"ذات مرّةٍ"، و"بُعَيْداتِ بَيْنٍ"، فلم يقع موقعَ الأسماء، واختير نصبُها على الظرف إلا أن يتقدّمها موصوفٌ، فحينئذٍ تقول: "سير عليه زمنٌ طويلٌ"، و"سير عليه وقتٌ حديثٌ". ويؤيِّد عندك ضُعْفَ الصفة أنّه لا يحسُن أن تقول: "أتيتُك بجَيدٍ"، وأنت تريد: "بدرهمٍ جيِّدٍ". وتقول: "أتيتُك به جيّدًا"، لما لم تَقْوَ الصفةُ إلّا أن يتقدّم الموصوفُ، جعلوه حالًا.
واعلم اْنّ جميع الأفعال يتعدّى إلى كل ضرب من الأزمنة مُبْهَمًا كان أو مُخْتَصًّا، كما يتعدّى إلى كلّ ضرب من ضروب المصادر، لأنّ دلالته عليهما واحدةٌ، وهي دلالةُ مطابقة، ودلالتُه على كلّ واحد منهما تضمُّنٌ, لأنّ الأفعال صِيغت من المصادر بأقسامِ الزمان، فلمّا استويا في دلالة الفعل عليهما، استويا في تعدّيه إليهما، فتقول: "قمتُ اليومَ"، و"قمت يومًا"، كما تقول: "ضربت ضربًا"، و"ضربت الضربَ الذي تَعْلَمُ".
وأمّا المكان، فكل ما تُصرّف عليه، واستُقرّ فيه من أسماء الأرضين، وهي على ضربَيْن: مُبْهَمٌ، ومُختَصٌّ. فالمبهمُ ما لم يكن له نِهايةٌ، ولا أقطارٌ تحصره، نحو: الجهات الستّ، كخَلْفٍ، وقُدّام، وفَوْقٍ، وتَحْتٍ، ويَمْنَةٍ، ويَسْرَةٍ، ووَراءٍ، ومكانٍ، ونحو ذلك. والمختصُّ ما كان له حَدٌّ، ونِهايةٌ، نحو: الدار، والمَسْجِد، والجامع، والسوق، ونحو ذلك. وليست الأمكنةُ كالأزمنة التي يُعمَل فيها كل فعل، فتُنصبَ نصبَ الظروف، وذلك لأنّ الفعل يدلّ على زمان مخصوص، إمّا ماضٍ، وإمّا حاضرٍ، وإمّا مستقبَلٍ. وإذا دلّ على الخاصّ كان دالآ على المبهم العامّ، لأنّ الخاصّ يدلّ على العامّ وزيادة، إذ العامُّ داخل في الخاص، فكلُّ يوم جُمْعَةٍ زمانٌ، وليس كلُّ زمان يوم جمعة.
والفعلُ إنّما يتعدّى بما فيه من الدلالة، فلذلك يتعدّى كل فعل إلى كل زمان مبهمًا كان أو مختصًا، وليست الأمكنةُ كذلك، لأنّ دلالة الفعل على المكان ليست لفظيّةً، وإنّما هي التزامُ ضرورة أنّ الحَدَثَ لا يكون إلّا في مكان، ولا يدل على أن ذلك المكان الجامعُ، أو مَكةُ، أو السوقُ، ولذلك يتعدّى إلى ما كان مبهمًا منه لدلالته عليه. تقول: "جلستُ مجلِسًا، ومكانًا حسنًا"، و "وقفتُ قُدّامَك، ووَراءك"، فتنصب ذلك كلَّه على الظرف. فإن قيل: فأنت تزعم أنّ الفعل يعمل بحَسْبِ دلالته، وليس في الفعل دلالةٌ على مكان حسن، ولا على قُدّامِ زيد، ولا على وَرائه، فالجوابُ أنّ الفعل غيرَ المتعدّي إنّما يتعدّى إلى المكان المبهمَ. وقد ذكرنا أنّ المبهم ما ليس له نِهايةٌ ولا أقطارٌ تحصُره. وأنت إذا قلت: "قمتُ مكانًا حسنًا"، لم ينحصر بالنهاية والحدودِ. وكذلك إذا قلت: "قمت خَلْفَ زيد"، لم يكن لذلك الخلف نهايةٌ تَقِفُ عليها. وكذلك إذا قلت: "قُدّامَ زيد" لم يكن لذلك حَدٌّ ينتهي إليه، فكان مبهمًا من هذه الجهة، فانتصب على الظرف بلا خلاف. وقال أبو العباس: إذا قلتَ: "جلستُ مكانًا حسنًا"، و"قمت خلفَ زيد"، فالفعلُ إنّما تعدى إلى مكان مبهم، وإنّما نَعَتَّهُ بعد أن عمل فيه الفعلُ. وكذلك "جلست خلفَك"، و"وراءَك" لأن "خلفًا" لا ينفكّ منه شيءٌ أن يكون خلفَ واحد، وإنّما أضافه بعد أن كان
стр. 422
مُطْلقًا وعمِل فيه الفعلُ، فإن كان المكانُ مخصوصًا، لم يتعدّ إليه إلّا كما يتعدّى إلى "زيد" و"عمرو". فكما أنّ الفعل اللازم لا يتعدّى إلى مفعول يه إلّا بحرف جرّ، كذلك لا يتعدّى إلى ظرفٍ من الأمكنة مخصوصٍ إلّا بحرف جرّ، نحو و"قفتُ في الدار"، و"قمتُ في المسجد"، و"جلستُ في مكة"، لأنّ الفعل لا يدلّ على أنّه في الدار. والمسجد أو مكّة، فلم يجز أن يتعدّى إليه بنفسه. فأمّا قولهم: "دخلتُ البيتَ"، و"ذهبتُ الشّامَ" فهو شاذٌّ، وجوازه على إرادة حرف الجرّ نحو قوله [من البسيط]:
٢٥٣ - أمرتُك الخْيْرَ فافَعَلْ ما أُمِرْتَ به ... [فقَدْ تركْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ]
والمراد: أمرتُك بالخير، إلّا أن "دَخَلْتُ" مختلَفٌ في كونه متعدّيًا بنفسه أو غيرَ متعدّ، فقال قَوْمٌ هو غيرُ متعدّ لأُمور، منها أنّ مصدره على "فُعُولٍ" نحو"الدُّخول". و"فُعُولٌ" غالبٌ في الأفعال غير المتعدّية، نحو: "الخُروج"، و"القُعود"، ولأن نظيره
стр. 423
ونقيضَه كذلك، فنظير "دخلتُ": "عَبَرْتُ"، ونقيضُه "خرجت"، وكِلاهما لازمٌ غيرُ متعدّ، فحُكم عليه باللُّزوم، لذلك قالوا: وإنّما قيل: "دخلت البيت" على تقدير حرف الجرّ، ثمّ حذف لكثرة الاستعمال. وقال أبو العباس: هو من الأفعال التي تتعدّى تارةً بأنفسها، وتارةً بحرف الجرّ، نحو: "نصحتُ زيدًا"، و"نصحت لزيد"، و"شكرتُه"، و"شكرت له". فكذلك قلتَ: "دخلتُ الدارَ"، و"دَخَلْتُ فيها" وهو الصواب، لأنّه لو كان على تقدير حرف الجرّ لاختصّ مكانًا واحدًا كثُر استعمالُه فيه، كما كان "ذهبتُ" مقصورةً على الشام، فلمّا كان "دخلت" شائعًا في سائر الأمكِنة، دلّ على صحةِ مذهبِ أبي العبّاس، وأمّا "ذهبت" فمتّفَقٌ على كونه غيرَ متعدّ بنفسه، وقد حُذف منه حرفُ الجرّ.
واعلم أنّ ظرف المكان على ضربَيْن أيضًا: متصرِّفٌ، وغيرُ متصرّف، فالمتصرّفُ
منه ما جاز رفعُه وخفضُه، ودخلته الألفُ واللام، نحو: خَلْفٍ، وقُدّامٍ، وفَوْقٍ، وتَحْتٍ، ومكانٍ، وموضع، فهذه كلُّها متصرّفةٌ. تقول: "قدّامُك فضاءٌ"، و"خَلْفُك واسعٌ"، قال الشاعر [من الكامل]:
٢٥٤ - فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْن تَحْسَبُ أنّه ... مَوْلَى المَخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها
стр. 424
فرفع "خَلْفُها"، و"أمامُها" لأنّه بَدَلٌ من مولى المخافة. وغيرُ المتصرّف نحو:
"عِنْدَ"، و"سِوَى" إذا كان بمعنى "غَيْرَ"، فهذه لا تدخلها لامُ المعرفة، ولا يجوز
رفعُها، فأمّا "عِنْدَ" فلا يدخلها من حروف الجرّ سوى "مِنْ" وحدها، وذلك لكثرة دَوْرِ
"مِنْ"، وسَعَةِ مواضعها، وعُمومِ تصرُّفها. فتقول: "جئتُ من عِنْدِه"، ولا تقول "جئتُ إلى عنده" لعَدَمِ تصرُّفِ "إلى". وأمّا "سِوَى" فلا يجوز فيها إلّا النصبُ على الظرف، والذي يدلّ على أنّها ظرفٌ أنّها تقع صلةً للموصول، فتقول: "جاءني مَنْ سِواك"، ولا يحسن: "جاءني من غيرك"، وأيضًا فإنّ العامل قد يتخطّاها ويعمل فيما بعدها، نحو قوله [من مجزوء الكامل]:
٢٥٥ - [وابذلْ سوامَ المال] إنْـ ... نَ سِواءَها دُهْمًا وجُونا
وهذا المعنى لا يكون إلّا في الظرف، وقد دخلها حرفُ الجرُ شاذًّا. قال [من الطويل]:
٢٥٦ - [تجانَفُ عن جَوِّ اليمامةِ ناقتي] ... وما قَصَدْت من أَهْلِها لسوائكَا
стр. 425
كأنّه حملها للضرورة على "غَيْرٍ"، ومعناها المكانُ، فاعرفه.
فصل [مجيء الظرف مصدرًا]
قال صاحب الكتاب: "وقد يجعل المصدر حيناً لسعة الكلام, فيقال: "كان ذلك مقدم الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلان، وصلاة العصر", ومنه "سير عليه ترويحتين"، و"انتظر به نحر جزورين"، وقوله تعالى: ﴿وإدبار النجوم﴾ (١).
* * *
قال الشارح: اعلم أنّهم قد جعلوا المصادر أحيانًا أوقاتًا توسُّعًا، وذلك نحو: "خُفوقَ النجم"، بمعنى مَغِيبه، و"خلافةَ فلان"، و"صلاة العصر". فالخلافةُ، والصلاةُ مصدران في الحقيقة، جُعلا حينًا توسُّعًا وإيجازًا. فالتوسُّعُ بجَعْلِ المصدر حينًا، وليس من أسماء الزمان، والإيجازُ الاختصارُ بحذفِ المضاف، إذ التقدير في قولك: "فعلتُه خُفوقَ النجم، وصلاة العصر": وقتَ خفوق النجم، ووقتَ صلاة العصر، فحُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامَه، واختصّ هذا التوسّعُ بالأحداث، لأنّها منقضِيةٌ كالأزمنة، وليست ثابتةً كالأعيان. فجاز جعلُ وُجودها وانقضائها أوقاتًا للأفعال، وظروفًا لها كأسماء الزمان. قال سيبويه (٢): وليس ذلك بأبْعَدَ من قولهم: "وُلد له سِتّون عامًا". يعني أنّ حذفَ الوقت من "مقدم الحاجّ" و"خفوق النجم"، وإقامةَ المضاف إليه مقامَه ليس بأبعد من قولهم: "وُلد له سِتّون عامًا"، إذ التقديرُ: وُلد له الأوْلادُ في ستّين عامًا، فحُذفت "الأولاد"، و"في"، فالمحذوفُ شيئان. والمحذوفُ في قولك: "خفوق النجم" شيءٌ واحدٌ، وهو زمانٌ أو وَقْتٌ، إلّا أنّ الصيغة تقتضي في "وُلد له ستّون عامًا" أن يكون التقدير: وُلد له أولادُ ستّين عامًا، ثمّ حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، وجُعل "الأولاد" للأَعْوام مجازًا، إذ كانت فيها، كما يقال: "لَيْلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ" لأنّ النَّوْمَ في الليل، والصَّوْم في النهار.
