كلام قد عمِل بعضُه في بعضٍ من المبتدأ والخبر، وتكرَّر، جاء الجوابُ على التكرير الذي في السؤال، وذلك قولك: "لا غلامٌ عندك ولا جارية"، كان السؤال: "أغلامٌ عندكَ أو جاريةٌ"، وهذا سؤالُ مَنْ قد علم أنّ أحدهما عنده، ولا يعرفه نفسَه، فسأل ليعرف عينَه، فإن كان عند المسؤول واحدٌ منهما، قال: "غلامٌ" إن كان غلامًا، أو "امرأةٌ" إن كان امرأةٌ. فإن لم يكن عنده واحدٌ منهما، قال: "لا غلامٌ عندي، ولا امرأةٌ". ولا يحسن أن يقول: "لا غلامٌ عندي" من غيرِ تكريرِ "لا" من قِبَل أن هذا جوابُ من قال: "أغلامٌ عندك؟ ". وجوابُ مثل هذا أن يقول المسؤول: "نَعَمْ"، إن كان عنده، أو: "لا" إن لم يكن عنده، ولا يزيد على "لا" شيئًا كما لا يزيد على "نَعَمْ" شيئًا. فلذلك خالَفَ حالُ التكرير حال الإفراد، ولم يجز الرفع في الإفراد، وجاز مع التكرير.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ (٢) شاهدٌ لجواز الرفع مع التكرير. ومثله قوله الراعي [من البسيط]:
٣٣٢ - وما هَجَرْتُكِ حتّى قلتِ مُعْلِنَةً ... لا ناقَةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ
стр. 562
فإن فصلت بين المنفيّ والنافي، نحو: "لا لك غلامٌ، ولا في بيتك جاريةٌ"، لم يجز أن تجعلهما معًا اسمًا واحدًا, لأنّ الاسم لا يُفصَل بين بعضه، وبين بعضٍ، ولا يجوز أن يُنصب بها مع الفصل، لأنّ "لا" لا تعمل لضُعْفها، إلَّا فيما يَلِيها، وإذا لم يجز إعمالُها مع الفصل، تَعيَّن أن يُرفع ما بعدها بالابتداء والخبر، ولزم تكريرُها لما ذكرناه. قال الله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (١)، وكذلك إذا كان المنفي معرفةً، لم يجز فيه إلَّا الرفعُ, لأنّ "لا" لا تعمل في معرفةٍ، فلزم التكريرُ، نحو قولك: "لا زيدٌ عندي"، و"لا عمرٌو"، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: "وقولهم: "لا نولك أن تفعل كذا ",كلام موضوع موضع "لا ينبغي لك أن تفعل", كذا وقوله [من الطويل]:
٣٣٣ - [وأنت امرؤٌ منا خلقت لغيرنا] ... حياتك لا نفعٌ [وموتك فاجع]
стр. 563
وقوله [من الطويل]:
٣٣٤ - قضت وطراً واسترجعت ثم آذنت] ... ركائبها] أن لا إلينا رجوعها
ضعيف لا يجيء إلا في الشعر, وقد أجاز المبرد في السعة أن يقال: "لا رجل في الدار", ولا زيد عندنا"".
* * *
قال الشارح: لمّا قرّر أنّ المنفيّ إذا كان معرفة، لم يجز فيه إلَّا الرفعُ، ويلزمه التكريرُ، أوْرد هذه الألفاظ التي وردت ناقضةً للقاعدة. وذلك أنّها معارفُ مرفوعةٌ، ولم تُكرَّر، وخَرَّجَها. فأمّا قولهم: "لا نَوْلُك أن تفعل كذا"، فهي كلمةٌ تقال في معنى: "لا ينبغي لك". وهي معرفةٌ مرفوعةٌ بالابتداء، وما بعدها الخبرُ، ولم يُكرِّروا "لا" من حيث إنّها جرت مجرى الفعل، إذ كانت بمعناه، والفعلُ إذا دخل عليه "لا"، لم يلزم فيه التكرير. فأجروا "لا نولُك" مُجْرَى "لا ينبغي لك"، لأنّه في معناه، كما قالوا: "لا سلامٌ عليك"، فلم يكرّروا, لأنّه في معنى "لا سلّم الله عليك"، كما أجروا "يَذَرُ" مجرَى "يَدَعُ" في حذفِ الواو التي هي فاءٌ، لأنّها مثلُها في المعنى، وإن لم يكن في "يذر" حرفٌ حَلْقيٌّ، فأمّا قول الشاعر [من الطويل]:
وأَنْتَ امْرُؤٌ مِنَّا خُلِقْتَ لِغَيْرِنَا ... حَياتُك لا نَفْعٌ ومَوْتُك فاجِعُ
стр. 564
البيت لرجل من بني سَلُولٍ، والشاهدُ فيه رفعُ ما بعد "لا" من غيرِ تكرير. وقد تقدّم قُبْحُه، والذي سوّغه أنّ ما بعده يقوم مقام التكرير في المعنى, لأنّ قوله: "حياتُك لا نفعٌ، وموتُك فاجعُ" بمعنى: "لا نَفْعٌ ولا ضَرَرٌ". يقول: إِنّه مِنَّا في النَّسَب، إلَّا أنّ نَفْعَه لغيرنا، فحياتُه لا ينفعُنا وموتُه يحزنُنا، وأمّا قول الآخر [من الطويل]:
قَضَتْ وَطَرًا واسترجعت ثُمَّ آذَنَتْ ... رَكائِبَها أنْ لا إلَينَا رُجوعُها
فالشاهد فيه الرفع بـ "لا" من غيرِ تكرير ضرورةٌ، وسوّغه شَبَهُ "لا" بـ "لَيْسَ" من حيثُ النفيُ، وصف أنّها فارقتْه، فبَكَتْ، واسترجعتْ. ومعنى آذنتْ: أَشْعَرَتْ. والركائبُ: جمعُ رَكُوبَةٍ، وهي الراحِلةُ تُرْكَب. وهو عند سيبويه ضعيفٌ (١) من قبيلِ الضرورة, لأنّه لم يُكرَّر "لا" على ما تقدّم من لزوم تكريرها إذا رُفع ما بعدها.
وكان أبو العباس محمّدُ بن يزيد المبردُ لا يرى بَأْسًا أن تقول: "لا رجلٌ في الدار" في حال الاختيار، وسعةِ الكلام، ويجعله جوابَ قوله: "هل رجلٌ في الدار"، ويجوز أن يكون لرجل واحد، ويجوز أن يكون في موضع جمع، كما كان في قولك: "هل رجلٌ في الدار". وكذلك يُجيز "لا زيدٌ في الدار" على تقديرِ: "هَلْ زيدٌ في الدار؟ " وإن كان الأوّلُ أكثر، فاعرفه.
فصل [حكمها إذا كُرِّرت]
قال صاحب الكتاب:"وفي "لا حول ولا قوة إلا بالله" ستة أوجهٍ: أن تفتحهما، وأن تنصب الثاني، وأن ترفعه، وأن ترفعهما، وأن ترفع الأول على أن "لا" بمعنى "ليس"، أو على مذهب أبي العباس, وتفتح الثاني، وأن تعكس هذا".
* * *
قال الشارح: لك في "لا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلَّا بالله" وما أشبهَه أن تبنِيَهما على الفتح، وتكون "لا" الثانيةُ نافيةً كالأُولى، كأنّك استأنفتَ النفيَ بها، فيكون كلُّ واحد منهما جملةً قائمةً بنفسها. فـ "لا" الأولى واسمُها في موضع مبتدأ، و"لا" الثانيةُ واسمُها في موضع مبتدأ ثانٍ. ويقدَّر لكل واحد منهما خبرٌ مرفوعٌ. ولك أن تفتح الأول، وتنصب الثاني نصبًا صريحَا بالتنوين، فتقول: "لا حولَ ولا قوّة إلَّا بالله"، فتعطف المنصوبَ المنوّنَ على المركَّب، إمّا على فتحة البناء لشَبَهها بحركة الإعراب، وإمّا على عَمَلِ "لا" في المنفيّ. وحَقُّه أن يكون منوّنًا، إلاّ أنّ البناء مَنَعَه من ذلك كما تقول: "مررت بعثمان وزيدٍ"، فموضعُ "عثمان" خفضٌ إلَّا أنّه لا ينصرف، فجرى مجرى المعطوف على
стр. 565
موضعه، كذلك ها هنا. ويكون الاعتمادُ في النفي على "لا" الأوُلى، وتكون "لا" الثانيةُ زائدة مؤكّدة للنفي. قال الشاعر [من السريع]:
لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً ... اتَّسعَ الخَرْقُ على الراقِعِ (١)
ولك أن تفتح الأوّل وترفع الثاني، فتقول: "لا حول ولا قوّة إلَّا بالله". فتعطف الثاني على موضع "لا" واسمِها, لأنّهما في موضع رفع بالابتداء. ونظيرُ ذلك "كلّ رجلٍ ظريفٌ في الدار"، إن شئت خفضتَ "ظريفًا" على النعت لِـ "رجلٍ"، وإن شئت رفعتَه على النعت لِـ "كلّ". فكذلك "لا رجلَ، ولا غلامَ لك"، إن شئت حملتَ على المنفيّ، وإن شئت حملت على موضع النافي والمنفيّ، فيكون الثاني أيضًا مبتدأً, لأنّ ما عُطف على المبتدأ مبتدأٌ، وجاز أن يكون الخبرُ عنهما واحدًا، لأنّه ظرفٌ، وتكون "لا" الثانيةُ زائدة للتأكيد، والاعتمادُ في النفي على "لا" الأوُلى. ويجوز أن تجعل "لا" الثانيةَ بمعنى "لَيْسَ" وتُقدّر لها خبرًا منصوبًا, ولك أن ترفعهما جميعًا، فتقول: "لا حولٌ، ولا قوّةٌ إلَّا بالله". وقد قُرىء ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ (٢). قال الشاعر [من البسيط]:
وما هجرتُكِ حتّى قلتِ مُعْلِنَةً ... لا ناقةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ (٣)
فيجوز أن يكون "لَا"، في هذا الوجه بمعنى "ليس" ترفع الاسم وتنصب الخبرَ، ويكون الظرفُ في موضع خبر منصوبٍ. ويجوز أن تكون نافيةً، وما بعدها مبتدأٌ، ويكون الظرفُ في موضعِ خبر مرفوع، ولكَ أن ترفع الأوّل، وتفتح الثاني, فتقول: "لا حولٌ، ولا قوَّة إلَّا باللهِ"، ويكون رفعُ الأوّل على أن تكون "لا" بمعني "ليس" ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ويجوز أن تكون "لا" النافية، وما بعدها مبتدأٌ. وجاز ذلك غير مكرَّر على رأي أبي العبّاس، وهو المذهبُ الضعيفُ عند سيبويه. وحسّن ذلك وقوعُ "لا" الثانيةِ بعدها، وإن كان المرادُ بها الاستئنافَ، ولا الثانيةُ المشبَّهةُ بـ "إنَّ"، ولذلك ركّبتَ معها، وبنيتَ، فهذه خمسةُ أوجهٍ من جهةِ اللفظ، وهي ستّةُ أوجه من حيثُ التقديرُ، وجَعْلُ "لا" بمعنى "ليس". فاعرفه.
