"لَيْسَ" لشَبَهها بها من جهة النفي. فإذا دخلت "إلّا"، بطل عملُها لانتقاضِ النفي، وصاروا إلى أقْيَسِ اللُغَتَين، وهي لغةُ بني تميم، فلذلك رفعت. ومثله: "ما كان زيدٌ بغلام إلّا غلامًا صالحًا"، بنصب "الغلام"، لأنّه بدل من محلَّ الغلام الأوّل، ومحلُّه نصبٌ بأنّه خبرُ "كَانَ". ويدل علىَ ذلك أنّك لو حذفتَ الاسم المستثنى منه، لقلت: "ما أنت إلّا شيءٌ لا يُعْبَأ به" بالرفع، و"ما كان زيدٌ إلّا غلامًا صالحًا" بالنصب، وقد أجاز الكوفيون فيما بعد "إلّا" الخفضَ، إذا كان نكرة، ولا يجوز في المعرفة، فتقول على هذا: "ما أتاني من أحدٍ إلّا رجل"، و"ما أنت بشيءٍ إلّا شيءٍ لا يُعْبَأ به". ولو قلت: "إلّا زيدٍ، وما أنت بشيءٍ إلّا الشيءِ التافِهِ"، لم يجز. والصوابُ المذهب الأوّل، وهو رأيُ سيبويه لما ذكرناه من أنّ حرف الخفض في هذا الموضع إنّما دخل لتأكيد النفي، ولا يتعلّق بموجبٍ، وما بعد "إلّا" موجبٌ، فاعرفه.
فصل [تقديم المستثني علي صفة المستثني منه]
قال صاحب الكتاب: "وإن قدمت المستثنى على صفة المستثنى منه ففيه طريقان: أحدهما وهو اختيار سيبويه (١) أن لا تكترث للصفة, وتحمله على البدل. والثاني أن تنزل تقديمه على الصفة منزلة تقديمه على الموصوف، وذلك قولك: "ما أتاني أحد إلا أبوك خير من زيد" و"ما مررت بأحد إلا عمرو خيرٍ من زيد", أو تقول: إلا أباك وإلا عمرًا"".
* * *
قال الشرح: إذا تقدّم المستثنى على صفة المستثنى منه، ففيه مذهبان: أحدهما مذهبُ سيبويه، وهو اختيارُ أبي العبّاس المبرّد، أنّ تُبْدِله ممّا قبلَه, لأنّ الاعتبار بتقديم المُبْدَل منه، وهو الاسم، ولا تكترِث للصفة, لأنّها فضلةٌ. والثاني أنّ تنصبه على الاستثناء، وهو اختيارُ أبي عثمانَ المازِنيّ. وذلك أنّ الصفة والموصوف كالشيء الواحد، وإذا كانا كالشيء الواحد، كان تقديمُه على الصفة بمنزلةِ تقديمه على الموصوف. فكما يلزم النصبُ بتقديمه على المستثنى منه، كذلك يلزم النصبُ بتقديمه على الصفة. وممّا يدلّ أنّ الصفة والموصوف كالشيء الواحد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (٢). ألا ترى أنّه أُدخل الفاء في الخبر هاهنا لوَصْفك إيّاه بـ "الَّذِي"، كما تدخل إذا كان المخبَرُ عنه الَّذِي، وكان موصولًا بالفعل، أو ما يجري مجرى الفعل من ظرفٍ، أو جارّ ومجرورٍ. مثال ذلك قولك: "ما أتاني أحدٌ إلّا أبوك خيرٌ من زيدٍ".
стр. 527
فقولك: "خيرٌ من زيدٍ"، وصفٌ لـ"أحدٍ"، المستثنى منه، و"الأبُ" هو المستثنى، وقد تقدّم على الصفة، وأبدلته منه. وإن شئت نصبت، وقلت: "إلّا أباك".
وتقول: "ما مررتُ بأحدٍ إلّا عمرٍو خيرٍ من زيد". فقولك: "خيرٍ من زيد"، نعتُ "أحدٍ"، و"عمرٌو" مخفوضٌ لأنّه بدلٌ منه، وإن شئت نصبت على الاستثناء.
فصل [تثنية المستثني]
قال صاحب الكتاب: "وتقول في تثنية المستثنى: ما أتاني إلا زيداً إلا عمراً, وإلا زيداً إلا عمرو, ترفع الذي أسندت إليه, وتنصب الآخر, وليس لك أن ترفعه, لأنك لا تقول: تركوني إلا عمرو. وتقول ما أتاني إلا عمراً إلا بشراً أحد، منصوبين, لأن التقدير: ما أتاني إلا عمراً أحد إلا بشر، على إبدال بشر من أحد, فلما قدمته نصبته.
* * *
قال الشارح: إذا قلت:"ما أتاني إلّا زيدٌ إلّا عمرًا، أو إلّا زيدًا إلّا عمرٌو"، فلا بدّ من رفع أحدهما ونصب الآخر. ولا يجوز رفعُهما جميعًا , ولا نصبُهما، وذلك نظرًا إلى إصلاح اللفظ وتَوْفِيَة ما يستحِقّه، وذلك أنّ المستثنى منه محذوفٌ، والتقديرُ: ما أتاني أحدٌ إلّا زيدًا إلّا عمرًا، لكن لمّا حُذف المستثنى منه، بقي الفعلُ مفرَّغًا بلا فاعل. ولا يجوز إخلاءُ الفعل من فاعلِ في اللفظ، فرُفع أحدهما بأنّه فاعلٌ. ولمّا رفعت أحدهما بأنّه فاعلٌ، لم يجز رفعُ الآخر, لأنّ المرفوع بعد "إلّا" إنّما يُرفَع على أحدِ وجهَيْن: إمّا أنّ يُرفَع بالفعل الذي قبله إذا فُرّغ الفعل، وإمّا أن يُرفَع لأنّه بدلٌ من مرفوع قبله. ولا يسوغ هاهنا وجةٌ من الوجهَيْن المذكورَيْن, لأنّ أحدهما قد ارتفع بالفعل لمّا فُرّع له، ولا يكون بدلًا, لأنّ الثاني ليس الأوّل، ولا بعضًا له، ولا مشتمِلًا عليه مع أنّه ليس المراد أنّ يُثبَت للثاني ما نُفي من الأوّل، فيُبْدَلَ منه، وإنّما المعنى على أنّهما لم يدخلا في نفي الإتيان.
وقوله: "لأنّك لا تقول: "تركوني إلّا عمرٌو" إشارةٌ إلى أنّ الثاني مستثنًى من الأوّل، والأوّلُ موجَبٌ، والمستثنى من الموجب لا يكون مرفوعًا. فإن قيل: كيف استثنيتَه منه، وليس بعضًا له؟ قيل لأنّ زيدًا بعضُ القوم، فجاز الاستثناءُ منه من حيثُ هو بعضٌ، والبعضُ يقع على القليل والكثير، ولم يجز نصبُهما جميعًا؛ لأنّ الفعل لا ينصب مفعولَيْن من غير فاعلٍ، فلمّا امتنع رفعهما معًا ونصبُهما معًا، تَعيَّن رفعُ أحدهما، ونصبُ الآخر. والاسمان جميعًا مستثنيان، فمعناهما في ذلك واحدٌ، وإن اختلف إعرابُهما، وممّا يدلّ على أنهما مستثنيان أنّك لو لم تحذِف المستثنى منه، وقدّمتَهما عليه، لكنت
стр. 528
تنصبهما، نحو قولك: "ما أتاني إلّا زيدًا إلّا عمرًا أحدٌ". والذي يوضِح ذلك قولُ الكُمَيت [من الطويل]:
٣١٣ - فَمَا لِيَ إلّا الله لا رَبَّ غيرَه ... ومالِيَ إلّا الله غيرَك ناصِرُ
نفى كلَّ ناصرٍ سِوَى اللهِ، وسوى المخاطَب، وهذا واضحٌ.
فصل [حكم الجملة الاستثنائية]
قال صاحب الكتاب: "وإذا قلت ما مررت بأحد إلا زيد خير منه, كان ما بعد "إلا" جملة ابتدائية واقعة صفة لـ "أحد"، و"إلا" لغو في اللفظ, معطية في المعنى فائدتها, جاعلة "زيداً" خيراً من جميع من مررت بهم.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "إلّا" تدخل بين المبتدأ وخبره، وبين الصفة وموصوفها، وبين الحال وصاحبه، فمثالُ دخولها بين المبتدأ وخبره قولك: "ما زيدٌ إلّا قائمٌ"، فـ "قائمٌ" خبرُ "زيد"، فكأنّك قلت: "زيدٌ قائمٌ"، لكن فائدةُ دخولِ "إلّا" إثباتُ الخبر للأوّل، ونفي خبرِ غيرِه عنه، والمستثنى منه كأنّه مقدَّرٌ. والتقديرٌ: ما زيدٌ شيءُ إلّا قائمٌ. فـ "شيءٌ" هنا في معنى جماعةٍ, لأن المعنى: ما زيدٌ شيءٌ من الأشياء إلّا قائمٌ.
ومثالُ دخولها بين الصفة والموصوف قولك: "ما مررتُ بأحدٍ إلّا كريمٍ"، و"ما رأيتُ فيها أحدًا إلّا عالمًا"، أفدتَ بـ "إلّا" إثباتَ مُرورك بقومٍ كِرامٍ، وانتفاءَ المرور بغيرِ من هذه صفتُهم. وكذلك أثبتَّ رؤيةَ قوم عُلماءَ، ونفيتَ رؤيةً غيرهم. وتقول في الحال: "ما جاء زيدٌ إلّا ضاحكًا"، فتنفي مَجِيئَه إَلا على هذه الصفة.
стр. 529
وقد تقع الجُمَلُ موقعَ هذه الأشياء بعد "إلّا" كما تقع موقعَها في غير الاستثناء، فتقول: "ما زيدٌ إلّا أبوه منطلقٌ"، فـ "أبوه منطلقٌ" جملةٌ من مبتدأ وخبر في موضع خبر المبتدأ الأوّلِ الذي هو "زيدٌ". وتقول في الصفة: "ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٌ خيرٌ منه". فقولك: "زيدٌ خيرٌ منه" جملة من مبتدأ وخبر في موضع مخفوضٍ، نعتٍ لـ "أحدٍ"، كأنّك قلت: "مررت بقوم زيدٌ خيرٌ منهمِ". وأفادت "إلّا" انتفاءَ مُرورك بغيرِ مَن هذه صفتُهم. وتقول في الجملة إذا وقعت حالًا: "ما مررتُ بزيدٍ إلّا أبوه قائمٌ"، و"ما مررت بالقوم إلّا زيد خيرٌ منهم"، فالجملةُ في موضع الحال لوقوعها بعد معرفةٍ. وقد يجوز في قولك: "ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٌ خيرٌ منه" أنّ تكون الجملةُ في موضع الحال أيضًا, لأنّ الحال من النكرة جائزٌ، وإن كان ضعيفًا. ويجوز أنّ تدخل عليه الواوُ، فتقول: مامررت بأحدٍ وزيدٌ خيرٌ منه"، و"ما كلّمتُ أحدًا إلّا وزيدٌ حاضرٌ"، فـ "زيد حاضر" في موضح الحال. ولا يجوز حذفُ الواو من هاهنا كما جاز حذفُها من الأوّل، لخُلُوَّ الجملة من العائد الرابِط. وإنّما الواوُ هي الرابطةُ، وليس الأوّلُ كذلك, لأن فيه ضميرًا رابطًا. فإن أتيت بالواو، كان تأكيدًا للارتباط، وإن لم تأتِ بها فالضميرُ كافٍ.
ولا تقع الجملةِ في هذه المواضع إلّا أنّ تكون اسميّة من مبتدأ وخبر، ولا تكون فعليّة, لأنّ "إلَّا" موضوعة لإخراج بعض من كل، فإذا تقدّم "إلّا" الاسمُ، فلا يكون بعدها إلّا الاسمُ لانّهما جنسٌ واحدٌ، فيصحُّ أنّ يكون بعضًا له. فلو قلت: "ما زيدٌ إلّا قَامَ" على أنّ تجعل "قام" خبرًا، و"ما أتاني أحدٌ إلّا قام أخوه " ونحو ذلك، لم يجز لما ذكرتُ لك، ولو قلت: "ما زيدٌ إلّا يقوم"، أو"ما أتاني أحدٌ إلّا يضحَك"، لكان جيّدًا، لأنّ الفعل المضارع مشابةٌ للاسم، فكان له حكمُه.
