← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأمّا قوله: "وقد يقع فيما ليس إيّاها"، فيريد أنّ التمييز قد يأتي بعد مفرد ليس مقدارًا من المقادير المذكورة، نحوَ قولهم: "وَيْحَهُ رجلًا"، "ولله دَرُّه فارسًا"، و"حَسْبُك به ناصرًا"، فـ "ويحه" من المصادر التي لم يُنطَق لها بفعل، ومعناه الترحْمُ، و"لله درُّه فارسًا" جملةٌ اسميةٌ، ومعناها المَدْحُ، والمراد: لله عَمَلُه. ومثلُه "حسبُك به ناصرًا". فهذه الأشياءُ مبهَمةٌ, لأنّه لم يُعلَم المدحُ من أىّ جهة، فالنكرةُ فيها منصوبةٌ على التمييز، وهي الممدوحةُ في المعنى، ونحوهُ: "هو أشجعُ الناس فارسًا" إذا أردتَ أنّه هو الممدوح بالشَّجاعة، والمضافُ إليه المجرورُ ههنا بمنزلة النون في "عشرين"، والتنوينِ في "رطل" في مَنْعه الإضافةَ إلى المميّزِ، كما منعت النونُ في "عشرين"، والتنوينُ في "رطل" من ذلك، والتقديرُ: وَيْحَه من رجلٍ، ولله درُّه من فارسٍ، وحسبُك به من ناصرٍ. فإن قيل: "كيف جاز دخولُ "منْ" ههنا على النكرة المنصوبةِ مع بقائها على إفرادها، فقلت: "من رجلٍ"، و"من فارسٍ"، و"من ناصرٍ"، وحسُن ذلك، وأنت لا تقول: "هو أَفْرَهُ منك من عبدٍ"، ولا "عندي عشرون من درهم"، بل تَرُدّه عند ظهورِ "مِنْ" إلى الجمع، نحوَ: "من العَبِيد"، و"من الدراهم"؟ فالجوابُ أنّ هذا الموضع ربّما التبس فيه التمييزُ بالحال، فأتوا بـ "منْ" لتخلصه للتمييز، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ويحه رجلًا"، و"لله درُّه فارسًا"، و"حسبُك به ناصرًا" جاز أنّ تَعْنِيَ في هذه الحالَ؛ فلمّا كان قد يقع فيه لبسُ مشتبِهَيْن، فُصل بينهما بدخول "مِن". فصل [تقدُّم التمييز علي عامله] قال صاحب الكتاب: " ولقد أبى سيبويه (١) تقدم المميز على عامله. وفرق أبو العباس بين النوعين فأجاز نفساً طاب زيد، ولم يجز لي سمناً منوان, وزعم أنه رأي المازني, وأنشد قول الشاعر: ٢٩٣ - [أتهجر ليلي بالفراق حبيبها] ... وما كان نفساً بالفراق تطيب" * * *

стр. 492

قال الشارح: اعلم أنّ سيبويه لا يرى تقدُّمَ المميَّزِ على عامله فعلًا كان العاملُ، أو معنًى، لا يُجَوّز أن تقول: "عَرَقًا تَصبّبَ زيدٌ"، ولا "نفسًا طِبْتُ"، وكذلك لا يُجوِّز "سمنًا عندي منوان"، ولا "بُرًّا عندي قفيزان" على تقديرِ: عندي منوان سمنًا، وقفيزان برًّا. أمّا إذا كان العاملُ معنى غيرَ فعل، فأمرُ امتناع تقديمِ معموله عليه ظاهرٌ، لضُعْفِ عامله، وكذلك يمتنع تقديمُ الحال على العامل المعنوَىِّ، فلا تقول: "قائمًا في الدار زيدٌ" على إرادةِ: في الدار زيدٌ قائمًا. وأما إذا كان العاملُ فعلاً متصرِّفًا، فقَضِيَّةُ الدليل جوازُ تقديم منصوبه عليه لتصرفِ عامله، إلَّا أنّه منع من ذلك مانعٌ، وهو كونُ المنصوب فيه مرفوعًا في المعنى من حيث كان الفعلُ مسنَدًا إليه في المعنى والحقيقة، ألا ترى أنّ التصبّب في قولك: "تصبّب زيدٌ عرقًا، وتفقّأ شحمًا" في الحقيقة للعرق والتفقّؤ للشحم، والتقديرُ: تصبّب عرقُ زيدٍ، وتفقّأ شحمُه، فلو قدّمناهما، لأوْقعناهما موقعًا لا يقع فيه الفاعلُ, لأنّ الفاعل إذا قدّمناه، خرج عن أن يكون فاعلاً، وكذلك إذا قدّمناه، لا يصحّ أن يكون في تقدير فاعلٍ، نُقل عنه الفعل، إذ كان هذا موضعًا لا يقع فيه الفاعلُ. فإن قيل: فأنت إذا قلت: "جاء زيدٌ راكبًا" نصبتَ "راكبًا" على الحال، وجاز لك تقديمُه، فتقول: "راكبًا جاء زيدٌ"، والمنصوبُ هنا هو المرفوعُ في المعنى، فما الفرقُ بينهما؟ قيل: نحن إذا قلنا: "جاء زيدٌ راكبًا"، فقد استوفى الفعلُ فاعلَه لفظًا ومعنًى، وبقي المنصوب فضلةً، فجاز تقديمُه، وأمّا إذا قلنا: "طاب زيدٌ نفسًا"، فقد استوفى الفعلُ فاعلَه لفظًا, ولم يستوفِه من جهة المعنى، فلذلك لم يجز تقديمُ المنصوب، كما لم يجز تقديمُ المرفوع. وقد ذهب أبو عثمان المازني، وأبو العبّاس المبرّدُ، وجماعةٌ من الكوفيين (١) إلى جوازه، واحتجّوا لذلك ببيتٍ أنشدوه، وهو [من الطويل]: أَتَهْجُرُ سَلْمَى بالفِراق حَبِيبَها ... وماكَادَ نفسا بالفِراق تَطِيبُ

стр. 493

أراد: وما كاد تطيب نفسًا بالفراق، ولا حجّةَ في ذلك لقلَّته، وشُذوذِه مع أنّ الرواية: وما كاد نفسي بالفراق تطيب، هكذا قال أبو إسحاق الزجّاجُ. * * * [أصل التمييز] قال صاحب الكتاب: "واعلم أن هذه المميزات عن آخرها أشياء مزالةٌ عن أصلها, ألا تراها, إذا رجعت إلى المعنى, متصفةً بما هي منتصبة عنه, ومنادية على أن الأصل: عندي زيت رطل، وسمن منوان، ودراهم عشرون، وعسل ملء الإناء، وزبد مثل التمرة، وسحاب موضع كف. وكذلك الأصل وصف النفس بالطيب، والعرق بالتصبب، والشيب بالإشتعال، وأن يقال: طابت نفسه، وتصبب عرقه، واشتعل شيب رأسي لأن الفعل في الحقيقة وصف في الفاعل. السبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد". * * * قال الشارح: اعلم أنّك إذا أردت أنّ تُخبِر أنّ عندك جنسًا من الأجناس، وله مقدارٌ معلومٌ: إما كَيْلٌ، وإِمّا وزنٌ، وِإمّا غيرُهما من المقادير، جعلتَ المقدار وصفًا لذلك الجنس لتُوضِحه، وتُبيَّن كَمَّيَّتَه, لأنّ الأوصاف تُوضِح الموصوفين، وتُزِيل إبهامَها، فتقول: "عندي خَلٌّ راقودٌ"، و"ثوبٌ ذِراعٌ"، و"دَراهِمُ عشرون"، ومن ذلك قولُ العرب: "أَخَذَ بنو فلانٍ من بني فلان إبلا مائة". قال الأعشى [من الطويل]: ٢٩٤ - لَئِنْ كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامَة ... ورُقِّيتَ أَسْبابَ السَّماءِ بسُلَّمِ

стр. 494

وساغ ذلك, لأنّ المقادير إذا انفردتْ، كانت نَعْتًا لِما قبلها لِما تَضمّنَ لَفْظُها من الطُّول والقَصْرِ، والقِلّةِ والكثرةِ، فإذا قال: "رأيت ثوبًا ذِراعًا"، فكأنّه قال: "قصيرًا"، وإذا قال: "رأيتُ ثوبًا خمسين ذراعًا"، فكأنّه قال: "طويلًا". وإذا قال: "مررتُ بإبلٍ مائةٍ"، فكأنّه قال: "كثيرةٍ". وكذلك تقول: "مررتُ ببُرٍّ قَفيزٍ"، و"بعَسَل رَطْلٍ"، فيكون جميعُ ما مررتَ به من البرّ قفيزًا واحدًا، وجميعُ ما مررت به من العسل رطلًا واحدًا، إلَّا انّهم قد يُقدِّمون الوصفَ الذي هو المقدارُ لضربٍ من المبالغة وتأكيدِ العِناية به، فيقولون: "عندي راقودٌ خلاًّ، ورطلٌ عسلًا"، ولم يحسن أنّ يُجعل وصفًا لِما قبله من المقدار، إذ كان جَوْهرًا ليس فيه معنى فعلٍ، وكانت إضافةُ الأوّل إليه سائغةً، إذ كان منه، فتقول: "راقودُ خلٍّ، ورطلُ عسلٍ"، والمعنى: مِن خلٍّ، ومِن عسل، كما تقول: "ثوبُ خزٍّ، وخاتمُ ذهبٍ"، والمرادُ: ثوبٌ من خزّ، وخاتمٌ من ذهب. وإن شئت نوّنت، ونصبت على التمييز على ما تقدّم، وإذا قلت: "عندي عسل رطلٌ، وخلٌّ راقودٌ"، فقد أتيتَ به على الأصل، وإذا قدّمتَ، وقلت: "عندي رطلٌ عسلًا، وراقودٌ خلّا"، فقد غيّرتَهما عن أصلهما لِما ذكرناه من إرادةِ المبالغة والتأكيدِ في الإخبار عن مقدارِ ذلك النوع، فهذا المرادُ من قوله: ألا تراها إذا رجعتَ إلى المعنى متّصفة بما هي منتصبةٌ عنه، يريد أنّها منتصبةٌ بالمقادير التي قبلها, لشَبَهها بأسماء الفاعلين على ما تقدّم، وهذه المقاديرُ الناصبةُ لها أوصافٌ في الحقيقة على ما بيّنّا أنّ الأصل في قولك: "عندي راقودٌ خلًا ورطلٌ زيتًا": عندي خلٌّ راقودٌ، وزيتٌ رطلٌ. وقوله: "ومناديةٌ على أنّ الأصل كذا"، يريد أنّه مفهومٌ منها معنى الوصفيّة، وإن لم يكن اللفظُ على ذلك، وكذلك القولُ في قولك: "طاب زيدٌ نفسًا"، و"تصبّب عرقًا، وتفقّأ شحمًا" المعنى على وصف النفس بالطّيب، والعَرَقِ بالتصبّب، والشحمِ بالتفقؤ، والشَّيبِ بالاشتعال، فإذا قلت: "طاب زيدٌ نفسًا"، فتقديرهُ: طابتْ نفسُ زيد، وإذا قلت: "تصبّب عرقًا"، فتقديرُه: تصبّب عرقُه، وإذا قلت: "تفقّأ شحمًا زيدٌ"، فتقديرُه: تفقّأ شحمُ زيد، وإنّما غُيرت بأن يُنقَل الفعل عن الثاني إلى الأوّل، فارتفع بالفعل المنقول إليه، وصار فاعلاً في اللفظ، واستغنى الفعلُ به، فانتصب ما كان فاعلاً على التشبيه بالمفعول، إذ كان له به تعلُّقٌ، والفعلُ ينصِب كلَّ ما تَعلّق به بعد رفع الفاعل. وقوله: "لأنّ الفعل في الحقيقة وصفٌ في الفاعل"، يريد الفعلَ الحقيقىَّ، وهو الحَدَثُ، وذلك وصفٌ في الفاعل، فإذا أخبرتَ عن فاعلٍ بفعل لا يصح منه، كان

стр. 495

مُحالًا، نحوَ قولك: "تكلّم الحجر"، و"طار الفرسُ"، فالحجرُ لا يوصَف بالكلام، ولا الفرسُ بالطيَران إلَّا أن تريد المَجَاز. كذلك قولُك: "طاب زيدٌ، وتصبّب، وتفقّأ"، لا يوصَف زيدٌ بالطّيب، والتصبّبِ، والتفقّؤ، فعُلم بذلك أنّ المراد المجازُ، وذلك أنّه في الحقيقة لشيء من سَبَبه، وإنّما أُسند إليه مبالغةً وتأكيدًا، ومعنى المبالغة أنّ الفعل كان مسندًا إلى جُزْءٍ منه، فصار مسندًا إلى الجميع، وهو أبلغُ في المعنى. والتأكيد أنّه لمّا كان يُفهَم منه الإسناد إلى ما هو منتصِبٌ به، ثمّ أُسند في اللفظ إلى زيد، تمكَّن المعنى، ثمّ لمّا احتمل أشياء كثيرةً، وهو أنّ تَطِيب نفسُه بأن تنبسِط، ولا تنقبِضَ، وأن يطيب لسانُه بأن يَعْذُب كلامُه، وأن يطيب قَلْبُه بأن يَصْفُوَ انجلاؤُه، تَبيّنَ المرادُ من ذلك بالنكرة التي هي فاعلٌ في المعنى، فقيل: "طاب زيدٌ نفسًا"، وكذلك الباقي، فهذا معنى قوله: "والسببُ في هذه الإزالة قَصْدُهم إلى ضربٍ من المبالغة والتأكيد"، فاعرفه.

