّنةٌ معنى الاستفهام لدلالتها على ما يدل عليه أداتُه، فهي غيرُ مستقلّة بنفسها لإفادتها ذلك المعنى فيما بعدها، وكذلك الشرطيّةُ والموصولةُ، لا تقوم بنفسها, ولا تتمّ اسمًا، إلَّا بما بعدها من الصلة. والموصوفةُ بمعنى الموصولة لافتقارها إلى الصفة. وكذلك "إذا" مشابِهةٌ للحرف، وهو المقتضي لبنائها. وذلك الشَّبَهُ اقتصارُهم على إضافتها إلى الجملة. فهذه الأسماء كلّها لا تجوز إمالتُها؛ لأنّ ألفاتها أصلٌ، إذ لا حركةَ فيها تُوجِب قَلْبَها، وإنّما حقُّها أن تكون ساكنة الأواخر. ألا ترى أنّ "ما" في وجوهها الاستفهاميّة، والجزائيّةَ، والموصولةَ، والموصوفةَ بمنزلةِ "مَنْ"؟ فكما أنّ آخِرَ "مَنْ" ساكنٌ، قكذلك ينبغي أن تكون أواخرُها. وأمّا "عَسَى" فإمالتُها جيّدة؛ لأنّها فعلٌ، وألفُها منقلبة عن ياء؛ لقولك: "عَسَيْتُ"، و"عَسَيْنَا"، فاعرفه.

стр. 2146

ومن أصناف المشترك الوقف فصل قال صاحب الكتاب: تشترك فيه الأضرب الثلاثة, وفيه أربع لغات: الإسكان الصريح، والإشمام وهو ضم الشفتين بعد الإسكان، والرَّومُ وهو أن تروم التحريك والتضعيف. ولها في الخط علاماتٌ, فللإسكان الخاء، وللإشمام نقطة، وللرَّوم خط بين يدي الحرف، وللتضعيف الشين, مثال ذلك هذا حكم وجعفر وخالد وفرج. والإشمام مختص بالمرفوع، ومشترك في غيره المجرور والمرفوع والمنصوب غير المنون. والمنون تُبدل من تنوينه ألفٌ, كقولك: "رأيت فَرَجَا, وزيدا, ورشأا وكساءا وقاضيا", فلا متعلق به لهذه اللغات، والتضعيف مختصٌّ بما ليس بهمزة من الصحيح المتحرك ما قبله. * * * قال الشارح: اعلم أنّ للحروف الموقوف عليها أحكامًا تُغايِر أحكامَ المبدوء بها، فالموقوفُ عليه يكون ساكنًا، والمبدوء به لا يكون إلَّا متحرّكًا، إلَّا أنّ الابتداء بالمتحرّك يقع كالمضطر إليه، إذ من المُحال الابتداء بساكنٍ، والوقفُ على الساكن صَنْعةٌ واستحسان عند كَلال الخاطر من ترادُف الألفاظ والحروفِ والحركات. وهو ما يشترك فيه القُبُلُ الثلاث: الاسم والفعل والحرف، تقول في الاسم: "هذا زيدْ"، وفي الفعل: "زيدٌ يضربْ"، و"زيدٌ ضَرَبْ". ومثالُ الوقف في الحرف "جَيْرْ" و"أنْ". فلذلك من الاشتراك أورده في هذا القسم، فالحرفُ الموقوفُ عليه لا يكون إلّا ساكنًا، كما أنّ الحرف المبدوء به لا يكون إلَّا متحرّكًا. وذلك لأنّ الوقف ضدُّ الابتداء، فكما لا يكون المبدوء به إلَّا متحرّكًا، فكذلك الموقوفُ عليه لا يكون إلَّا بضدّه، وهو السكون. والموقوف عليه لا يخلو من أن يكون اسمًا، أو فعلًا، أو حرفًا. فالاسمُ إذا كان آخِرهُ حرفًا صحيحًا، وكان منصرفًا، لم يَخْلُ من أن يكون مرفوعًا، أو مجرورًا، أو

стр. 2147

منصوبًا، فالوقفُ على المرفوع على أربعة أوجه: بالسكون، والإشمام، والرَّوْم، والتضعيف، ونَقْل الحركة. فالسكون هو الأصل، والأغلب الأكثر, لأنّه سَلْبُ الحركة، وذلك أبلغُ في تحصيل غرض الاستراحة. وأمّا الإشمام فهو تهيئةُ العُضْو للنطْق بالضمّ من غير تصويت، وذلك بأن تضمّ شفتَيْك بعد الإسكان، وتدع بينهما بعضَ الانفراج؛ ليخرج منه النَّفَسُ، فيراهما المخاطبُ مضمومتَيْن، فيعلم أنّا أردنا بضمّهما الحركة، فهو شيءٌ يختصّ العين دون الأذن، وذلك إنّما يُدْرِكه البصيرُ دون الأعمى؛ لأنّه ليس بصوتٍ يُسمع، وإنّما هو بمنزلة تحريكِ عضو من جَسَدك. ولا يكون الإشمامُ في الجرّ والنصب عندنا, لأنّ الكسرة من مخرج الياء، ومخرجُ الياء من داخل الفم من ظهر اللسان إلى ما حاذاه من الحنك من غير إطباق بتفاجّ الحنك عن ظهر اللسان. ولأجل تلك الفَجْوة لان صوتُها، وذلك أمرٌ باطنٌ لا يظهر للعِيان. وكذلك الفتحُ؛ لأنّه من الألف، والألفُ من الحلق، فما للإشمام إليهما سبيلٌ. وذهب الكوفيون إلى جواز الإشمام في المجرور، قالوا: لأنّ الكسرة تكسر الشفتين كما أنّ الضمّة تضُمّهما. والصوابُ ما ذكرناه للعلّة المذكورة. واشتقاقُ الإشمام من الشَّمّ، كأنّك أشممت الحرفَ رائحةَ الحركة، بأن هيّأتَ العضو للنطق بها. وأمّا الرَّوْم، فصوتٌ ضعيف، كأنّك تروم الحركة ولا تُتِمّها، وتختلسها اختلاسًا، وذلك ممّا يدركه الأعمى والبصيرُ؛ لأنّ فيه صوتًا يكاد الحرفُ يكون به متحرّكًا، ألا تراك تفصل بين المذكّر والمؤنّث في "أَنْتَ"، و"أَنْتِ". فلولا أنّ هناك صوتًا، لما فصلتَ بين المذكّر والمؤنّث. وبعض النحويين لا يعرف الإشمام، ولا يفرق بين الروم والإشمام. وأمّا التضعيف، فهو أن تُضاعف الحرفَ الموقوفَ عليه بأن تزيد عليه حرفًا مثله، فيلزم الادغامُ، نحو: "هذا خالدْ"، و"هذا فَرَجْ". وهذا التضعيف إنّما هو من زيادات الوقف، فإذا وصلتَ وجب تحريكُه، وسقطت هذه الزيادةُ، وربّما استعملوا ذلك في القوافي. قال [من الرجز]: مِثْلُ الحَرِيقِ وافَقَ القَصَبَّا (١) فأثبتوها في الوصل هنا ضرورةً، كأنّهم أجروا الوصل مجرى الوقف، ولا يكون هذا التضعيف في الوصل. وقد جعل سيبويه (٢) لكلّ شيء من هذه الأشياء علامةً في الخط، فعلامةُ السكون خاءٌ فوق الحروف، وعلامةُ الإشمام نقطةٌ بعد الحروف، وعلامةُ الروم خطٌ بين يَدَي

стр. 2148

الحرف، وعلامةُ التضعيف شينٌ فوق الحرف. فمعنى الخاء خفاءٌ وخفيفٌ؛ لأنّ الساكن أخفُّ من غيره، وبعضُ الكُتّاب يجعلها دالاً خالصةً، ومنهم من يجعلها دائرةً. والحقُّ الأوّل، وأرى أنّ الذين جعلوها دالاً، فإنّهم لمّا رأوها بغير تعريفٍ على شَبَهِ ما يُفْعَل في رَمْز الحِساب، ظنّوها دالاً. والذين جعلوها دائرة، فوَجْهُها عندي أنّ الدائرة في عُرْف الحُسّاب صِفْرٌ، وهو الذي لا شيء فيه من العدد، فجعلوها علامةً على الساكن لخُلوّه من الحركة. وأمّا كون علامة الإشمام نقطةً بين يدي الحرف، وعلامةِ الروم فيه شيء خَطّ، فلأنّ الإشمام لمّا كان أضعف من الروم من جهةِ أنّه لا صوتَ فيه، والروم فيه شيءٌ من صوت الحركة، جعلوا علامةَ الإشمام نقطةً، وعلامةَ الروم خطّا, لأنّ النقطة أوّل الخطّ، وبعضٌ له. وأمّا كون الشين علامَة التضعيف، فكأنّهم أرادوا: شَدِيدًا، أو شَدَّ، فاكتفوا في الدلالة بأوّلِ حرف منه. وقوله: "يشترك في غيره المرفوع والمنصوب والمجرور"، يريد: في غير الإشمام من الإسكان والروم والتضعيف، فإنّها لا تختصّ، بل تكون في المرفوع والمنصوب والمجرور، فتقول إذا وقفت على المرفوع بالإسكان: "هذا زيدْ خ"، و"هو يضربْ خ"، وتقول إذا وقفت على المنصوب: "رأيت الرجلْ خ"، و"رأيت عُمَرْ خ"، وتقول في المجرور: "مررت يزيد وعُمَرْ خ". وكذلك الرومُ يكون في القُبُل الثلاث، ولا يُدْرَك إلَّا بالمشافهة. وأمّا التضعيفُ، فيكون أيضًا في المرفوع نحو: "هذا خالدْ ش". وقالوا في المجرور: "مررت بخالدْ ش". ومنه [من الرجز]: ١٢١٥ - ببازِلٍ وَجْناءَ أو عَيْهَل