ومن ذلك: "سِيَر عليه تَرْوِيحتَيْن"، و"انْتُظر به نَحْرَ جَزُورَيْن"، يريد زَمَنَ
стр. 426
ترويحتَيْن، و"زمنَ نحرِ جزوَرْين"، والمرادُ مُدَّةَ هذا الزمنِ. و"الترويحتين": تثنيةُ "الترويحة" واحدة التراوِيح في الصلاة. يقال: "صلى ترويحتَيْن"، و"صلّى خَمْسَ ترويحاتٍ"، وهي أزمنةٌ مُوَقَّتةٌ تقع في جوابِ "مَتَى" من حيثُ هي موقَّتة، فيقال: "متى سِيَر عليه"؟ فيقال: "خفوقَ النجم، ومقدم الحاجّ، وصلاة العصر". وتقع في جواب "كَمْ" من حيث كانت مُدَّة معلومةً، فإذا قيل كم سير عليه"؟ جاز أن يكون جوابه: مقدمُ الحاجّ، وخلافةُ فلان، إن شئت رفعتَه بفعل ما لم يسمَّ فاعله، وإن شئت نصبته على الظرف. كلُّ ذلك عربىٌّ جيّدٌ، وقد تقدّم علّةُ ذلك.
فأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (١) قُرىء بكسر الهمزة وفتحِها (٢)، فمن كسر كانت مصدرًا، جُعل حينًا توسُّعًا، فهو من باب "خفوق النجم"، و"مقدمَ الحاجّ"، ومَن فتح الهمزة كان جمعَ "دُبْرٍ" على حدّ "قُفلٍ"، و"أقْفالٍ"، أو"دُبُرٍ" على حدّ "طُنُبٍ"، و"أَطْنابٍ"، وقد استُعمل ذلك ظرفًا، كقولك: "جئتُك في دُبْرِ كل صلاةٍ، وفي أدْبارِ الصلوات". قال الشاعر [من الطويل]:
٢٥٧ - على دُبُرِ الشَّهْرِ الحَرَامِ بأَرْضِنَا ... وما حَوْلَها جَدَّتْ سِنُونَ تُلَمِّعُ
فقراءةُ مَن كسر الهمزةَ أدْخلُ في الظرفيّة من قراءةِ مَن فتح. ولذلك يَقِلّ ظهورُ "في" مع المكسورة بخِلافِ مَن فتح.
فصل [خروج الظرف عن الظرفية]
قال صاحب الكتاب: "وقد يذهب بالظرف عن أن يقدر فيه معنى "في" اتساعاً،
стр. 427
فيجرى لذلك مجرى المفعول به، فيقال: "الذي سرته يوم الجمعة", وقال [من الطويل]:
٢٥٨ - ويومٍ شهدناه سليماً وعامراً ... [قليلٍ سوى الطعن النهال نوافله]
ويضاف إليه كقولك [من الرجز]:
٢٥٩ - يا سارق الليلة أهل الدار
وقوله تعالى: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ (١). ولولا الإتساع, لقيل: سرت فيه وشهدنا فيه".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إنَّ الظرف ما كان منتصِبًا على تقديرِ "في"، وذلك لأنّ
стр. 428
الظرفية معنّى زائدٌ على الاسم، فعُلم أنّ ثمَّ حرفًا أفادَه، وليس ثمَّ حرفٌ هذا معناه سوى "في"، فلذلك قيل: إنّها مقدَّرةٌ مرادةٌ. فإذا قلت: "صُمْتُ اليومَ"، و"جلستُ خَلْفَك"، جاز أن يكون انتصابُه على الظرف على تقدير "في"، وجاز أن يكون مفعولًا على السِّعَة. فإذا جعلتَه ظرفًا على تقديرِ "صُمْتُ في اليوم"، و"جلستُ في خَلْفِك"، فتقديرُ وصول الفعل إلى الاسم بتوسُّط الحرف الذي هو "في"، فأنت تَنْوِيها وإن لم تلفظ بها. وإذا جعلته مفعولًا به على السعة، فأنت غيرُ ناوٍ لـ "في"، بل تقدِّر الفعلَ وقع باليوم، كما يقع "ضربتُ" بـ "زيد"، إذا قلت: "ضربت زيدًا" وهو مجازٌ, لأنّ الصوم لا يُؤثّر في اليوم كما يؤثّر الضربُ في زيد. فاللفظُ على "ضربتُ زيدًا" والمعنى إنّما هو "في اليوم"، و"في خَلْفك". ولا يخرج عن معنى الظرفيّة، ولذلك يتعدّى إليه الفعلُ اللازمُ، نحو: "قام زيدٌ اليومَ"، والمُنْتَهِي في التعدّي، نحو: "ضربتُ زيدًا اليومَ"، و"أعطيتُ زيدًا درهمًا الساعة". ألا ترى أنّ "ضربتُ" إنما يتعدّى إلى مفعول واحد، و"أعطيتُ" يتعدّى إلى مفعولَيْن لا غيرُ، فلولا بقاء معنى الظرفيّة ما جاز تعدّي اللازم، والمنتهي في التعدّي، لأنّ المنتهي كاللازم.
ولا يكون هذا الاتّساع إلّا في الظروف المتمكِّنة، وهي ما جاز رفعُها، نحو: اليوم، والليلة، ونحوهما من الأزمنة، وخَلْفٍ، وقُدّامٍ وشِبْهِهما من الأمكنة؛ فأمّا غيرُ المتمكّنة نحو "سَحَرَ"، و"بُكْرَةَ" إذا أُريد بهما من يومٍ بعينه، و"عِنْدَ"، و"سِوَى"، ونحوهما ممّا تقدّم وصفُه، فإنّه لا يجوز فيها الاتّساعُ، فإذا قلتَ: "قمتُ سَحَرَ"، و"صلّيتُ عندَ محمّدٍ" لم يكن في نصبهما إلّا وجهٌ واحدٌ، وهو الظرفيّةُ.
وفائدةُ هذا الاتّساع تظهر في موضعَيْن: أحدهما أنّك إذا كَنَيْت عنه، وهو ظرفٌ، لم يكن بُدٌّ من ظهورِ "في" مع مضمره، تقول: "اليوم قمتُ فيه"، لأنّ الإضمار يرُدّ الأشياء إلى أُصولها، وإن اعتقدت أنّه مفعولٌ به على السعة، لم تظهر "في" معه، لأنّها لم تكن مَنْوِيّةً مع الظاهر، فتقول: "اليومُ قُمْتُهُ"، و"الذي سِرْتُهُ يومُ الجُمْعة". فأمّا قول الشاعر - وهو رجلٌ من بني عامرٍ [من الطويل]:
وَيوْمٍ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا ... قَلِيلٍ سِوَى الطَّعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهْ
فالشاهد فيه أنّه لم يُظْهِر "في" حينَ أضْمَرَهُ، لأنّه جَعَلَهُ مفعولًا به مجازًا، ولو جعله ظرفًا على أصله، لقال: "شهدنا فيه". وسُلَيْمٌ، وعامِرٌ: قبيلتان من قَيْس بن عَيْلانَ. والنوافلُ هنا: الغنائمُ. يقول: لم نَغْنَمْ إلّا النفوسَ بما أوليناهم من كثرةِ الطَّعْن. والنِّهالُ: المُرْتَوِيَةُ بالدم. وأصلُ النَّهَل: أوّلُ الشُّرْب.
والثاني أنّك إذا جعلته مفعولًا به على السعة جازت الإضافةُ إليه من ذلك قولهم [من الرجز]:
يا سارِقَ الليلةِ أهلَ الدار
стр. 429
أضافوا اسم الفاعل إلى الليلة كما تقول: "يا ضاربَ زيدٍ" فإذا أضفت لا يكون إلّا مفعولًا على السعة، وإذا قلت: "سَرَقَ عبدُ الله الليلةَ أهلَ الدار" جاز أن يكون ظرفًا، وجاز أن يكون مفعولًا على السعة. ومنه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١)، فـ "يوم الدين" ظرفٌ جُعل مفعولًا على السعة، ولذلك أُضيف إليه. ومثله قول الشاعر [من الرجز]:
٢٦٠ - رُبَّ ابنِ عَمّ لسُلَيْمَى مُشْمَعِلْ ... طَبّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ
جعله مفعولًا به حين أضاف إليه، ورُبّما نصبوا هنا الظرفَ وخفضوا الزاد، ويفصِلون بين المضاف، والمضاف إليه بالظرف على حدّ قوله [من السريع]:
لِلَّهِ دَرُّ اليومَ مَن لامَها (٢)
وهذا الفصل إنّما يحسُن في الشعر، وهو قبيحٌ في الكلام - وأمّا قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٣)، فإنّه أضاف المصدر إليهما، ويحتمِل ذلك أمرَيْن: أحدُهما أن يكون على إضافة المصدر إلى المفعول على حدّ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٤). والمعنى: بسُؤاله نعجتك، فيكون التقدير: بل مكركم الليلَ والنهار، جعلهما مفعولَيْن على السعة، ثمّ أضاف إليهما. والأمر الثاني أن يكون جَعَلَ المكرَ لهما، لأنّه يكون فيهما كما يقال: "لَيْلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ". جُعل ذلك لهما لحدوثه فيهما، فيكون
стр. 430
حينئذٍ من قبيلِ إضافةِ المصدر إلى الفاعل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (١) ونحو قوله [من الكامل]:
طَلَبَ المعقِّب حَقَّهُ المَظْلومُ (٢)
وإنّما امتنعت الإضافةُ إلى الظرف، لأنّ معنى الظرف ما كانت فيه "في" مقدَّرةٌ محذوفةً، فإذا صرّحنا بـ "فِي"، أو بغيرها من حروف الجرّ، فقد زال عن ذلك المنهاج. وإذا أضفنا إليه، فقد صارت الإضافة بمنزلةِ حروف الجرّ، فخرج من أن يكون ظرفًا فاعرفه.
فصل [حذف عامله]
قال صاحب الكتاب: "وينصب بعامل مضمر, كقولك في جواب من يقول لك: "متى سرت": "يوم الجمعة", وفي المثل السائر: "أسائر اليوم وقد زال الظهر" (٣).
ومنه قولهم لمن ذكر أمراً قد تقادم زمانه: "حينئذٍ الآن"، أي كان ذلك حينئذٍ, واسمع الآن. ويضمر عامله على شريطة التفسير كما صنع في المفعول به, تقول: "اليوم سرت فيه", و"أيوم الجمعة ينطلق فيه عبد الله" مقدراً: "سرت اليوم", و"أينطلق يوم الجمعة"".
