← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

يريد: المدخلِ والمرحلِ. وقد تقدّم نظائرُ ذلك في غير الشعر تشبيهًا بالشعر. من ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في العدد: "ثَلاَثَهَرْبَعَهْ"، فأبدل من التاء هاء في الوقف، ثمّ ألقى حركة الهمزة على الهاء، وحذفها على حدّ القراءة في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). وذلك إنّما يكون في الوصل. ومن ذلك قوله [من الرجز]: ١٢٣٢ - لمّا رأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ... مالَ إلى أَرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ

стр. 2172

فأبدل من التاء في "دَعَةٍ" هاء، وأثبتها في الوصل. ومنه قوله تعالى: ﴿لكنّا هو الله ربّي﴾ (١)، في قراءة ابن عامر بإثبات الألف، والأصل "أَنا"، فأُلقيت حركة الهمزة على نون "لكِنْ"، وحُذفت الهمزة، وادُّغمت النون في النون. والقياسُ حذفُ الألف من "أَنا" في الوصل، لأنّها لبيان الحركة في الوقف كالهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ (٢)، و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ (٣) وإنّما بني الوصل فيه على الوقف. ونحوه قوله تعالى: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٤). قال الزجّاج إثباتُ الألف هنا جيّدٌ؛ لأنّ الهمزة قد حُذفت، فصارت الألف عوضًا منها، يريد في: "لكنّا". فصل [الوقف علي الأسماء المبنية] قال صاحب الكتاب: وتقول في الوقف على غير المتمكنة "أنا" بالألف، و"أنه" بالهاء، و"هو" بالإسكان، و"هوه" بإلحاق الهاء، وههنا وههناه وهؤلاء وهؤلاه إذا قصر، وأكرمتك وأكرمتكه، وغلامي وضربني وغلاميه وضربنيه بالإسكان, وإلحاق الهاء فيمن حرك في الوصل، وغلام وضربن فيمن أسكن في الوصل، وفي قراءة أبي عمرو ﴿ربي أكرمن﴾ (٥) و ﴿أهانن﴾ (٦). وقال الأعشى [من المتقارب]: ١٢٣٣ - ومن شانيء كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن * * *

стр. 2173

قال الشارح: قوله: "غير متمكّن"، يريد أنّه قد خرج عن مكانه من الاسميّة إلى شبه الحرف، فبُنى. فمن ذلك "أَنا" الاسمُ فيه الألفُ والنون، والألف دخلت لبيان الحركة في الوقف، يدلّ على ذلك أنّك إذا وصلتَ، سقطت الألفُ، فتقول: "أنَ فعلتُ". والوصلُ ممّا يردّ الأشياء إلى أصولها في الغالب، وذكر سيبويه أنّ من العرب من يُثْبِت هذه الألف في الوصل (١) , فيقول: "أَنَا فعلت" وقد قرأ به نافعٌ في قوله تعالى: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٢)، و ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ (٣). ومنه قول الشاعر [من الرجز]: أَنا أبو النَّجْمِ وشِعْري شِعْري (٤) وقول الآخر [من المتقارب]: فَكَيْفَ أَنَا وانتحالي القَوافِي (٥) وقول الآخر [من الوافر]: أَنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي ... حَمِيدٌ قد تَذرَّيْتُ السَّناما (٦) فقد كثُر ذلك عنهم حتى قال الكوفيون: إنّها من الكلمة، وليست زائدة. فهذه الألفُ في كونها مجتلَبةً في الوقف لبيان الحركة كالهاء في "كتابِيَهْ" و"حسابِيَهْ". وربّما وقعت الهاء موقعَها في هذا الموضع, لأنّ مجراهما واحدٌ. قالوا: "أَنَهْ". ومنه قول حاتمٍ: "هذا فَزْدِي أَنَهْ" (٧). ومن ذلك قولهم: "حَيَّ هَلا" في الوقف. فإذا وصلوا قالوا: "حَيَّ هَلَ" بفتح اللام من غير ألف، وإن شئت قلت: "حَيَّ هَلْ" بالسكون من غير حركة.

стр. 2174

ولم تقف العربُ فيِ شيء من كلامها بالألف لبيان الحركة إلَّا في هذَيْن الموضعَيْن، أعني "هَلا"، و"أَنا". وتقف في الباقي بالهاء. وأمّا "هُوَ" من الأسماء المضمرة، فإنّ الأكثر الوقفُ عليها بالهاء لبيان حركة الواو، وكذلك الوقفُ على "هِيَ". تقول: "هِيَهْ", ولا تحذف منه شيئًا كما تحذف في المتمكّن. قال الشاعر، أنشده سيبويه [من المتقارب]: ١٢٣٤ - إذا ما تَرَعْرَعَ فينا الغُلام ... فَمَا إنْ يُقالُ له مَن هُوَهْ ومن العرب من يقف بالسكون، فيقول في الوقف: "هُوْ"، و"هِيْ"، بخلافِ "أنَ"، فإنّه لا يُوقَف عليها بالسكون، فلا يقال في جواب: "من فعل؟ ": "أنْ"، كما قيل: "هُوْ"، و"هِيْ". وذلك أنّ "أنَ" لا يضاف إلى قلّة حروَفها أنّ آخِرَها نونٌ، وهي خفيّةٌ، وليست هنا حرفَ إعراب كآخِرِ "يَدٍ" و"دَمٍ"، فاجتُلب لخفاء النون، وقلّةِ الحروف، وأنّ آخِرَها ليس بحرف إعراب، الألفُ في الوقف، ولزمت ذلك بخلافِ "هُوَ"، و"هِىَ" فإنّ آخِرَهما حرفُ مدّ ولِينٍ. وهذا أبينُ من النون. هذا على لغةٍ من فتح، فأمّا من أسكن، فليس فيه إلَّا الوقفُ بالسكون لا غيرُ. وقد ألحقوا هذه الهاء مع الألف في الوقف، وذلك لخفاء الألف وتسفُّلِها، وذلك قولهم: "هاؤلاهْ"، و"هاهناهْ". والأجود أن يُوقَف بغير هاء. ومن قال: "هاهناهْ" و"هاؤلاهْ"، لم يقل في "أَفْعَى": "أَفْعَاهْ", ولا في "أَعْمَى": "أَعْمَاهْ"؛ لأنّ هذه الأسماء متمكّنةٌ معربةٌ، فلم تُلْحَق الهاء في الوقف لئلاّ يلتبس بالإضافة، إذ لو قال: "أَعْماهْ" و"أَفْعاهْ"، لتُوهّم فيهما الإضافةُ إلى مضمرٍ غائبٍ، ومع ذلك فإنّ الألف في "أعمى" ونحوه في حكم المتحرّك بحركة الإعراب. ألا ترى أنّه لو كان في هذا الاسم غيرُ

стр. 2175

الألف، لدخلها حركاتُ الإعراب؟ فلمّا كانت الألفُ في حكمِ ما هو متحرّكٌ بحركة الإعراب، لم يُدْخِلوا عليها الهاء؛ لأنّ هذه الهاء لا تتبع حركة إعراب. وقوله: "إذا قُصر" أي: "هاؤلاء"، فإنّه إذا قُصِر وُقف بالألف، أو أُلحق الهاء. وأمّا من مَدَّ وهَمَزَ، فإنّه يقف على الهمزة بالسكون. ولا تتبع هذه الهاء شيئًا من السواكن إلَّا الألفَ لخفائها، فلا يقولون في "هُو"، "هُوهْ" ولا في "هِي": "هِيهْ" على لغة مَن أسكن الواو والياء؛ لأنّ الألف أخفى لبُعْدها، فكانت إلى البيان أحوج. فأمّا كاف الضمير من نحو "أكرمتُكَ"، و"أعطيتُكِ"، فلك فيه وجهان: الوقفُ بالسكون، فتقول: "أكرمتُكْ"، و"أعطيتُكْ". والوجهُ الآخر أنّ تقف بالهاء، فتقول: "أكرمتُكَهْ"، و"أعطيتُكِهْ"، شُحًّا على الحركة؛ لأنّ الكاف مع المذكّر مفتوحةٌ، ومع المؤنّث مكسورةٌ، فالحركةُ فاصلةٌ بين المذكر والمؤنّث، فأرادوا الفصل والبيان في الوقف على حدّه في الوصل. ومنهم من يُبالِغ في الفصل، فيُلْحِق الكافَ مع المذكّر ألفًا، ثُمّ يُلْحِق هاء السكت، ومع المؤنّث ياء، فيقول في المذكّر: "أكرمتُكَاهْ"، وفي المؤنّث: "أكرمتُكِيهْ"؛ لأنّ الفصل بحرفٍ وحركةٍ أبلغُ وآكَدُ من الفصل بحركةٍ لا غيرُ, كأنّهم حملوا الكاف على الهاء إذ كانتا علامتيْ إضمار ومهموستَيْن. فلمّا اشتركتا فيما ذكرناه، حُمل أحدهما على الآخر. فكما تقول في المذكّر. "غلامُهُو"، وفي المؤنّث: "غلامُهاهْ"، كذلك تقول في الكاف. وأجودُ اللغتين أنّ لا تُلْحِق الكافَ المدّةَ. وإنّما فعلوا ذلك بالهاء لضُعْفها وخَفائها وبُعْدِها. فأمّا الياء في "ضَرَبَنِي" و"غُلامِي"، ففيها لغتان: الفتحُ والإسكانُ. فمَن فتح فلأنّها اسمٌ على حرف واحد، فقُوّي بالحركة كالكاف، ومن أسكن فأراد التخفيف لثقل الحركة على الياء المكسور ما قبلها. فمن فتح الياء، فالوقفُ عليها على وجهَيْن: الإسكانُ، نحو قولك: "زيدٌ ضَرَبَنِي"، و"هذا غلامِي". ولا تحذف الياء؛ لأنّها قد قويت بالحركة في حال الوصل، ولم تحذف في الوقف، وجرت مجرى ياء "القاضي" في حال النصب. والوجهُ الثاني أنّ تقف بالهاء لبيان الحركة، فتقول. "ضَرَبَنِيَهْ"، و"غلامِيَهْ". ومنه قراءةُ الجماعة: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (١). ومَن أسكن الياء فيهما، فالوقفُ على وجهَيْن أيضًا: أجودُهما إثباتُ الياء؛ لأنّه لا تنوينَ معها يوجب حذفَها، فهي ثابتةٌ في الوصل، ولا تحذف في الوقف، وجرت مجرى

стр. 2176

ياء "القاضي"؛ لأنّها ياءٌ ساكنةٌ بعد كسرة في اسم، فثبتت كسرتُها. والوجه الآخر أن تحذفها فيهما، فتقول: "ضَرَبَنْ"، و"هذا غلامْ"، وأنت تريد: "غلامي"، و"ضربني"؛ لأنّ "نِي" اسمٌ. وقد قرأ أبو عمرو: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنْ﴾ (١) و ﴿رَبِّي أَهَانَنْ﴾ (٢) على الوقف. وكان هذا رأي من يقول: "هذا القاضْ" فيحذف الياء. وحذفُ الياء في الفعل حسنٌ؛ لأنّها لا تكون إلّا وقبلها نونٌ، فالنونُ تدل عليها فلا لَبْسَ فيها, ولذلك كثُر في القرآن. فأمّا إذا قلت: "هذا غلامْ"، ووقفتَ عليه بالسكون، فلا يُعْلَم أنّه يراد به الإضافة إلى الياء أم الإفرادُ، ولذلك منع بعض الأصحاب جوازَه لأجل اللبس. وقد أجازه سيبويه (٣)؛ لأنّ الوصل يُبيِّنه. ومن ذلك قول الأعشى [من المتقارب]: ومن شانىء كاسف ... إلخ وقبله: فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادي البِلا ... دَ مِن حَذَرِ الموتِ أن يَأْتِيَنْ (٤) أليس أخو الموت مُسْتَوْثِقًا ... عَلَيَّ وإن قُلْتُ قد أَنْسَأَنْ والمراد: أَنْكَرَنِي، ويَأْتِيَنِي، وأَنْسَأَنِي، فحذف في الوقف كما قال تعالى: ﴿أَكْرَمَنِ﴾ (٥)، و ﴿أَهَانَنِ﴾ (٦). والشانىء: المُبْغِضُ، والكاسفُ: العابسُ. أي إذا حللتُ به وتَضَيَّفْتُه، عبس، وإن انتسبتُ له أنكرني، وإن كان عارفًا بي. * * * قال صاحب الكتاب: وضربكم وضربهم وعليهم وبهم ومنه وضربه بالإسكان فيمن ألحق وصلاً أو حرك، و"هذه" فيمن قال: "هذه هي أمه الله", و"حتَّام" و"فيم" و"حتامه" و"فيمه", بالإسكان والهاء، و"مجيء مه؟ ", و"مثل مه؟ " في "مجيء مَ جئت؟ " و"مثل مَ أنت؟ " بالهاء لا غير. * * * قال الشارح: أمّا "ضَرَبَكُمْ"، و"ضَرَبَهُمْ"، و"عَلَيْهِمْ"، و"بِهِمْ"، فإنّك تقف عليها بسكون الميم لا غير، وتحذف الياء والواو منها؛ لأنّهما زائدان. وقد يحذفان في الوصل كثيرًا، نحو: "ضَرَبَكُمْ قَبْلُ"، و"ضَرَبَهُمْ يا فتى"، و ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (٧)، و"بِهِمْ يُستعان". والأصلُ أن يلحق الميمَ الواوُ، نحو: "ضَرَبَكُمُو"، و"ضَرَبَهُمُو"، و"بِهِمِي"، بدليل ثبوتها في التثنية، نحو: "ضَرَبَكُمَا"، و"ضَرَبَهُمَا"، و"بِهِمَا". وإنّما حذفوا الواو