стр. 2149

والمراد: "عيهلِ" بالتخفيف، والعيهلُ: الناقة السريعة، ولا يقال للجَمَل. والنصبُ، نحو قوله [من الرجز]: ١٢١٦ - لَقَدْ خَشِيتُ أن أَرَى جِدَبَّا ... في عامِنَا ذَا بَعْدَما أَخْصَبَّا وهذه الوجوه إنّما تجوز في المنصوب إذا لم يكن منوّنًا، نحو ما مثّلنا، وذلك بأن يكون فيه ألفٌ ولامٌ، أو إضافةٌ، أو يكون غير منصرف. فأمّا إذا كان منوّنًا، فإنّك تُبْدِل من تنوينه ألفًا، نحو قولك: "رأيت فَرَجا وزَيْدا"، ورَشَأا، ورِشاءَا". فمثّل بـ "فَرَجٍ" لأنّ عينه مفتوحة، و"زَيْد" الذي عينه ساكنة، أي أنّه لا يتفاوت الحالُ كما تفاوت مع التضعيف، ثمّ مثّل بـ "رَشَأٍ" لأنّه مهموز غيرُ ممدود، ومثّل بـ "رشاءٍ" الممدود ليُعْلِم أيضًا أنّ الحال في ذلك واحدة. وإنّما أُبْدِل من التنوين ألفٌ في حال النصب؛ لأنّ التنوين زائدٌ يجري مجرى الإعراب من حيث كان تابعًا لحركات الإعراب، فكما أنّه لا يُوقَف على الإعراب، فكذلك التنوينُ لا يوقف عليه، ولأنّهم أرادوا أن لا يكون كالنون الأصليّة في نحو:

стр. 2150

"حَسَن"، و"قُطْن" أو المُلْحَقةِ في نحو: "رَعْشَنٍ" (١)، و"ضَيْفَنٍ" (٢). هذا مذهبُ أكثر العرب إلَّا ما حكاه الأخفشُ عن قوم أنّهم يقولون: "رأيت زَيْدْ" بلا ألف، وأنشدوا [من الرجز]: ١٢١٧ - قد جعل القَيْنُ على الدَّفّ إبَرْ وقال الأعشى [من المتقارب]: ١٢١٨ - [إلى المرءِ قيسٍ أُطيل السُّرَى] ... وآخُذُ مِن كلّ حَيٍّ عُصُمْ ولم يقل: "عصمَا"، وذلك قليل في الكلام. قال أبو العبّاس المبرّد: من قال: "رأيت زيدْ" بغير ألف، يلزمه أن يقول في "جَمَلٍ": "جَمْلٌ". يريد أنه إذا وقف على المنصوب بلا

стр. 2151

ألف، فأجراه مجرى المرفوع والمجرور، وسوّى بين ذلك، لزمه أن يُسوِّي بين الفتح والكسر والضمّ بتخفيف الفتحة، كما تُخفَّف الضمّة في "عَضُدٍ"، والكسرةُ في "فَخِذٍ"، و"كَتِفٍ". ولا يكون هذا الإبدالُ إلّا في النصب، ولا يستعملونه في الرفع والجرّ، إذ لو أبدلوا من التنوين في الرفع، لكان بالواو، ولو أبدلوا في الجرّ، لكان بالياء. والواوُ والياء يثقُلان، وليسا كالألف في الخفّة. وأَزْدُ السَّراة يُجرون الرفعَ والجرَّ مجرى النصب، فيُبْدِلون، ويقولون: "هذا زَيْدُو" بالواو، وفي الجرّ: "مررت بزَيْدِي". يجعلون الرفع والجرّ مثلَ النصب، وهو في القلّة كلُغَةِ من قال: "رأيت زيدْ". وذلك أنّنا إنّما أبدلنا في النّصب من التنوين لخفّة الألف والفتحة. ولا يلزم مثلُ ذلك في الرفع والجرّ لثقل الواو والياء. وقوله: "فلا متعلّق به لهذه اللغات"، يريد أنّ المنصوب المنوّن، إذا وُقف عليه، كان بالألف، ولا يكون فيه إشمامٌ ولا رَوْمٌ ولا تضعيفٌ. والتضعيف له شرائط ثلاثة: أحدُها أن يكون حرفًا صحيحًا، والآخر أن لا يكون همزة، والآخرُ أن يكون ما قبل الآخر متحرّكًا؛ لأنّه إذا كان معتلاً منقوصًا أو مقصورًا، لم يكن فيه حركةٌ ظاهرةٌ، فيدخلَه الإشمامُ والرومُ لبيان الحركة. وإذا كان آخرُه همزة، لم يجز فيه التضعيف؛ لثِقَل اجتماع الهمزتَيْن. ألا ترى أنّه لم يأت في المضاعَف العين اجتماعُ الهمزتين، ولذلك لم يأت في المضاعف العين إلَّا في نحو: "رأس" و"سَأل"، مع كثرةِ ما جاء من المضاعف. ولا يكونْ إلَّا فيما كان قبل آخِره متحرّكٌ, لأنّه إن كان ساكنًا وضاعفتَ، اجتمع معك ثلاثةُ سواكنَ، وذلك ممّا لا يكون في كلامهم. فمن أسكن فهو الأصل، وعليه أكثر العرب، والفرّاء، وهو القياس. وأمّا سائر اللغات فللفرق بين ما يكون مبنيًّا على السكون على كلّ حال، وبين ما يتحرّك في الوصل، فأتوا في الوقف بما يدلّ على تحريك الكلمة في الوصل، وأنّه ليس من قبيل ما هو ساكنٌ على كلّ حال، إلَّا أنّ ذلك متفاوتٌ، فبعضُه أوكدُ من بعض، فالروم أوكد من الإشمام؛ لأنّ فيه شيئًا من جوهر الحركة، وهو الصوت، وليس في الإشمام ذلك. والتضعيفُ أوكد منهما لأنّه بَيَّنَ بحرف، وذانّك بَيَّنَا بإشارة أو حركةٍ ضعيفةٍ، فاعرفه. فصل [الوقف بنقل الحركة] قال صاحب الكتاب: وبعض العرب يحول ضمه الحرف الموقوف عليه وكسرته على الساكن قبله دون الفتحة في غير الهمزة، فيقول: "هذا بكر", و"مررت ببكر". قال [من الرجز]: ١٢١٩ - تحفزها الأوتار والأيدي الشعر ... والنبل ستون كأنها الجمر

стр. 2152

يريد: الشعر والجمر, ونحوه قولهم: "اضربه", و"ضربته". قال [من الرجز]: ١٢٢٠ - عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي سبَّني لم أضربه

стр. 2153

وقال أبو النجم [من الرجز]: ١٢٢١ - فقرَّبن هذا وهذا زحله ولا تقول: "رأيت البكر". * * * قال الشارح: اعلمِ أنّه يجوز في الوقف الجمع بين ساكنين؛ لأنّ الوقف يُمكِّن الحرف، ويستوفي صوتَه، ويُوَفِّره على الحرف الموقوف عليه، فيجري ذلك مجرى الحركة؛ لقوّة الصوت واستيعابهِ، كما جرى المدُّ في حروف المدّ مجرى الحركة. وليس كذلك الوصلُ؛ لأنّ الآخِذ في متحرِّكٍ بعد الساكن يُمْنَع من امتداد الصوت؛ لصَرْفه إلى ذلك المتحرّك. ألا ترى أنّك إذا قلت: "بَكُرْ" في حال الوقف، تجد في الراء من التكرير وزيادة الصوت ما لا تَجِده في حال الوصل؟ وكذلك الدالُ في "زيد" وغيرُهما من الحروف؛ لأنّ الصوت إذا لم يجد مَنْفَذًا، انضغط في الحرف الموقوف عليه، ويُوفَّر فيه، فلذلك يجوز الجمعُ بين ساكنين في الوقف، ولا يجوز في الوصل. ومن الناس من يكره اجتماع الساكنين في الوقف كما يكره ذلك في الوصل، فيأخذ في تحريك الأوّل؛ لأنّه هو المانعُ من الوصول إلى الثاني، فحرّكوه بالحركة التي كانت له في حال الوصل. فإن كان مرفوعًا حوّلوا الضمّة إلى الساكن قبله، ويكون في ذلك تنبيهٌ على أنّه كان مرفوعًا، وخروجٌ عن عُهْدة الساكنين. وكذلك الجرُّ، تقول في المرفوع: "هذا بَكُرْ"، والأصل: "هذا بَكرٌ يا فتى"، وفي الجرّ: "مررت ببكِرْ"، والأصل: "ببَكْرٍ يا فتى". قال الشاعر [من المتقارب]: ١٢٢٢ - أَرَتْنِيَ حِجْلاً على ساقِها ... فهَشَّ الفُؤادُ لذاك الحجِلْ

