← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأمّا قولهم: "رأيتُ زيدًا مُصْعِدًا منحدِرًا"، و"رأيتُ زيدًا ماشيًا راكبًا" إذا كان أحدُهما مصعدًا والآخر، راكبًا، فالمراد أن تكون أنت المصعدَ، وزيدٌ المنحدرَ، فيكون "مصعدًا" حالًا للتاء، و"منحدرًا" حالًا لزيد، وكيف قدّرتَ بعد أن يعلم المخاطَبُ المصعدَ من المنحدر، فإنّه لا بأسَ عليك بتقدُّمِ أيِّ الحالَيْن شئتَ. واعلم أنّه قد يكون للإنسان الواحدِ حالان فصاعدًا، لأنّ الحال خبرٌ، والمبتدأُ قد يكون له خبران فصاعدًا، فتقول: "هذا زيدٌ واقفًا ضاحكًا متحدِّثًا". ولا يجوز ذلك إن تَضادَّت الأحوالُ، نحوَ: "هذا زيدٌ قائمًا قاعدًا"، كما لا يجوز مثلُ "هذا زيدٌ قائمٌ قاعدٌ". فإن أردتَ أن تسبِك من الحالَيْن حالًا واحدةً، جاز، كما يجوز أن تسبك من الخبرَيْن خبرًا واحدًا، فتقول: "هذا الطَّعامُ حُلْوًا حامِضًا"، كأنّك أردتَ: هذا الطعامُ مُزَّا، فسبكتَ من الحالَيْن معنًى، كما تقول في الخبر: "هذا حُلْوٌ حامضٌ". فصل [عامل الحال] قال صاحب الكتاب: "والعامل فيها إما فعل وشبهه من الصفات, أو معنى فعل,

стр. 457

كقولك: "فيها زيد مقيماً"، وهذا عمرو منطلقاً، وما شأنك قائماً، وما لك واقفاً. وفي التنزيل: ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ (١)،و ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ (٢). و"ليت", و"لعل", و"كأن" ينصبنها أيضًا, لما فيهن من معنى الفعل، فالأول يعمل فيها متقدمًا ومتأخراً ولا يعمل فيها الثاني إلا متقدماً, وقد منعوا في مررت راكباً بزيد أن يجعل الراكب حالاً من المجرور". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الحال لا بدّ لها من عامل إذ كانت مُعرَبةً، والمعربُ لا بدّ له من عامل. ولا يكون العاملُ فيها إلَّا فعلًا، أو ما هو جارٍ مجرى الفعل من الأسماء، أو شيئًا في معنى الفعل، لأنّها كالمفعول فيها. فمثال العامل إذا كان فعلًا قولُك: "جاء زيدٌ ضاحكًا"، فـ "زيدٌ" مرتفعٌ بأنّه فاعلٌ، و"ضاحكًا" حالٌ منه، والعاملُ فيهما الفعلُ المذكورُ الذي هو "جَاءَ"، لأنّ الحال صفةٌ من جهة المعنى. ولذلك اشتُرط فيها ما يُشترط في الصفات من الاشتقاق، نحوِ: ضاربٍ، ومضروبٍ، وشِبْهِهما. فكما أنّ الصفة يعمل فيها عاملُ الموصوف، فكذلك الحالُ يعمل فيها العاملُ في صاحب الحال، إلَّا أنّ عمَله في الحال على سبيلِ الفَضْلة، لأنّها جاريةٌ مجرى المفعول، وعمَلَه في الصفة على سبيل الحاجة إليها، إذ كانت مُبيِّنةً للموصوف، فجرتْ مجرَى حرف التعريف. وهذا أحد الفُروق بين الصفة والحال. وذلك أنّ الصفة تفرُق بين اسمَيْن مشترِكَين في اللفظ، والحالَ زيادةٌ في الفائدة والخبرِ، وإن لم يكن الاسمُ مشاركًا في لفظه. ألا ترى أنّك إذا قلت "مررتُ بزيدٍ القائمِ"، فأنت لا تقول ذلك إلَّا وفي الناس رجلٌ آخَرُ اسمُه زيدٌ، وهو غيرُ قائم، ففصلتَ بالقاَئم بينه وبين مَن له هذا الاسمُ، وليس بقائمٍ؟ وتقول: "مررت بالفَرَزْدَق قائمًا"، وإن لم يكن أحدٌ اسمُه الفرزدقُ غيرُه، فضممتَ إلى الإخبار بالمُرور خبرًا آخرَ متّصِلًا به مُفيدًا، إلَّا أنّ الخبر بالمرور على سبيل اللزوم، لأنّه به انعقدتِ الجملةُ، والإخبار بالقيام زيادةٌ، يجوز الاستغناءُ عنها. ومثالُ ما كان جاريًا مجرى الفعل من الأسماء اسمُ الفاعل، واسمُ المفعول، والصفةُ المشبَّهةُ باسم الفاعل، نحوُ قولك: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا قائمًا". فـ "قائمٌ" حال من "عمرٍو"، والعاملُ فيه اسمُ الفاعل. وتقول: "زيدٌ مضروبٌ قائمًا"، فتكون الحالُ من المضمر في اسم المفعول، وهو العاملُ. وتقول: "زيدٌ حسنٌ قائمًا"، فتكون الحالُ من المضمر في الصفة، وهي العاملةُ في الحال، لأنّها مشبَّهةٌ باسم الفاعل على ما سيأتي بَيانُه. ومثالُ العامل فيها إذا كان معنَى فعلٍ قولُك: "زيدٌ في الدار قائمًا"، فـ "قائمًا" حالٌ

стр. 458

من المضمر في الجارّ والمجرور، وهو العاملُ فيها لنِيابَته عن الاستقرار، فهذا العاملُ معنَى فعل، لأنّ لفظ الفعل ليس موجودًا، هذا إذا جعلتَه ظرفا لزيدٍ، ومستقَرًّا له. فإن جعلتَه ظرفًا للقائم، قلت: "زيدٌ في الدار قائمٌ"، فترفع "قائمًا" بالخبر، ويكون الظرفُ صلةً له. واعلم أنّه إذا كان العاملُ فيها فعلًا جاز تقديمُ الحال عليه، فتقول: "جاء زيدٌ قائمًا"، و"جاء قائمًا زيدٌ"، و"قائمًا جاء زيدٌ". كلُّ ذلك جائزٌ لتصرُّفِ الفعل. وكذلك ما أشْبَهَه من الصفات يجوز تقديمُ الحال عليه إذا كان عاملًا فيها، فتقول: "زيدٌ ضاربٌ عمرًا قائمًا"، و"قائمًا زيدٌ ضاربٌ عمرًا"، وكذلك اسمُ المفعول والصفةُ المشبَّهةُ باسم الفاعل. حُكْمُ الجميع شيءٌ واحدٌ. فإن كان العاملُ في الحال معنَى فعل، لم يجز تقديمُها على العامل. تقول: "فيها زيدٌ مُقِيمًا"، و"عندك عمرٌو جالِسًا"، فـ "زيدٌ" مرتفِعٌ بالابتداء، "وفِيهَا"، الخبرُ قد تقدّم، و"مقيمًا" حالٌ من المضمر في "فِيهَا" والعاملُ فيها الجارُّ والمجرورُ لِنيابَته عن الفعل الذي هو اسْتَقَرَّ، فقولُك: "عندك" ظرفٌ منصوبٌ بِـ "استقرّ" العاملِ المقدَّرِ. وكذلك "فِيهَا" في محلِّ نصب بِـ "استقر" المقدَّرِ، وهذا الظرفُ والضميرُ الذي فيه في محلّ مرفوع على الخبر. وليس الظرفُ خبرًا في الحقيقة إذا كان مفردًا، وليس الأوّلَ، وإنّما هو موضعٌ له ومكانٌ. وإذا كان كذلك، فالعاملُ إذا معنَى الفعل، لا لفظُه. ألا ترى أنّ الفعل ليس موجودًا في اللفظ، ولذلك لا تقول: "مُقيمًا فيها زيدٌ": فتُقدَّمَ الحالَ هنا، إذ كان العاملُ معنًى. هذا مذهبُ سيبويه (١) في أنّ الاسمَ يُرفَع بالابتداء. وقال الكوفيون (٢): إذا تقدّم الظرفُ ارتفع الاسمُ به، وإذا تأخّرَ ارتفع الاسم بضمير مرفوع في الظرف، وحُجَّةُ سيبويه أنّا رأيناهم إذا أدخلوا على الظرف "إنَّ" وَنَحْوَها من عوامل الابتداءِ، انتصب الاسمُ بعد الظرف بها، كقولك: "إنّ في الدار زيدًا". فلو كان "في الدَارِ" يرفع "زيدًا" قبلَ دخولِ "إنَّ"، لَمَا غيّرتْها "إنَّ" عن العمل، كما أنا لو قلنا: "أنْ يقومَ زيدٌ". لم يجز أن يبطُل عملُ: "يَقُومَ" في "زيدٍ"، بل يُقال: "أن يقومَ زيدٌ". كذلك "إنَّ في الدار زيدًا". وممّا يدلّ على بُطْلانِ ما قالوه إجماعُهم على جوازِ "في داره زيدٌ". فلو كان ارتفاعُ "زيد" بالظرف، لم تجز المسألةُ؛ لأنّ فيها إضمارًا قبل الذِّكْر، إذ الظرفُ قد وقع في مَرْتَبته، فلم يجز أن يُنْوَى به التأخيرُ، وإنّما يُجِيز سيبويه وأصحابُه: "في داره زيدٌ" لأنّه خبرٌ قُدّم اتّساعًا، فجاز أن يُنوَى به التأخير إلى موضعه، فاعرفه. فعلى هذا يكون الظرف

стр. 459

لـ "زيدٍ" ويَتعلّق بِاستقرارٍ محذوفٍ على ما شرحنا. ويجوز أن ترفع "قائمًا" على الخبر، ويكون الظرفُ له. ويتعلّق به لا بمحذوف. ومن ذلك "هذا عمرٌو منطلقًا" فـ "هذا" مبتدأٌ، و"عمرٌو" الخبرُ، و"منطلقًا" نصبٌ على الحال، والعاملُ فيه أحدُ شيئَيْن: إمّا التَّنْبِيهُ، وإمّا الإشارةُ. فالتنبيُه بـ "هَا"، والإشارةُ بـ "ذَا". فإذا أعملتَ التنبيهَ، فالتقديرُ: انْظُرْ إليه منطلقًا، أو انْتَبِهْ له منطلقًا. وإذا أعملتَ الإشارةَ، فالتقديرُ: أُشِيرُ إليه منطلقًا، والغَرَضُ أنّك أردتَ أن تُنبِّه المخاطَبَ لعمرٍو في حالِ انطلاقه، ولا بدّ من ذِكْرِ "منطلقًا"، لأَنَّ الفائدة به منعقِدةٌ، ولم تُرد أن تُعرّفه إيّاه، وأنت تُقدِّر أنّه يجهَله. كما تقول: "هذا عبدُ الله" إذا أردتَ هذا المعنى، ولا يُستبعد لُزومُ الحال ها هنا، فإنّه قد يتّصِل بالاسم والخبرِ ما ليس باسمٍ ولا خبرٍ، ولا يتِمّ الكلامُ إلَّا به، نحوُ قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١)، فإنّه ليس باسمٍ ولا خبرٍ، ولو حُذف لَفسد الكلامُ، لأنّه معطوفٌ على الخبر، وهو جملةٌ، فلا بدّ من عائدٍ، والعائدُ "لَهُ"، ولو حُذف، لَبقيتِ الجملةُ الخبريّةُ بلا عائدٍ، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ. فإن قيل: فأنتم قد قررتم أنّ العامل في الحال يكون العاملَ في ذي الحال، والحالُ ها هنا في قولك: "هذا زيدٌ منطلقًا" من "زيد"، والعاملُ فيه الابتداءُ من حيثُ هو خبرٌ، والابتداءُ لا يعمل نصبًا. فالجوابُ أنّ هذا كلامٌ محمولٌ على معناه دون لفظه، والتقديرُ: أُشِيرُ إليه أو انْتَبِهْ له على ما تقدّم في قولنا، فهو مفعولٌ من جهة المعنى. وصل الفعلُ إليه بحرف الجرّ، فيكون من قبيلِ "مررتُ بزيدٍ قائمًا" فاعرفه. ويجوز الرفعُ في قولك: "منطلقًا" من قولك: "هذا عبدُ الله منطلقًا". قال سيبويه (٢): هو عربيٌّ جيّدٌ، حكاه يُونُسُ وأبو الخَطّاب عن مَن يوثَق به من العرب. وارتفاعُه من وجوهٍ: منها: أنّك حين قلت: "هذا عبدُ الله منطلقٌ" أضمرتَ "هَذَا" أو "هُوَ"، كأنّك قلت: "هذا منطلقٌ"، أو "هو منطلقٌ". والوجه الآخَر: أن تجعلهما جميعًا خبرًا لهَذَا كقولك: "هذا حُلْوٌ حامِضٌ" لا تُريد أنّ تَنْقُض الحَلاوةَ، ولكن تزعُم أنّه قد جمع الطَّعْمَيْن، ونحوُه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ (٣). والوجه الثالث: أن تجعل "عبد الله" معطوفًا على "هَذَا" عَطْفَ بيان كالوَصْف، فيصير كأنّه قال: "عبدُ الله منطلقٌ". ووجه رابع: أن تجعل "منطلقٌ" بَدَلًا من "عبد الله"، كأنّك قلت: "هذا عبدُ الله