стр. 2177

لضرب من التخفيف لكثرة الاستعمال، وثقل اجتماع الضمّتَيْن مع الواو في "ضَرَبَكُمُو"، و"ضَرَبَهُمُو"، والكسرتَيْن والياء في "بِهِمِي" ونحوه. فإذا وقفتَ، لم يكن إلّا الحذفُ، ولزم ذلك إذ كنتَ تحذف في الوصل. وكذلك الوقف على "مِنْهْ" و"ضَرَبَهْ" بالإسكان، والأصلُ وصلُهما بحرف مدّ، نحو: "مِنْهُو"، و"ضَرَبَهُو". يدلّ على ذلك ثبوتُها مع المؤنّث، نحو: "مِنْها"، و"ضَرَبَها". قال سيبويه (١): جاءت الهاء مع ما بعدها ها هنا مع المذكّر، كما جاءت وبعدها الألفُ في المؤنّث. وقد اختلفوا في الواو في نحو: "ضربهمو" والياء في نحو "بِهِمِي"، فقال قومٌ: إنّهما من نفس الاسم، وقال قوم: إنّهما زائدان، وأجمعوا في المؤنّث أنّ الألف من نفس الاسم. وقد اختلفوا في مذهب سيبويه في ذلك، والظاهرُ من كلامه أنّ الواو والياء ليسا من الاسم. وقد يحذفونهما في الكلام كثيرًا، فإذا كان قبل الهاء حرفُ مدّ ولين، كان حذفُ الواو والياء أحسن من الإثبات, لأنّ الهاء من مخرج الألف، والألفُ تُشْبه الواوَ والياء، فكأنّهم فرّوا من اجتماع المتشابهات، فحذفوها, ولذلك كان قولُه: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٢) و ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ (٣)، ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (٤)، و ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ (٥) أحسن القراءتين. فعلى ذلك قولك: "مِنْهُو"، و"عَنْهُو" أوجهُ من الحذف، فيكون قوله تعالى: ﴿مِنْهُو آيَاتٌ محكمات﴾ (٦) أوجه القراءتين. وبعضهم لا يفصل بين حرف المدّ وغيره من السواكن، ويختار ﴿مِنْهُ آيَاتٌ﴾، و"أصابتْهُ جائحةٌ"، وهو اختيارُ أبي العبّاس المبرّد والسيرافيّ. وهو الصواب عندي، وذلك أنّ الهاء خفيّةٌ، فصارت في حكم ساكنَيْن كـ أَيْنْ" و"كَيْفْ". فإذا وقفوا على هذه الهاء، فليس إلا الحذفُ والوقوفُ عليها غيرَ موصولة؛ لأنّهم قد يحذفون في الوقف ما يُثْبِتونه في الوصل، والصلةُ في الهاء ضعيفةٌ؛ لأنّها ليست من الكلمة على الصحيح من المذهب, ولا يختار حذفُها في الوصل إذا كان قبلها ساكنٌ، فلذلك لزم الحذفُ. وأمّا الهاء في "هذه أَمَةُ الله" فليست زائدة، وإنّما هي بدلٌ من الياء في "هَذِي". والدليلُ على ذلك أنّك تقول في تحقيره: "ذَيَّا"، كما تقول في تحقيرِ "ذا"، وليست الهاء

стр. 2178

في "هذِهِ" للتأنيث كالهاء في "طَلْحَهْ"، و"حَمْزَهْ"؛ لأنّ الهاء في "طلحهْ"، و"حمزهْ" زائدة وتَجِدها في الوصل تاء. والهاء في "هذِهِ" هاءٌ في الوصل والوقف، وهي عينُ الفعل، وإنّما كُسرت، ووُصلت بالياء لأنّها في اسم غير متمكّن مبهم، فشُبّهت بهاء الإضمار الذي قبله كسرةٌ، نحو قولك. "مررت بِهِ"، و"نظرت إلى غلامِهِ". قال سيبويه: ولا أعلمُ أحدًا يضمّها؛ لأنّهم شبّهوها بهاء الضمير، وليست الضميرَ، فحملوها على أكثر الكلام، وأكثرُ الكلام كسرُ الهاء إذا كان قبلها كسرةٌ، ووصلوا بالياء كما وصلوا في قولك: "بِه"، و"بغلامه". ومن العرب من يُسْكِنها في الوصل، ويجري على أصل القياس، يقول: "هذِهْ هندٌ"، و"نظرتُ إلى هذِهْ يا فتى". هذا كلُّه كلامٌ على الوصل، فأمّا الوقف فبإسكان الهاء لا غير، وحذف الياء في كلتا اللغتين. أمّا من أسكنها في الوصل؛ فالأمرُ فيه ظاهرٌ تتساوى حال الوصل والوقف؛ لأنّ الياء لم تكن موجودة في الوصل، فلا تثبت في الوقف. وأمّا من وصلها، فإنّه يحذفها في الوقف، كما يحذفها من "بِهِي" و"عليهِي". وإذا ساغ الحذف في "بهي" ونحوه مع أنّه مختلفٌ في زيادتها، كان الحذف هنا أولى، لتيقُّن الزيادة. فأمّا "حَتّامْ"، و"فِيمْ"، و"عَلامْ"، فالهاء في هذه الحروف أجودُ، نحو قولك في الوقف: "حَتّامَهْ"، و"فِيمَهْ" و"عَلامَهْ"؛ لأنّك حذفت الألف في "ما"، وبقيت الفتحةُ دليلاً على المحذوف، فشحّوا على الفتحة أنّ يحذفها الوقفُ، فيزول الدليلُ والمدلولُ عليه، فألحقوها هاء السكت، فيقع الوقفُ عليها، وتسلم الفتحةُ، فصار ذلك كالعمل في "اغْزُهْ"، و"ارْمِهْ"، وقومٌ من العرب يقفون بالإسكان من غير هاء، ويقولون: "فِيمْ"، و"لِمْ"، و"عَلَامْ"، ويحتجّ بأنّ الوقف عارضٌ، والحركةُ تعود في الوصل. وقد أسكن بعضهم الميم في الوصل. قال الشاعر [من الرمل]: ١٢٣٥ - يا أَبَا الأَسْوَدِ لِمْ خَلَّيْتَني ... لهُمومٍ طارِقاتٍ وذِكَرْ وذلك من قبيل إجراء الوصل مجرى الوقف ضرورةً، كـ "القَصَبَّا"، و"عَيْهَلٍّ".

стр. 2179

وأمّا قولهم: "مَجِيءَ مَ جئتَ؟ " و"مِثْلُ مَ أنت؟ " فإنّهم قد حذفوا الألف من "ما" مع هذه الأسماء، كما حذفوها مع حروف الجرّ, لأنّها خافضةٌ لِما بعدها كالحروف، فأُجريت في الحذف مجراها. فإذا وقفت على "ما" منها، فبالهاء لا غير، وليس الأمرُ فيها كـ "حَتّامْ"، و"إِلَامْ"؛ لأنّ "حَتَّى" حرفٌ، وكذلك "إلى"، والحرفُ لا يستقلّ بنفسه، ولا ينفصل ممّا بعده، فتنزّلا منزلةَ الكلمة الواحدة، فجاز إسكانُها، وأمّا "مَجِيءٌ" و"مِثلٌ"، فإنّهما اسمان منفصلان ممّا بعدهما، وصار ما بعد حذف الألف على حرف واحد، فكرهوا ذلك، فألحقوه الهاء، وقالوا: "مجيءَ مَهْ؟ " و"مِثْلُ مَهْ؟ " ليقع السكتُ عليه، ولا يخرج الاسم عن أبنية الأسماء، فاعرفه. فصل [الوقف علي النون الخفيفة] قال صاحب الكتاب: والنون الخفيفة تبدل ألفاً عند الوقف, تقول في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (١): لنسفعا. قال الأعشي [من الطويل]: [وإياك والميتات لا تقربنها] ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا (٢) وتقول في "هل تضربن يا قوم": "هل تضربون", بإعادة واو الجمع. قال الشارح: وأمّا نونُ التأكيد الخفيفةُ نحو قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (٣)، و"اضْرِبَنْ" في الأمر، فإنّها تبدل في الوقف ألفًا كالتنوين لمضارعتها إيّاه، لأنّهما جميعًا من حروف المعاني، ومحلُّهما آخِرُ الكلمة، وهي خفيفةٌ ضعيفةٌ. فإذا كان قبلها فتحة، أبدل منها في الوقف ألف كما أبدل من التنوين، ووقفت عليها، فقلت: ﴿لنسفعا﴾ و"اضْرِبَا". وأنشد للأعشى [من الطويل]: ولا تعبد الشيطان ... إلخ

стр. 2180

يريد: فاعْبُدَنْ، وأوّلُه: وإيّاكَ والمَيْتاتِ لا تقْرَبَنَّهَا وهذا البيت من كلمةٍ يمدح فيها النبيَّ ﵇ حين أراد الإِسلامَ، ثمّ أدركه الموتُ قبل لقائه. ومنه قول الآخر [من الطويل]: ١٢٣٦ - أبوك يَزِيدُ والوَلِيدُ ومَن يَكُنْ ... هما أَبَواهُ لا يَذِلُّ ويَكْرُما يريد: ويكرمنْ. وقد قيل في قول امرئ القيس [من الطويل]: قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ (١) إِنّ المراد: "قِفَنْ"، على إرادة نون التأكيد الخفيفة، قالوا: لأنّ الخطاب لواحد. ويدلّ على ذلك قوله [من الطويل]: ١٢٣٧ - أصاحِ تَرَى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ ... [كَلَمْحِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ]

стр. 2181

ثمّ وقف بالألف، وأجرى حال الوصل مجرى الوقف. وقد حمل بعضهم قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ (١) على إرادة نون التأكيد، والأصلُ، أَلْقِيَنْ: واحتجّ بأنّ الخطاب في ذلك لمالكٍ خازنِ النار. فإن كان ما قبل هذه النون مضمومًا أو مكسورًا، نحو قولك: "هل تَضْرِبُنْ يا قومُ"، و"هل تَضْرِبِنْ يا امرأةُ"، فإن وقفتَ قلت: "هل تَضْرِبُونْ؟ " و"هل تَضْرِبِينْ؟ " وذلك أنّ حكم هذه النون حكمُ التنوين، فكما تُبْدِل من التنوين ألفًا في النصب، كذلك تُبْدِل من هذه النون ألفًا إذا انفتح ما قبلها، وكما يُحذف التنوين في الرفع والجرّ، كذلك تحذف هذه النون إذا انضمّ ما قبلها، أو انكسر. وإذا حذفت النون، عادت الواوُ التي هي ضميرُ الجماعة لزَوال الساكن من بعدها، وهي نونُ التأكيد، وتعود النون التي هي علامة الرفع أيضًا؛ لأنّها إنّما كانت سقطت لبناء الفعل عند اتّصال نون التأكيد به. فلمّا زال موجِبُ البناء، عاد الإعرابُ لزوال المانع منه، ووجودِ المقتضى له، وهو المضارعةُ، ثمّ عادت النون التي هي للرفع. وكان يونسُ (٢) يُبْدِل من النون الخفيفة إذا انضمّ ما قبلها واوًا، ومن المكسور ما قبلها ياء، قياسًا على المفتوحة، فيقول في "اخْشَوُنْ": "اخْشَوُو" وفي "اخْشَيِنْ": "اخْشَيِي". وهو على قياسِ من يبدل من التنوين في حال الرفع والجرّ. وسيبويه لا يجيز ذلك (٣). وقد تقدّم الكلام على أحكام التنوين, والفرقِ بين هذه النون والتنوين بما أغنى عن إعادته.