стр. 2154

فقلتُ ولم أُخْفِ عن صَاحِبِي: ... أَلَا بأَبِي أَصْلُ تلك الرّجِلْ أراد: الحَجْلِ، والرجلِ، فنقل الكسرة إلى الساكن. ومثلُه البيت الذي أنشده وهو [من الرجز]: تحفزها الأوتار ... إلخ لمّا وقف وكان مرفوعًا، نقل الضمّةَ إلى الساكن قبل الموقوف عليه، فكان في ذلك محافظةٌ على حركة الإعراب، وتنبيهٌ عليها، وخروجٌ عن محذور الساكنين. ومثل ذلك قولهم في الأمر: "اضْرِبُهْ"، والمراد: اضْرِبْهُ، وكذلك قالوا في المؤنّث: "ضَرَبَتُهْ"، والمراد: "ضَرَبَتْهُ"، فأسكنوا الهاء للوقف، وقبلها ساكنٌ، فالتقى ساكنان، فأرادوا التحريك لالتقاء الساكنين، ولأنّ سكون ما قبلها يزيدها خَفاءً، فحرّكوه؛ لأنّه أَبْيَنُ لها، وذلك بأن نقلوا إليها حركة الهاء الذاهبة للوقف. قال الشاعر

стр. 2155

فحرّكوه؛ لأنّه أَبْيَنُ لها، وذلك بأن نقلوا إليها حركة الهاء الذاهبة للوقف. قال الشاعر [من الشاعر]: عجبت والدهر ... إلخ البيت لزِيادٍ الأَعْجَم، وعَنَزَةُ قبيلةٌ من رَبِيعَة بن نِزار. وزيادٌ الأعجم من عَبْد القيس، وقيل له: "الأعجم" للُكْنة كانت في لسانه. والشاهدُ فيه نقل حركة الهاء إلى الساكن قبلها، وقال أبو النجم [من الرجز]: فقرّبنْ هذا وهذا زَحَّلُهْ (١) زَحَّلُهْ، أي: بَعِّدهُ، وسُمّي زُحَلُ لبُعْده. ونحوٌ من ذلك "مِنُهْ" و"عَنُهْ". قال سيبويه (٢): سمعنا ذلك من العرب. وحُكي عن ناس من بني تميم "أَخَذَتِهْ"، و"ضَرَبَتِهْ"، كأنّهم يكسِرون لالتقاء الساكنين لا لبيان الحركة. ولا يفعلون ذلك فيما كانت حركته فتحة، نحو: "رأيت الرجلَ والبكرَ"، وقد أجازه الكوفيون (٣). وإنّما لم يجز ذلك في النصب من قِبَل أنّ الأصل من قَبْل دخول الألف واللام: "رأيت رجلا وبكرا" في الوقف، فاستغني بحركة اللام والراء عن إلقاء الحركة على الساكن. فلمّا دخلت الألفُ واللامُ، قامتا مقام التنوين، فلم تُغيَّر الكاف في "البَكْرَ" كما لم تغيّر في "رأيت بَكْرا" حين جعلت الألف بدلاً من التنوين. وأجروا الألف واللام مجرى الألف المُبْدَلة من التنوين إذ كانت مُعاقِبة للتنوين. وقال قومٌ: ينبغي على قياس من يقف بالسكون على المنصوب كما يقف على المرفوع والمجرور ويقول: "رأيت بَكْرْ"، و"أكرمت عَمرْوْ" أن يقول: "رأيت بَكَرْ، وعَمَرْو"، كما يفعل في المرفوع. وهو قول حسن، وقياس صحيح. والكوفيون يجيزون ذلك في المنصوب كما يجوز في المرفوع والمجرور. قالوا: وذلك لأن الغرض من هذا النقل الخروجُ عن عُهْدة الجمع بين الساكنين، وذلك موجود في النصب، كما هو موجود في الرفع والجرّ، وهو قول سديد، والمذهب الأوّل لِما ذكرناه. ومن العرب من يُحوِّل في نحو: "عِدْلٍ"؛ فيقول في الجرّ: "مررت بعِدِلْ" فينقل الكسرة إلى الدال كما فعل في الأوّل، ولا يقول في الرفع: "عِدُلْ"؛ لئلاّ يخرج إلى ما ليس في الكلام، إذ ليس في الكلام "فِعُل" بكسر الفاء، وضمّ العين. وتقول: "هذا بُسُرْ وقُفُلْ"، ولا تقول في الجرّ: "مررت ببُسِرْ"، ولا "بقُفِلْ"؛ لئلاّ يصير إلى مثالٍ ليس في الأسماء، وإنّما يتبع الساكنُ الأوّلُ حركةَ ما قبله، فتقول في "هذا عِدْلٌ": "عِدِلْ"، بكسر

стр. 2156

الدال إتباعًا لكسرة العين. وتقول في "مررت ببُسْرٍ": "ببُسُرْ"، فتضمّ أيضًا اتّباعًا لضمّة العين، كما قالوا: "مِنْتِنٌ"، فأتبعوا الأوّلَ الثاني، وحرّكوه بحركته. ولا يفعلون ذلك في المفتوح الأوّل، لا يقولون في "هذا بَكْرُ": "هذا بَكَرْ"، بفتح الكاف اتّباعًا لفتحة الباء؛ لأنّه لا يلزم من نقل الضمّة إلى الكاف خروجٌ عن منهاج الأسماء، والمَصيرُ إلى ما لا نظيرَ له كما لزم في "عِدُلْ" و"بُسِرْ". [الوقف علي الاسم المنتهي بهمزة قبلها ساكن] قال صاحب الكتاب: وفي الهمزة يحولهن جميعاً, فيقول: "هذا الخبؤ", و"رأيت الخبأ" و"مررت بالخبيء". وكذلك "البطؤ", و"الردؤ". ومنهم من يتفادى - وهم ناسٌ من تميم - من أن يقول: "هذا الردؤ", و"من البطيء" فيفر إلى الإتباع, فيقول: "من البطؤ" بضمتين، و"هذا الرديء" بكسرتين. * * * قال الشارح: يريد أنّ حكم الهمزة إذا سكن ما قبلها مخالف لغيرها من الحروف، وذلك أنّهم يُلْقون الحركات في الهمزة على الساكن قبلها ضمّةً كانت، أو كسرةً، أو فتحةً، فتقول: "هذا الخَبُؤْ"، و"مررت بالخَبِئْ"، و"رأيت الخَبَأْ"، بخلاف غيرها. ألا ترى أنّ الذين يقولون: "هذا البَكُرْ"، و"مررت بالبَكِرْ"، لا يقولون: "رأيت البَكَرْ"، ويقولونه مع الهمزة. وذلك لأنّ الهمزة خفيّةٌ، فهي أبعدُ الحروف وأخفاها، وسكونُ ما قبلها يزيدها خَفاءً، فدعاهم ذلك إلى تحريك ما قبلها أكثرَ من غيرها, لأنّ تحريكَ ما قبلها يُبيِّنها؛ لأنّك ترفع لسانك بصوتٍ، ومع الساكن ترفعه بغير صوت. هذا مذهبُ ناس من العرب كثيرٍ، منهم أسدٌ وتميمٌ، ولا يفرقون بين ما كان أوّله مفتوحًا، أو مضمومًا، أو مكسورًا, ولم يفعلوا ذلك في غير الهمزة. وكما يقولون: "هذا الخَبُؤْ"، كذلك يقولون: "هذا البُطُؤْ"، و"مِن البُطِىْء"، ويقولون: "هذا الرِدُؤْ"، و"مررت بالرِّدِىْء"، ولا يتحامون ما تحاماه غيرُهم من المَصير إِلى بناء "فِعُل" بكسر الأوّل، وضمّ الثاني، إذ لا نظيرَ له في الكلام، وإلى بناء "فُعِل" بضمّ الأوّل، وكسر الثاني، إذ لا نظير له في الأسماء، وذلك لأنّه عارضٌ ليس ببناء الكلمة. ومنهم من يتحامى ذلك، فيُتْبع الضمّ الضمّ والكسر الكسر، فيقول: "مررت بالبُطُؤْ"، و"هذا الرِّدِىْء"، كما فُعل في غير المهموز، وقوله: "يتفادى" معناه: يتحامى ويتحاشى. فصل [إبدال الهمزة حرف لين عند الوقف] قال صاحب الكتاب: وقد يبدلون من الهمزة حرف لين, تحرك ما قبلها أو سكن، فيقولون: "هذا الكلو والخبو والبطو, والردو"، و"رأيت الكلا والخبا والبطا والرِّدا"،