стр. 460

رجلٌ منطلقٌ"، فيكون "رجلٌ" بدلاً من "عبد الله" بَدَلَ النكرة من المعرفة، ثمّ حُذف الموصوف وأُقيم الصفة مُقامَه. وأمّا قولهم: "ما شأنُك قائمًا؟ "، و"ما لك واقِفًا؟ "، فَـ "ما" استفهامٌ، وهو في موضعِ رفع بالابتداء، و"شأنُك" الخبرُ، أو يكون "شأنُك" مبتدأً، و"مَا" الخبرَ قد تقدّم، و"قائمًا" حالًا، والناصبُ لـ "قائمًا" "شأنُك"، لأنّه في معنَى "ما تَصْنَعُ"، أو "ما تُلابِسُ في هذه الحال". وكأنّه شيءٌ عَرَفَه المتكلّمُ من المسؤُول الذي هو الكافُ في "شأنُك"، فسَألَه عن شأنه في هذه الحال، وقد يكون فيه إنكارٌ لقِيامه، ويسأله عن السبب الذي أدّى إليه، فكأنّه قال: "لِمَ قمت". وعلى هذا المعنى يجوز أن يكون قولُه تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (١)، كأنّه أنكر إعراضَهم، فوَبَّخهم على السبب الذي أدّاهم إلى الإعراض، فأخرجه مُخْرَجَ الاستفهام في اللفظ، وتأويلُ "ما لك قائمًا"، تأويلُ "ما شأنُك قائمًا" كأنّه قال: "ما تصنع". فأمّا قولهم: "مررتُ بزيدٍ راكبًا" على أن تكون الحالُ من "زيد"، فإنّ ذلك جائزٌ؛ لأنّ الحال قد تكون من المجرور كما تكون من المنصوب، إذا كان العاملُ في الموضع فعلًا، لا خِلافَ في جوازِ ذلك، فإن قدّمتَ الحالَ من المجرور على الجارّ والمجرور، نحوَ قولك: "مررتُ راكبًا بزيدٍ"، وأنت تجعل "راكبًا" لزيد، فإنّ سيبويه (٢) وأبا بَكْرِ بنَ السرّاج، ومَن تبِعهما مَنَعَا من جوازِ ذلك، لأنّ العامل، وإن كان الفعلَ، لكنّه لمّا لم يصل إلى ذي الحال الذي هو "زيدٌ" إلَّا بواسِطةِ حرف الجرّ، لم يجز أن يعمل في حاله قبل ذِكْرِ ذلك الحرف، وكما لا يجوز تقديمُ صاحب الحال على حرف الجرّ، كذلك لا يجوز تقديمُ الحال عليه. وقد أجازه ابنُ كَيْسانَ قياسًا، إذ كان العاملُ فيه الفعلَ في الحقيقة. فصل [وقوع المصدر حالًا] قال صاحب الكتاب: "وقد يقع المصدر حالاً كما تقع الصفة مصدراً في قولهم: "قم قائماً"، وفي وقوله [من الطويل]: ٢٧٧ - [ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاجٍ قائمًا ومقامِ

стр. 461

علي حلفةٍ لا أشتم الدهر مسلمًا] ... ولا خارجا من فيَّ زور كلام وذلك قتلته صبراً، ولقيته فجاءه وعياناً كفاحاً، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضاً وعدواً ومشياً، وأخذت عنه سمعاً، أي مصبوراً ومفاجئاً ومعايناً, وكذلك البواقي وليس عند سيبويه (١) بقياسٍ. وأنكر "أتانا رجلة وسرعة". وأجازه المبرد في كل ما دل عليه الفعل". * * *

стр. 462

قال الشارح: اعلم أنّ المصدر قد يقع في موضع الحال، فيقال: "أتيتُه رَكْضًا"، و"قتلتْه صَبْرًا"، و"لقيتُه فُجاءةً وعِيانًا" و"كلّمتُه مُشافَهةً". والتقدير: أتيتُه راكِضًا، وقتلتُه مصبورًا، إذا كان الحالُ من الهاء، فإن كان من التاء فتقديرُه: قتلتُه صابرًا، ولقيتُه مُفاجِئًا ومُعايِنًا، وكلّمتُه مُشافِها. فهذه المصادرُ وشبْهُها وقعتْ موقعَ الصفة، وانتصبتْ على الحال كما قد تقع الصفةُ في موقع المصدر المؤكِّدِ، نحوَ: "قُمْ قائمًا"، والأصلُ: قُم قِيامًا. ألا ترى أنّه لا يحسن أن يُحمَل على ظاهره، فيقالَ: إِنّه حالٌ، لأنّك لا تأمر بفعلٍ مَن هو فيه؟ ومثلُه قوله [من الطويل]: على حِلْفَةٍ لا أشْتِمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ... ولا خارِجًا مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ البيت للفَرَزْدَق وقبله: ألَمْ تَرَنِي عاهَدْتُ رَبِّي وإنِّنِي ... لَبَيْنَ رِتاجٍ قائمًا ومَقامِ الشاهد فيه نصبُ "خارجًا من فيّ زورُ كلام". ونَصَبَه لوُقوعه موقع المصدر الموضوع موضعَ الفعل. والتقديرُ: عاهدتُ رَبّي لا يخرُج من فيَّ زورُ كلام خُروجًا. ويجوز أن يكون قوله: "ولا خارجًا" حالًا، والمراد: عاهدتُ ربّي غيرَ شاتمٍ، ولا خارجٍ، أي: عاهدتُه صادقًا. وهو رأيُ عيسى بن عمرو، والمعنى أنّه تابَ عن الهِجاء، وقَذْفِ المُحصَنات، وعاهَدَ اللَّهَ على ذلك بين رِتاجِ الكَعْبة، وهو بابُها ومقامِ إبراهيمَ، صلواتُ الله عليه. والأوّلُ مذهبُ سيبويه، وليس ذلك بقياس مُطّرِد وإنّما يُستعمل فيما استعملته العربُ، لأنّه شيءٌ وضع موضعَ غيره، كما أنّ باب "سَقيًا ورَعْيًا" و"حَمْدًا" لا يطّرِد فيه القياس، فيقال فيه: "طَعامًا وشَرابًا". وكان أبو العَبّاس يُجِيز هذا في كلّ شيء يدلّ عليه الفعلُ، فأجاز أن تقول: "أتانا رُجْلَةً"، و"أتانا سُرْعَةً"، ولا يقال: "أتانا ضَرْبًا"، ولا "أتانا ضِحْكًا"، لأنّ الضرب والضحكَ ليسا من ضروب الإتيان، لأنّ الآتِيَ ينقسِم إتيانُه إلى سُرْعةٍ، وإبْطاءٍ، وتوسُّطٍ، وينقسم إلى رُجْلَةٍ ورُكوبٍ، ولا ينقسم إلى الضرب، والضحكِ. وكان يقول: إنّ نصبَ "مَشْيًا" وشِبْهِه إنّما هو بالفعل المقدَّر، كأنّه قال: أتانا يَمْشِي مَشْيًا. والصحيح مذهبُ سيبويه، وعليه الزجّاجِ، لأنّ قولَ القائل: "أتانا زيدٌ مشيًا" يصِحّ أنّ يكون جوابًا لقائلٍ قال: "كيف أتاكم زيدٌ؟ " وممّا يدلّ على صحّةِ مذهب سيبويه أنّه لا يجوز أنّ تقول: "أتانا زيدٌ المَشْيَ" مُعَرَّفًا. وعلى قياس قول أبي العبّاس يلزَم أن يجوز ذلك، لأنّه يكون تقديرُه: أتانا زيد يمشي المشيَ، كما قالوا: "أرْسَلَهَا العِراكَ". والتقديرُ: أرسلها تعترِكُ العراكَ. وقد ذهب السيرافيُّ إلى جوازِ أنّ يكون قولك: "أتانا زيدٌ مَشْيًا" مصدرًا مؤكِّدًا، والعاملُ فيه أتانا، لأنّ المَشْيَ نَوْعٌ من الإتيان، ويكون من المصادر التي ليست من لفظ الفعل، نحو: "أَعْجَبَنِي حُبًّا"، و"كَرِهْتُه بُغْضًا"، و"تَبسّمَتْ

стр. 463

وَمِيضَ البَرْقِ". وهو قولٌ، إلاّ أنّ كَوْنه لم يَرِد إلّا نكرةً يدلّ على ضُعْفه، إذ لو كان مصدرًا على ما ادّعاه، لم يمتنِع من وقوع المعرفة فيه، فاعرفه. فصل [وقوع الأسماء أحوالًا] قال صاحب الكتاب: "والاسم غير الصفة والمصدر بمنزلتها في هذا الباب. تقول: "هذا بسراً أطيب منه رطباً"، وجاء البر قفيزين وصاعين"، و"كلمته فاه إلى فيَّ"، و"بايعته يداً بيد"، و"بعت الشاء شاة ودرهمًا"، و"بينت له حسابه بابًا بابًا"". * * * قال صاحب الكتاب: اعلم أنّ هذا الفصل قد اشتمل على مسائل من أبواب متعدِّدةٍ، لكنّه جَمَعَها كلّها كونُها أسماء غير صفات، وقعت أحوالًا. فمن ذلك قولُهم: "هذا بُسْرًا أطْيَبُ منه تَمْرًا"، فـ "هذا" مبتدأ، و"بسرًا" حالٌ، و"أطيب منه" خبرُ المبتدأ، و"بُسرًا" و"تمرًا": حالان من المشار إليه، لكن في زمنَيْن، لأنّ فيه تفضيل الشيء في زمانٍ من أزمانه على نفسه في زمن آخر. ويجوز أن يكون الزمانُ الذي يفضُل فيه ماضيًا، ويجوز أن يكون مستقبلًا. ولا بدّ من إضمار ما يدلّ على المُضِيّ فيه أو على الاستقبال على حَسْبِ ما يراد، فإن كان زمانًا ماضيًا، أضمرتَ "إذ"، وإن كان زمانًا مستقبلًا، أضمرتَ "إذا"، وكانت الإشارةُ إليه في حالِ ما هو بَلَحٌ. والعامل في الحال "كَانَ " المضمرةُ، وفيها ضميرٌ من المبتدأ. وهذه "كَانَ" التامّةُ وليست الناقصةَ، إذ لو كانت الناقصةَ، لوَقع معها المعرفةُ، وكنتَ تقول: "هذا البسر أطيبُ منه التمرَ"، لأنّ "كان" تعمل في المعرفة عَمَلَها في النكرة. فلمّا اختصّ الموضعُ بالنكرة، عُلم أنّها التامّةُ، وأنّ انتصابَ الاسمَيْن على الحال، لا على الخبر. والعامل في الظرفَيْن ما تَضمّنَه معنى "أَفْعَلَ". وجاز أن تعمل في الظرفَيْن، لأنّها تضمّنتْ شيئين: معنى فعلٍ ومصدرٍ، ألا ترى أنّك إذا قلت: "زيدٌ أفضلُ من عمرو"، فمعناه: يزيد فَضْلُه عليه. وكلُّ واحد من الفعل والمصدر يجوز أن يعمل. وذهب أبو عليّ إلى أنّ العامل في الحال الأوّل ما في هذَا من معنى الإشارة والتنبيه، والعامل في الحال الثاني "أفْعَلَ". قال: وذلك أنّه لا يخلو العاملُ في قولهم: "بُسْرًا" من أن يكون "هذا"، أو "أطْيَبُ"، أو مضمرًا، وهو "إذْ كان"، أو "إذا كان"، فلا يجوز أن يكون العاملُ فيه "أطيب" وقد تقدّم عليه، لأنّ "أفعل" هذا لا يَقْوَى قوَّةَ الفعل فيعملَ فيما قبلَه، ألا ترى أنّك لا تُجيز: "أنت مِمَّن أفْضلُ"، ولا "ممّن أنت أفضلُ"، فتُقدِّم الجارَّ والمجرورَ عليه لضُعْفه أن يعمل فيما تقدّم عليه؟ وإذا لم يعمل فيما كان متعلّقًا بحرف جرّ إذا تقدّم، مع أنّ حرف الجرّ يعمل فيه ما لا يعمل في غيره، نحو: "هذا مارٌّ بزيدٍ"، و"هذا مُعْطٍ لزيدٍ

стр. 464

أمسِ درهمًا"، فلأن لا يعمل فيما لا يتعلّق بحرف الجرّ ممّا شأنُه المفعولُ به أولى، فأمّا قولُ الفَرَزْدَق [من الطويل]: ٢٧٨ - فقالت لَنَا: أَهْلًا وسَهْلًا، وزَوَّدَتْ ... جَنَى النَّحْلِ أو ما زَوَّدَتْ منه أَطْيَبُ فضرورةً، وإذا كان كذا، لم يعمل "أطيب" في "بسرًا" لتقدُّمه عليه، وإذا لم يجز أن يكون العاملُ "أفْعَلَ" كان إمّا هذا، وإمّا المضمر، فإن أعملتَ فيه المضمرَ الذي هو "إذ كَانَ"، لَزم أن يكون العاملُ في "إذ" المضمرةِ "هَذَا"، أو ما فيه معنى الفعل غيره. فإذا كان العاملُ كذلك، ولم يكن بدٌّ من إعمال عاملٍ في الظرف، أعملتَ "هذا" في نفس الحال، واستغنيتَ عن إعمال ذلك المضمر، وإذا كان ذلك كذلك، كان ما قال الناسُ أنّه منصوبٌ على إضمار إذ كان على إرادتهم معنى هذا الكلام، لا حقيقة لفظه، وأمّا قولهم: "تَمْرًا"، فالعاملُ فيه "أطيب"، ولا يمتنِع أن يعمل فيه وإن لم يعمل في "بسرًا"؛ لأنّ ما تأخّرَ عنه لا يمتنع أن يعمل فيه كما عمِل في الظرف في قول أوْسٍ [من الطويل]: ٢٧٩ - فإنَّا وَجَدْنَا العِرْضَ أَحْوَجَ ساعةً ... إلى الصَّوْن من رَيْطٍ مُلاءٍ مُسَهَّمِ