стр. 2182

ومن أصناف المشترك القَسَم فصل [ماهيَّته] قال صاحب الكتاب: ويشترك فيه الاسم والفعل. وهو جملة فعلية أو اسمية تؤكد بها جملة موجبة أو منفية نحو قولك: حلفت بالله، وأقسمت، وآليت، وعلم الله، ويعلم الله، ولعمرك، ولعمر أبيك، ولعمر الله، ويمين الله، وايمن الله، وايم الله، وأمانة الله، وعلي عهد الله لأفعلن أو لا أفعل, ومن شأن الجملتين أن تتنزلا منزلة جملة واحدة كجملتي الشرط والجزاء، ويجوز حذف الثانية ها هنا عند الدلالة جواز ذلك ثمة. فالجملة المؤكد بها هي القسم، والمؤكدة هي القسم عليها، والاسم الذي يلصق به القسم ليعظم به ويفخم هو المقسم به. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الغرض من القسم توكيدُ ما يُقْسَم عليه من نفي أو إثباتٍ، كقولك: "وَاللَّهِ لأقومنّ"، و"وَاللَّهِ لا أقومنّ". إنّما أكّدتَ خبرك لتُزِيل الشكّ عن المخاطب. وإنّما كان جوابُ القسم نفيًا أو إثباتًا؛ لأنّه خبرٌ. والخبر ينقسم قسمَيْن: نفيًا وإثباتًا، وهما اللذان يقع عليهما القسمُ. وأعني بالخير ما جاز فيه الصدْقُ والكِذْبُ، وأصلُه من القَسامة، وهي الأَيْمان، قيل لها ذلك لأنّها تُقْسَم على الأَوْلياء في الدم. وإذا كان خبرًا، والخبرُ جملة، جاءت على ما عليه الجُمَلُ في كونها مرّةً من فعلٍ وفاعلٍ، ومرّةً من مبتدأ وخبرٍ. وإنّما جاز القسمُ بما كان على صيغة الخبر، وذلك أنّه وقع موقعَ ما لا يكون إلّا قسمًا من الصيغة المختصّة به، نحو قولك: "واللَّهِ لأفعلنّ". وعَقْدُ الخبر خلافُ عقد القسم، لأنّك إذا قلت: "أحْلِفُ بالله" على سبيل الخبر، كان بمنزلة العِدَة، كأنّك ستحلف، وكذلك إذا قلت: "حلفتُ"، فإنّك إنّما أخبرت أنّك قد أقسمتَ فيما مضى، وهو بمنزلة النداء إذا قلت: "يا زيدُ"، فأنت منادٍ غير مخبر. ولو قلت: "أنادي"، أو "ناديتُ"، كان على خلافِ معنى: "يا زيدُ"، فكذلك هذا في القسم. فكما أنّك إذا قلت: "أنادي"، ونويت النداء، لم يكن النداء مخبرًا، فكذلك إذا قلت:

стр. 2183

"أحلفُ بالله" أو "أُقْسِمُ"، ونويتَ القسم، كنتَ مقسمًا, ولم تكن مخبرًا، إلَّا أنّها وإن كانت جملة بلفظ الخبر -والجملةُ عبارة عن كلّ كلام مستقلّ- فإنّ هذه الجملة لا تستقلّ بنفسها حتى تُتْبَع بما يُقْسَم عليه، نحو: "أقسمُ بالله لأفعلنّ". ولو قلت: "أقسمُ بالله" وسكتَّ، لم يجز؛ لأنّك لم تقصد الإخبارَ بالحَلْف فقط، وإنّما أردتَ أن تخبر بأمر آخر، وهو قولك: "لأفعلنّ"، وأكّدته بقولك: "أحلفُ بالله". ونظيرُ ذلك من الجمل الشرطُ والجزاء، فإنّها، وإن كانت جملة، فقد خرجت عن أحكام الجمل من جهةِ أنّها لا تفيد حتى ينضمّ إليها الجزاء، فالجملة الفعليّة في القسم قولك: "أحلفُ بالله"، و"أُقسِم بالله"، ونحوهما. واعلم أنّ من الأفعال أفعالاً فيها معنى اليمين، فتجري مجرى "أحلفُ". ويقع الفعلُ بعدها كما يقع بعد "والله"، وذلك نحو: "أشهدُ"، و"أعلمُ"، و"آليْتُ". فلمّا كانت هذه الأفعالُ لا تتعدّى بأنفسها، جاؤوا بحرف الجرّ، وهو الباء لإيصال معنى الحلف إلى المحلوف به. قال الخليل (١): إنّما تجيء بهذه الحروف؛ لأنّك تضيف حَلْفَك إلى المحلوف به كما تضيف "مررت" بالباء إلى "زيد" في قولك: "مررت يزيد". فأمّا الجملة الاسميّة، فقولك: "لَعَمْرُكَ"، و"لَعَمْرُ أبيك"، و"لَعَمْرُ الله". فـ "عمرُك" مبتدأٌ، واللامُ فيها لامُ الابتداء، والخبرُ محذوف، وتقديره: قسمي، أو حَلْفي، وحذفوه لطُول الكلام بالمُقْسَم عليه. ولزم الحذفُ لذلك كما لزم حذفُ الخبر في قولك: "لولا زيدٌ لكان كذا"، لطول الكلام بالجواب. والعَمْرُ والعُمْرُ: واحدٌ، يقال: "أطال اللَّهُ عَمْرَك وعُمْرَك". وهما، وإن كانا مصدرين، بمعنى، إلّا أنّه استُعمل في القسم منهما المفتوح دون المضموم، كأنّه لكثرة القسم اختاروا له أخفَّ اللغات. فإذا دخلت عليه اللامُ، رفُع بالابتداء؛ لأنّها لامُ الابتداء. وإذا لم تأت باللام، نصبتَه نصبَ المصادر، وقلت: "عَمْرَك الله ما فعلت"، ومعنى: "لَعَمْرُ اللَّهِ" الحلفُ ببقاء الله تعالى ودوامِه، فإذا قلت: "عَمْرَكَ اللَّهَ"، فكأنّك قلت: "بتعميرك الله"، أي: بإقرارك له بالبقاء. فأمّا قول عمر بن أبي ربيعة [من الخفيف]: ١٢٣٨ - [أَيُّهَا المُنكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاً] ... عَمْرَكَ اللَّهَ كيف يَلْتَقِيانِ

стр. 2184

فليس على معنى القسم، وإنّما المراد: سألتُ اللَّهَ أنّ يُطيل عَمْرَك. ومن ذلك قولهم: "اَيْمُنُ اللَّهِ لأفعلنّ" وهو اسم مفرد موضوع للقسم مأخوذٌ من اليُمْن والبَرَكَة، كأنّهم أقسموا بيُمن الله وبركتِه، وهو مرفوع بالابتداء، وخبرُه محذوف للعلم به كما كان كذلك في "لعمر الله"، وتقديرُه: اَيمُنُ اللَّهِ قَسَمي أو يميني ونحوهُما. وتدخل عليه لامُ الابتداء على حدّ دخولها على "لعمر الله". ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فقال فَرِيقُ القَوْمِ لمّا نَشَدْتُهم ... نَعَمْ وفريقٌ لا يْمُنُ اللَّهِ ما نَدْرِي (١) وفُتحت الهمزة منه، وذلك من قبل أنّ هذا الاسم غيرُ متمكّن، لا يُستعمل إلَّا في القسم وحدَه، فضارَعَ الحرفَ بقلّةِ تمكُّنه، ففُتح تشبيهًا بالهمزة اللاحقة لامَ التعريف، وذلك فيه دون بناء الاسم لشَبَه الحرف. وقد حكى يونس: "إيمُنُ اللَّهِ" بكسر الهمزة. ويؤيّد عندي أيضًا حالَ هذا الاسم في مضارعته الحرفَ أنّهم قد تَلاعبوا به، فقالوا مرّةً: "اَيْمُنُ الله"، ومرّةً: "اَيْمُ اللَّهِ"، بحذف النون، ومرّة: "إِيِمُ الله" بالكسر، ومرّة: "مِ اللَّهِ"، ومرّة: "مُ اللَّهِ"، ومرّة: "مِنْ ربَّي"، و"مُنْ ربَّي". فلمّا حذفوه هذا الحذفَ المُفْرِطَ، وأصاروه مرّة على حرفَيْن، ومرّة على حرفٍ كما تكون الحروفُ، قوي شَبَهُ الحرف عليه، ففتحوا ألفَه تشبيهًا بالهمزة الداخلة على لام التعريف. وذهب الكوفيون (٢) إلى أنّ همزته قَطْعٌ، وأنّه جمعٌ لا مفردٌ، وهو جمعُ "يَمِينٍ"، كما قال العِجْليّ [من الرجز]: يَسرِي لها من أَيْمُنِ وأَشْمُلِ (٣) وسقطت همزتُه في الوصل لكثرة الاستعمال. والوجهُ الأوّل، لِما ذكرناه من أنّه قد سُمع في هذه الهمزة الكسرُ لكثرة التصرّف في هذا الاسم بالحذف، ولا يكون ذلك في المجموع.

стр. 2185

وأمّا "أمانةُ الله"، فكذلك مرتفعةٌ بالابتداء، والخبرُ محذوف، ويجوز نصبُه على تقدير حذف حرف الجرّ. قال الشاعر [من الوافر]: ١٢٣٩ - إذا ما الخُبْزُ تَأْدِمُهُ بلَحْمٍ ... فذاكَ أَمانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ أراد: بأمانة الله. وقالوا: "عَلَيَّ عَهْدُ الله" فـ "عهدُ الله" مرتفع بالابتداء، و"عَلَيَّ" الخبرُ، وفيه معنى القسم، فاللفظُ على نحو. "في الدار زيدٌ"، والمعنى على "أحلفُ بالله". وقوله: "من شأن الجملتين أنّ تتنزّلا منزلة جملة واحدة كجملتي الشرط والجزاء"، يريد أنّ القسم وجوابه، وإن كانا جملتَيْن، فإنّهما لمّا أُكّد إحداهما بالأخرى؛ صارت كالجملة الواحدة المركّبة من جزئين كالمبتدأ والخبر, فكما أنّك إذا ذكرتَ المبتدأ وحده لا يفيد، أو الخبر وحده لا يفيد، كذلك إذا ذكرت إحدى الجملتين دون الأخرى. لو قلت: "أحلف بالله" كان كقولك: "زيدٌ" وحدَه في عدم الفائدة. وقوله: "ويجوز حذف الثانية ها هنا عند الدلالة جواز ذلك ثمّ"، يريد أنّ جملة القسم وجملة المقسم عليه تجريان مجرى الجملة الواحدة على ما ذكرناه في الشرط والجزاء، فكما جاز حذفُ الجزاء لدلالةِ حال عليه، نحو: "أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدارَ"، فجوابُ هذا الشرط محذوفٌ، والتقدير: "إن دخلت الدار طلقتِ". ولا يكون ما تقدّم الجوابَ؛ لأنّ الجزاء لا يتقدّم الشرط، ولو كان جوابًا للزمتْه الفاء. ومن ذلك "أنا ظالمٌ إن فعلتُ"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (١)، وكذلك القسمُ قد يُحذف منه

стр. 2186

الجملة الثانية للدلالة عليها، نحو قولك لمن ألقى نفسَه في ضَرَر: "هلكتَ واللَّهِ"، تريد: "والله لقد هلكت". وقوله: فـ "الجملة المؤكّد بها هي القسم" إلى آخر الفصل، يريد أنّ الغرض من القسم التأكيدُ. وهو يشتمل على ثلاثة أشياء: جملةٍ مؤكّدة، وجملةٍ مؤكَّدة، واسم مقسَمٍ به. فالجملةُ الأولى هي "أقسمُ"، و"أحلفُ"، ونحوهما من "أشهدُ"، و"أعلمُ"، وهي الجملة المؤكّدة، وكذلك "لَعَمْرُك اللَّهُ"، و"أيْمُنُ اللَّهِ". والجملةُ المؤكَّدة هي الثانية المقسَمُ عليها. فإن كانت فعلاً، وقع القسمُ عليه، نحو: "أحلفُ بالله لتنطلقنّ"، وإن كان الذي تلقّاه حرفًا بعده اسمٌ وخبرٌ، فالذي يقع عليه القسمُ في المعنى الخبرُ، كقولك: "واللَّهِ إنّ زيدًا لمنطلقٌ"، و"واللَّهِ لزيدٌ قائمٌ". فالقسمُ يؤكّد الانطلاقَ والقيامَ دون "زيد". وأمّا المقسمُ به فكلُّ اسم من أسماء الله تعالى وصفاتِه، ونحو ذلك ممّا يُعظّم عندهم؛ نحو قوله: فأقسمتُ بالبَيْتِ الذي طافَ حَوْلَهُ ... رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ (١) لأنّهم كانوا يعظّمون البيت. وقد نهى النبيُّ ﵇ أن يُحْلَف بغير الله . وقد ورد القسم في الكتاب العزيز بمخلوقاته كثيرًا تفخيمًا وتعظيمًا لأمر الخالق، فإنّ في تعظيم الصنعة تعظيمَ الصانع، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢)، وفيه: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (٣)، وفيه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ (٤)، وفيه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (٥)، وهو كثير، فاعرفه. فصل [التصرف في القسم] قال صاحب الكتاب: ولكثرة القسم في كلامهم أكثروا التصرف فيه، وتوخوا ضروباً من التخفيف. من ذلك حذف الفعل في "بالله"، والخبر في لعمرك وأخواته، والمعنى: لعمرك ما أقسم به، ونون أيمن وهمزته في الدرج، ونون "مِنْ" و"مُنْ" وحرف القسم في "اللهِ", و"اللهَ" بغير عوض، وبعوض في ها الله وآلله وفألله، والإبدال عنه تاء في تاللهِ وإيثار الفتحة على الضمة هي التي أعرف في "العمر". * * * قال الشارح: اعلم أنّ اللفظ إذا كثُر في ألسنتهم واستعمالهم، آثروا تخفيفَه، وعلى