وقوله: و"إلّا" لَغْوٌ في اللفظ، مُعْطِيةٌ في المعنى فائدتَها، جاعلةٌ "زيدًا" خيرًا من جميعِ من مررتَ بهم، يعني أنّه ليس في اللفظ مستثنى منه، وإنّما معك في "ما زيدٌ إلّا قائمٌ " مبتدأٌ وخبرٌ. وفي قولك: "ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٌ خيرٌ منه" صفةٌ وموصوفٌ، أو حالٌ وذو حالٍ، فجرى مجرى العامل المفرَّغِ للعمل من نحو: "ما قام إلّا زيدٌ"، و"ما ضربتُ إلّا زيدًا" من حيثُ إنّ ما قبل "إلّا" يقتضي ما بعدها اقتضاءً لا يتِمّ المعنى إلّا به، إلّا أنها من جهةِ المعنى تُفيد الاستثناء من حيثُ جعلتَ "زيدًا" خيرًا من جميعِ ما مررت به في قولك: "ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٌ خيرٌ منه"، ونفيتَ "زيدًا" أنّ يكون شيئًا إلّا قائمًا في قولك: "ما زيدٌ إلا قائمٌ".
فصل [وقوع الفعل محل الاسم المستثني]
قال صاحب الكتاب: "وقد أوقع الفعل موقع الاسم المستثنى في قولهم: "نشدتك بالله إلا فعلت". والمعنى: ما أطلب منك إلا فعلك. وكذلك "أقسمت عليك إلا فعلت".
стр. 530
وعن ابن عباس: "بالإيواء والنصر إلا جلستم", وفي حديث عمر: "عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطاً" بمعنى "إلا ضربت"".
* * *
قال الشارح: قد أُوقع الفعل موقع المصدر المستثنى، لدلالة الفعل على المصدر، فقالوا: "نشدتُك اللهَ إلّا فعلتَ"، والمراد: فَعْلَك. وذلك أنّ "نَشَدَ" فعلٌ قد استُعمل على وجهَيْن: أحدهما أنّ يكون متعدّيًا إلى مفعول واحد، والآخرُ أن يكون متعدّيًا إلى مفعولَيْن، فالمتعدّي إلى مفعول واحد قولهم: "نشدتُ الضالةَ" إذا طلبتَها، وأنشدوا لنُصَيْب [من الطويل]:
٣١٤ - ظَلِلْتُ بذِي دَوْرانَ أَنْشُدُ ناقَتي ... ومالي عليها من قَلُوصٍ ولا بَكرِ
والناشد: الطالبُ، وأنشد إلأصمعيّ عن أبي عمرو [من السريع]:
٣١٥ - يُصِيخُ للنَّبْأَةِ أَسْماعه ... إصاخةَ الناشِدِ للمُنْشِدِ (١)
стр. 531
الإصاخة: الاستماعُ، والناشدُ: الطالبُ، والمُنْشِدُ: المُعَرِّفُ.
الضرب الآخر أن يتعدّى إلى مفعولَيْن من بابِ "نشدتُ". وذلك قولُهم: "نشدتُك اللهُ إلّا فعلتَ"، هكذا حكاه سيبويه (١)، وهو كلامٌ محمول على المعنى، كأنّه قال: "ما أَنْشُدُ إلّا فَعْلَك" أي: ما أسألُك إلّا فَعْلَك، ومثلُ ذلك "شَرّ أهَرَّ ذا نابٍ" (٢) "وشيءٌ ما جاء بك"، وجاز وقوعُ "فعلتَ" هاهنا بعد "إلّا" من حيثُ كان دالآ على مصدره، كأنّهم قالوا: "ما أسألك إلّا فَعْلَك". ونحوه ما أنشده أبو زيدٍ [من الوافر]:
٣١٦ - فقالوا ما تَشاءُ فقلتُ أَلْهُو ... إلى الإصباح آثِرَ ذي أَثِيرِ
فأوقع الفعلَ على مصدره لدلالته عليه، فكأنّه قال فى الذي جواب "ما تشاءُ اللَّهْوَ"، وإذا ساغ أنّ تحمل "شرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ" على معنى المنفيّ، كان معنى النفي في "نشدتُك الله إلّا فعلتَ" أظهرَ، لقُوّةِ الدلالة على النفي بدخول (٣) "إلّا" لدلالتها عليه. ألا ترى أنّهم قالوا: "ليس الطيبُ إلّا المِسْكَ"، فجاز دخولُ "إلّا" في قول أبي الحسن بين المبتدأ والخبر، وإن لم يجز "زيدٌ إلّا منطلقٌ" لمّا كان عاريًا من معنى النفي. ومثله من الحمل على المعنى قولُ الآخر [من الطويل]:
٣١٧ - [أنا الذائدُ الحامي الذمارَ] وإنّما ... يُدافِعُ عن أَعْراضِهم أَنَا أو مِثْلِي
стр. 532
والمراد: ما يدافع عن أعراضهم إلّا أنا, ولذلك فَصَلَ الضميرَ حيثُ كان المعنى: ما يدافع إلّا أنا. ولولا هذا المعنى لم يستقِمْ, لأنّك لا تقول: "يقوم أنا". فكما جاز "يدافع أنا", لأنّه في معنى "ما يدافع إلّا أنا"، كذلك جاز "أسألُك إلّا فعلتَ" لأنّه في معنى "لا أسألُك إلّا فعْلَكَ".
وأمّا "أقسمتُ عليك إلّا فعلتَ"، فقياسُه، لو أُجْرِيَ على ظاهره، أنّ يقال: "لَتَفْعَلَنَّ", لأنه جواب القَسَم في طَرَفِ الإيجاب بالفعل، فتلزمه اللامُ والنونُ، لكنّهم حملوه على "نشدتُك الله إلّا فعلتَ", لأن المعنى فيهما واحدٌ. قال سيبويه (١) سألتُ الخليلَ عن قولهم: "أقسمت عليك لمَّا فعلتَ وإلاّ فعلتَ "، لِمَ جاز هذا، وإنّما "أقسمتُ" هاهنا كقولك "واللهِ"؟ فقال: وجهُ الكلام: "لتفعلنّ"، ولكنّهم أجازوا هذا, لأنّهم شبّهوه بقولهم: "نشدتُك الله إلّا فعلتَ"، إذ كان المعنى فيهما الطّلَبَ.
وأمّا قولُ ابن عَبّاسٍ: "بالإيواء والنَّصْرِ إلا جلستم"، فهو حديثٌ مشهور، ذكره التَّوْحِيدِيُ في كتابِ البَصائر، وذلك أنّ ابن عبّاس دخل على بعض الأنصار في وَلِيمَةٍ، فقاموا، فقال: "بالإيواء والنصر إلّا جلستم"، وأراد بـ "الإيواء والنصر" قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ (٢)، فاستعطفهم بما ورد فيهم، وما هو من خصائصهم. وأمّا حديث عمر: "عزمتُ عليك لَمَّا ضربتَ كاتِبَك سَوْطًا"، ففي هذا الحديث رِوايةٌ أخرى عن يَحْيَى
стр. 533
ابن أبي كثير أنّ كاتِبًا لأبي موسى كتب: "إلى عمر بن الخَطّاب مِنْ أبُو مُوسَى"، فكتب إليه عمرُ: إذا أتاك كِتابي هذا فاضْرِبْه سَوْطًا، واعْزِلْه عن عَمَلك، فقوله: "لمّا ضربتَ كاتِبَك" بمعنى "إلّا ضربتَ"، أي: لا أطلُبُ إلّا ضَرْبَه، وقولُه: "عزمتُ عليك" من قَسَم الملوك، وكانوا يُعَظّمون عَزائمَ الأمُراء.
فصل [حذف المستثني]
قال صاحب الكتاب: "والمستثنى يحذف وذلك قولهم: "ليس إلا" و"ليس غير"".
* * *
قال الشارح: قد حذفوا المستثنى بعد "إلّا"، و"غَيْر"، وذلك مع "لَيْسَ" خاصّةٌ دون غيرها ممّا يُستثنى به من ألفاظ الجَحْد، لعِلْم المخاطَب بمُرادِ المتكلّم، وذلك قولك: "ليس غيرُ" و"ليس إلّا". والمراد: "ليس إلّا ذاك" و"ليس غير ذاك". ولو قلت بدلَ "لَيْسَ": "لا يكون إلّا" أو "لم يكن غيرُ"، لم يجز. فإِذا قالوا: "ليس إلّا" و"ليس غيرُ"، فإنّهم حذفوا المستثنى منه اكتفاء بمعرفةِ المخاطب، نحوَ: "ما جاءني إلّا زيدٌ"، والمرادُ: ما جاء أحدٌ إلّا زيدٌ. ومثلُ ذلك: "ما منهم إلّا قد قال ذاك"، يريد: ما منهم أحدٌ إلّا قد قال ذاك.
وإذا قلت: "ليس غيرُ"، فاسمُ "ليس" مستتِرٌ فيها على ما تقدّم، و"غَيْرُ" الخبرُ، وهي منتصبةٌ، وإنّما لمّا حُذف منها ما أُضيفت إليه، وقُطعت عن الإضافة، بُنيت على الضمّ تشبيهًا بالغايات، وقال أبو الحسن الأخفشُ: إذا أضفتَ "غيرًا"، فقلت: "غيرك"، أو"غير ذاك"، جاز فيه وجهان: الرفعُ، والنصبُ. تقول: "جاءني زيدٌ ليس غيرُه وليس غيرَه"، فإذا رفع، فعلى أنَّه اسمُ "ليس" وأضمر الخبرَ، كأنّه قال "ليس غيرُه صحيحًا". وإذا نصب، فعلى أنّه الخبرُ، وأضمر الاسمَ كأنَّه قال: "ليس الجائي، أو ليس الأمرُ غيرَه". وإذا لم يُضِفْها، أجاز في "غير" الفتحَ، والضمَّ، وشبَّهها بباب "تَيْمَ تَيْمَ عَدِيّ"، وزعم أنّ "تيم" الأوّل قد حُذف منه المضاف إليه، وبقي على لفظِ ماَ هو مضافٌ من غيرِ تنوين إذ كانت الإضافةُ منويّة فيه. وقد أجاز بعضُهم تنوينَ "غير"، إذا حذفتَ منها المضاف إليه، نَظَرًا إلى اللفظ كما يُنوَّن "كُلٌّ" و"بعضٌ" إذا لم يُضافا، وإن كانت الإضافةُ فيهما منويّة مرادة من نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (١)، ونحو ذلك.
стр. 534
الخبر والاسم في بابي "كان" و"إنّ "
فصل
قال صاحب الكتاب: "لما شبه العامل في البابين بالفعل المتعدي؛ شبه ما عمل فيه بالفاعل والمفعول".
* * *
قال الشارح: لمّا حضّر المنصوبات، وجب عليه أن يُعيد ذِكْرَ "كَانَ" وأخواتِها، و"إنَّ" وأخواتِها هاهنا, لأن لكلّ واحد منهما منصوبًا، كما أنّ له مرفوعًا، فخبرُ "كان" وأخواتها، واسمُ "إنَّ" وأخواتِها من المنصوبات على التشبيه بالمفعول، وذلك أنّه شُبّه كلُّ واحد من "كان"، و"إنّ" بالفعل المتعدّي، لاقتضاء كل واحد منهما اسمَيْن بعده. وقد تقدّم بيانُ مشابهةِ "إنَّ" الفعلَ في المرفوعات، بما أغنى عن إعادته، وأمّا "كَانَ" وأخواتُها؛ فهي من أفعالِ العِبارة، واللفظِ، لأنّه تدخلها علاماتُ الأفعال من نحو"قَدْ"، و"السينِ" و"سَوْفَ"، وتتصرّفُ تصرُّفَ الأفعال، نحو: "كَانَ يَكُونُ، فهو كائنٌ وكُنْ ولاَ تَكُنْ"، وليست أفعالًا حقيقةً, لأنّ الفعل في الحقيقة ما دلّ على حَدَثٍ وزمانِ ذلك الحدث، و"كَانَ" وأخواتُها موضوعةٌ للدلالة على زمان وُجودِ خبرها، فهي بمنزلة اسمٍ من أسماء الزمان، يُؤْتَى به مع الجملة للدلالة على زمن وجودِ ذلك الخبر. فقولُك: "كان زيدٌ قائمًا" بمنزلة قولك: "زيدٌ قائمٌ أمْسِ" وقولُك: "يكون زيدٌ قائمًا" بمنزلةِ "زيدٌ قائمٌ غدًا". فثَبَتَ بما قلناه أنّها ليست أفعالًا حقيقةً، إذ ليس فيها دلالةٌ على الفعل الحقيقيَ الذي هو المصدرُ، وإنّما هي مشبَّهةٌ بالأفعال لفظًا. وإذا كانت أفعالًا من جهة اللفظ، كان مرفوعُها كالفاعل، ومنصوبُها كالمفعول، ويُؤيِّد عندك أنّ مرفوعها ليس بفاعلٍ، وأنّ منصوبها ليس مفعولًا على الحقيقة أنّ الفاعل والمفعول قد يتغايَران، نحو: "ضربَ زيدٌ عمرًا"، فـ "زيدٌ" غيرُ "عمرو"، والمرفوعُ في بابِ "كَانَ" لا يكون إلّا المنصوبَ في المعنى، نحو: "كان زيدٌ قائمًا"، فـ "القائمُ" ليس غير زيد فاعرفه.