стр. 465

ألا ترى أنّ "ساعةً" معمولُ "أحوج"، فكما عمل في الظرف كذلك يعمل في الحال، إذا تأخّر عنه، وهذا إنّما يكون فيما يتحوّل من نوع إلى نوع آخر، نحو: "هذا عِنَبًا أطيبُ منه زَبِيبًا"، لأنّ العنب يتحوّل زبيبًا، ولو قلت: "هذا عنبًا أطيب منه تَمْرًا" لم يجز؛ لأنّ العنب لا يتحوّل تمرًا. وإذا كان كذلك، لم يجز فيه إلاّ الرفعُ، فتقول: "هذا عنبٌ أطيبُ منه تمرٌ"، فيكون "هذا" مبتدأ، و"عنبٌ"، الخبر، و"أطيبُ منه" مبتدأ آخر، و"تمرٌ" الخبرَ، والجملةُ الثانيةُ في موضع صفة لـ "عنبِ" فاعرفه. وأمّا قولهم: "جاء البُرُّ قَفِيزَيْن وصاعَيْن"، فالمراد: جاء البرُّ قفيزَيْن بدرهمٍ، وصاعَيْن بدرهم، فقولُهم: "قفيزين" حالٌ من البرّ، وكذلك "صاعَيْن"، فهما حالان وقعا موقع المشتقّ، فكأنّه قال: جاء البرُّ مسعَّرًا، أو رَخِيصًا، والكلامُ جملة واحدة، ويجوز رفعُه، فتقول: "جاء البرُّ قفيزان بدرهم"، فيكون "قفيزان" مبتدأ، و"بدرهم" الخبرَ، والجملة في موضع الحال، والكلامُ حينئذ جملتان. وربّما قالوا: "جاء البَرُّ قفيزَيْن وصاعَيْن"، ولا يُذكَر الدرهم، فيحذِفون الثمَنَ، لأنّه قد عُرف ممّا جرى من عادة استعمالهم في ذلك، لأنّهم إذا اعتادوا ابتياعَ شيء بثمنٍ بعينه من درهم، أو دينارٍ، تركوا ذِكْرَه، لِما في نفوسهم من معرفته، كقولك: "البُرُّ الكُرُّ بستّين"، تريد "بستّين درهمًا" و"الخُبْزُ عشرةُ أرطال"، تريد: "بدرهمٍ"، فتركوا ذكرَه لغَلَبَةِ المعاملة فيه. وأمّا قولهم: "كلّمتُه فاهُ إلى فيَّ" فقولهم "فاه" نصبٌ على الحال، وجعلوه نائبًا عن "مشافَهةً"، ومعناه: مشافِهًا، فهو اسمٌ نائبٌ عن مصدر في معنى اسم الفاعل، والناصبُ للحال الفعل المذكور الذي هو "كلّمتُه"، وتقديره: كلّمتُه مشافِهًا. وليس ثمَّ إضمارُ عاملٍ آخر، فيكون من الشاذّ، لأنّه معرفةٌ بمنزلة "الجَمّاء الغَفِيرَ"، و"رَجَعَ عَوْدَه على بَدْئه". هذا مذهبُ أكثرِ أصحابنا البصريين، والكوفيون ينصبون "فاه إلى فيَّ" بإضمارِ "جاعِلًا"،

стр. 466

أو "مُلاصِقًا" كائه قال: كلّمتُه جاعلًا فاهُ إلى فيّ، أو ملاصقًا فاه إلى في. والمذهب الأوّل، وهو رأيُ سيبويه (١)، إذ لو كان بإضمار "جاعلًا"، لَما كان من الشاذّ الذي لا يُقاس عليه غيرُه، ولَجاز أنّ تقول: "كلّمتُه وَجْهَه إلى وَجْهي"، و"عَينَه إلى عيني"، وأشباهَ ذلك. وفي امتناعه دليلٌ على ما قلناه. وبعضُ العرب تقول: "كلّمتُه فُوهُ إلى فيَّ"، فيرفعونه بالابتداء والخبرِ، والجملةُ في موضع الحال، كأنّك قلت: "وفُوهُ إلى فيّ"، إلاّ أنّك استغنيتَ بإضمار العائد إليه عن الواو، ولولا الضميرُ المضاف إليه، لم يكن بدٌّ من الواو. وأمّا "بايَعْتُه يَدًا بِيَدٍ" فهو أيضًا من بابِ "كلّمتُه فاه إلى فيَّ"، لأنّه اسمٌ نائبٌ عن مصدر في معنى الصفة، كأنّه قال: "بايعتُه مناَقدَةً"، أي: ناقِدًا، إلاّ أنّ معناهما مختلِفٌ، ولذلك لا يجوز في "بايعتُه يَدًا بِيَدٍ" أن تقول: "بايعتُه يَدُه بِيَدٍ" بالرفع. ولا يجوز فيه غيرُ النصب بخِلافِ "كلّمتُه فُوه إلى فيَّ"، لأنّ المراد من قولك: "بايعتُه يدًا بِيَدٍ" التعجيلُ، والنَّقْدُ، وإن لم يكن بينهما قُرْبٌ في المكان. والمرادُ بقولك: "كلّمتُه فاهُ إلى فيَّ" القربُ في المكان، وأنّه ليس بينهما واسِطةٌ، فمعناهما مختلفٌ وإن كان طريقهما في تقدير الإعراب واحدًا. وأمّا قولهم: "بِعْتُ الشاء شاةً ودرهمًا"، فـ "شاةً" نصبٌ على الحال، وصاحبُ الحال "الشاءُ"، والعاملُ الفعل الذي هو "بِعْتُ"، والشاةُ وإن كان اسمًا جامدًا، فهو نائبٌ عن الصفة، لأنّه وقع موقعَ "مسعِّرًا"، فإذا قلتَ: "بعتُ الشاءَ شاةً ودرهمًا"، فمعناه "بعتُ الشاء مسعِّرًا على شاة بدرهمٍ". وجُعلت الواو في معنى الباء، فبطل الخفضُ وجُعل معطوفًا على "شاةً"، فاقترن الدرهمُ والشاةُ، فالشاةُ مُثمَّنٌ، والدرهمُ ثَمَنُه. وأجاز الخليلُ (٢): "بعتُ الشاء شاةٌ ودرهمٌ" بالرفع، والمرادُ: بدرهمٍ. فـ "شاةٌ بدرهم" ابتداء وخبر، والجملة في موضع الحال، فأما إذا قال: "شاة ودرهم"، فتقديره: شاة ودرهم مقرونان، فالخبر محذوفٌ، كما تقول: "كلُّ رجل وضَيْعَتَه" بمعنى: مع ضيعته، لأنّ في الواو معنى "مَعَ"، فصحّ معنى الكلام بذلك، وكذلك "بعتُ الشاء شاةٌ ودرهمٌ" لمّا رفع الدرهم، وعطفه على الشاة، قدّر خبرًا لا يخرج عن معنى "مع"، وهو مقرونان. ومثله "بيّنتُ له حِسابَه بابًا بابًا" فـ "بابًا" نصبٌ على الحال، لأنّه في معنى "مُصنَّفًا"، و"مُرتَّبًا". وهذه الأسماء التي في هذا الباب لا ينفرد منها شيءٌ، ولا بد من إتباعه بما بعده، فلا يجوز "كلمته فاه" حتى تقول: "إلى فيَّ" لأنك تريد إِنما تريد: مشافَهةً. والمشافهةُ لا تكون إلّا من اثنَيْن (٣). وكذلك لا يجوز: "بايعتُه يَدًا" حتى تقول

стр. 467

"بِيَدٍ", لأنّ المراد: أخَذَ منّي، وأعطاني، فهما من اثنين أيضًا، وكذلك: "بيّنتُ له حِسابَه بابًا بابًا"، لو قلت: "بابًا" من غيرِ تكرير، لَتُوُهّم أنّه رتّبه بابًا واحدًا، وليس المعنى عليه، وإنّما المرادُ به جعلُه أصنافًا، فاعرفه. فصل [تنكير الحال وتعريفها] قال صاحب الكتاب: "ومن حقها أن تكون نكرة، وذو الحال معرفة, وأما "أرسلها العراك"، و"مررت به وحده"، و"جاؤا قضهم بقضيضهم"، و"فعلته جهدك, وطاقتك"، فمصادر قد تكلم بها على نية وضعها في موضع مالا تعريف فيه، كما وضع "فاه إلى فيّ" موضع "شفاهًا"، وعُنى معتركة، منفرداً وقاطبة وجاهداً. ومن الأسماء المحذوِّ بها حذو هذه المصادر قولهم: "مررت بهم الجماء الغفير" (١) , وتنكير ذي الحال قبيحٌ, إلا إذا قدمت عليه ,كقوله [من الوافر]: ٢٨٠ - لعزة موحشًا طللٌ قديم ... [عفاهُ كلُّ أسحم مستديم] * * * قال الشارح: إنّما استحقّت الحالُ أن تكون نكرةً، لأنّها في المعنى خبرٌ ثانٍ، ألا ترى أنّ قولك: "جاء زيدٌ راكبًا" قد تضمّنَ الإخبارَ بمَجيءِ زيد ورُكوبِه في حالِ مجيئه، وأصلُ الخبر أن يكون نكرةً، لأنّها مستفادةٌ، وأيضًا فإنّها تُشْبِه التمييزَ في الباب، فكانت نكرةً مثلَه، وإنّها تقع في جواب "كيف جاء". و"كَيْفَ" سؤالٌ عن نكرة. وإنّما لزم أن يكون صاحبُها معرفةً لما ذكرناه من أنّها خبرٌ ثانٍ، والخبرُ عن النكرة غيرُ جائز، ولأنّه إذا كان نكرةً، أمكن أن تجري الحالُ صفةً، ولا حاجةَ إلى مخالَفتها إيّاه في الإعراب، إذ لا

стр. 468

فَرْقَ بين الحال في النكرة، والصفةِ في المعنى. وقد جاءت مصادرُ في موضع الحال، لفظُها معرفةٌ، وهي في تأويل النكرات. فمنها ما فيه الألفُ واللام، ومنها ما هو مضافٌ، فأمّا ما كان بالألف واللام، فنحو قولهم: "أرسلها العِراكَ". قال لَبِيدٌ [من الوافر]: ٢٨١ - فأرْسَلَهَا العِراكَ ولم يَذُدْهَا ... ولم يُشْفِقْ على نَغَصِ الدِّخالِ فنصب "العِراكَ" على الحال، وهو مصدرُ "عَارَكَ يُعَارِكُ مُعارَكةً، وعِراكًا"، وجعل "العِراكَ" في موضع الحال، وهو معرفةٌ، إذ كان في تأويل مُعْتَرِكَةٌ. وذلك شاذٌّ لا يُقاس عليه، وإنّما جاز هذا الاتّساعُ في المصادر، لأنّ لفظها ليس بلفظ الحال، إذ حقيقةُ الحال أن تكون بالصفات، ولو صرّحت بالصفة، لم يجز دخولُ الألف واللام، لم تقل العربُ: "أرسلها المعترِكة"، و"لا جاء زيدٌ القائمَ"، لوُجودِ لفظ الحال. والتحقيقُ أنّ هذا نائبٌ عن الحال، وليس بها، وإنّما التقديرُ: أرسلها معترِكةً، ثم جُعل الفعل موضع اسم الفاعل لمشابَهته له، فصار "تعترِكُ". ثمّ جُعل المصدر موضع الفعل لدلالته عليه، يقال: "أَوْرَدَ إبله العِراكَ" إذا أوْردها جميعًا الماء، من قولهم: "اعترك القومُ"، أي: ازدحموا في المُعْتَرَك. وأمّا ما جاء مضافًا، فنحو قولك: "مررتُ به وَحْدَه"، و"مررتُ بهم وَحْدَهم"، فـ "وحده" مصدرٌ في موضع الحال، كأنّه في معنى "إيحادٍ"، جاء على حذف الزوائد، كأنّك قلت: "أوحدتُه بمُروري إيحادًا"، أو "إيحادٌ" في معنى مُوحَدٍ، أي: مُنْفَرِدٍ، فإذا

стр. 469

قلت: "مررتُ به وَحْدَه"، فكأنّك قلت: "مررتُ به منفرِدًا"، ويحتمل عند سيبويه (١) أن يكون للفاعل وللمفعول. وكان الزَجّاج يذهب إلى أنّ "وحده" مصدرٌ، وهو للفاعل دون المفعول، فإذا قلت: "مررتُ به منفردًا"، فكأنّك قلت: "أفردتُه بمُروري إفرادًا". وقال يُونُس: إذا قلت: "مررتُ به وحدَه" فهو بمنزلةِ "مُوحَدًا"، أو "منفرِدًا"، وتجعله للمرور به. وليونسَ (٢) فيه قولٌ آخر: أنّ "وحدَه" معناه: على حِياله، و"على حياله" في موضع الظرف، وإذا كان الظرفُ صفةً أو حالًا، قُدّر فيه مستقِرٌّ ناصبٌ للظرف، ومستقرٌّ هو الأوّلُ. واعلم أنّ "وحدَه" لم يُستعمل إلاّ منصوبًا، إلاّ ما ورد شاذًّا، قالوا: "هو نَسِيجُ وَحْده" (٣)، و"عُيَيْرُ وحده" (٤)، و"جُحَيْشُ وحدِه" (٥). وأمّا "نسيجُ وحده"، فهو مَدْحٌ، وأصلُه أنّ الثوْب إذا كان رَفِيعًا، فلا يُنسَج على مِنْواله معه غيرُه. فكأنّه قال: نسيجُ إفراده. يقال هذا للرجل إذا أُفْرِدَ بالفضل. و"أمّا عُيَيْرُ وحده"، و"جُحَيْشُ وحده"، فهو تصغيرُ "عَيْرٍ"، وهو الحِمارُ، يقال للوَحْشيّ والأهْليّ، و"جُحَيشُ وحده"، وهو وَلَدُ الحمار فهو ذَمٌّ، يقال للرجل المُعْجَبِ برَأْيه، لا يُخالِط أحدًا في رأي، ولا يدخل في مَعُونةِ أحد. ومعناه أنّه ينفرِد بخِدْمةِ نفسه، وأما قولهم: "جاؤوا قَضَّهم بقَضيِضهم"، أي: جميعًا، ولمّا كان معناه التنكيرَ جاز أن يقع حالًا. قال الشمّاخ [من الطويل]: ٢٨٢ - أَتَتْنِي سُلَيْمٌ قَضَّهَا بقَضِيضِها ... تُمَسِّحُ حَوْلِي بالبَقِيع سِبالَها