فصل [حذف اسمها]
قال صاحب الكتاب: "وقد حذف المنفي في قولهم: "لا عليك", أي: لا بأس عليك".
* * *
стр. 566
قال الشارح: اعلم أنّهم قد حذفوا اسمَ "لا" النافيةِ، كما حذفوا الخبرَ، فقالوا: "لا عليك"، والمرادُ: "لا بأسَ عليك"، أي: لا سيّىء عليك، وإنّما حذفوا الاسم لكثرةِ الاستعمال تخفيفًا. وقالوا: "لا كالعَشِيَّةِ عشيّةٌ" والمراد: لا عشيّةَ كالعشيّة الليلةَ، ومثلُه "لا كزيدٍ رجلٌ"، والمراد: لا أحد كزيدٍ رجلٌ، فالاسمُ محذوفٌ، والجارُّ والمجرور في موضع الخبر و"عشيّةٌ" مرفوعٌ, لأنّه عطفُ بيان على الموضع. وكذلك "رجلٌ" من قوله: "لا كزيد رجلٌ"، ويجوز النصبُ على اللفظ، أو التمييز على حد النعت في قوله [من الطويل]:
٣٣٥ - [لنا مِرْفَدٌ سبعونَ ألفَ مُدَجَّجٍ] ... فَهَلْ في مَعَدّ دون ذلك مرفَدا (١)
وممّا حُذف اسمُ "لا" فيه قولُ امرئ القيس [من البسيط]:
٣٣٦ - وَيلُمّهَا في هَواءِ الجَو طالِبَةً ... ولا كهذا الذي في الأرض مَطْلُوبُ
стр. 567
كأنّه قال: لا شيء له كهذا الذي في الأرض. فأمّا قولُ جَرِيرٍ [من الكامل]:
٣٣٧ - [يا صاحبَيَّ دنا الرَّواحُ مَسيرا] ... لا كالعَشِيَّةِ زائرًا ومَزُورَا
فلا يكون منصوبًا إلَّا بفعل مقدَّرٍ, لأنّه قد عُلم أنّ الزائر والمزور غيرُ العشيّة، فلا يكون بيانًا لها، فعُلم أنْ المراد: لا أرى كالعشيّة زائرًا ومزورًا، ونحو ذلك ممّا يُلائم معناه من الأفعال.
стр. 568
خبر "ما" و"لا" المشبهتين بـ "ليس "
فصل
قال صاحب الكتاب: "هذا التشبيهُ لغة أهل الحجاز, وأما بنو تميم, فيرفعون ما بعدهما على الإبتداء، ويقرؤن: ﴿ما هذا بشر﴾ (١)، إلا من درى كيف هي في المصحف,
فإذا انتقض النفي بـ"إلا" أتقدم الخبر بطل العمل, فقيل: "ما زيدٌ إلا منطلقٌ"، و"لا رجلٌ إلا أفضل منك"، و"ما منطلقٌ زيدٌ"، و"لا أفضل منك رجلٌ"".
* * *
قال الشارح: هذا الفصل بيّنٌ من كلامِ صاحب الكتاب، وقد تقدّم شرحُه في المرفوعات بما أغنى عن إعادته.
فصل [دخول الباء علي خبر "ما "]
قال صاحب الكتاب: "ودخول الباء في الخبر, نحو قولك: "ما زيد بمنطلق", إنما يصح على لغة أهل الحجاز, لأنك لا تقول "زيدٌ بمنطلق"".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الباء قد زيدت في خبرِ "ليس" لتأكيد النفي. ومعنى قولنا: "زيدت"، أنّها لم تُحْدِث معنًى لم يكن قبلَ دخولها، وذلك قولُك: "ليس زيدٌ بقائم". والمعنى: "ليس زيدٌ قائمًا". قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (٢). وتقديره: كافِيًا عبدَه. وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٣)، أي: ألستُ رَبَّكم.
و"ما" مشبَّهةٌ بـ "ليس" على ما تقدّم، فأدخلوا الباء في خبرها على حدِّ دخولها في خبر "ليس"، نحو قولك: "ما زيدٌ بقائمٍ". قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٤)، أي:
стр. 569
مؤمنًا، و ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، أي: طاردَ المؤمنين. وقد زيدت الباءُ في غير المنفيّ، زادوها مع المفعول، وهو الغالبُ عليها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢). والمراد - واللَّهُ أعلمُ - أَيْدِيَكم. قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٣) أي: أنّ اللَّهَ يرى، وقد حمل بعضُهم قوله تعالى: ﴿تُنبِتُ بالدهن﴾ (٤) على زيادة الباء، والمرادُ: تنبت الدهن. ومثله قول الشاعر [من الكامل]:
٣٣٨ - شَرِبَتْ بِماءِ الدُّحْرُضَيْنِ فأصبحتْ ... زَوْراءَ تَنْفِرُ عن حِياضِ الدَّيْلَمِ
أي ماءَ الدحرضين. وقد زيدت مع الفاعل، نحو: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٥) و ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٦). إنّما هو كفى اللَّهُ، وكَفَيْنَا، يدلّ على ذلك قولُ سُحَيْمٍ [من الطويل]:
٣٣٩ - [عميرةَ ودِّعْ إنْ تَجَهَّزّت غاديا] ... كَفَى الشَّيْبُ والإِسلامُ للمَرْءِ ناهِيَا
стр. 570
وقد زادوها مع المبتدأ، فقالوا: "بِحَسْبك زيدٌ". قال الشاعر [من المتقارب]:
٣٤٠ - بِحَسْبِكَ في القوم أن يَعْلَموا ... بِأنّك فيهم غَنِيٌّ مُضِرْ
стр. 571
والمراد حسبُك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وزادوها مع خبر المبتدأ. قال الله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ (٢). قال أبو الحسن: الباء زائدةٌ، وتقديره: وجزاءُ سيّئةٍ مثلها، دلّ على ذلك قوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). والأصل في زيادة الباء في المنفيّ مع "لَيْسَ" لأنّه فضلةٌ. والمعنيُّ بالفضلة المفعولُ، وفيه مُعْظَمُ زيادةِ الباء.
وحُملت "ما" الحجازيّةُ على "لَيْسَ" إذ كان خبرُها منصوبًا كخبرِ "ليس". قال أبو سَعِيد: إنّما دخلت الباء في خبر "ليس", لأنّها غيرُ متصرَّفة، فتَنزّلتْ بذلك منزلةَ فعل لا يتعدّى إلَّا بحرف جرّ، فعُدّيت إلى منصوبها بالحرف الذي هو الباء، وحُملتْ "ما" على "ليس" في ذلك. وذهب قومٌ إلى أنّ أصل دخولِ الباء إنّما هو مع "ما" لضربٍ من التقابُل. وذلك أنّ القائل يقول: "إنّ زيدًا قائمٌ"، فيقول النافي لذلك الخبر: "ما زيدٌ قائمًا"، فيدخل "ما" بإزاء "إنَّ". فإذا قال: "إنّ زيدًا لقائمٌ"، قال النافي: "ما زيدٌ بقائمٍ". فيأتي بالباء لتأكيد النفي، كما أتى باللام لتأكيد الإيجاب، فصار الحرفان بإزاء الحرفَيْن. ثمّ دخلت على خبرِ "ليس" لأنّهما يقعان لنفي ما في الحال، والكوفيون يقولون: إنّما دخلت الباء للتمييز بين المذهبَيْن، يريدون أنّ الذي يرتفع بعد "ما" إنّما ارتفاعُه على المبتدأ والخبرِ، والباء لا تقع في خبرِ المبتدأ، فلا يقال: "ما زيدٌ بقائمٍ"، وأنت تريد "قائمٌ"، كما لا تقول: "زيدٌ بقائم". وإنما يستعمل الباء من ينصب الخبر. وهو فاسدٌ، لأنّ الإعراب يفصِل بينهما.
وقوله: "لا يصحّ دخولُ الباء إلَّا على لغة أهل الحجاز لأنّك لا تقول: "زيدٌ بقائم""، يريد أنّ ما بعد "ما" التَّمِيميّةِ مبتدأ وخبرٌ، والباء لا تدخل في خبر المبتدأ. وهذا فيه إشارةٌ إلى مذهب الكوفيين. وليس بسديد، وذلك لأنّ الباء إن كان أصلُ دخولها على "لَيْسَ"، و"ما" محمولةً عليها لاشتراكهما في النفي، فلا فَرْقَ بين الحجازية والتميميّة في ذلك. وإن كانت دخلت في خبرِ "ما" بإزاء اللام في خبر "إنَّ"، فالتميميّةُ والحجازيّةُ في ذلك سَواءٌ. ويدلّ على ذلك مسألةُ الكتاب (٤)، وهو قولهم: "ما أنت بشيء إلَّا شيءٌ لا يُعْبَأ به" برَفْعِ "شيء" على البدل من موضع الباء لتعذُّرِ الخفض والنصبِ. وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة. وقالوا: "ليس زيدٌ أبوه بقائم"، فأدخلوا الباء في خبر المبتدأ، إذ كان في خبر النفي؛ أمّا إذا كان خبرُ المبتدأ موجبًا، لم يصحّ دخولُ هذه الباء عليه كما ذُكر. وقالوا: "ما كان زيدٌ بغلام، إلَّا غلامًا صالحًا"، أدخلوا الباء في خبرِ "كَانَ" هنا حيث كان في خبر المنفيّ، فاعرفه.