فصل [إضمار العامل في خبر "كان "]
قال صاحب الكتاب: "ويضمر العامل في خبر "كان" في مثل قولهم: "الناس
стр. 535
مَجْزِيّون بأعمالهم إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ" (١)، و"المَرْءُ مقتولٌ بما قَتَلَ به إن خَنْجَرَا فخنجرٌ، وإن سَيفًا فسيفٌ" أي: إن كان عَمَلُه خيرًا فجَزاؤُه خيرٌ، إن كان شرًّا فجزاؤه شرٌّ. ومنهم من ينصبهما، أي: إن كان خيرًا كان خيرًا، والرفعُ أحْسَنُ في الآخِر. ومنهم من يرفعهما، ويُضمِر الرافعَ، أي: إن كان معه خنجرٌ. فالذي يُقتَل به خنجرٌ قال النّعْمان بن المُنْذر [من البسيط]:
٣١٨ - قد قِيلَ ذلك إن حَقًّا وإن كَذِبًا ... [وما اعْتِذارُكَ من شيء إذا قيلا] "
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "كَانَ" قد تُحذَف كثيرًا، وهي مرادة، وذلك لكثرتها في الكلام. فمن ذلك قولُهم: "الناسُ مَجْزيون بأعمالهم إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌ"، فلَكَ في هذه المسألة أربعةُ أوجه من الإعراب: أن تنصبهما جميعًا، وأن ترفعهما جميعًا، وأن تنصب الأوّلَ وترفع الثانِيَ، وأن ترفع الأوّلَ وتنصب الثاني. فإذا نصبتَهما جميعًا قلت: الناسُ مجزيون باْعمالهم إن خيرَا فخيرًا". وانتصابُهما بفعلَيْن مضمرَيْن أحدهما شرطٌ، والآخرُ جزاءٌ, خُذفا لدلالة "إن" عليهما، إذ لا يقع بعدها إلّا فعل. والتقدير: إن كان عمله خيرًا، فيكون جزاؤه خيرًا، أو فهو يُجْزَى خيرًا. فالأوّل خبرُ "كَانَ" المحذوفةِ، والثاني خبرُ "كَانَ" الثانية، إن قدّرتَ "كَانَ"، أو مفعولٌ ثانٍ إن قدّرت "يُجْزَى".
стр. 536
وإذا رفعتَهما، وقلت: "إن خيرٌ فخير، وإن شر فشرٌّ"، فالأوّل مرفوعٌ بفعل محذوف، والتقديرُ: إن كان في عمله خيرٌ فجزاؤه خيرٌ. ولا يرتفع إلّا على هذا التقدير لوُقوعه بعد "إن" الشرطيّة. وحرفُ الشرط لا يقع بعده مبتدأ, لأنّ الشرط لا يكون بالأسماء، فيكون ارتفاعُ "خير" الأوّلِ على أنّه اسمُ "كَانَ"، والخبرُ محذوفٌ، وهو الجارُ والمجرور، وهو عربيٌّ جيّدٌ. ويجوز أنّ يكون المضمر، "كَانَ" التامّةَ، فلا يحتاج إلى خبر، وأمّا "خير" الثاني، فمرتفعٌ، لأنّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ, لأنّ الجزاء قد يكون بالجُمَل الاسميّةِ إذا كان معها الفاءُ، نحو قولك: "إن أتاني زيدٌ فله درهمٌ".
وإذا نصبت الأوّل، ورفعت الثانِيَ، وقلت: "إن خيرًا فخيرٌ"، وهو الوجه المختارُ، فيكون انتصابُ الأوّل بتقديرِ فعل، كأنّك قلت: "إن كان عملُه خيرًا" على ما ذكرنا في الوجة الأوّل. ويكون ارتفاعُ "خير" الثاني على أنّه خبرُ مبتدأ، وتقديره: "فجزاؤه خيرٌ" على ما ذكرنا في الوجه الثاني. وإنّما كان هذا الوجه المختارَ, لأنّ "إنْ" من حيثُ هي شرطٌ تقتضي الفعلَ، لأنّ الشرط بالاسم لا يصحّ، فلم يكن بدٌّ من تقديرِ فعل, إمّا "كَانَ" أو نحوها، فإذا نصبنا، كنّا قد أضمرنا "كَانَ"، والفعلُ لا بدّ له من فاعلٍ، وهما كالشيء الواحد، وإذا رفعنا، أضمرنا "كَانَ" وخبرًا لها أو شيئًا في موضع الخبر، والخبرُ بمنزلةِ المفعول، والمفعولُ منفصِلٌ من الفعل أجْنَبِىٌّ منه، فهما شيئان. وكُلَّما كثُر الإضمارُ، كان أضعفَ. واختير رفعُ الثاني لدُخول الفاء في الجواب، والفاء إنّما أُتي بها في الجواب، إذا كان مبتدأً وخبرًا، فأمّا إذا كان فعلًا؛ لم يحتج إلى الفاء، نحو قولك: "إن أكرمتني أكرمتُك"، و"إنْ تُكْرِمْني أكْرِمْك". ولو قلت: "إن أكرمتَني لك درهمٌ"، أو "إن أتيتَني زيدٌ مُقِيمٌ عندي"، لم يجز حتّى تأتي بالفاء، فتقول: "إن أكرمتَني فلك درهم"، و"إن أتيتني فزيدٌ مقيم عندي".
وإذا رفعت الأوّل، ونصبت الثاني، فقلت: "إن خيرٌ فخيرًا، وإن شرٌّ فشرًّا"، فترفع الأوّل بأنّه اسمُ "كَانَ" على ما تقدّم، وتنصب الثاني على ما ذكرنا، ويكون التقدير: فهو يُجْزَى خيرًا.
واعلم أنّ هذا الحذف والإضمار، لا يسوغ مع كلّ حرف لا يقع بعده إلّا الفعلُ، وإنّما ذلك مسموعٌ منهم، تُضْمِر حيث أضمروا، وتُظْهِر حيث أظهروا. تَقِفُ في ذلك حيث وقفوا؛ فأمّا قوله [من البسيط]:
قد قِيَل ذلك إنّ حَقًّا وإنْ كَذِبًا ... وما اعْتِذارُك من شيءٍ إذا قِيلَا
فإنّه يجوز فيه الوجوهُ الأربعةُ: فالنصبُ على ما ذكرناه أوّلاً، والرفعُ على تقدير: "إن وقع حَقٌّ، وإن وقع كذبٌ" أو على "إن كان فيه حقٌّ، وإن كان فيه كذبٌ"، والبيت للنُّعْمان بن المُنْذِر قاله للرَّبِيع بن زِيادٍ العَبْسِيّ حين دخل عليه لَبِيدُ بن رَبِيعَةَ، والربيعُ يُؤاكِله، فقال [من الرجز]:
مَهْلًا أَبَيْتَ اللَعْنَ لا تَأْكُلْ مَعَهْ ... إنّ اسْتَهُ من بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ
стр. 537
فأمسك النعمانُ عن الأكل، فقال الربيع- أَبَيتَ اللعنَ-: إن لبيدًا كاذِبٌ، فقال النعمان [من البسيط]:
قد قيل ذلك إنْ حَقًّا وإن كذبا
البيت، فقال قومٌ: هو له، وقيل: هو لغيره، وإنّما تَمثَّل به.
فصل
قال صاحب الكتاب: "ومنه: "ألا طعامَ ولو تَمْرًا"، و"ايتني بدابةٍ ولو حِمارًا". وإن شئتَ رفعتَه بمعنى و"لو يكون تمرٌ وحمارٌ"، و"ادْفَعِ الشرَّ ولو إصْبَعًا"، ومنه "أما أنت منطلقًا انطلقتُ"، والمعنى: "لِأن كنتَ منطلقًا"، و"ما" مَزيدةٌ معوّضةٌ من الفعل المضمَر. ومنه قولُ الهُذَلي [من البسيط]:
٣١٩ - أبا خُراشةَ أَمَّا أنتَ ذا نَفَرٍ ... [فَإن قومي لمْ تأكُلْهُمُ الضبُعُ]
стр. 538
ورُوي قوله [من البسيط]:
٣٢٠ - إما أَقَمْتَ وأَمّا أنت مُرتَحِلاً ... فاللهُ يَكْلأُ ما تَأْتِي وما تَذَرُ
بكسر الأول وفتح الثاني".
* * *
قال الشارح: قوله: "ومنه"، أي: ومن المنصوب بإضمار فعل، وقوله: "ولو تمرًا" يريد: "ولو كان تمرًا"، فـ "تمْرًا" منصوبٌ لأنّه خبرُ "كان"، واسمُها مضمرٌ فيها.
стр. 539
والتقديرُ: "ولو كان الطعامُ تمرًا"، لكن حذفتَ الفعل للعلم بموضعه، إذ كانت "لو" لا يقع بعدها إلّا فعلٌ, لأنّها شرطٌ فيما مضى، كما أنّ "إنْ" شرطٌ فيما يستقبل، فلا يقع بعدها إلّا فعلٌ، ولو رفعتَ "التمر"، فقلت: "ولو تمرٌ"، لجاز أيضًا على تقدير فعلٍ رافعٍ، كأنّك قلت: "ولو كان عندنا"، أو"ولو سقط إلينا تمرٌ".
ومثله "ايتني بدابّةٍ ولو حمارًا" على ذلك، أي: ولو كان حمارًا. ولو رفعتَ وقلت: "ولو حمارٌ"، لكان جائزًا حسنًا على تقدير: "ولو وقع حمارٌ". ولو خفضتَ "الحمار" لجاز أيضًا على تقدير الباء، كأنّك قلت: "ولو أتيتني بحمارٍ". وهو ضعيفٌ, لأنّك تُضْمِر فعلًا والباء. وكلَّما كثُر الإضمارُ كان أضعف. ومثله "ادْفَع الشرّ، ولو إصْبَعًا"، نصبتَ "إصبعًا" على معنى: ولو كان الدَّفْعُ إصبعًا، أي: قَدْرَ إصبع، يعني يسيرًا.
وأمّا قولهم: "أمَّا أنت منطلقًا انطلقتُ معك" فـ "منطلق" منصوبٌ بفعل مضمر. وأصلُ "أمَّا" هاهنا "أنّ" وهي المصدريةُ، ضُمّت إليها "ما" زائدة مُؤكّدةً. ولزمت الزيادةُ هاهنا عوضًا من الفعل المحذوف. والمعنى: لأن كنتَ منطلقًا انطلقتُ معك، أي: لانطلاقك في الماضي، انطلقتُ معك. وإنّما قدّرناها في الماضي, لأنّك أوليتها الماضي، ولو أَوْليتها المستقبلَ، لقدّرتَها بالمستقبل، وحسُن حذفُ الفعل لإحاطة العلم بأنّ هذه الخفيفةَ لا يقع بعدها الاسمُ مبتدَأ، وصار لذلك بمنزلةِ "إن" الشرطيّةِ في دلالتها على الفعل. و"أَنْتَ" مرتفعٌ بالفعل الذي صار "ما" عوضًا عنه، وهو"كَانَ" و"أنْ" من "أمَّا" في موضع نصب بـ "انطلقتُ"، والمعنى: انطلقتُ لأن كنت منطلقًا، فلمّا أُسقطت اللام، وصل الفعلُ، فَنَصَبَ. وليست "أمَّا" هذه جزاءً. قال سيبويه (١): وسألتُه - يعني الخليل: "أمّا أنت منطلِقًا أنطلِقُ معك" فَرَفَعَ، وهو قولُ أبي عمرو ويونسَ، ولو كان جزاءً لجزمه. والكوفيون يذهبون إلى أنّ "أنّ" المفتوحة هنا في معنى الشرط، و"ما" زائدةٌ، والفعلُ الناصبُ محذوفٌ على ما ذكرنا، حكى ذلك أبو عمر الجَرْميُّ عن الأصمعيّ. ويحملون قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢) على ذلك، وتُؤيِّده قراءة حَمْزَةَ (٣) ﴿إنْ تضلّ إحداهما﴾ بكسر الهمزة، المعنى عندهم واحدٌ، وأمّا قوله [من البسيط]:
أَبَا خُراشَةَ أَمَّا أنتَ ذا نَفرٍ ... فإنّ قَوْمِيَ لم تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ
فإنَّ البيت لعَبّاس بن مِرْداسٍ، والشاهدُ فيه نصبُ "ذا نفر" على "أن كان ذا نفر". فحُذفت "كَانَ"، وجُعلت زيادةُ "مَا" لازمة عوضًا من الفعل المحذوف. ولأجلِ أنّ الثاني
стр. 540
مستحَقٌّ بالأوّل، دخلت الفاءُ في الجواب. والضَّبُع ههنا: السَّنَةُ. أي: لِأنْ كنتَ كثيرَ القوم عزيزًا، فإن قومي مَوفورون، لم تُهْلِكهم السنون. فأمّا "أنْ" في البيت، فموضعُها نصبٌ بفعل يدلّ عليه قولُه: "لم تأكلهم الضبعُ". تقديرُه: بَقِيتَ، أو سَلِمْتَ، ونحوُهما ممّا يدل عليه قولُه: "لم تأكلهم الضبعُ". ولا يكون منصوبًا بنفسِ "لم تأكلهم الضبع"، لأنّه في خبرِ "إنَّ"، وما بعد "إنَّ" لا يعمل فيما قبلها.