стр. 470

فـ "قَضَّها" منصوبٌ على الحال، وقد استُعمل على ضربَيْن: منهم مَن ينصبه على كلّ حال، فيكون بمنزلةِ المصدر المضاف المجعولِ في موضع الحال، كقولك: "مررتُ به وَحْدَه". ومنهم من يجعل "قَضَّهَا" تابعًا مُؤكِّدًا لما قبله، فيُجرِيه مُجْرَى "كُلّهِم"، فيقول: "أتتني سليمٌ قَضُّها بقضيضها"، و"رأيتُ سليمًا قَضَّها بقضيضها"، و"مررتُ بسليمٍ قضِّها بقضيضها"، ومعناه أَجْمَعِينَ. وهو مأخوذٌ من القَضّ، وهو الكَسْرُ، وقد يُستعمل في موضع الوقوع على الشيء بسُرْعَةٍ، كما يقال: "عُقابٌ كاسرٌ"؛ فكأنّ قضّهم وَقَعَ بعضُهم على بعض، وأمّا قولهم: "فعلتَه جَهْدَك، وطاقَتَك" فهو مصدرٌ في موضع الحال. فهو وإن كان معرفةً، فمعناه على التنكير، كانّه قال: "فعلتَه مجتهِدًا". وأمّا قولهم: "مررتُ بهم الجَمّاءَ الغَفِيرَ"، فهما من الأسماء التي تجيء بها مَجِيءَ المصادر. فالجمّاءُ اسمٌ، والغفيرُ نعتٌ له، وهو في المعنى بمنزلة قولك: "الجَمَّ الكثيرَ"، لأنّه يراد به الكثرةُ. والغفيرُ يراد به أنّهم قد غطّوا الأرض من كثرتهم من قولنا: "غفرتُ الشيء"، إذا غطّيته. ومنه المِغْفَرُ الذي يوضَع على الرأس، لأنّه يُغطّيه. ونصبُه على الحال لأنّهما قد جُعلا في موضع المصدر كالعِراك، كأنّك قلت: "الجُمومَ الغفيرَ" على معنى "مررتُ بهم جامِّين غافِرين". وذهب يونسُ (١) إلى أنّ "الجَمّاء الغفيرَ" اسمٌ لا في موضع مصدر، وأنّ الألف واللام في نِيَّةِ الطرْح. وهذا غيرُ سديد إذ لو جاز مثلُ هذا، لَجاز "مررت به القائمَ". فتنصِبه على الحال، وتَنْوِي بالألف واللام الطرْحَ، وذلك غيرُ جائز. وتنكيرُ ذي الحال قبيحٌ. وهو جائزٌ مع قُبحه، لو قلت: "جاء رجلٌ ضاحكًا" لَقبُح مع جوازه، وجعلُه وصفًا لما قبله هو الوجهُ. فإن قدّمتَ صفةَ النكرة. نصبتَها على الحال، وذلك لامتناعِ جوازِ تقديمِ الصفة على الموصوف، لأنّ الصفة تجري مجرَى الصلة في الإيضاح، فلا يجوز تقديمُها على الموصوف، كما لا يجوز تقديمُ الصلة على الموصول. وإذا لم يجز تقديمُها صفةً، عُدل إلى الحال، وحُمل النصب على جوازِ "جاء رجلٌ ضاحكًا"، وصار، حينَ قُدّم، وَجْهَ الكلام، ويُسمِّيه النحويّون أحسنَ القبيحَيْن، وذلك أنّ الحال من النكرة قبيحٌ، وتقديمَ الصفة على الموصوف أقبحُ، قال الشاعر [من الطويل]:

стр. 471

٢٨٣ - وتَحْتَ العَوالِي بالقَنَا مستظِلَّةً ... ظِباءٌ أَعارَتْها العُيُونَ الجَآذِرُ أراد: ظباءٌ مستظلّةٌ، فلمّا قدّم الصفةَ، نصبها على الحال. وشرطُ ذلك أن تكون النكرةُ لها صفةٌ تجري عليها. ويجوز نصب الصفة على الحال والعاملُ في الحال شيءٌ متقدِّمٌ، ثمّ تُقدَّم الصفة لغرضٍ يعرِض، فحينئذٍ تُنصب على الحال. ويجِب ذلك لامتناعِ بَقائه صفةً مع التقدّم، وأمّا ما أنشده من قول الشاعر [من الوافر]: لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمُ فالبيتُ لكُثَيِّرٍ، وعَجُزُه: عَفاهُ كلُّ أَسْحَمَ مُسْتَدِيمِ والشاهد فيه تقديمُ موحش على الطلل، ونصبه على الحال، يصِف آثارَ الدِّيار، واندراسَها، وتَعْفِيَةَ السُّحُب إيّاها، فاعرفه. فصل [الحال المؤكدة] قال صاحب الكتاب: "والحال المؤكدة هي التي تجيء على إثر جملة, عقدها من اسمين لا عمل لهما, لتوكيد خبرها وتقرير مؤداه, ونفي الشك عنه، وذلك قولك: "زيد أبوك عطوفاً"، و"هو زيد معروفاً"، وهو الحق بيناً، ألا تراك حققت بالعطوف الأبوة، وبالمعروف والبين أن الرجل زيدٌ, وأن الأمر حق، وفي التنزيل: ﴿وهو الحق مصدقاً لما بين يديه﴾ (١). وكذلك "أنا عبد الله آكلاً كما يأكل العبيد" فيه تقرير للعبودية, وتحقيق لها.

стр. 472

وتقول أنا فلان بطلاً شجاعاً وكريماً جواداً, فتحقق ما أنت متسم به, وما هو ثابتٌ لك في نفسك، ولو قلت: زيد أبوك منطلقاً أو أخوك" أحلت, إلا إذا أردت التبني, والصداقة, والعامل فيها أثبته وأحقه مضمراً. * * * قال الشارح: الحال على ضربَيْن: فالضرب الأوّل ما كان منتقِلًا، كقولك: "جاء زيدٌ راكبًا"، فـ "راكبًا" حالٌ، وليس الركوبُ بصفةٍ لازمةٍ ثابتةٍ، إنّما هي صفةٌ له في حالِ مَجِيئه. وقد ينتقِل عنها إلى غيرها، وليس في ذِكْرها تأكيدٌ لما أخبر به، وإنّما ذُكرتْ زيادةً في الفائدة وفضلةً، ألا ترى أنّ قولك: "جاء زيدٌ راكبًا" فيه إخبارٌ بالمجيء والركوبِ، إلاّ أنّ الركوب وقع على سبيل الفضلة، وأنّ الاسم قبلَه قد استوفى ما يقتضيه من الخبر بالفعل. وأمّا الضربُ الثاني، فهو ما كان ثابتًا غيرَ منتقِل، يُذكَر توكيدًا لمعنى الخبر، وتوضيحًا له، وذلك قولُك: "زيدٌ أبوك عَطُوفًا" و"هو الحقُّ بَيِّنًا"، و"أنا زيدٌ معروفًا". فقولك: "عطوفًا" حالٌ، وهي صفةٌ لازمةٌ للأُبُوَّةِ، فلذلك أكّدتَ بها معنى الأُبوّة، وكذلك قولُه: "وهو الحقُّ بيّنًا" أكّد به الحقَّ، لأنّ ذلك ممّا يؤكَّد به الحقُّ، إذ الحقُّ لا يزال واضحًا بَيِّنًا. وكذلك قوله: "أنا زيدٌ معروفًا"، فـ "معروفًا" حالٌ أكّدتَ به كَوْنَه زيدًا, لأنّ معنى مَعْرُوفًا: لا شَكَّ فيه، فإذا قلت: "أنا زيدٌ لا شكّ فيه"، كان ذلك تأكيدًا لِما أخبرتَ به، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾، فـ "مصدّقًا" حالٌ مؤكِّدةٌ، إذ الحقُّ لا ينفَكُّ مصدّقًا. ومثله قولُ ابن دارَةَ [من البسيط]: ٢٨٤ - أَنَا ابنُ دارَةَ مَعْروفًا بها نَسَبِي ... وهَلْ بدارةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ

стр. 473

ولا يجوز أن يقع في هذا الموضع إلّا ما أَشْبَهَ المعروفَ ممّا يُعرِّف، ويُؤكِّد، لو قلتَ: "هو زيدٌ منطلقًا" لم يجز، لأنّه لو صحّ انطلاقُه لم يكن فيه دلالةٌ على صِدْقه فيما قاله، كما أوْجَبَ قولهُ: "معروفًا بها نَسَبي" أنّه ابنُهما. ولو قلت: "أنا عبدُ الله كريمًا جَوادًا"، أو "هو زيدٌ بَطَلًا شُجاعًا" لجَاز، لأنّ هذه الصفاتِ وما شاكَلَها ممّا يكون مَدْحًا في الإنسان يُعرَف بها، فجاز أن تجيء مُؤكِّدةً للخبر، لأنّها أشياءٌ يُعرَف بها، فذكرُها مؤكِّدةً لذاته. وتقول: "إنّي عبدُ الله" إذا صغّرتَ نفسَك لرَبّك، ثمّ تُفسِّر حالَ العَبِيد بقولك: "آكِلًا كما يأكُل العَبِيدُ". فقولك: "آكلًا كما يأكل العبيد" قد حقّق أنّك عبدُ الله، فعلى هذا المعنى ونحوه يصحّ، ويفسُد. فكلُّ ما صحّ به المعنى، فهو جيّدٌ، وكلُّ ما فسد به المعنى، فهو مردودٌ. وقوله: "تجيء على إثْرِ جملةٍ، عَقْدُها من اسمَيْن لا عَمَلَ لهما"، يعني أنّ الحال مؤكِّدةَ تأتِي بعد جملةٍ ابتدائيَّةٍ، الخبرُ فيها اسمٌ صريحٌ، ولا يكون فعلًا، ولا راجعًا إلى معنى فعل، لأنّ الحال ها هنا تكون تأكيدًا للخبر بذِكْرِ وَصْف من أوْصافه الثابتة له، والفعلُ لا ثَباتَ له، ولا يُوصَف. وقوله: "ولو قلت: زيدٌ أبوك منطلقًا، أو أخوك أَحَلْتَ"، يعني أنّه لا يكون أخاه أو أباه في حالٍ دون حالٍ، أو وقتٍ دون وقتٍ، فإن أردتَ أنّه أخوه من حيثُ الصَّداقةُ، أو أبوه من حيثُ أنّه تبنّى به، جاز، لأنّ ذلك ممّا ينتقِل، فيجوز أن يكون في وقت دون وقت. وأمّا العامل في هذه الحال، فهو عند سيبويه (١) فعلٌ مضمرٌ تقديره: أعْرِفُ ذلك، أو أَحُقُّه، ونحو ذلك ممّا دلّت عليه الحالُ، فيكون فيها توكيدُ الخبر بـ "أُحَقَّ"، و"أُعْرَفُ" كتوكيده باليَمِين. فإذا قلت: "أنا عبدُ الله معروفًا"، فكأنّك قلت: "لا شَكَّ فيه"، أو "أعرفُه"، أو "أحقُّه". وجرى ذلك في التأكيد بالجملة مجرَى قولك: "أنا عبد الله والله". وذهب أبو إسحاق الزجّاجُ إلى أنّ العامل في الحال الخبرُ لنِيابَته عن مُسَمًّى، أو مَدْعُوٍّ، ويُجعل فيه ذكْرٌ من الأوّل. والمذهبُ الأوّل. فصل [وقوع الحال جملةً] قال صاحب الكتاب: "والجملة تقع حالاً, ولا تخلو من أن تكون اسمية, أو

стр. 474

فعلية, فإن كانت اسمية فالواو إلا ما شذ من قولهم كلمته فوه إلى فيَّ، وما عسى أن يعثر عليه في الندرة؛ وأما "لقيته عليه جبة وشي"، فمعناه مستقرة عليه جبة وشي. وإن كانت فعلية لم تخل من أن يكون فعلها مضارعاً أو ماضياً. فإن كان مضارعاً لم يخل من أن يكون مثبتاً أو منفياً. فالمثبت بغير واو: وقد جاء في المنفي الأمران. وكذلك في الماضي. ولا بدّ معه من قد ظاهرة أو مقدرة". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الجملة قد تقع في موضع الحال، ولا تخلو الجملةُ من أن تكون اسميّةً، أو فعليّةً، فمِثالُ الاسميّة قولك: "مررتُ بزيدٍ على يَدِه بازٌ"، و"جاء زيدٌ وسيفه على كَتفِه"، أي: جاء وهذه حالُه. ولا يقع بعد هذه الواو إلاّ جملةٌ مركَّبةٌ من مبتدأ وخبر. وإذا وقعت هذه الجملةُ بعد هذه الواو حالًا، كنتَ في تضمينها ضميرَ صاحب الحال، وتَرْكِ ذلك، مخيَّرًا. فالتضمين كقولك: "أقبل محمّدٌ وَيَدُهُ على رأسه"، و"جاء أخوك وثَوْبُه نظيفٌ"، وتركُ التضمين كقولك: "جاء زيدٌ وعمرٌو ضاحكٌ"، و"أقبل بكرٌ وخالدٌ يقرأ"، وإنّما جاز استغناء هذه الجملة عن ضمير يعود منها إلى صاحب الحال من قِبَل أنّ الواو أغْنَتْ عن ذلك برَبْطها ما بعدها بما قبلها، فلم تَحْتَجْ إلى ضمير مع وجودها، فإن جئتَ بالضمير معها، فجيّدٌ، لأنّ في ذلك تأكيد رَبْطِ الجملة بما قبلها، وأمّا إذا لم تذكُر هناك واوًا، فلا بدّ من ضمير. وذلك نحو قولك: "أقبل محمّدٌ على رأسه قَلَنْسُوَةٌ". ولو قلت: "أقبل محمّدٌ على عبد الله قلنسوةٌ". وأنت تريد الحال لم يجز، لأنّك لم تأتِ برابطٍ يربِط الجملةَ بأوّلِ الكلام، لا واوٍ، ولا ضميرٍ يعود من آخِر الكلام إلى أوّله، فيدل على أنّه معقود بأوّله. قال الشاعر [من الكامل]: ٢٨٥ - نَصَفَ النَّهارَ الماءُ غامِرُهُ ... ورَفِيقُهُ بالغَيْبِ لا يَدْرِي

стр. 475

يصف غائضا غاصَ في الماء حتى انتصف النهار، ورفيقُه على شاطئ الماء لا يَدْرِي ما كان منه، فيقول: انتصف النهارُ على الغائص، وهذه حالُه. والهاءُ في "غامِرُه" ربطتِ الجملة بما قبلها حتى جرت حالًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (١)، والمعنى - واللَّهُ أعلمُ- يغشى طائفةً منكم في هذه الحال، وأمّا قول امرئ القيس [من الطويل]: ٢٨٦ - وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها ... بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوَابِدِ هَيْكَلِ فموضعُ الشاهد أنّه جعل الجملةَ التي هي: "والطيرُ في وكناتها" حالًا مع خُلُوِّها من عائدٍ إلى صاحب الحال اكتفاء برَبْط الواو. فهذه الواو، وما بعدها في موضع نصب على الحال بما قبلها من العوامل التي يجوز بها نصبُ الحال، وإذا قلت: "جاء زيدٌ وثوبُه نظيفٌ" [كانت] (٢) في موضع "جاء زيدٌ نظيفًا ثوبُه"، فكما أنّ "نظيفًا" نُصب بما قبله من الفعل، فكذلك الجملةُ الواقعةُ موقعَه في موضعِ منصوب، والعاملُ فيها ذلك الفعلُ.