стр. 496

المنصوب علي الاستثناء فصل [المستثني المنصوب] قال صاحب الكتاب: "المستثنى في إعرابه على خمسة أضرب: أحدها منصوب أبداً, وهو على ثلاثة أوجه: ما استثني بـ "إلا" من كلام موجب, وذلك "جاءني القوم إلا زيداً"". * * * قال الشارح: اعلم أنّ الاستثناء استفعالٌ، من ثَنَاهُ عن الأمر يَثْنِيهِ إذا صرفه عنه، فالاستثناء صرفُ اللفظ عن عُمومه بإخراجِ المستثنى من أنّ يتناوله الأوّلُ، وحقيقتُه تخصيصُ صفةٍ عامّةٍ، فكلُّ استثناء تخصيصٌ، وليس كلٌ تخصيص استثناءً، فإذا قلت: "قام القومُ إلَّا زيدًا"، تُبين بقولك: "إلَّا زيدًا" أنّه لم يكن داخلًا تحت الصَّدْر، إنّما ذكرتَ الكلَّ، وأنت تريد بعضَ مدلوله مجازًا، وهذا معنَى قول النحويّين: "الاستثناءُ إخراجُ بعضٍ من كلّ"، أي: إخراجُه من أنّ يتناوله الصدرُ، فـ "إلَّا" تُخْرج الثاني ممّا دخل في الأوّل، فهي شِبْهُ حرف النفي، فقولُنا: "قام القومُ إلَّا زيدًا" بمنزلةِ "قام القومُ لا زيدُ"، إلَّا أنّ الفرق بين الاستثناء والعطف أنّ الاستثناء لا يكون إلّا بعضًا من كلّ، والمعطوف يكون غيرَ الأوّل، ويجوز أن يُعطَف على واحد، نحوَ قولك: "قام زيدٌ لا عمرٌو"، ولا يجوز في الاستثناء أنّ تقول: "قام زيد إلَّا عمرًا". والمستثنَى منه والمستثنَى جملةٌ واحدةٌ، وهما بمنزلةِ اسم مضافٍ، فإذا قلت: "جاءني قومُك إلَّا قليلاً منهم"، فهو بمنزلة قولك: "جاءني أكثرُ قومك"، فكأنّه اسمٌ مضافٌ، لا يتِمّ إلّا بالإضافة. وأصلُ المستثنى أنّ يكون منصوبًا، لأنّه كالمفعول، وإنّما يُعْدَل عنه لغَرَض يُذكَر بعدُ، وَلْنُقَدم الكلامَ على العامل في المستثنى، ثمّ على أقسامه. وفي العامل في المستثنى أقوالُ (١) منها قولُ سيبويه: إنّ العامل فيه الفعلُ المقدَّمُ، أو معنى الفعل بواسطةِ "إلَّا". فإن قيل: الفعل المتقدّم لازمٌ غيرُ متعدّ، فكيف يجوز أن يعمل في المستثنى النصبَ؟ قيل: لما دخلت عليه "إلَّا"، قَوَّتْه، وذلك أنّها أحدثتْ فيه معنى الاستثناء، كما يُقَوَّى بحرف الجرّ في "مررتُ بزيدٍ".

стр. 497

فإن قيل: فهلّا أعملوا "إلّا" فيما بعدها كما أعملوا حروفَ الجرّ لمّا أَوْصلتِ الفعلَ إلى ما بعدها، فالجوابُ أنّ "إلّا" إنّما لم تعمل جرّا, ولا غيرَه من قبل أنّها لم تخلُص للأسماء دون الأفعال والحروفِ، ألا تراك تقول: "ما جاءني زيدٌ قطُّ إلّا يَقْرَأُ"، و"لا مررتُ بمحمَّد قطّ إلّا يُصَلّي"، و"لا لقيتُ بكرًا إلّا في المسجد"، و"لا رأيتُ خالدًا إلّا على الفرس"، فلمّا لم تخلُص للأسماء، بل باشرتَ بها الأفعالَ والحروفَ كما باشرتَ بها الأسماءَ، لم يجز لها أنّ تعمل جرًّا, ولا غيره، وذلك لأنّ العامل ينبغي أنّ يكون له اختصاصٌ بما يعمل فيه، فلمّا لم يكن لـ "إِلَّا" اختصاصٌ بالاسم، لم يجز لها أنّ تعمل فيه. وإذا قلت: "قام القومُ"، اقتضى ذلك كلَّ من يدخل تحت عُموم اللفظ، فإذا أتيتَ بالاستثناء بيّنْتَ أنّ مدلولَ الأوّلِ وعُمومَه ليس مرادًا، فاقتضى البيانَ، فنُصب المستثنى لاقتضائه إيّاه على حدِّ اقتضاء "العشرين" ما بعدها إذا قلتَ: "عندي عشرون درهمًا". وذهب أبو العبّاس المبرّدُ، وأبو إسحاق الزجّاجُ، وطائفةٌ من الكوفيين (١) إلى أنّ الناصب للمستثنى "إلّا" نِيابةً عن "أَسْتَثْنِي"، فإذا قال: "أتاني القومُ إلّا زيدًا"، فكأنّه قال: "أتاني القومُ أستثني زيدًا". وهو ضعيفٌ، لأنّك تقول: "أتاني القومُ غيرَ زيدٍ" فتنصب "غيرًا". ولا يجوز أنّ تُقدّر بـ "أستثني غيرَ زيد"؛ لأنه يُفسِد المعنى، وليس قبلَ "غَيْرَ" حرفٌ تُقيمه مُقامَ الناصب، ولأنّ فيه إعمالَ معنى الحرف، وإعمالُ معاني الحروف لا يجوز، ألا ترى أنّك لا تقول: "ما زيدًا قائمًا" على معنَى "نَفَيْتُ زيدًا قائمًا". وإنّما لم يجز ذلك, لأنهم إنّما أتوا بالحروف نائباتٍ عن الأفعال إيجازًا واختصارًا، فإذا أخذتَ تُعْمِل معاني هذه الحروف كان فيه تطلُّعٌ إلى الأفعال، وفيه نَقْصٌ للغرض، وتراجُعٌ عمّا اعتزموه، فلم يجز ذلك، كما لم يجز الإدغامُ في مثلِ "جَلْبَبَ"، و"مَهْدَدَ", لأنّ فيه إبطالَ غرضهم، وهو الإلحاقُ. وذهب الفرّاءُ - وهو المشهورُ من مذهب الكوفيين (٢) - إلى أنّ "إلّا" مركَّبةٌ من حرفَيْن: "إِنَّ" التي تنصب الأسماءَ، وترفع الأخبارَ، و"لا" التي للعطف، فصار "إِنَّ لَا" فخُفقّت النون، وادُّغِمتْ في اللام، فأعملوها فيما بعدها عَمَلَيْن، فنصبوا بها في الإيجاب اعتبارًا بـ "إِنَّ"، وعطفوا بها في النفي اعتبارًا بـ "لا". فإذا رفعوا في النفي، فقد أعملوها عَمَلَ "لَا"، فجعلوها عاطفةً، وإذا نصبوا بها في الإيجاب، فقد أعملوها عملَ "إِنَّ"، و"زيدًا" اسمُها، وقد كَفَتْ "لا" من الخبر، والتأويلُ: إِنَّ زيدًا لم يقم. وهو قولٌ فاسدٌ أيضًا، لأنّا نقول: "ما أتاني إلّا زيدٌ" فنرفع "زيدًا" وليس قبله مرفوعٌ يُعطَف عليه، ولم يجز فيه النصبُ، فيبطُلُ تأثيرُ الحرفَيْن معًا.

стр. 498

وحُكي عن الكِسائيّ أنّه قال: إنّما نصبنا المستثنى, لأنّ تأويله: قام القومُ إلّا أنّ زيدًا لم يقم. وقد رَدَّه الفرّاءُ بأن قال: لو كان هذا النصبُ بأنّه لم يفعل، لكان مع "لا" في قولك: "قام زيدٌ لا عمرٌو" كذلك. وقيل: قولُ الكسائيّ يرجِع إلى قول سيبويه، وإنّما هذا القولُ لتقريرِ معنى الاستثناء، لا لتحقيقِ نفس العامل. فأمّا قولُ صاحب الكتاب: "المستثنى في إعرابه على خمسةِ أضرب: أحدُها منصوبٌ أبدًا، وهو على ثلاثةِ أوجه: ما استُثني بـ "إِلَّا" من كلام موجَب، وذلك "جاءني القومُ إِلّا زيداً""، فإنّه على ما ذكر. وذلك أنّ المستثنى في إعرابه على خمسة أضرب، منها ما هو منصوبٌ أبداً، فلا يجوز غيرُه من الإعراب، وهو ثلاثةُ أشياءَ: أحدُها ما استُثني بـ "إِلَّا" من كلام موجَب. و"إِلَّا" أُمُّ حروف الاستثناء وهي المستولِيَةُ على هذا الباب. وقوله: "من كلام موجب"، فالموجَبُ من الكلام ما ليس معه حرفُ نفي، والمُثْبَتُ من الأفعال ما وقع وحدث، فقولُك: "قام زيدٌ" مُوجَبٌ مُثْبَتٌ، موجبٌ لأنّه ليس بمنفيّ، ولا جارٍ مجرَى المنفيّ بأن يكون معه حرفُ نفي، أو استفهامِ، ومثبتٌ من حيثُ إنّه قد وقع وكان، فكلُّ مثبت موجبٌ، وليس كل موجب مثبتًا. فقولُك: "يقوم زيدٌ" موجبٌ لعدمِ النافي، أو ما يجري مجراه، وليس بمثبتٍ، والعِبْرةُ في الاستثناء بالموجب سواءً كان مثبتًا، أو غيرَ مثبت. فالمستثنى من الموجب منصوبٌ أبداً، نحو قولك: "أتاني القومُ إلّا زيداً"، و"رأيتُ القومَ إلّا زيدًا"، و"مررتُ بالقوم إلّا زيدًا"، ليس فيه إلّا النصبُ، وإنّما كان منصوبًا لشَبَهه بالمفعول، ووجهُ الشبه بينهما أنّه يأتي بعد الكلام التامَّ فضلة، وموقعُه من الجملة الآخِرُ كموقعه، وإنّما قلنا: إِنّه مشبَّهٌ بالمفعول، ولم نقل إنّه مفعولٌ، لأنّ المستثنى أبدًا بعضُ المستثنى منه، والمفعولُ غيرُ الفاعل، وكذلك قلنا في خبرِ "كان": إِنه مشبَّهٌ بالمفعول. ويُؤيِّد ما قلناه أنّه يعمل في المستثنى المعاني، نحوَ قولك: "القومُ في الدار إلّا زيدًا". والمفعولُ الحقيقيُّ لا يعمل فيه إلّا لفظُ الفعل، إمّا ظاهرًا، وإمّا مضمَرًا، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: "وبـ "عدا" و"خلا" بعد كل كلام, وبعضهم يجر بـ "خلا", وقيل: بهما، ولم يورد هذا القول سيبويه, ولا المبرد". * * * قال الشارح: ومن ذلك المستثنى بـ "خَلاَ"، و"عَدَا". فإنّ المستثنى بهما لا يكون إلّا نصبًا، سواء كان الاستثناءُ من موجَبٍ، أو منفىّ. تقول: "قام القوم خلا زيدًا، وعدا عمرًا"، و"ما قام أحدٌ خلا زيدًا، وعدا عمرًا"، وما

стр. 499

بعدهما مُخْرَجٌ مما قبلهما، فهو بعد الموجَب منفىٌّ، وبعد المنفيّ موجبٌ مُثْبَتٌ. وإنّما كان المستثنى بهما منصوبًا، لأنّهما فعلان ماضيان، وفاعلُهما مضمرٌ مستتِرٌ فيهما، لا يظهَر في تثنيةٍ, ولا جمع، فتقول: "قام القومُ خلا زيدًا"، و"خلا الزيدَيْن"، و"خلا الزيدِين"، وكذلك "عَدَا" والتقديرُ: خلا بعضُهم زيدًا، وعدا بعضُهم زيدًا، وخلا بعضهم الزيدَين، وعدا بعضهم الزيدَيْن، وكذلك في الجمع. والفاعلُ المضمرُ المقدَّرُ بالبعض مُوَحَّدٌ أبدًا، وإن كان المستثنَى منه مُثَنَّى، أو مجموعًا, لأنّ البعض يقع على الاثنين والجمعِ على حَسْبِ المستثنى منه، فانتصابُ ما بعدهما بأنّه مفعولٌ، فأمّا "خَلَا" فإنّه فعلٌ لازمٌ في أصله لاَ يتعدّى إلّا في الاستثناء خاصّةً، وأمّا "عَدَا" فهو متعدٍّ في أصله مِن "عَدَاهُ الأمرُ، يَعْدُوهُ" إذا جَاوَزَه، وإنّما استُثني بهما - وإن لم يكن لفظُهما جَحْدًا - لِما فيهما من معنَى المجاوَزة، والخروج عن الشيء، فَجَرَيَا في هذا المكان مجرَى "لَيْسَ" و"لا يَكُونُ"، وصار لذلك منصوبُهما هو المرفوعَ في التقدير، كما كان كذلك في "ليس"، و"لا يكون". وبعضُ العرب يجعل "خلا" حرفَ خفضٍ، فيخفِض المستثنى على كلّ حال، كما أنّ "حَاشى" كذلك، فيكون لفظُها مشتركًا بين الحرف والفعل، فإن اعتقدتَ فيها الحرفيّةَ، جررتَ ما بعدها، وإن اعتقدتَ فيها الفعليّةَ، نصبت بها، وصارت كلفظِ "على" مشترَكةً بين الحرف والفعل، وهذا لا خِلافَ فيه؛ وأمّا "عَدَا" فهي فعلٌ، ولم يَحْكِ سيبويه، ولا أبو العبّاس المبرّدُ فيها الحرفيّةَ، وإنّما حكاها أبو الحسن الأخفشُ، فعَدَّها مع "خَلَا" ممّا يجُرّ. * * * قال صاحب الكتاب: "فأما "ما عدا", و"ما خلا" فالنصب ليس إلا, وكذلك "ليس", ولا يكون, وذلك: "جاءني القوم, أو ما جاؤوني عدا زيداً, وخلا زيداً, وما عدا زيداً, وما خلا زيداً". قال لبيد [من الطويل]: ٢٩٥ - ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... [وكل نعيمٍ لا محالة زائلُ]