* * *
قال الشارح: لمّا كان الظرف أحد المفعولات كان حُكْمُه حكمَ المفعول، فكما أنّ المفعول به ينتصب بعامل مضمر لدلالة قَرِينة حاليّةٍ، أو لفظيّةٍ على ما مضى شَرْحُه، فكذلك الظرفُ قد يُضمَر عامله إذا دلّ الدليلُ عليه. فمن ذلك قولك في جوابِ من قال لك: "متى سِرْتَ "؟ فتقول: "يومَ الجمعة"، وذلك أنّ "مَتَى" ظرفٌ في موضع نصب بـ "سِرْتَ"، فوَجَبَ أن يكون الجوابُ منصوبًا إذا اختِير أن يكون الجوابُ على حدّ السؤال. ولا يكون منصوبًا بـ "سِرْتُ" هذه الظاهرةِ، لأنّها قد اشتغلت بـ "مَتَى"، ولا يكون للفعل الواحد ظَرْفَا زمان، فوجب أن يكون منصوبًا بـ "سِرْتَ" أُخرى مَنْويّةٍ دلّ عليها هذا الظاهر. والتقديرُ: سرتُ يومَ الجمعة. ولو أُظهر لكان عربيًّا جيّدًا، وحذفه حسنٌ لِما في اللفظ من الدليل عليه، وصار بمنزلة قولك: "من عندك؟ " فإن شئتَ قلت: "زيدٌ"، ولم تأتِ بالخبر لدليلِ ما في السُّؤال عليه، وإن شئت أتيت به، وقلت: "زيدٌ عندي". فكذلك ها هنا، ومن ذلك قولُهم في المَثَل السائر: "أسائرَ اليومِ وقد زال الظُهُرْ".
стр. 431
هذا المثل يُضرب لمن يَرْجُو نَجاحَ طَلبَتِه، وتَبيَّن له اليَأْسُ منها. والمرادُ أنّك تَسير سائرَ اليومِ، أي باقِي اليوم، مأخوذٌ من "السُّؤْر"، وهو البَقِيّةُ، ومنه الحديث: "إذا شرِبتم، فأسْئروا" (١)، أي: اتركُوا في الإناء بقيّةً، هكذا ذكره الفارابيُّ. ومن ذلك قولُهم: "حينئذٍ الآن"، فـ "حِين" ظرفٌ أُضيف إلى "إذ". وفيه لغتان: منهم من يَبْنِيه على الفتح، لإضافته إلى غيرِ متمكّن. ومنهم من يُعْربُه على الأصل، والتنوينُ فيه تنوينُ عِوَضٍ من الجملة التي حَقُّ "إذ" أن تُضاف إليها. و"الآن" ظرفٌ أيضًا، ولا بدّ لكلّ واحد منهما من عاملٍ، ولا عامِلَ في اللفظ، فكانا مقدَّرَيْن في النيّة. والتقديرُ: كان هذا حينئذٍ، واسْمَعِ الآنَ إليّ، كأنّ رجلاً سمِع آخَرَ يذكُر شيئًا في زمنٍ ماضٍ، لا يُهِمُّ، ولا يَعْنِي، فأراد أن يصرِفه عن ذلك، ويخاطِبه على ما يَعْنِيه، فقال: "حينئذٍ الآن"، كأنّه قال: "الذي تذكُر كان حينئذ، واسْمَعْ إليّ الآنَ". فـ "كان" تامّةٌ، وهي عاملة في "حينئذ"، و"اسمعْ" عاملٌ في "الآن"، ولا تكون "كان" عاملةً فيهما، لأن الفعل الواحد لا يكون له ظرفا زمانٍ. وقد شَبَّهَه سيبويه (٢) بقولهم: "تَاللَّهِ رجلًا"، والمراد: ما رأيتُ رجلًا كرجلٍ أراه اليومَ، فأضافوا "الرجلَ" المرئيَّ إلى اليوم، فصار لفظُه كرجل اليوم، ثم حذفوا المضاف، وأقاموا المضاف إليه مُقامه
وممّا حُذف فيه عاملُ الظرف إذا شغلتَ الفعل عنه بضميره، نحو قولهم: "اليومَ سِرْتُ فيه"، و"أيومَ الجمعةِ ينطلق فيه عبدُ الله". والتقدير: سرتُ اليومَ سرتُ فيه، وأينطلق عبدُ الله يومَ الجمعة ينطلق فيه، لمّا شغلتَ الفعل عنه بضميره؛ لم يَصِل إلى هذا الظاهر، فأضمرتَ ناصبًا، صار هذا الفعلُ تفسيرًا له كما تقول: "زيدًا ضربتُه". فإذا كان الظرف متمكّنًا - وقد تقدّم وصفُ المتمكن- كان لك في نصبه وجهان على ما تقدّم: أحدهما أن تنصبه من طريق الظرف، وتنوي "في" مقدَّرة، والآخرُ أن تنصبه ولا تنوي "في". وهذا هو المفعول على سَعَة الكلام. وإذا شغلت الفعل عنه وقد قدّرته تقدير الظرف، قلت: "يومَ الجمعة قمتُ فيه". وإن كان بتقدير المفعول قلت: "قُمْتُهُ" من غيرِ "في". ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
ويَوْمٍ شَهِدْناهُ (٣)
والرفع جائزٌ، نحو "يومُ الجمعة القِتالُ فيه"، و"اليومُ سرتُ فيه"، واختِيرَ الرفع، والنصب هنا كاختياره في "زيدٌ ضربتُه". فكلُّ موضع يختار فيه الرفعُ هناك يختار فيه الرفع ها هنا. وكلُّ موضع يختار فيه النصب هناك يختار فيه النصب ها هنا، فاعرفه.
стр. 432
المفعول معه
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: "وهو المنصوب بعد الواو الكائنة بمعنى "مع". وإنما ينتصب إذا تضمن الكلام فعلاً ,نحو قولك: "ما صنعت وأباك"، و"ما زلت أسير والنيل" ومن أبيات الكتاب [من الوافر]:
٢٦١ - فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكُليتين من الطحال
ومنه قوله "فأجمعوا أمركم وشركاءكم" (١)؛ أو ما هو بمعناه نحو قولك: "ما لك وزيداً"، و"ما شأنك وعمراً"، لأن المعنى ما تصنع وما تلابس, وكذلك "حسبك
стр. 433
وزيداً درهمٌ" و"قطك", و"كفيك" مثله, لأنها بمعنى "كفاك". قال [من الوافر]:
٢٦٢ - فما لك والتلدد حول نجدٍ ... [وقد غصَّت تهامة بالرجال]
وقال [من الطويل]:
٢٦٣ - إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا] ... فحسبك والضحاك سيف مهند
* * *
стр. 434
قال الشارح: اعلم أنّ المفعول معه لا يكون إلّا بعد الواو، ولا يكون إلّا بعد فعلٍ لازم، أو مُنْتَهٍ في التعدّي، نحو قولك: "ما صنعت وأباك"، و"ما زلتُ أسيرُ والنيلَ"، و"لو تُرِكَتِ الناقةُ وفَصِيلَها لرضَعَها"، وإنّما افتقرتَ إلى الواو لضُعْف الأفعال قبل الواو عن وُصولها إلى ما بعدها، كما ضعُفت قبل حروف الجرّ عن مباشرتها الأسماء، ونصبِها إيّاها، فكما جاؤوا بحروف الجرّ تَقْوِيَةً لِما قبلها من الأفعال لضُعْفها عن مباشرةِ الأسماء بأنفسها عُرْفًا واستعمالًا، فكذلك جاؤوا بالواو تقويةً لِما قبلها من الفعل، فإذا قلت: "اسْتَوَى الماءُ والخَشَبَةَ"، و"جاء البَرْدُ والطَيالِسَةَ"، فالأصلُ: استوى الماءُ مع الخشبةِ، وجاء البردُ مع الطيالسة، وكانت الواوُ، و"مَعَ" يتقارب مَعْنياهما. وذلك أنّ معنى "مَعَ" الاجتماعُ والانضمامُ. والواوُ تجمَع ما قبلها مع ما بعدها، وتضُمّه إليه، فأقاموا الواو مُقامَ "مَعَ" لأنّها أخَفُّ لفظًا، وتُعطي معناها. ولم تكن الواو اسمًا يعمل فيه الفعلُ كما عمِل في "مَعَ" النصبَ، فانتقل العملُ إلى ما بعد الواو كما صنعتَ في الاستثناء. ألا ترى أنّك إذا استثنيتَ باسمٍ أثَّرَ فيه الفعل، نحو: "قامَ القَوْمُ غيرَ زيدٍ"، نصبتَ "غيرًا" بالفعل قبله، لأنّه اسمٌ يعمل فيه العامل. فإذا جئت بـ "إلّا"، وقلت: "قام القومُ إلّا، زيدًا" انتقل العملُ إلى ما بعدَ "إلّا" لأنّ "إلّا" حرفٌ لا يعمل فيه العاملُ.
فإن قيل: هلّا خفضتم ما بعد الواو، إذ الدليلُ يقتضي ذلك لوجهَيْن: أحدهما أنّها مُوصِلةٌ للفعل قبلها إلى الاسم الذي بعدها كإيصال حروف الجرّ، الثاني أنّها نائبةٌ عن "مَعَ"، و"مَعَ" خافضةٌ، فكان ينبغي أن تكون خافضةً أيضًا. فالجوابُ أنّ الواو هنا تُفارِق ما ذكرتم. وذلك أنّ الواو في المفعول معه من نحو "قمت وزيدًا" جاريةٌ هنا مجرَى حروف العطف، والذي يدلّ على ذلك أنّ العرب لم تستعملها قطّ بمعنى "مَعَ" إلّا في الموضع الذي لو استُعملتْ فيه عاطفةً لجاز. ألا ترى أنّك إذا قلت: "قمتُ وزيدًا"، لم يمتنع أن تقول: "قمت وزيدٌ"، فتعطفَه على ضمير الفاعل. وكذلك إذا قلت: "لو تُركت الناقةُ وفصيلَها لَرضعها". لو رفعتَ "الفصيل" بالعطف على "الناقة" لجاز. ولو قلت: "انتظرتُك، وطُلوعَ الشمس" أي: مع طلوع الشمس، لم يجز عند أحد من النحويين والعرب. وإنّما لم يجز ذلك عندهم، لأنّك لو رُمْتَ أن تجعلها عاطفةً على التاء لم يجز، لأنّ الشمس لا يسوغ فيها انتظارُ أحد، كما يسوغ "في قمتُ وزيدًا": "قمتُ وزيدٌ"، فتعطف "زيدًا"، على التاء، لأنه يجوز من زيد القيامُ كما يجوز من المتكلّم.
стр. 435
ويؤيّد عندك كَوْنَ الواو في مذهب العاطفة، وإن كانت بمعنى "مَعَ"، أنّه لا يجوز تقديمُ المفعول معه على الفعل، كما يجوز في غيره من المفعولين، وفي "مَعَ" إذا أتيتَ بها. وإذا كانت في مذهبِ العاطفة لم يجز أن تعمل جرًّا، ولا غيرَه، لأنّ حروف العطف لا اختصاصَ لها بالأسماء دون الأفعال، بل تُباشِر الأفعالَ مباشرتَها الأسماء. والحروف التي تباشر الأسماء، والأفعال لم يجز أن تكون عاملةً، إذ العامل لا يكون إلّا مختصًّا بما يعمل فيه. وإذا لم يجز أن تعمل الواو شيئًا، كان ما بعدها منصوبًا بالفعل الذي قبلها، هذا مذهبُ سيبويه (١). وكان أبو الحسن الأخفش يذهب في المفعول معه إلى أنّه منصوبٌ انتصابَ الظرف، قال: وذلك أنّ الواو في قولك: "قمت وزيدًا" واقعةٌ موقعَ "مَعَ"، فكأنّك قلت: "قمت مع زيد"، فلمّا حذفتَ "مَعَ" وقد كانت منصوبةً على الظرف، ثمّ أقمت الواوَ مُقامَها، انتصب "زيدٌ" بعدها على حدِّ انتصابِ "مَعَ" الواقعةِ الواوُ موقعَها، وقد كانت "مَعَ" منصوبة بنفسِ "قُمْتُ" بلا واسطةٍ، فكذلك يكون انتصابُ زيد بعد الواو جاريًا مجرَى انتصاب الظروف. والظروفُ ممّا تَتناولها الأفعالُ بلا وساطةِ حرف، لأنّها مقدَّرةٌ بحرف الجرّ، فإذا الواو ليست مُوصِلةً للفعل إلى زيد على مذهبه كما يقول سيبويه وأصحابُنا (٢)، وإنّما هي مُصْلِحةٌ لزيد أن يُنصب على الظرف بتوسُّطها، وكان الزجّاج يقول: إنّك إذا قلت: "ما صنعتَ وزيدًا" إنّما تنصب "زيدًا" بإضمارِ فعل كأنّه قال: "ما صنعتَ ولابستَ زيدًا" قال: وذلك من أجلِ أنّه لا يعمل الفعلُ في مفعولٍ، وبينهما الواوُ.