стр. 2187

حسب تفاوُت الكثرة يتفاوت التخفيفُ. لمّا كان القسم ممّا يكثر استعمالُه، ويتكرّر دَوْرُه، بالَغُوا في تخفيفه من غير جهة واحدة. وقوله: "توخّوا ضروبًا من التخفيف" أي: قصدوا وتَحَرَّوْا أنواعًا من التخفيف. فمن ذلك أنّهم قد حذفوا فعل القسم كثيرًا للعلم به والاستغناء عنه، فقالوا: "باللَّهِ لأقومنّ"، والمراد: أحلفُ بالله. قال الله تعالى: ﴿بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) في أحد الوجهَيْن هو القسمُ، وفي الوجه الآخر يتعلّق بقوله: "لاَ تُشْرِكْ". وربّما حذفوا المقسم به، واجتزؤوا بدلالة الفعل عليه، يقولون: "أُقْسِم لأفعلنّ"، و"أشهدُ أفعلنّ"، والمعنى: أقسم بالله أو بالذي شاء في أُقسِم به (٢). وإنّما حُذفت لكثرة الاستعمال، وعلْمِ المخاطب بالمراد. قال الشاعر [من الطويل]: ١٢٤٠ - فأُقْسِمُ أَنْ لَوِ التَقَيْنا وَأَنْتُمُ ... لَكان لَكُمْ يومٌ مِنَ الشَّرّ مُظْلِمُ وقال الآخر [من الطويل]: فأُقْسِمُ لَوْ شيءٌ أتانا رَسُولُه ... سِواكَ ولكِنْ لم نَجِدْ لك مَدْفَعا (٣) وقال الفقهاء: لو قال: "أُقْسِم"، أو "أحلفُ"، أو "أشهدُ"، ثمّ حَنِثَ، وجبتْ عليه الكَفّارةُ؛ لأنّه يصرف إلى معنى أقسم بالله ونحوه، إذ كان يلزم المسلمَ إذا حلف أن

стр. 2188

يحلف بالله. ولذلك قال النبيّ ﷺ : "من كان حالفًا فَلْيحلفْ باللهِ أو فَلْيَصْمُتْ" (١). ومن ذلك حذف الخبر من الجملة الابتدائيّة، نحو: "لَعَمْرُكَ"، و"لَيْمُنُك"، و"أمانةُ الله"، فهذه كلُّها مبتدآتٌ محذوفةُ الأخبار تخفيفًا لطول الكلام بالجواب، والمرادُ: لعمرُك ما أُقْسِم به. قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٢)، كأنّه حلف ببقاء النبيّ وحياته، ولذلك قال ابن عبّاس: لم يقسم الله تعالى بحياةِ أحد غير النبيّ ﷺ . وقيل: "العمرُ" هنا مصدرٌ بمعنى العُمُور محذوفُ الزوائد، كقوله [من الطويل]: قَيْدِ الأَوَابِدِ (٣) والمراد التقييد، فحذف الزوائد، يقال: "عَمَرَ يَعْمُرُ" إذا عبد. حكى ابن السِّكّيت عن ابن الأعرابيّ أنّه سمع أعرابيًّا، وقد سُئل: "أَيْنَ تمضي؟ " قال: "أَمْضِي أَعْمُرُ الله"، أي: أعبدُ الله. ويجوز أن يكون البيتُ المعمورُ من هذا، أي الذي يُعْمَر فيه. وكذلك "أَيْمُن" وتصرّفُهم فيها، وقد ذكرنا لغاتِها والخلافَ فيها. وقوله: "ونونُ "أيمن" وهمزتُه" يُفْهَم من ذلك أنّ حذف همزة "ايمن" في الدرج من قبيل تصرُّفهم في القسم، والقياسُ ثبوتُها في الدرج. وذلك من مذهب الكوفيين في أنّ الكلمة جمعٌ، وأنّ الهمزة قطعٌ، وإنّما وُصلت لكثرة الاستعمال، وهو رأي ابن كَيْسان، وابن دُرُسْتَوَيْهِ. وليس الأمرُ عندنا كذلك، وإنّما هي همزةُ وصل لا تثبت في الدرج كهمزة لام التعريف ونحوها من همزات الوصل، وقد تقدّم الكلام على ذلك. ومن ضروب التصرّف في القسم إبدالُ التاء من الواو في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٤)، و ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (٥)، فالتاءُ بدلٌ من الواو في "واللَّهِ لأفعلنّ" لشَبَهها من جهة اتّساع المخرج؛ ولأنّهم قد أبدلوها في "تُراثٍ" و"تُكَأَةٍ" وما أشبه ذلك. ولا تكون هذه التاء إلّا في اسم الله تعالى خاصّةً؛ لأنّه لمّا كان أكثرُ ما يُقْسَم به هذا الاسمَ، طُلب له حرفٌ يخصّه، فكان ذلك الحرفُ هو التاء المبدلة من الواو في نحو قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٦)، ومن ذلك قولهم في القسم: "لعَمْرُك لأفعلنّ"، فالعمرُ: البقاء والحياة، وفيه لغاتٌ، يقال: "عَمْرٌ" بفتح العين وإسكان الميم، و"عُمْرٌ" بضمّ العين وإسكان الميم، و"عُمُرٌ" بضمّهما، تقول: "أطال اللَّهُ عَمْرَك، وعُمْرَك وعُمُرَك". فإذا جئت إلى القسم، لا تستعمل فيه إلَّا المفتوحة العين؛ لأنّها أخفّ اللغات الثلاث، والقسمُ كثير، واختاروا له الأخفَّ.

стр. 2189

فصل [الأحرف الواقعة في جواب القسم] قال صاحب الكتاب: ويُتلقى القسم بثلاثة أشياء: باللام, وبـ "إنَّ" وبحرف النفي كقولك بالله لأفعلن، وإنك لذاهب، وما فعلت ولا أفعل. وقد حذف حرف النفي في قول الشاعر [من البسيط]: تالله يبقى على الأيام مبتقلٌ ... [جون السراة رباع سنُّهُ غَرِدُ] (١) * * * قال الشارح: اعلم أنّه لمّا كان كلُّ واحد من القسم والمقسم عليه جملةً، والجملةُ عبارة عن كلّ كلام مستقلّ قائمٍ بنفسه، وكانت إحداهما لها تعلّقٌ بالأخرى؛ لم يكن بدٌّ من روابط تربط إحداهما بالأخرى، كرَبْط حرف الشرط الشرطَ بالجزاء، فجُعل للإيجاب حرفان، وهما اللام و"إنَّ"، وجُعل للنفي حرفان، وهما "ما" و"لا". وإنّما وجب لهذه الحروف أن تقع جوابًا للقسم؛ لأنّها يُستأنف بها الكلام، ولذلك لم تقع الفاء جوابًا للقسم؛ لأنّه لا يستأنف الكلامُ بها. فأمّا اللام فتدخل على الأسماء والأفعال، فإذا دخلت على الأسماء فما بعدها مبتدأٌ وخبرٌ، كقولك: "واللَّهِ لَزيدٌ أفضلُ من عمرو". وإذا دخلت على الفعل المضارع، لزم آخِرَ الفعل النونُ الخفيفةُ أو الثقيلةُ، كقولك: "واللَّهِ لتضربنْ عمرًا"، و"واللَّهِ لتَضْرِبَنّ عمرًا"، فتقف على الخفيفة بالألف إذا كان ما قبلها مفتوحًا. وإنّما لزمته النون لتُخِلّصه للاستقبال؛ لأنّه يصلح لزمنَيْن، فلو لم تخلصه للاستقبال، لوقع القسمُ على شيءٍ غير معلوم. وقد بيّنّا أنّ القسم توكيدٌ، ولا يجوز أن تُؤكِّد أمرًا مجهولاً. وقيل: إنّما دخلت النونُ مع اللام في جواب القسم؛ لأنّ اللام وحدها تدخل على الفعل المستقبل في خبر "إنَّ"، وليس دخولُ اللام على الفعل في خبر "إنَّ" للقسم، فألزموها النون للفصل بين اللام الداخلة في جواب القسم، والداخلة لغير القسم. فإذا قلت: "إنّ زيدًا ليضربنّ عمرًا"، كان تقديره: إنّ زيدًا والله ليضربن عمرًا, فاللامُ واقعة موقعها؛ لأنّها جوابٌ للقسم، فهي بعده. وإذا قلت: "إنّ زيدًا ليضرب عمرًا"، فهذه اللامُ تقديرُها أن تكون داخلة على "إنَّ". فبين هذه اللام واللام التي معها النون فصلٌ من وجهَيْن: أحدهما أنّ اللام التي معها النونُ لا تكون إلّا للمستقبل، والتي ليس معها النون تكون للحال، وقد يجوز أن يراد بها المستقبلُ. والوجه الآخر أنّ المفعول به لا يجوز تقديمُه على الفعل الذي فيه النونُ، ويجوز تقديمُه على الذي لا نونَ فيه؛ لأنّ نيّة اللام فيه التقدّم.

стр. 2190

وإذا دخلت اللام على الماضي، فلا يحسن إلَّا أن يكون معه "قَدْ"، كقولك: "والله لقد قام زيدٌ"؛ لتقريبها له من الحال. قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (٢). ويجوز: "والله لقام"، وليس بالكثير. ومنه قوله [من البسيط]: إذًا لَقامَ بنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ... عند الحَفِيظَة إنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا (٣) وقال امرؤ القيس [من الطويل]: حَلَفْتُ لها باللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ ... لَنامُوا فما إنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِ (٤) ولم تدخل النون مع الماضي؛ لأنّ النون في غير القسم لا تدخل إلَّا على المستقبل دون الماضي والحالِ، فإذا دخلت للقسم، فهي أيضًا للمستقبل. وأمّا "إنَّ"، فتختصّ بالاسم، كقولك: "واللَّهِ إنّ زيدًا قائمٌ". قال الله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦)، وقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٧) بعد قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (٨). فالجواب بالفعل واقعٌ على الفعل، والجوابُ بـ "إنَّ" واقع على الخبر؛ لأنّه في معنى الفعل. وأمّا جواب النفي، فـ "بما" و"لا"، نحو قولك: "والله ما قام زيدٌ"، و"واللَّهِ لا يقوم زيدٌ". وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٩)، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ (١٠)، وفيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ (١١). وفيه من الجواب بـ "لا" نحو قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ (١٢)، فقوله: "لا يخرجون"، و"لا ينصرونهم" جوابُ قسم محذوف، وليسا بجواب الشرط بدليل ثبوت النون. ولو كانا جواب الشرط، لانجزما. وأمّا حذفُ "لا" في جواب القسم، فنحو قولك: "واللَّهِ يقوم زيدٌ"، والمراد: لا يقوم, لأنّه تخفيف لا يُوقِع لَبْسًا، إذ لو كان إيجابًا، لكان بحروفه اللازمة له من اللام ونون التوكيد، وفي التنزيل: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (١٣)، أي: لا تفتأ تذكر. قال الهُذَليّ [من البسيط]: تَاللَّهِ يَبْقَّى على الأيّام مُبْتَقِلٌ ... جَوْنُ السَّراةِ رَباعٍ سِنُّهُ غَرِدُ (١٤)