стр. 500

و"ليس زيداً", و"لا يكون زيداً" وهذه أفعالٌ مضمر فاعلوها". * * * قال الشارح: أمّا "مَا خَلاَ" و"مَا عَدَا"، فلا يقع بعدهما إلّا منصوبٌ, لأنّ "مَا" فيهما مصدريّةٌ، فلا تكون صلتُها إلّا فعلاً، وفاعلُها مضمرٌ مقدَّرٌ بالبَعْض على ما تقدّم، ومَا بعدهما في موضع مصدرٍ منصوبٍ، فإذا قلت: "قام القومُ ما خلا زيدًا"، "ما عدا بكرًا"، كأنّك قلت: "خُلُوَّ زيدٍ"، و"عَدْوَ بكرٍ"، كأنّك قلت: "قام القوم مجاوَزتَهم زيدًا"، وذلك المصدرُ في موضع الحال كما قالوا: "رَجَعَ عَوْدَهُ على بَدْئِهِ"، ونظائرُه كثيرةٌ، فأمّا قولُ لَبِيد [من الطويل]: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلُ ... وكلٌّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زائلُ الشاهد فيه نصبُ اسم الله تعالى بقوله: "ما خلا" علَى ما قدّمناه. ومعنى البيتِ ظاهرٌ. وكذلك الاستثناءُ بـ "لَيْسَ"، و"لَا يَكُونُ"، لا يكون المستثنى بهما إلَّا منصوبًا، مَنْفيًّا كان المستثنى منه أو موجبًا، وذلك قولُك في الموجب: "قام القوم ليس زيدًا"، و"لا يكون زيدًا". وتقول في المنفيّ: "ما قام القوم ليس زيدًا, ولا يكون زيداً"، وانتصابُ المستثنى هنا بأنّه خبرُ "لَيْسَ" و"لا يَكُونُ"، واسمُهما مضمَرٌ، والتقديرُ: ليس بعضُهم زيدًا, ولا يكون بعضُهم زيدًا.

стр. 501

ولا يظهَر هذا الاسمُ المقدَّرُ على ما تقدّم في "خلَا"، و"عَدَا"؛ لأنّ هذه الأفعال أُنيبتْ في الاستثناء عن "إلّا"، فكما لا يكون بعد "إلّا" في الاستثناء إلّا اسمٌ واحدٌ، فكذلك لا يكون بعد هذه الأفعال إلّا اسمٌ واحدٌ, لأنّها في معناها. والكوفيون يقولون التقديرُ: لا يكون فَعْلُهم فَعْلَ زيد، أضمرتَ الفَعْل، وهو المضمر المجهول، ووضعتَ الاسم المنصوب موضعَ الفَعْل. وما ذهب إليه البصريون أمثلُ, لأنه أقلُّ إضمارًا، فكان أوْلى، وقد يكون "لَيْسَ"، و"لَا يَكُونُ" وصفَيْن لِما قبلهما من النكرات، تقول: "أتتْني امرأةٌ لا تكون هندًا"، فموضعُ "لَا تَكُونُ" رفعٌ بأنّه وصفٌ لامرأةٍ، وكذلك تقول في النصب، والجرّ: "رأيتُ امرأةً ليست هندًا, ولا تكون هندًا"، و"مررتُ بامرأةٍ ليست هندًا, ولا تكون هندًا"، ولا يوصَف بـ "خَلَا" و"عَدَا"، كما وُصف بـ "لَيْسَ"، و"لَا يَكُونُ". لا تقول: "أتتني امرأةٌ خلتْ هندًا، وعدتْ جُمْلاً"، وذلك أنّ "لَيْسَ"، و"لَا يَكُونُ" لفظُهما جَحْدٌ، فخالَفَ ما بعدهما ما قبلهما، فجريا في ذلك مجرى "غَيْرِ"، فوُصف بهما كما يوصَف بـ "غَيْرٍ"، وأمّا "خَلَا"، و"عَدَا"، فليس كذلك، وإنّما يُستثنى بهما على التأويل، لا لأنّهما جحدٌ، ولمّا كان معناهما المجاوَزةَ، والخروجَ عن الشيء، فُهم منهما مفارَقةُ الأوّل، فاستُثني بهما لهذا المعنى، ولم يوصَف بهما, لأنّ لفظهما ليس جحدًا، فيجرِيا مجرى "غيْرٍ". فإن قيل: فما موضعُ "ليس"، و"لا يكون" من الإعراب في الاستثناء؟ قيل: يحتمل وجهَيْن: أحدُهما: أنّ لا يكون لواحد منهما موضعٌ من الإعراب، بل يكون كلامًا مستأنَفًا، خُصّص به ذلك العامُ، كما يقول القائلُ: "جاءني الناسُ، وما جاءني زيدٌ" عقيبَ كلامه بجملةٍ من غير الكلام الأوّل بَيَّنَ بها خصوصَ الجملة الأوُلى، ومثلُه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١)، ثمّ قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٢)، فجرى ذلك مجرَى "إلّا أنّ يكون له إخوةٌ". والوجه الثاني: أنّ يكونا في موضع الحال، فإذا قلت: "جاءني القومُ ليس زيدًا، ولا يكون زيدًا"، فتقديرُه: جاءني القوم وليس بعضُهم زيدًا, ولا يكون بعضُهم زيدًا، كما تقول: "جاءني زيدٌ وليس معه عمرٌو". ويجوز إسقاطُ الواو، فتقول: "جاءني زيدٌ ليس معه عمرٌو"، فيلزَم إسقاطُ الواو في الاستثناء؛ لأنّ "لَيْسَ"، و"لا يَكُونُ" نائبان عن "إلّا"، ولا يكون مع "إلَّا" الواوُ، فكذلك في "لَيْسَ"، و"لا يَكُونُ" ويكون التقديرُ: جاءني القوم خالِينَ من زيدٍ، وعادِينَ عن زيد، وتكون الجملتان كلامًا واحداً، فاعرفه. * * *

стр. 502

قال صاحب الكتاب: "وما قدم من المستثنى, كقولك: "ما جاءني إلا أخاك أحدٌ". قال [من الطويل]: ٢٩٦ - وما لي إلا آل أحمد شيعةٌ ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب" * * * قال الشارح: هذا هو الوجهُ الثاني من الوجوه الثلاثة التي لا يكون المستثنى فيها إلّا منصوبًا، وذلك المستثنى إذا تقدّم على المستثنى منه. نحوَ قولك: "ما جاءني إلّا زيدًا أحدٌ"، و"ما رأيتُ إلّا زيدًا أحدا"، و"ما مررت إلّا زيدًا بأحدٍ"، وإنّما لزم النصبُ في المستثنى إذا تقدّم، لأنّه قبل تقدُّمِ المستثنى كان فيه وجهان: البَدَل والنصبُ، فالبدلُ هو الوجهُ المختارُ على ما سيُذكَر بعدُ، والنصبُ جائزٌ على أصلِ الباب؛ فلمّا قدّمتَه , امتنع البدلُ الذي هو الوجهُ الراجح, لأنّ البدل لا يتقدّم المُبْدَلَ منه من حيث كان من التوابع، كالنعْت، والتأكيدِ، وليس قبله ما يكون بدلاً منه، فتَعيّنَ النصبُ الذي هو المرجوحُ للضرورة، ومن النحويّين من يسمّيه أحسنَ القبيحَيْن. ونظيرُ هذه المسألة صفةُ النكرة إذا تقدّمتْ، نحو: "فيها قائمًا رجلٌ"، لا يجوز في "قائم" إلّا النصبُ، لأنّك إذا أخّرتَه، فقلت: "فيها رجلٌ قائمٌ"، جاز في "قائم" وجهان: الرفع على النعت والنصبُ على الحال، إلّا أنّ الحال ضعيفٌ, لأنّ نعتَ النكرة أجودُ من الحال منها، فإذا قُدَّم بطل النعتُ، وإذا بطل النعت، تَعيّنَ النصبُ على الحال ضرورة، فصار ما كان جائزًا مرجوحًا، مختارًا.

стр. 503

فأمّا قول الشاعر الذي أنشده، فإنّ البيت للكُمَيْت. ومَشْعَبُ الحقّ: طريقُه. والشَّيعَة: الأعوانُ، والأحزابُ، والأصلُ: فما لي شيعةٌ إلّا آلُ أحمد، وما لي مشعبٌ إلّا مشعبُ الحقّ، وقال الآخرُ، وهو كَعْبُ بن مالك [من البسيط]: ٢٩٧ - والناسُ ألْبٌ علينا فيك ليس لنا ... إلا السُيُوفَ وأطرافَ القَنَا وَزرُ يخاطب النبي ﷺ . والألْبُ. المتألّبون المجتمِعون. والوَزَرُ: المَلْجَأُ، وأصلُه: الجَبَلُ. * * * قال صاحب الكتاب: "وما كان استثناؤه منقطعاً ,كقولك: "ما جاءني أحدٌ إلا حماراً" وهي اللغة الحجازية, ومنه قوله : ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (١)، وقولهم: "ما زاد إلا ما نقص", و"ما نفع إلا ما ضر"". * * * قال الشارح: هذا هو الوجه الثالث ممّا لا يكون المستثنى فيه إلّا منصوبًا، وهو ما كان المستثنى فيه من غيرِ نوعِ الأوّل. ويسمّى المنقطِعَ لانقطاعه منه، إذ كان من غير نوعه، وهذا النوعُ من الاستثناء ليس على سبيلِ استثناءِ الشيء ممّا هو من جنسه, لأنّ استثناء الشيء من جنسه إخراجُ بعضٍ ما لولاه لَتَناولَه الأوَّلُ، ولذلك كان تخصيصًا على ما سبق، فأمّا إذا كان من غير الجنس، فلا يتناوله اللفظُ، وإذا لم يتناوله اللفظُ، فلا يحتاج إلى ما يُخْرِجه منه، إذ اللفظُ، إذا

стр. 504

كان موضوعًا بإزاءِ شيء، وأُطلق، فلا يتناول ما خالَفَه. وإذا كان كذلك، فإنّما يصحّ بطريق المجاز، والحملِ على "لكِنْ" في الاستدراك، ولذلك قّدرها سيبويه بـ "لكِنْ" (١). وذلك من قِبَل أنّ "لكن" لا يكون ما بعدها إلّا مخالفًا لِما قبلها، كما أنّ "إلّا" في الاستثناء كذلك، إلَّا أنَّ "لكِنّ" لا يُشترط أنّ يكون ما بعدها بعضًا لِما قبلها بخلافِ "إلّا"، فإنَّه لا يُستثنى بها إلّا بعضٌ من كلّ. فعلى هذا تقول: "ما جاءني أحدٌ إلّا حمارًا"، و"ما بالدار أحدٌ إلّا وَتَدًا". فهذا المستثنى، وما كان مثلَه منصوبٌ أبدًا، وذلك لتعذُّرِ البَدَل، إذ لا يُبْدَل في الاستثناء إلّا ما كان بعضًا للأوّل، وإذا امتنع البدلُ، تَعيَّن النصبُ على ما ذكرنا في الاستثناء المقدَّم. وهذا الاستثناء على ضربَيْن: أحدُهما ما النصبُ فيه مختارٌ، والآخرُ واجبٌ، فالأوّلُ نحوُ قولك: "ما جاءني أحدٌ إلّا حمارًا"، و"ما بالدار أحدٌ إلَّا دابَّةً"، فهذا وشِبْهُهُ فيه مذهبان: مذهبُ أهل الحِجاز، وهي اللغة الفُصْحَى، وذلك نصبُ المستثنى على كل حال لِما ذكرناه من الاعتلال، ومذهبُ بني تميم، وهو أن يُجيزوا فيه البدلَ والنصبَ، فالنصبُ على أصل الباب، والبدلُ على تأويلَيْن: أحدُهما أنّك إذا قلت: "ما جاءني أحدٌ إلّا حمارٌ"، فكأنّك قلت: "ما جاءني إلَّا حمارٌ"، ثمّ ذكرتَ "أحدًا" توكيدًا، فيكون الاستثناءُ من القَدْر الذي وقعتِ الشرْكَةُ فيه بين الأحَدِين، والحمارِ، وهي الحَيَوانِيّةُ، مَثَلًا، أو الشَّيْئيّةُ، ويكون تقديرُه: ما جاءني حَيَوانٌ، أو شيءٌ أحدٌ، أو غيرُه إلّا حمارٌ. الثاني من التأويلَيْن أنّ تجعل الحمارَ يقوم مقامَ مَن جاءك من الرِّجال على التمثيل، كما يُقال: "عِتابُك السيفُ"، و"تَحِيَّتُك الضرْبُ"، كما قال [من الوافر]: ٢٩٨ - وخَيْلٍ قد دلفتُ لها بخيلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهم ضَرْبٌ وَجِيعُ