وذهب الكوفيون (٣) في المفعول معه إلى أنّه منصوبٌ على الخلاف، قالوا: وذلك أنّا إذا قلنا: "استوى الماء والخَشَبَة" لا يحسن تكريرُ الفعل، فيقال: "استوى الماءُ واستوتِ الخشبةُ"، لأنّ الخشبة لا تكون مُعْوَجَّة، فتستوِيَ. فلمّا خالَفَهُ ولم يُشارِكه في الفعل، نُصب على الخلاف، قالوا: وهذه قاعدتُنا في الظرف، نحو قولك: "زيدٌ عندك".
والصواب ما ذهب إليه سيبويه من أنّ العامل الفعلُ الأوّلُ، لأنّه وإن لم يكن متعدّيًا، فقد قُوّيَ بالواو النائبة عن "مَعَ"، فتَعدَّى كما تعدّى الفعلُ المقوَّى بحرف الجرّ، نحو: "مررتُ بزيد"، إلّا أنّ الواو لا تعمل لِما ذكرناه من أنّها في مذهب العطف، وذلك لأنّها في الأصل عاطفةٌ، والعاطفةُ فيها معنيان: العطفُ، والجمعُ. فلمّا وُضعتْ موضعَ "مَعَ"، خُلعتْ عنها دلالةُ العطف، وبقيت دلالة الجمع فيها، كما أنّ فاء العطف فيها معنى العطف والإتباع، فهذا وقعت في جواب الشرط، خُلع عنها دلالة العطف، وبقي معنى الإتباع.
стр. 436
وأمّا ما ذهب إليه أبو الحسن من أنّ ما بعد الواو منتصبٌ على الظرف، فضعيفٌ، لأنّ قولك: "استوى الماءُ والخشبةَ"، و"سرتُ والنيلَ"، و"كنتُ وزيدًا كالأخَوَيْن" ليست الأسماء فيها ظروفًا، فلا تنتصب انتصابَها. وأمّا ما ذهب إليه الزجّاجُ من أنّه منصوبٌ بإضمار فعل، فهو ضعيفٌ، لا يُحمَل عليه ما وُجد عنه مندوحةٌ. وقوله: الفعل لا يعمل في مفعولٍ، وبينهما الواو، فهو فاسدٌ لأنّ الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يتعلّق به. فإن كان يفتقر إلى توسُّط حرف عمِل مع وجوده. وإن كان لا يفتقر إلى ذلك، عمل مع عدمه. وقد بَيَّنَّا أن المفعول معه قد تَعلَّق بالفعل من جهة المعنى بتوسُّط الواو، فينبغي أن يعمل مع وجودها. ألا ترى أنّك تقول: "ضربتُ زيدًا وعمرًا" فيعمل الفعل في "عمرو" بتوسُّط الواو لما اقتضاه المعنى؟ كذلك ها هنا.
وأمّا ما ذهب إليه الكوفيون فضعيفٌ جدًّا؛ لأنّه لو جاز نصبُ الثاني، لأنّه مخالفٌ للأوّل، لجاز نصبُ الأوّل أيضًا لأنّه مخالفٌ؛ لأنّ الثاني إذا خالَفَ الأوّلَ؛ فقد خالف الأوّلُ الثانيَ. فليس نصبُ الثاني للمخالفة أوْلى من نصب الأوّل. ثمّ هو باطلٌ بالعطف الذي يخالف فيه الثاني الأوّل، نحو قولك: "قام زيدٌ لا عمروٌ" ونظائرِ ذلك، فلو كان ما ذكروه من المخالفة لازمًا، لم يكن ما بعد "لَا" في العطف إلّا منصوبًا.
فإن قيل: نحن متى عطفنا اسمًا على اسم بالواو، دخل الثاني في حكم الأوّل، واشتركا في المعنى، فكانت الواوُ بمعنى "مَعَ"، فلِمَ اختصصتم هذا البابَ بمعنى "مَعَ"، قيل: الفرق بين العطف بالواو وهذا الباب أنّ الواو التي للعطف تُوجِب الاشتراكَ في الفعل، وليس كذلك الواوُ التي بمعنى "مَعَ"؛ لأنّها توجب المصاحبةَ. فإذا عطفتَ بالواو شيئًا على شيء، دخل في معناه، ولا تُوجِبُ بين المعطوف والمعطوف إليه ملابسةً ومقارنةً، كقولك: "قام زيدٌ وعمرٌو"، فليس أحدُهما مُلابِسًا للآخر، ولا مُصاحِبًا له. وإذا قلت: "ما صنعتَ وأباك"، فإنّما تريد: ما صنعت مع أبيك، وأَيْنَ بلغتَ فيما فعلتَه، وفَعَلَ بك. وإذا قلت: "استوى الماء والخشبة"، و"ما زِلتُ أسيرُ والنيلَ"، يُفهَم منه المصاحبةُ والمقارنةُ، فأمّا قول الشاعر [من الوافر]:
وكُونوا أنتمُ وبني أبيكم ... إلخ (١)
البيتُ من أبيات الكتاب، والشاهدُ فيه نصبُ "بني أبيكم" بالفعل الذي قبلَه، وهو "فكونوا" بوساطةِ الواو، والمرادُ أنّه يحُثّهم على الائتلاف، والتقارب في المَذْهب. وضرب لهم المثلَ بقُرْب الكُلْيَتَيْن من الطحال، أي: لِتكنْ نِسبتكُم إلى بني أبيكم، ونسبةُ بني أبيكم إليكم نسبةَ الكليتين إلى الطحال.
وأمّا قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٢)، فإن القُرّاء السبعة أجْمَعوا على قطعِ
стр. 437
الهمزة، وكسرِ الميم. يقال: أَجْمَعْتُ على الأَمْر، وأجمعتُه. فذهب قومٌ إلى أنّه من هذا الباب مفعولٌ معه، وذلك لأنّه لا يجوز أن يُعطَف على ما قبله, لأنّه لا يقال: "أجْمعتُ شُركائي". إنّما يقال: "جمعتُ شركائي"، و"أجمعتُ أمري". فلمّا لم يجز في الواو العطفُ، جعلوها بمنزلةِ "مَعَ"، مثلَ "جاءَ البَرْدُ والطَيالِسةَ"، ويجوز أن تُضمِر للشركاء فعلًا يصِحّ أن يُحمَل عليه الشركاءُ، ويكون تقديرُه: فأَجمِعوا أمركم، واجْمَعوا شركاءكم، كما قال [من مجزوء الكامل]:
٢٦٤ - يا لَيْتَ زَوْجَكِ قد غَدَا ... متقلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا
يريد متقلِّدًا سيفًا، ومعتقِلًا رمْحًا، حَمْله على ما قبله، لأنّه لا يقال: تقلّدتُ الرمحَ كما لا يقال: أجمعتُ الشركاء. وروى الأصمعيُّ عن نافع ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (١) بوَصْل الهمزة، وفتح الميم، فعلى هذه القِراءة يجوز أن يكون "الشركاء" معطوفًا على ما قبله، وأن يكون مفعولًا معه. وأمّا قولهم: "ما لك وزيدًا"، و"ما شأنكُ وعمرًا"، فهو نصبٌ أيضًا. وإنّما نصبوا ها هنا، لأنّه شريكُ الكاف في المعنى، ولا يصِحّ عطفُه عليها، لأنّ الكاف ضميرٌ مخفوضٌ، والعطفُ على الضمير المخفوض لا يصحّ إلّا بإعادة الخافض. ولم يجز رفعُه بالعطف على الشأن، لأنّه ليس شريكًا للشأن، لأنّه لم يُرَد أن يُجمَع بينهما. وإنّما المراد: ما شأنُك، وشأنُ عمرو؟ وقال سيبويه (٢): فإن أراد ذلك كان مُلْغِزًا، يعني: إن أراد: وما شأنُ عمرو، كان خِلافَ المفهوم من اللفظ، فيكون المتكلّم به مُلْغِزًا. فلمّا لم يجز خفضُه، ولا رفعُه، حُمل الكلام على المعنى، وجُعل: "ما
стр. 438
شأنُك"، و"ما لك" بمنزِلة "ما تصنع"، فصار كأنّك قلت: "ما صنعتَ وزيد". ولزم النصبُ ها هنا، لأنّه قد كان فيما يُمْكِن فيه العطفُ جائزًا، نحو قولك: "ما شأنُ عبدِ الله وزيدًا"، و"ما لزيدٍ وأخاه"، فصار هنا لازمًا، وهو من قبيلِ أَحْسَنِ القَبِيحَيْن، لأنّ الإضمار والحَمْلَ على المعنى فيه ضُعْفٌ مع جوازه، والعطفُ على المضمر المخفوضِ ممتنعٌ، فصار هذا كما لو تقدّمتْ صفةُ النكرة عليها من نحو [من مجزوء الوافر]:
٢٦٥ - لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ ... [يلوحُ كأنَّه خِلَلُ]
لأنّ الحال من النكرة ضعيفٌ، وتقديمُ الصفة على الموصوف ممتنعٌ، فحُمل على الجائز، وإن كان ضعيفًا كذلك ها هنا، وأمّا قول الشاعر [من الوافر]:
فَمَا لك والتلدُّدَ حَوْلَ نَجْدٍ ... وقد غَصَّتْ تِهامَةُ بالرِجال (١)
البيت لمِسْكِينٍ الدارِميّ، والشاهدُ فيه نصبُ "التلدّد" بإضمارِ فعل تقديرُه: ما تصنع وتُلابِس التلدّدَ. والمعنى: ما لك تُقِيم بنجدٍ تتردّد فيه مع جَدْبها، وتترُك تُهامةَ مع لَحاقِ الناس بها لخُصْبها. والتلدّد: الذَّهابُ والمَجِيءُ حَيْرَةٌ.
ومنه قولهم: "حسبُك وزيدًا درهمٌ"، و"كَفْيُك" و"قَطْك" في معنَى "حَسْبُك"، كلُّه منصوبٌ، لأنّه يقبحُ حملُه على الكاف، لأنّها ضميرٌ مجرورٌ، فحُمل على المعنى، إذ
стр. 439
المعنى: كَفَاكَ، فكأنّه قال: "كفاك وزيدًا درهمٌ"، و"يُحْسِبُك وزيدًا درهمٌ". قال الشاعر [من الطويل]:
إذا كانتِ الهَيْجاءُ وانشَقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ (١)
فنصب "الضحّاك" لامتناعِ حَمْله على الضمير المخفوض، وكان معناه: يَكْفيك، ويكفي الضحّاكَ.