واعلم أنّ البيت يُقوِّي مذهبَ الجزاء في "أمَّا", لأنه ليس معك ما يتعلّق به "أن"، كما كان معك في قولهم: "أمّا أنت منطلقًا انطلقتُ معك"، ولا يجوز إظهارُ الفعل بعد "أمَّا" هنا لِما ذكرناه من كونِ "مَا" نائبةً عنه. وإن أظهرتَ الفعلَ، لم تكن "إمّا" إلّا مكسورة، نحوَ قولك: "إمّا كنت منطلقًا انطلقتُ معك"، فيكون شرطًا مَحْضًا, ولا يجوز حذفُ الفعل بعد "إمّا" المكسورةِ، كما لم يجز إظهارُه بعد "أمَّا" المفتوحةِ، وذلك أنّ "أمَّا" المفتوحَة كثُر استعمالُها حتى صارت كالمَثَل الذي لا يجوز تغييرُه، فأمّا قولُ الشاعر [من البسيط]:
إمّا أقمتَ وأمّا أنت مرتحلًا ... إلخ
فالشاهد فيه: "إمَّا أقمت" بكسر الهمزة. وقد رُوي في "إمَّا أقمت وأمّا أنت مرتحلًا": "وإمّا كُنْتَ". فَمن رواه "كُنْتَ"، كَسَرَ "إمّا" في الأول والثاني لظهور الفعل معهما. ومَن رواه: "وأمّا أنتَ"، كَسَرَ "إمّا" الأولى لظهور الفعل معها، وفتح الثانيةَ لحذف الفعل. ولا يمتنع عند المبرِّد وغيرِه إذا حذفتَ "مَا"، وأتيتَ بالفعل أنّ تفتح، وتكسر. والأولُ أجودُ.
стр. 541
المنصوب بـ "لا" التى لنفى الجنس
فصل [أحكامها]
قال صاحب الكتاب: "هي كما ذكرتُ محمولة على "إن"، فلذلك نُصب بها الاسمُ ورُفع الخبر. وذلك إذا كان المنفي مضافًا، كقولك: "لا غلامَ رجل أفضلُ منه"، و"لا صاحبَ صِدْقٍ موجودٌ"؛ أو مُضارعًا له، كقولك: "لا خيرًا منه قائمٌ هنا"، و"لا حافظًا للقُرْآن عندك"، و"لا ضاربًا زيدًا في الدار", و"لا عشرين درهمًا لك"".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "لا" من الحروف الداخلة على الأسماء والأفعالِ، فحكمُها أنّ لا تعمل في واحد منهما، غيرَ أنّها عملتْ في النكرات خاصّةً لعلّةٍ عارضةٍ، وهي مضارعتُها "إنَّ"، كما أُعملتْ "مَا" في لغةِ أهل الحجاز لمضارعتها "لَيْسَ". والأصلُ أنّ لا تعمل، وقد تقدّم الكلامُ عليها، وبيانُ مضارعتها لـ "أَنَّ"، وذكرنا أنَّ حكمَ النكرة المفردة بعد "لا" البناءُ على الفتح، نحوَ: "لا رجلَ عندك، ولا غلامَ لك"، وهي حركةُ بناءٍ نائبةٌ عن حركةِ الإعراب، وأوْضحنا الخلافَ فيه في فصل المرفوعات بما أغنى عن إعادته.
فإن كانت النكرةُ بعد "لا" مضافةً، أو مشابِهةٌ للمضاف، تَبيّنَ النصبُ، فظهر الإعرابُ، فالنكرةُ المضافةُ قولك: "لا غلامَ رجلٍ لك"، و"لا صاحبَ صِدْقٍ موجودٌ" من قِبَل أنّ الإضافة تُبْطِل البناءَ، لانّك لو بنيتَ نحوَ "لا غلام رجل"، لَجعلتَ ثلاثةَ أشياءَ بمنزلةِ شيء واحد. وذلك مُجْحِفٌ معدومٌ، ألا ترى أنّك لا تجِد اسمَيْن جُعِلا اسمًا واحدًا، وأحدُهما مضافٌ. إنما يكونان مفردَيْن، كـ "حَضْرَمَوْت"، و"خمسةَ عشرَ"، و"بَيْتَ بَيْتَ"، فهما كالشيء الواحد، ألا ترى أنّ قولهم: "يا ابنَ أُمَّ" لمّا جُعل "أُمِّ" مع "ابن" اسمًا واحدًا، حُذفت ياءُ الإضافة.
والنكرة المشابِهة للمضاف قولُك: "لا خيرًا من زيدٍ"، و"لا ضاربًا زيدًا"، و"لا حافظًا للقرآن" و"لا عشرين درهمًا"، فهذه الأسماء مشابهةٌ للمضاف، وجاريةٌ مجراه، لأنّها عاملةٌ فيما بعدها كما أنّ المضاف عاملٌ فيما بعده. والمعمولُ من تَمام المضاف، فقولُك "من زيدٍ" من تمامِ "خير", لأنّه موصولٌ به، و"زيدًا" من تمامِ "ضاربًا"؛ لأنه مفعوله، و"للقرآن" في موضع مفعول "حافظًا"، و"درهمًا" من تمام "عشرين" لأنّه
стр. 542
منتصِبٌ به. فانتصابُ النكرة المضافة بعد "لا" انتصابٌ صريحٌ، كانتصابها بعد "إنَّ". ويدلّ على ذلك قولُهم: "لا خيرًا من زيدٍ". فكما انتصب "خيرٌ"، وثبت فيه التنوينُ ثَباتَه في المُعْرَب، كذلك تكون الفتحةُ في "لا غلامَ رجلٍ" فتحةَ إعراب لا فتحةَ بناء، لامتناعِ بناءِ المضاف مع غيره، وجَعْلِهما كالشيء الواحد. فعلى هذا تقول: "لا مُرُورَ بزيد" إن جعلتَ الجارّ والمجرور خبرًا، وعلّقتَه بمحذوفٍ، كان المرورُ مبنيّا مع "لا"، ولا يجوز تنوينُه، وكان تقديرُه: لا مرورَ ثابتٌ أو واقعٌ بزيدٍ.
وإن علّقتَ الجارّ والمجرور بنفسِ المرور، كان من صلته، وكان منصوبًا معرَبًا، ووجب تنوينُه، وأضمرتَ الخبرَ، ويكون تقديره: لا مرورًا بزيدٍ واقعٌ، أو موجودٌ. وإن شئت أظهرتَه، وقوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) من قبيل: "لا رجل في الدار"، فالجار والمجرور الذي هو"من أمر الله" في موضع رفع بأنّه الخبرُ، ويتعلّق بمحذوفٍ، والظرفُ يتعلق به، وقد تقدّم عليه. وتقديرُه: لاَ عاصمَ كائنٌ من أمر الله اليومَ، ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (٢). فقوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ في موضع الخبر، وتعلُّقُه بمحذوفٍ، و"اليومَ" متعلّقٌ بالجارّ والمجرور. وأمّا قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (٣)، فيحتمل أن يكون من قبيلِ "لا رجلَ في الدار"، ويكون الظرفُ متعلِّقًا بالجارّ والمجرور، وقد تقدّم عليه، والجارُّ والمجرور في موضع الخبر، ويكون "بُشْرَى" مبنيًّا مع "لا". ويحتمل أنّ يكون من قبيلِ "لا خيرًا من زيد"، ويكون الظرفُ متعلّقًا بـ "بُشْرى"، منصوبًا في تقدير المنوَّن، إلّا أنّه لا ينصرِف لمكانِ ألفِ التأنيث المقصورة فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: "فإذا كان مفرَدًا، فهو مفتوحٌ، وخبرُه مرفوغعٌ كقولك: "لا رجلَ أفضلُ منك" و "لا أحدَ خيرٌ منك". ويقول المستفتِحُ: "ولا إلهَ غيرُك"".
* * *
قال الشارح: إذا قلت: لا رجلَ أفضلُ منك"، و"لا أحدَ خيرٌ منك"، و"لا إلهَ غيرُك"، كان مبنيًّا مفتوحًا لوجُودِ علّةِ البناء، وهو تضمُّنُه معنى الحرف الذي هو"مِنْ" على ما تقدّم، إذ المرادُ العمومُ واستغراقُ الجنس، ولم يُوجَد ما يمنع من البناء، فأمّا المضاف والمشابِهُ له نحو: "لا غلامَ رجل عندك"، و"لا خيرًا من زيدٍ في الدار"، فإنّه، وإن كانت العلّةُ المقتضِيةُ للبناء موجودةً، وهي تضمُّنُه معنَى "مِنْ"، فإنّه وُجد مانعٌ من البناء، وهو الإضافةُ، وطُولُ الاسم، فعَدَمُ البناء فيهما لم يكن لعدمِ تمكُّنه، بل لوجود مانعٍ منه.
* * *
стр. 543
قال صاحب الكتاب: "وأمّا قوله [من السريع]:
٣٢١ - لا نَسَبَ اليَوْمَ ولا خُلّة ... [اتَّسَعَ الخَرْقُ على الراقعِ]
فعلى إضمارِ فعلٍ كأنه قال: ولا أرَى خلّة، كما قال الخليل في قوله [من الوافر]:
٣٢٢ - ألا رَجُلاً جَزاهُ الله خَيرًا ... [يَدُل على مُحَصِّلَةٍ تبيتُ]
стр. 544
كأنّه قال: ألا تُرُونَني رجلاَ. وزعم يُونُس أنّه نَوَّنَ مُضطرًا".