стр. 505

وقال الآخر [من الخفيف]: ٢٩٩ - لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ قَيْسٍ عِتابٌ ... غيرُ (١) طَعْنِ الكُلَى وضَرْبِ الرقابِ أي: هذا الذي أقامه مُقامَ التحية والعتابِ، ومن الاستثناء المنقطع قولُه تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٢) وقولُه تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٣) وبنو تميم يقرؤونها بالرفع، يجعلون "اتّباعَ الظنّ" عِلْمَهم، و"ابتغاءَ وجهه" سبحانه نعمة لهم عنده، ومنه قول الشاعر [من الرجز]: ٣٠٠ - وَبَلْدَةٍ ليس لها أنِيسُ ... إلَّا اليَعافِيرُ وإلَّا العِيسُ

стр. 506

جعل "اليعافيرَ" أنيسَ ذلك المكان، ومثلُه قول النابِغة [من البسيط]: ٣٠١ - وَقَفْتُ فيها أُصَيْلانًا أسائِلُها ... عَيَّتْ جَوابًا وما بالرَبْعِ مِن أحدِ إلا الأوارِىّ لأيا ما أبَيَّنُها ... والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ

стр. 507

يُنشد برفع "الأواريّ" ونصبِها، فَمن رفع، جعلها من أحَدِي ذلك المكان، والوجهُ النصبُ، وعليه أكثرُ الناس. وأمّا الضربُ الثاني: وهو ما لا يجوز فيه إلّا النصبُ فقط، وذلك نحوُ قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (١)، فـ "من" في موضعِ نصب, لأنّه من غير الجنس؛ لأنّ "عاصمَ" فاعلٌ، و"مَن رحم" معصومٌ، أي: مَن ﵀، والفاعلُ ليس من جنس المفعول، ومنهم من يجعله استثناء متّصِلًا، فيكون "عاصمَ" فاعلًا بمعنَى مفعول، أي: ذو عِصْمَةٍ، نحوَ قوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٢)، أي: مدفوقٍ، وقولهِ تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٣) أي: مرضيّةٍ، ومنه قولُ الشاعر [من الطويل]: ٣٠٢ - [لقدْ عيَّل الأيتامَ طعنةُ ناشرَه] ... أنَاشِرَ لا زالتْ يَمِينُك آشِرَهْ بمعنَى "مأشورة" أي: مقطوعة، وهو ضعيف لأنّه خلافُ الظاهر، وإنّما يُصار إلى

стр. 508

مثله ما لم يُوجَد عنه مندوحةٌ، ويجوز أنّ يكون متّصلًا من وجهٍ آخر، وذلك أن يكون "مَن رَحِمَ" هو اللهَ تعالى, لأنه هو الراحم، والمعنى: لا يعصِم من أمر الله إلّا اللهُ. ومن ذلك ما حكاه سيبويه (١) عن أبي الخَطّاب: "ما زاد إلَّا ما نقص، وما نفع إِلا ما ضرّ"، فَـ "ما" الأوُلى نافيةٌ، و"مَا" الثانية مع الفعل بعدها في موضع مصدرٍ منصوبٍ، وفي"زَادَ" ضميرٌ يعود إلى مذكورٍ, وكذلك في "نَفَعَ". والمعنى ما زاد النَّهْرُ إلّا النُقْصانَ، وما نفع زيدٌ إلا الضُّرَّ، أقام النقصانَ مُقامَ الزيادة، والضرَّ مقامَ النفع، كما يُقال: "الجُوعُ زادُ مَن لا زادَ له". فهذا وأشباهُه لا يجوز في المستثنى فيه إلَّا النصبُ على لغةِ بني تميم وغيرِهم، لتعذّر البدل، إذ لا يمكن فمه تقديرُ حذفِ الاسم الأوّل، وإيقاعُ المستثنى موقعَه، كما أمكن ذلك إذا قلت: "ما فيها أحدٌ إلّا حمارٌ"، فلا يُقال: "لا اليومَ مِن أمر الله إلّا مَن رحم"، وكذلك إذا رددتَ المحذوفَ الذي هو خبرُ "عاصم" لم يجز أيضًا. لو قُلْت: في "لا عاصم لهم اليومَ من أمر الله إلّا من رحم": "لا لهم اليومَ من أمر الله إلّا من رحم"، لم يجز البدلُ، وذلك لأنّه يبقى الجارُّ والمجرور الذي هو الخبر بلا مخبَرٍ عنه، وذلك لا يجوز، ولا معنَى لذلك، والنكْتَة فيه أنّ الاستثناء من الجنس تخصيصٌ، وفي هذا الباب استدراكٌ، فاعرفه. * * * [المستثني الذي يجوز فيه النصب والبدل] قال صاحب الكتاب: "والثاني جائز فيه النصب والبدل وهو المستثنى من كلام تام غير موجب كقولك: "ما جاءني أحد إلا زيداً وإلا زيد", وكذلك إذا كان المستثنى منه منصوباً أو مجروراً, والاختيار البدل قال الله تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قليل﴾ (٢) , وأما قوله : ﴿إلا أمرأتك﴾ (٣) فيمن قرأ بالنصب فمستثنى من قوله تعالى: ﴿فأسر بأهلك﴾ " (٤). * * * قال الشارح: قوله: "الثاني"، يريد النوعَ الثانِيَ من القِسْمة الأولى، وهي الأنواعُ الخمسةُ. وهذا المستثنى من كلّ كلام غيرِ موجب تامّ. وغيرُ الموجب ما كان فيه حرفٌ نافٍ، أو استفهامٌ، أو نهىٌ، نحوُ قولك: "ما جاءني من أحدٍ إلّا زيدًا"، و"لا يقمْ أحدٌ إلّا زيدٌ"، فهذا يجوز في المستثنى فيه النصبُ والبدلُ. أمّا النصبُ فعلى أصل الاستثناء على ما تقدّم، وأمّا البدلُ - وهو الوجهُ - فعلى أنّ تجعل "زيدًا" بدلًا من "أحد"، فيصير

стр. 509

التقديرُ: "ما جاءني إلّا زيدٌ", لأنّ البدل يحُلّ محلَّ المُبْدَل منه، ألا ترى أنّ قولك: "مررتُ بأخيك زيدٍ" إنّما هو بمنزلةِ "مررت بزيدٍ" لأنّك لمّا نحّيتَ الأخَ، قام زيدٌ مقامَه، فعلى هذا تقول: "ما جاءني أحدٌ إلّا زيدٌ"، و"ما رأيت أحدًا إلّا زيدًا". و"ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٍ". وإنّما كان البدل هو الوجهَ, لأن البدل والنصبَ في الاستثناء من حيثُ هو إخراجٌ واحدٌ في المعنى، وفي البدل فضلُ مشاكَلةِ ما بعدَ "إلّا" لما قبلها، فكان أوْلى. وكان الكِسائيّ والفرّاء يجعلان ما جعله سيبويه ههنا بدلًا من قبيل العطف، وقال أبو العبّاس ثَعْلَبٌ: كيف يكون بدلاً، و"أحدٌ"، منفيٌّ، وما بعد "إلّا" موجَبٌ؟ والجوابُ أنّه بدلٌ منه في عملِ العامل فيه، وذلك أنّا إذا قلنا: "ما جاءني أحدٌ"، فالرافعُ لـ"أحدٍ" هو"جاءني"، وإذا لم نذكر "أحدًا"، وقلنا: "ما جاءني إلّا زيدٌ"، فالرافعُ لـ "زيد" هو "جاءني" أيضًا، فكل واحد من "أحدٍ"، و"زيدٍ" يرتفع بـ "جاءني" إذا أفردتَه، فإذا جمعنا بينهما، فلا بدّ من رفعِ الأوّل منهما بالفعل, لأنه يتّصِل به، ويكون الثاني تابعًا له، كما يتبعُه إذا قلت: "جاءني أخوك زيدٌ"، إذ الفعلُ لا يكون له فاعلان. وأمّا اختلافُهما في النفي والإيجابِ، فلا يُخْرِجهما عن البدل, لأنّه ليس من شرط البدل أنّ يُعَدّ في موضعِ الأوّل إذا قُدّر زوالُه، بل من شرط البدل أنّ يعمل فيه ما يعمل في الأوّل في موضعه الذي رُتب فيه. وقد يقع في العطف، والصفةِ نحوُ ذلك، وهو أنّ يكون الأوّلُ موجَبًا، والثاني منفيًّا، فالعطفُ نحوُ: "جاءني زيدٌ لا عمرٌو"، و"مررت بزيدٍ لا عمرو"، و"رأيت زيدًا لا عمرًا". فالثاني معطوفٌ على الأوّل، وهما مختلِفان في المعنى من حيثُ النفيُ والإثباتُ. وكذلك تقول في الصفة: "مررت برجلٍ لا كريمٍ ولا عالمٍ" فـ "كريمٌ" مخفوضٌ, لأنّه نعتٌ لـ"رجلٍ"، وأحدُهما موجَبٌ، والآخرُ منفيٌّ. وإذا جار ذلك في العطف والنعتِ، جاز مثلُه في البدل, لأنّه مثلهما من حيثُ هو تابعٌ. فإن قيل: فلِمَ لا جاز البدلُ في الإيجاب كما جاز في النفي، فقلت: "جاءني القومُ إلّا زيدٌ" كما قلت في طَرَفِ النفي، وإلَّا فما الفرقُ بينهما؟ قيل: لأنّ عِبْرةَ البدل أنّ يحُلّ محلَّ المبدَل منه، وفي المنفيّ يصحّ حذفُ الاسم المبدَلِ منه قبل "إلّا"، ولا يصحّ ذلك في الموجب، لا يُقال: "أتاني إلّا زيدٌ"، وإنّما كان كذلك من قِبَل أنّ النفي الذي قبلَ "إلّا" قد وقع على ما لا يجوز إثباتُه من الأشياء المتضادّةِ، ألا ترى أنّا إذا قلنا: "ما أتاني أحدٌ"، كنّا قد نَفَيْنا إتيانَ كلّ واحد على سبيل الاجتماع والافتراقِ؟ ولو أخذنا نُثْبِت إتيانَهم على هذا الحدّ لكانَ مُحالاً, لأنّك توجِب لهم الإتيانَ على هذه الأحوال المتضادّةِ. والذي يُؤيِّد عندك ذلك أنّك تقول: "ما زيدٌ إلّا قائمٌ". نفيتَ عنه القعودَ والاضطجاعَ، وأثبت له القيامَ، ولا تقول: "زيدٌ إلّا قائمٌ"،

стр. 510

فتوجِب له كلَّ حال إلّا القيامَ، إذ من المُحال اجتماعُ القعود والاضطجاع، فلذلك ساغ البدلُ في المنفيّ، ولم يسُغ في الموجب. فأمّا قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (١)، فشاهدٌ على اختيار البدل في النفي، وذلك لإجماعِ القُرّاء على رفعِ "قَلِيل" إلّا أهلَ الشام (٢)، فإنّهم نصبوه على أصل الباب. وأمّا قوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٣) فإنّ الجماعة قرؤوا بالنصب إلّا أبا عمرو، وابنَ كَثِير، فإنّهما قَرَآ: "امرأتُك" بالرفع، وإنّما كان الأكثرُ النصبَ ها هنا, لأنّه استثناءٌ من موجب وهو قولُه: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ (٤). ولم يجعلوه مِن "أحَدٌ"؛ لأنّها لم يكن مُباحًا لها الالتفاتُ. ولو كانت مستثناةَ من المنهيّ، لم تكن داخلة في جملةِ مَن نُهى عن الالتفات، ويدلّ على أنّه لم يكن مباحًا لها الالتفاتُ قولُه تعالى: ﴿مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ (٥)، فلمّا كان حالُها في العَذاب كحالهم؛ دلّ على أنّها كانت داخلة تحت النهي دخولهم. وأمّا مَن قرأ بالرفع، فقِراءةٌ ضعيفةٌ، وقد أنكرها أبو عُبَيْد، وذلك لِما ذكرناه من المعنى. ومجازُها على أنّ يكون اللفظُ نَهْيًا، والمعنى على الخبر، كما جاء الأمرُ بمعنى الخبر كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٦). ألا ترى أنه لا معنَى للأمر ههنا، وإنما المرادُ: مَدَّهُ الرَّحمنُ مَدَّا، ومنه ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٧)، وهو كثيرٌ في كلامهم. * * * [المستثني المجرور] قال صاحب الكتاب: "والثالث مجرور أبداً , وهو ما استثنى بـ "غيرٍ", و"حاشا" و"سوى", و"سواءٍ", والمبرد يجيز النصب بـ "حاشا"". * * * قال الشارح: أصلُ الاستثناء أنّ يكون بـ "إلَّا"، وإنّما كانت "إلّا" هي الأصلَ، لأنّها حرفٌ، وإنّما يُنقَل الكلام من حَدّ إلى حدّ بالحروف، كما نقلت "ما" في قولك: "ما قام زيدٌ" من الإيجاب إلى النفي، وكذلك حرفُ الاستفهام ينقُل من الخبر إلى الاستخبار في قولك: "أقام زيدٌ؟ " وكذلك حرفُ التعريف ينقل من النكرة إلى المعرفة. فعلى هذا تكون "إلّا" هي الأصلَ؛ لأنّها تنقل الكلامَ من العمُوم إلى الخصوص، وتكتفي