стр. 2157

و"مررت بالكلي, والخبي", والبطي والردي"، ومنهم من يقول: "هذا الردي", و"مررت بالبطو" فيتبع، وأهل الحجاز يقولون: "الكلا" في الأحوال الثلاث, لأن الهمزة سكنها الوقف, وما قبلها مفتوحٌ, فهو كـ "رأس", وعلى هذه العبرة يقولون في "أكمؤ": "أكمو", وفي "أهنيء": "أهني", كقولهم: "جونة" (١) , و"ذيبٌ". * * * قال الشارح: الهمزة حرفٌ خفىٌّ؛ لأنّه أدخلُ الحروف إلى الحلق. وكلّما سفل الحرفُ، خفي جَرْسُه. وحروفُ المدّ واللين أبْيَنُ منها؛ لأنّها أقربُ إلى الفم، فالواوُ من الشفتين، والياء من الفم، والألفُ وإن كان مَبْدَؤها الحلق إلّا أنّها تمتدّ حتى تصل إلى الفم، فتجد الفمَ والحلقَ منفتحَيْن غير معترِضَيْن على الصوت بحَصْرٍ، وبينها وبين حروف المدّ واللين مناسبةٌ. ولذلك تُبْدَل منها عند التخفيف. والهمزة على ضربين: ساكنٌ ما قبلها, نحو: "الوَثْءِ" (٢) و"البُطْءِ" و"الرّدْءِ"، ومتحرّكٌ، نحو: "الكَلأ" و"الرَّشَأ". فأمّا الساكن ما قبلها، فمن العرب من يُبْدِل منها حرفَ لين، فيجعلها في الرفع واوًا, وفي الجرّ ياءً، وفي النصب ألفًا، بقلبها على حركةِ نفسها، فيقول في "هذا الوَثْءُ": "الوَثْوُ"، وفي "مررت بالوَثْءِ": "بالوَثْي"، فيُسكَّن ما قبل الواو والياء؛ لأنّه كان كذلك قبل القلب. ويقولون في النصب: "رأيت الوَثا"، فتفتح ما قبل الألف, لأنّ الواو والياء يُمكِن إسكانُ ما قبلهما. والألفُ لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا. ولا يفرقون بين المضموم الأوّل والمكسور، وتقول: "هذا البُطُو والرّدُو"، و"مررت بالبُطِي والرّدِي"، و"رأيت البُطَا والرّدَا"، كما يقولون: "هذا الوَثُو"، و"مررت بالوَثِي"، و"رأيت الوَثا". ومنهم من يقلب الهمزةَ حرفاً لينًا بعد نَقْل حركتها إلى الساكن، فيدبَّرها حركةُ ما قبلها، فيقول في الرفع: "هذا الوُثُو والبُطُو والرُّدُو"، و"مررت بالوِثِي والبِطِي والرّدِي"، و"رأيت الوَثا والبَطا والرّدا". وقياسُ من لم يقل: "من البُطِي"؛ لئلاّ يصير إلى بناء "فُعِل"، وليس في الأسماء مثلُه، ولا "هو الرّدُو"؛ لئلّا يصير إلى "فِعُل"، وليس في الكلام مثله، أن يتوقّى ذلك ها هنا، فيلزم الواو في "البُطُو"، والياء في "الرّدِي"، فيقول: "هو البُطُو"، و"مررت بالبُطُو"، و"مررت بالرّدِي"، و"هو الرّدِي". فأمّا إذا تحرّك ما قبل الهمزة من نحو "الكَلأ" و"الخَطأ" و"الرَّشَأ"، فمن العرب من يبدل من همزته في الوقف حرفَ لين حِرْصًا على البيان، فيقول: "هذا الكَلَوْ والخَطَوْ"،

стр. 2158

و"مررت بالكَلَيْ والخَطَيْ"، و"رأيت الكَلَا والخَطَا". هذا وقفُ الذين يُخفّفون الهمزة في الوصل من بني تميم. فأمّا الذين يخفّفون من أهل الحجاز؛ فإنّهم يلزمون الألف على كلّ حال، فيقولون: "هذا الكَلا والخَطا"؛ و"مررت بالكَلا والخَطا"، و"رأيت الكَلا والخَطا"؛ لأنّ الوقف يُسكّن الهمزةَ، وقبلَها مفتوحٌ، فقُلبت ألفًا على حدّ "رَأْسٍ" و"فَأْسٍ". وعلى هذه العبرة إذا انضمّ ما قبلها، قُلبت واوًا، وإذا انكسر، قُلبت ياءً، نحو قولهم في "أَكْمُؤٍ": "أَكْمُو"، وفي "أَهْنِىءُ": "أَهْنِي"، فـ "أَكْمُؤٌ" جمع "كَمْءٍ" واحد كَمْأَة، فالكَمْءُ واحدٌ، و"أَكْمُؤٌ" جمع قلّة، والكثيرُ: الكَمْأَةُ، فهو على الخلاف من باب "تَمْرٍ" و"تَمْرَةٍ". ويقال: "هَنَأَ الرجلَ يَهْنُؤُه وَيهْنِئُه"، إذا أعطاه، فـ "أَكْمُو" مثل "جُونَةٍ"، و"أَهْنِي" مثل "ذِيبٍ". فصل [الوقف علي الاسم المعتل الآخر] قال صاحب الكتاب: وإذا اعتل الآخر, وما قبله ساكنٌ, كآخر "ظبي" و"دلو" فهو كالصحيح. والمتحرك ما قبله إن كان ياء قد أسقطها التنوين في نحو "قاضٍ" و"عم" و"جوارٍ" فالأكثر أن يوقف على ما قبله فيقال: "قاض", و"عم" و"جوار". وقوم يعيدونها ويقفون عليها فيقولون: "قاضي" و"عمي" و"جواري". وإن لم يسقطها التنوين في نحو "القاضي" و"يا قاضي" و"رأيت جواري", فالأمر بالعكس، ويقال "يا مري" لا غير. * * * قال الشارح: الاسم المعتلّ ما كان في آخره حرفُ علّة من الواو والياء والألف، ولا يخلو ما قبل هذه الحروف من أن يكون ساكنًا أو متحرّكًا، فإن كان ساكنًا - وذلك إنّما يكون مع الواو والياء دون الألف - فإنّ الألف لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا، وذلك نحو: "ظَبْيٍ"، و"نَحْيٍ"، و"صَبِيّ"، و"كُرْسِيّ"، و"غَزْوٍ" و"عَدْوٍ"، فإنّه يجري مجرى الصحيح في الوقف كما يجري مجراه في تحمل حركات الإعراب، فحكمُه كحكمه في الوقف عليه، يجوز فيه ما جاز في الصحيح، ويمتنع منه ما امتنع في الصحيح. وناسٌ من بني سَعْد يُبْدلون من الياء المشدّدة جيمًا في الوقف؛ لأنّ الياء خفيّةٌ، وهي من مخرج الجيم، فلولا شدّةُ الجيم لكانت ياءً، ولولا لِينُ الياء لكانت جيمًا، فيقولون: "فُقَيْمِجْ"، في "فُقَيْمِيّ"، و"تَمِيمِجْ" في "تَمِيمِيّ"، و"عَلِجْ" في "عَلِيّ". قال الشاعر [من الرجز]: ١٢٢٣ - خالِي عُوَيْفٌ وأبو عَلِجّ ... المُطْمِعانِ اللَّحْمَ بالعَشِجّ

стр. 2159

يريد: عَلِيًّا والعَشِيّ. وأمّا الثاني، فإن كان ياء مكسورًا ما قبلها، فإن كانت الياء ممّا أسقطه التنوينُ، نحو: "قاضٍ"، و"جوارٍ"، و"عمٍ"، فما كان من ذلك فلك في الوقف عليه إذا كان مرفوعًا أو مجرورًا وجهان: أجَودُهما حذفُ الياء لأنّها لم تكن موجودة في حال الوصل, لأنّ التنوين كان قد أسقطها، وهو وإن سقط في الوقف، فهو في حكم الثابت, لأنّ الوقف عارضٌ، فلذلك لا تَرُدّها في الوقف. هذا مع ثِقَلها، والوقفُ محلُّ استراحة، فتقول: "هذا قاضْ"، و"مررت بقاضْ"، و"هذا عَمْ"، و"مررت بعَمْ". قال سيبويه (١): هذا الكلام الجيّد الأكثر. والوجه الآخر أن تُثْبِت الياء، فتقولَ: "هذا قاضِى ورامِي وغازِي"، كأنّ هؤلاء اعتزموا حذفَ التنوين في الوقف، فأعادوا الياء؛ لأنّهم لم يضطروا إلى حذفها، كما اضطُرّوا في حال الوصل. قال سيبويه (٢): وحدّثنا أبو الخطّاب ويونسُ: أنّ بعضَ من يُوثَق بعربيّته من العرب يقول: "هذا رامي وغازي وعمي"، حيث صارت في موضعِ غير تنوين، وقرأ به ابن كثير في مواضع من القرآن، منها: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٣). هذا إذا أسقطها التنوينُ في الوصل، فإن لم يسقطها، فإن كان فيه ألفٌ ولامٌ، نحو: "الرامي"، و"الغازي"، و"العمي"، فإنّ إثباتها أجودُ، فتقول في الوقف: "هذا الرامي والغازي والقاضي"، يستوي فيه حال الوصل والوقف، وذلك لأنّها لم تسقط في الوصل، فلم تسقط في الوقف.