* * *
قال الشارح: أمّا قوله [من السريع]:
لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً ... اتَّسَعَ الخَرْقُ على الراقِعِ (١)
البيت لأنَسِ بن العَبَّاس، والكلامُ في نصب "الخلّة" وتنوينِها يحتمل أمرَيْن: أحدُهما: أن تكون "لا" مَزيدةً لتأكيدِ النفي، دخولُها كخروجها، فنصبتَ الثانيَ، ونوّنتَه بالعطف على الأوّل بالواو وحدَها، واعتُمد بـ "لَا" الأولى على النفىِ، وجُعل الثانية مؤكّدة للجَحْد، كما يكون كذلك في "لَيْسَ" إذا قلت: "ليس لك غلامٌ، ولا جاريةٌ"، فيكون في الحكم كقوله [من الطويل]:
٣٢٣ - ولا أبَ وابنّا مِثْلُ مَرْوانَ وابنِه ... إذا هو بالمَجْد ارْتَدَى وتَأزَّرَا
стр. 545
الثاني: أن تكون نافيةً عاملةً كالأولى، كأنّه استأنف بها النفيَ فيكون حينئذ في تنوينِ "الخلّة" إشكالٌ. فذهب سيبويه والخليلُ (١) إلى أنها معربةٌ منتصِبةٌ بإضمارِ فعل محذوف، كأنّه قال: "لا نَسَبَ اليومَ ولا أرَى خُلَّةً"، ومثلُه قوله [من الوافر]:
ألَا رَجُلًا جَزاهُ اللَّهُ خَيْرًا ... يَدُلّ على مُحَصَّلَةٍ تُبِيتُ
وانتصابه في قول الخليل (٢) بفعل محذوف تقديرُه: ألا تُرونني رجلًا. وذهب يونُس (٣) إلى أنّ انتصابه من قبيل الضرورة. والذي دعاه إلى ذلك أن ألف الاستفهام إذا دخلت على "لا"، فلها معنيان: أحدهما الاستفهامُ، والآخرُ التَّمَنِّي. وإذا كانت استفهامًا، فحالُها كحالها قبلَ أن تلحَقها ألفُ الاستفهام، فتقول: "ألا رجلَ في الدار، وألا غلامَ أفضلُ منك"، كما كنت تقول: "لا رجلَ في الدار"، و"لا غلامَ أفضل منك" تفتح الاسمَ المنكورَ بعدها، وترفع الخبرَ، لا فَرْقَ بينهما في ذلك. قال الشاعر [من البسيط]:
حارِ بنَ كَعْبٍ ألَا أحْلام تَزْجُرُكُمْ ... [عنّي وأَنْتُمْ من الجُوفِ الجماخيرِ] (٤)
стр. 546
وإذا كانت تَمَنّيًا، فلا خلافَ في الاسم أنّه مبنى مع "لا" كما كان، إنّما الخلافُ في الخبر. فأكثرُ النحويّين لا يُجيزون رفعَ الخبر وهو رأيُ سيبويه، والخليلِ، والجَرْميّ، وإنّما ينصبونه لأنّه قد دخله معنى التمنّي (١)، وصار مستغنِيًا كما استغنى "اللَّهُمَّ غُلامًا"، ومعناه "اللَّهُمَّ هَبْ لي غلامًا"، ولا يُحتاج إلى خبرٍ ومعناه معنى المفعول. وذهب أبو عُثْمانَ المازنيُّ إلى أنّه يبقى على حاله من نصب الاسم، ورفع الخبر، ويكون على مذهب الخبر، وإن كان معناه التمنّيَ، كماَ أنّ قولك: "غَفَرَ اللَّهُ له"، "ورَحَمهُ اللَّهُ" اللفظُ خبرٌ، ومعناه الدعاءُ. وإذا كان ما بعد "ألَا" في كِلا وجهَيْها لا يكون إلّا مبنيًّا على الفتح، أشْكَلَ الأمرُ في قول الشاعر [من الوافر]:
ألَا رجلًا جزاه اللَّهُ خيرًا
فحمله الخليلُ على تقديرِ فعل، كأنّه قال: "أرُوني رجلًا" (٢)، جَعَلَه من قبيلِ "هلّا خيرًا من زيد"، و [من الطويل]:
[تعدّونَ عقرَ النّيبِ أفضَلَ مجدِكُمْ ... بني ضَوطَرى] لَوْلَا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (٣)
وحمله يونسُ على أن تنوينه ضرورةً (٤). وهو مذهبٌ ضعيفٌ, لأنّه لا ضرورةَ ههنا.
فصل [تنكير اسمها]
قال صاحب الكتاب: "وحقُّه أن يكون نكرةً. قال سيبويه (٥): واعلمْ أنّ كلَّ شيء حسُن لك أن تُعمِل فيه "رُبَّ" حسُن لك أن تُعمِل فيه "لا"؛ وأمّا قول الشاعر [من الرجز]:
٣٢٤ - لا هَيْثَمَ الليلةَ للمَطِيِّ
стр. 547
وقولُ ابنِ الزّبِير الأسدِيَّ [من الوافر]:
٣٢٥ - أرَى الحاجاتِ عند أبي خُبَيْب ... نَكِدْنَ ولا أُمَيّةَ بالبِلادِ
وقولهم: "لا بَصْرَةَ لَكم"، و"قَضِيّةٌ وَلا أبَا حَسَنٍ لها"، فعلى تقديرِ التنكير، وأمّا "لا سِيَّمَا زيدٍ"، فمثلُ "لا مِثْلَ زيدٍ"".
* * *
قال الشارح: وقوله: وحقّه أن يكون نكرةً، يعني الاسمَ الذي تعمل فيه "لا"، فإنّه لا يكون إلَّا نكرة من حيثُ كانت تنفي نفيًا عامًّا مستغرِقًا، فلا يكون بعدها معيَّنٌ، فـ "لا" في هذا المعنى نظيرةُ "رُبَّ" و"كَمْ" في الاختصاص بالنكرة, لأنّ "رُبَّ" للتقليل، و"كَمْ" للتكثير، وهذا الإبهامُ أوْلى بها. وقد جاءت أسماءٌ قليلةٌ ظاهرُها التعريفُ، والمراد بها التنكيرُ فمن ذلك قول الشاعر [من الرجز]:
لا هَيْثَمَ الليلةَ للمَطِيّ
أنشده سيبويه (١)، والشاهدُ فيه نصبُ "هيثم" بـ "لا"، وهو اسمٌ عَلَمٌ.
وهي لا تعمل إلَّا في نكرةٍ. وجاز ذلك، لأنّه أراد: أمثالَ هيثم مِمَّن يقوم
стр. 548
مقامَه في جُودَةِ الحِداء للمَطِيّ. ونحوُه قولُ ذي الرُمّة [من الطويل]:
٣٢٦ - هي الدارُ إذْ مَيٌّ لأهْلِكَ جِيرةٌ ... لَيالِيَ لا أمْثالَهُنَّ لَيالِيَا
فلمّا قُدّر بِـ "مثْلٍ"، تَنكّرَ، لأنّ "مثلاً" نكرةٌ، وإن أُضيفت إلى معرفة. وقد يُطْلَق "مثلٌ" ويكون المرادُ به ما أُضيف إليه، كما يقول القائل لِمَن يخاطِبه: "مثلُك لا يتكلّم بهذا"، و"مثلُك لا يفعل القبيحَ"، وعليه قولُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١) في قِراءة الجماعة غيرِ أهل الكوفة (٢)، بخفضِ "مثلٍ" والإضافةِ. ألا ترى أنّه إنّما يَلزمه جزاءُ المقتول، لا جزاءُ مثله.
وأما قوله: "ولا أُمَيَّةَ في البلاد"، فهو لعبد الله بن زَبِير بن فُضالةَ بن شريك الوالي من أسَدِ بن خُزَيْمَةَ، والزَّبيرُ بفتح الزاي، وكسر الباء. والشاهدُ فيه نصبُ "أُميّةَ" بـ "لَا"، وهو عَلَمٌ، على إرادةِ: ولا أمثالَ أُميّةَ كالذي قَبْلَه. يقول هذا لعبد الله بن الزُّبَيْر حين أتاه مستمنِحًا، فلمّا مَثَلَ بين يَدَيْه، قال له: "إنّه نفِدتْ نَفَقَتِي، ونقِبتْ راحِلتي"، فقال: "أحْضِرْها"، فأحضرها. فقال: "أقْبِلْ بها"، فأقبل. ثمّ قال: لا أدْبِرْ بها" فأدبر. فقال: "ارْقَعْها بسِبْبٍ، واخْصِفْها بهُلْبٍ، وأنْجِدْ بها يَبْرُدْ خُفُّها". السِّبْتُ: جُلودُ البَقَر تُدْبَغ بالقَرَظ، تُحْذَى منه النعال، والهُلْبُ: شَعْرُ الخِنزير الذي يُخْرَز به. فقال له ابنُ فضالة:
стр. 549
إنّني أتيتُك مستحمِلاً، لا مستوصِفًا، فلَعَنَ الله ناقةً حملتْني إليك. فقال ابنُ الزُّبَيْر: "إنَّ وراكِبَها"، وانصرف عنه، وكان مُبخَّلاً، فذَمَّه، ومدح بني أُميّة، فقال [من الوافر]:
أقُولُ لغِلْمَتِي شُدُّوا رِكابي ... أُجاوِزُ بَطْنَ مَكَّةَ في سَوادِ
فَمَا لي حِينَ أقْطَعُ ذاتَ عِرْقٍ ... إلى ابن الكاهِليّة من مَعادِ
أرَى الحاجاتِ عند أبي خُبَيْبٍ ... نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ في البِلادِ
قوله: "ابن الكاهليّة" يعني أُمَّه، وكانت من كاهِل، وهو حَيٌّ من هُذَيْل. ولمّا بلغ عبدَ الله هذا الشعرُ، قال: عَلِمَ أنّها شَرُّ أُمّهاتي، فعَيَّرَني بها، وهي خير عَمّاته. وأبو خُبَيْب عبدُ الله بن الزبير، وخبيبٌ ابنُه، وهو أكبرُ أولاده، وكان يُكْنَى به، قال الراعِي [من الكامل]:
ما إنْ أتَيْتِ أبَا خُبَيْبٍ وافِدًا ... إلَّا أُريدُ لَبَيْعَتِي تَبْدِيلَا
وقوله: نكدن، أي: ضِقْنَ، وَبَعُدْنَ. والنَّكَدُ: ضَيْقُ العَيْش. وأراد بالبلاد ما كان من بلادِ عبد الله، وفي طاعته زمنَ خِلافته.
وأمّا قوله: "لا بَصْرَةَ لكم"، فالمراد: لا مثلَ بصرةَ لكم، والبصرةُ هنا أحدُ العِراقَيْن. وقولهم: "قَضيّةٌ ولا أبا حسنٍ لها"، المراد عليُّ بن أبي طالِبٍ، رِضوانُ الله عليه، أي: مثلَ أبي الحسن. كأنّه نفي منكورِين كلُّهم في صفةِ عليّ، أي: لا فاضلَ، ولا قاضِيَ مثلَ أبي الحسن. فالمرادُ بالنفي هنا العمومُ، والتنكيرُ، لا نفيُ هؤلاء المعرَّفين، وعَلِمَ المخاطَبُ أنّه قد دخل هؤلاء في جملةِ المنكورين. وليس المعنى على نفي كلِّ مَن اسمه هَيْثَمٌ، أو أُمَيَّةُ، أو عليٌّ، وإنّما المراد نفيُ منكورين كلُّهم في صفةِ هؤلاء. فالعَلَمُ إذا اشتهر بمعنًى من المعاني، ينزَّل منزلةَ الجنس الدالِّ على ذلك المعنى، فالمعنى الذي يُقال هذا الكلامُ عنده هو الذي يسوِّغ التنكيرَ، وذلك أنَّه إنّما يُقال لإنسانٍ يقوم بأمْرٍ من الأمُور له فيه كِفايةٌ، ثمّ يحضُر ذلك الأمرُ، ولم يحضر ذلك الإنسانُ، ولا مَن كَفَى فيه كفايتَه، فاعرفه.
وأمّا "لا سِيَّمَا زيدٍ"، فـ "السِّيُّ": المثلُ، فكأنّه لا مِثْلَ زيدٍ، فهو نكرةٌ من جهة المعنى.
فصل [أحكام اسمها إذا كان بعده لازم الإضافة]
قال صاحب الكتاب: "وتقول: "لا أبَ لك". قال نَهارُ بن تَوْسِعةَ اليَشْكُرِيُّ [من الوافر]:
٣٢٧ - أبي الإسْلامُ لا أبَ لي سِواهُ ... إذا افْتَخَروا بقَيسٍ أو تَمِيمِ
стр. 550
و"لا غلامَينِ لك"، و"لا ناصرِينَ لك"، وأمّا قولهم: "لا أبَا لك"، و"لا غلامَي لك"، و"لا ناصرِي لك"، فمشبة في الشُذوذ بالمَلامِح، والمَذاكير، و"لَدُن غُذوَة". وقَصْدُهم فيه إلى الإضافة وإثباتُ الألف وحذتُ النون لذلك. وإتما أُقحمَت اللام المضيفة توكيدًا للإضافة، ألا تراهم لا يقولون: "لا أبا فيها"، و"لا رَقِيبَي عليها"، و"لا مُجِيرِي منها"، وقَضاء من حق المنفي في التنكير بما يظهَر بها من صورةِ الانفصال".
* * *
قال الشارح: إذا كان بعد الاسم المنفيّ لامُ الإضافة، نحوَ: "لا غلامَ لك"، و"لا ناصرَ لزيدٍ"، فلك في الاسم المنفيّ وجهان:
أحدُهما: أن يُبنَى مع "لا"، ويكون حذفُ التنوين معه كحَذْفه مع "خمسةَ عشرَ" وبابِه، وتكون اللامُ في موضع الخبر أو في موضع الصفة للاسم، ويكون الخبرُ محذوفًا، وهذا الوجهُ هو الأصلُ والقياسُ.
والوجه الثاني: أن يكون مضافًا إلى ما بعد اللام، وتكون اللامُ زائدةً مُقْحَمَةً، ويكون حذفُ التنوين منه كحذفه من قولك: "لا غلامَ رجلٍ عندك"، ويكون المنفيُّ معرَبًا غيرَ مبنيّ منفصلاً من "لا" النافي، وليسا كالشيء الواحد.