стр. 511

من ذِكْرِ المستثنى منه إذا قلت: "ما قام إلّا زيدٌ"، وما عداها ممّا يُستثنى به، فموضوعٌ موضعَها، ومحمولٌ عليها لمشابهةٍ بينهما، فمن ذلك "غَيْرٌ" و"سوًى" و"حَاشَا". فأمّا "غيرٌ" فمحمولةٌ على "إلَّا"، ومشبَّهةٌ بها, لأنّ "غيرًا" يلزَمها أنّ يكون ما بعدها على خلافِ ما قبلها في النفي والإثباتِ، ألا ترى أنّك إذا قلت: "مررتُ بغيرِ زيد"، فالذي وقع به المرُورُ ليس "زيدًا"، و"زيدٌ" لم يقع به المرورُ، ولو قيل: "ما مررت بغيرِ زيد"، لكان الذي نُفي عنه المرورُ ليس بـ "زيد"، ولم يُنفَ المرور عن زيد، فلمّا كان في "غَيْرٍ" من مخالفةِ الاسم الذي بعدها مثلُ مخالفةِ ما قبلَ "إلَّا" لِما بعدها، حُملت عليها، وجُعلت هي وما أُضيفت إليه بمنزلةِ "إلَّا" وما بعدها. إلّا أنّ ما بعد "غيرٍ" لا يكون إلا مخفوضًا, لأنّها تلزم الإضافةَ لَفْرطِ إبهامها، وأمّا "سوى"، فظرفٌ من ظروف الأمكِنة، ومعناه إذا أُضيف كمعنَى "مَكَانَكَ". فإذا قلت: "جاءني رجلٌ سِواك"، فكأنّك قلت: رجلٌ مكانَك، أي: في موضعك، وبَدَلٌ منك، فتنصب "سواك" على كلِّ حال، لأنّه ظرفٌ. وفي سوى ثلاثُ لغات: فتحُ السين، وكسرُها، وضمّها. فإذا فتحتَ مددتَ، وإذا ضممت قصرت، وإذا كسرت جاز فيه الأمران، وإذا مددتَ تَبيَّن فيه الإعرابُ، وظهر النصبُ. وإذا قصرت، كان النصبُ مَنْويًّا كما يكون في "عَصًا"، وَ "رحًى". والذي يدلّ على ظَرْفيّتها أنّها تقع صِلةً، فتقول: "جاءني الذي سواك"، و"رأيت الذي سواك"، و"مررت بالذي سواك"، كما تقول: "جاءني الذي عندك". وممّا يدلّ على ظرفيّتها أنّ العامل يتخطّاها، ويعمل فيما بعدها, ولا يكون ذلك في شيء من الأسماء إلّا ما كان ظرفًا. قال لَبِيدٌ [من مجزوء الكامل]: وابْذُلْ سَوامَ المالِ إنْـ ... نَ سِواءَها دُهْمًا وَجُونَا (١) فنصب "سواءها" على الظرف، و"دهمًا وجونًا" اسمُ "إنَّ"، وتخطّاه العاملُ إلى ما بعده، كما تقول: "إنّ عندك زيدًا"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ (٢) إلّا أنّ فيه معنى الاستثناء كما كان في "غَيْر". ألا ترى أنّ الذي هو مكانَه، وبدلٌ منه غيرُه، وليس إيّاه، فلذلك تقول: "مررتُ بالقوم سواك"، و"جاؤوني سواك"، و"رأيتهم سواك". فما بعدَ "سوى" مجرورٌ، وليس داخلًا فيما قبلها كما كان في "غَيْر" كذلك، إلّا أنّ بين "غَيْر"، و"سوَى" فَرْقًا، وذلك أنّ "سوى" لا تُضاف إلى معرفِة، وهي باقيةٌ على تنكيرها كما كانت "غيرٌ" كذلك, لأنّ "سوى" ظرفٌ، فإضافتُه كإضافةِ "خَلْفَكَ"، و"قُدَّامَكَ"، فوجب لذلك أنّ يكون معرفة. فإن قيل: فأنتم تصِفون النكرةَ بـ "سوى"، كما تصفونها بـ "غير"، فتقولون: "مررت

стр. 512

برجل سواك"، كما تقولون: "بغيرك"، فما بالُكم فرّقتم بينهما؟ قيل: الوصفُ بـ "سوى" لا على حدّ الوصف بـ "غير", لأنّه لا يجري عليه في إعرابه، إنّما هو منصوبٌ على الظرف، والعاملُ فيه الاستقرارُ، وذلك الاستقرارُ هو الصفةُ، كما تقول: "مررت برجل عندي". وذهب الكوفيون (١) إلى أنّها إذا استُثني بها خرجتْ عن حكم الظرفيّة إلى حكم الاسميّة، فصارت بمنزلةِ "غير" في الاستثناء، واستدلّوا على ذلك بجَوَازِ دخولِ حروف الجرّ عليها، كما تدخل على "غير"، نحوَ قول الشاعر [من الطويل]: تَجانَفُ عن جَوّ اليَمامَة ناقَتِي ... وماقصدتْ من أهْلِها لِسِوائكا (٢) وقال أبو دُؤادٍ [من البسيط]: ٣٠٣ - وكلُّ مَن ظَنَّ أنّ المَوْتَ مُخْطِئُهُ ... مُعَلّلٌ بسواءِ الحَق مَكْذُوبُ ولا دليلَ في ذلك، لقِلّته وشُذوذه، وامتناعِه من سَعَةِ الكلام وحالِ الاختيار، فهو من قبيل الضرورة. وأمّا "حَاشَا" فهو حرفُ جرّ عند سيبويه (٣)، يجرّ ما بعده، وهو وما بعده في موضعِ نصب بما قبله، وفيه معنَى الاستثناء كما أنّ "حَتَّى" حرفٌ يجرّ ما بعده، وفيه معنى الانتهاء، تقول: "أتاني القومُ حاشا زيدٍ"، و"ما أتاني القومُ حاشا زيدٍ"، والمعنى: سوَى زيدِ، قال الشاعر [من الكامل]: ٣٠٤ - حَاشَا أبِي ثَوبانَ إنّ به ... ضنّا عن المَلْحاةِ والشَّتْمِ

стр. 513

وزعم الفرّاء أنّ "حاشا" فعلٌ، ولا فاعلَ له، وأنّ الأصل في قولك: "حاشا زيدٍ": "حاشا لزيدٍ" فحُذفت اللام لكثرة الاستعمال، وخفضوا بها، وهذا فاسدٌ, لأنّ الفعل لا يخلو من فاعلٍ. وذهب أبو العبّاس المبرّدُ إلى أنها تكون حرفَ جرّ كما ذكر سيبويه، وتكون فعلًا ينصب ما بعده، واحتجّ لذلك بأشياءَ، منها أنّه يتصرّف، فتقول: "حَاشَيْتُ، أُحَاشِي"، قال النابغة [من البسيط]: ٣٠٥ - ولا أرَى فاعِلًا في الناس يُشْبِهُةُ ... ولا أُحَاشِي من الأقْوام من أحدِ

стр. 514

والتصرّف من خصائِص الأفعال، ومنها أنّه يدخل على لام الجرّ، فتقول: "حَاشَا لزيد". قال الله تعالى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ (١). ولو كان حرفَ جرّ لم يدخل على مثله، ومنها أنّه يدخله الحذفُ، نحوُ: "حَاشَ لزيدٍ"، وقد قرأت القُرّاءُ إلّا أبا عمرو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾. وليس القياسُ في الحروف الحذفَ، إنما ذلك في الأسماء، نحوِ: "أخٍ"، و"يَدٍ"، وفي الأفعال، نحوِ: "لم يَكُ"، و"لا أدْرِ"، وهو قولٌ مَتِينٌ، يُؤيّده أيضًا ما حكاَه أبو عمرو الشَّيْبانيُّ وغيرُه أنّ العرب تخفِض بها وتنصب. وحكى أبو عثمان المازنيُّ عن أبي زيد قال: سمعت أعرابيًّا يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ولِمن سَمِعَ حَاشَا الشيطانَ، وابنَ الأصْبَغ"، فنصب بـ "حاشا"، فإذا يكون حالُها كحالِ "خَلَا". وقال أبو إسحاق: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ في معنَى "بَرَاءَةَ اللهِ"، مأخوذٌ من قولهم: "كنتُ في حَشَا فلانٍ"، أي: في ناحِيَته، من قول الشاعر [من الطويل]: ٣٠٦ - [يقولُ الذي يُمْسي إلى الحَزْنِ أهْلُهُ] ... بأي الحَشَا أمْسَى الخَلِيطُ المُبايِنُ فإذا قال: "حاشا لزيدٍ"، فمعناه: تَباعَد فعلُهم، وصار في حَشَا منه، أي في ناحِيَته، كما أنّك إذا قلت: "قد تَنحّى" معناه: قد صار في ناحيةٍ منه، فاعرفه. * * * [المستثني الذي يجوز فيه الجرّ والرفع] قال صاحب الكتاب: "والرابع جائز فيه الجر والرفع, وهو ما استثني بـ "لا سيما" وقول امرئ القيس [من الطويل]: ٣٠٧ - [ألا رُب يومٍ لك منهنّ صالحٍ] ... ولا سيما يوم بدارة جلجل

стр. 515

يروى مجروراً ومرفوعاً وقد روي فيه النصب". * * * قال الشارح: "لا سِيَّمَا" كلمةٌ يُستثنى بها، وقع بعدها المرفوعُ والمخفوضُ، فَمن خفض جعل "ما" زائدةً مؤكّدةً، وخفض ما بعدها بإضافةِ الـ"سيّ" إليه، كأنّه قال: "ولا سِىّ زيدٍ"، أي: ولا مثلَ زيدٍ. ومَن رفع جعل "مَا" بمعنَى "الَّذِي"، ورفع ما بعدها على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والمعنى: سِىَّ الذي هو زيدٌ، و"هو" العائدُ إلى "الذي". ومثلُه قوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (١) برفع "أحسن" على تقدير: الذي هو أحسنُ، وكقِراءةِ مَن قرأ ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (٢)، وهو قَبيحٌ جدَّا لحَذفٍ ما ليس بفضلةٍ، و"السَّيٌّ" منصوبْ بـ "لاَ"، وليس بمبنى لأنّه مضافٌ إلى ما بعده، ولا يُبْنَى ما هو مضافٌ, لأنّ المبنيّ مشابِةٌ للحروف، ولا يصحّ إضافةُ الحروف، مع أنّ فيه جَعْلَ ثلاثةِ أشياءَ بمنزلةِ شيء واحد، وذلك إجحافٌ، والسَّيُّ: المِثْلُ. قال الحُطَيْئَةُ [من الوافر]: ٣٠٨ - فإيّاكم وحَيَّةَ بَطْنِ وادٍ ... هَمُوزَ النابِ ليس لكم بسِيّ

стр. 516

والتثنيةُ: سِيّانِ. قال أبو ذُؤَيْبٍ [من البسيط]: ٣٠٩ - وكان سِيّانِ أن لا يَسْرَحُوا نَعَمًا ... أو يسرحوه بها واغبَرَّت السُّوحُ