стр. 2160

ومنهم من يحذف هذه الياء في الوقف، كأنّهم شبّهوه بما ليس فيه ألفٌ ولامٌ، ثمّ أدخلوا فيه الألفَ واللامَ بعد أن وجب الحذفُ، فيقولون: "هذا القاضْ والرامْ". وقد رُوي عن نافع وأبىِ عمرو في بني إسرائيل والكَهْفِ ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ (١). وإذا وَصل أَثبت الياء. وأمّا النصب فليس فيه إلَّا إثباتُ الياء؛ لأنّها قد قويت بالحركة في حال الوصل، وجرت مجرى الصحيح، فلم تُحذف في حال الوقف. فأمّا إذا ناديتَ، فالوجهُ إثباتُ الياء، وهو قولُ الخليل (٢)، وذلك أنّ المنادى المعرفةَ لا يدخله تنوين لا في حالِ وقف، ولا وصلٍ، والذي يُسْقِط الياء هو التنوين. واختار يونسُ (٣) أن تقول: "يا قاضْ". بحذف الياء؛ لأنّ النداء بابُ حذف وتغيير، فإذا جاز الحذف في غير النداء كان في النداء أولى. واختار سيبويه (٤) قول يونس. فأمّا قولك: "يا مُرِي" تريد اسم الفاعل من "أَرَى يُرِي"، فالوجهُ إثبات الياء، وعليه الخليلُ ويونسُ (٥)، لأنّك لو أسقطتَ الياء في الوقف، لأخللت بالكلمة بحذفٍ بعد حذفٍ، فيتوالى إعلالان، وذلك مكروهٌ عندهم. ألا ترى أنّهم لم يُعِلّوا نحو: "هَوى" و"نَوى"؛ لأنّهم قد أعلّوا اللام، ولم يدّغموا نحو: "يَتِدُ" كما ادّغموا "وَتِدًا"، لأنّهم قد حذفوا الواو في "يَتِدُ" فكان يؤدّي إلى الجمع بين إعلالين؟ فلذلك أثبتوا الياء في "يا مُرِي"؛ لأنّ العين محذوفة، وصار ثبوتُها كالعوض. * * * [الوقف علي الاسم المقصور] قال صاحب الكتاب: وإن كان ألفاً, قالوا في الأكثر الأعرف: "هذه عصا وحبلى". ويقول ناس من فزارة وقيس: "حبلي" بالياء، وبعض طييء: "حبلو" بالواو. ومنهم من يسوي في القلب بين الوقف والوصل. وزعم الخليل (٦) أن بعضهم يقلبها همزة, فيقول: "هذه حبلأ", و"رأيت حبلأ", و"هو يضربهأ". وألف "عصا" في النصب هي المبدلة من التنوين، وفي الرفع والجر هي المنقلبة عند سيبويه (٧)، وعند المازني هي المبدلة في الأحوال الثلاث. * * * قال الشارح: أمّا المقصور - وهو ما كان آخره ألفًا - فإنّه على ضربين: منصرفٌ، وغيرُ منصرف، فما كان منصرفًا فإن ألفه سقطت في الوصل لسكونها، وسكون التنوين

стр. 2161

بعدها، نحو قولك: "هذه عَصًا ورَحًا يا فتى". فإذا وقفتَ، عادت الألف، وكان الوقفُ عليها بخلاف الياء في "قاضٍ"، وذلك قولك: "هذه عَصا" و"رأيت عصا"، و"مررت بعصا". وذلك لخفّة الألف. ألا ترى أنّ من قال في "فَخِذٍ": "فَخْذٌ"، وفي "عَضُدٍ": "عَضْدٌ"، لم يقل في "جَمَلٍ" "جَمْلٌ" لخفّة الفتحة. ويؤيّد ذلك أنّهم يفِرّون من الواو إلى الألف في مثلِ "قالَ"، و"باعَ". وقالوا: "رُضا" في "رُضِيَ"، و"نُها" في "نُهِيَ". فلذلك من استخفافهم الألف أعادوها في الوقف، ولم يفعلوا ذلك في الياء؛ لثقلها. قال الشاعر [من الطويل]: ١٢٢٤ - أَفي كلِّ عامٍ مَأْتَمٌ تَبْعَثُونَهُ ... على مِحْمَرٍ ثَوَّبْتُمُوهُ وما رُضا وقالوا في "نُهِيَ": "نُها". قال الشاعر [من الكامل]: ١٢٢٥ - إنَّ الغَوِيَّ إذا نُها لم يُعْتِبِ

стр. 2162

وقد اختلفوا في هذه الألف، فذهب سيبويه إلى أنّه في حال الرفع والجرّ لامُ الكلمة، وفي حال النصب بدلٌ من التنوين، وقد انحذفت ألفُ الوصل. واحتجّ لذلك بأنّ المعتلّ مقيسٌ على الصحيح، وإنّما تُبْدَل من التنوين في حال النصب دون الرفع والجرّ. وبعضهم يزعم أنّ مذهب سيبويه أنّها لامُ الكلمة في الأحوال كلّها. قال السيرافيّ: وهو المفهوم من كلامه، وهو قوله (١): وأمّا الألفاتُ التي تُحذف في الوصل فإنّها لا تحذف في الوقف. ويؤيّد هذا المذهب أنّها وقعت رَويًّا في الشعر في حال النصب، نحو قوله [من الرمل]: ١٢٢٦ - رُبَّ ضَيْفٍ طَرَقَ الحَيَّ سُرا صا ... دَفَ زادًا وحديثًا ما اشْتَها فألفُ "سُرَى" هنا رويٌّ، ولا خلاف بين أهل القوافي في أنّ الألف المبدلة من التنوين لا تكون رويًّا. وقال قومٌ - وهو مذهبُ المازنيّ -: إنّها في الأحوال كلّها بدلٌ من التنوين، وقد انحذفت ألفُ الوصل، واحتجّوا بأنّ التنوين إنّما أُبْدِل منه الألفُ في حال

стр. 2163

النصب من الصحيح؛ لسكونه وانفتاح ما قبله، وهذه العلّةُ موجودة في المقصور في الأحوال كلّها. وهو قولٌ لا ينفكّ من ضُعْف؛ لأنّه قد جاء عنهم "هذا فتى" بالإمالة. ولو كانت بدلاً من التنوين، لما ساغت فيها الإمالةُ، إذ لا سببَ لها. وأمّا غير المنصرف، وما لا يدخله التنوينُ من نحو: "سَكْرى"، و"حُبْلى"، و"القَفا"، و"العَصا"، فألفُه ثابتة، وهي الألف الأصليّة التي كانت في الوصل, لأنّه لا تنوين فيه، فيكونَ الألف بدلاً منه. وقومٌ من العرب يبدلون من هذه الألف ياءً في الوقف، فيقولون: "هذا أَفْعَيْ وحُبْلَيْ"، وكذلك كلُّ ألف تقع أخيرًا, لأنّ الألف خفيّةٌ، وهي أدخلُ في الحلق قريبةٌ من الهمزة، والياء أبينُ منها لأنّها من الفم. قال سيبويه (١): ولم يجيئوا بغير الياء؛ لأنّ الياء تُشبه الألفَ في سعة المخرج، وهي لغة لفَزارة وناسٍ من قَيْس، وهي قليلة، والأكثرُ الأوّل. فإذا وصلتَ عادت الألفُ، واستوت اللغتان. وطَيَّىء يجعلونها ياءً في الوصل والوقف، ومنهم من يجعلها واوًا؛ لأنّ الواو أبينُ من الياء إذ كانت الياء أدخلَ في الفم، فكانت أخْفَى منها. وحكى سيبويه (٢) في الوقف: "هذه حُبْلأْ" بالهمزة، يريد: "حُبْلى خ"، و"رأيت رَجُلأْ"، يريد: "رَجُلا خ"، فالهمزة في "رَجُلأْ" بدلٌ من الألف التي هي عوضٌ من التنوين في الوقف، وليست بدلاً من التنوين نفسه. وإنّما قلنا ذلك لقُرْبٍ ما بين الهمزة والألف وبُعْدٍ ما بينهما وبين النون. وإنما أبدلوها منها؛ لأن الألف أخفى من الهمرْة، والهمزة إذا كان ما قبلها متحرّكًا كانت أبينَ من الألف، والألفُ قريبةٌ من الهمزة, لأنّ الألف تهوي وتنقطع عندها. وممّا يؤيّد أنّ الهمزة في "رَجُلأْ" مبدلةٌ من الألف لا من التنوين أنّك تقول: "رأيت حُبْلأْ" وتهمز، وإن لم يكن فيها تنوينٌ، ولذلك حُكي: "هو يَضْرِبُهَأْ". هذا كلُّه في الوقف، فإذا وصلتَ قلتَ: "هو يضربُها يا هذا"، و"رأيت حُبْلَى أمسِ"، فاعرفه. فصل [الوقف علي المرفوع والمنصوب من الفعل المعتل اللام] قال صاحب الكتاب: والوقف على المرفوع والمنصوب من الفعل الذي اعتلت لامه بإثبات أواخره نحو يغزو ويرمي، وعلى المجزوم والموقوف منه بإلحاق الهاء نحو لم يغزه ولم يرمه ولم يخشه واغزه وارمه واخشه، وبغير هاء نحو لم يغز ولم يرم واغز وارم إلا ما أفضى به ترك الهاء إلى حرف واحد، فإنه يجب الإلحاق نحو قه وره. * * *