فعلى هذا تقول: "لا أبَ لك"، و"لا أخَ لعمرو"، فيكون الاسمُ المنفيّ مبْنيًّا مع النافي، ويكون الجارُّ والمجرور في موضع الخبر، أو في موضع الصفة، والخبرُ محذوفٌ، فإذا كان صفة، جاز أن يكون محلُّه نصبًا على اللفظ، وجاز أن يكون محلّه
стр. 551
رفعًا على الموضع، ويجوز أن يكون الجارُّ والمجرور بيانًا، لا صفة، ولا خبرًا على تقديرِ: أعْنِي. قال الشاعر [من الوافر]:
أبي الإِسلامُ لا أبَ لي سِواه ... إلخ
الشاهد فيه قولُه: "لا أبَ" على البناء، وتركيبِ النافي والمنفيّ وجَعْلِهما شيئًا واحدًا. ومعناه ظاهرٌ، يقول: إنّني لا أفتخِرُ بآبائِي وانتمائِي إلى قبائلِ العرب من قيس وتميم ونحوِهما، كما يفعل غيري، وإنّما افتخاري بالإِسلام، وكَفَى به فَخْرًا.
ويجوز أن تقول: "لا أبَا لزيدٍ"، و"لا أخَا لعمرٍو"، قال الشاعر [من البسيط]:
يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبَا لَكُمُ ... لا يُلْقِيَنَّكُمُ في سَوْءَةٍ عُمَرُ (١)
فيكون لفظُ الاسم بعد "لا" كلفظِ الاسم المضاف، و"لا" عاملةٌ فيه غيرُ مبنيّةٍ معه، كأنّك أضفتَ الاسمَ المنفيَّ إلى المجرور، فقلت: "لا أباك"، و"لا أخاك"، وهذا تمثيلٌ، ولا يُتكلّم به، وربّما جاء في الشعر. قال الشاعر [من الطويل]:
٣٢٨ - وقد ماتَ شَمّاخٌ وماتَ مُزَرِّدٌ ... وأيُّ كَرِيمٍ لا أباك مُخَلَّدُ
وقال الآخر [من الوافر]:
٣٢٩ - أبِالْمَوْتِ الذي لا بُدَّ أنَّي ... مُلاقٍ لا أباكِ تُخوَّفيني
стр. 552
ثمّ دخلت اللامُ لتأكيدِ الإضافة، كما كانت كذلك في قوله [من مجزوء الكامل]:
يا بُؤْسَ للحَرْب (١)
إلَّا أنّ النِّيّة في هذه الإضافة التنوينُ، والانفصالُ. ولا يَتعرَّف المنفيّ بالإضافة، كما كان كذلك في قولك: "لا مثلَ زيدٍ عندك"، و"كلُّ شاةٍ وسَخْلَتِها بدرهمٍ"، ولذلك عملتْ "لا" فيه.
وتقول: "لا غلامَيْن لك"، و"لا ناصرِين لزيدٍ"، فالاسم المنفيّ مبنيُّ مع "لا" بناءَ "خمسةَ عشرَ"، كما كان كذلك في قولك: "لا أبَ لك", لأنّ الموضع موضعُ بناءٍ، لا مانعَ من ذلك. وتثبُت النونُ فيه كما تثبُت مع الألف واللام، وتثنيةِ ما لا ينصرف، نحوِ قولك: "هذان أحمران"، و"هذان المسلمان". والتنوينُ لا يثبت في واحدٍ من الموضعَيْن، وذلك لقُوّة النون مع الحركة. هذا مذهبُ الخليل وسيبويه (٢)، وذهب أبو العبّاس المبّردُ إلى أنّهما معربان، وليسا مبنيَّيْن مع "لَا". قال: لأنّ الأسماء المثنّاة، والمجموعة بالواو والنون، لا تكون مع ما قبلها اسمًا واحدًا، فلم يجز ذلك، كما لم يوجَد
стр. 553
وَلا الموصولُ مع ما قبله بمنزلة اسم واحدٍ. وهذا إشارةٌ إلى عدمِ النظير، وإذا قام الدليلُ، فلا عِبْرَةَ بعدم النظير، أمّا إذا وجد، فلا شَكَّ أنّه يكون مُؤْنِسًا، وأمَّا أن يتوقّف ثبوتُ الحكم على وجوده فلا. ومن قال: "لا أبا لك"، فجعل المنفى مضافًا، وجعل اللامَ مقحَمةً، قال: "لا غلامَيْ لزيد"، و"لا ناصرِي لك"، بحذف النون, لأنّه أراد الإضافةَ، ثمّ أقحمَ اللامَ لتأكيد الإضافة.
وقوله: "فمشبَّهٌ بالمَلامِح، والمَذاكِير، ولَدُنْ غُدْوَةً"، يريد أنّ هذا الإقحام ورد شاذًّا على غيرِ قياس، كما أنّ الملامح والمذاكير كذلك، ألا ترى أنّ الواحد من الملامح لَمْحَةٌ، والواحدَ من المذاكير ذَكَرٌ، ولا يُجْمَع واحدٌ من هذَيْن البناءَيْن على "مَفاعِلَ"، و"مَفاعِيلَ"، وإنّما جاء في هذَيْن الاسمَيْن شاذًّا كأنّه جمعُ "مَلْمَحَةٍ"، وجمعُ "مِذْكَارٍ". جاء الجمعُ على ما لم يُستعمل، كما جاء "لا أبا لك" و"لا غلامَيْ لك" على إِرادةِ الإضافة، وإن لم يكن الإضافةُ مستعمَلةً إلَّا على نَدْرةٍ وضرورةٍ. وكذلك "لَدُنْ غُدْوَةً" نصبتْ "غدوة" بـ "لدن" على التشبيه باسم الفاعل، شُبّهت نُونُها بتنوينِ اسم الفاعل، والحركةُ قبلها بحركة الإعراب، واختصّ هذا الشَّبَهُ، والنصبُ بـ "غدْوَةٍ"، فلا يُنصَب غيرها.
وقوله: "وقَصْدُهم إلى الإضافة، وإثبات الألف، وحذفُ النون لذلك"، يريد أنّ الغرض بقولهم: "لا أبَا لك"، و"لا غلامَيْ لزيدٍ": الإضافةُ وأنّ التقدير: لا أباك، ولا غلامَيْك، وإن كانت اللامُ فاصلةً في اللفظ. يدل على ذلك ثبوتُ الألف في "الأب" في قولك: "لا أبَا لك"، وحذفُ النون في التثنية من قولك: "لا غلامَيْ لك"، ولو كان "الأب" منفصلًا غيرَ مضاف، لكان ناقصًا محذوفَ اللام، كما تقول: "هذا أبٌ"، و"رأيتُ أبا" و"مررت بأبٍ"، ولا يُستَعمل تامًّا إلَّا في حال الإضافة، نحو قولك "هذا أبوك"، و"رأيت أباك"، و"مررت بأبيك"، وكذلك النون في التثنية لا تسقُط في حالِ الإفراد إنّما تسقط للإضافة، فحذفُها هنا دليلٌ على إرادةِ الإضافة لفظًا.
وقوله: وإنّما أقحمت اللامُ المضيفةُ لتأكيد الإضافة، يريد إنّما خُصَّتْ هذه اللام بالإقحام دون غيرها من حروف الإضافة، لما فيها من تأكيدِ الإضافة، إذ الإضافةُ هنا بمعنى اللام، وإن لم تكن موجودةً. فإذا قلت: "أبو زيدٍ"، فتقديرُه: "أب لزيدٍ"، فإذا أتيتَ بها كانت مؤكِّدةً لذلك المعنى، غيرَ مُغيِّرةٍ له، ألا ترى أنَّ معنى المِلْك، والاختصاص مفهومٌ منها في حال عدم اللام، كما يُفهَم عند وجودها، فلا فرقَ بين قولك: "غلامُ زيدٍ"، و"غلامٌ لزيدٍ".
فلذلك لم يقولوا: "لا أبَا فيها"، و"لا مُجِيرِي منها"، و"لا رَقِيبَيْ عليها"، ولم يُقْحِموا غيرَ اللام، لأنّها لا تؤكّد الإضافة كما تؤكدها اللامُ.
وقوله: و"قضاءً من حقّ المنفيّ في التنكير"، يريد أنّ زيادةَ اللام في "لا أبَا لك" أفادت أمرين: أحدُهما تأكيدُ الإضافة، والآخرُ: لفظ التنكير، لفَصْلها بين المضاف
стр. 554
والمضاف إليه. فاللامُ مقحمةٌ غير معتَدّ بها من جهةِ ثَباتِ الألف في "الأب", ومن جهةِ تَهْيِئَة الاسم لعملِ "لا" فيه يُعْتَدّ بها، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: "وقد شُبّهت في أنه مزيدةٌ ومؤكدةٌ بـ "تيم" الثاني في [من البسيط]:
ياتَيمَ تَيمَ عَدِيٍّ [لا أبا لكمُ ... لا يُلقِينكُمْ في سَؤءَة عُمَر] (١)
والفَرْقُ بين المنفي فى هذه اللغة، وبينه في الأوُلى أنّه فى هذه معرَبٌ وفي تلك مبنيٌّ. وإذا فصلتَ، فقلتَ: "لا يدَيْن بها لك"، و"لا أبَ فيها لك"، امتنِع الحذف، والإثباتُ عند سيبويه (٢)، وأجازهما يونس (٣). وإذا قلتَ: "لا غلامَين ظريفين لك" لم يكن بُدٌّ من إثباتِ النون في الصفة والموصوف".
* * *
قال الشارح: قد شُبّهت اللام هنا في أنّها مَزيدةٌ بـ "تيم" الثاني من قوله:
يا تَيْمَ تَيمَ عَدِيِّ
فـ "عديٌّ" مخفوضٌ بإضافةِ "تيم" الأوّلِ إليه، و"تيمٌ" الثاني مقحَمٌ زائدٌ للتأكيد، ومثلُه إقحامُ التاء في قولهم: "يا طَلْحَةَ أقْبِلْ" بفتح التاء. قال الشاعر [من الطويل]:
كِلِينِي لهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ ... وَلَيْلٍ أُقاسِيهِ بَطِيءِ الكَواكبِ (٤)
ووجهُ الشاهد فيه أنّه أراد الترخيمَ بحذف التاء، ثمّ أقحمها، وهو لا يعتدّ بها، فَفَتَحَها كما يفتح ما قبل التاء في الترخيم.
قال: والفرق بين المنفيّ في هذه اللغة، وبينه في الأُولى أنّه في هذه معربٌ، وفي تلك مبنىٌّ، يعني أنك إذا قلت: "لا أبَ لك" من غيرِ ألف، كان "الأب" مبنيًّا مع "لا". ويكون الجارُّ والمجرور في موضع الصفة، والخبرُ محذوفٌ، أو يكون في موضع الخبر. وإذا قلت: "لا أبَا لك" كان معربًا منصوبًا, لأنّه مضافٌ إلى ما بعد اللام، فالاسمُ بعد اللام مخفوضٌ بإضافةِ المنفى إليه، لا باللام، ولا يتعلق اللامُ ههنا بشيء، وفي الأوّل تتعلق بمحذوفٍ.
فإن فصلتَ بين المنفيّ وما أضيف إليه بظرفٍ، أو جارٍّ ومجرور مع اللام المقحمةِ، قبُح عند الخليل وسيبويه (٥) , لأن اللام بمنزلةِ ما لم يُذكَر، فالاسمُ بمنزلة اسم ليس بينه وبين المضاف إليه حاجزٌ، نحوِ: "لا مثلَ زيدٍ". فكما يقبُح "لا مثلَ بها لك زَيدٍ"، قبُح "لا أبَا فيها لك". ألا ترى أنّك إذا فصلت بين "كَمْ" ومفسِّرها في الخبر بشيء، فقلت:
стр. 555
"كم بها رجلًا مصابًا"، عُدل إلى لغةِ مَن ينصب، وإن كان لُغة مَن يخفِض بها مع غير الفصل أكثرَ، لقُبْحِ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور، وهو مع قُبْحه جائزٌ في الشعر، نحوِ قوله [من السريع]:
[لمّا رأتْ ساتيدَما استَعْبَرَتْ] ... للَّه دَرُّ اليومَ مَن لَامَهَا (١)
وقوله [من البسيط]:
كأنَّ أصْواتَ مِن إيغالهِنّ بِنَا ... أواخرِ المَيْسِ أصواتُ الفَرارِيجِ (٢)
وإذا قُبح الفصلُ مع اعتقادِ الإضافة، كان الأختيارُ الوجهَ الأوّلَ، وهو البناءُ، وإثباتُ النون في التثنية، وحذفُ الألف من الأب. فتقول: "لا يدَيْن بها لك"، و"لا أبَ فيها لك". وهذا معنى قوله: "امتنع الحذفُ والإثباتُ عند سيبويه"، يريد حذفَ النون من التثنية، وإثباتَ الألف في "الأب"، فلا تقول: "لا يدَيْ بها لك"، و"لا أبَا فيها لك", لأنّ حذفَ النون من التثنية، وإثباتَ الألف في "الأب" يؤذِنان بالإضافةْ، والفصلُ يُبْطِل ذلك.