стр. 476

فأمّا قوله: "فإن كانت الجملة اسميّةً فالواوُ"، فإشارةٌ إلى أنّه إذا وقعت الجملةُ الاسميّة حالًا، فيلزم الإتيانُ بالواو فيها، وليس الأمرُ كذلك، إنّما يلزم أن تأتيَ بما يُعلِّق الجملة الثانية بالأوُلى، لأنّ الجملة كلامٌ مستقِلٌّ بنفسه مُفيدٌ لمعناه، فإذا وقعت الجملةُ حالًا، فلا بدّ فيها ممّا يُعلِّقها بما قبلها، ويربِطها به، لئلّا يُتوهّم أنّها مستأنَفةٌ. وذلك يكون بأحدِ أمرَيْن: إمّا الواو، وإمّا ضمير يعود منها إلى ما قبلها على ما تقدّم. فمثالُ الواو: "جاء زيدٌ والأمير راكبٌ"، وقولُنا: "والأميرُ راكبٌ" جملةٌ في موضع الحال، ومثالُ الضمير "أقبل محمّدٌ يَدُه على رأسه". فقولُه: "يده على رأسه" جملةٌ في موضع الحال. فأمّا قوله: "إلاّ ما شَذَّ من قولهم: "كلّمته فُوه إلى فيَّ""، فإن أراد أنّه شاذّ من جهة القياس، فليس بصحيح لما ذكرناه من وُجودِ الرابط في الجملة الحاليّة، وهو الضميرُ في "فوه". وإِن أراد أنّه قليلٌ من جهة الاستعمال، فقريبٌ، لأنّ استعمال الواو في هذا الكلام أكثر، لأنّها أَدَلُّ على الغرض، وأظهرُ في تعليق ما بعدها بما قبلها. فأمّا "لقيتُه عليه جُبَّةُ وشْيٍ" فيحتمل الجارُّ والمجرورُ فيه أمرَيْن: أحدُهما أن يكون في موضع نصب على الحال، ويتعلّق حينئذٍ بمحذوفٍ، ويكون ارتفاعُ "جبّةُ وشي" بالجار والمجرور ارتفاعَ الفاعل. وهذا لا خلاف في جوازه ها هنا لاعتماده على ذي الحال. والأمرُ الثاني أن يكون "جبّةُ وشي" مبتدأ، والجارُّ والمجرور الخبرَ، وقد تقدّم عليه، وهو شاهدٌ على جوازِ خُلُوِّ الجملة الاسميّة من الواو. وصاحبُ الكتاب خرّجه على الوجه الأوّلِ، لأنّه لا يَرَى خُلُوَّ الجملة الاسميّة من الواو، إذا وقعتْ حالًا. وقد يقع الفعلُ موقعَ الحال، إذا كان في معناه، وكان المرادُ به الحال المصاحِبةَ للفعل. تقول: "جاء زيدٌ يَضْحَكُ"، أي: ضاحكًا، و"ضربتُ زيدًا يَرْكَبُ"، أي: راكبًا. قال الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (١)، أي: ماشِيَةً. وقال الشاعر [من الطويل]: ٢٨٧ - مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءٍ نارِه ... تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ

стр. 477

والمراد: عاشِيًا، ولا حاجة إلى الواوِ لما بين الفعل المضارع واسم الفاعل من المناسبَة. فأمّا الفعل المستقبَل فلا يقع موقعَ الحال، لأنّه لا يدلّ على الحالَ. لا تقول: "جاء زيدٌ سَيركَب"، ولا "أقبل محمّدٌ سَوْفَ يضحَك". وكذلك الفعلُ الماضي لا يجوز أن يقع حالًا لعدمِ دَلالته عليها، لا تقول: "جاء زيد ضَحِكَ" في معنى "ضاحكًا"، فإن جئتَ معه بـ "قَدْ"، جاز أن يقع حالًا، لأنّ "قَدْ" تُقرِّبه من الحال. ألا تراك تقول: "قد قامت الصلاةُ" قبل حالِ قيامِها؟ ولهذا يجوز أن يقترِن به "الآنَ" أو "الساعة" فيقال: "قد قام الآن أو الساعة"، فتقول: "جاء زيدٌ قد ضحِك"، و"أقبل محمّدٌ وقد عَلاهُ الشَّيْبُ"، ونحوه قال الشاعر [من الطويل]: ٢٨٨ - ذكرتُكِ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنَا ... وقد نَهِلَتْ مِنَّا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ

стр. 478

فموضعُ "قد نهلت" نصبٌ على الحال، والتقديرُ: "ناهِلةٌ". وربّما حذفوا منه "وَقَدْ" وهم يريدونها، فتكون مقدَّرةَ الوجود، وإن لم تكن في اللفظ. قال الشاعر [من الهزج]: ٢٨٩ - وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ ... غَذَا والزِّقُّ مَلآنُ والمراد: قد غذا. وقد تَأَوّلوا قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (١) على تقدير: "قد حصرت". ويؤيِّد ذلك قِراءةُ من قرأ: "حَصِرَةً" (٢) بالنصب. وذهب الكوفيون (٣) إلى جوازِ وقوعِ الفعل الماضي حالًا سواءً كان معه "قَد"، أو لم تكن. وإليه ذهب أبو الحسن الأخفشُ من البصريين، واحتجّوا لذلك بما تقدّم من النصوص. والمعني بالنصوص قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (٤) وقول الشاعر: وطعنٍ كفم الزقّ ... إلخ ونحو قول الآخر [من الطويل]: ٢٩٠ - وإنّي لتَعْرُوني لذِكّراكِ نُفْضَةٌ ... كما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ

стр. 479

وقوله: "حَصِرَتْ" من الآية حالٌ، وتؤيِّده قِراءةُ من قرأ: "حَصِرَةً" (١) على ما تقدّم. وكذلك "غَذَا" من قوله: "غذا والزقُّ ملآن". وكذلك قوله: "بلّله القطرُ" في موضعِ حال. وأمَّا المعنى فإنّ الفعل الماضي يقع صفةً للنكرة، وكلُّ ما جاز أن يكون صفةً، فإنّه يجوز أن يكون حالًا، ألا ترى أنّك تقول: "جاء زيدٌ يضحك" كما تقول: "جاء زيدٌ ضاحكًا"، لأنّك تقول: "جاء رجلٌ يضحك" كما تقول: "جاء رجلٌ ضاحكٌ"، فيكون صفةً للنكرة. وقد تقدّم الجوابُ عن النصوص بأنّ "قَدْ" مرادةٌ فيها، ولذلك حسُن الحالُ بالماضي، وأمّا ما ذكروه من المعنى، ففاسدٌ، والأمرُ فيه بالعَكْس، فإنّ كلَّ ما يجوز أنّ يكون حالًا يجوز أن يكون صفة للنكرة، وليس كلُّ ما يجوز أن يكون صفة للنكرة يجوز أن يكون حالًا، ألا ترى أن الفعل المستقبَل يجوز أن يكون صفة للنكرة، نحوَ: "هذا رجلٌ سَيَكْتُبُ أو سَيَضْرِبُ"، ولا يجوز أن يقع حالًا. فـ "ضاحِكٌ" ونحوُه إنّما وقع

стр. 480

حالًا، لأنّه اسمُ فاعل، واسمُ الفاعل قد يكون للحال. وليس كذلك الفعلُ الماضي، ولا الفعلُ المستقبَل، فلا يكون كلُّ واحد منهما حالًا. واعلم أنّ الفعل الماضي إذا اقترن به "قَدْ"، والفعلَ المضارعَ إذا دخل عليه نافٍ، ووقع كلُّ واحد منهما حالًا، كنتَ مخيَّرًا في الإتيان بواو الحال، وتَرْكِها. تقول: "جاء زيدٌ قد علاه الشَّيْبُ"، وإن شئت قلت: "وقد علاه الشيبُ". ومثله قوله [من الطويل]: وقد نَهِلَتْ منّا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ (١) وذلك أنّ "قَدْ" تُقرِّب الماضيَ من الحال، وتُلحقه بحُكْمه، وهذه واوُ الحال، ولأنّه بدُخولِ "قَدْ" أشبهَ الجملةَ الاسميّةَ من حيث إِنَّ الجُزْءَ الأوّلَ من الجملة ليس فعلًا. وكذلك الفعلُ المضارعُ إذا دخل عليه النافي، جاز دخولُ الواو عليه وتَرْكُها، لِما ذكرناه من شَبَهها بالجملة الاسميّة من حيث صار أوّلُ جُزْء منها غيرَ فعل. قال الله تعالى في قراءة ابن عامرٍ: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) بتخفيف النون وكسرِها. فقوله: "لا تتّبعان" في موضع الحال، فهو مرفوعٌ، والنونُ علامةُ الرفع، وليس بنَهْيٍ لثُبوتِ النون فيه، ولا تكون نونَ التأكيد، لأنّ نونَ التأكيد الخفيفةَ لا تدخل فِعْلَ الاثنَيْن عندنا، والتقديرُ: فاسْتَقِيمَا غيرَ مُتَّبِعَيْنِ. ومثله قول الشاعر [من الطويل]: ٢٩١ - بِأَيْدِي رِجالٍ لم يَشِيمُوا سُيُوفَهم ... ولم يَكْثُرِ القَتْلَى بها حينَ سُلَّتِ

стр. 481

وقال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ (١). فقوله: "لا تخاف دركًا ولا تخشى" في موضع الحال، فأتَى بالواو في موضع، ولم يأت بها في موضع. فإذا أُتي بها فِلشَبَهِ الجملة الفعليّة بالاسميّة لمكان حرف النفي، ومن لم يأت بها، فلأنّه فعلٌ مضارعٌ. فصل [الجملة الحالية والعائد] قال صاحب الكتاب: "ويجوز إخلاء هذه الجملة عن الراجع إلى ذي الحال إجراء لها مجرى الظرف لانعقاد الشبه بين الحال وبينه، تقول: "أتيتك وزيد قائم"، ولقيتك الجيش قادم، وقال [من الطويل]: وقد أغتدي والطير وكناتها" (٢) * * * قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ الغرض من الضمير في الجملة الحاليّة رَبْطُها بما قبلها، فإذا وُجد إمّا الواو، وإمّا الضميرُ، وُجد ما حصل به الغرض. وقوله: "إجراءً لها مُجْرَى الظرف"، فيعني بالظرف "إذْ"، وقد شبّه سيبويه واوَ الحال بـ "إذْ" وقدّرها بها. وذلك من حيث كانت "إذْ" منتصِبةَ الموضع، كما أنّ الواو منتصبةُ الموضع، وأنّ ما بعد "إذ" لا يكون إلاّ جملةً كما أنّ الواو كذلك. وكلُّ واحد من الظرف والحال يقدَّر بحرف الجر، فإذا قلت: "جاء زيدٌ وسيفه على عاتقه"، كأنّك قلت: "جاء زيد في هذه الحال"، والحالُ مفعولٌ فيها كما أنّ الظرف كذلك. فكما أنّ الجملة بعد "إذْ" لا تفتقر إلى ضمير يعود إلى ما قبلها، فكذلك ما بعد الواو، وهذا معنى قوله: "لانعقاد الشَّبَه بينهما". فصل [حذف عامل الحال] قال صاحب الكتاب: "ومن انتصاب الحال بعامل مضرم قولهم للمرتحل: "راشداً مهدياً ومصاحباً معاناً بإضمار إذهب وللقادم: مأجوراً مبروراً", أي رجعت,