стр. 2164

قال الشارح: الفعل على ضربين: صحيحٌ ومعتلٌ، فالصحيحُ يوقَف عليه كما يوقَف على الاسم، فيسوغ فيه الإسكان والإشمامُ والرومُ والتضعيفُ, لأنّ العلّة واحدةٌ وإن كان معتلاًّ. فالوقفُ على المرفوع والمنصوب بإثبات لامه من غير حذف، وليس كالاسم. وإنّما كان كذلك من قبل أنّ الفعل لا يلحقه تنوينٌ في الوصل يوجب الحذفَ كما وُجِد في الاسم، فلذلك جرى حاله في الوقف كحاله في الوصل، فتقول في الرفع: "هو يَغْزُو يا فتى"، و"يَرْمِي يا فتى"، و"يَخْشَى يا فتى"، وفي النصب: "لَنْ يَغْزُوَ يا فتى"، و"لن يَرْمِيَ يا فتى"، و"لن يَخْشى يا فتى". فإذا وقفت، أسكنتَ، فقلت: "هو يَغْزُو"، و"هو يَرْمِي"، و"هو يَخْشى". وكذلك النصبُ، نحو: "لن يَغْزُو"، و"لن يَرْمِي"، و"لن يَخْشى". فأمّا الوقف على المجزوم من ذلك، فلك فيه وجهان: أجودُهما أنّ تقف بالهاء، فتقول: "لم يَغْزُهْ"، و"لم يَرْمِهْ"، و"لم يَخْشَهْ"، وكذلك في الأمر المبنيّ، نحو: "اغْزُهْ"، و"ارْمِهْ"، و"اخْشَهْ"، والأصلُ: "لم يَغْزُ"، و"لم يَرْمِ"، و"لم يَخْشَ". حُذفت لاماتها للجزم، وبقيت الحركاتُ قبلها تدلّ على المحذوف، فالضمّةُ في "لم يَغْزُ" دليلٌ على الواو المحذوفة، والفتحةُ في "لم يَخْشَ" دليل على الألف المحذوفة، والكسرة في "لم يَرْمِ" دليل على الياء المحذوفة. وكذلك في الأمر المبنيّ، نحو: "اغْزُ"، و"ارْمِ"، و"اخْشَ". فإذا وُقف عليه، لزم حذفُ الحركات، إذ الوقفُ إنّما يكون بالسكون لا على حركة، فشحّوا على الحركات أنّ يُذْهِبها الوقفُ، فيذهبَ الدالُّ والمدلولُ عليه، فألحقوها هاء السكت ليقع الوقفُ عليها بالسكون، وتسلم الحركاتُ، وكذلك "ارْمِهْ"، و"اغْزُهْ"، و"اخْشَهْ". والوجه الثاني أن تقف بلا هاء بالإسكان، فتقول: "لم يَرْمْ"، و"لم يَغْزْ"، و"لم يَخْشْ"، و"اغْزْ"، و"ارْمْ"، و"اخْشْ". ووَجْهُه أنّ الوقف عارضٌ، وإنّما الاعتبارُ بحال الوصل. قال ابن السرّاج: وهذه اللغةُ أقَلُّ اللغتَيْن. هذا إذا كان الباقي بعد الحذف حرفَيْن فصاعدًا، فأمّا إذا أدَّى إلى أن يبقى على حرف واحد، لم يكن بدٌّ من الهاء، نحو قولك في الأمر من "وَقى يَقِي": "قِهْ"، ومن "وَعى يعي": "عِهْ"، ومن "وَرى الزَّنْدُ يَرِي": "رِهْ". وذلك أنّ الفاء قد انحذفت لوقوعها بين ياء وكسرة على حدّ حَذْفها في "يَعِدُ"، و"يَزِنُ". واللامُ محذوفة للأمر، والحركةُ دليلٌ على المحذوف، فإذا وقعت عليه بالسكون، فيكون إجحافًا، فوجب أنّ تأتي بالهاء ليقع السكون عليها، وتسلم الحركةُ دليلاً على المحذوف؛ لأنّ المحذوف إذا كان منه خَلَفٌ، وعليه دليلٌ، كان كالثابت الموجودِ، مع أنّ ذلك يكاد أن يكون متعذّرًا لأنّ الابتداء بالحرف يوجب تحريكه، والوقفُ عليه يقتضي إسكانَه، والحرفُ الواحدُ يستحيل تحريكُه وإسكانُه في حال واحدة، فاعرفه.

стр. 2165

فصل [حذف الواو والياء في الوقف] قال صاحب الكتاب: وكل واو وياء لا تحذف تحذف في الفواصل والقوافي كقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (١) و ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ (٢) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (٣). وقول زهير [من الكامل]: ١٢٢٧ - [ولأنت تفري ما خلقت] ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفر وأنشد سيبويه [من البسيط]: ١٢٢٨ - لا يبعد الله إخواناً تركتهم ... لم أدر بعد غداة الأمس ما صنع أي صنعوا. * * *

стр. 2166

قال الشارح: المراد بالفواصل رُؤوسُ الآي ومقاطعُ الكلام، وذلك أنّهم قد يطلبون منها التماثلَ كما يُطلَب في القوافي، والقوافي يُشترط فيها ذلك، ولذلك سُمّيت قافيةً، مأخوذٌ من قولهم: "قَفَوْتُ"، أي: تَبِعْتُ، كأنّ أواخر الأبيات يتبع بعضها بعضًا، فتجري على منهاج واحد. فإذا وقفوا عليها، فمنهم من يُسوِّي بين الوصل والوقف، كأنّهم يفرقون بين الشعر والكلام بذلك، فيقولون [من الطويل]: قِفَا نَبْكِ من ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلي (١) وقالوا [من الوافر]: سُقِيتِ الغَيْثَ أَيَّتُهَا الخِيامو (٢) وقالوا في النصب [من الوافر]: أَقِلّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابا (٣) فيقفون كما يصلون. ومنهم من يُجْريه مجرى الكلام، فيُثْبِت فيه ما يُثْبِت في الكلام، ويحذف فيه ما يحذف فيه، وينشدون: أَقِلّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابْ وسقيت الغيث أيّتها الخيامْ كما يفعلون ذلك في الكلام، وقد يحذفون من الياءات الأصلية والواواتِ ما لا

стр. 2167

يُحذف في الكلام، وذلك إذا كان ما قبلها رَوِيًّا، فإنّهما يُحذفان كما يحذف الزائدان لإطلاق القافية إذا كان ما قبلها رويًّا، كما أنّ تلك كذلك. فلمّا ساوتها في ذلك، جرت مجراها في جواز الحذف. وهو في الأسماء أمثلُ منه في الأفعال, لأنّ الأسماء يلحقها التنوينُ في الكلام، فيُحذف له الياء. فممّا جاء في الأسماء قوله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ (١)، فحُذفت الياء، وكان فيها حسنًا، وإن كان الحذف في نحو "القاضي" مرجوحًا قبيحًا. ومثله ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٢). وقالوا في الفعل ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (٣)، و ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ (٤): ولا يجوز في الكلام "زيدٌ يَرْمْ"، ولا "يَغْزْ"؛ لأنّ الأفعال لا يلحقها تنوينٌ يوجب الحذفَ، ومنه قول زُهَيْر [من الكامل]: ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبعـ ... ـضُ القوم يَخلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِ (٥) فإنّه سكّن الراء للوقف، ولم يُطلِق القافية كحال الوصل. وإثباتُ الياء أجودُ, لأنّه فعلٌ. مدح هَرِمَ بن سِنان المُرّيَّ بالحَزْم وإمضاء العَزْم. ومعنى "يَفْرِي": يقطع، يقال: "فَرَيْت الأديمَ" إذا قطعتَه للصَّلاح، و"أفريته" إذا قطعته للفَساد. ومعنى "خلقتُ": قدّرتُ، يقال: "ما كلُّ من خلق يفري" (٦)، أي: ما كلّ من قدّر قطع، وهو مثلٌ يضرب لمن يعزم ولا يفعل. فأمّا قول الشاعر [من البسيط]: لا يبعد اللَّه ... إلخ فهو من أبيات الكتاب، والشاهدُ فيه حذفُ الواو التي هي ضمير، والمراد: صنعوا، ومثلُ ذلك لا يحسن في الكلام، وهو بالضرورة أشبهُ، والطريقُ فيه أنّه حذف الواو اجتزاءً بالضمّة عنها، على حدّ قوله [من الوافر]: فلو أنّ الأَطِبَّا كانُ حَوْلِي ... وكان مع الأطِبّاء الأُساةُ (٧) فاجتزأ بالضمة في "كانُ" عن الواو، ثمّ حذف الواو للوقف. ومثله قول الآخر [من الرجز]: ١٢٢٩ - لو أنّ قَوّمي حِينَ أَدْعُوهم حَمَلْ ... على الجِبال الصُّمّ لا رْفَضَّ الجَبَلْ والمراد: حملوا.