وكان يونسُ يذهب إلى جوازِ الفصل بالظرف، أو ما جرى مجراه من جارٍّ ومجرور من غيرِ قُبْح، إذا كان الظرفُ ناقصًا لا يتِمّ به الكلامُ، نحوَ: "لا يَدَيْ بها لك"، ومعناه: لا طاقةَ بها لك، فهذا جائزٌ عنده, لأنّ "بِهَا" في هذا المكان لا يتمّ به الكلامُ، لأنّه ليس خبرًا. وعند سيبويه الفصلُ بين المضاف والمضاف إليه قبيحٌ سَواءً كان ممّا يتِمّ به الكلامُ أو لا.
فإن وصفت المنفيَّ، فقلت: "لا غلامَيْن ظريفَيْن لك"، لم يجز حذفُ النون من المنفيّ، ولا من صفته. أمّا امتناعُ الحذف من المنفيّ؛ فلأنّك وصفته، وأنتَ تنوي إضافتَه إلى ما بعد اللام، والمضافُ إليه من تمام المضاف، ينزل منه منزلةَ التنوين من الاسم، ولا يصح وصفُ الاسم إلَّا بعد تمامه، ولأنّ الفصل في الشعر إنّما جاز بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، أو الجارّ والمجرور، لا بغيره. ولا يجوز إسقاطُ النون من الصفة, لأنّ ذلك إنّما جاء في المنفيّ، لا في صفته.
فصل [حكم صفة اسمها وإعرابه]
قال صاحب الكتاب: "وفي صفةِ المفرد وجهان:
أحدُهما: أن تُبْنَى معه على الفتح كقولك: "لا رجلَ ظريفَ فيها".
والثاني: أن تُعْرَب محمولة على لفظه، أو محلّه كقولك: "لا رجلَ ظريفًا فيها، أو ظريفٌ"، فإن فصلتَ بينهما أعربتَ، وليس في الصفة الزائدة عليها إلا الإعرابُ. فإن
стр. 556
كرّرتَ المنفيَّ، جاز في الثاني الإِعراب والبناءُ، وذلك قولك: "لا ماءَ ماءً بارِدًا"، وإن شئتَ لم تُنوِّنْ".
* * *
قال الشارح: إنّما قال: "المُفْرَد" تحرُّزًا من المضاف، نحوِ: "لا غلامَ رجلٍ"، فإن وصفتَ المضاف، لم يجز فيه البناءُ ألبتّةَ.
فإذا وصفت المنفي المفرد، جاز لك في الصفة وجهان:
أحدُهما: أن تبني الصفةَ والموصوفَ، وتجعلهما اسمًا واحدًا على "خمسةَ عشرَ"، وذلك لأنّ الموضع موضعُ بناءٍ وتركيبٍ، وتركيبُ الاسم مع الاسم أكثرُ من تركيب الحرف مع الاسم، نحوُ: "خمسةَ عشرَ"، وبابِه، وهو "جاري بَيْتَ بَيتَ"، ونحوِه، فكأنّ الثاني دخل عليهما بعد تركيبهما, ولم يجز تركيبُه معهما أيضًا, لأنّه ليس من العَدْل جعلُ ثلاثةِ أشياءَ شيئًا واحدًا.
والوجه الثاني: أن تُعرِبه، ولك في إعرابه وجهان: أحدهما أن تُتْبِعه اللفظَ، فتنصبه، وتُنوَّنه، فتقول: "لا رجلَ ظريفًا عندك". فإن قلت كيف جاز حملُ الصفة على اللفظ، والأوّلُ مبنيٌّ، والثاني معربٌ؟ قيل: لمّا اطّرد البناءُ ههنا في كلّ نكرة تقع هذا الموقعَ، أشبهتْ حركتُه حركةَ المعرب، فجاز أن يوصَف على لفظه، ويُعْطَف عليه، وإن كان مبنيًّا. ومثلُه الحمل على حركةِ البناء في المنادَى العَلَم، نحوُ قولك: "يا زيدُ الظريفُ" بالرفع حملًا على اللفظ، وإن كان مبنيًّا, وليس لك حركةُ بَناء تُشْبِه حركةَ الإعراب مشابهةً تامّةً إلا الفتحةُ في قولك: "لا رجلَ في الدار"، والضمّةُ في المنادى نحوِ قولك: "يا زيدُ".
ويجوز في نصب الصفة وجهٌ آخرُ، وهو أن يكون محمولًا على محلّ المنفيّ, لأنّ محلّه نصبٌ بالنافي الذي هو "لا"، لمضارَعتها "إنَّ" على ما تقدّم. وإنّما بُني للتركيب مع "لا" فالفتحةُ فيه فتحةُ بناء نائبةٌ عن فتحةِ إعراب. ويجوز في الصفة أيضًا الرفعُ حملًا على موضع النافي والمنفيّ, لأنّ "لَا" وما عملتْ فيه بمعنى اسم واحدٍ مرفوعٍ بالابتداء، يدلّ على ذَلك أنّا إذا قلنا: "لا فيها رجلٌ"، ففصلنا بين "لا" واسمِها بَظرف، أو جارٍّ ومجرور، بطل عملُها، وارتفع اسمُها بالابتداء مع صحّةِ الجَحْد بها، وبَقاءِ معنى المنصوب. ومنه قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (١). فلذلك جاز في النعت فيما بعد "لا" والعطفِ عليه الرفعُ على موضعِ "لاَ" مع الاسم، والنصبُ على الاسم الذي بعد "لاَ" وقد شبّهه سيبويه (٢) بقوله [من الوافر]:
٣٣٠ - [معاويَ إنَّنا بَشَرٌ فأسْجِحْ] ... فلَسْنَا بالجِبال ولا الحَدِيدَا
стр. 557
في إجرائه على موضع الباء، إذ كان موضعُها نصبًا على خبرِ "لَيْسَ"، ولو أجراه على اللفظ، لقال: و"لا الحديدِ".
واعلمْ أنّه إذا فصل بين المنفيّ، وصفته بظرف، أو جارّ ومجرور، نحوَ: "لا رجلَ اليومَ ظريفًا"، و"لا رجلَ فيك راغبًا"، امتنع البناءُ, لأنّه لا يجوز لك أن تجعل الاسمَ والصفةَ بمنزلةِ اسم واحد، وقد فصلتَ بينهما، كما لا يجوز لك أن تفصِل بين "عشرَ"، و"خمسةَ" في "خمسةَ عشرَ". ووجهُ الإعراب والتنوينِ إمّا بالنصب، وإمْا بالرفع، نحوُ قولك: "لا رجلَ ظريفًا عندك"، و"لا رجلَ ظريفٌ عندك" فالنصبُ على اللفظ، والرفعُ على المحلّ.
فإن أتيتَ بصفةٍ زائدةٍ، نحوَ: "لا غلامَ ظريفَ عاقلًا عندك"، كنتَ في الوصف الأوّل بالخِيار: إن شئت بنيتَه، ومنعتَه التنوينَ، وإن شئت أعربتَه ونوَّنتَه. ولا يكون الثاني إلَّا منوّنا معربًا، إمّا بالنصب، وإما بالرفع. ولا يجوز فيه البناءُ, لأنّك لا تجعل ثلاثةَ أشياءَ شيئًا واحدًا.
فإن كرَّرتَ الاسم المنفيَّ، نحوَ قولك: "لا ماءَ ماءً باردًا"، فأنتَ في الاسم الثاني بالخيار، إن شئت نوّنتَه، وإن شئت لم تُنوِّنْه، لأنّك جعلتَه وصفًا، كما قالوا: "مررتُ
стр. 558
بحائطٍ آجُرّ، وببابٍ ساجٍ"، فكما وصفوا بـ "آجُرٍّ"، و"ساجٍ"، وهما اسمان جامدان غيره مشتقَّين، فكذلك وُصف بالاسم الثاني، وإن كان اسمًا غيرَ مشتقّ، فقالوا: "لا ماءَ ماءً باردًا". فإذا نوّنتَ، جاز رفعُه ونصبه، كما قلت: "لا رجلَ ظريفًا، وظريفٌ". وإذا لم تنوّن بنيتَ، وركّبتَ الأوّلَ والثاني، وجعلتَهما اسمًا واحدًا، وأمّا "باردًا" فلا يكون فيه إلَّا الإعرابُ والتنوينُ, لأنّه وصفٌ ثانٍ، وقد تقدّم علّتُه.
فصل [حكم المعطوف علي اسمها]
قال صاحب الكتاب: "وحكم المعطوف حكم الصفة إلا في البناء. قال [من الطويل]:
فلا (١) أبَ وانبًا مِثْل مَروانَ وابنِهِ ... [إذا هو بالمَجدِ ارتدى وتَأَزرا] (٢)
وقال [من الكامل]:
٣٣١ - [هذا لعَمْرُكمُ الصَّغارُ بعَينِهِ] ... لا أُم لى إن كان ذاك ولا أبُ
стр. 559
وإن تعرفَ، فالحملُ على المحل لا غيرُ، كقولك: "لا غلامَ لك ولا العَباسُ"".
* * *
قال الشارح: حكمُ المعطوف كحكم الصفة, لأنّهما من التوابع، إلَّا في البناء، فإنّه لا يجوز بناءُ المعطوف، وجعلُه مع ما عُطف عليه شيئًا واحدًا, لأنّه قد تَخلَّل بينهما حرفُ العطف، فمنع ذلك من البناء والتركيب، كما منع الفصلُ بين الصفة والموصوف، إذا قلت: "لا رجلَ عندك ظريفًا"، ولأنّه يؤدّي إلى جعلِ ثلاثةِ أشياءَ: الاسمِ المعطوفِ، والمعطوفِ عليه، وحرِف العطف شيئًا واحدًا، وذلك إجحافٌ، وما عدا البناءَ ممّا كان جائزًا في الصفة، فهو جائزٌ ههنا من الإعراب والتنوينِ. وهما شيئان: النصبُ والرفعُ، فالنصبُ بالحمل على لفظ المنفيّ, لأن الفتحة مشبَّهةٌ بحركة الإعراب على ما ذكرنا، والثاني بالحمل على موضع المنفيّ, لأن موضعه نصبٌ بـ "لا"، ولولا البناءُ كان منوّنًا، والأمر الثاني الرفعُ بالحملَ على موضع المنفيّ، والنافي، وموضعُهما رفعٌ على ما ذُكر في الصفة، ومثله قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) جُزمتْ "أكُنْ" حملًا على موضعِ "فأصّدّق", لأنّ موضعه جزمٌ، كأنّك قلت: "أصَّدَّقْ وأكُنْ من الصالحين". وأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
فلا أبَ وابْنًا مِثلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذا هو بالمَجْد ارْتَدَى وتَأزَّرا
فالشاهد فيه أنّه عطف "ابنًا" على المنصوب بـ "لَا"، ونوّنه لتعذّرِ البناء على ما ذكرنا، ونَصَبَ مثلًا على أنّه وصفٌ للمنفيّ، وما عُطف عليه، و"مِثْلَ" يكون وصفًا للاثنَيْن، والجمعِ، وإن كان لفظُها مفردًا لِما فيها من الإبهام. قال الله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ (٢)، والخبر محذوفٌ. وقد رُوي رفعُ "الابن" ههنا بالعطف على الموضع، ورفعُ
стр. 560
"مِثْل" على النعت، أو الخبرِ. يمدَحُ مَرْوانَ بن الحَكَم وابنَه عبدَ المَلِك. وأمّا قول الآخر [من الكامل]:
لا أُمَّ لي إن كان ذاك ولا أبُ
وقبله:
هَلْ في القَضِيَّةِ أنْ إذا استغنَيْتُمُو ... وأمِنْتُمُ فأنَا البَعِيدُ الأجْنَبُ
وإذا تكون كَرِيهَةٌ أُدْعَى لها ... وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ
هذا لَعَمْرُكُمُ الصَغارُ بعَينه ... البيت
فالشعر لرجل من مذحج، والشاهدُ فيه عطفُ "الأب" على موضعِ النافي والمنفي، على ما تقدّم وصفُه.
فإن كان المعطوف معرفة، نحوَ: "لا غلامَ لك وزيدٌ"، و"لا غلامَ لك والعبّاسُ"، لم يجز نصبُه بالحمل على عمل "لا", لأنّ "لا" لا تعمل إلَّا في النكرة، وإنّما ترفعُه على موضعِ "لا" وما علمتْ فيه, لأنّ موضعهما ابتداءٌ، وقد تقدّم بيانُه.