стр. 517

ولا يستثنى بـ "سيَّما" إلا ومعه جحد، لو قلت: "جاءني القوم سيَّما زيدٌ"، لم يجز حتى تأتي بـ "لا". ولا يستثنى بـ "لا سيما" إِلّا فيما يراد تعظيمه، فأما بيت امرئ القيس [من الطويل]: ألا ربَّ يومٍ لك منهن صالحٍ ... ولا سِيُّمَا يومٌ بدارَةِ جُلْجُلِ فإنّه رُوي بجرّ "يوم" ورفعِه على ما ذكرناه، وقد رُوي منصوبًا على الظرف، وهو قليلٌ شاذّ. * * * [المستثني الجاري علي وإعرابه قبل دخول كلمة الاستثناء] قال صاحب الكتاب: "والخامس جار على إعرابه قبل دخول كلمة الإستثناء, وذلك "ما جاءني إلا زيدٌ"، و"ما رأيت إلا زيداً", و"ما مررت إلا بزيدٍ"". * * * قال الشارح: إذا استثنيتَ بـ "إلّا" من كلام منفىّ غيرِ تامّ، وذلك بأن يكون ما قبل "إلّا" محتاجًا إلى ما بعدها. ومثالُ ذلك "ما جاءني إلَّا زيدٌ"، و"ما رأيتُ إلا زيدًا"، و"ما مررت إلّا بزيدٍ"، و"ما ذهب إلّا عمرٌو" فهذا لا يكون فيه إلَّا الرفعُ؛ لأن للفعل المُفرَّغِ لِما بعد "إلَّا" أن يعمل فيه، والأصلُ أن تقول: "ما جاءني أحدٌ"، و"ما ذهب أحدٌ، أو شيءٌ"، ليصحّ معنى الاستثناء, لأنّ الاستثناء تخصيصُ صفةٍ عامّةٍ على ما ذكرنا، إلّا أنّك حذفت الفاعلَ استغناءً عنه لعُمُوم النفي، وأنت تريده. ولَسْنَا نعني أنّه مضمرٌ، وأن المذكور بعد "إلّا" بدلٌ منه، وإنّما نعني أنَّ المعنى على ذلك، ولمّا حذف ما كان يجب أنّ يُشْغَل به الفعلُ المنفيُّ، لم يجز تركُ الفعل بلا فاعلٍ، أو ما ينوب عن الفاعل، فلم يكن بدّ من إسنادِ هذا الحديث إلى مُحَدَّثٍ عنه، وشَغْلِ هذا الفعل بشيءٍ، يرتفع به كما لم يكن بدٌّ من شغلِ الفعل بالمفعول، إذا لم يسمّ الفاعلُ، فرفعتَ به ما بعد "إلَّا"، وأقمتَه مقامَ الفاعل، وشغلتَ الفعلَ به لفظًا دلّ الاستثناءُ على المحذوف من جهة المعنى، كما دلّ تغييرُ بِنْيَةِ الفعل فيما لم يسمّ فاعلُه بعد إقامةِ المفعول مقام الفاعل، على أنّ ثَمَّ فاعلًا لهذا الفعل غيرَ المذكور. والذي يدلّ على أنّ الفعل عاملٌ فيما بعد "إلّا" ومسندٌ إليه أمران: أحدهما أنّ هنا فعلًا لا بدّ له من فاعلٍ، وليس هنا فاعلٌ سوى الموجود، ولا يُقال الفاعلُ محذوفٌ، إذ

стр. 518

الفاعلُ لا يجوز حذفُه. والثاني أنّه قد يُؤنَّث الفعل لتأنيثِ المستثنى، فيقال: "ما قامت إلَّا هندٌ". قال ذو الرُمَّة [من الطويل]: ٣١٠ - بَرَى النَّحْزُ والأجْرازُ ما في غُروضها ... فما بَقِيَتْ إلَّا الصُّدورُ الجَراشِعُ ومن ذلك قِراءةُ الحسن، وجماعةٍ من القُرّاء غير السَّبْعَة: ﴿فأصْبَحُوا لاَ تُرَى إلّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (١) فأنَّت، وإن كان القياسُ التذكيرَ, لأنّه من مواضع العُمُوم والتذكيرِ، إذ التقديرُ: فما بقي شيءٌ ولا يُرَى شيءٌ. فإذا قلت: "ما قام إلَّا زيدٌ"، و"ما رأيت إلّا زيدًا"، و"ما مررت إلّا بزيد"، فهو بمنزلةِ "قام زيدٌ"، و"رأيت زيدًا"، و"مررت بزيد" في أنّ الفعل عاملٌ في الفاعل والمفعولِ بعد "إلّا" كما يعمل إذا لم يكن "إلّا"، مذكورًا. وهذا معنى قوله: "جارٍ على إعرابه قبل دخولِ كلمةِ الاستثناء". وفائدةُ الاستثناء في قولك: "ما قام إلّا زيدٌ" إثباتُ القيام له، ونَفْيُه عمّن سِواه، ولو قلت: "قام زيدٌ لا غيرُ"، لم يكن فيه دلالةٌ على نَفْيه عن غيره، فاعرفه. * * * قال صاحب الكتاب: "والمشبه بالمفعول منها هو الأول, والثاني في أحد وجهيه. وشبهه به لمجيئه فضلةً, وله شبهٌ خاصّ بالمفعول معه, لأن العامل فيه بتوسط حرف". * * *

стр. 519

قال الشارح: قوله: "والمشبَّه بالمفعول منها هو الأوّل"، يريد المستثنى من الموجَب، نحوَ قولك: "قام القومُ إلّا زيدًا", لأنّ الاستثناء جاء بعدما تَمَّ الكلامُ بالفاعل، كما يأتي المفعولُ كذلك، نحوَ قولك: "ضرب زيدٌ عمرًا". قوله: "والثاني في أحدِ وجهَيْه"، يريد به ما يجوز من النصب والبدل في المستثنى من المنفيّ التامّ، نحوَ قولك: "ما جاءني أحدٌ إلّا زيدٌ"، فإنّه يجوز فيه النصب على أصل الباب، وهو المشبَّهُ بالمفعول والبدلُ، والفرق بين البدل والنصب في قولك: "ما قام أحد إلّا زيد" أنّك إذا نصبت، جعلت معتمَدَ الكلام النفيَ، وصار المستثنى فضلةً، فتنصبه كما تنصب المفعول به، وإذا أبدلتَه منه، كان معتمدُ الكلام إيجابَ القيام لزيد، وكان ذكرُ الأوّل كالتَّوْطئة، كما ترفع الخبرَ, لأنّه معتمدُ الكلام، وتنصب الحالَ لأنّه تَبِيعٌ للمعتمد في نحوِ: "زيدٌ في الدار قائمًا". وقوله: "وله شَبَهٌ خاصٌّ بالمفعول معه"، يريد أنّ الفعل كما لم يتعدّ إلى المفعول معه إلّا بواسطةِ الواو، وتقوِيَتِه، كذلك "إلّا" تقويةٌ للفعل قبلها, لا يتعدّى إلى المستثنى إلّا بواسطتها, وليس واحدٌ منهما عاملًا فيما دخلا عليه فاعرفه. * * * [حكم غير] قال صاحب الكتاب: "وحكم "غير" حكم الأسم الواقع بعد "إلا": تنصبه في الموجب, والمنقطع, وعند التقديم, وتُجيز فيه البدل والنصب في غير الموجب, وقالوا: إنما عمل فيه غير المتعدي لشبهه بالظرف لإبهامه". * * * قال الشارح: لمّا كانت "إلّا" حرفًا لا يعمل شيئًا، ولا يعمل فيه عاملٌ، وكان ما قبلها مقتضِيًا لِما بعدها، تَخَطَّى عملُ ما قبلها إلى ما بعدها، فعمِل فيه، كقولنا: "ما قام إلّا زيدٌ"، و"ما رأيت إلّا زيدًا"، و"ما مررت إلّا بزيد". و"غَيْرٌ" اسمٌ تعمل فيه العواملُ، وما بعدها لا يعمل فيه سِواها, لأنّ إضافتها إليه لازمةٌ، فصار الإعرابُ الواجبِ للاسم الواقع بعد "إلَّا" حاصلًا في نفس "غَيْرٍ"، فإذا استثنيتَ بها من موجَبٍ، نصبتَ، نحوَ قولك: "قام القومُ غيرَ زيدٍ"، كما نصبت ما بعد "إلّا"، نحوَ: "قام القوَمُ إلّا زيدًا"، وكذلك إذا كان الثاني منقطعًا ليس من جنسِ الأوّل، كقولك: "جاءني القومُ غيرَ حمارٍ"، كما تقول: "إلّا حمارًا". وكذلك إذا قدّمتَه على المستثنى منه، نحوَ قولك: "ما جاءني غيرَ زيدٍ أحدٌ"، كما قلت: "ما جاءني إلّا زيدًا أحدٌ". وتقول: "ما جاءني أحد غيرُ زيدٍ"، فيجوز في "غير" الرفعُ والنصبُ، كما كان ذلك جائزًا مع "إلّا".

стр. 520

فإن قيل: كيف جاز أن تقول: "قام القومُ غيرَ زيد"، فتنصب "غيرًا" بالفعل قبله، وهو لازمٌ غيرُ متعدّ؟ فالجوابُ أنّ "غيرًا" ههنا لمّا كانت مُشابِهةً لـ"سِوى" بما فيها من الإبهام، ألا ترى أنّك إذا قلت: "مررت برجلٍ غيرِك"، فهو غيرُ متميِّزٍ كما أنّ "سوى" كذلك فكما يتعدّى الفعلُ اللازمُ إلى "سوى" بنفسه، كذلك يتعدّى إلى "غير", لأنّه في معناه. وهذا معنى قوله: "وقالوا: إنّما عمل فيه الفعلُ غيرُ المتعدّي لشَبَهه بالظرف"، يريد سِوى. فصل [شبه "غير" بـ "إلّا "] قال صاحب الكتاب: "واعلم أن "إلا" و"غيراً" يتقارضان ما لكل واحد منهما, فالذي لـ "غير" في أصله أن يكون وصفاً, يمسه إعراب ما قبله، ومعناه المغايرة, وخلاف المماثلة, ودلالته عليها من جهتين: من جهة الذات, ومن جهة الصفة, تقول: "مررت برجلٍ غير زيد" قاصداً إلى أن مرورك كان بإنسان آخر, أو بمن ليست صفته صفته، وفي قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) الرفع صفة للقاعدون, والجر صفة للمؤمنين والنصب على الإستثناء. ثم دخل على "إلا" في الإستثناء". * * * قال الشارح: قوله: "يتقارضان ما لكلّ واحد منهما"، يعني أنّ كلّ واحد منهما يستعِير من الآخر حكمًا، هو أخصٌّ به، فحكمُ "غيرٍ" الذي هو مختصٌّ به الوصفيّةُ أن يكون جاريًا على ما قبله تَحْلِيَة له بالمغايَرة، فأصلُ "غيرٍ" أنّ يكون وصفًا، والاستثناءُ فيه عارضٌ مُعارٌ مِن "إلّا". ويوضِح ذلك، ويُؤكّده أنّ كل موضع يكون فيه "غيرٌ" استثناءً، يجوز أنّ يكون صفةً فيه، وليس كل موضع يكون فيه صفةً يجوز أنّ يكون استثناءً، وذلك نحوُ قولك: "عندي مائةٌ غيرَ درهمٍ": إذا نصبتَ كانت استثناء، وكنتَ مُخبِرًا أنّ عندك تسعةً وتسعين درهمًا، وإذا رفعت كنت قد وصفتَه بأنّه مغايِر لها. وكذلك إذا قلت: "عندي درهمٌ غيرَ دانِقٍ، وغيرُ دانقٍ": إذا استثنيتَ نصبتَ، وإذا وصفت رفعت. وتقول: "عندي درهمٌ غيرُ زائفٍ، ورجلٌ غيرُ عاقلٍ"، فهذا لا يكون فيه "غيرٌ" إلّا وصفًا، لا غيرُ، لأنّ الزائف ليس بعضًا للدرهم، ولا العاقل بعضَ الرجل. وحقيقةُ الاستثناء إخراجُ بعضٍ من كل، والفرقُ بين "غير" إذا كانت صفة، وبينها إذا كانت استثناءً، أنّها إذا كانت صفة لم تُوجِب للاسم الذي وصفتَه بها شيئًا، ولم تَنْفِ

стр. 521

عنه شيئًا, لأنه مذكورٌ على سبيل التعريف، فإذا قلت: "جاءني رجلٌ غيرُ زيد"، فقد وصفتَه بالمغايَرة له، وعدمِ المماثَلة، ولم تَنْفِ عن زيد المَجيءَ، وإنّما هو بمنزلة قولك: "جاءني رجلٌ ليس بزيدٍ". وأمّا إذا كانت استثناءً، فإنّه إذا كان قبلها إيجابٌ، فما بعدها نفىٌ، وإذا كان قبلها نفىٌ، فما بعدها إيجابٌ, لأنّها ههنا محمولةٌ على "إلّا"، فكان حكُمها كحكمه. وقوله: "يَمَسُّه إعرابُ ما قبله"، يُشير إلى أنَّه وصفٌ يتبع ما قبله في إعرابه كما تتبع سائرُ الصفات، فتقول: "هذا رجلٌ غيرُك"، فترفعُه لأنّ موصوفه مرفوعٌ، وتقول: "رأيت رجلًا غيرَك"، و"مررت برجلٍ غيرك" كما تقول: "هذا رجلٌ عالمٌ"، و"رأيت رجلًا عالمًا"، و"مررت برجلٍ عالمٍ"، فيكون إعرابُ "عالمٍ" كإعراب "الرجل". من حيث هو نعتٌ له. وقوله: "ودلالته عليها من وجهَيْن: من جهةِ الذات، ومن جهة الصفة"، يريد أنّه قد دلّ على شيئين: على الذات الموصوفة، وهو الإنسان مَثَلًا، وعلى الوصف الذي استحقّ به أن يكون "غيرًا"، وهو المغايرةُ، كما أنّك إذا قلت: "أسْوَدُ" فقد دلّ على شيئين: على الذات، والسواد الذي استحقّ به أن يكون أسودَ. فهما شيئان: حاملٌ، ومحمولٌ. فالحاملُ الذاتُ، والمحمولُ السوادُ، وكذلك "ضاربٌ" دلّ على الضَّرْب وذاتَ الضارب. فأمّا قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) إلخ، فقد قرئ بالرفع والجرّ والنصب (٢)، فالرفع على النعت لـ "القاعدون"، ولا يكون ارتفاعهُ على البدل في الاستثناء, لأنّه يصير التقديرُ فيه: لا يستوي إلّا أُولُو الضرر، وليس المعنى على ذلك، إنّما المعنى لا يستوي القاعدون الأصحّاءُ والمجاهدون، والجرُّ على النعت لِـ"المؤمنين"، والمعنى لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحّاء والمجاهدون، والمعنى فيهما واحدٌ، والنصبُ على الاستثناء وقوله: "ثمّ دخل على "إلّا" في الاستثناء"، يريد أنّ أصل "غيرٍ" أنّ يكون صفةً لِما ذكرناه، ثمّ دخل على "إلّا" لمضارعة بينهما، فاستُثني به كما يستثنى بـ "إلَّا". * * * قال صاحب الكتاب: "وقد دخل عليه "إلا" في الوصفية. وفي التنزيل