стр. 482

وإن أنشدت شعراً أو حدثت حديثاً قلت صادقاً، بإضمار قال. وإذا رأيت من يتعرض لآمر قلت متعرضاً لعنن لم يعنه، أي دنا منه متعرضاً. * * * قال الشارح: اعلم أنّ الحال قد يُحذف عاملُه إذا كان فعلًا وفي الكلام دلالةً عليه، إمّا قرينةُ حالٍ، أو مَقالٍ. فمن ذلك أن ترى رجلًا قد أزمعَ سَفَرًا، أو أراد حَجًّا، فتقول: "راشِدًا مَهْدِيًّا"، وتقديره: "اذْهَبْ راشدًا مهديًّا". ومثله أن تقول لِمن خرج إلى سَفَر: "مُصاحَبًا مُعانًا". وتقديره "اذهبْ، أو سافِرْ مصاحبًا معانًا". فدلّت قرينةُ الحال على الفعل، وأغنتْ عن اللفظ به. ولو رفعتَ هذه الأشياء، وقلت: "راشدٌ مهديٌّ"، و"مصاحَبٌ مُعانٌ"، لكان جيْدًا عربيًّا على معنى: "أنت راشدٌ مهديٌّ"، و"مصاحبٌ معانٌ". فالرفع بإضمار مبتدأ هو الظاهر في المعنى، والنصبُ بإضمار فعل، وكذلك لو رأيت رجلًا قد قدم من سفرٍ، أو حَجٍّ، أو زيارةٍ، لقلت: "مأجورًا مبرورًا". والمعنى: قدمت مأجورًا مبرورًا، أو رجعتَ مأجورًا مبرورًا. ومن ذلك إن حَدَّثَ فلانٌ بكذا وكذا، قلتَ: "صادقًا والله"، أو أنشد شعرًا، فتقول: "صادقًا والله"، أي: قاله صادقًا، لأنه إذا أنشد، فكأنه قد قال: قال كذا، فقلتَ: "قال صادِقًا". فالرفعُ جائزٌ على إضمار مبتدأ، كما جاز في "راشدٌ مهديٌّ"، و"مصاحبٌ مُعانٌ"، ومن ذلك أن ترى رجلًا قد أَوْقَعَ أمرًا، أو تَعرّضَ له، فتقول: "متعرِّضًا لعَنَنٍ لم يَعْنِهِ"، كأنّه قال: "فَعَلَ هذا متعرِّضًا"، أو "دَنَا من هذا الأمر متعرِّضًا"، والعَنَن: ما عَنَّ لك، أي: عرض لك، والمعنى أنّه دخل في شيء لا يَعْنِيه. * * * قال صاحب الكتاب: "ومنه أخذته بدرهم فصاعداً أو بدرهم فزائداً، أي فذهب الثمن صاعداً أو زائداً. ومنه أتميميا مرة وقيسياً أخرى؟ كأنك قلت أتحول. ومنه قوله تعالى: ﴿بلى قادرين﴾ (١) أي نجمعها قادرين. * * * قال الشارح: أمّا قولهم: "أخذتُه بدرهم فصاعدًا"، و"بدرهم فزائدًا"، فـ "صاعدًا" و"زائدًا" نصبٌ على الحال، وقد حُذف صاحبُ الحال والعاملُ فيه تخفيفًا لكثرةِ الاستعمال. والتقديرُ: أخذتُه بدرهم، فذهب الثمنُ صاعدًا. فالثمنُ صاحبُ الحال، والفعلُ الذي هو "ذَهَبَ" العاملُ في الحال. وكذلك: أخذتُه بدرهمٍ فزائدًا، تقديرُه: أخذته بدرهم، فذهب الثمنُ زائدًا، كأنّه ابتاع مَتاعًا بأثمانٍ مختلفةٍ، فأخبر بأَدْنَى الأثمان، ثمّ جعل بعضَها يَتْلُو بعضًا في الزيادة والصعودِ، وصار بعضُها مَثَلًا بدرهمٍ وقِيراطٍ، وبعضُها بدرهمٍ ودانِقٍ، وحسُن حذفُ الفعل لأَمْنِ اللبْس.

стр. 483

ولا يحسن عطفُه على الباء في قولك: "بدرهمٍ" لوُجوهٍ: منها أنّ "صاعدًا" و"زائدًا" صفةٌ، ولا يحسن عطفه على الدرهم الموصوفِ. والوجه الثاني: أنّ الثمن لا يُعطف بعضُه على بعض بالفاء، لأنّه لا يتقدّم بعضُه على بعض، إنّما يقع دفعة واحدة، فلا تقول: "اشترَيْتُ الثوبَ بدرهمٍ فدانقٍ" إنّما ذلك بالواو؛ لأنّها للجمع بين الشيئَيْن من غيرِ ترتيب. والوجه الثالث: أنّ "صاعدًا" صفةٌ، فلا يحسن أن تجعل "ثمنًا" في موضع الاسم الموصوف، ولا يقع في هذا الموضع من حروف العطف، إلّا الفاءُ، وثمَّ. لو قلت: "أخذتُه بدرهم وصاعدًا" لم يجز؛ لأنّ الأثمان يتلو بعضُها بعضًا، والفاءُ وثُمَّ تَدُلّان على ذلك لإفادتهما الترتيبَ، والواوُ لا تدلّ على ترتيب الفعل، فلذلك لم يجز إلّا الفاءُ وثُمَّ. والفاء أكثرُ في كلام العرب لاتّصالها بما قبلها. وأمّا قولهم: "أَتَمِيمِيًّا مرّةً وقَيْسِيًّا أُخرى؟ " فإنّه منصوبٌ على الحال، وإن كان اسمًا جامدًا غيرَ مشتقّ من حيثُ كان منسوبًا، والنَّسَبُ يُخرِجه من حيِّز الجُمود إلى حُكم المشتقّات حتى يصير وَصْفًا. والعاملُ فيه فعلٌ محذوفٌ تقديره: أَتحَوَّلُ تميميًّا مرّةٌ وقيسيًّا أُخرى، أو تتنقّلُ، كأنّه رأى رجلاً في حالٍ يكون، ويتحوّل من حال إلى حال لا يَثبت على شيء، فقال: "أتميميًّا مرّةً وقيسيًّا أُخرى؟ ". والمعنى: أتتخلّقُ مرّةً بأخلاق تميمٍ، وتارةً بأخلاق قيسٍ، ولا تعتمِد على خُلْقٍ واحدٍ منهما. كأنّه يُثْبِت له هذه الحال ويُوَبِّخه عليها، وليس يسترشِدُه عمّا يجهله، وإن كان بلفظ الاستفهام. وحكى سيبويه (١) أنّ رجلاً من بني أَسَدٍ قال يومَ جَبَلَةَ - وهو يومٌ لبني تميمٍ وعامرٍ علي بني أسد وذُبْيانَ، وقد استقبله بعِيرٌ أَعْوَرُ، فنظر الأسديُّ إلى قَوْمه، فقال: "يا بني أسد، أَأَعْوَرَ وذا نابٍ" أَتَى بلفظ الاستفهام ولم يُرِد أن يسترشِدهم ليُخْبِروه عن عَوَره، لكنّه حقّق ذلك حَذَرَهُ، وانهزموا، فقَتل منهم. والفعلُ الناصبُ لـ "أعْوَرَ وذا نابٍ" محذوفٌ تقديره: أتستقبَلون، ودلّ عليه الحالُ المشاهَدةُ. وهذه المسألة من قبيلِ قولهم: "أقائمًا وقد قعد الناسُ؟ " إلّا أنّ الاسم المنصوب هنا لم يكن مأخوذًا من فعلٍ، فاحْتِيجَ إلى تقدير فعلٍ من غير لفظه، وقياسُه لو قُدّر من لفظه: "أَتَتَمَّمُ تميميًّا مرّةً، وتَتقّيسُ قيسيًّا أُخرى؟ " كما قلت في قولك: "أقائمًا وقد قعد الناس؟ " ويجوز الرفعُ في قولك: "أتميميًّا مرّةً، وقيسيًّا أُخرى؟ " فتقول: "أتميمىٌّ مرّةً، وقيسىٌّ أُخرى؟ " على معنى: "أَأَنت تميميٌّ مرّةَ، وقيسيٌّ أُخرى؟ " فيكون مبتدأً وخبرًا، وجاز الرفعُ بتقديرِ المبتدأ، كما ترفعهُ لو ظهر ذلك المبتدأُ المقدَّرُ.

стр. 484

فأمّا قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (١) فانتصابُ "قادرين" عند سيبويه (٢) بفعل مقدَّر تقديرُه "نَجْمَعُهَا قادرين". ودلّ على ذلك الفعل قولُه تعالى: ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، وتَسْويَةُ البَنانِ ضمُ بعضها إلى بعض. وذهب الفرّاءُ إلى أن انتصابه بإضمارِ فعل دلّ عليه الفعلُ المذكورُ أوّلًا، وهو قولُه: "أيحسب الإنسانُ". وتقديرُه: "بلى فَلْيحسبْنا قادرين على أن نسوّي بنانَه". فهذا لجَعْله مفعولًا ثانيًا، ومفعولا "حسبتُ" وأخواتِها لا يجوز ذِكْرُ أحدِهما دون الآخر. وذهب بعضُهم إلى أن تقديره: "بلى نَقْدِرُ قادرين"، وهو ضعيفٌ أيضًا, لأنّ اسم الفاعل إذا وقع حالًا لم يجز أن يعمل فيه فعلُ من لفظه. لا تقول: "قمتُ قائمًا"، وأنت تريد الحالَ؛ لأنّ الحال لا بدّ فيها من فائدةٍ إذ كانت فضلةّ في الخبر، وليس في ذلك فائدة؛ لأنّك لا تقوم إلَّا قائمًا، والوجهُ هو الأوَّل، وهو مذهبُ سيبويه.

стр. 485

التمييز قال صاحب الكتاب: "ويقال له: التبيين، والتفسير، وهو رفعُ الإبهام في جملة، أو مفرد، بالنصّ على أحدِ محتملاته، فمِثالُه في الجملة: "طابَ زيدٌ نفسًا"، و"تَصبّبَ عَرَقًا، وتَفقّأَ شَحْمّا" و [من المتقارب]: ٢٩٢ - [تقولُ ابْنَتى حينَ جَدَّ الرَّحيلُ ... فَأَبْرَحْتَ رَبَّا] وأبْرَحْتَ جارَا و"امتلأ الإناءُ ماءَ" وفي التنزيل: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (١) ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (٢) ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ (٣)، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٤) ومثالُه في المفرد "عندي راقودٌ (٥) خَلاًّ ورَطلُ زَيْتًا، ومَنَوان عَسلًا، وقَفِيزان بُرًّا، وعشرون درهمًا، وئلاثون ثَوْبًا، ومِلْءُ الإناء عَسَلاَ، و"على التَّمْرة مِثْلُها زُبْدًا"، و"ما في السماء موضعُ كَفَّ سَحابًا".

стр. 486

وشبه المميز بالمفعول أن موقعه في هذه الأمثلة كموقعه في ضرب زيد عمراً , وفي ضارب زيداً , وضاربان زيداً وضاربون زيداً وضرب زيدٍ عمراً. * * * قال الشارح: اعلم أنّ التمييز، والتفسير، والتبيين، واحدٌ، والمراد به رفعُ الإبهام، وإزالةُ اللَّبْس، وذلك نحو أن تُخْبِر بخَبَرٍ، أو تذكُر لفظًا يحتمل وُجوهّا، فيتردّدُ المخاطَبُ فيها، فتُنبِّهه على المراد بالنصّ على أحدِ محتملاته تبيينًا للغرض، ولذلك سُمّي تمييزًا وتفسيرّا. وهذا الإبهام يكون في جملة ومفرد، فالجملةُ قولك: "طاب زيدٌ نفسًا، وتصبّب عَرقًا، وتفقّأ شَحْمًا" ألا ترى أنّ الطيبة في قولك: "طاب زيدٌ" مسنَدةٌ إليه، والمرادُ شيءٌ من أشيائه، ويحتمل ذلك أشياء كثيرةً كلِسانه وقَلْبه ومَنْزله وغيرِ ذلك، وكذلك التصبّبُ، والتفقّؤُ يكون من أشياءَ كثيرة، فجرت لذلك مجرَى "عِشْرينَ" في احتماله أشياء كثيرة. فكما أنّ إبانةَ "العشرين" بنكرةٍ جنسٍ، كذلك إبانةُ هذه الجمل بنكرة جنس. وأمّا المفرد، فنحو قولك: "عندي راقودٌ خَلاّ، ورَطْلٌ زَيْتًا، ومَنَوان سَمْنًا" فالتمييز في هذه الأشياء لم يأت لرفع إبهام في الجملة، وإنما لبيانِ نوعِ الراقود، إذ الإبهامُ وقع فيه وحدَه لاحتماله أشياءَ كثيرة كالخَلّ والخَمْر والعَسَل، وغيرِ ذلك، ممّا نوعيٌّ، والراقودُ وِعاءٌ كالحُبّ. وكذلك قولك: "عندي رطلٌ زيتًا". التمييزُ فيه لإبهامِ "الرطل"، إذ "الرطلُ" مقدارٌ يُوزَن به، ويحتمل أشياء كثيرة من المَوْزُونات، كالزيت والعسل والسمن، ويقال فيه: رِطْلٌ، ورَطْلٌ بكسر الراء، وفتحِها، فالكسرُ أقيْسُ، والفتح أفصحُ. وكذلك "المنوان" تثنيةُ "مَنا"، وهو مقدارٌ يوزن به، وكذلك باقِي الأمثلة. وهذا معنى قوله: "رفعُ الإبهام في جملة، أو مفرد، بالنصّ على أحدِ محتملاته". وشرطُ التمييز أن يكون نكرةً جِنْسًا مقدَّرًا بـ "مِنْ"، وإنّما كان نكرةً لأنّه واحدٌ في معنى الجمع، ألا تراك إذا قلت: "عندي عشرون درهمًا"، معناه. "عشرون من الدراهم"، فقد دَخَلَه بهذا المعنى الاشتراكُ، فهو نكرةٌ. ووجةٌ ثانٍ: أنّ التمييز يُشبِه الحالَ، وذلك أنّ كل واحد منهما يُذكر للبيان، ورفع الإبهام، ألا ترى أنّك إذا قلت: "عندي عشرون" احتمل أنواعًا من المعدودات، فإذا قلت: "درهمًا"، أو"دينارًا"، فقد أزلتَ ذلك الإبهامَ، واتّضح بذِكْره ما كان متردَّدًا مُبْهَمًا، كما أنَّك إذا قلت: "جاء زيدٌ"، احتمل أن يكون على صفاتٍ، فلّما قلت: "راكبّا" فقد أَوْضحتَ، وأزلتَ ذلك الإبهامَ، فلمّا استويا في الإيضاح والبيانِ، استويا في لفظ التنكير.