* * *
فصل [جواز رفع اسمها إذا كُرِّر]
قال صاحب الكتاب: "ويجوز رفعه إذا كرر قال تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ (١)، وقال: ﴿لا بيع فيه ولا خلة﴾ (٢) , فإن جاء مفصولاً بينه وبين "لا" أو معرفة, وجب الرفع والتكرير, كقولك: "لا فيها رجلٌ ولا امرأة"، و"لا زيد فيها ولا عمرو""
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول أنّ "لا" تعمل في النكرة النصبَ، وتُبْنَى معها على الفتح بناء "خمسةَ عشرَ"، وذلك نحو: "لا رجلَ في الدار"، فـ "رجل" ها هنا في موضع منصوبٍ منوَّنٍ، وإنما حُذف منه التنوين للبناء والتركيبِ، وهو في تقديرِ جواب "هَلْ مِن رجلٍ" فإن كرّرتَها وأردتَ إعمالها على هذا الوجه، جاز، فقلت: "لا رَجلَ، ولا امرأةً"، ويكون جوابَ "هل من رجلٍ، ومن امرأةٍ". فإن كرّرت "لا" على أنها جوابُ
стр. 561
كلام قد عمِل بعضُه في بعضٍ من المبتدأ والخبر، وتكرَّر، جاء الجوابُ على التكرير الذي في السؤال، وذلك قولك: "لا غلامٌ عندك ولا جارية"، كان السؤال: "أغلامٌ عندكَ أو جاريةٌ"، وهذا سؤالُ مَنْ قد علم أنّ أحدهما عنده، ولا يعرفه نفسَه، فسأل ليعرف عينَه، فإن كان عند المسؤول واحدٌ منهما، قال: "غلامٌ" إن كان غلامًا، أو "امرأةٌ" إن كان امرأةٌ. فإن لم يكن عنده واحدٌ منهما، قال: "لا غلامٌ عندي، ولا امرأةٌ". ولا يحسن أن يقول: "لا غلامٌ عندي" من غيرِ تكريرِ "لا" من قِبَل أن هذا جوابُ من قال: "أغلامٌ عندك؟ ". وجوابُ مثل هذا أن يقول المسؤول: "نَعَمْ"، إن كان عنده، أو: "لا" إن لم يكن عنده، ولا يزيد على "لا" شيئًا كما لا يزيد على "نَعَمْ" شيئًا. فلذلك خالَفَ حالُ التكرير حال الإفراد، ولم يجز الرفع في الإفراد، وجاز مع التكرير.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ (٢) شاهدٌ لجواز الرفع مع التكرير. ومثله قوله الراعي [من البسيط]:
٣٣٢ - وما هَجَرْتُكِ حتّى قلتِ مُعْلِنَةً ... لا ناقَةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ
стр. 562
فإن فصلت بين المنفيّ والنافي، نحو: "لا لك غلامٌ، ولا في بيتك جاريةٌ"، لم يجز أن تجعلهما معًا اسمًا واحدًا, لأنّ الاسم لا يُفصَل بين بعضه، وبين بعضٍ، ولا يجوز أن يُنصب بها مع الفصل، لأنّ "لا" لا تعمل لضُعْفها، إلَّا فيما يَلِيها، وإذا لم يجز إعمالُها مع الفصل، تَعيَّن أن يُرفع ما بعدها بالابتداء والخبر، ولزم تكريرُها لما ذكرناه. قال الله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (١)، وكذلك إذا كان المنفي معرفةً، لم يجز فيه إلَّا الرفعُ, لأنّ "لا" لا تعمل في معرفةٍ، فلزم التكريرُ، نحو قولك: "لا زيدٌ عندي"، و"لا عمرٌو"، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: "وقولهم: "لا نولك أن تفعل كذا ",كلام موضوع موضع "لا ينبغي لك أن تفعل", كذا وقوله [من الطويل]:
٣٣٣ - [وأنت امرؤٌ منا خلقت لغيرنا] ... حياتك لا نفعٌ [وموتك فاجع]
стр. 563
وقوله [من الطويل]:
٣٣٤ - قضت وطراً واسترجعت ثم آذنت] ... ركائبها] أن لا إلينا رجوعها
ضعيف لا يجيء إلا في الشعر, وقد أجاز المبرد في السعة أن يقال: "لا رجل في الدار", ولا زيد عندنا"".
* * *
قال الشارح: لمّا قرّر أنّ المنفيّ إذا كان معرفة، لم يجز فيه إلَّا الرفعُ، ويلزمه التكريرُ، أوْرد هذه الألفاظ التي وردت ناقضةً للقاعدة. وذلك أنّها معارفُ مرفوعةٌ، ولم تُكرَّر، وخَرَّجَها. فأمّا قولهم: "لا نَوْلُك أن تفعل كذا"، فهي كلمةٌ تقال في معنى: "لا ينبغي لك". وهي معرفةٌ مرفوعةٌ بالابتداء، وما بعدها الخبرُ، ولم يُكرِّروا "لا" من حيث إنّها جرت مجرى الفعل، إذ كانت بمعناه، والفعلُ إذا دخل عليه "لا"، لم يلزم فيه التكرير. فأجروا "لا نولُك" مُجْرَى "لا ينبغي لك"، لأنّه في معناه، كما قالوا: "لا سلامٌ عليك"، فلم يكرّروا, لأنّه في معنى "لا سلّم الله عليك"، كما أجروا "يَذَرُ" مجرَى "يَدَعُ" في حذفِ الواو التي هي فاءٌ، لأنّها مثلُها في المعنى، وإن لم يكن في "يذر" حرفٌ حَلْقيٌّ، فأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
وأَنْتَ امْرُؤٌ مِنَّا خُلِقْتَ لِغَيْرِنَا ... حَياتُك لا نَفْعٌ ومَوْتُك فاجِعُ
стр. 564
البيت لرجل من بني سَلُولٍ، والشاهدُ فيه رفعُ ما بعد "لا" من غيرِ تكرير. وقد تقدّم قُبْحُه، والذي سوّغه أنّ ما بعده يقوم مقام التكرير في المعنى, لأنّ قوله: "حياتُك لا نفعٌ، وموتُك فاجعُ" بمعنى: "لا نَفْعٌ ولا ضَرَرٌ". يقول: إِنّه مِنَّا في النَّسَب، إلَّا أنّ نَفْعَه لغيرنا، فحياتُه لا ينفعُنا وموتُه يحزنُنا، وأمّا قول الآخر [من الطويل]:
قَضَتْ وَطَرًا واسترجعت ثُمَّ آذَنَتْ ... رَكائِبَها أنْ لا إلَينَا رُجوعُها
فالشاهد فيه الرفع بـ "لا" من غيرِ تكرير ضرورةٌ، وسوّغه شَبَهُ "لا" بـ "لَيْسَ" من حيثُ النفيُ، وصف أنّها فارقتْه، فبَكَتْ، واسترجعتْ. ومعنى آذنتْ: أَشْعَرَتْ. والركائبُ: جمعُ رَكُوبَةٍ، وهي الراحِلةُ تُرْكَب. وهو عند سيبويه ضعيفٌ (١) من قبيلِ الضرورة, لأنّه لم يُكرَّر "لا" على ما تقدّم من لزوم تكريرها إذا رُفع ما بعدها.
وكان أبو العباس محمّدُ بن يزيد المبردُ لا يرى بَأْسًا أن تقول: "لا رجلٌ في الدار" في حال الاختيار، وسعةِ الكلام، ويجعله جوابَ قوله: "هل رجلٌ في الدار"، ويجوز أن يكون لرجل واحد، ويجوز أن يكون في موضع جمع، كما كان في قولك: "هل رجلٌ في الدار". وكذلك يُجيز "لا زيدٌ في الدار" على تقديرِ: "هَلْ زيدٌ في الدار؟ " وإن كان الأوّلُ أكثر، فاعرفه.
فصل [حكمها إذا كُرِّرت]
قال صاحب الكتاب:"وفي "لا حول ولا قوة إلا بالله" ستة أوجهٍ: أن تفتحهما، وأن تنصب الثاني، وأن ترفعه، وأن ترفعهما، وأن ترفع الأول على أن "لا" بمعنى "ليس"، أو على مذهب أبي العباس, وتفتح الثاني، وأن تعكس هذا".
* * *
قال الشارح: لك في "لا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلَّا بالله" وما أشبهَه أن تبنِيَهما على الفتح، وتكون "لا" الثانيةُ نافيةً كالأُولى، كأنّك استأنفتَ النفيَ بها، فيكون كلُّ واحد منهما جملةً قائمةً بنفسها. فـ "لا" الأولى واسمُها في موضع مبتدأ، و"لا" الثانيةُ واسمُها في موضع مبتدأ ثانٍ. ويقدَّر لكل واحد منهما خبرٌ مرفوعٌ. ولك أن تفتح الأول، وتنصب الثاني نصبًا صريحَا بالتنوين، فتقول: "لا حولَ ولا قوّة إلَّا بالله"، فتعطف المنصوبَ المنوّنَ على المركَّب، إمّا على فتحة البناء لشَبَهها بحركة الإعراب، وإمّا على عَمَلِ "لا" في المنفيّ. وحَقُّه أن يكون منوّنًا، إلاّ أنّ البناء مَنَعَه من ذلك كما تقول: "مررت بعثمان وزيدٍ"، فموضعُ "عثمان" خفضٌ إلَّا أنّه لا ينصرف، فجرى مجرى المعطوف على
стр. 565
موضعه، كذلك ها هنا. ويكون الاعتمادُ في النفي على "لا" الأوُلى، وتكون "لا" الثانيةُ زائدة مؤكّدة للنفي. قال الشاعر [من السريع]:
لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً ... اتَّسعَ الخَرْقُ على الراقِعِ (١)
ولك أن تفتح الأوّل وترفع الثاني، فتقول: "لا حول ولا قوّة إلَّا بالله". فتعطف الثاني على موضع "لا" واسمِها, لأنّهما في موضع رفع بالابتداء. ونظيرُ ذلك "كلّ رجلٍ ظريفٌ في الدار"، إن شئت خفضتَ "ظريفًا" على النعت لِـ "رجلٍ"، وإن شئت رفعتَه على النعت لِـ "كلّ". فكذلك "لا رجلَ، ولا غلامَ لك"، إن شئت حملتَ على المنفيّ، وإن شئت حملت على موضع النافي والمنفيّ، فيكون الثاني أيضًا مبتدأً, لأنّ ما عُطف على المبتدأ مبتدأٌ، وجاز أن يكون الخبرُ عنهما واحدًا، لأنّه ظرفٌ، وتكون "لا" الثانيةُ زائدة للتأكيد، والاعتمادُ في النفي على "لا" الأوُلى. ويجوز أن تجعل "لا" الثانيةَ بمعنى "لَيْسَ" وتُقدّر لها خبرًا منصوبًا, ولك أن ترفعهما جميعًا، فتقول: "لا حولٌ، ولا قوّةٌ إلَّا بالله". وقد قُرىء ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ (٢). قال الشاعر [من البسيط]:
وما هجرتُكِ حتّى قلتِ مُعْلِنَةً ... لا ناقةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ (٣)
فيجوز أن يكون "لَا"، في هذا الوجه بمعنى "ليس" ترفع الاسم وتنصب الخبرَ، ويكون الظرفُ في موضع خبر منصوبٍ. ويجوز أن تكون نافيةً، وما بعدها مبتدأٌ، ويكون الظرفُ في موضعِ خبر مرفوع، ولكَ أن ترفع الأوّل، وتفتح الثاني, فتقول: "لا حولٌ، ولا قوَّة إلَّا باللهِ"، ويكون رفعُ الأوّل على أن تكون "لا" بمعني "ليس" ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ويجوز أن تكون "لا" النافية، وما بعدها مبتدأٌ. وجاز ذلك غير مكرَّر على رأي أبي العبّاس، وهو المذهبُ الضعيفُ عند سيبويه. وحسّن ذلك وقوعُ "لا" الثانيةِ بعدها، وإن كان المرادُ بها الاستئنافَ، ولا الثانيةُ المشبَّهةُ بـ "إنَّ"، ولذلك ركّبتَ معها، وبنيتَ، فهذه خمسةُ أوجهٍ من جهةِ اللفظ، وهي ستّةُ أوجه من حيثُ التقديرُ، وجَعْلُ "لا" بمعنى "ليس". فاعرفه.
فصل [حذف اسمها]
قال صاحب الكتاب: "وقد حذف المنفي في قولهم: "لا عليك", أي: لا بأس عليك".
* * *