стр. 522

﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (١) , أي: غيرُ الله. ومنه قوله [من الوافر]: ٣١١ - وكل أُخٍ مفارقة أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ولا يجوز اجراؤه مجرى "غير" إلا تابعاً، لو قلت: "لو كان فيهما إلا الله",كما تقول: "لو كان فيهما غير الله" لم يجز, وشبهه سيبويه (٢) بـ "أجمعون"". * * * قال الشارح: وقد حملوا "إلّا" على "غير" في الوصفيّة، فوصفوا بها، وجعلوها وما بعدها تَحْليَةً للمذكور بالمغايرة، وأنه ليس إيّاه، أو مَن صفتُه كصفته، ولا يراد به إخراجُ الثاني ممّا دخل في الأوّل، فتقول: "جاءني القوم إلّا زيدًا"، فيجوز نصبُه على الاستثناء، ورفعُه على الصفة للقوم. وإذا قلت: "ما أتاني أحدٌ إلّا زيدًا"، جاز أنّ يكون "إلّا" وما بعدها بدلًا من "أحد"، وجاز أنّ يكون صفة بمعنى "غيرٍ". قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا

стр. 523

آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١). والمراد: غيرُ الله، فهذا لا يكون إلّا وصفًا, ولا يجوز أنّ يكون بدلًا يراد به الاستثناء, لأنّه يصير في تقديره: لو كان فيهما إلّا الله لفسدتا. وذلك فاسدٌ لأنّ "لَوْ" شرطٌ فيما مضى، فهي بمنزِلة "إن" في المستقبل. وأنت لو قلت: "إن أتاني زيدٌ"، لم يصحّ, لأن الشرط في حكم الموجَب. فكما لا يصح "أتاني إلّا زيدٌ"، كذلك لا يصحّ "إن أتاني إلاّ زيد". فلو نصبتَ على الاستثناء، فقلت: "لو كان فيهما آلهةٌ إلّا الله"، لجازَ، ومن ذلك قول الشاعر عمرو بن مَعْدِ يكَرِبَ [من الوافر]: وكلّ أخ مفارقه أخوه ... إلخ فـ "إلّا" وما بعدها بمعنى "غيرٍ" صفةٌ لـ"كلّ"، ولو جعله وصفًا لـ"أخ" لَخفض. وقال: "إلّا الفرقدين" لأنّ ما بعد "إلّا" في الوصف يكون إعرابُه تابعًا لإعراب ما قبلها. والمرادُ: كل أخٍ مُفارِقُه أخوه غيرُ الفرقدَيْن، فإنّهما لا يفترِقان في الدنيا كافتراقِ الأخوَيْن. واعلم أنّه لا يجوز أن تكون "إلّا" صفة إلّا في الموضع الذي يجوز أنّ تكون فيه استثناء. وذلك أنّ تكون بعد جمع، أو واحدٍ في معنى الجمع، إمّا نكرةٍ منفيةٍ، وإمّا فيه الألف واللامُ لتعريف الجنس, لأنّ هذا هو الموضعُ الذي تجتمِع فيه هي و"غَيْرٌ" فتقارضَا. ولم تكن بمنزلتها في غير هذا الموضع، لأنّهما لم تجتمعا فيه. لو قلت: "مررتُ برجل إلّا زيدٍ" على معنى "غير زيدٍ"، لم يجز, لأنّ "إلّا" موضوعةٌ لأن يكون ما بعدها بعضًا لما قبلها, وليس "زيدٌ" بعضًا لـ"رجل"، فامتنع لذلك. وقوله: "لا يجوز إجراؤه مجرى غير إلّا تابعًا"، يريد أنّ "إلّا" وما بعدها، إنّما تكون صفة إذا كان قبلها اسم مذكورٌ، ولا يجوز حذفُ الموصوف فيه، وإقامةُ الصفة مقامَه، كما جاز ذلك مع "غيرٍ"، لأنّ "غيرًا" اسمٌ متمكِّنٌ، تعمل فيه العواملُ، فيجوز أنّ يُقام مُقامَ الموصوف. فإذا قلت: "مررت بمثلك"، وإن كان تقديرُه: برجل مثلِك، فليس خفضُه هنا بحكم التَّبَعِيّة، بل بالحرف الخافض. وكذلك إذا قلت: "قام غيرُك"، فارتفاعُه بالفعل قبله، كما كان ارتفاعُ الموصوف لو ذَكَرَه. وكذلك النصبُ في قولك: "رأيتُ غيرَك"، هو منصوبٌ بوقوع الفعل عليه، لا بحكمِ أنّه صفةٌ تابعٌ. فـ "إِلَا" إنّما وُصف بها حَمْلًا على "غيرٍ". وإذا كانت "غيرٌ" نفسُها، إذا حذف موصوفُها لا تبقى نعتًا، إذ النعت يقتضي منعوتًا متقدِّمًا عليه، كان ما حُمل عليه، وهو حرفٌ، لا يعمل فيه عاملٌ، لا رافعٌ، ولا ناصبٌ، ولا خافضُ، أشدَّ امتناعًا، فلم يجز لذلك حذفُ الموصوف وإقامتُه مُقامَه، فلا تقول: "ما قام إلّا زيدٌ"، وأنت تريد الصفةَ، كما جاز "ما قام غيرُ زيد". وقد شبّهه سيبويه بـ "أجمعون" في التأكيد من حيثُ إنّه لا يكون إلّا تأكيدًا

стр. 524

كالنعت، ولا يجوز حذفُ المؤكَّد، وإقامتُه مقامَ المؤكَّد، فلا يكون إلّا بعد مذكورٍ، كما أنّ "إلّا" في الصفة كذلك. فصل [حمل البدل علي محلّ الجارّ والمجرور لا علي اللفظ] قال صاحب الكتاب: "وتقول: ما جاءني من أحد إلا عبد الله وما رأيت من أحد إلا زيداً, ولا أحد فيها إلا عمرو, فتحمل البدل على محل الجار والمجرور لا على اللفظ، وتقول ليس زيد بشيء إلا شيئاً لا يعبأ به. قال طرفة [من الكامل]: ٣١٢ - أبني لبينى لستم بيدٍ ... إلا يداً ليست لها عضد وما زيد بشيءٍ لا يعبأ به, بالرفع لا غير. * * * قال الشارح: اعلم أنّ من الحروف ما قد تُزاد في الكلام لضرب من التأكيد، وتختصّ زيادتُها بموضع دون موضع. فمن ذلك "مِنْ". قد تُزاد مؤكدةً، وتختصّ بالنفي، والدخولِ على النكرة لاستغراق الجنس، فتارةً تُفِيد الاستغراقَ بعد أن لم يكن، وتارة تُؤكِّده. فمثالُ الأوّل قولُك: "ما جاءني من رجلٍ"، فـ "مِنْ" أفادتِ العمومَ، واستغراقَ الجنس، لأنّك لو قلت: "ما جاءني رجلٌ"، جاز أنّ يكون نافيًا لمَجِيء رجل واحد، وقد جاءك أكثرُ. ومثالُ الثاني قولك: "ما أتاني من أحدٍ"،

стр. 525

والمعنى: "ماأتاني أحد", لأنّ "أحدًا" عامٌّ من غير دخولِ "مِنْ" كـ "طُورِيّ"، و"عَرِيبٍ"، وإنما أكّدت. فإذا قلت: "ما أتاني من أحدٍ إلّا زيدٌ"، جاز في إعراب "زيد" وجهان: النصبُ على الاستثناء، والرفع على البدل من الموضع، لأنّ موضعه، لو لم يكن الخافضُ، رفعٌ, لأنّ "مِنْ"، لو لم تدخل، لَقلت: "ما أتاني أحدٌ إلّا زيدٌ". ولا يجوز خفضُ "زيد" على البدل من اللفظ, لأنّ خَفْضَه بـ "مِنْ"، ولا يجوز دخولُ "مِنْ" هذه على موجَبٍ، وما بعد "إلّا" هاهنا موجبٌ لأنّه استثناءٌ من منفىِّ، والمستثنى من المنفيّ موجبٌ، فامتنع البدلُ من اللفظ هاهنا لذلك. ولو قلت:"ما أخذتُ من أحدٍ إلّا زيدٍ"، لجاز الخفضُ فيما بعد "إلّا" على البدل من المخفوض, لأنّ "من" هذه من صِلة "أحدٍ"، فهي تدخل على المنفيّ والموجب بخلاف الأولى. وتقول: "لا أحدَ فيها إلّا زيدٌ"، و"لا إلهَ إلّا الله" بالرفع على البدل من موضع "لا أحد", لأنّه في موضع اسمٍ مبتدأ. ولا يجوز حملُ ما بعد "إلّا" على النصب الذي تُوجِبه "لَا" النافيةُ, لأنّ "لا" إنّما تعمل في منفىّ، وما بعد "إلّا" هنا موجبٌ، ولأنّ المنفىّ هاهنا مقدَّرٌ بـ "منْ"، والمعنى: لا من أحدٍ. ولذلك وجب بناؤُه، فلم يصحّ البدلُ منه، لأنّه لا يصحّ تقديرُ "مِنْ" هذه بعد "إلّا". ومن ذلك قولك: "ليس زيدٌ بشيءٍ إلّا شيئًا لا يُعْبَأ به"، ولا يجوز فيه إلّا النصبُ على البدل من المَحَلّ، لانّ مَحَلّه نصبٌ، والتقديرُ: ليس زيدٌ شيئًا إلّا شيئًا لا يُعْبَأ به. ولا يجوز الخفضُ على البدل من اللفظ, لأنّ خَفضه بتقدير الباء، وهذه الباء تأتي زائدةً لتأكيدِ النفي، ولا تكون مع الموجَب، وما بعد "إلّا" هنا موجبٌ، فلذلك لم يجز الخفضُ، قال الشاعر [من الكامل]: أَبَنِي لُبَيْنَى ... إلخ البيت لطَرَفَةَ بن العبد، والشاهدُ أنّه نصب "يدا" الثانيةَ، لوقوعها بعد "إلّا" بدلًا من محلِّ الجارّ والمجرور، لتعذُر حَمْله على لفظ المخفوض, لأنّ ما بعد "إلّا" موجبٌ، والباء مؤكّدةٌ للنفي. ويُروى: مَخْبُولَةَ العضُدِ. والخَبْلُ: الفَسادُ. والمعنى: أنتم في الضُّعْف، وقلّةِ الانتفاع كيَدٍ لا عَضُدَ لها. وتقول: "ما أنت بشيء إلّا شيءٌ لا يُعْبَأ به" بالرفع لا غيرُ، وذلك لأنّ الجارّ والمجرور عند بني تميم في موضع رفع, لأنّهم لا يُعمِلون "مَا" لعدم اختصاصها. وإذا كان في موضع رفعٍ، تَعذرَ حملُه على اللفظ الذي هو الجرّ لِما ذكرناه من أنّ هذه الباء لا تُزاد مع الموجب، وما بعد "إلّا" هنا موجبٌ، فحُمِل على الموضع، وهو الرفعُ. وعند أهل الحِجاز أنّ الجارّ والمجرور في موضع نصبٍ, لأنهم يحملون "ما" على

стр. 526

"لَيْسَ" لشَبَهها بها من جهة النفي. فإذا دخلت "إلّا"، بطل عملُها لانتقاضِ النفي، وصاروا إلى أقْيَسِ اللُغَتَين، وهي لغةُ بني تميم، فلذلك رفعت. ومثله: "ما كان زيدٌ بغلام إلّا غلامًا صالحًا"، بنصب "الغلام"، لأنّه بدل من محلَّ الغلام الأوّل، ومحلُّه نصبٌ بأنّه خبرُ "كَانَ". ويدل علىَ ذلك أنّك لو حذفتَ الاسم المستثنى منه، لقلت: "ما أنت إلّا شيءٌ لا يُعْبَأ به" بالرفع، و"ما كان زيدٌ إلّا غلامًا صالحًا" بالنصب، وقد أجاز الكوفيون فيما بعد "إلّا" الخفضَ، إذا كان نكرة، ولا يجوز في المعرفة، فتقول على هذا: "ما أتاني من أحدٍ إلّا رجل"، و"ما أنت بشيءٍ إلّا شيءٍ لا يُعْبَأ به". ولو قلت: "إلّا زيدٍ، وما أنت بشيءٍ إلّا الشيءِ التافِهِ"، لم يجز. والصوابُ المذهب الأوّل، وهو رأيُ سيبويه لما ذكرناه من أنّ حرف الخفض في هذا الموضع إنّما دخل لتأكيد النفي، ولا يتعلّق بموجبٍ، وما بعد "إلّا" موجبٌ، فاعرفه. فصل [تقديم المستثني علي صفة المستثني منه] قال صاحب الكتاب: "وإن قدمت المستثنى على صفة المستثنى منه ففيه طريقان: أحدهما وهو اختيار سيبويه (١) أن لا تكترث للصفة, وتحمله على البدل. والثاني أن تنزل تقديمه على الصفة منزلة تقديمه على الموصوف، وذلك قولك: "ما أتاني أحد إلا أبوك خير من زيد" و"ما مررت بأحد إلا عمرو خيرٍ من زيد", أو تقول: إلا أباك وإلا عمرًا"". * * * قال الشرح: إذا تقدّم المستثنى على صفة المستثنى منه، ففيه مذهبان: أحدهما مذهبُ سيبويه، وهو اختيارُ أبي العبّاس المبرّد، أنّ تُبْدِله ممّا قبلَه, لأنّ الاعتبار بتقديم المُبْدَل منه، وهو الاسم، ولا تكترِث للصفة, لأنّها فضلةٌ. والثاني أنّ تنصبه على الاستثناء، وهو اختيارُ أبي عثمانَ المازِنيّ. وذلك أنّ الصفة والموصوف كالشيء الواحد، وإذا كانا كالشيء الواحد، كان تقديمُه على الصفة بمنزلةِ تقديمه على الموصوف. فكما يلزم النصبُ بتقديمه على المستثنى منه، كذلك يلزم النصبُ بتقديمه على الصفة. وممّا يدلّ أنّ الصفة والموصوف كالشيء الواحد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (٢). ألا ترى أنّه أُدخل الفاء في الخبر هاهنا لوَصْفك إيّاه بـ "الَّذِي"، كما تدخل إذا كان المخبَرُ عنه الَّذِي، وكان موصولًا بالفعل، أو ما يجري مجرى الفعل من ظرفٍ، أو جارّ ومجرورٍ. مثال ذلك قولك: "ما أتاني أحدٌ إلّا أبوك خيرٌ من زيدٍ".