стр. 572
فصل ["لات "]
قال صاحب الكتاب: و"لا" التي يكسعونها بالتاء وهي المشبهة بـ "ليس" بعينها, ولكنهم أبوا إلا أن يكون المنصوب بها حيناً. قال الله تعالى: ﴿ولات حين مناص﴾ (١) أي: "ليس الحين حين مناص".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ "لا" تُشبَّه بـ "لَيْسَ"، وتعمل عملها، كما شُبّهت بها "ما" في لغةِ أهل الحجاز، فرفعوا بها الاسمَ، ونصبوا الخبر، فقالوا: "لا رجلٌ أفضل منك"، و"لا أحد خيرًا منك". وربّما أدخلوا في خبرها الباء تشبيهًا بـ "ما"، فقالوا: "لا رجل بأفضلَ منك"، و"لا أحدٌ بخيرٍ منك"، إلَّا أن "ما" أقعدُ من "لا" في الشَّبَه بـ "لَيْسَ"، ولذلك كانت أعمَّ تصرُّفًا وأكثر استعمالًا، والكثير في "لا" أن تنصب النكرة حملًا على "إنَّ". ولمّا جوّزوا فيها رفعَ الاسم، ونصبَ الخبر، لم يخرجوا عن حكمها في أقوى حالها، وهو نصبُ الاسم، ورفعُ الخبر، فلم يُفصَل بينها، وبين ما عملت فيه، ولم تعمل إلَّا في نكرة. فأمّا إذا لحِقها تاء التأنيث، وقيل: "لاَتَ"، فالقياسُ أن تكون المشبَّهة بـ "لَيْسَ"، لأنّها في معنى ما تدخله تاء التأنيث. وليست كذلك الناصبةُ, لأنّها في معنى "إنَّ". وليست "إنَّ" ممّا تدخله تاءُ التأنيث، ولأنّه وقع بعدها المرفوعُ من غير تكرير، فعُلم أنّها بمعنى "ليس"، إذ لو لم تكن بمعنى "ليس"، لزم تكريرُها.
وقوله: "يكسعونها"، أي: يُتْبعونها في آخِرِ الكلمة، يقال: كَسَعَهُ، أي: ضربه من خَلْفُ، وهذه استعارةٌ لزيادة التاءَ آخرًا, ولا تعمل هذه إلَّا في الأحيان خاصّةً سواءً نَصَبَتْ، أو رفعتْ. والعِلّةُ في ذلك أنها في المَرْتَبة الثالثة، فـ "لَيْسَ" أقوى, لأنّها الأصل، ثمّ "مَا"، ثمّ "لَاتَ". فأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (١)، فإنّه قد قُرىء: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بالرفع. والنصبُ أكثر، فالنصبُ على أنّه الخبرُ، والاسمُ محذوفٌ، والتقديرُ. ولات حينٌ نحنُ فيه حينَ مناص. ولا يقدَّر الاسم المحذوف إلَّا نكرةً؛ لأنّ "لا" إذا كانت رافعةً لا تعمل إلاّ في نكرة كما إذا كانت ناصبة، وقد تقدّم الكلام على ذلك في المرفوعات، فاعرفه.
стр. 573
ذكر المجرورات
فصل
قال صاحب الكتاب: "لا يكون الاسم مجروراً إلا بالإضافة, وهي المقتضية للجر، كما أن الفاعلية والمفعولية هما المقتضيان للرفع والنصب, والعامل هنا غير المقتضي كما ثم، وهو حرف الجر, أو معناه في نحو قولك: "مررت بزيد"، و"زيد في الدار"، و"غلام زيد"، و"خاتم فضة"".
* * *
قال الشارح: لمّا فرغ من الكلام على المرفوعات والمنصوبات، أخذ في الكلام على المجرورات: والجرُّ من عبارات البصريين، والخَفْضُ من عبارات الكوفيين. فالجرُّ إنما يكون بالإضافة، وليست الإضافةُ هي العاملة للجرّ، وإنّما هي المقتضيةُ له. والمعني بالمقتضِي ها هنا أنّ القياس يقتضي هذا النوعَ من الإعراب، لتقع المخالَفةُ بينه وبين إعرابِ الفاعل والمفعول، فيتميّزَ عنهما، إذ الإعرابُ إنّما وُضع للفرق بين المعاني. والعامل هو حرفُ الجرّ، أو تقديره، فحرفُ الجرّ نحو "مِنْ" و"إِلَى"، و"عَنْ"، و"عَلَى"، ونحوِها من حروف الإضافة، وستُذكَر في موضعها مفصَّلةً. وإنّما قيل لها: حروفُ الإضافة, لأنّها تُضيف معنى الفعل الذي هي صلتُه إلى الاسم المجرور بها. ومعنى إضافتها معنى الفعل إيصالُه إلى الاسم. فالإضافةُ معنى، وحروفُ الجرّ لفظٌ، وهي الأداةُ المُحصَّلةُ له، كما كانت الفاعليّةُ والمفعوليةُ معنيَين يستدعيان الرفعَ والنصبَ في الفاعل والمفعولِ، والفعل أداةٌ مُحصَّلةٌ لهما، فالمقتضِي غيرُ العامل.
والمراد من قوله: "فالعامل حرفُ الجرّ، أو معناه" أنّ الجرّ يكون بحرف الجرّ، أو تقديره. فحرفُ الجرّ، نحو: "مررتُ بزيدٍ"، و"زيدٌ في الدار". فالعامل في "زيد" هو الباءُ، والعامل في الدار "في"؛ وأمّا المقدَّرُ فنحوُ: "غلامُ زيدٍ"، و"خاتمُ فِضَّةٍ"، فالعامل هنا حرفُ الجرّ المقدَّرُ، والتأثيرُ له. وتقديرُه: غلامٌ لزيدٍ، وخاتمٌ من فضّةٍ، لا ينفكّ كلُّ إضافةٍ حقيقيّةٍ من تقديرِ أحد هذَيْن الحرفَيْن. ولولا تقديرُ وجودِ الحرف المذكور؛ لَمَا ساغ الجرُّ. ألا ترى أنّ كلّ واحد من المضاف والمضاف إليه اسمٌ ليس له أن يعمل في الآخر, لأنّه ليس عملُه في أحدهما بأَوْلى من العَكْس، وإنما الخفضُ في المضاف إليه بالحرف المقدَّر الذي هو اللامُ، أو "مِنْ". وحسُن حذفُه لنِيابةِ المضاف إليه عنه،
стр. 574
وصَيْرُورَتِه عِوَضًا عنه في اللفظ، وليس بمنزلته في العمل، ونظيرُ ذلك واوُ "رُبَّ" من قوله [من الرجز]:
وبَلْدَةٍ ليس لها أَنِيسُ (١)
ونحو قوله [من الرجز]:
٣٤١ - وَبَلَدٍ عامِيَةٍ أَعْمَاؤُهُ
ونحو قوله [من الرجز]:
٣٤٢ - وقاتم الأعماقِ خاوِي المُخْتَرَقْ
وتقديره: ورُبَّ كذا. فالخَفضُ في الحقيقة ليس بالواو، بل بتقديرِ "رُبَّ"، لأنّ الواو حرفُ عطفٍ، وحرفُ العطف لا يختص، وإنّما يدخل على كل واحد من الاسم والفعلِ. والعاملُ ينبغي أن يكون له اختصاصٌ بما يعمل فيه. وممّا يدلّ أنّ الواو للعطف، والجرَّ بـ "رُبَّ" المرادةِ أنّه قد أُنيب عنها غيرُ الواو من حروف العطف، نحو قوله [من الوافر]:
٣٤٣ - فَحُورٍ قد لَهَوْتُ بِهِنَّ عِينٍ ... نَواعِمَ في المُروط وفي الرَّياطَ
стр. 575
وقول الآخر [من الرجز]:
٣٤٤ - بَلْ جَوْزِ تَيْهاءَ كظَهْرِ الحَجَفَتْ
فكما أنّ الفاء و"بَلْ"، وإن كانتا بدلاً من "رُبَّ"، حرفا عطفٍ لا محالةَ؛ فكذلك الواوُ نائبةٌ في اللفظ عن "رُبَّ"، وإن لم يكن لها أثرٌ في العمل، فكذلك العاملُ في المضاف إليه حرفُ الجرّ المرادُ، لا معناه. وقوله: "أو معناه" تسامُحٌ, لأنّ المعاني لا تعمل جرًّا فاعرفه.