стр. 2168

فصل [الوقف علي الاسم المفرد المنتهي بتاء التأنيث] قال صاحب الكتاب: وتاء التأنيث في الاسم المفرد تقلب هاء في الوقف, نحو: غرفه وظلمه, ومن العرب من يقف عليها تاء. قال [من الرجز]: بل جوز تيهاء كظهر الحجفت (١) وهيهات أن جعل مفرداً وُقف عليه بالهاء، وإلا فبالتاء. ومثله في احتمال الوجهين "استأصل الله عرقاتهم وعرقاتهم". * * * قال الشارح: متى كان آخِرُ الاسم تاء التأنيث من نحو "طَلْحَةَ"، و"حَمْزَة"، و"قائمةٍ"، و"قاعدةٍ"، كان الوقفُ عليه بالهاء، فتقول: "هذا طَلْحَهْ"، و"هذا حَمْزَهْ". وكذلك "قائمهْ"، و"قاعدهْ". وذلك في الرفع والنصب والجرّ. والذي يدلّ أنّ الهاء بدلٌ من التاء أنّها تصير تاءً في الوصل. والوصلُ ممّا ترجع فيه الأشياء إلى أصولها، والوقف من مواضع التغيير، ألا ترى أنّ من قال من العرب: "هذا بَكُرْ"، و"مررت ببَكِرْ"، فنقل الضمّة والكسرة إلى الكاف في الوقف، فإنّه إذا وصل، أجرى الأمر على حقيقته، فقال: "هذا بَكْرٌ"، و"مررت ببَكْرٍ". وإنّما أبدلوا من التاء الهاء؛ لئلاّ تُشْبِه التاء الأصلية في نحو: "بَيْتٍ"، و"أبْياتٍ"، والملحقةَ في نحو: "بِنْتٍ"، و"أُخْتٍ" مع إرادة الفرق بينها وبين التاء اللاحقة للفعل في نحو: "قَامَتْ"، و"قَعَدَتْ". على أنّ من العرب من يُجْرِي الوقف مجرى الوصل، فيقول

стр. 2169

في الوقف: "هذا طَلْحَتْ"، وهي لغة فاشية حكاها أبو الخطاب، ومنه قولهم: "وعليه السلام والرَّحْمَتْ". ومنه قولهم [من الرجز]: بل جَوزِ تيهاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ وقال الآخر [من الرجز]: اللَّهُ نَجَّاكَ بَكفَّي مُسْلِمَتْ ... من بَعْدِما وبَعْدِما وبَعْدِمَتْ (١) صارت نفوسُ القوم عند الغَلْصَمَتْ ... وكادتِ الحُرَّةُ أن تُدْعَى أَمَتْ وكلّ ذلك إجراء الوقف مجرى الوصل، فأمّا قوله: "وبعدمت"، فالمراد: بعدما، فأبدل الألف في التقدير هاء، فصارت "بَعْدِمَهْ"، وقد أُبدلت الهاء من الألف. قال الشاعر [من الرجز]: قد وَرَدَتْ من أَمْكِنَهْ ... من هاهُنا ومن هُنَهْ (٢) يريد "هُنا"، ثمّ أبدل الألف هاءً لتُوافِق بقيّةَ القوافي، وشجّعه على ذلك شَبَهُ الهاء المقدّرة بتاء التأنيث، وكانت هذه اللغةُ من قبيل إجراء الوقف مجرى الوصل. فأمّا "هَيْهاتَ" "هَيْهاتِ" ففيها لغتان: فتحُ التاء، وكسرُها. فمَن فتح جعلها واحدًا، ووقف عليها بالهاء. ومن كسرها جعلها جمعًا، ووقف عليها بالتاء. فأمّا الألف فيمن فتح فيحتمل أمرَيْن: يجوز أنه يكون من باب "الجَأْجَأَةِ" و"الصِّيصِيَةِ"، فتكون مبدلة من الياء، والأصلُ: هَيْهَيَةٌ، فيكون على هذا معكوسَ قولهم لصوت الراعي: "يَهْيَاة". ويجوز أن تكون الألف زائدة، ويكون من قبيلِ "الفَيْفاةِ" (٣). والأوّلُ أوجه؛ لأنّ باب "القِلْقال" أكثرُ من "سَلِسَ" و"قَلِقَ". فأمّا قولهم: "استأصل الله عرقاتهم"، والمراد: أَصْلَهم، فمَن فتح جعله مفردًا، وكانت الألف فيه للإلحاق بـ "هِجْرَعٍ" (٤)، ونظيرُه في الإلحاق "مِعْزًى" و"ذِفْرًى"، فيمن نوّن، والوقفُ عليه بالهاء. ومن كسر جعله جمعًا، وكانت الألف هي المصاحبةَ لتاء الجمع المؤنّث، وليست للإلحاق كالقول الأول، كأنّه جمعُ "عِرْقٍ"، فاعرفه. فصل [إجراء الوصل مجري الوقف] قال صاحب الكتاب: وقد يجري الوصل مجرى الوقف, منه قوله [من الرجز]: مثل الحريق وافق القصبا (٥)

стр. 2170

ولا يختص بحال الضرورة يقولون: "ثلاثة أربعة", وفي التنزيل: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ (١). * * * قال الشارح: قد يجرى الوصل مجرى الوقف، وبابُه الشعرُ، ولا يكون في حال الاختيار. من ذلك قولهم: "السَّبْسَبَّا"، و"الكَلْكَلاَّ". ومنه قول الشاعر [من الرجز]: ١٢٣٠ - مَنْ لِيَ مِن هِجْرانِ لَيْلى مَنْ لِي ... والحَبْلِ من حِبالِها المُنْحَلّ تَعَرَّضَتْ لي بمكانٍ حِلّ ... تَعَرُّضَ المُهْرَةِ في الطّوَلّ يريد: "الطّوَلِ". ومن ذلك [من الرجز]: مثل الحريق وافق القَصَبّا (٢) وقول الآخر [من الرجز]: ١٢٣١ - تَرى مَزادَ سَعْدٍ المُدْخَلِّ ... بَيْنَ رَجا الحَيْزُومِ والمَرْحَلِّ

стр. 2171

يريد: المدخلِ والمرحلِ. وقد تقدّم نظائرُ ذلك في غير الشعر تشبيهًا بالشعر. من ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في العدد: "ثَلاَثَهَرْبَعَهْ"، فأبدل من التاء هاء في الوقف، ثمّ ألقى حركة الهمزة على الهاء، وحذفها على حدّ القراءة في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). وذلك إنّما يكون في الوصل. ومن ذلك قوله [من الرجز]: ١٢٣٢ - لمّا رأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ... مالَ إلى أَرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ

стр. 2172

فأبدل من التاء في "دَعَةٍ" هاء، وأثبتها في الوصل. ومنه قوله تعالى: ﴿لكنّا هو الله ربّي﴾ (١)، في قراءة ابن عامر بإثبات الألف، والأصل "أَنا"، فأُلقيت حركة الهمزة على نون "لكِنْ"، وحُذفت الهمزة، وادُّغمت النون في النون. والقياسُ حذفُ الألف من "أَنا" في الوصل، لأنّها لبيان الحركة في الوقف كالهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ (٢)، و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ (٣) وإنّما بني الوصل فيه على الوقف. ونحوه قوله تعالى: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٤). قال الزجّاج إثباتُ الألف هنا جيّدٌ؛ لأنّ الهمزة قد حُذفت، فصارت الألف عوضًا منها، يريد في: "لكنّا". فصل [الوقف علي الأسماء المبنية] قال صاحب الكتاب: وتقول في الوقف على غير المتمكنة "أنا" بالألف، و"أنه" بالهاء، و"هو" بالإسكان، و"هوه" بإلحاق الهاء، وههنا وههناه وهؤلاء وهؤلاه إذا قصر، وأكرمتك وأكرمتكه، وغلامي وضربني وغلاميه وضربنيه بالإسكان, وإلحاق الهاء فيمن حرك في الوصل، وغلام وضربن فيمن أسكن في الوصل، وفي قراءة أبي عمرو ﴿ربي أكرمن﴾ (٥) و ﴿أهانن﴾ (٦). وقال الأعشى [من المتقارب]: ١٢٣٣ - ومن شانيء كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن * * *

стр. 2173

قال الشارح: قوله: "غير متمكّن"، يريد أنّه قد خرج عن مكانه من الاسميّة إلى شبه الحرف، فبُنى. فمن ذلك "أَنا" الاسمُ فيه الألفُ والنون، والألف دخلت لبيان الحركة في الوقف، يدلّ على ذلك أنّك إذا وصلتَ، سقطت الألفُ، فتقول: "أنَ فعلتُ". والوصلُ ممّا يردّ الأشياء إلى أصولها في الغالب، وذكر سيبويه أنّ من العرب من يُثْبِت هذه الألف في الوصل (١) , فيقول: "أَنَا فعلت" وقد قرأ به نافعٌ في قوله تعالى: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٢)، و ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ (٣). ومنه قول الشاعر [من الرجز]: أَنا أبو النَّجْمِ وشِعْري شِعْري (٤) وقول الآخر [من المتقارب]: فَكَيْفَ أَنَا وانتحالي القَوافِي (٥) وقول الآخر [من الوافر]: أَنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي ... حَمِيدٌ قد تَذرَّيْتُ السَّناما (٦) فقد كثُر ذلك عنهم حتى قال الكوفيون: إنّها من الكلمة، وليست زائدة. فهذه الألفُ في كونها مجتلَبةً في الوقف لبيان الحركة كالهاء في "كتابِيَهْ" و"حسابِيَهْ". وربّما وقعت الهاء موقعَها في هذا الموضع, لأنّ مجراهما واحدٌ. قالوا: "أَنَهْ". ومنه قول حاتمٍ: "هذا فَزْدِي أَنَهْ" (٧). ومن ذلك قولهم: "حَيَّ هَلا" في الوقف. فإذا وصلوا قالوا: "حَيَّ هَلَ" بفتح اللام من غير ألف، وإن شئت قلت: "حَيَّ هَلْ" بالسكون من غير حركة.

стр. 2174

ولم تقف العربُ فيِ شيء من كلامها بالألف لبيان الحركة إلَّا في هذَيْن الموضعَيْن، أعني "هَلا"، و"أَنا". وتقف في الباقي بالهاء. وأمّا "هُوَ" من الأسماء المضمرة، فإنّ الأكثر الوقفُ عليها بالهاء لبيان حركة الواو، وكذلك الوقفُ على "هِيَ". تقول: "هِيَهْ", ولا تحذف منه شيئًا كما تحذف في المتمكّن. قال الشاعر، أنشده سيبويه [من المتقارب]: ١٢٣٤ - إذا ما تَرَعْرَعَ فينا الغُلام ... فَمَا إنْ يُقالُ له مَن هُوَهْ ومن العرب من يقف بالسكون، فيقول في الوقف: "هُوْ"، و"هِيْ"، بخلافِ "أنَ"، فإنّه لا يُوقَف عليها بالسكون، فلا يقال في جواب: "من فعل؟ ": "أنْ"، كما قيل: "هُوْ"، و"هِيْ". وذلك أنّ "أنَ" لا يضاف إلى قلّة حروَفها أنّ آخِرَها نونٌ، وهي خفيّةٌ، وليست هنا حرفَ إعراب كآخِرِ "يَدٍ" و"دَمٍ"، فاجتُلب لخفاء النون، وقلّةِ الحروف، وأنّ آخِرَها ليس بحرف إعراب، الألفُ في الوقف، ولزمت ذلك بخلافِ "هُوَ"، و"هِىَ" فإنّ آخِرَهما حرفُ مدّ ولِينٍ. وهذا أبينُ من النون. هذا على لغةٍ من فتح، فأمّا من أسكن، فليس فيه إلَّا الوقفُ بالسكون لا غيرُ. وقد ألحقوا هذه الهاء مع الألف في الوقف، وذلك لخفاء الألف وتسفُّلِها، وذلك قولهم: "هاؤلاهْ"، و"هاهناهْ". والأجود أن يُوقَف بغير هاء. ومن قال: "هاهناهْ" و"هاؤلاهْ"، لم يقل في "أَفْعَى": "أَفْعَاهْ", ولا في "أَعْمَى": "أَعْمَاهْ"؛ لأنّ هذه الأسماء متمكّنةٌ معربةٌ، فلم تُلْحَق الهاء في الوقف لئلاّ يلتبس بالإضافة، إذ لو قال: "أَعْماهْ" و"أَفْعاهْ"، لتُوهّم فيهما الإضافةُ إلى مضمرٍ غائبٍ، ومع ذلك فإنّ الألف في "أعمى" ونحوه في حكم المتحرّك بحركة الإعراب. ألا ترى أنّه لو كان في هذا الاسم غيرُ

стр. 2175

الألف، لدخلها حركاتُ الإعراب؟ فلمّا كانت الألفُ في حكمِ ما هو متحرّكٌ بحركة الإعراب، لم يُدْخِلوا عليها الهاء؛ لأنّ هذه الهاء لا تتبع حركة إعراب. وقوله: "إذا قُصر" أي: "هاؤلاء"، فإنّه إذا قُصِر وُقف بالألف، أو أُلحق الهاء. وأمّا من مَدَّ وهَمَزَ، فإنّه يقف على الهمزة بالسكون. ولا تتبع هذه الهاء شيئًا من السواكن إلَّا الألفَ لخفائها، فلا يقولون في "هُو"، "هُوهْ" ولا في "هِي": "هِيهْ" على لغة مَن أسكن الواو والياء؛ لأنّ الألف أخفى لبُعْدها، فكانت إلى البيان أحوج. فأمّا كاف الضمير من نحو "أكرمتُكَ"، و"أعطيتُكِ"، فلك فيه وجهان: الوقفُ بالسكون، فتقول: "أكرمتُكْ"، و"أعطيتُكْ". والوجهُ الآخر أنّ تقف بالهاء، فتقول: "أكرمتُكَهْ"، و"أعطيتُكِهْ"، شُحًّا على الحركة؛ لأنّ الكاف مع المذكّر مفتوحةٌ، ومع المؤنّث مكسورةٌ، فالحركةُ فاصلةٌ بين المذكر والمؤنّث، فأرادوا الفصل والبيان في الوقف على حدّه في الوصل. ومنهم من يُبالِغ في الفصل، فيُلْحِق الكافَ مع المذكّر ألفًا، ثُمّ يُلْحِق هاء السكت، ومع المؤنّث ياء، فيقول في المذكّر: "أكرمتُكَاهْ"، وفي المؤنّث: "أكرمتُكِيهْ"؛ لأنّ الفصل بحرفٍ وحركةٍ أبلغُ وآكَدُ من الفصل بحركةٍ لا غيرُ, كأنّهم حملوا الكاف على الهاء إذ كانتا علامتيْ إضمار ومهموستَيْن. فلمّا اشتركتا فيما ذكرناه، حُمل أحدهما على الآخر. فكما تقول في المذكّر. "غلامُهُو"، وفي المؤنّث: "غلامُهاهْ"، كذلك تقول في الكاف. وأجودُ اللغتين أنّ لا تُلْحِق الكافَ المدّةَ. وإنّما فعلوا ذلك بالهاء لضُعْفها وخَفائها وبُعْدِها. فأمّا الياء في "ضَرَبَنِي" و"غُلامِي"، ففيها لغتان: الفتحُ والإسكانُ. فمَن فتح فلأنّها اسمٌ على حرف واحد، فقُوّي بالحركة كالكاف، ومن أسكن فأراد التخفيف لثقل الحركة على الياء المكسور ما قبلها. فمن فتح الياء، فالوقفُ عليها على وجهَيْن: الإسكانُ، نحو قولك: "زيدٌ ضَرَبَنِي"، و"هذا غلامِي". ولا تحذف الياء؛ لأنّها قد قويت بالحركة في حال الوصل، ولم تحذف في الوقف، وجرت مجرى ياء "القاضي" في حال النصب. والوجهُ الثاني أنّ تقف بالهاء لبيان الحركة، فتقول. "ضَرَبَنِيَهْ"، و"غلامِيَهْ". ومنه قراءةُ الجماعة: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (١). ومَن أسكن الياء فيهما، فالوقفُ على وجهَيْن أيضًا: أجودُهما إثباتُ الياء؛ لأنّه لا تنوينَ معها يوجب حذفَها، فهي ثابتةٌ في الوصل، ولا تحذف في الوقف، وجرت مجرى
следующие страницы →