стр. 2191

مبتقلٌ: يريد حمارَ وَحْش، يقال: "ابتقل"، أي: رعى البقلَ. ولا يجوز حذفُ شيء من هذه الحروف إلّا "لا" وحدَها. وإنّما لم يجز حذفُ غيرها؛ لأنّ "إنَّ" عاملةٌ، ولا يجوز أن تعمل مضمرةً لضعفها. ولم يجز حذفُ "ما"؛ لأنّها أيضًا تكون عاملة في مذهب أهل الحجاز. ولم يجز حذفُ اللام؛ لأنّ ذلك يوجِب حذفَ النون معها, لأنّ النون دخلت مع اللام، فلم يبق إلّا "لا"، فاعرفه. فصل [الأحرف التي تقع موقع الباء في القسم] قال صاحب الكتاب: وقد أوقعوا موقع الباء بعد حذف الفعل الذي ألصقته بالقسم به أربعة أحرف: الواو والتاء وحرفين من حروف الجر وهما اللام و"من" في قولك: "لله لا يؤخر الأجل" و"من ربي لأفعلن" روما للإختصاص، وفي التاء واللام معنى التعجب، وربما جاءت التاء في غير التعجب، واللام لا تجيء إلا فيه. وأنشد سيبويه لعبد مناة الهذلي [من البسيط]: ١٢٤١ - لله يبقى على الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخر به الظيان والآس

стр. 2192

وتضم ميم "من", فيقال من ربي أنك لأشر. قال سيبويه (١): ولا تدخل الضمة في "مِنْ" إلا ههنا، كما لا تدخل الفتحة في "لدن" إلا مع "غدوة"، ولا تدخل إلا على "ربي"كما لا تدخل التاء إلا علي اسم الله وحده, وكما لا تدخل "أيمن" إلا علي اسم الله والكعبة. وسمع الأخفش من الله وتربى وإذا حذفت نونها فهي كالتاء تقول "مِ الله" و"مُ الله" كما تقول: "تالله". ومن الناس من يزعم أنها من "أيمن". * * * قال الشارح: قد ذكرنا أنّ القسم جملةٌ تُؤكَّد بها جملةٌ أخرى؛ نحو قولك: "أحلف بالله لتفعلنّ، ولا تفعل" والجملةُ المؤكَّدةُ "أحلفُ"، والمقسم به اسمُ الله تعالى، وما جرى مجراه ممّا هو معظَّمٌ عند الحالف. والجملةُ المؤكَّدةُ قوله: "لتفعلنّ"، و"لا تفعل"، وأداة القسم هي الباء الموصِلة لمعنى الحلف إلى المحلوف به. وقد يحذف الفعل تخفيفًا؛ لكثرة القسم واجتزاءً بدلالة حرفْ الجرّ عليه، فيقولون: "بالله لأفعلنّ". وأدواتُ القسم خمسةُ أحرف، وهي: الباء، والواو، والتاء، واللام، ومِنْ. فأمّا الباء، فهي أصلُ حروف القسم؛ لأنّها حرفُ إضافة، ومعناها الإلصاقُ، فأضافت معنى القسم إلى المقسم به، وألصقتْه به، نحو قولك: "أحلفُ بالله"، كما توصل الباء المُرورَ إلى الممرور به فى قولك: "مررت بزيد"، فالباء من حروف الجرّ بمنزلةِ "مِن" و"في"، فلذلك قلنا: إنّها أصلُ حروف القسم، وغيرُها إنّما هو محمول عليها، فالواو بدلٌ من الباء، لأنّهم أرادوا التوسّع لكثرة الأيمان. وكانت الواو أقربَ إلى الباء لأمرَيْن: أحدهما أنّها من مخرجها؛ لأن الواو والباء جميعا من الشفتين، والثاني أنّ الواو للجمع، والباء للإلصاق، فهما متقاربان؛ لأن الشيء إذا لاصقَ الشيء فقد اجتمع معه. فلمّا وافقتْها في المعنى والمخرج، حُملت عليها، وأنيبت عنها، وكثُر استعمالها حتى غلبتها، ولذلك قدمها سيبويه (٢) في الذكر. فالواوُ في القسم بدلٌ من الباء، وعاملةٌ عَمَلَها، وليست كسائر حروف العطف؛ لأنّ واو العطف غيرُ عاملة بنفسها، وإنّما هى دالّة على العامل المحذوف، ولذلك يجوز أن تقول في "قام رْيدٌ وعمرٌو": "قام زيدٌ، وقام عمرٌو"، فتجامع العاملَ. ولو كانت العاملَ، لم تجتمع مع عاملٍ آخر. وليست كذلك واو القسم؛ لأنّها لا تجامع الباء. فإذا قلت: "وبزيدٍ"، كانت هذه الواو غير واو القسم.

стр. 2193

والتاء بدلٌ من الواو، واختص ذلك بالقسم. وإنّما أُبدلت منها؛ لأنها قد أُبدلت منها كثيرًا، نْحو قولهم: "تُجاة"، و"تُراثٌ"، وهما "فُعالٌ" من "الوَجْه" و"الوِراثة". وقالوا: "تُكَاَةٌ"، و"تُخْمَةٌ" وهو "فُعَلَةُ" من "تَوَكَّأْتُ"، و"الوَخْامَةِ". وقالوا: "تَقوَى"، و"تُقَاةٌ" وهو "فَعْلَى" و"فُعَلَةُ" من "الوِقاية". وهو كثير يكاد يكون قياسًا لكثرته. ولكون الباء أصلاً، امتازت بما ذكرناه من جواز استعمالها مع فعل القسم، ودخولها على المضمر، ولا يكون ذلك في الواو. ومُيّزت الواو عن التاء إذ كانت أصلاً لها بأن دخلت على كلّ ظاهر محلوف به. واختصّت التاء أضعفها بكونها في المرتبة الثالثة بأن اختصّت باسم الله تعالى لشَرَفه، وكونِه اسمًا لذاته سبحانه. وما عداه يجري مجرى الصفة، فتقول: "تاللهِ لأفعلن". وفيها معنى التعجّب. قال الله تعالى. ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (١). وربما جاءت لغير التعجّب، كقوله تعالى. ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٢)، ولا يجوز: "تالرحمن" ولا "تالبارئ"، ويجوز ذلك في الواو. ومن ذلك اللام، فإنّها تدحْل للقسم على معنى التعجّب، وأنشد [من البسيط]: لله يبقى علم الأيام ... إلخ البيت لأميَّةَ بن أبي عائذٍ، وقيل: لأبي ذُؤَيْب، وقيل: للفَضْل بن العبّاس اللَّيْثيّ يرثي قوماً منهم. وقبله [من البسيط]: يا مَىَّ إن تَققِدِي قَوْمًا وَلَدْتِهِم ... أو تُخلَسِيهِمْ فإنَّ الدَّهْرَ خَلّاسُ يا مَىَّ إن سِباعَ الأَرْضِ هالِكَةٌ ... والأُدْمُ والعُفْرُ والاَرامُ والناسُ والشاهد فيه دخولُ اللام على اسم الله في القسم بمعنى التعجّب. والمعنى: إنّ الأيام تُفْنِي بمُرورها كل حَيّ، حتى الوَعْل المتحصّن بشواهق الجبال. والحَيْدُ: عُقَدٌ في قرون الوعل، ويروى: "حِيَد" بكسر الحاء، كاته جمع "حَيْدَةٍ"، مثلُ "بَدْرَةٍ" و "بِدَرٍ". والمُشْمَخِرُّ": الجبل الشامخ. والظَّيّانُ: ياسَمِين البرّ، والآسُ: الرَّيْحان، ومنابتُهما الجبال، وحُزونُ الأرض. يريد أنّ الوعل في خِصْبٍ لا يحتاج إلى الإسهال، فيُصادَ. وأما قولهم: "من ربي لأفعلن"، فالظاهر من أمرها أنّها "مِن" التي في قولهم: "أخذتُ من زيد"، أُدخلت في القسم موصلةَ لمعنى الفعل على حدّ إدخال الباء تكثيرًا للحروف؛ لكثرة استعمال القسم. واختصّت بـ "ربّي" اختصاصَ التاء باسم الله، فلا يقولون: "مِن اللهِ لأفعلنّ". وقد تضمّ الميم منها، قالوا: "مُنْ ربّي إنّك لأشِرٌ"، حكى ذلك سيبويه، كأنهم جعلوا ضَمَّها دلالةً على القسم كما جعلوا الواو مكان الباء دلالةً على القسم. قال سيبويه: ولا تدخل الضمّةُ في "من" إلّا ها هنا، كما لا تدخل الفتحة في

стр. 2194

"لَدُنْ" إلَّا مع "غُدْوَة"، يعني لا تقول: لَدُنْ زيدًا مالٌ"، أي: إنّ بعض الأشياء تختصّ بموضع لا تفارقه. ويحتمل أن يكونا "مِنْ" هنا التي للجرّ، ويحتمل أن تكون منتقصة من "ايْمُن"، فعلى هذا يكون الضمّ فيها أصلاً والكسرُ عارضًا. ومنهم من يحذف نونها إذا وقع بعدها لامُ التعريف، وحينئذ تختصّ باسم الله كالتاء، فيقولون: "مِ اللهِ "، و"مُ الله". قال الشاعر [من المسْرح]: أَبْلِغْ أَبَا دَختَنُوسَ مَأْلَكَةً ... غيرَ الذي قد يُقالُ مِ الكَذِبِ (١) فحذف نونَها لالتقاء الساكنين تشبيهًا بحروف اللين، فاعرفه. فصل [خصائص باء القَسَم] قال صاحب الكتاب: والباء لأصالتها تستبد عن غيرها بثلاثة أشياء: بالدخول على المضمر, كقولك: "به لأعبدنه", و"بك لأزورنَّ بيتك". وقال [من الوافر]: [ألا نادت أمامةُ باحتمالٍ ... لتحزنني] فلا بك ما أبالي (٢) وبظهور الفعل معها كقولك حلفت بالله، وبالحلف على الرجل على سبيل الاستعطاف كقولك بالله لما زرتني وبحياتك أخبرني وقال ابن هرمة [من الكامل]: ١٢٤٢ - بالله ربك إن دخلت فقل له ... هذا ابن هرمة واقفاً بالباب

стр. 2195

وقال [من الوافر]: ١٢٤٣ - بدينك هل ضممت إليك نعما ... [وهل قبَّلت قبل النوم فاها] * * * قال الشارح: قد تقدّم القول إِنّ الباء أصلُ حروف القسم، وغيرُها من الحروف إنّما هو محمول عليها , ولذلك تنفرد عنها بأمورِ. منها أنّها تدخل على المظهر والمضمر، وغيرها من الحروف إنّما يدخل على المظهر دون المضمر، تقول: "بالله لأفعلنّ"، و"بِكَ لأذهَبَنَّ"، فتدخل على المضمر كما تدخل على الظاهر، ولا تقول مثلَ ذلك في غيرها. لا يجوز "وَكَ لأفعلنّ" ولا "تَكَ"، كما قلت "بكَ لأفعلنّ". قال الشاعر [من الوافر]: رَأى بَرْقًا فأَوْضَعَ فَوْقَ بكرٍ ... فَلَا بِكَ ما أَسَالَ ولا أَغَاما (١) فأمّا قول الآخر، أنشده أبو زيد [من الوافر]: ألَا نادَت أمامَةُ باحْتِمالِ ... لتَحزُنَنِي فلا بِكِ ما أبالِي (٢) فالشاهد فيه أيضًا دخول باء القسم على المضمر، وهو الكاف.

стр. 2196

ومنها أنّها تُجامِع فعلَ القسم، فتقول: "أحلفُ بالله"، و"أُقْسِم بالله". ولا تفعل ذلك بغيرها ,لا تقول: "أحلف والله"، ولا: "أقسم تالله"، ونحو ذلك. والأمر الثالث أنك قد تحلف على إنسان، وذلك بأن تأتي بها للاستعطاف والتقرّب إلى المخاطب، فتقول: "بالله إلَّا فعلتَ"، ولا تقول: "واللهِ"، ولا: "تاللهِ"؛ لأنّ ذلك إنما يكون في القسم، وليس هذا بقسم. ألا ترى أنَّه لو كان قسمًا، لافتقر إلى مُقْسَم عليه، وأن يجاب بما يجاب به الأقسامُ. فالباء من قول ابن هرمة [من الكامل]: بالله ربّك ... إلخ متعلق بمحذوف، كأنّه قال: "أسألُك باللهِ". و"أَخْبِرْني بالله". وإنما حُذف لدلالة الحال عليه، أو لقوله: "فقُلْ له"، كما حُذف من "بسم الله": "أَبْتَدِئُ"؛ لأنّك إنّما تقول ذلك في كثير الأمر في الابتداءات، والمراد: أسالُك بقُدْرة الله. وذْكرُ القدرة حجّةٌ عليه، أي: افْعَل ما أَسْأَلُك؛ لأنك قادرٌ عليه، لا عُذرَ لك في المنع. فإن قلت فما تصنع بقوله [من الطويل]: ١٢٤٤ - أَيَا خَيرَ حَىٍّ في البَرِيَّةِ كلِّها ... أبالله هل لي في يَمِينِيَ مِن عَقْلِ فسمّاه قسمًا؛ لقوله: "هل لي في يميني من عقل؟ " فالجوابُ: التقدير: هل في يميني من عقل إن حلفتُ بأنّك خيرُ حي في البريّة؟ لا إنّه جعل هذا الكلام قسمًا. وكذلك قول الآخر [من الوافر]: بدِينِكَ هل ضممتَ إليك نُعْما ... وهل قَبَّلْتَ بعد النَّوْمِ فاها كأنّه قال: أسالُك بحقّ دينك أن تصدُقني وتعرّفني الحقيقةَ.