فصل [الإضافة المعنوية والإضافة اللفظية]
قال صاحب الكتاب: "وإضافة الاسم إلي الاسم على ضربين: معنوية ولفظية,
стр. 576
فالمعنوية ما أفاد تعريفاً ,كقولك:"دار عمرو"، أو تخصيصاً ,كقولك: "غلام رجل". ولا تخلو في الأمر العام من أن تكون بمعنى اللام ,كقولك: "مال زيد" و"أرضه", و"أبوه" و"ابنه" و"سيده" و"عبده"، أو بمعنى "من" ,كقولك: "خاتم فضة", و"سوار ذهب" و"باب ساج"".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ إضافة الاسم إلى الاسم إيصالُه إليه من غيرِ فَصْل، وجَعْلُ الثاني من تَمامِ الأوّل يتنزّل منه منزلةَ التنوين. وهذه الإضافةُ على ضربَيْن: إضافةُ لفظٍ ومعنًى، وإضافةُ لفظٍ فقط. فالإضافة اللفظيّة ستُذكَر بعدُ، وأمّا الإضافة المعنويّة؛ فأنْ تجمع في الاسم مع الإضافة اللفظيّةِ إضافةً معنويّةً. وذلك بأن يكون ثمَّ حرفُ إضافة مقدَّرٌ يوصِل معنى ما قبله إلى ما بعده. وهذه الإضافةُ هي التي تُفيد التعريفَ والتخصيص، وتُسمّى المَحْضَةَ، أي: الخالصةَ بكونِ المعنى فيها موافِقًا للّفظ. وإذا أضفتَه إلى معرفةٍ، تَعرَّف، وذلك نحو قولك: "غلامُ زيدٍ"، فـ "غلامٌ" نكرةٌ، ولمّا أضفتَه إلى "زيد" اكتسب منه تعريفًا، وصار معرفةً بالإضافة. وإذا أضفتَه إلى نكرةٍ، اكتسب تخصيصًا، وخرج بالإضافة عن إطلاقه, لأنّ "غلامًا" يكون أَعَمَّ من "غلامِ رجل"، ألا ترى أنّ كلَّ غلامِ رجل غلامٌ، وليس كلُّ غلامٍ غلامَ رجل؟
وهذه الإضافة المعنويّةُ تكون على معنى أحدِ حرفَيْن من حروف الجرّ، وهما اللامُ، و"مِنْ". فإذا كانت الإضافةُ بمعنى اللام، كان معناها المِلْكَ والاختصاصَ، وذلك قولُك: "مالُ زيدٍ"، و"أرضُه". أي: مالٌ له، وأرضٌ له، أي: يملِكُها، و"أَبُوه"، و"ابْنُه"، و"سَيَّدُه" والمراد: أبٌ له، وابنٌ له، وسيّدٌ له، أي: كلُّ واحد مستحقٌّ مختصٌّ بذلك، والغالبُ الاختصاص, لأنّ كل مِلْك اختصاصٌ، وإذا كانت الإضافة بمعنى "مِنْ"، كان معناها بيانَ النوع، نحو قولك: "هذا ثوبُ خَزّ، وخاتَمُ حديدٍ، وسِوارُ ذهبٍ"، أي: ثوبٌ من خزّ، وخاتمٌ من حديد، وسوارٌ من ذهب, لأنّ الخاتم قد يكون من الحديد وغيره، والثوب يكون من الخزّ وغيره، والسوار يكون من الذهب وغيره، فبيّن نوعَه بقوله: "من خزّ"، و"من حديد"، و"من ذهب".
والذي يُفصَل به بين هذا الضرب والذي قبلَه، أنّ المضاف إليه ها هنا كالجنس للمضاف، يصدُق عليه اسمُه. ألا ترى أنّ الباب من الساج ساجٌ، والثوبَ من الخزّ خزٌّ، كما أنّ الإنسان من الحَيَوان حيوانٌ، وليس غلامُ زيد بزيدٍ؟ فعلى هذا، إذا قلت: "عينُ زيد"، و"يَدُ عمرو"؛ كان مقدَّرًا باللام، والمعنى: عينٌ له، ويَدٌ له؛ لأنّه وإن كان الأوّل بعضًا للثاني؛ فإنّه لا يقع عليه اسمُ الثاني. فعينُ زيد ليست زيدًا، ويَدُ عمرو ليست عمرًا، فاعْرِفِ الفرقَ بينهما.
وقوله: "في الأمر العامّ"، يريد أنّ الغالب في الإضافة الحقيقيّة ما قدّمناه. وربّما
стр. 577
جاء منه شيءٌ على غيرِ هذَيْن الوجهَيْن. قالوا: "فلانٌ ثَبْتُ الغَدَرِ" بفتح الغين، والدال،
أي: ثابِتُ القَدَم في الحرب والكلام. يقال ذلك للرجل إذا كان لِسانُه يثبُت في موضع
الزَّلَل والخُصومةِ. قال ابن الِسكيت: يقال: "ما أَثْبَتَ غَدَرَهُ! " يعني الفَرَسَ، أي: ما أثبته
في الغدر! وهي الحِجارةُ واللَّخاقِيقُ، أي: خُروقُ الأرض وشُقوقُها. وعندي أنّ إضافةَ
اسم الفاعل إذا كان ماضيًا من ذلك، ليس مقدَّرًا بحرفِ جرّ، مع أنّ إضافته مَحْضَةٌ.
* * *
قال صاحب الكتاب: "واللفظية أن تضاف الصفة إلى مفعولها, كقولك: "هو ضارب زيد"، وراكب فرس، بمعنى ضارب زيداً وراكب فرساً؛ وإلى فاعلها كقولك زيد حسن الوجه ومعمور الدار، وهند جاثلة الوشاح، بمعنى حسن وجهه ومعمورة داره وجائل وشاحهها. ولا تفيد إلا تخفيفاً في اللفظ والمعنى كما هو قبل الإضافة. ولا ستواء الحالين وصف النكرة بهذه الصفة مضافة كما وصف بها مفصولة في قولك: "مررت برجل حسن الوجه, وبرجل ضارب أخيه"".
* * *
قال الشارح: الإضافة اللفظيّة أن تضيف اسمًا إلى اسم لفظًا، والمعنى على غير ذلك. ويقال لها: غيرُ مَحْضَةٍ، إنّما يُحصَّل ثَمَّ اتّصالٌ وإسنادٌ من جهة اللفظ لا غيرُ، وذلك ضربان:
أحدهما: اسمُ الفاعل إذا أضفتَه، وأنت تريد التنوينَ، وذلك قولُك: "هذا ضاربُ زيدٍ غدًا" إذا أردت الاستقبالَ، وكذلك الحالُ. وأصلُه التنوينُ، والنصبُ لِما بعده، نحو: "هذا ضاربٌ زيدًا"، وجائزٌ أن يكون في الحال وأن تُوقِعه فيما يُستقبل. ولك أن تحذِف التنوينَ لضرب من التخفيف، وتخفِضَ ما بعده، وأنت تريد معنى التنوين، كأنّك تُشبَّهه بالإضافة المحضةِ بحُكْمِ أنّه اسمٌ. والنصبُ به إنّما هو عارضٌ لشَبَهِ الفعل، فالاسمُ الأوّلُ نكرةٌ، وإن كان مضافًا إلى معرفةٍ؛ لأنّ المعنى على الانفصال بإرادة التنوين، ولذلك تقول: "هذا رجلٌ ضاربُ زيدٍ غدًا"، كما تقول: "هذا رجلٌ ضاربٌ زيدًا غدًا", لأنّ التنوين المقدَّرَ حُكْمًا كالموجود لفظًا, ولولا تقديرُ الانفصال؛ لَمَا جرى وصفًا على النكرة. قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (١)، والمعنى: ممطرٌ لنا، من قِبَل أنّه وصف به "عارضًا"، وهو نكرة، والنكرةُ لا تُنْعَت بالمعرفة، ومثلُه قول الشاعر [من الكامل]:
٣٤٥ - سَلّ الهُمُومَ بكُلّ مُعْطِي رَأْسِه ... نَاجٍ مُخالِطِ صُهْبةٍ مُتَعَيَّسِ
стр. 578
والتقدير: مُعْطٍ رأسَه, لأنّ "كُلاًّ" لا يقع بعدها الواحد إلَّا نكرة، لأنّها تقع على واحدٍ في معنى الجمع.
وقوله: "أن تُضاف الصفة إلى مفعولها"، يريد بالصفة اسم الفاعل، نحو: "ضاربٍ"، و"قاتلٍ"، وشِبْهِهما، فإنّه لا يضاف إلَّا إلى مفعوله, لأنّه غيرُه، ولذلك لا يضافَ إلى الفاعل, لأنّه هو في المعنى، والشيءُ لا يُضاف إلى نفسه، فلا يقال: "هذا ضاربُ زيدٍ عمرًا" على معنى "يضربُ عمرًا", لأنّ الضارب هو زيدٌ.
الثاني الصفة الجاري إعرابُها على ما قبلها، وهي في المعنى لِما أُضيفت إليه, وذلك نحو: "مررتُ برجلٍ حسن الوجهِ، ومعمورِ الدارِ، وامرأةٍ جائلةِ الوِشاحِ"، فالتقدير في هذه الأشياء كلّها الانفصال, لأنّ الأصل: حسنٍ وجهُه، ومعمورةٍ دارُه، وجائلٍ وِشاحُها. ترفع الوجهَ بقولك: "حَسَنٍ", لأنّ الحُسْن له في المعنى، وكذلك قولك: "مررتُ برجلٍ معمورِ الدارِ"، إذ المعنى: معمورةٍ دارُه، وامرأةٍ جائلةِ الوشاح، أي: جائلٍ وُشاحُها، فالعِمارةُ للدار، والجَوَلانُ للوشاح، والوِشاحُ: الإزارُ.
فإن قلت: إذا كان الحُسْنُ للوجه، والوجه هو الفاعلُ، فكيف جاز إضافتُه إليه، وقد زعمتم أنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه؟ فالجوابُ أنّك لم تصِفه إلَّا بعدَ أن نقلتَ الصفةَ عنه، وجعلتها للرجل دون الوجه في اللفظ، وصار فيه ضميرُ "الرجل"، فإذا قلت: "حَسَنُ الوجهِ"؛ كان الحُسْنُ شائعًا في جُمْلَته، كأنّه وصفه بأنّه حَسَن القامةِ بعد أن كان الحُسْنُ مقصورًا على الوجه دون سائره. فلمّا أُريد بيانُ موضعِ الحُسْن، أُضيف إليه بعد
стр. 579
أن صار أَجْنبيًّا، ألا تراك تنصبُه على التمييز، فتقول مررت بالرجل الحَسَنِ وَجْهًا، والتمييزُ فضلةٌ.
وقوله: "يضاف إلى فاعله" يريد أنّه فاعلٌ من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ، فإنّه من جهة اللفظ فضلةٌ؛ والذي يدل على ذلك قولُهم: "هذه امرأةٌ حسنةُ الوجهِ"، فتأنيثُهم الصفةَ إذ قد جرت على مؤنّثٍ دليلٌ على ما قلناه, لأنّ الفعل إنّما تلحَقُه علامةُ التأنيث إذا أُسْند إلى ضمير مؤنّثٍ، فتأنيثُ الصفة ها هنا دليلٌ على أنّها مُسْنَدةٌ إلى ضميرِ الموصوف المؤنّثِ. ولو كان على أصله قبل الإضافة، لوَجَبَ التذكيرُ، ولم يجز التأنيثُ, لأنّ "الوَجْهَ" مذكَّرٌ. وهذا القبيل من المضاف لا يتعرّف بالإضافة, لأنّ النيّة فيه الانفصالُ على ما بَيَّنَّا. ويدلّ على ذلك أنّك تصِف به النكرةَ، وإن أضفتَه إلى معرفةٍ، نحو قولك: "مررت برجلٍ حسنِ الوجهِ". فلولا تقديرُ الانفصال، وإرادةُ التنوين، لَمَا جاز أن تصف به النكرةَ. وهذا معنى قوله: "ولاستواء الحالَيْن وُصف النكرة بهذه الصفة مضافةً كما وُصفتْ بها مفصولةً"، يعني أنّ حالَيْها قبل الإضافة وبعدها، في التنكير وعدمِ التعريف سَواءٌ. فلذلك تقع صفةً للنكرة مفصولة ومضافةً، لاستوائها في كِلَا الحالَيْن، فتقول: "مررت برجلٍ حسنِ الوجهِ"، كما تقول: "مررت برجلٍ حسنٍ وجهُه". ويدلّ على التنكير جوازُ دخولِ الألف واللام عليه مع إضافته، فتقول: "مررت بالرجل الحسنِ الوجهِ". ولو كانت الإضافةُ صحيحةً، لَمَا جاز أن تجتمع الإضافةُ مع الألف واللام.