стр. 487

ووجة ثالثٌ: أن المراد ما بيّن النوعَ، فبُيّن بالنكرة, لأنّها أخفُّ الأسماء، كما تُختار الفتحة إذا أُريد تحريكُ حرفٍ لمعنًى, لأنّ الفتحة أخفُّ الحركات، إلَّا أن يعرِض ما يوجِب العُدولَ عنها إلى غيرها، وكانت جنسًا, لأنّ الغرض تخليصُ الأجناس بعضِها من بعضٍ، وقُدّرت بِـ "من" لأنّها لبيانِ الجنس، فأُتي بها لذلك، وحُذفت تخفيفًا، وهي مرادةٌ. واعلم أنّ المميّز يكون واحدًا، ويكون جمعًا، فإذا وقع بعد عددٍ، نحو: "عشرين"، و"ثلاثين"، ونحوهما، لم يكن المميّزُ إلَّا واحدًا، نحو قولك: "عندي عشرون ثَوْبًا، وثلاثون عِمامةً", لانّ العدد قد دلّ على الكَمّيّة، ولم يبق بنا حاجةٌ إلَّا إلى بيانِ نوعِ ذلك المَبْلَغ، وكان ذلك ممّا يحصُل بالواحد، وهو أخفُ. وأمّا إذا وقع مُفسّرًا لغيرِ عدد، نحو: "هذا أفرهُ منك عبدًا وخيرٌ منك عَمَلاً"، جاز الإفرادُ والجمعُ لاحتمالِ أن يكون له عبدٌ واحدٌ وعبيدٌ، فإذا قلت: "هو أفرهُ منك عبيدًا"، أو"خيرٌ منك أعمالاً"، دللتَ بلفظ الجمع على معنيَيْن: النوع، وأنّهم جماعةٌ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (١) فُهم من ذلك النوع، وأنّه كان من جهاتٍ شتَّى، لا من جهة واحدة، وإذا أَفردتَ، فُهم منه النوع لا غير. وقوله: "وشَبَهُ التمييز بالمفعول" يعني أنّ موقعه في هذه الأمثلة كموقعه، يعني أنّ التمييز يُشبِه المفعولَ من حيثُ إنّ موقعه آخِراً، نحوَ: "طاب زيدٌ نفسًا"، و"هذا راقودٌ خَلاًّ"، كما أن المفعول كذلك، فإنّه يأتي فضلةً بعد تمامِ الكلام. ونعني بقولنا: "فضلةً" أنه يأتي بعد استقلالِ الفعل بفاعله، كما أنّ المفعول كذلك، ولذلك وجب أن يكون منصوبًا كما أنّ المفعول كذلك. فإن قيل: لِمَ زعمتَ أن التمييز مشبَّةٌ بالمفعول، ولم تقل: إِنّه مفعولٌ في الحقيقة؟ قيل: أمّا ما كان من نحوِ "عشرين درهمًا"، و"راقودٌ خلاًّ"، وشِبْهِه، فإنّ العامل فيه معنًى، والمعاني لا تعمل في المفعول به؛ وأمّا ما كان من نحوِ: "طاب زيدٌ نفسًا، وتصبّب عرقًا، وتفقّأ شحمًا"، فإنّه وإن كان العاملُ فيه فعلًا، فإنّ الفعل فيه غيرُ متعدّ، فـ "طَابَ" فعلٌ غيرُ متعدّ, لأنّه إذا طاب في نفسه لا يفعل بغيره شيئًا. وأمّا "تصبّب" و"تفقأ" ففعلان لازمان، لأنّهما للمطاوَعة، فالتاءُ ههنا بمنزلة النون، يقال: "صببتُه، فتَصبّبَ "، و"فقأتُه، فتَفقّأَ"، كما تقول: "صببتُه، فانصبَّ"، و"فَقَأْتُه فانفقأَ"، ولذلك لا تقول: "تصبّبتُه"، ولا "تفقّأتُه"، ويثبُت بذلك أنَّه مشبَّةٌ بالمفعول، وليس مفعولًا، فقولُك: "طاب زيدٌ نفسًا" بمنزلةِ "ضَرَبَ زيدٌ عمرًا" في وُقوعه طَرَفًا بعد التَّمام، كوقوعِ

стр. 488

المفعول، و"رَطْلٌ زيتًا"، ونحوُه بمنزلةِ "ضاربٌ زيدًا"، ونحوِه من أسماء الفاعلين. وذلك من حيثُ إنّه مفردٌ. فإذا نوّنتَه، نصبتَ ما بعده. وإذا أزلتَ التنوينَ، خفضتَ ما بعده، وهو يقتضي ما بعده من النوع المميّزِ، كما أنّ اسم الفاعل إذا نوّنتَه، نصبتَ به، نحوَ: "ضاربٌ زيدًا". وإذا حذفتَ التنوينَ، خفضتَ، نحوَ: "ضاربُ زيدٍ". وهو يقتضي ما بعده من المفعول، فلذلك وجب أنّ يعمل "الراقودُ"، و"الرطلُ"، وإن كانا من الأسماء الجامدة. و"منوان"، و"قفيزان" بمنزلةِ "ضاربان" من الجهة المذكورة، و"عشرون"، و"ثلاثون" ونحوُهما بمنزلةِ "ضاربون" من حيثُ إنه مجموعٌ بالواو والنونِ، كما أنّ "ضاربون" كذلك. وتسقُط نونُه للإضافة، ويقتضي المفسّرَ بعدها على ما تقدّم. وقولك: "مِلءُ الإناء ماءً"، و"مِثلُها زُبْدًا"، و"موضعُ كَفّ سحابًا" بمنزلةِ المصدر المضاف إلى الفاعل، نحو: "أعجبني ضربُ زيدٍ عمرًا"، فالمضافُ إليه حَالَ بينه وبين المميّزِ، فامتنع من الإضافة، كما حَالَ التنوينُ في "رطلٌ زيتًا"، والنونُ في "عشرون درهمًا"، فاعرفه. فصل [شرط نصب التمييز] قال صاحب الكتاب: "ولا ينتصب المميز عن مفرد إلا عن تامّ. والذي يتم به أربعة أشياء: التنوين ,ونون التثنية ونون الجمع, والإضافة. وذلك على ضربين: زائلٌ, ولازمٌ, فالزائل التمام بالتنوين, ونون التثنية, لأنك تقول: "عندي رطل زيتٍ، ومنوا سمنٍ". واللازم التمام بنون الجمع, والإضافة, لأنك لا تقول: "ملأ عسلٍ ولا مثل زبدٍ ولا عشرو درهمٍ". * * * قال الشارح: يريد أنّ المميّز إذا كان بعد مفردٍ، فلا بدّ أنّ يستوفِيَ ذلك المفردُ جميعَ ما يتمّ به، ويُؤذِن بانفصاله ممّا بعده، بحيث لا تصحّ إضافته إلى ما بعده، إذ المضافُ والمضافُ إليه كالشيء الواحد، فإذا لم يكن هناك ما يمنع الإضافةَ، كان في حكمِ الناقص الذي لا يتمّ معناه إلَّا بما بعده من المضاف إليه. والذي يتمّ به الاسم أربعةُ أشياء: التنوين، ونون التثنية، ونون الجمع، والإضافة، لأن هذه الأشياء تفصِل ما تدخل عليه عمّا بعده، وتُؤذِن بانتهائه. وجملةُ الأمر أنّك إذا قلت: "عندي راقودٌ خلاًّ، ورطلٌ زيتًا"، فلا يحسن أن يجرِيَ وصفًا على ما قبله، فتقولَ: "راقودٌ خلٌّ، ورطلٌ زيتٌ"؛ لأنه اسمٌ جامدٌ غيرُ مشتقّ من فعلٍ، فلا يكون وصفًا كالمشتقّات. وكانت الإضافةُ غيرَ ممتنِعة بحكمِ الاسميّة، فقلتَ:

стр. 489

"عندي راقودُ خلّ، ورطلُ زيتٍ"، وتكون إضافتُه من قبيلِ إضافةِ النوع إلى الجنس، والبعضِ إلى الكلّ، نحوِ: "هذا ثوبُ خَز، وجُبَّةُ صُوفٍ"، والمعنى: مِن خزّ، ومِن صوف. فإذا دخل التنوينُ الاسمَ المميَّزَ، نحو: "رطلٌ" و"راقودٌ"، أو نونُ التثنية، نحو قولك: "رطلان"، و"مَنَوان"، أو نونُ الجمع، نحو: "عشرين"، و"ثلاثين"، ونحوِهما من الأعداد، آذَنَ ذلك باكتفاءِ الاسم وتمامِه، وحَالَ بينه وبين الإضافة. وكذلك الإضافةُ في نحوِ: "ملءُ الإناء عَسَلًا"، و"مثلُها زُبْدًا"، و"موضعُ كَفٍّ سَحابَا"، حالت بين المميَّز والمميِّزِ، ومنعتْه من الإضافة مَنْعَ التنوين والنونِ، فنُصب على الفضلة تشبيهًا بالمفعول، وتنزيلاً للاسم الجامد منزلةَ اسم الفاعل من الجهة التي ذكرناها، فعمِل النصبَ، وانحطّ عن درجةِ اسم الفاعل، فاختصّ عملُه في النكرة دون المعرفة، كما انحطّ اسمُ الفاعل عندنا عن درجة الفعل، حتى إذا جرى على غيرِ مَن هو له، وجب إبرازُ ضميره، نحو قولك: "زيدٌ هندٌ ضَارِبُها هو". وأمّا قوله: و"ذلك على ضربين: زائلٌ، ولازمٌ"، يريد أنّ هذه الأشياء التي يتمّ بها الاسمُ المميَّزُ حتى يُنصَب ما بعده، منها ما يزول، وأنت فيه مخيَّرٌ، إن شئتَ أثبتَّه، ونصبتَ ما بعده، وإن شئت حذفته، وخفضتَ ما بعده، وذلك التنوينُ ونونُ التثنية، تقول: "هذا راقودٌ خلاًّ، ورطلٌ سمنًا، وأُوقِيَّةٌ ذهبًا" تُثبِت التنوينَ، وتنصب المميّز. وإن شئت، حذفتَ التنوين، وخفضتَ، فقلت: "راقودُ خلّ، ورطلُ سمنٍ، وأوقيّةُ ذهبٍ"؛ لأن التنوين معاقِبٌ للإضافة. وكذلك نونُ التثنية، أنت في حذفها وإثباتها مخيَّرٌ. تقول: "عندي منوانِ سمنًا، ورطلان عسلاً"، تنصب "سمنًا"، و"عسلًا" بعد النون، ولك حذفُها والخفضُ، نحو: "منوا سمنٍ"، و"رطلا عسلٍ". وأمّا اللازم، فنحو نونِ الجمع في نحو"عشرين"، و"ثلاثين" إلى "التسعين"، النونُ فيه لازمةٌ، والتمييزُ بعدها منصوبٌ. ولا يجوز حذفُ النون منه، وإضافتُه إلى المميِّزِ، لأنّ نَصْبَه ما بعده بالحمل، والشَّبَهِ باسم الفاعل والصفةِ المشبَّهة باسم الفاعل، نحوِ قولك: "ضاربون"، و"حَسَنون". ولم يَقْوَ قُوَّتَهما فيتصرّفَ تصرُّفَهما، وإنّما لضُعْفِ شَبَهه، أُلزم طريقةً واحدةً في التفسير والبيانِ، فإن أضفته إلى مالكٍ، نحوَ: "عِشروكَ"، و"عشرو زيدٍ"، جاز حذفُ النون، كما جاز إضافةُ المركَّب، وإن كان مبنيًّا، نحو قولك: "ثَلَاثَةَ عَشَرَك"، و"خَمْسَةَ عشرك". وكذلك التمييز بعد الإضافة يقع لازمًا، نحو: "ملءُ الإناء عسلاً"، و"على التَّمْرة مثلُها زُبْدًا" لأن المضاف والمضاف إليه معًا هو المِقْدارُ المُبْهَمُ الذي وقع التفسيرُ له، فلم يجز أنّ تقول: "ملءُ عسلٍ"، "ولا مثلُ زبدٍ"، فاعرفه.

стр. 490

فصل [تمييز المفرد] قال صاحب الكتاب: "وتمييز المفرد أكثره فيما كان مقداراً: كيلاً كـ "قفيزان", أو وزناً كـ "منوان", أو مساحةً كـ "موضع كف", أو عددًا كـ "عشرون" أو مقياساً كـ "ملؤه" و"مثلها". وقد يقع فيما ليس إياها, نحو قولهم: "ويحه رجلاً"، و"لله دره فارساً", و"حسبك به ناصراً"". * * * قال الشارح: تمييزُ المفرد أكثرُ ما يجيءُ بعد المقادير. والمِقدارُ هو المقابِل للشيء، يعدِلُه من غيرِ زيادة ولا نُقْصانٍ. والمقاديرُ أربعةُ أضرب: مَكِيلٌ، وموزونٌ، وممسوحٌ، ومعدودٌ، فالمكيلُ نحو قولك: "مَكُّوكان دَقِيقًا"، و"قَفِيزان بُرًّا". والموزونُ: "مَنَوان سَمْنًا"، و"رَطْلان عَسَلاً"، والممسوحُ: "بلغتْ أرضُنا خمسين جَرِيبًا"، و"ما في السماء موضعُ كفّ سَحابًا". والمعدودُ نحو: "عشرين درهمًا". وكلُّها محتاجةٌ إلى إبانتها بالأنواع؛ لأنّها تقع على أشياء كثيرةٍ، فإذا قلت: "مكّوكان"، احتمل أنّ يكون حِنْطة، أو شَعِيرًا، أو غيرَهما ممّا يكال. وإذا قلت: "منوان"، أحتمل أشياء كثيرةً مما يوزَن نحوَ "السمن"، و"العسل". وإذا قلت: "بلغتْ أرضُنا"، وأردتَ المِساحةَ، احتمل أشياء من المقادير المتماسَح بها، نحو: " الجَرِيب"، و"الذراع"، و"المُدي"، ونحو ذلك. وكذلك إذا قلت: "عندىِ عشرون"، احتمل دنانيرَ، ودراهمَ، وثِيابًا، وعَبِيدًا، وغيرَها من المعدودات، فوَجَبَ لذلك إبانتُها بالنوع. وحقٌّ النوع المفسِّر أن يكون جمعًا معرَّفًا بالألف واللام، نحو"عشرين من الدراهم"؛ أمّا كونُه جمعًا، فلأنّه واقعٌ على كلّ واحد من ذلك النوع، فكان واقعًا على جماعةٍ، وأمّا كونُه معرَّفًا باللام فلتعريفِ الجنس، فإذا قلت: "عشرون من الدراهم"، كنتَ قد أتيتَ بالكلام على وَجْهه، ومقتضَى القياس فيه، وإن أردتَ التخفيفَ، قلت: "عشرون درهمًا"، فتحذِف لفظَ الجمع، وحرفَ التعريف، واكتفيتَ بواحد من ذلك منكورٍ, لأن الواحد المنكور شائعٌ في الجنس، فلشياعه جرى مجرى الجمع. وأمّا قوله: "أو مقياسًا، فالمقياسُ: المقدارُ. يقال: "قِسْتُ الشيءَ بالشيء" إذا قدّرتَه به، وقولُه: "مِلْؤُه ومثلُها"، فإشارةٌ إلى قولهم: "مِلءُ الإناء عسلًا"، و"على التمرة مثلُها زبدًا"، والفرق بين المقياس وغيره من المقادير المذكورة أنّ تلك المقادير المذكورة أشياءُ محقَّقةٌ محدودةٌ، والمقياسُ مقدارٌ على سبيلِ التقريب، لا التحديدِ. ألا ترى أنّ مِلءَ الإناء، ومثلَ التمرة ليسا بكَيْلٍ معروفٍ، ولا ميزانٍ، ولا مساحةٍ، وإنّما هو تقريبٌ لمقداره.