فصل
قال صاحب الكتاب: "وليس لك أن تجره حملاً على المكنى, فإذا جئت بالظاهر كان الجر الاختيار, كقولك: "ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه" و"ما شأن قيسٍ والبر تسرقه"، والنصب جائز".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إِنّ الجرّ لا يجوز حملًا على المضمر المجرور، نحوَ قولك: "ما لك وزيدٍ"، و"ما شأنُك وعمرٍو"؛ لأنّ العطف على المضمر المجرور لا يجوز إلّا بإعادة الخافض. ولذلك استضعفوا قِراءةَ حَمْزَة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٢). فحملها قومٌ على إضمار الجارٌ، كأنّه قال: وبالأرحام، ثمّ حذف الباءَ، وهو يريدها على حَدِّ ما رُوي عن رُؤْبَةَ أنّه قيل له: كيف أصبحتَ؟ فقال: "خَيْرٍ عافاك اللَّهُ"، يريد: بخير. وحملها قومٌ على القَسَم، كأنّه أقْسَمَ بالأرحام، لأنّهم كانوا يُعظِّمونها. كل ذلك لتعذُّرِ الحمل على المضمر المجرور، فإن جئتَ باسم ظاهر نحوِ قولك: "ما شأْنُ عبد الله وزيدٍ" و"ما لمحمّدٍ وعمرٍو" جاز الجرُّ والنصبُ، والجرُّ أجْودُ، لأنّه حملٌ على الظاهر، وليس فيه تكلُّفُ إِضمارٍ، ولا عُدولٌ عن الظاهر إلى غيره. والنصب جائزٌ وإن كان مرجوحًا, لأنّ المعنى يُعْطيه، وليس ثَمَّ مانعٌ منه، فاعرفْه مُوَفَّقًا.
فصل
قال صاحب الكتاب: "وأما في قولك: "ما أنت وعبد الله", و"كيف أنت وقصعةٌ من ثريدٍ"، فالرفع. قال [من الكامل]:
[يا زبرقان أخا بني خلفٍ] ... ما أنت ويب أبيك والفخر (٣)
стр. 440
وقال [من الوافر]:
٢٦٦ - [وكنت هناك أنت كريم قيسٍ] ... وما القيسيُّ بعدك والفخار
إلا عند ناس من العرب ينصبونه على تأويل "ما كنت أنت وعبد الله"، و"كيف تكون أنت وقصعةً من ثريد؟ ". قال سيبويه (١): لأن "كنت", و"تكون" تقعان ههنا كثيراً, وهو قليلٌ, ومنه [من المتقارب]:
٢٦٧ - فما أنا والسير في متلفٍ ... [يُبرح بالذكر الضابط]
стр. 441
وهذا الباب قياس عند بعضهم, وعند الآخرين مقصور على السماع".
* * *
قال الشارح: أمّا قولك: "ما أنت وزيدٌ" و"كيف أنت وقصعةٌ من ثريدٍ" فالرفعُ ها هنا هو الوجهُ، لأنّه ليس معك فعلٌ ينصِب. ولا يمتنع عطفُه على ما قبله، لأنّ الذي قبله ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ، والضميرُ المنفصلُ يجري مجرَى الظاهر، فيجوز العطف عليه، فلذلك كان الوجه الرفعَ. ومنه قولُه [من الكامل]:
يا زِبْرَقانُ أخَا بَنِي خَلَفِ ... ما أنت وَيْبَ أبيك والفَخْرُ
البيت للمُخَبَّل السَّعْدىّ، وبعدَه [من الكامل]:
هل أنت إلَّا في بني خَلَفٍ ... كالإسْكَتَيْن عَلاهما البَظْرُ
والشاهد فيه رفعُ "الفخر" بالعطف على "أنت" مع ما في الواو من معنَى "مَعَ"، وامتناع النصب منه، إذ ليس قبله فعلٌ يتعدّى إليه، فينصبَه كما كان في الذي قَبْلَه. ومعنَى "وَيْبَ أبيك" التصغيرُ له، والتحقيرِ. وبنو خلف: رَهْطُ الزبرقان بنِ بَدْر، والأذَى إليه من تميم. ويقول: مَن ساد مثلَ قومك، فلا فَخْرَ له في سيادتهم. وشبّههم إذا اجتمعوا حولَه بالبَظْر بين الإسكتين، والإسكتان بكسر الهمزة: جانِبَا الفَرْج، وهما قُذَّتاه. وقول الآخر [من الوافر]:
وكنتَ هناك أنت كريمَ قَيْسٍ ... فما القَيْسيُّ بعدَك والفِخارُ
الشاهد فيه رفعُ "الفخار" بالعطف على "القيسيّ". يرثي رجلًا من ساداتِ قيس. يقول: كنتَ كريمَها، ومعتمَدَ فَخْرها، فلم يبقَ بعدك فخرٌ.
وحكى سيبويه (١) في هذَيْن الحرفَيْن النصبَ بإضمارِ "كُنْتَ" و"تَكُونُ"، فيكون التقديرُ: كيف تكون أنت وقصعةً من ثريد؟ وما كنت أنت وزيدًا؟ وحسُن تقديرُ الفعل هنا، لأنّه موضعٌ قد كثُر استعمالُ الفعل فيه. فنظيرُ ذلك قولُ زُهَيْرٍ [من الطويل]:
٢٦٨ - بَدَا لِيَ أنّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى ... ولا سابقٍ شَيْئًا إذا كان جاثيَا
لمّا كثُر استعمالُ الباء في خبرِ "ليس"، تُوُهّم وجودُها فخفض بالعطف على تقديرِ وجودها، وإن لم تكن موجودة. وإذا جاز إضمارُ حرف الجرّ مع ضُعْفه، فإضمارُ الفعل أوْلى لقُوّته، وكثرةِ استعماله فيه. والرفعُ أجودُ، لأنّه لا إضمارَ فيه.
قال: وهو قليلٌ، يعني أنّ النصب قليلٌ لتقديرك وجودَ ما ليس في اللفظ. ومنه قولُ الهُذَليّ [من المتقارب]:
فما أنا والسَّيْرَ في مَتْلَفٍ ... يُبَرِّحُ بالذَّكَرِالضابِطِ (١)
الشاهد فيه نصبُ "السير" بإضمار فعل، كأنّه قال: "فما كنتُ أنا والسيرَ"، أو "فما أكونُ أنا والسيرَ". ولو رفع لكان أجودَ، يقول: ما لي أتجشّمُ المَشاقَّ بالسير في الفَلَوات المُتْلِفة. وأراد بالذكر جَمَلًا، لأنّ الذكر أقوى من الناقة. والضابطُ: القويُّ. والتبريحُ: المَشَقَّةُ. قال أبو الحسن الأخفشُ: قومٌ من النحويين يَقِيسون هذا في كلّ شيء لكثرةِ ما جاء منه، وهو مذهبُ أبي الحسن، ورأيُ أبي عليّ، وقومٌ يقصرونه على السَّماع، لأنّه شيءٌ وقع موقعَ غيره، فلا يُصار إليه إلَّا بسماعٍ من العرب، ويُوقَف عنده.
стр. 444
المفعول له
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: "هو علة الإقدام على الفعل, وهو جواب لـ "مه" (١). وذلك قولك: "فعلت كذا مخافة الشر", و"إدخار فلان"، و"ضربته تأديباً"، و"قعدت في الحرب جُبناً"، و"فعلت ذلك أجل كذا". وفي التنزيل ﴿حذر الموت﴾ (٢) ".
* * *
قال الشارح: اعلم أن المفعول له لا يكون إلّا مصدرًا، ويكون العاملُ فيه من غير لفظه، وهو الفعلُ الذي قبله، وإنّما يُذكَر عِلّةً وعُذْرًا لوُقوعِ الفعل، وأصلُه أن يكون باللام، وإنّما وجب أن يكون مصدرًا، لأنّه علّةٌ وسببٌ لوقوع الفعل، وداعِ له. والداعي إنّما يكون حَدَثًا لا عَيْنًا، وذلك من قِبَل أنّ الفعل، إمّا أن يجتذِب به فعلٌ آخرُ، كقولك: "احتملتُك لاستدامةِ مَودَّتك"، و"زُرْتُك لابتغاءِ معروفك". فَـ "استدامةُ المودّة" معنًى يُجذَب بالاحتمال، و"ابتغاءُ الرزق" معنًى يُجذَب بالزيارة. وإمّا أن يُدفَع بالفعل الأوّلِ معنًى حاصلٌ، كقولك: "فعلتُ هذا حَذَرَ شَرِّك". فالحذرُ معنًى حاصلٌ يُتوصّل بما قبله من الفعل إلى دَفْعه. والمصادرُ معانٍ تحدُث وتنقضي، فلذلك كانت علّةً بخلافِ العين الثابتة. وإنّما وجب أن يكون العامل فيه من غير لفظه، نحو قولك: "زُرْتُك طَمَعًا في بِرّك"، و"قصدتُك رَجاءً خيرَك". فالطمعُ ليس من لفظِ "زرتك"، والرجاءُ ليس من لفظِ "قصدتك". ولا تقول: "قصدتُك للقصد"، ولا "زرتك للزيارة"، لأنّ المفعول له عِلّةٌ لوجودِ الفعل. والشيءُ لا يكون علّة لنفسه، إنّما يُتوصّل به إلى غيره. وإنّما قلنا: إنّه علّةٌ وعُذْرٌ لوقوع الفعل، لأنّه يقع في جوابِ "لِمَ فعلتَ"، كما يقع الحال في جوابِ "كَيْفَ فعلتَ". وإنّما كان أصله أن يكون باللام، لأنّ اللام معناها العلّةُ، والغَرَضُ، نحوُ: "جئتُك لتُكْرِمَني"، و"سِرْتُ لأدْخُلَ المدينةَ"، أي: الغَرَضُ من مَجِيئِي الإكرامُ، والغرض بالسير دُخولُ المدينة. والمفعولُ له عِلّةُ الفعل، والغرضُ به.
والفعلُ يكون لازمًا أو مُنتَهِيًا في التعدّي باللام، وقد تُحذف هذه اللام، فيُقال: "فعلتُ ذاك حِذارَ الشرّ" و"أتيتُك مخافةَ فلانٍ"، وأصلُه: لحذار الشرّ، ولمخافةِ فلان.
стр. 445
فلمّا حُذفت اللام، وكان موضعها نصبًا، تعدّى الفعلُ بنفسه، فنَصَبَ، كما يُقال: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (١)، و"استغفرتُ اللَّهَ ذَنْبًا". فاللام هنا بخلافِ واوِ المفعول معه، فإنّه لا يسوغ حذفُها. لا تقول: "استوى الماءُ الخشبةَ"، وذلك لأنّ دلالةَ الفعل على المفعول له أقوى من دلالته على المفعول معه. وذلك لأنّه لا بدّ لكلّ فعل من مفعولٍ له سواءً ذكرتَه أو لم تذكره، إذ العاقلُ لا يفعل فعلًا إلّا لغرضٍ وعلَّةٍ. وليس كلُّ مَن فعل شيئًا يلزمَه أن يكون له شريكٌ، أو مصاحِبٌ.