فصل [حكم الإضافة المعنوية]
قال صاحب الكتاب: "قضية الإضافة المعنوية ان يجرد لها المضاف من التعريف, وما تقبله الكوفيون من قولهم: "الثلاثة الأثواب" و"الخمسة الدراهم", فبمعزل عند أصحابنا عن القياس واستعمال الفصحاء. قال الفرزدق [من الكامل]:
٣٤٦ - [ما زال مُذ عقدت يداه إزاره] ... فسما وأدرك خمسة الأشبار
стр. 580
وقال ذو الرمة [من الطويل]:
٣٤٧ - [وهل يرجع التسليم أو يكشف العمي] ... ثلاث الأثافي والديار البلاقع"
* * *
قال الشارح: اعلم أنّك لا تضيف إلَّا نكرةً، نحو قولك: "غلامُ زيدٍ"، و"صاحبُ عمرو" لأنّ الإضافة يُبتغى بها التعريفُ، أو التخصيصُ, لأنّ المضاف يكتسي من المضاف إليه تعريفَه، إن كان معرفةً، وتخصيصًا إن كان نكرةً. فإذا قلت: "غلامُ زيد"، فالغلامُ كان نكرةً شاملًا كلَّ غلام، فلمّا أضفتَه إلى زيد، صار معرفةً، وخَصَّ واحدًا بعينه. فإذا قلت: "غلامُ رجل"، فإنّ المضاف إليه - وإن كان نكرةً - إلَّا أنّه حصل للمضاف بإضافته إليه نوعُ تخصيص، ألا ترى أنّه خرج عن شِياعه، ويُميَّز عن أن يكون غلامَ امرأة؟ فعلى هذا لا يجوز إضافةُ المعرفة مع بَقاءِ تعريفها فيها، فإذا أُريد إضافةُ المعرفة، سُلب تعريفُها عنها حتّى تصير شائعة في التقدير، كـ "رجلٍ" و"فرسٍ"، ثمّ تكتسي تعريفًا إضافيًّا غير التعريف الذي كان فيها. ولذلك لا يُجمَع بين الألف واللام والإضافة, لأنّ ما فيه الألفُ
стр. 581
واللام لا يكون إلاّ معرفةً، ولم يُمْكِن اعتقادُ التنكير مع وُجودهما. فأمّا "الخمسةُ الأثوابِ" و"الأربعةُ الغِلْمانِ"، فهو شيءٌ صار إلى جَوازه الكوفيون، فأمّا على أصل أصحابنا، فإذا قلت: "ثلاثةُ دراهمَ"، وأردتَ تعريفَ الأوّل منهما؛ عرّفتَ الثاني, لأنّ الأوّل يكون معرفةٌ بما أضفتَه إليه. ألا ترى أنّك تقول: "هذا غلامُ رجلٍ" فيكون نكرةً، فإذا أردتَ تعريفَه، قلت: "هذا غلامُ الرجل، وصاحبُ المال"؟ وكذلك "هذه ثلاثةُ الدراهمِ، وخمسةُ الأثوابِ"، فأمّا قول الشاعر [من الكامل]:
ما زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ ... فَسَمَا وأَدْرَكَ خمسةَ الأشْبارِ
فالبيت للفَرَزْدَق، وبعدَه:
يُدْنِي خَوافِقَ مِن خوافقَ تَلْتَقِي ... في ظِلِّ مُعْتَبَطِ الغُبارِ مُثارِ
والشاهد فيه تعريفُ الثاني بالألف واللام، والاكتفاءُ بذلك عن تعريف الأوّل. يمدَحُ بذلك يزيدَ بن المُهلَّب، أي: ما زال مُذ كان صغيرًا إلى أن مات يقود الجُيوشَ، ويحضُر الحُروب. وعَنَى بالخوافق الراياتِ. ومُعْتَبَطُ الغُبارِ: مكانُه، فكأنّه لم يُقاتَل فيه قبلُ، ولا أثار غيرُه غبارَه، من قولهم: "مات فلانٌ عَبْطَةٌ"، أي: شابًّا. وقوله: "مذ عقدت يداه إزارَه" إشارةٌ إلى حالِ الصّغَر، وأوائلِ العَقْل، وعَنَى بخمسة الأشبار القَبْرَ، أي: ما زال أميرًا مذ عَقَلَ إلى أن مات، وأمّا قول الآخر [من الطويل]:
وهَلْ يَرْجِعُ التَّسْلِيمَ أو يَكْشِفُ العَمَى ... ثلاثُ الأَثافِي والرُّسومُ البَلاقِعُ
البيت لذي الرُّمّة، والشاهدُ فيه تعريفُ "الأثافي" حين أراد تعريفَ ما أُضيف إليه،
وهو "الثلاثُ". ولم يحتج مع ذلك إلى الألف واللام. والأَثافِي للقِدْر أن توضَع ثلاثةُ
أحجارٍ، ثمّ يوضَع القدرُ عليها عند الاطّباخ. والبَلاقِع: جمعُ بَلْقَع، وهو الخَرابُ.
وأصله الأرضُ التي لا شيء فيها. والرُّسوم: جمعُ رَسْمٍ، وهو ما بقي من آثار الدّيار.
يقول: إِنّ الأثافي، ورسومَ الدار لا تردّ سلامًا, ولا تُنبَّىء عن خبرٍ إذا استُخبرت، وهو
معنى قوله: "أو يكشف العَمَى".
فأمّا ما تَعلَّق الكوفيون من إجازته، وتشبيهِه بـ "الحَسَن الوَجْهِ"؛ فليس بصحيح، لأنّ المضاف في "الحسن الوجهِ" صفةٌ، والمضافُ إليه يكون منصوبًا ومجرورًا. وإنّما ذلك شيءٌ رواه الكِسائيُّ، وقد روى أبو زيد، فيما حكى عنه أبو عمر الجَرْميُّ، أنّ قومًا من العرب يقولونه غيرَ فُصحاءَ، ولم يقولوا: "النصْفُ الدرهمِ"، ولا "الثُّلْثُ الدرهم" وامتناعُه من الاطّراد في أجزاء الدرهم يدلّ على ضُعْفه في القياس.
* * *
стр. 582
قال صاحب الكتاب: "وتقول في اللفظية مررت بزيد الحسن الوجه، وبهند الجائلة الوشاح، وهم الضاربا زيد. قال الله تعالى: ﴿والمقيمي الصلاة﴾ (١). ولا تقول الضارب زيد، لأنك لا تفيد فيه خفة بالإضافة كما أفدتها في المثنى والمجموع، وقد أجازه الفراء؛ وأما الضارب الرجل فمشبه بـ "الحسن الوجه"".
* * *
قال الشارح: وقد جاءت الألفُ واللام فيما إضافتُه لفظيّةٌ، قالوا: "مررتُ بزيدٍ الحسنِ الوجهِ، وهندٍ الجائلةِ الوِشاح"، وساغ ذلك من قِبَل أنَّ الإضافة لا تكسوهما تعريفًا من حيثُ كان النّيّةُ فيها الانفصال، إذ التنوينُ مرادٌ، والمضافُ إليه في نيّةِ المرفوع، إذ كان فاعلًا في المعنى. فلمّا كانت الإضافةُ لا تكسوهما تعريفًا, ولا تخصيصًا؛ لم يمتنع دخولُ الألف واللام إذا احتيج إلى التعريف، كما لا يمتنع دخولُهما على النكرة غيرِ المضافة.
وقالوا: "هذان الضاربا زيدٍ، والضاربو زيدٍ" قال الله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ (٢)، لمّا كانت الإضافةُ منفصلةً، والنيّةُ ثُبوتَ النون والنصبَ؛ لم يتعرّف بما أُضيف إليه، وكان سِيّانِ إضافتَه وإثباتَ النون، وفَصْلَه ممّا بعده من حيثُ التنكيرُ. فلمّا لم يقع التعريفُ بالإضافة كما يقع في "غلامِ زيدٍ"، وأُريد تعريفُه؛ أدخلوا ما يقع به التعريفُ من الألف واللام. وأفادت الإضافةُ ههنا ضربًا من التخفيف بحذفِ التنوين والنون في "هذا ضاربُ زيدٍ غدًا"، و"الضارِبا زيدٍ"، و"الضارِبو زيدٍ"؛ فأمّا "الضاربُ زيدٍ" فإنّه لا يجوز, لأنّ الألف واللام إذا لحِقتِ اسمَ الفاعل؛ كانت بمعنَى "الَّذِي"، وكان اسمُ الفاعل في حكم الفعل من حيثُ هو صلةٌ له، فيلزمُ إعمالُه فيما بعده، ولا فَرْقَ بين الماضي في ذلكَ وغيره، إذ كان التقديرُ، في "الضارب": الَّذِي ضَرَبَ، فلذلك عمِل عَمَلَه.
وإنّما جازت الإضافةُ في قولك: "هما الضاربا زيدٍ"، والضاربو زيدٍ" لما يحصُل بالإضافة من التخفيف بحذفِ النون؛ فأمّا إذا قلت: "الضاربُ زيدٍ"، فهو تغييرٌ له عن مقتضاه من الإعمال من غيرِ فائدة, لأنّه لم يحصُل بالإضافة تخفيفٌ، لأنّه لم يكن فيه تنوينٌ ولا نونٌ، فيسقُطا بالإضافة.