стр. 2197

فصل [حذف باء القسم وإضمارُها] قال صاحب الكتاب: وتحذف الباء, فينتصب المقسم به بالفعل المضمر. قال [من الطويل]: ١٢٤٥ - ألا رُبَّ من قلبي له الله ناصحٌ ... [ومن قلبه لي في الظباء السوانح] وقال [من الطويل]: فقلت يمين الله أبرح قاعدًا (١) وقال [من الوافر]: إذا ما الخبز تأدمه بلحمٍ ... فذاك أمانة الله الثريد (٢) وقد روي رفع "اليمين" و"الأمانة" على الإبتداء محذوفي الخبر. وتضمر كما تضمر اللام في "لاه أبوك". * * *

стр. 2198

قال الشارح: قد حذفوا حرف القسم كثيراً تخفيفًا، وذلك لقوّة الدلالة عليه. وإذا حذفوا حرف الجرّ، أعملوا الفعل في المقسم عليه، ونصبوه، قالوا: "الله لأفعلنّ" بالنصب، وذلك على قياس صحيح. وذلك أنّهم إذا عدّوا فعلاً قاصرًا إلى اسم، رفدوه بحرف الجرّ تقويةٌ له، فإذا حذفوا ذلك الحرف إمّا لضرورة الشعر، وإمّا لضرب من التخفيف، فإنّهم يوصلون ذلك الفعل إلى الاسم بنفسه كالأفعال المتعدّية، فينصبونه به، نحو قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (١)، وقولهم: "استغفرت الله ذنبًا"، ويقال: "كِلْتُه"، و"كِلْتُ له" و"وزنتُه"، و"وزنتُ له". يكون من ذلك قول الشاعر [من الوافر]: تَمُرّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا ... كَلامُكمُ عليّ إذًا حَرامُ (٢) وحكى أبو الحسن في غير الشعر: "مررتُ زيدًا"، فكذلك قالوا في القسم: "الله لأفعلنّ". ولا يكادون يحذفون هذا الحرف في القسم مع الفعل، ولا يقولون: "أحلفُ الله"، ولا "أقسمُ الله"، لكنّهم يحذفون الفعل والحرف جميعًا. والقياسُ يقتضي حذفَ الحرف أوّلاً، فأفضى الفعل إلى الاسم، فنَصَبَه، ثمّ حُذف الفعل توسُّعًا لكثرة دَوْر الأقسام. ومن ذلك قولهم: "يمينَ الله"، و"أَمانةَ الله"، والأصلُ: بيمين الله، وبأمانة الله، فحذف حرف الجرّ ونصب الاسم. وأنشد [من الطويل]: ألَا رُبَّ مَن قَلْبِي له اللهَ ناصِحٌ ... ومَن قَلْبُه لي في الظِّباء السَّوانِحِ البيت لذي الرمّة، والمعنى: ألا ربّ من قلبي له باللهِ ناصحٌ، أي: أحلفُ باللهِ، فحذف حرف الجرّ الذي هو الباء، فعمل الفعلُ، فنصب. والسانحُ من الظباء: ما أخذ عن يمين الرامي، فلم يُمْكِنه رَمْيُه حتى ينحرف له، فيتشاءم به. ومن العرب من يتيمّن به لأخذه في المَيامِن. وقد جعله ذو الرمّة مَشْؤُومًا لمخالفة قلبها وهَواها لقلبه وهواه، وأنشد [من الطويل]: فقلتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعِدًا ... ولو قَطَعوا رَأسِى لَدَيْكِ وأَوصالي (٣) البيت لامرئ القيس، والشاهد فيه نصب "يمين الله" بالفعل المضمر يصف أنّه طرق محبوبتَه، فخوّفتْه الرقباء وأمرتْه بالانصراف، فقال هذا الكلام. وأنشد [من الوافر]: إذا ما الخبز (٤) ... إلخ قالوا: هو مصنوع. ومعنى "تأدمه": تخلِطه. فهذا كلّه منصوبَ بإضمارِ "أحلفُ"، أو "أقسِمُ" ونحوه ممّا يُقْسَم به من الأفعال. وإن شئت أضمرت فعلاً متعدّيًا، نحو: "أَذكُرُ"، و"أشهَدُ" وشِبْهَهما. قال ابن السراج: لا

стр. 2199

يُضمَر إلّا فعلٌ متعدٍّ. والوجهُ الأوّل؛ لأنّك إذا أضمرت فعلاً متعدّيًا، لا يكون من هذا الباب. ويروى: "فقلت: يمينُ الله أبرح" بالرفع. وكذلك قوله: "فذاك أمانةُ الله الثريد" على الابتداء، ويُضْمَر الخبر، ويكون التقدير: يمينُ الله قسمي، أو ما أُقْسِم به. وكذلك "أمانةُ الله لازمةٌ لي"، فحذفوا الخبر كما حذفوه في "لعَمْرُ الله"، و"أَيْمُنُ الله". وقد شبّه حذفَ الخبر هنا بحذف حرف الجرّ في "لَاهِ أبوك". يريد أنّ الحذف في كل واحد منهما لا لعلّة، بل لضرب من التخفيف لكثرة استعماله. والصوابُ أن يُشبه حذفَ الخبر ها هنا بما قد حُذف الخبر فيه، نحو حذفه بعد "لَوْلَا" في قولهم: "لولا زيدٌ لكان كذا"، ويُشبِّه حذفَ حرف القسم بحذف اللام من "لاهِ أبوك"؛ لأن كلّ واحد منهما مُوصِلٌ وعاملُ الجرّ. واعلم أنّهم يقولون: "لاهِ أبوك ولاهِ ابنُ عمك" يريدون: لله أبوك ولله ابنُ عمّك. قال الشاعر [من البسيط]: لاهِ ابنُ عمّك لا أفضلتَ في حَسَب (١) فحُذفت لام الجرّ، ولام التعريف، وبقيت اللام الأصليّة. هذا رأيُ سيبويه (٢)، وأنكر ذلك أبو العبّاس المبرد، وكان يزعم أنّ المحذوف لام التعريف واللام الأصليّة، والباقية هي لام الجرّ. وإنما فُتحت؛ لئلّا ترجع الألفُ إلى الياء، مع أنّ أصل لام الجز الفتحُ. وربّما قالوا: "لَهْيَ أبوك"، فقلبوا اللام إلى موضع العين، وأسكنوا, لأنّ العين كانت ساكنة، وهي الألف، وبنوه على الفتح؛ لأنّهم حذفوا منه لام الجرّ ولام التعريف، وتضمّن معناهما، فبُني لذلك كما بُني "أمسِ" و"الآنَ"، وفُتح آخِره تخفيفًا لِما دخله من الحذف والتغيير. فصل [حذف واو القسم] قال صاحب الكتاب: وتحذف الواو ويعوض عنها حرف التنبيه في قولهم: "لا هالله ذا"، وهمزة الاستفهام في "أالله" وقطع همزة الوصل في "أفألله". وفي "لا هالله ذا" لغتان: حذف ألف "ها" وإثباتها. وفيه قولان: أحدهما قول الخليل (٣) إن "ذا" مقسم وتقديره: لا والله للأمر ذا، فحذف الأمر لكثرة الاستعمال، ولذلك لم يجز أن يقاس عليه فيقال "ها الله أخوك" على تقديرها: الله لهذا أخوك. والثاني وهو قول

стр. 2200

الأخفش: أنه من جملة القسم توكيدٌ له، كأنه قال ذا قسمي. قال: والدليل عليه أنهم يقولون "لاها الله ذا لقد كان كذا", فيجيئون بالمقسم عليه بعده. * * * قال الشارح: قد ذكرنا أنّه قد يحذف حرف القسم تخفيفًا لقوّة الدلالة عليه، وهو في ذلك على ضربَيْن: أحدهما أن يحذفوه ويُعمِلوا فعلَ القسم في المقسم له، فينصبوه، وقد تقدّم الكلام على ذلك. والضرب الآخر أن يحذفوا الجار، ويُبْقوا عمله، يعتدّون به محذوفًا كما يعتدّون به مُثْبَتًا. وذلك للتنبيه على إرادة المحذوف، فيقال: "اللهِ لأقومنّ". حكاه سيبويه (١) في الخبر لا الاستفهامِ، والمراد: واللهِ، وباللهِ. وقد قُرئ: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (٢)، فأخرج اسمَ الله من الإضافة وجعله قسمًا، وعليه يُحمل قوله تعالى في قراءة حمزة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٣) على إرادة الباء. وحكى أبو العبّاس أنّ رُؤْبَةَ قيل له: "كيف أصبحتَ؟ " فقال: "خيرٍ، عافاك اللهُ"، وهو شبيةٌ بحذف المضاف وإبقاء عمله، نحو قولهم: "ما كل سَوْداء تمرةً ولا بيضاءَ شَخمَةً" (٤). ونحوه قول الشاعر [من المتقارب]: أكُلَّ امْرِئٍ تَحسِبين امْرَءًا ... ونارِ تَوقَّد باللَّيْل نارا (٥) على إرادة: وكل نار. وهو في الجملة قبيحٌ؛ لأن الجارّ ممتزجٌ بالمجرور كالجُزْء منه. ولذلك قال سيبويه: لأنّ المجرور داخلٌ في المضاف إليه، فيقبح حذفُه لذلك. وقالوا "إي ها اللهِ"، والمراد: إي واللهِ، فحذفوا الواو، وعوّضوا منه هاء التنبيه. والدليلُ على ذلك أنّه لا يجوز اجتماعهما، فلا يقال: "إي ها والله"، ولا "إي ها بالله"؛ لأنّه لا يجتمع العوضُ والمعوَّضُ منه، وهو ها هنا أسهلُ منه فيما تقدّم؛ لوجود العوض عن المحذوف. فأمّا قولهم: "لا ها اللهِ ذا"، فـ "ها" للتنبيه، وهي عوضٌ من حرف الجرّ على ما ذكرنا، و"ذا" إشارةٌ. قال الخليل: وهو من جملة القسم به، كأنّه صفةٌ لاسم الله، والمعنى: لا والله الحاضر نظرًا إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٦)، وقوله تعالى:

стр. 2201

﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ (١)، والجوابُ محذوف، والتقدير: إنّ الأمر كذا وكذا، قال أبو العبّاس المبرّد: وأمّا "ذا"، فهو الشيء الذي يُقْسَم به، والتقدير: لا والله هذا ما أُقسِمُ به، فحُذف الخبر. وقال أبو الحسن: هو من جملة الجواب، وهو خبرُ مبتدأ محذوف، والتقدير: لا واللهِ الأمرُ ذا. ويجوز في ألفِ "ها" وجهان: أحدهما إثباتُ الألف وإن كان بعدها ساكنٌ، إذ كان مدغمًا فهو كـ"دابّةٍ" و"شابّةٍ" والوجه الثاني أن تحذف الألفَ حين وصلتَها وجعلتها عوضًا من الواو، كما فعلت ذلك في "هَلُمَّ"، فتقول: "هاللهِ". وبعضهم يحتجّ بأن "ها" على حرفَيْن، فكان تقديره تقدير المنفصل، كقولك: "يخشى الداعي"، و"يغزو الجَيْشُ"، فيحذف الألف والواو؛ لأن بعدهما المدغم، وهو منفصل من "ها". والمنفصلُ إذا حُذف منه حرف المدّ لالتقاء الساكنين، لم يقع به اختلالٌ، كما لو حذفتها من الكلمة الواحدة، إذ اجتماعُ الساكنين في الكلمة الواحدة يقع لازمًا، فيختلّ بناء الكلمة، وليس كذلك في الكلمتَيْن. وقالوا: "أاللهِ لتفعلنّ" , فجعلوا ألفَ الاستفهام عوضًا من حرف القسم, لأنّك لمّا احتجت إلى الاستفهام، وكان من شأن القسم أن يقع فيه العوضُ، جعلتَ ألف الاستفهام عوضًا، وكان ذلك أوجز من أن يأتوا بحرفَيْن: أحدهما ألفُ الاستفهام، والآخر المعوَّضُ. والذي يدلّ أنّها عوضٌ ما ذكرناه من أنّها مُعاقِبة لحرف القسم، فلا تُجامِعه. وقالوا أيضًا: "أَفأَللَّهِ لتفعلنّ"، فجعلوا الألف عوضًا، وتقطعها كما مددتَها في ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ (٢) لتفرق بين الأمريَنْ: الخبر والاستخبار، كذلك تفرق ها هنا بقطع الهمزة بين العوض وتَرْكه. فصل [الواو العاطفة بعد واو القسم] قال صاحب الكتاب: والواو الأولى في نحو: ﴿والليل إذا يغشى﴾ (٣) للقسم, وما بعدها للعطف, كما تقول: "بالله فالله وبحياتك ثم حياتك, لأفعلنَّ". * * * قال الشارح: أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٤) ,فإنّ الواو الأولى للقسم وما بعدها من الواوات فللعطف والجواب: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (٥) ولو كانت الواوات جُمَعُ هنا للقسم, لاحتاج كلُّ واحد إلى جواب؛ لأنها أقسامٌ منفصلةٌ لم