وقد يُحذف المصدر، ويُكتفى بدلالة اللام على العلّة، فيُقال: "زرتُك لزيدٍ" و"قصدتُك لعمرٍو"، ولا يجوز حذف اللام والمصدرِ معًا، فتقولَ في "قصدتُك لإكرامِ زيد": "قصدتك زيدًا"، وأنت تريد: لزيد، لزَوالِ معنَى العلَّة. وربّما أوْقَعَ في بعض الأماكن لَبْسًا بالمفعول به. ألا ترى أنّك إذا قلت: "جئتُ زيدًا"، وأنت تريد لزيد، التبس بالمفعول به؟
وقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (٢) فـ "حذرَ الموت" نصبٌ لأنّه مفعولٌ له، وكذلك موضعُ "من الصواعق" نصبٌ على المفعول له، أي: من خوف الصواعق, لأنّ "مِنْ" قد تدخل بمعنى اللام، فتقول: "خرجت من أجْلِ زيدٍ"، "ومن أجْلِ ابتغاءِ الخير"، و"احتملتُ من خوف الشَّرّ". قال الشاعر [من البسيط]:
٢٧٠ - يُغْضِي حَيَاءً ويُغْضَى من مَهابَتِه ... فلا يُكَلَّمُ إلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
стр. 446
فقوله: "مهابته" في موضعِ المفعول له، واسمُ ما لم يُسمَّ فاعله المصدرُ المقدَّرُ، ولا يكون "من مهابته" في موضع اسمِ ما لم يسمّ فاعله, لأنّ المفعول له لا يُقام مُقامَ الفاعل، لئلّا تزول الدلالُة على العلّة فاعرفه.
فصل [شروط المفعول له]
قال صاحب الكتاب: "وفيه ثلاث شرائط: أن يكون مصدراً، وفعلاً لفاعل الفعل المعلل، ومقارناً له في الوجود. فإن فقد شيءٌ منها فاللام, كقولك: "جئتك للسمن واللبن, ولإكرامك الزائر"، وخرجت اليوم لمخاصمتك زيداً أمس"".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّه لا بدّ لكلّ مفعول له من إجتماع هذه الشرائط الثلاث:
أمّا كَوْنُه مصدرًا، فقد تقدّم الكلام عليه لِمَ كان مصدرًا.
وأمّا اشتراطُ كونه فعلاً لفاعلِ الفعل المعلَّل، فلأنَّه علّةٌ وعُذْرٌ لوجود الفعل، والعلّةُ معنًى يتضمّنه ذلك الفعلُ، وإِذا كان متضمِّنًا له، صار كالجُزْء منه، يقتضي وجودُه وجودَه. فإذا كان ذلك كذلك، فإذا فَعَلَ الفاعلُ هذا، فقد فَعَلَ ذاكَ، نحوَ: "ضربتُه تقويمًا له، وتأديبًا"، فكما أنّ الضرب لك، فكذلك التقويمُ والتأديبُ لك، إذ هو معنًى داخلٌ تحته. ولو جاز أن يكون المفعولُ له لغيرِ فاعل الفعل، لَخَلَا الفعلُ عن علّةٍ، وذلك لا يجوز، لأنّ العاقل لا يفعل فعلاً إلّا لِعلّةٍ، ما لم يكن ساهِيًا أو ناسِيًا.
وأمّا اشتراطُ كونه مقارنًا له في الوجود، فلأنّه علّةُ الفعل، فلم يجز أن يخالِفه في الزمان، فلو قلت: "جئتُك إكرامَك الزائرَ أمْسِ" كان مُحالًا, لأنّ فعلك لا يتضمّن فعلَ غيرك. وإذا قلت: "ضربتُه تأديبًا له"، و"قصدتُه ابتغاءً معروفَه"، فقد جُمع هذه الشرائطُ الثلاثُ. فإن فُقد شيءٌ من هذه الشرائط، لم يحسن انتصابُه، ولم يكن بُدٌّ من اللام، فلا تقول: "جئتُك زيدًا"، ولا "إكرامَك الزائرَ"، ولا "خرجتَ اليومَ مخاصَمتَك زيدًا أمسِ".
стр. 447
وإنّما تقول: "جئتُك لزيد، ولإكرامك الزائرَ، ولمخاصَمتك زيدًا أمس". وإنّما وجب النصبُ فيما اجتمع الشرائطُ الثلاثُ المذكورةُ، وامتنع فيما خرج عنه من قِبَل أنّ الفعل لمّا تضمّن المفعولَ له، ودلّ عليه، وكان موجودًا بوجُوده، أشبهَ المصدرَ الذي يكون من لفظ الفعل، نحوَ: "ضربتُ ضَرْبَةً، وضَرْبًا"، فكما نصبتَ "ضربةً" و"ضربًا" بـ "ضربتُ" من حيث إن الفعل كان متضمِّنًا ضروبَ المصادر ودالاً عليها، فكذلك نصبتَ المفعول له إذا اجتمع فيه الشرائطُ المذكورةُ، نحوَ: "ضربتُه تأديبًا"، وصار في حكمِ "أدّبتُه تأديبًا" وجرى مجرَى ما ينتصب به من المصادر، إذ كان نَوْعًا من الأوّل، وإن لم يكن من لفظه، نحوَ: "رَجَعَ القَهْقَرَى"، و"عَدَا الجَمَزَى". فأمّا إذا فُقد منه شرطٌ من هذه الشروط، خرج عن شَبَهِ المصدر، وجرى مجرَى سائر الأسماء الأجْنَبيّةِ، فلم يتعدَّ إليه الفعلُ اللازمُ والمنتهِي في التعدّي إلَّا بحرف جرّ، وخُصَّ باللام، لأنّها تدلّ على الغرض والعلّةِ، فاعرفه.
فصل [جواز تعريفه وتنكيره]
قال صاحب الكتاب: "ويكون معرفة ونكرة. وقد جمعهما العجاج في قوله [من الرجز]:
٢٧١ - يركب كل عاقر جمهور ... مخافة وزعل المحبور
والهول من تهول الهبور"
* * *
стр. 448
قال الشارح: إنّما قال ذلك رَدًّا على مَن زعم أنّ هذه المصادر التي هي المفعولُ له، نحوَ: "ضربتُه تأديبًا له" من قبيلِ المصادر التي تكون حالاً، نحوِ: "قتلتُه صَبْرًا"، و"أتيتُه رَكْضًا"، أي: صابرًا، وراكضًا، حكى ذلك ابنُ السَرّاج وغيرُه. وهو مذهبُ أبي عمر الجَرْمىِّ والرِّيْاشىِّ، فهو عندهم نكرةٌ، و"مخافةَ الشرّ"، ونحوُها ممّا هو مضافٌ من قبيلِ "مِثْلك" و"غيرك" و"ضاربُ زيدٍ غدًا" في نيّةِ الانفصال، قال أبو العبّاس: أخْطأ الرياشىُّ أقبحَ الخَطَأ، لأنّ بابَنا هذا يكون معرفةً ونكرةً، قال سيبويه (١): وحسُن في ذلك الألفُ واللام، لأنه ليس بحالٍ، فيكونَ في موضع فاعلٍ، فَمِمَّا جاء فيه نكرةً قولُ النابغة [من الطويل]:
٢٧٢ - وحلَّتْ بُيْوتِي في يَفاعٍ مُمَنَّعٍ ... تَخالُ به راعِي الحَمُولَةِ طائرَا
حِذارًا على أنْ لا تُصابَ مَقَادَتِي ... ولا نِسْوَتِى حتّى يَمُتْنَ حَرائرَا
стр. 449
وقال الحارثُ بن هِشام [من الكامل]:
٢٧٣ - فصددتُ عنهم والأحِبَّةُ فيهمِ ... طَمَعًا لَهُمْ بعِقابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ
وممّا جاء فيه معرفةً قولُه تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (١)، فقوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ منصوبٌ لأنّه مفعولٌ له، وهو معرفةٌ بالإضافة. ومثلُه قولُ حاتم [من الطويل]:
٢٧٤ - وأغْفِرُ عَوْراءَ الكريمِ ادِّخارَهُ ... وأُعْرِضُ عن شَتْمِ اللَئِيمِ تَكَرُّمَا
فأتى بالمعرفة والنكرةِ في بيت واحد.
стр. 450
فأمّا قول العجّاج الذي أنشده، فشاهدٌ لصحّةِ ما ادّعاه من أنّ المفعول له يكون معرفةٌ ونكرة. فالنكرةُ قولُه: "مخافة"، والمعرفةُ قولُه: وَ"زَعَل المحبورِ" تُعرَّف بالإضافة. و"الهولَ" معطوفٌ على "كلَّ عاقر"، ولذلك نُصب. يصِف ثَوْرًا وَحْشيًّا. يقول: يركب كلَّ عاقر لنَشاطه. والعاقرُ من الرَّمْل: الذي لا يُنْبِت. وذلك لخَوْفه من الصائد، أو من سَبُع، أو لزَعَله وسُرورِه. والزَّعِلُ: المسرورُ المحبورُ. والهُبُور: جمعُ هَبْر، وهو المُطْمَئِنُّ من الأرض، لأنّها مَكْمَنُ الصائد. فهو يخافها، فيعدِل عنها إلى كلّ عاقرٍ. ويجوز أن يكون "الهولَ" أيضًا مفعولاً له، أي: يركب ذلك لهولٍ يَهُوله كَهْولِ القَبْر على مَن رَوَى: القُبُورِ.
стр. 451
شَرحُ المفَصَّلِ للزمَخشَريّ
تأليف
موفّق الدّين أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش الموصلي
المتوفىّ سنة ٦٤٣ هـ
قدم له ووضع هوامشه وفهارسه
الدكتور إميل بَديع يعقوب
الجزء الثاني
منشورات
محمد على بيضون
لنِشر كُتبِ السُّنّةِ والجمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
стр. 452
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
ــ
جميع حقوق الملكية الادبية والفنيه محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت- لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقه الناشر خطياً.
ــ
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م
ــ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف. شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد:٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
стр. 453
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحال
قال صاحب الكتاب: "شبه الحال بالمفعول من حيث أنها فضلة مثله, جاءت بعد مضي الجملة. ولها بالظرف شبه خاصٌّ من حيث أنها مفعولٌ فيها, ومجيئها لبيان هيئة الفاعل, أو المفعول, وذلك قولك: "ضربت زيدًا قائمًا تجعله حالًا من أيهما شئت وقد تكون منهما ضربةً على الجمع والتفريق كقولك: "لقيته راكبين". قال عنترة [من الوافر]:
٢٧٥ - متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتُستطارا
و"لقيته مصعدًا ومنحدرًا"".
* * *
стр. 454
قال الشارح: اعلم أنّ الحال وَصْفُ هَيْئةِ الفاعل أو المفعولِ، وذلك نحوُ: "جاء زيدٌ ضاحِكًا"، و"أقبل محمّدٌ مُسْرِعًا"، و"ضربتُ عبدَ اللَّه باكيًا"، و"لقيتُ الأميرَ عادلًا". والمعنى: جاء عبدُ اللَّه في هذه الحال، ولقيتُ الأمير في هذه الحال. واعتبارُه بأن يقع في جوابِ "كَيْفَ". فإذا قلتَ: "أقبل عبدُ الله ضاحكًا"، فكأَنّ سائلًا سأل: "كيف أقبل"؟ فقلتَ: "أَقبل ضاحكًا"، كما يقع المفعولُ له في جوابِ "لِمَ فعلتَ".