فأمّا الفرّاءُ، فإنّه أجاز ذلك نَظَرًا إلى الاسميّة، وأنّ الإضافة لفظيّةٌ لم يحصل بها تعريفٌ، فيكونَ مانعًا من الإضافة. والقياسُ ما ذكرناه.
فأمّا قولهم: "الضاربُ الرجلِ"، فإنّما ساغت إضافتُه، وإن لم تستفِد بالإضافة تعريفًا ولا خِفَّةً؛ أمّا التعريف، فلأنّ إضافته لفظيّةٌ لا تكسِب المضافَ تعريفًا؛ وأمّا
стр. 583
الخفّة، فلم يكن فيه تنوينٌ، ولا نونٌ، فيسقُطا بالإضافة. فقضيّة الدليل أن لا تصحّ إضافتُه، كما لا تقول: "الضاربُ زيد". وذلك من قِبَل أنّه محمولٌ على "الحَسَنِ الوجه"، ومشبَّهٌ به من جهةِ أنّ "الضارب" صفةٌ، كما أنّ "الحسن" صفةٌ، وما بعده يكون مجرورًا أو منصوبًا، فتقول: "هذا ضاربٌ زيدًا، وضاربُ زيدٍ"، كما تقول: "مررتُ برجلٍ حسنٍ وَجْهًا، وحسنِ الوجهِ". فلمّا أشبهَه، جاز إدخالُ الألف واللام عليه مع أنّه مضافٌ، إذا أُريد تعريفُه، كما كان كذلك في "الحسن الوجهِ"، وإن لم يكن مثلَه من كلِّ وجه. ألا ترى أنّ المضاف إليه في "الضارب زيدٍ" مفعول منصوبٌ في المعنى، والمضاف إليه في "الحسن الوجه" فاعلٌ مرفوعٌ؟
* * *
[الإضافة إلي الضمير]
قال صاحب الكتاب: "وإذا كان المضاف إليه ضميراً متصلاً, جاء ما فيه تنوين أو نون وما عدم واحداً منهما شرعاً في صحة الإضافة, لأنهم لما رفضوا يوجد فيه التنوين أو النون أن يجمعوا بينه وبين الضمير المتصل جعلوا ما لا يوجد فيه له تبعاً فقالوا: "الضاربك" و"الضارباتك", و"الضاربي" ,"الضارباني، كما قالوا "ضارباك" و"الضارباك" و"الضاربوك" و"الضاربي", قال عبد الرحمن بن حسان [من الخفيف]:
٣٤٨ - أيها الشاتمي لتحسب مثلي ... إنما أنت في الضلال تهيم
стр. 584
وقوله [من الطويل]:
٣٤٩ - هم الآمرون الخير والفاعلونه ... [إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما]
مما لا يعمل عليه".
* * *
قال الشارح: قد فُرق بين إضافةِ اسم الفاعل إلى الظاهر وبين إضافته إلى المضمر، فإضافتُه إلى المضمر تقع كالضرورة. وذلك أنّ ما فيه تنوينٌ، أو نونٌ يلزم إضافتُه، لأنّه لا سبيل إلى النصب؛ لأنّ النصب يكون بثُبوتِ التنوين، أو النونِ، نحوَ قولك: "ضاربٌ زيدًا"، و"ضاربان زيدًا"، ومع المضمر لا يثبُت التنوينُ ولا النونُ, لأنّ بينهما معاقَبةً، فلا يجتمِع التنوينُ، أو النونُ مع المضمر، فلمّا لم يجتمعا معه؛ أُضيف اسمُ الفاعل إلى المضمر، ثمّ حُمل ما لم يكن فيه تنوينٌ أو نونٌ في الإضافة على ما هما فيه، ليكون البابُ على مِنهاج واحد، ولا يختلِف.
وقوله: "جاء ما فيه تنوينٌ أو نونٌ، وما عَدِمَ واحدًا منهما شَرْعًا في صحّةِ الإضافة"، أي: صار ما فيه تنوينٌ أو نونٌ، وما ليس فيه واحدٌ منهما، يعني التنوينَ والنونَ.
وقوله: "شَرْعًا"، أي: سَواءً. يقال: "القومُ في هذا الأمر شَرْعٌ سَواءٌ"، يُحرَّك، ويُسكَّن، ويستوِي فيه الواحدُ والتثنيةُ والجمعُ، والمذكَّرُ والمؤنَّثُ. والمراد أنّه يَتساوَى ما فيه تنوين أو نونٌ، وما ليس فيه واحدٌ منهما في صحةِ الإضافة، وذلك نحو:
стр. 585
"الضاربُك"، و"الضارباتُك"، أضفتَ "الضاربَ"، و"الضارباتِ" إلى ضمير المخاطَب، وليس فيهما تنوينٌ ولا نونٌ. وكذلك تقول: "الضارِبِي"، و"الضارباتِي"، فتُضيفهما إلى ضمَير النفس كما أضفتَ ما فيه تنوينٌ أو نونٌ، نحو قولك: "ضاربُك"، و"الضارِباك"، و"الضارِبوك"، و"الضارِبَيَّ". فحُذف من "ضاربُك" التنوينُ, لأنّه قبل الإضافة "ضاربٌ" منوَّنٌ، و"الضارباك" تثنيةٌ، و"الضاربوك" جمعٌ، وقد حُذف منهما النونُ للإضافة. و"الضارِبَيَّ" تثنيةٌ، وأصلُه "ضارِبَيْن" حُذفتْ نونه للإضافة، ثمّ ادّغمت ياءُ التثنية في ياءُ النفس. ولو كان مرفوعًا، لقيل: "ضاربايَ" بالألف.
و"الضارِبِيَّ": جمعٌ. وأصلُه: الضاربون، فلمّا أُضيف إلى ياء النفس حُذفت النون للإضافة، فاجتمعت الواوُ والياءُ، وسبق الأوّلُ منهما بالسكون، فقُلبت الواو ياءً، وادُّغمت الياءُ المنقلِبةُ في ياء الإضافة على حدّ "طَوَيْتُه طَيًّا"، و"شَوَيْتُه شَيًّا". وكذلك تقول في الجرّ والنصبِ، نحوَ: "مررت بالضارِبِيَّ"، و"رأيت الضارِبِيَّ"، وأصلُه "الضارِبينَ" سقطت النونُ لَلإضافة، وادّغمت الياء في الياء.
فحاصلُ كلامه أنّه لا يتّصِل باسم الفاعل ضميرٌ إلَّا مجرورٌ، ولا أعرِفُ هذا المذهبَ. وقيل: إنّه رأيَ لسيبويه، وقد حكاه الرُّمّانيُّ في "شرحِ الأصول"، والمشهورُ من مذهبه ما حكاه السِّيرافيُّ في الشرح أنّ سيبويه يعتبِر المضمرَ بالمظهَر في هذا الباب، فيقول: الكافُ في "ضاربوك" في موضعِ مجرور، لا غيرُ. لأنّك تقول: "ضاربو زيدٍ" بالخفض، لا غيرُ، والكافُ في "الضارباك"، "والضاربوك" يجوز أن تكون في موضع جرّ، وهو الاختيارُ، وأن تكون في موضع نصب، لأنّك قد تقول: "الضاربو زيدًا" على مَنْ قال: "الحافِظو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ" (١) بالنَصب، وهو الاختيارُ. وإذا قلت: "الضاربُك" كانت في موضعِ نصب لا غيرُ، لأنّك لو وضعتَ مكانَه ظاهرًا، لم يكن إلَّا نصبًا، نحو: "الضاربُ زيدًا".
وكان أبو الحسن الأخفش، فيما حكاه أبو عثمان الزِّياديّ، يجعل المضمرَ، إذا اتّصل باسم الفاعل، في موضع نصب على كلِّ حال، ويقول: إنّ اتّصالَ الكناية قد عاقبتِ النونَ والتنوينَ، فلا تقول: "ضارِبُنْكَ" بالتنوين، ولا "هما ضاربانك"، ولا "هم ضارِبُونَك"، كما تقول: "هو ضاربٌ زيدًا"، و"هما ضاربان زيدًا"، و"هم ضاربون زيدًا". فلمّا امتنع التنوينُ، والنونُ لاتّصالِ الكناية، صار بمنزلةِ ما لا ينصرف. وهو يعمل من غيرِ تنوين، نحوَ قولك للنساء: "هنّ ضَوارِبُ زيدًا". والجامعُ بينهما أنّ التنوين من
стр. 586
"ضوراب" حُذف لمَنْعِ الصرف، لا للإضافة، وحُذف من "ضاربُك" لاتّصالِ الكناية، لا للإضافة. فهذان المذهبان.
فأمّا ما ذكره صاحبُ الكتاب، فمذهبٌ ثالثٌ لا أعرِفُه، وإنّما لزم حذفُ التنوين والنونِ مع علامةِ المضمر المتّصِل, لأنّ علامةَ المضمر غيرُ منفصِلة من الاسم الذي اتّصلت به، ولا يُتكلّم بها وحدَها، وهي زائدةٌ، ومحلُّها آخِرُ الكلمة، كما أنّ النون والتنوين كذلك. فلمّا كان بينهما هذه المُقارَبةُ، تَعاقَبا، فلم يُجمَع بينهما لذلك.
فأمّا البيت الذي أنشده وهو [من الخفيف]:
أَيُّهَا الشاتِمِي ... إلخ
البيت لعبد الرَّحمن بن حَسّان، أنشده شاهدًا على ما ادَّعاه، وزعم أنّ الياء في موضعِ جرّ، والصوابُ أنها في موضعِ نصب، وذلك على رأى سيبويه، وأبي الحسن جميعًا، فأمّا قوله [من الطويل]:
هُمُ الآمِرون الخَيْرَ والفاعِلونه ... إذا ما خَشَوْا من مُحْدَثِ الأمر مُعْظِمَا
فإنّه أنشده سيبويه، وزعم أنّه مصنوعٌ (١)، وموضعُ الشاهد الجمعُ بين النون والضمير في قوله: "الفاعلونه". وحكمُ المضمر أن يُعاقِب النونَ والتنوينَ, لأنّه بمنزلتهما في الاتّصال والضُعْفِ، ومثلُه قول الآخر [من الطويل]:
٣٥٠ - ولم يَرْتَفِقْ والناسُ مُحْتَضِرُونَهُ ... جَمِيعًا وأَيْدِي المُعْتَفينَ رَواهِقُهْ
стр. 587
أنشده سيبويه (١)، والشاهدُ فيه أيضًا الجمعُ بين النون والمضمرِ. والوجه: الفاعلوه، ومحتضروه. يصفُه بالبَذْل والعَطاء. يقول غَشِيَه المعتفون - وهم السائلون - واحتضره الناسُ للعَطاء، وجلس لهم جُلوسَ مبتذِلٍ غيرِ متودِّع.