стр. 2202

يُشارِك أحدُها الآخر، فإن أضمرتَ وجعلتَ الظاهر جواب الذي يليه جاز. ولا يكون ذلك بالحسن، بل يتأويل ضعيف. والذي يدلّ أن الواو الثانية وما بعدها حروفُ عطف أنّها يقع موضعها غيرُ الواو من حروف العطف؛ نحو قولك: "واللهِ"، "فاللهِ"، "وواللهِ، ثُمَّ اللهِ، وبحياتك، ثمّ حياتِك". ويجوز أن يكون القسم بالباء والتاء، ويقع العطفُ عليه بالواو، والفاء، و"ثُمَّ"، كقولك: "تالله, والرحمنِ"، و"بالله، ثمّ اللهِ". فإن قلت: "والله لآتيَنَّكَ، ثمّ الله لأُكرِمَنَّكَ"، كنت بالخيار في الثاني إن شئت قطعتَ ونصبتَ على أنّه قسمٌ آخر مستأنَفٌ، ويكون عطفَ جملة على جملة؛ لأنّ الأوّل قد تم بجوابه. وإن شئت خفضته بالعطف على الأوّل، وجئت له بجواب آخر. فإن أخّرتَ القسم عن حرف العطف، لم يجز فيه إلا النصبُ، وامتنع الخفضُ، وذلك نحو قولك: "واللهِ لآتِينَّكَ ثمّ لأَشكُرَنَّكَ اللهِ"؛ لأنّ حرف العطف نائبٌ عن الخافض، وكان معه، ولا يجوز الفصل بين الخافض والمخفوض.

стр. 2203

ومن أصناف المشترك تخفيف الهمزة فصل قال صاحب الكتاب: تشترك فيه الأضراب الثلاثة (١) , ولا تخفف الهمزة إلا إذا تقدمها شيءٌ، فإن لم يتقدمها, نحو قولك ابتداء: "أب" "أم", "إبل" فالتحقيق ليس إلا. وفي تخفيفها ثلاثة أوجه: الإبدال، والحذف، وأن تجعل بينَ بين، أي: بين مخرجها وبين مخرج الحرف الذي منه حركتها. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الهمزة حرفٌ شديدٌ مستثقلٌ يخرج من أقصى الحلق، إذ كان أدخلَ الحروف في الحلق، فاستُثقل النطقُ به، إذ كان إخراجُه كالتهوع (٢)، فلذلك من الاستثقال ساغ فيها التخفيفُ، وهو لغةُ قريش، وأكثر أهل الحجاز. وهو نوعُ استحسان لثقل الهمزة. والتحقيقُ لغةُ تميم وقَيْس، قالوا: لأنّ الهمزة حرفٌ، فوجب الإتيانُ به كغيره من الحروف. وتخفيفُها كما ذُكر بالإبدال والحذفِ، وأن تجعل بين بين. فالإبدالُ بأن تزيل نَبْرَتَها، فتلين، فحينئذ تصير إلى الألف والواو والياء على حسب حركتها وحركةِ ما قبلها على ما سيوضَح بعدُ. ولذلك كان أبو العبّاس يُسْقِطها من حروف المُعْجَم، ولا يعُدّها معها، ويجعل أوّلها الباء، ويقول: الهمزة لا تثبت على صورة واحدة، ولا أعدُّها مع الحروف التي أشكالُها معروفةٌ محفوظةٌ. وأمّا الحذف، فأن تُسْقِطها من اللفظ ألبتّة. وأمّا جعلُها بين بين، أي: بين الهمزة والحرف الذي منه حركتُها. فهذا كانت مفتوحة، تجعلها بين الهمزة والألف، وإذا كانت مضمومة بين الهمزة والواو، وإذا كانت مكسورة بين الياء والهمزة، وسيوضَح ذلك بعدُ بأَكْشَفَ من هذا القول. وقوله: "ولا تخفّف الهمزة إلّا إذا تقدّمها شيء" يريد أنّها إذا وقعت أوّلاً، فإنّها لا

стр. 2204

تُخفَّف سواء كانت مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة، نحو: أَبَ، وأَحْمَد، وإبراهيم، وإبِل، وأُمّ، وأُتْرُجَّة. وذلك لضعفها بالتخفيف، وقُرْبها من الساكن. فكما لا يُبتدأ بساكن، كذلك لا يُبتدأ بما قرُب منه، وإنّما تُخفَّف الهمزة حيث يجوز أن يقع فيه الساكنُ، وذلك إذا كانت غير أوّل، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: ولا تخلو إما أن تقع ساكنة فيبدل منها الحرف الذي منه حركة ما قبلها كقولك "راسٌ" و"قرات" و"إلى الهداتنا" (١) , وبير وجيت والذيتمن (٢) ولوم وسوت ويقولوذن (٣). * * * قال الشارح: اعلم أنّ الهمزة والألف تتقاربان في المخرج، فالهمزة أدخلُ إلى الصدر، ثمّ تليها الألف. ولذلك إذا حرّكوا الألفَ، اعتمدوا بها على أقرب الحروف منها إلى أسفلَ، فقلبوها همزةً، فالهمزةُ نَبْرَةٌ شديدةٌ، والألفُ ليّنةٌ. فإذا سكنت الهمزةُ، وأُريد تخفيفها , دبرها حركةُ ما قبلها. فإن كان ما قبلها فتحةً صارت الهمزة ألفًا، وإن كان ضمّة صارت واوًا، وإن كان كسرة صارت ياءً؛ لأنّك، إذا خفّفتها فأنت تُزيل نبرتَها، وإذا زالت نبرتُها لانت وصارت إلى جنس الألف؛ لأنّها أقربُ الحروف إليها من فَوْق. وسوّغ ذلك الفتحةُ قبلها؛ لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا. وإذا انضّم ما قبلها صارت واوًا، وإذا انكسر ما قبلها صارت ياءً. كذلك الهمزةُ إذا ليّنتها صارت من جنس الألف لسكونها وقُرْبِها منها، وتبعت حركة ما قبلها، فصارت إليها. وذلك نحو قولك في "رَأْس": "رَاسٌ"، وفي "فَأْس": "فَاسٌ"، وفي "قَرَأتُ": "قَرَاتُ". تقلب الهمزة ألفًا للفتحة قبلها. وتقول في "جُؤْنَة": "جُونَةٌ"، وهي للعَطّار كالخَريطة من أَدَمِ، وفي "لُؤْم": "لُومٌ"، وفي "سُؤْتُ": "سُوتُ". وتقول في "ذِئْب": "ذِيبٌ"، وفي "بِئْر": "بِيرٌ"، وفي "جِئْتُ"، "جيتُ". وهو قياس مطّرد في كلّ ما كان بهذه الصفة، ولا تجعلها ها هنا بين بين لأنّها ساكنةٌ، ولا يتأتّى ذلك في الساكنة. ولا تحذفها أيضًا؛ لأنّه لا يبقى معك ما يدلّ عليها، وكان الإبدال أسهلَ، وحكمُ المنفصل في ذلك كحكم المتّصل. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إلَى الهُدَاتِنَا﴾ (٤)، و ﴿يَقُولُوذَنْ﴾ (٥)،

стр. 2205

و ﴿الَّذِيتُمِنَ﴾ (١)، والأصل: ﴿إلَى الهُدَى اَئْتِنَا﴾ (٢)، بهمزتَين الثانيةُ فاء الفعل ساكنةً، والأولى همزةُ الوصل جيء بها وصلة إلى النطق بالساكن. فلمّا اجتمع همزتان الأولى مكسورةٌ، والثانيةُ ساكنةٌ؛ قلبوا الثانية ياءً على حدّ "بِير"، و"جِيتُ"، إلّا أنّ البدل يقع ها هنا لازمًا لاجتماع الهمزتَيْن، وليس كذلك في "بير"، و"جيت". هذا إذا بدأت به من غير تقدُّم كلام. فلما تقدّم "الهدى"، سقطت همزة الوصل للدرج؛ لأنّ هذه الهمزة لا تثبت في الوصل لزوال الحاجة إليها، وإمكانِ النطق بالساكن حين اتّصل بما قبلها. فلمّا سقطت الهمزة الأولى، عادت الياء همزةً ساكنةً على ما كانت عليه؛ لزوال سبب انقلابها، ثمّ اجتمعت مع ألف "الهدى"، فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار اللفظ "الهُدَأْتِنَا" بهمزة ساكنة بعد الدال المفتوحة. فإذا خُفّفت الهمزة حينئذ، تُقْلَب الهمزة ألفًا على حد "راس" و"فاس"، وصار اللفظ "الهُدَاتِنَا" بألف ليّنة بعد الدال. وتكون هذه الألف بدلاً من الهمزة التي هي فاء الفعل، وليست التي هي لام "الهدى". وكذلك ﴿يَقُولُوذَنْ﴾، و ﴿الَّذِيتُمِنَ﴾ فالعملُ فيهما واحد أن قلبت الهمزة في ﴿يَقُولُ ائْذَنْ﴾ واوًا لانضمامِ ما قبلها، وفي ﴿الَّذِى اؤْتُمِنَ﴾ ياءً لانكسار ما قبلها , فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وإما أن تقع متحركة ساكناً ما قبلها، فينظر إلى الساكن: فإن كان حرف لين نظر: فإن كان ياء أو واواً مدتين زائدتين أو ما يشبه المدة كياء التصغير قلبت إليه وأدغم فيها كقولك: خطية ومقروة وأفيس. وقد التزم ذلك في نبي وبريه. * * * قال الشارح: متى كانت الهمزة متحرّكة، فلا يخلو ما قبلها من أن يكون ساكنًا، أو متحرّكًا. فإن سكن، فلا يخلو من أن يكون صحيحًا، أو حرفًا من حروف المدَّ واللين. فإن كان من حروف المدّ واللين، نُظر: فإن كان ياءً أو واوًا، فإنّ تخفيفها على وجهين: أحدهما أن تقلب الهمزةَ من جنس الواو إن كان قبلها واوٌ، ومن جنس الياء إن كان قبلها ياءٌ، وتَدّغِم فيها ما قبلها. والوجه الآخر أن تُلقِي حركتها على ما قبلها من الواو والياء، وتحذفها كسائر الحروف. فأمّا الواو والياء اللتان تُبْدَل الهمزة بعدهما من جنسهما، وتدّغمان، فإذا كانتا ساكنتْين مزيدتَيْن غيرَ طَرَفَيْن، وقبلهما حركةٌ من جنسهما، وذلك نحو قولك في "خَطِيئة": "خَطيَّةٌ"، وفي "النَّبِيء": "النَّبِيُّ" وفي "مَقْرُوءَة": "مَقْرُؤَّةٌ"، وفي "أَزْدُ شَنُوءَةَ": "شَنُوَّة". وإنّما كان كذلك؛ لأنّه لا يُقدَر على إلقاء حركة الهمزة عليهما؛ لأنّ الواو والياء هنا مزيدتان للمدّ، فأشبهتا الألفَ لسكونهما وكون حركةِ ما قبلهما من