وإنّما سُمّي حالًا لأنّه لا يجوز أن يكون اسمُ الفاعل فيها إلَّا لِمَا أنت فيه، تَطاولَ الوقتُ أم قَصرَ. ولا يجوز أن يكون لِما مضى وانقطع، ولا لِما لم يأتِ من الأفعال. إذ الحالُ إنّما هي هيئةُ الفاعل أو المفعولِ وصفتُه في وقتِ ذلك الفعل. والحال تُشْبِه المفعولَ، وليست به. ألا ترى أنّه يعمل فيها الفعلُ اللازمُ غيرُ المتعدّي، نحوُ: "جاءَ زيدٌ راكبًا"، و"أقبل عبدُ الله مُسْرِعًا؟ " فـ "أقْبَلَ" و"جَاءَ" فعلان لازمان غيرُ متعدِّيَيْن، وقد عمِلا في الحال، فدلّ ذلك أنّها ليست مفعولةً كـ "ضَرَبَ زيدٌ عمرًا". وممّا يدلّ أنّها ليست مفعولةً أنّها هي الفاعلُ في المعنى، وليست غيرَه، فـ "الراكبُ" في "جاء زيدٌ راكبًا" هو زيدٌ. وليس المفعولُ كذلك بل لا يكون إلَّا غيرَ الفاعل أو في حُكْمه، نحوَ "ضرب زيدٌ عمرًا". ولذلك امتنع "ضربتُني" و"ضربتَك" لاتّحادِ الفاعل والمفعول. فأمّا قولهم: "ضربتُ نفسي" فـ "النفسُ" في حكمِ الأجّنَبيّ، ولذلك يُخاطِبها رَبُّها، فيقول: "يا نفسي أقْلِعِي" مُخاطَبةَ الأجنبيّ. ولو كانت الحالُ مفعولةٌ، لجاز أن تكون معرفةً. ونكرةً كسائر المفعولين. فلمّا اختصّت بالنكرة، دلّ على أنّها ليست مفعولةً. وإذ قد ثبت أنّها ليست مفعولة، فهي تُشْبِه المفعولَ من حيث إنّها تجيء بعد تَمامِ الكلام، واستغناءِ الفعل بفاعله، وأنّ في الفعل دليلًا عليها كما كان فيه دليلٌ على المفعول، ألا ترى أنّك إذا قلت: "قمتُ"، فلا بدّ أن تكون قد قمتَ في حالٍ من الأحوال، فأشْبَهَ قولُك: "جاء عبدُ الله راكبًا" قولَك: "ضَرَبَ عبدُ الله رجلاً"، ولأجلِ هذا الشَّبَه استحقّت أن تكون منصوبةً.
وقوله: "ولها بالظرف شَبَهٌ خاصٌّ" يعني أنّ الحال تُشْبِه المفعولَ على سبيلِ العُموم من الجهات التي ذكرناها، ولا تخُصّ مفعولًا دون مفعول، ولها شَبَهٌ خاصٌّ بالمفعول فيه، وخُصوصًا ظرفِ الزمان. وذلك لأنّها تُقدَّر بـ "في". كما يُقدَّر الظرفُ بـ "فِي" فإذا قلت: "جاء زيدٌ راكبًا"، كان تقديرُه: في حالِ الركوب، كما أنّك إذا قلت: "جاء زيدٌ اليوم"، كان تقديرُه: جاء زيدٌ في اليوم، وخصّ الشَّبَهُ بظرف الزمان، لأنّ الحال لا تبقَى، بل تنتقِل إلى حالٍ أُخْرَى، كما أنّ الزمان مُنْقَضٍ لا يبقى، ويخلُفُه غيره. ولذلك لا يجوز
стр. 455
أن تكون الحالُ خِلْقَةً، فلا يجوز "جاءني زيدٌ أحْمَرَ، ولا أحْوَلَ ولا طويلًا"، فإذا قلت: "متحاوِلًا، أو متطاوِلًا" جاز, لأنّ ذلك شيءٌ يفعله، وليس بخُلْقَةٍ، فيجوز انتقالُه.
والحال تكون بَيانًا لهَيْئة الفاعلِ، أو المفعولِ، فتقول: "جاء زيدٌ قائمًا"، فتكون بيانًا لهيئةِ الفاعل الذي هو زيد، وتقول: "ضربتُ زيدًا قائمًا" إن شئتَ جعلتَه حالًا من الفاعل الذي هو التاءُ، وإن شئت جعلتَه حالًا من المفعول الذي هو زيد، وهذا فيه تسمُّحٌ، وذلك أنّك إذا جعلتَ الحال من التاء، وجب أن تُلاصِقه، فتقول: "ضربتُ قائمًا زيدًا". فإذا أزلتَ الحالَ عن صاحبها، فلم تلاصقه، لم يجز ذلك، لِما فيه من اللَّبْس، إلَّا أن يكون السامعُ يعلَمه كما تعلمُه، فإن كان غيرَ معلوم، لم يجز، وكان إطلاقُه فاسدًا.
وقد تكون الحال منهما معًا، فإن كانتا متّفِقتَيْن، نحوَ: "قائمٍ" و"قائمٍ"، أو "ضاحكٍ" و"ضاحكٍ" فأنت مخيَّرٌ إن شئت فرّقتَ بينهما، فقلت: "ضربتُ زيدًا قائمًا قائمًا" تجعل أحدَهما للفاعل والآخَرَ للمفعول ولا تُبالي أيَّهما جعلتَ للفاعل، لأنّه لا لَبْسَ في ذلك، وإن شئت جمعتَ بينهما، فقلت: "ضربتُ زيدًا قائميْن"، لأنّ الاشتراك قد وقع في الحال، والعاملُ واحدٌ، وصار كأنّك قلت: "ضربتُ قائمًا زيدًا قائمًا"، واستغنيتَ بالتثنية عن التفريق، قال الشاعر [من الوافر]:
مَتى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ ... إلخ
البيتُ لَعَنْتَرَةَ، وقبله: [من الوافر]
أحَوْلِي تَنْفُضُ اسْتُكَ مِذْرَوَيْهَا ... لِتَقْتُلَنِي فَهَا أنَا ذَا عُمّارًا
والشاهد فيه قوله: فردَيْن، وهو حالٌ من الفاعل والمفعولِ، أي: أنَا فَرْدٌ، وأنت فردٌ. والروانفُ: جمعُ رانِفَةٍ، والرانِفةُ أسْفَلُ الألْيَةِ، وطَرَفُها ممّا يَلِي الأرضَ من الإنسان إذا كان قائمًا. وأمّا قوله: و"تُسْتَطارَا"، فيحتمل وُجوهًا:
أحدُها: أن يكون مجزومًا بحذف النون، والأصلُ "تُسْتَطَارَانِ" فالضميرُ للروانف، وعاد إليها الضميرُ بلفظ التثنية، وإن كان جمعًا لأنّها تثنيةٌ في المعنى، لأنّ كلٌّ ألْيَة لها رانِفةٌ، فهو من قبيلِ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١).
والثاني: أن يكون عائدًا إلى الأليتَيْن.
والثالثُ: أنّ يكون الضميرُ مفردًا عائدًا إلى المخاطَب، والألفُ بَدَلٌ من نونِ التأكيد، والأصلُ "تستطارَنْ"، فأبْدَلَ من النون ألفًا كما في قوله [من الطويل]:
٢٧٦ - [وذا النصبَ المنصوبَ لا تنسكنَّه] ... ولا تَعْبُدِ الشّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدَا
يُخاطِب قَرِينَه ويصف نفسَه بالشهامة.
стр. 456
وأمّا قولهم: "رأيتُ زيدًا مُصْعِدًا منحدِرًا"، و"رأيتُ زيدًا ماشيًا راكبًا" إذا كان أحدُهما مصعدًا والآخر، راكبًا، فالمراد أن تكون أنت المصعدَ، وزيدٌ المنحدرَ، فيكون "مصعدًا" حالًا للتاء، و"منحدرًا" حالًا لزيد، وكيف قدّرتَ بعد أن يعلم المخاطَبُ المصعدَ من المنحدر، فإنّه لا بأسَ عليك بتقدُّمِ أيِّ الحالَيْن شئتَ.
واعلم أنّه قد يكون للإنسان الواحدِ حالان فصاعدًا، لأنّ الحال خبرٌ، والمبتدأُ قد يكون له خبران فصاعدًا، فتقول: "هذا زيدٌ واقفًا ضاحكًا متحدِّثًا". ولا يجوز ذلك إن تَضادَّت الأحوالُ، نحوَ: "هذا زيدٌ قائمًا قاعدًا"، كما لا يجوز مثلُ "هذا زيدٌ قائمٌ قاعدٌ". فإن أردتَ أن تسبِك من الحالَيْن حالًا واحدةً، جاز، كما يجوز أن تسبك من الخبرَيْن خبرًا واحدًا، فتقول: "هذا الطَّعامُ حُلْوًا حامِضًا"، كأنّك أردتَ: هذا الطعامُ مُزَّا، فسبكتَ من الحالَيْن معنًى، كما تقول في الخبر: "هذا حُلْوٌ حامضٌ".
فصل [عامل الحال]
قال صاحب الكتاب: "والعامل فيها إما فعل وشبهه من الصفات, أو معنى فعل,
стр. 457
كقولك: "فيها زيد مقيماً"، وهذا عمرو منطلقاً، وما شأنك قائماً، وما لك واقفاً. وفي التنزيل: ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ (١)،و ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ (٢). و"ليت", و"لعل", و"كأن" ينصبنها أيضًا, لما فيهن من معنى الفعل، فالأول يعمل فيها متقدمًا ومتأخراً ولا يعمل فيها الثاني إلا متقدماً, وقد منعوا في مررت راكباً بزيد أن يجعل الراكب حالاً من المجرور".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الحال لا بدّ لها من عامل إذ كانت مُعرَبةً، والمعربُ لا بدّ له من عامل. ولا يكون العاملُ فيها إلَّا فعلًا، أو ما هو جارٍ مجرى الفعل من الأسماء، أو شيئًا في معنى الفعل، لأنّها كالمفعول فيها.
فمثال العامل إذا كان فعلًا قولُك: "جاء زيدٌ ضاحكًا"، فـ "زيدٌ" مرتفعٌ بأنّه فاعلٌ، و"ضاحكًا" حالٌ منه، والعاملُ فيهما الفعلُ المذكورُ الذي هو "جَاءَ"، لأنّ الحال صفةٌ من جهة المعنى. ولذلك اشتُرط فيها ما يُشترط في الصفات من الاشتقاق، نحوِ: ضاربٍ، ومضروبٍ، وشِبْهِهما. فكما أنّ الصفة يعمل فيها عاملُ الموصوف، فكذلك الحالُ يعمل فيها العاملُ في صاحب الحال، إلَّا أنّ عمَله في الحال على سبيلِ الفَضْلة، لأنّها جاريةٌ مجرى المفعول، وعمَلَه في الصفة على سبيل الحاجة إليها، إذ كانت مُبيِّنةً للموصوف، فجرتْ مجرَى حرف التعريف. وهذا أحد الفُروق بين الصفة والحال. وذلك أنّ الصفة تفرُق بين اسمَيْن مشترِكَين في اللفظ، والحالَ زيادةٌ في الفائدة والخبرِ، وإن لم يكن الاسمُ مشاركًا في لفظه. ألا ترى أنّك إذا قلت "مررتُ بزيدٍ القائمِ"، فأنت لا تقول ذلك إلَّا وفي الناس رجلٌ آخَرُ اسمُه زيدٌ، وهو غيرُ قائم، ففصلتَ بالقاَئم بينه وبين مَن له هذا الاسمُ، وليس بقائمٍ؟ وتقول: "مررت بالفَرَزْدَق قائمًا"، وإن لم يكن أحدٌ اسمُه الفرزدقُ غيرُه، فضممتَ إلى الإخبار بالمُرور خبرًا آخرَ متّصِلًا به مُفيدًا، إلَّا أنّ الخبر بالمرور على سبيل اللزوم، لأنّه به انعقدتِ الجملةُ، والإخبار بالقيام زيادةٌ، يجوز الاستغناءُ عنها.