فسيبويه يجعل الهاءَ في "الفاعلونه"، و"محتضرونه" كنايةً، ويزعمُ أنّ ذلك من ضرورة الشعر. وكان أبو العبّاس المبرَّدُ يذهَب إلى أنّها هاءُ السَّكْت، وكان حقُّها أن تسقُط في الوصل، فاضطُّرّ الشاعر، فأجراها في الوصل مُجْراها في الوقف، وحرّكها؛ لأنّها لمّا ثبتت في الوصل، أشبهت هاءَ الإضمار، نحوَ: "غُلامه". وكِلاهما ضعيفٌ، والأوّلُ أمثلُ, لأنّ فيه ضرورةً واحدةً. وفي هذا ضرورتان، فاعرفه.
فصل [إضافة الأسماء المبهمة]
قال صاحب الكتاب: "وكل اسم معرفة يتعرف به ما أضيف إليه إضافة معنوية، إلا أسماء توغلت في إبهامها, فهي نكرات, وإن أضيفت إلى المعارف. وهي نحو: "غير", و"مثل" و"شبه". ولذلك وصفت بها النكرات, فقيل: "مررت برجل غيرك, ومثلك, وشبهك". ودخل عليها "رُبَّ". قال [من الكامل]:
٣٥١ - يا رُبَّ مثلك في النِّساء غريرةٍ ... [بيضاء قد متعتها بطلاقِ]
стр. 588
اللهم إلا إذا شهر المضاف بمغايرة المضاف إليه, كقوله تعالي: ﴿غير المغضوب عليهم﴾ (١)، أو بمماثلته".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إِنّ المضاف يكتسِي من المضاف إليه تعريفَه، إن كان معرفةً, إذا كانت الإضافةُ محضة، نحوَ: "غلامُ زيدٍ"، و"مالُ عمرِو"، وقد جاءت أسماءٌ أُضيفت إلى المعارف، ولم تتعرّف بذلك للإبهام الذي فيها، وأنّها لا تختصّ واحدًا بعينه، وذلك "غَيْرٌ"، و"مِثْلٌ"، و"شِبهٌ". فهذه نكراتٌ، وإن كنّ مضافاتٍ إلى معرفةٍ. وإنّما نَكَّرَهنّ مَعانيهنّ، وذلك لأنّ هذه الأسماء، لمّا لم تنحصِر مغايرَتُها ومماثَلتُها؛ لم تتعرّف. ألا ترى أنّ كلَّ مَن عَداه فهو "غيرٌ"؟ وجهةُ المماثلة والمشابهةِ غيرُ منحصِرة، فإذا قلت: "مِثْلُك"، جاز أن يكون مثلَك في طُولك، وفي لَوْنك، وفي عِلْمك. ولن يُحاطَ بالأشياء التي يكون بها الشيءُ مثلَ الشيء. فلذلك من الإبهام كانت نكراتٍ. فلذلك هذه الأشياءُ كانت مضافات بمعنَى اسم الفاعل في موضعِ "مُغاير"، و"مُماثِل"، و"مُشابِه". كأنّ المماثلة في قولك: "مررت برجلٍ مثْلَكَ" موجودةٌ في وقتِ مُرورك به، فهو للحال، فكان نكرةً كاسم الفاعل إذا أضيف، وهو للحال. ويدل على تنكيره أنّك تصفُ به النكرةَ، فتقول: "مررت برجلٍ غيرِك". فأمّا قوله [من الكامل]:
يا رُبَّ مِثْلِكِ في النِّساء غَرِيرَةٍ ... بَيْضاءَ قد مَتَّعْتُهَا بطلاقِ
فالبيت لأبي مِحْجَن الثَّقَفيّ، أنشده سيبويه (٢). والشاهدُ دخولُ "رُبَّ" على "مثلك". و"رُبَّ" لا تدخل إلَّا على نكرة. وغريرةٌ أي: مُغتَرّةٌ بِلينِ العَيْش، غافلةٌ عن صُروفِ الدَّهْر. ومتّعتُها بطَلاقٍ، أي: أعطيتُها شيئًا تستمتِع به عند طلاقها، كأنّه يُهدِّد زوجتَه بذلك.
تقول: "مررت برجلٍ مثلك"، أي: صورتُه مشبَّهةً بصورتك، و"مررت برجلٍ غيرِك"، أي: ليس بك، وإنّه لم يمُرّ باثنَيْن، ألا ترى أنّه إذا قال: "مررت بغيرك" بإسقاط المنعوت، جاز أن يكون مرّ بأكثرَ من واحد، فإذا قال: "مررت برجل غيرك"، عُلم أنّه مرّ بواحد لا أكثرَ من ذلك؟
стр. 589
وقد يكون لهذه الأشياءُ مَعارفَ إذا شُهر المضاف بمُغايرة المضاف إليه، أو بمُماثَلته، فيكون اللفظُ بحالِه، والتقديرُ: مختلِفٌ. فإذا قال القائلُ: "مررت برجلٍ مثلِك، أو شِبْهِك" وأراد النكرةَ، فمعناه: بمُشابِهك، أو مُماثِلك في ضربٍ من ضروب المماثَلة والمشابَهةِ. وهي كثيرةٌ غيرُ محصورة. وإذا أراد المعرفةَ، قال: "مررتُ بعبد الله مثلِك"، فكان معناه: المعروف بشَبَهك، أي: الغالب عليه ذلك.
ونحوه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (١) لأنّ المراد بالذين أنعمت عليهم المؤمنون، والمغضوبُ عليهم الكُفّارُ، فهما مختلفان، ونحوُه: "مررت بالمتحرِّك غيرِ الساكن، والقائِم غيرِ القاعد".
وأمّا "شَبِيهُكَ" فمعرفةٌ بما أُضيف إليه، وذلك لأنّه علي بناء فَعِيلٍ. و"فَعِيلٌ" بناءٌ موضوعٌ للمبالغة، فكأنّك قلت: "بالرجل الذي يُشْبِهك من جميعِ الجهات".
فصل [نوعا الإضافة المفتوحة]
قال صاحب الكتاب: "والأسماء المضافة إضافة معنوية على ضربين: لازمة للإضافة, وغير لازمة لها, فاللازمة على ضربين: ظروفٌ وغير ظروف, فالظروف نحو "فوق", و"تحت" و"أمام" و"قدام" و"خلف", و"وراء", و"تلقاء", و"تجاه" و"حذاء",و"حذة", و"عند" و"لدن" و"لدى" و"بين" و"وسط", و"سوى", و"مع", و"دون"".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أنّ الإضافة على ضربَيْن: لفظيّةٌ ومعنويّةٌ، فالمعنويّةٌ ما كان اللفظُ على الإضافة، والمعنى كذلك، نحو: "غلامُ زيد"، و"ثوبُ خَزّ"، واللفظيّةُ ما كان اللفظُ على الإضافة، والمعنى بخلافها، نحو "ضاربُ زيد غدًا"، فهذه إضافةٌ لفظيّةٌ لا غيرُ, لأنّ المعنى: "ضاربٌ زيدًا غدًا"، فما كان من الإضافة كذلك، فإنّها لا تقع لازمةً ألبتّةَ، لأنّها إنّما تضاف لضربٍ من التخفيف، والنيّةُ غيرُ الإضافة.
وما كان منها معنويًّا، فهو على ضربَيْن: يكون لازمًا، وغيرَ لازمٍ، وذلك أنّ من الأسماء ما يلزم الإضافةَ، ويغلِب عليها, ولا يكاد يُستعمل مُفرَدًا وذلك ظروفٌ وغير ظروف، فمن الظروف الجِهاتُ الستُّ، وهي "فَوْقَ"، و"تَحْتَ"، و"أَمَامَ"، و"قُدّامَ"، و"خَلْفَ"، و"وراءَ"، و"تِلْقاءَ"، و"تِجاهَ"، و"حِذاءَ"، و"حِذةَ". فهذه الظروفُ تلزم الإضافةَ، وإنّما لزمت الإضافةُ هذه الأشياءَ, لأنّها أُمورٌ نِسْبيّةٌ، فإنّ "فَوْقًا" يكون بالنسْبة إلى شيءٍ فَوْقًا، و"تحتًا" بالنسبة إلى شيءٍ آخرَ، وكذلك "أَمام" وسائرُها، فلزمتها الإضافة للتعريف وتحقيقِ الجهة.
стр. 590
وقال أبو العبّاس المبرّدُ: إنّما لزمت هذه الظروفُ الإضافةَ لعدمِ إفادتها مفردةً، ألا ترى أنّك إذا قلت: "جلستُ خلفًا"، فالمخاطبُ يعلم أنّ كلَّ مكان لا بدّ أن يكون خلفًا لشيء، فإذا أضفتَه، عُرف، وحصل منه فائدةٌ.
وقال الكوفيون إنّما لزمَتِ الإضافةَ لأنّها تكون أخبارًا عن الاسم، كما يكون الفعلُ خبرًا عن الاسم إذا قلت: "زيدٌ يذهَب، ويركَب"، فلمّا كان الفعلُ يحتاج إلى فاعلٍ، وقد يتّصِل به أشياءُ يقتضيها من المصدر، والمكانِ، والزمانِ، والمفعول، ألزموا الظرفَ الإضافةَ، ليسُدّ المضافُ إليه مَسَدَّ ما يطلُبه الفعلُ، ويدلّ عليه.