стр. 527

فقولك: "خيرٌ من زيدٍ"، وصفٌ لـ"أحدٍ"، المستثنى منه، و"الأبُ" هو المستثنى، وقد تقدّم على الصفة، وأبدلته منه. وإن شئت نصبت، وقلت: "إلّا أباك". وتقول: "ما مررتُ بأحدٍ إلّا عمرٍو خيرٍ من زيد". فقولك: "خيرٍ من زيد"، نعتُ "أحدٍ"، و"عمرٌو" مخفوضٌ لأنّه بدلٌ منه، وإن شئت نصبت على الاستثناء. فصل [تثنية المستثني] قال صاحب الكتاب: "وتقول في تثنية المستثنى: ما أتاني إلا زيداً إلا عمراً, وإلا زيداً إلا عمرو, ترفع الذي أسندت إليه, وتنصب الآخر, وليس لك أن ترفعه, لأنك لا تقول: تركوني إلا عمرو. وتقول ما أتاني إلا عمراً إلا بشراً أحد، منصوبين, لأن التقدير: ما أتاني إلا عمراً أحد إلا بشر، على إبدال بشر من أحد, فلما قدمته نصبته. * * * قال الشارح: إذا قلت:"ما أتاني إلّا زيدٌ إلّا عمرًا، أو إلّا زيدًا إلّا عمرٌو"، فلا بدّ من رفع أحدهما ونصب الآخر. ولا يجوز رفعُهما جميعًا , ولا نصبُهما، وذلك نظرًا إلى إصلاح اللفظ وتَوْفِيَة ما يستحِقّه، وذلك أنّ المستثنى منه محذوفٌ، والتقديرُ: ما أتاني أحدٌ إلّا زيدًا إلّا عمرًا، لكن لمّا حُذف المستثنى منه، بقي الفعلُ مفرَّغًا بلا فاعل. ولا يجوز إخلاءُ الفعل من فاعلِ في اللفظ، فرُفع أحدهما بأنّه فاعلٌ. ولمّا رفعت أحدهما بأنّه فاعلٌ، لم يجز رفعُ الآخر, لأنّ المرفوع بعد "إلّا" إنّما يُرفَع على أحدِ وجهَيْن: إمّا أنّ يُرفَع بالفعل الذي قبله إذا فُرّغ الفعل، وإمّا أن يُرفَع لأنّه بدلٌ من مرفوع قبله. ولا يسوغ هاهنا وجةٌ من الوجهَيْن المذكورَيْن, لأنّ أحدهما قد ارتفع بالفعل لمّا فُرّع له، ولا يكون بدلًا, لأنّ الثاني ليس الأوّل، ولا بعضًا له، ولا مشتمِلًا عليه مع أنّه ليس المراد أنّ يُثبَت للثاني ما نُفي من الأوّل، فيُبْدَلَ منه، وإنّما المعنى على أنّهما لم يدخلا في نفي الإتيان. وقوله: "لأنّك لا تقول: "تركوني إلّا عمرٌو" إشارةٌ إلى أنّ الثاني مستثنًى من الأوّل، والأوّلُ موجَبٌ، والمستثنى من الموجب لا يكون مرفوعًا. فإن قيل: كيف استثنيتَه منه، وليس بعضًا له؟ قيل لأنّ زيدًا بعضُ القوم، فجاز الاستثناءُ منه من حيثُ هو بعضٌ، والبعضُ يقع على القليل والكثير، ولم يجز نصبُهما جميعًا؛ لأنّ الفعل لا ينصب مفعولَيْن من غير فاعلٍ، فلمّا امتنع رفعهما معًا ونصبُهما معًا، تَعيَّن رفعُ أحدهما، ونصبُ الآخر. والاسمان جميعًا مستثنيان، فمعناهما في ذلك واحدٌ، وإن اختلف إعرابُهما، وممّا يدلّ على أنهما مستثنيان أنّك لو لم تحذِف المستثنى منه، وقدّمتَهما عليه، لكنت

стр. 528

تنصبهما، نحو قولك: "ما أتاني إلّا زيدًا إلّا عمرًا أحدٌ". والذي يوضِح ذلك قولُ الكُمَيت [من الطويل]: ٣١٣ - فَمَا لِيَ إلّا الله لا رَبَّ غيرَه ... ومالِيَ إلّا الله غيرَك ناصِرُ نفى كلَّ ناصرٍ سِوَى اللهِ، وسوى المخاطَب، وهذا واضحٌ. فصل [حكم الجملة الاستثنائية] قال صاحب الكتاب: "وإذا قلت ما مررت بأحد إلا زيد خير منه, كان ما بعد "إلا" جملة ابتدائية واقعة صفة لـ "أحد"، و"إلا" لغو في اللفظ, معطية في المعنى فائدتها, جاعلة "زيداً" خيراً من جميع من مررت بهم. * * * قال الشارح: اعلم أنّ "إلّا" تدخل بين المبتدأ وخبره، وبين الصفة وموصوفها، وبين الحال وصاحبه، فمثالُ دخولها بين المبتدأ وخبره قولك: "ما زيدٌ إلّا قائمٌ"، فـ "قائمٌ" خبرُ "زيد"، فكأنّك قلت: "زيدٌ قائمٌ"، لكن فائدةُ دخولِ "إلّا" إثباتُ الخبر للأوّل، ونفي خبرِ غيرِه عنه، والمستثنى منه كأنّه مقدَّرٌ. والتقديرٌ: ما زيدٌ شيءُ إلّا قائمٌ. فـ "شيءٌ" هنا في معنى جماعةٍ, لأن المعنى: ما زيدٌ شيءٌ من الأشياء إلّا قائمٌ. ومثالُ دخولها بين الصفة والموصوف قولك: "ما مررتُ بأحدٍ إلّا كريمٍ"، و"ما رأيتُ فيها أحدًا إلّا عالمًا"، أفدتَ بـ "إلّا" إثباتَ مُرورك بقومٍ كِرامٍ، وانتفاءَ المرور بغيرِ من هذه صفتُهم. وكذلك أثبتَّ رؤيةَ قوم عُلماءَ، ونفيتَ رؤيةً غيرهم. وتقول في الحال: "ما جاء زيدٌ إلّا ضاحكًا"، فتنفي مَجِيئَه إَلا على هذه الصفة.

стр. 529

وقد تقع الجُمَلُ موقعَ هذه الأشياء بعد "إلّا" كما تقع موقعَها في غير الاستثناء، فتقول: "ما زيدٌ إلّا أبوه منطلقٌ"، فـ "أبوه منطلقٌ" جملةٌ من مبتدأ وخبر في موضع خبر المبتدأ الأوّلِ الذي هو "زيدٌ". وتقول في الصفة: "ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٌ خيرٌ منه". فقولك: "زيدٌ خيرٌ منه" جملة من مبتدأ وخبر في موضع مخفوضٍ، نعتٍ لـ "أحدٍ"، كأنّك قلت: "مررت بقوم زيدٌ خيرٌ منهمِ". وأفادت "إلّا" انتفاءَ مُرورك بغيرِ مَن هذه صفتُهم. وتقول في الجملة إذا وقعت حالًا: "ما مررتُ بزيدٍ إلّا أبوه قائمٌ"، و"ما مررت بالقوم إلّا زيد خيرٌ منهم"، فالجملةُ في موضع الحال لوقوعها بعد معرفةٍ. وقد يجوز في قولك: "ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٌ خيرٌ منه" أنّ تكون الجملةُ في موضع الحال أيضًا, لأنّ الحال من النكرة جائزٌ، وإن كان ضعيفًا. ويجوز أنّ تدخل عليه الواوُ، فتقول: مامررت بأحدٍ وزيدٌ خيرٌ منه"، و"ما كلّمتُ أحدًا إلّا وزيدٌ حاضرٌ"، فـ "زيد حاضر" في موضح الحال. ولا يجوز حذفُ الواو من هاهنا كما جاز حذفُها من الأوّل، لخُلُوَّ الجملة من العائد الرابِط. وإنّما الواوُ هي الرابطةُ، وليس الأوّلُ كذلك, لأن فيه ضميرًا رابطًا. فإن أتيت بالواو، كان تأكيدًا للارتباط، وإن لم تأتِ بها فالضميرُ كافٍ. ولا تقع الجملةِ في هذه المواضع إلّا أنّ تكون اسميّة من مبتدأ وخبر، ولا تكون فعليّة, لأنّ "إلَّا" موضوعة لإخراج بعض من كل، فإذا تقدّم "إلّا" الاسمُ، فلا يكون بعدها إلّا الاسمُ لانّهما جنسٌ واحدٌ، فيصحُّ أنّ يكون بعضًا له. فلو قلت: "ما زيدٌ إلّا قَامَ" على أنّ تجعل "قام" خبرًا، و"ما أتاني أحدٌ إلّا قام أخوه " ونحو ذلك، لم يجز لما ذكرتُ لك، ولو قلت: "ما زيدٌ إلّا يقوم"، أو"ما أتاني أحدٌ إلّا يضحَك"، لكان جيّدًا، لأنّ الفعل المضارع مشابةٌ للاسم، فكان له حكمُه. وقوله: و"إلّا" لَغْوٌ في اللفظ، مُعْطِيةٌ في المعنى فائدتَها، جاعلةٌ "زيدًا" خيرًا من جميعِ من مررتَ بهم، يعني أنّه ليس في اللفظ مستثنى منه، وإنّما معك في "ما زيدٌ إلّا قائمٌ " مبتدأٌ وخبرٌ. وفي قولك: "ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٌ خيرٌ منه" صفةٌ وموصوفٌ، أو حالٌ وذو حالٍ، فجرى مجرى العامل المفرَّغِ للعمل من نحو: "ما قام إلّا زيدٌ"، و"ما ضربتُ إلّا زيدًا" من حيثُ إنّ ما قبل "إلّا" يقتضي ما بعدها اقتضاءً لا يتِمّ المعنى إلّا به، إلّا أنها من جهةِ المعنى تُفيد الاستثناء من حيثُ جعلتَ "زيدًا" خيرًا من جميعِ ما مررت به في قولك: "ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٌ خيرٌ منه"، ونفيتَ "زيدًا" أنّ يكون شيئًا إلّا قائمًا في قولك: "ما زيدٌ إلا قائمٌ". فصل [وقوع الفعل محل الاسم المستثني] قال صاحب الكتاب: "وقد أوقع الفعل موقع الاسم المستثنى في قولهم: "نشدتك بالله إلا فعلت". والمعنى: ما أطلب منك إلا فعلك. وكذلك "أقسمت عليك إلا فعلت".

стр. 530

وعن ابن عباس: "بالإيواء والنصر إلا جلستم", وفي حديث عمر: "عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطاً" بمعنى "إلا ضربت"". * * * قال الشارح: قد أُوقع الفعل موقع المصدر المستثنى، لدلالة الفعل على المصدر، فقالوا: "نشدتُك اللهَ إلّا فعلتَ"، والمراد: فَعْلَك. وذلك أنّ "نَشَدَ" فعلٌ قد استُعمل على وجهَيْن: أحدهما أنّ يكون متعدّيًا إلى مفعول واحد، والآخرُ أن يكون متعدّيًا إلى مفعولَيْن، فالمتعدّي إلى مفعول واحد قولهم: "نشدتُ الضالةَ" إذا طلبتَها، وأنشدوا لنُصَيْب [من الطويل]: ٣١٤ - ظَلِلْتُ بذِي دَوْرانَ أَنْشُدُ ناقَتي ... ومالي عليها من قَلُوصٍ ولا بَكرِ والناشد: الطالبُ، وأنشد إلأصمعيّ عن أبي عمرو [من السريع]: ٣١٥ - يُصِيخُ للنَّبْأَةِ أَسْماعه ... إصاخةَ الناشِدِ للمُنْشِدِ (١)
следующие страницы →