ومثالُ ما كان جاريًا مجرى الفعل من الأسماء اسمُ الفاعل، واسمُ المفعول، والصفةُ المشبَّهةُ باسم الفاعل، نحوُ قولك: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا قائمًا". فـ "قائمٌ" حال من "عمرٍو"، والعاملُ فيه اسمُ الفاعل. وتقول: "زيدٌ مضروبٌ قائمًا"، فتكون الحالُ من المضمر في اسم المفعول، وهو العاملُ. وتقول: "زيدٌ حسنٌ قائمًا"، فتكون الحالُ من المضمر في الصفة، وهي العاملةُ في الحال، لأنّها مشبَّهةٌ باسم الفاعل على ما سيأتي بَيانُه.
ومثالُ العامل فيها إذا كان معنَى فعلٍ قولُك: "زيدٌ في الدار قائمًا"، فـ "قائمًا" حالٌ
стр. 458
من المضمر في الجارّ والمجرور، وهو العاملُ فيها لنِيابَته عن الاستقرار، فهذا العاملُ معنَى فعل، لأنّ لفظ الفعل ليس موجودًا، هذا إذا جعلتَه ظرفا لزيدٍ، ومستقَرًّا له. فإن جعلتَه ظرفًا للقائم، قلت: "زيدٌ في الدار قائمٌ"، فترفع "قائمًا" بالخبر، ويكون الظرفُ صلةً له.
واعلم أنّه إذا كان العاملُ فيها فعلًا جاز تقديمُ الحال عليه، فتقول: "جاء زيدٌ قائمًا"، و"جاء قائمًا زيدٌ"، و"قائمًا جاء زيدٌ". كلُّ ذلك جائزٌ لتصرُّفِ الفعل. وكذلك ما أشْبَهَه من الصفات يجوز تقديمُ الحال عليه إذا كان عاملًا فيها، فتقول: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا قائمًا"، و"قائمًا زيدٌ ضاربٌ عمرًا"، وكذلك اسمُ المفعول والصفةُ المشبَّهةُ باسم الفاعل. حُكْمُ الجميع شيءٌ واحدٌ.
فإن كان العاملُ في الحال معنَى فعل، لم يجز تقديمُها على العامل. تقول: "فيها زيدٌ مُقِيمًا"، و"عندك عمرٌو جالِسًا"، فـ "زيدٌ" مرتفِعٌ بالابتداء، "وفِيهَا"، الخبرُ قد تقدّم، و"مقيمًا" حالٌ من المضمر في "فِيهَا" والعاملُ فيها الجارُّ والمجرورُ لِنيابَته عن الفعل الذي هو اسْتَقَرَّ، فقولُك: "عندك" ظرفٌ منصوبٌ بِـ "استقرّ" العاملِ المقدَّرِ. وكذلك "فِيهَا" في محلِّ نصب بِـ "استقر" المقدَّرِ، وهذا الظرفُ والضميرُ الذي فيه في محلّ مرفوع على الخبر. وليس الظرفُ خبرًا في الحقيقة إذا كان مفردًا، وليس الأوّلَ، وإنّما هو موضعٌ له ومكانٌ. وإذا كان كذلك، فالعاملُ إذا معنَى الفعل، لا لفظُه. ألا ترى أنّ الفعل ليس موجودًا في اللفظ، ولذلك لا تقول: "مُقيمًا فيها زيدٌ": فتُقدَّمَ الحالَ هنا، إذ كان العاملُ معنًى.
هذا مذهبُ سيبويه (١) في أنّ الاسمَ يُرفَع بالابتداء. وقال الكوفيون (٢): إذا تقدّم الظرفُ ارتفع الاسمُ به، وإذا تأخّرَ ارتفع الاسم بضمير مرفوع في الظرف، وحُجَّةُ سيبويه أنّا رأيناهم إذا أدخلوا على الظرف "إنَّ" وَنَحْوَها من عوامل الابتداءِ، انتصب الاسمُ بعد الظرف بها، كقولك: "إنّ في الدار زيدًا". فلو كان "في الدَارِ" يرفع "زيدًا" قبلَ دخولِ "إنَّ"، لَمَا غيّرتْها "إنَّ" عن العمل، كما أنا لو قلنا: "أنْ يقومَ زيدٌ". لم يجز أن يبطُل عملُ: "يَقُومَ" في "زيدٍ"، بل يُقال: "أن يقومَ زيدٌ". كذلك "إنَّ في الدار زيدًا".
وممّا يدلّ على بُطْلانِ ما قالوه إجماعُهم على جوازِ "في داره زيدٌ". فلو كان ارتفاعُ "زيد" بالظرف، لم تجز المسألةُ؛ لأنّ فيها إضمارًا قبل الذِّكْر، إذ الظرفُ قد وقع في مَرْتَبته، فلم يجز أن يُنْوَى به التأخيرُ، وإنّما يُجِيز سيبويه وأصحابُه: "في داره زيدٌ" لأنّه خبرٌ قُدّم اتّساعًا، فجاز أن يُنوَى به التأخير إلى موضعه، فاعرفه. فعلى هذا يكون الظرف
стр. 459
لـ "زيدٍ" ويَتعلّق بِاستقرارٍ محذوفٍ على ما شرحنا. ويجوز أن ترفع "قائمًا" على الخبر، ويكون الظرفُ له. ويتعلّق به لا بمحذوف.
ومن ذلك "هذا عمرٌو منطلقًا" فـ "هذا" مبتدأٌ، و"عمرٌو" الخبرُ، و"منطلقًا" نصبٌ على الحال، والعاملُ فيه أحدُ شيئَيْن: إمّا التَّنْبِيهُ، وإمّا الإشارةُ. فالتنبيُه بـ "هَا"، والإشارةُ بـ "ذَا". فإذا أعملتَ التنبيهَ، فالتقديرُ: انْظُرْ إليه منطلقًا، أو انْتَبِهْ له منطلقًا. وإذا أعملتَ الإشارةَ، فالتقديرُ: أُشِيرُ إليه منطلقًا، والغَرَضُ أنّك أردتَ أن تُنبِّه المخاطَبَ لعمرٍو في حالِ انطلاقه، ولا بدّ من ذِكْرِ "منطلقًا"، لأَنَّ الفائدة به منعقِدةٌ، ولم تُرد أن تُعرّفه إيّاه، وأنت تُقدِّر أنّه يجهَله. كما تقول: "هذا عبدُ الله" إذا أردتَ هذا المعنى، ولا يُستبعد لُزومُ الحال ها هنا، فإنّه قد يتّصِل بالاسم والخبرِ ما ليس باسمٍ ولا خبرٍ، ولا يتِمّ الكلامُ إلَّا به، نحوُ قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١)، فإنّه ليس باسمٍ ولا خبرٍ، ولو حُذف لَفسد الكلامُ، لأنّه معطوفٌ على الخبر، وهو جملةٌ، فلا بدّ من عائدٍ، والعائدُ "لَهُ"، ولو حُذف، لَبقيتِ الجملةُ الخبريّةُ بلا عائدٍ، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ.
فإن قيل: فأنتم قد قررتم أنّ العامل في الحال يكون العاملَ في ذي الحال، والحالُ ها هنا في قولك: "هذا زيدٌ منطلقًا" من "زيد"، والعاملُ فيه الابتداءُ من حيثُ هو خبرٌ، والابتداءُ لا يعمل نصبًا. فالجوابُ أنّ هذا كلامٌ محمولٌ على معناه دون لفظه، والتقديرُ: أُشِيرُ إليه أو انْتَبِهْ له على ما تقدّم في قولنا، فهو مفعولٌ من جهة المعنى. وصل الفعلُ إليه بحرف الجرّ، فيكون من قبيلِ "مررتُ بزيدٍ قائمًا" فاعرفه.
ويجوز الرفعُ في قولك: "منطلقًا" من قولك: "هذا عبدُ الله منطلقًا". قال سيبويه (٢): هو عربيٌّ جيّدٌ، حكاه يُونُسُ وأبو الخَطّاب عن مَن يوثَق به من العرب. وارتفاعُه من وجوهٍ:
منها: أنّك حين قلت: "هذا عبدُ الله منطلقٌ" أضمرتَ "هَذَا" أو "هُوَ"، كأنّك قلت: "هذا منطلقٌ"، أو "هو منطلقٌ".
والوجه الآخَر: أن تجعلهما جميعًا خبرًا لهَذَا كقولك: "هذا حُلْوٌ حامِضٌ" لا تُريد أنّ تَنْقُض الحَلاوةَ، ولكن تزعُم أنّه قد جمع الطَّعْمَيْن، ونحوُه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ (٣).
والوجه الثالث: أن تجعل "عبد الله" معطوفًا على "هَذَا" عَطْفَ بيان كالوَصْف، فيصير كأنّه قال: "عبدُ الله منطلقٌ".
ووجه رابع: أن تجعل "منطلقٌ" بَدَلًا من "عبد الله"، كأنّك قلت: "هذا عبدُ الله
стр. 460
رجلٌ منطلقٌ"، فيكون "رجلٌ" بدلاً من "عبد الله" بَدَلَ النكرة من المعرفة، ثمّ حُذف الموصوف وأُقيم الصفة مُقامَه.
وأمّا قولهم: "ما شأنُك قائمًا؟ "، و"ما لك واقِفًا؟ "، فَـ "ما" استفهامٌ، وهو في موضعِ رفع بالابتداء، و"شأنُك" الخبرُ، أو يكون "شأنُك" مبتدأً، و"مَا" الخبرَ قد تقدّم، و"قائمًا" حالًا، والناصبُ لـ "قائمًا" "شأنُك"، لأنّه في معنَى "ما تَصْنَعُ"، أو "ما تُلابِسُ في هذه الحال". وكأنّه شيءٌ عَرَفَه المتكلّمُ من المسؤُول الذي هو الكافُ في "شأنُك"، فسَألَه عن شأنه في هذه الحال، وقد يكون فيه إنكارٌ لقِيامه، ويسأله عن السبب الذي أدّى إليه، فكأنّه قال: "لِمَ قمت".
وعلى هذا المعنى يجوز أن يكون قولُه تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (١)، كأنّه أنكر إعراضَهم، فوَبَّخهم على السبب الذي أدّاهم إلى الإعراض، فأخرجه مُخْرَجَ الاستفهام في اللفظ، وتأويلُ "ما لك قائمًا"، تأويلُ "ما شأنُك قائمًا" كأنّه قال: "ما تصنع".
فأمّا قولهم: "مررتُ بزيدٍ راكبًا" على أن تكون الحالُ من "زيد"، فإنّ ذلك جائزٌ؛ لأنّ الحال قد تكون من المجرور كما تكون من المنصوب، إذا كان العاملُ في الموضع فعلًا، لا خِلافَ في جوازِ ذلك، فإن قدّمتَ الحالَ من المجرور على الجارّ والمجرور، نحوَ قولك: "مررتُ راكبًا بزيدٍ"، وأنت تجعل "راكبًا" لزيد، فإنّ سيبويه (٢) وأبا بَكْرِ بنَ السرّاج، ومَن تبِعهما مَنَعَا من جوازِ ذلك، لأنّ العامل، وإن كان الفعلَ، لكنّه لمّا لم يصل إلى ذي الحال الذي هو "زيدٌ" إلَّا بواسِطةِ حرف الجرّ، لم يجز أن يعمل في حاله قبل ذِكْرِ ذلك الحرف، وكما لا يجوز تقديمُ صاحب الحال على حرف الجرّ، كذلك لا يجوز تقديمُ الحال عليه. وقد أجازه ابنُ كَيْسانَ قياسًا، إذ كان العاملُ فيه الفعلَ في الحقيقة.
فصل [وقوع المصدر حالًا]
قال صاحب الكتاب: "وقد يقع المصدر حالاً كما تقع الصفة مصدراً في قولهم: "قم قائماً"، وفي وقوله [من الطويل]:
٢٧٧ - [ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاجٍ قائمًا ومقامِ