стр. 491

وأمّا قوله: "وقد يقع فيما ليس إيّاها"، فيريد أنّ التمييز قد يأتي بعد مفرد ليس مقدارًا من المقادير المذكورة، نحوَ قولهم: "وَيْحَهُ رجلًا"، "ولله دَرُّه فارسًا"، و"حَسْبُك به ناصرًا"، فـ "ويحه" من المصادر التي لم يُنطَق لها بفعل، ومعناه الترحْمُ، و"لله درُّه فارسًا" جملةٌ اسميةٌ، ومعناها المَدْحُ، والمراد: لله عَمَلُه. ومثلُه "حسبُك به ناصرًا". فهذه الأشياءُ مبهَمةٌ, لأنّه لم يُعلَم المدحُ من أىّ جهة، فالنكرةُ فيها منصوبةٌ على التمييز، وهي الممدوحةُ في المعنى، ونحوهُ: "هو أشجعُ الناس فارسًا" إذا أردتَ أنّه هو الممدوح بالشَّجاعة، والمضافُ إليه المجرورُ ههنا بمنزلة النون في "عشرين"، والتنوينِ في "رطل" في مَنْعه الإضافةَ إلى المميّزِ، كما منعت النونُ في "عشرين"، والتنوينُ في "رطل" من ذلك، والتقديرُ: وَيْحَه من رجلٍ، ولله درُّه من فارسٍ، وحسبُك به من ناصرٍ. فإن قيل: "كيف جاز دخولُ "منْ" ههنا على النكرة المنصوبةِ مع بقائها على إفرادها، فقلت: "من رجلٍ"، و"من فارسٍ"، و"من ناصرٍ"، وحسُن ذلك، وأنت لا تقول: "هو أَفْرَهُ منك من عبدٍ"، ولا "عندي عشرون من درهم"، بل تَرُدّه عند ظهورِ "مِنْ" إلى الجمع، نحوَ: "من العَبِيد"، و"من الدراهم"؟ فالجوابُ أنّ هذا الموضع ربّما التبس فيه التمييزُ بالحال، فأتوا بـ "منْ" لتخلصه للتمييز، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ويحه رجلًا"، و"لله درُّه فارسًا"، و"حسبُك به ناصرًا" جاز أنّ تَعْنِيَ في هذه الحالَ؛ فلمّا كان قد يقع فيه لبسُ مشتبِهَيْن، فُصل بينهما بدخول "مِن". فصل [تقدُّم التمييز علي عامله] قال صاحب الكتاب: " ولقد أبى سيبويه (١) تقدم المميز على عامله. وفرق أبو العباس بين النوعين فأجاز نفساً طاب زيد، ولم يجز لي سمناً منوان, وزعم أنه رأي المازني, وأنشد قول الشاعر: ٢٩٣ - [أتهجر ليلي بالفراق حبيبها] ... وما كان نفساً بالفراق تطيب" * * *

стр. 492

قال الشارح: اعلم أنّ سيبويه لا يرى تقدُّمَ المميَّزِ على عامله فعلًا كان العاملُ، أو معنًى، لا يُجَوّز أن تقول: "عَرَقًا تَصبّبَ زيدٌ"، ولا "نفسًا طِبْتُ"، وكذلك لا يُجوِّز "سمنًا عندي منوان"، ولا "بُرًّا عندي قفيزان" على تقديرِ: عندي منوان سمنًا، وقفيزان برًّا. أمّا إذا كان العاملُ معنى غيرَ فعل، فأمرُ امتناع تقديمِ معموله عليه ظاهرٌ، لضُعْفِ عامله، وكذلك يمتنع تقديمُ الحال على العامل المعنوَىِّ، فلا تقول: "قائمًا في الدار زيدٌ" على إرادةِ: في الدار زيدٌ قائمًا. وأما إذا كان العاملُ فعلاً متصرِّفًا، فقَضِيَّةُ الدليل جوازُ تقديم منصوبه عليه لتصرفِ عامله، إلَّا أنّه منع من ذلك مانعٌ، وهو كونُ المنصوب فيه مرفوعًا في المعنى من حيث كان الفعلُ مسنَدًا إليه في المعنى والحقيقة، ألا ترى أنّ التصبّب في قولك: "تصبّب زيدٌ عرقًا، وتفقّأ شحمًا" في الحقيقة للعرق والتفقّؤ للشحم، والتقديرُ: تصبّب عرقُ زيدٍ، وتفقّأ شحمُه، فلو قدّمناهما، لأوْقعناهما موقعًا لا يقع فيه الفاعلُ, لأنّ الفاعل إذا قدّمناه، خرج عن أن يكون فاعلاً، وكذلك إذا قدّمناه، لا يصحّ أن يكون في تقدير فاعلٍ، نُقل عنه الفعل، إذ كان هذا موضعًا لا يقع فيه الفاعلُ. فإن قيل: فأنت إذا قلت: "جاء زيدٌ راكبًا" نصبتَ "راكبًا" على الحال، وجاز لك تقديمُه، فتقول: "راكبًا جاء زيدٌ"، والمنصوبُ هنا هو المرفوعُ في المعنى، فما الفرقُ بينهما؟ قيل: نحن إذا قلنا: "جاء زيدٌ راكبًا"، فقد استوفى الفعلُ فاعلَه لفظًا ومعنًى، وبقي المنصوب فضلةً، فجاز تقديمُه، وأمّا إذا قلنا: "طاب زيدٌ نفسًا"، فقد استوفى الفعلُ فاعلَه لفظًا, ولم يستوفِه من جهة المعنى، فلذلك لم يجز تقديمُ المنصوب، كما لم يجز تقديمُ المرفوع. وقد ذهب أبو عثمان المازني، وأبو العبّاس المبرّدُ، وجماعةٌ من الكوفيين (١) إلى جوازه، واحتجّوا لذلك ببيتٍ أنشدوه، وهو [من الطويل]: أَتَهْجُرُ سَلْمَى بالفِراق حَبِيبَها ... وماكَادَ نفسا بالفِراق تَطِيبُ

стр. 493

أراد: وما كاد تطيب نفسًا بالفراق، ولا حجّةَ في ذلك لقلَّته، وشُذوذِه مع أنّ الرواية: وما كاد نفسي بالفراق تطيب، هكذا قال أبو إسحاق الزجّاجُ. * * * [أصل التمييز] قال صاحب الكتاب: "واعلم أن هذه المميزات عن آخرها أشياء مزالةٌ عن أصلها, ألا تراها, إذا رجعت إلى المعنى, متصفةً بما هي منتصبة عنه, ومنادية على أن الأصل: عندي زيت رطل، وسمن منوان، ودراهم عشرون، وعسل ملء الإناء، وزبد مثل التمرة، وسحاب موضع كف. وكذلك الأصل وصف النفس بالطيب، والعرق بالتصبب، والشيب بالإشتعال، وأن يقال: طابت نفسه، وتصبب عرقه، واشتعل شيب رأسي لأن الفعل في الحقيقة وصف في الفاعل. السبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد". * * * قال الشارح: اعلم أنّك إذا أردت أنّ تُخبِر أنّ عندك جنسًا من الأجناس، وله مقدارٌ معلومٌ: إما كَيْلٌ، وإِمّا وزنٌ، وِإمّا غيرُهما من المقادير، جعلتَ المقدار وصفًا لذلك الجنس لتُوضِحه، وتُبيَّن كَمَّيَّتَه, لأنّ الأوصاف تُوضِح الموصوفين، وتُزِيل إبهامَها، فتقول: "عندي خَلٌّ راقودٌ"، و"ثوبٌ ذِراعٌ"، و"دَراهِمُ عشرون"، ومن ذلك قولُ العرب: "أَخَذَ بنو فلانٍ من بني فلان إبلا مائة". قال الأعشى [من الطويل]: ٢٩٤ - لَئِنْ كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامَة ... ورُقِّيتَ أَسْبابَ السَّماءِ بسُلَّمِ

стр. 494

وساغ ذلك, لأنّ المقادير إذا انفردتْ، كانت نَعْتًا لِما قبلها لِما تَضمّنَ لَفْظُها من الطُّول والقَصْرِ، والقِلّةِ والكثرةِ، فإذا قال: "رأيت ثوبًا ذِراعًا"، فكأنّه قال: "قصيرًا"، وإذا قال: "رأيتُ ثوبًا خمسين ذراعًا"، فكأنّه قال: "طويلًا". وإذا قال: "مررتُ بإبلٍ مائةٍ"، فكأنّه قال: "كثيرةٍ". وكذلك تقول: "مررتُ ببُرٍّ قَفيزٍ"، و"بعَسَل رَطْلٍ"، فيكون جميعُ ما مررتَ به من البرّ قفيزًا واحدًا، وجميعُ ما مررت به من العسل رطلًا واحدًا، إلَّا انّهم قد يُقدِّمون الوصفَ الذي هو المقدارُ لضربٍ من المبالغة وتأكيدِ العِناية به، فيقولون: "عندي راقودٌ خلاًّ، ورطلٌ عسلًا"، ولم يحسن أنّ يُجعل وصفًا لِما قبله من المقدار، إذ كان جَوْهرًا ليس فيه معنى فعلٍ، وكانت إضافةُ الأوّل إليه سائغةً، إذ كان منه، فتقول: "راقودُ خلٍّ، ورطلُ عسلٍ"، والمعنى: مِن خلٍّ، ومِن عسل، كما تقول: "ثوبُ خزٍّ، وخاتمُ ذهبٍ"، والمرادُ: ثوبٌ من خزّ، وخاتمٌ من ذهب. وإن شئت نوّنت، ونصبت على التمييز على ما تقدّم، وإذا قلت: "عندي عسل رطلٌ، وخلٌّ راقودٌ"، فقد أتيتَ به على الأصل، وإذا قدّمتَ، وقلت: "عندي رطلٌ عسلًا، وراقودٌ خلّا"، فقد غيّرتَهما عن أصلهما لِما ذكرناه من إرادةِ المبالغة والتأكيدِ في الإخبار عن مقدارِ ذلك النوع، فهذا المرادُ من قوله: ألا تراها إذا رجعتَ إلى المعنى متّصفة بما هي منتصبةٌ عنه، يريد أنّها منتصبةٌ بالمقادير التي قبلها, لشَبَهها بأسماء الفاعلين على ما تقدّم، وهذه المقاديرُ الناصبةُ لها أوصافٌ في الحقيقة على ما بيّنّا أنّ الأصل في قولك: "عندي راقودٌ خلًا ورطلٌ زيتًا": عندي خلٌّ راقودٌ، وزيتٌ رطلٌ. وقوله: "ومناديةٌ على أنّ الأصل كذا"، يريد أنّه مفهومٌ منها معنى الوصفيّة، وإن لم يكن اللفظُ على ذلك، وكذلك القولُ في قولك: "طاب زيدٌ نفسًا"، و"تصبّب عرقًا، وتفقّأ شحمًا" المعنى على وصف النفس بالطّيب، والعَرَقِ بالتصبّب، والشحمِ بالتفقؤ، والشَّيبِ بالاشتعال، فإذا قلت: "طاب زيدٌ نفسًا"، فتقديرهُ: طابتْ نفسُ زيد، وإذا قلت: "تصبّب عرقًا"، فتقديرُه: تصبّب عرقُه، وإذا قلت: "تفقّأ شحمًا زيدٌ"، فتقديرُه: تفقّأ شحمُ زيد، وإنّما غُيرت بأن يُنقَل الفعل عن الثاني إلى الأوّل، فارتفع بالفعل المنقول إليه، وصار فاعلاً في اللفظ، واستغنى الفعلُ به، فانتصب ما كان فاعلاً على التشبيه بالمفعول، إذ كان له به تعلُّقٌ، والفعلُ ينصِب كلَّ ما تَعلّق به بعد رفع الفاعل. وقوله: "لأنّ الفعل في الحقيقة وصفٌ في الفاعل"، يريد الفعلَ الحقيقىَّ، وهو الحَدَثُ، وذلك وصفٌ في الفاعل، فإذا أخبرتَ عن فاعلٍ بفعل لا يصح منه، كان

стр. 495

مُحالًا، نحوَ قولك: "تكلّم الحجر"، و"طار الفرسُ"، فالحجرُ لا يوصَف بالكلام، ولا الفرسُ بالطيَران إلَّا أن تريد المَجَاز. كذلك قولُك: "طاب زيدٌ، وتصبّب، وتفقّأ"، لا يوصَف زيدٌ بالطّيب، والتصبّبِ، والتفقّؤ، فعُلم بذلك أنّ المراد المجازُ، وذلك أنّه في الحقيقة لشيء من سَبَبه، وإنّما أُسند إليه مبالغةً وتأكيدًا، ومعنى المبالغة أنّ الفعل كان مسندًا إلى جُزْءٍ منه، فصار مسندًا إلى الجميع، وهو أبلغُ في المعنى. والتأكيد أنّه لمّا كان يُفهَم منه الإسناد إلى ما هو منتصِبٌ به، ثمّ أُسند في اللفظ إلى زيد، تمكَّن المعنى، ثمّ لمّا احتمل أشياء كثيرةً، وهو أنّ تَطِيب نفسُه بأن تنبسِط، ولا تنقبِضَ، وأن يطيب لسانُه بأن يَعْذُب كلامُه، وأن يطيب قَلْبُه بأن يَصْفُوَ انجلاؤُه، تَبيّنَ المرادُ من ذلك بالنكرة التي هي فاعلٌ في المعنى، فقيل: "طاب زيدٌ نفسًا"، وكذلك الباقي، فهذا معنى قوله: "والسببُ في هذه الإزالة قَصْدُهم إلى ضربٍ من المبالغة والتأكيد"، فاعرفه.
следующие страницы →