стр. 2206

جنسهما، وأنّهما شريكتان في المدّ، فكرهوا الحركة فيهما لذلك، ولأنّ تحريكهما يُخِلّ بالمقصود بهما؛ لأن تحريك حرف المدّ يصرفه عن المدّ. ولم تجعل الهمزة هنا بين بين؛ لأنّ في ذلك تقريبًا لها من الساكن، وقبلها ساكنٌ، فكانت الواو والياء تُدّغمان، ويُدّغم فيهما، فصارتا إلى ذلك؛ لأنّه أخفُّ. وياء التصغير تجرى مجرى هذه الياء إذا كان بعدها همزةٌ، وإن كان ما قبلها مفتوحًا، كقولك في "أُفَيْئِس": "أُفَيِّسٌ" تصغيرُ "أَفْؤُسٍ"، وأَفْؤُسٌ: جمعُ فأسٍ جمعَ قلّةٍ. وكذلك قولك في "سُوَيْئل": "سُوَيِّلٌ" تصغيرُ "سائلٍ"؛ لأنّ ياء التصغير لا تكون إلا ساكنة إذ كانت رسيلةَ ألف التكسير, لأنّ موقعها من المصغر كموقع الألف من المجموع، كقولنا: "دِرْهَمٌ"، و"دَراهِم". وقوله: "قد التزم ذلك في نَبِيّ وبَرِيَّة"، يريد تَركَ الهمزة وقَلْبَها إلى ما قبلها وادّغامَها على حدّ "خَطِيَّةٍ"، إلّا إنّه في "نبيّ" و"بريّة" لازمٌ لكثرة الاستعمال بحيث صار الأصل مهجورًا، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وإن كان ألفاً جعلت بين بين كقولك: سأل وتساؤل وقائل. * * * قال الشارح: وإذا كان قبل الهمزة ألفٌ، وأريد تخفيفُها، فحكمُها أن تجعل بين بين. إن كانت مفتوحة جعلتها بين الهمزة والألفُ, وإن كانت مضمومة جعلتها بين الهمزة والواو، نحو: "تساؤُلٌ"، وإن كانت مكسورة جعلتها بين الهمزة والياء؛ نحو: "قايلٍ". وذلك لأنّه لا يمكن إلقاء حركتها على الألفُ إذا الألفُ لا تتحرّك، ولو قلبتَ الهمزة ألفًا، وأخذتَ تدّغم فيها الألفَ على حدّ "مقرؤة"، لاستحال ذلك، إذ الألفُ لا تُدّغم، ولا يُدّغم فيها، وكان في جعلها بين بين ملاحَظةٌ لأمر الهمزة إذ فيها بقيّةٌ منها، وتخفيفُها بتليينها وتسهيل نَبْرتها. فإن قيل: فهلا امتنع جعلُها بين بين لسكون الألف وقُرْبها من الساكن، قيل: الذي سهّل ذلك أمران: أحدهما خفاء الألف، فكأنّه ليس قبلها شيءٌ، والآخر زيادةُ المدّ في الألف قام مقامَ الحركة فيها كالمدّغم فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وإن كان حرفاً صحيحاً أو واواً أو ياء أصليتين أو مزيدتين لمعنى, ألقيت عليه حركتها وحذفت كقولك: مسلةٌ والخب ومن بوك ومن بلك وجيل وحوبة وأبويُّوب وذو مرهم واتبعي مره وقاضوبيك. * * * قال الشارح: إذا كان قبل الهمزة المتحرّكة حرفٌ صحيحٌ ساكنٌ، نحو: يَسْأَلُ، ويَجْأر والمَسأَلَةُ، والخَبْءُ، والكَمأَةُ، والمَرْأَةُ، والمِرْآةُ، فالطريق في تخفيفها أن تُلْقِي

стр. 2207

حركتَها على ما قبلها وتحذفها. وتقول في "مسأَلَة": "مَسَلَةٌ"، وفي "الخَبْء": "الخَبُ"، وفي "الكَمْأَة": "الكَمَةُ"، وفي "المَرْأَة": "المَرَةُ"، وفي "المِرْآة": "المِرَاةُ". وذلك أنّ الحذف أبلغ في التخفيف، وقد بقي من أعراضها ما يدلّ عليها، وهو حركتُها المنقولةُ إلى الساكن قبلها. ولم يجعلوها بين بين؛ لأنّ في ذلك تقريبًا لها من الساكن، فكرهوا الجمعَ بين ساكنَيْن، كيف والكوفيون يزعمون أنّها ساكنة ألبتّة (١)، وهي عندنا، وإن كانت في حكم المتحرّكة، فهي ضعيفةٌ يُنْحَى بها نَحْوَ الساكن، ولذلك لا تقع همزةُ بين بين في أوّل الكلام، ولا تقع إلّا حيث يجوز وقوعُ الساكن غيرُ الألف. ولم يقلبوها حرفًا ليّنًا لأنّ قبلها ساكنًا، فكان يلتقي ساكنان. قال سيبويه (٢): ولم يُبْدِلوا؛ لأنّهم كرهوا أن يُدْخِلوها في بنات الياء والواو اللتَيْن هما لامان. ومن ذلك قولهم في المنفصل: "مَنَ بُوكَ". وذلك أنّهم ألقوا حركة الهمزة التي هي الفتحة على النون، ثمّ حذفوها تخفيفًا لدلالة الحركة عليها. وقالوا: "مَنُ مُّكَ" في "مَنْ أمُّكَ". وقالوا: "مِنِ بِلِكَ" في "مِنْ إبِلِكَ"، فنقلوا كسرة الهمزة إلى النون، ثمّ حذفوها. وكذلك لو كانت الياء والواو مزيدتَيْن لمعنى، كان حكمهما في ذلك حكمَ الصحيح، فيجوز إلقاء حركة الهمزة عليهما حينئذ، نحو قولك في "هذا أبُو إسْحاق": "أبُوِ سْحاقَ"، وفي "مررت بأبِي إسْحاق": "أبِي سْحاقَ"، فتُلْقِي حركةَ الهمزة على الواو المضمومِ ما قبلها، وعلى الياء المكسور ما قبلهَا, لأنهما أصلٌ، ولم تمتنعا من الحركة. ومثله قولك في "قَاضِي أَبِيكَ": "قاضِيَ بِيكَ"، وفي "ذُو أَمْرِهِمْ": "ذُوَ مْرِهِمْ". وكذلك تقول في "يَغزُو أُمَّه": "يَغزُوُ مَّهُ". وكذلك لو كانتا للإلحاق، فإنّهما تجريان مجرى الأصليّة، فيسوغ نقلُ حركة الهمزة إليهما، نحو قولك في "الحَوْأَب" و"الحَوْأَبَةِ": "الحَوَبُ"، و"الحَوَبَةُ". والحَوْأَبُ: المكان الواسع، وواوُه زائدة للإلحاق بجَعْفَرٍ. وكذلك الواو إذا كانت مزيدة لمعنًى، نحو واو الجمع، كقولك: "اتَّبِعُوَ مرَهُ"، و"قَاضُوَبِيكَ" في "اتبِعُوا أَمْرَه"، و"قاضُو أبيك"، حيث كانت لمعنى الجمع والاسميّة صارت بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، نحو واوِ "يَدْعُو". وكذلك تقول: "اتَّبِعِيَ مْرَهُ" في "اتَّبِعِي أَمْرَهُ". وتُشبَّه بياءِ "يَرْمِي"، وما هو من نفس الكلمة، إذ لم تكن مزيدة للمدّ كواو "مَقرُوءة"، فلم تمتنع من الحركة. * * *

стр. 2208

قال صاحب الكتاب: وقد التزم ذلك في باب "يري" و"أري يرى"، ومنهم من يقول: "المراة" و"الكماة" فيقلبها ألفاً وليس بمطرد، وقد رآه الكوفيون مطرداً. * * * قال الشارح: أمّا "يَرى" و"يُري" و"أَرى"، فإنّ الأصل: "يَرْأى" و"يُرْئِي" و"أَرْأى"؛ لأنّ الماضي منه "رَأى"، والمضارع "يَرْأى" بالفتح لمكان حرف الحلق، وإنّما حذفوا الهمزة التي هي عين الفعل في المضارع، ويحتمل ذلك أمرَيْن: أحدهما: أن تكون حُذْفت لكثرة الاستعمال تخفيفًا، وذلك أنّه إذا قيل: "أَرْأى"، اجتمع همزتان بينهما ساكنٌ، والساكنُ حاجزٌ غيرُ حصين، فكأنّهما قد تَوالتا، فحُذفت الثانية على حدّ حذفها في "أُكْرِمُ"، ثمّ أُتْبع سائرَ الباب، وفُتحت الراء لمجاوَرة الألف التي هي لامُ الكلمة، وغلب كثرةُ الاستعمال هاهنا الأصلَ حتّى هُجر ورُفض. والثاني: أن يكون حذفُ الهمزة للتخفيف القياسيّ بأن أُلقيت حركتها على الراء قبلها، ثمّ حُذفت على حد قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الخَبَ﴾ (١)، و ﴿قَدَ فْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، فصار "يرى" و"يُرِي" و"أَرى"، ولزم هذا التخفيفُ والحذفُ لكثرة الاستعمال على ما تقدّم. وإلى هذا الوجه يُشير صاحب الكتاب، وهو أوجهُ عندي لقُرْبه من القياس، وقد ذكره ابنُ جِنِّي مع التخفيف غير القياسيّ؛ لأنّ التخفيف لزم على غير قياس حتى هُجر الأصل، وصار استعمالُه والرجوعُ إليه كالضرورة، نحو قوله [من الوافر]: ١٢٤٦ - أُرِي عَيْنَىَّ ما لم تَرْأَيَاهُ ... [كِلانا عَالِمٌ بالتُّرَّهاتِ]

стр. 2209

وقد رُوي: تَرَيَاهُ، بالتخفيف عن أبي الحسن. وقال الآخر [من البسيط]: ١٢٤٧ - ثمَّ اسْتَمرَّ بها شَيْحَانُ مبتجِحٌ ... بالبَيْنِ عَنْكَ بِمَا يَرْآك شَنْآنا وهو قليلٌ. وأمّا "المَرَاةُ" و"الكَمَاةُ" بألف خالصة، حكى ذلك سيبويه عن العرب، قال: وذلك قليل (١)، فإنّهم أبدلوا من الهمزة المفتوحة ألفًا، ثمّ فُتح ما قبل الألف؛ لأنّ الألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحًا. وهو عند سيبويه شاذّ, لأنّ طريق تخفيف هذه الهمزة بإلقاء حركتها على ما قبلها، وحذفِها على ما بيّنّاه. وكان الكسائي والفراء يَطْرُدان ويَقيسان عليه. وطريقُ قَلْب هذه الهمزة ألفاً أن الميم والراء في "الكمأة" و"المرأة" لمّا جاورتا الهمزةَ المفتوحة، وكانتا ساكنتين، صارت الفتحتان اللتان في الهمزتَيْن كأنّهما في الراء

стр. 2210

والميم، فصارت الراء والميم كأنّهما مفتوحتان، والهمزتان كأنهما ساكنتان لمّا قُدّر حركتُهما في غيرهما، فصار التقدير: "المَرَأة" و"الكَمَأْة"، بفتح الراء والميم وسكون الهمزة، فأُبدلت الهمزتان ألفين لسكونهما وانفتاح ما قبلهما على حدّ القلب في "رأس"، و"فأس" إذا أريد التخفيف. وعليه قوله [من الطويل]: كَأَنْ لم تَرَى قبْلِي أَسِيرًا يَمانِيَا (١) أراد: تَزءَى، فجاء به مخفّفًا. ثُمّ إن الراء لمّا جاورتْ وهي ساكنةٌ الهمزةَ متحرّكةً، صارت الحركةُ كأنها في التقدير قبل الهمزة؛ فقُلبت ألفًا لذلك، فالألفُ عينُ الفعل، واللامُ محذوفة للجزم على مذهب التحقيق، ويجوز أن يكون الأصل "المَرْأَة" و"الكَمْأَة"، ثمّ نُقل حركة الهمزة إلى الساكنْ قبلها فتَحرّك، وبقيت الهمزة ساكنةً، فقلبوا الهمزة ألفًا على "راسٍ"، و"فاسٍ"، فقيل: "المَراة"، و"الكَماة"، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: وإما أن تقع متحركة متحركاً ما قبلها فتجعل بين بين كقولك: سأل ولؤم وسئل، إلا إذا انفتحت وانكسر ما قبلها أو انضم فقلبت ياء أو واواً محضة كقولك "ميرٌ" و"جونٌ". والأخفش يقلب المضمومة المكسورة ما قبلها ياء أيضاً فيقول يستهزيون، وقد تبدل منها حروف اللين فيقال منساة ومنه قول الفرزدق [من الكامل]: [راحت بمسلمة البغال عشيةً] ... فارعي فزارة لا هناك المرتع (٢) وقال حسان [من البسيط]: سالت هذيل رسول الله فاحشة ... [ضلت هذيل بما سالت ولم تصب] (٣) وقال ابنه عبد الرحمن [من الوافر]: ١٢٤٨ - [وكنت أذلَّ من وتدٍ بقاعٍ] ... يشجج رأسه بالفهر واجي
следующие страницы →