فإذا أُفردت، وقيل: "قام زيدٌ خَلْفًا"، و"ذهب عمرٌو قُدّاما"، فهو عند البصريين نصبٌ على الظرف، كما يكون مضافًا، نحوَ "قام قُدّامَك" و"ذهب خَلْفَك"، إلَّا أنّه مبهمٌ منكورٌ، كأنّك قلت: "قام خَلْفَ غيرِه"، و"ذهب قدّامَ شيءٍ". ومنع الكوفيون من ذلك، وقالوا لا تكون ظروفًا إلَّا مضافةً، وإذا أُفردت، صارت أسماءً، وكانت في تقديرِ الحال، كأنّه قال: "قام متأخَّرًا وذهب متقدمًا". وفائدة الخلاف تظهر في الخبر، فعند البصريين تقول: "زيدٌ خَلْفًا، وعمرو قدامًا"، فيكون خبرًا، كما يكون مضافًا. والكوفيون يرفعون، ويقولون: زيدٌ خَلْفٌ، أي: متأخر، وقُدّامٌ أي متقدِّمٌ. ويكون الخبرُ مفردًا هو الأوّلَ كما تقول: "زيدٌ قائمٌ".
ومن ذلك "عِنْدَ" و"لَدُنْ" و"لَدَى"، وهي ظروفٌ، معناها القُرْبُ والحَضْرَةُ، ولذلك لزمتِ الإضافةَ للبَيان، إذ كانت مبهمةً، لأنّها لا تختصّ مكانًا معيَّنًا, لأنّ القرب والمُجاوَرَة أمرٌ إضافيٌّ، إذ الشيءُ يكون قريبًا من شخصٍ، بعيدًا من آخرَ. وهي لابتداءِ الغاية في الزمان والمكان، وذلك قولك: "من لَدُنْ صَلاة العَصْر إلى وقتِ كذا". و"من لدن الحائط إلى مكانِ كذا" فهي مشترِكةٌ في البابَيْن، وليست كـ "مُنْذُ" الذي هو ابتداءُ غايةِ الزمان، ولا كـ "مِنْ" الذي هو ابتداءُ غايةِ المكان.
وفي "عند" لغتان: "عَنْدَ"، و"عِنْدَ"، بفتح العين، وكسرها، و"لَدُنْ" في معنى "عند"، إلاّ أنّ "عند" معربةٌ، و"لدن" مبنيّةٌ. وفي "لدن" ثَماني لغاتٍ، يقال: "لَدُنْ" و"لَدَى"، و"لَدَنْ" و"لَدُ" بفتح الفاء وضمِّ العين، و"لُدُ" بضمّهما، و"لَدْنِ" بفتح الفاء وسكونِ العين وكسرِ النون، و"لَدْنَ" بفتح النون، و"لَدْ" بفتح الفاء وسكون العين.
فأمّا "لَدُنْ" بفتح الفاء، وضمّ العين؛ فهو الأصلُ، لكثرته ووُرودِ التنزيلِ به، ومن قال: "لَدَنْ"، فوَجْهُه أنّه أَسكن العينَ في "لَدُنْ"، كما أسكنها في "عَضُدٍ" و"عَجُزٍ"، فالتقى بعد الحذف ساكنان: الدالُ والنونُ، فحُرّك الأوّل بالفتح كما حُرّك الأوّل منهما بالفتح، في قولهم: "اضْرِبَنْ"، إذا دخلت النونُ الخفيفةُ في "اضْرِبْ".
وأمّا "لَدَى"، فلغةٌ قائمةٌ بنفسها ليست من لفظِ "لَدُنْ"، والقياسُ في ألفها أن لا
стр. 591
تكون أصلاً. فأمّا انقلابها مع المضمر ياء؛ فعلى التشبيه بألفِ "عَلَى" و"إِلَى" على ما سيُوضَح أمره إن شاء الله تعالى. وأمّا "لَدُ" بالضمّ؛ فمحذوفةٌ من "لَدُنْ". قال الراجز:
٣٥٢ - يَسْتَوعِبُ البَوْعَيْن مِن جَرِيره ... مِن لَدُ لَحْيَيْهِ إلى حُنْجُوره
والذي يدلّ أنّها منتقِصةٌ منها أنّها لو كانت أصلاً على حِيالها, ولم تكن مخفَّفةً من "لَدُنْ"، لكانت ساكنةً على أصل البناء، ومثلُه قولهم: "رُبَ"، و"رُبَّ" مخفَّفةً، ومشدَّدةً، أبقوا حركتَها بعد الحذف، ليكون ذلك دلالةً على أنّها منتقصةٌ من غيرها, وليست أصلاً قائمًا بنفسه.
ومن قال "لُدُ" بضمّ الفاء، والعين فإنّه أتبع الضمَّ الضمَّ بعد حذفِ اللام.
ومن قال "لَدْنِ" بفتح الفاء، وسكون العين، وكسر النون؛ فإنّه كسر النونَ لالتقاء الساكنَيْن بعد حذفِ حركةِ العين، وذلك على أصلِ التقاء الساكنَيْن. ومَن فتح النونَ؛ فهو لالتقاء الساكنَيْن، وقَصْدِ التخفيف، كـ "أَيْنَ" و"كَيْفَ".
وأمّا من قال: "لَدْ" بسكون الدال، وفتح الفاء، فإنّه بناءٌ على السكون بعد الحذف، جعلها قائمةً بنفسها.
فإن قيل: ولِمَ بُنيتْ "لَدُنْ"، ولم تكن معربةً كـ "عِنْدَ"؟ قيل: لمّا لم يتجاوزوا بـ "لَدُنْ" حَضْرَةَ الشيء، والقُرْبَ منه، ولم يتصرّفوا فيه بأكثرَ من ذلك، جرتْ مجرَى الحرف الموضوع بإزاءِ معنى، لا يتجاوزُه، فبُنيت لذلك كبِنائه. وأمّا "عِنْدَ" فتَوسّعوا
стр. 592
فيها، وأوقعوها على ما بحضرتك، وما يبعُد، وإن كان أصلُها الحاضرَ، فقالوا: "عندي مالٌ"، وإن كان غائبًا في بَلَدٍ آخرَ. فلمّا دخلها من التمكُّن والتصرُّفِ ما ذكرناه، فارَقَتِ الحروفَ، فأعربت لذلك.
ومن الظروف "بَيْنَ"، و"وَسْطَ" و"سِوَى" و"مَعَ" و"دُونَ"، كلُّها تلزمها الإضافةُ.
فأمّا "بَيْنَ" فهو ظرفٌ من ظروفِ الأمكنةِ بمعنَى "وَسْطَ"، ولذلك يقع خبرًا عن الجُثَّة، نحو قولك: "الدارُ بينَ زيدٍ وعمرٍو"، و"المالُ بين القوم". وهي تُوجِب الاشتراكَ من حيثُ كان معناها "وَسْطَ"، والشركةُ لا تكون من واحد، وإنّما تكون بين اثنين فصاعدًا، نحوَ: "المالُ بين الزيدَيْن"، و"الدارُ بين القوم". فإن أضفتها إلى واحد، وعطفتَ عليه بالواو جاز نحوَ "المالُ بين زيد وعمرو", لأنّ الواو لا تُوجِب ترتيبًا, ولو أتيتَ بالفاء، فقلت: "المالُ بين زيد فعمرٍو"، لم يحسُن, لأنّ الفاء توجب الترتيبَ، وفَصْلَ الثاني من الأوّل. فأمّا قول امرىء القيس [من الطويل]:
٣٥٣ - [قفا نَبكِ من ذكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ ... بِسَقْطِ اللِّوى] بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
стр. 593
فقد عابه الأصمعيُّ، ورواه بالواو. وحُجَّةُ مَن رواه بالفاء أنّ "الدَّخُول"، و"حَوْمَلَ" موضعان يشتمِل كلُّ واحد منهما على أماكِنَ كالشَام والعِراق. فلو قلت: "عبدُ الله بين الدخول" تريد: بين مواضعِ الدخول لَتَمَّ الكلامُ وصَلَحَ، كما تقول: "سِرْنا بين الشام"، والمراد بين مواضع الشام، فعلى هذا قال: "بين الدخول"، أي: بين مواضع الدخول، ثمّ عطف بالفاء فقال: "فَحَوْمَلِ".
وأمّا "وَسْطَ"، فيكون اسمًا وظرفًا. فإذا أردتَ الظرفَ أسكنتَ السينَ، وإذا أردتَ الاسمَ، فتحتَ، فتقول: "وَسْطَ رأسِك دُهْنٌ"، إذا أخبرت أنّه استقرّ في ذلك الموضع؛ أسكنتَ السين، ونصبتَ، لأنّه ظرفٌ، وتقول: "وَسَطُ رأسِك صُلْبٌ" فتحتَ السين ورفعت, لأنّه اسمٌ غيرُ ظرف، وتقول: "حفرتُ وسْطَ الدار بئْرًا" بسكونِ السين، كأنّ البئر في بعضِ الوَسَط. وتقول: "ضربتُ وَسَطَهُ" لأنّه مفعولٌ به.
وأمّا "سِوَى"، و"سَوَاء" مقصورًا وممدودًا، فبمعنى واحدٍ. وذلك أنّك إذا قلت: "عندي رجلٌ سِوَى زيدٍ"، فمعناه: "عندي رجلٌ مكانَ زيد"، أي: يسُدّ مَسَدَّهُ، ولزم الإضافةَ, لأنّ معناه معنَى "غَيْرٍ"، وقد تقدّم الكلام عليهما.
وأمّا "مَعَ"، فهو ظرفٌ من ظروفِ الأمكِنة، ومعناه المُصاحَبةُ. والذي يدلّ على أنّه اسمٌ أنّه إذا أُفرد نُوّن، فيقال: "جاءَا مَعًا". و"أَقْبَلَا مَعًا"، وربّما أدخلوا عليه حرفَ الجرّ، قالوا: "جئتُ مِن مَعِهِ"، أي: من عِنْدِهِ. ولو كان أداةً، لكانت ساكنةَ الآخِر على حدِّ "هَلْ"، و"قَدْ"، و"بَلْ"، إذ لا عِلَّةَ تُوجِب الفتح، وربّما ذُهب بها مذهبَ الحرف، فسُكّن آخِرُها. قال الشاعر [من الوافر]:
٣٥٤ - فَرِيشِي مِنْكُمُ وهَوايَ مَعْكُمْ ... وإن كانت زِيارَتُكُمْ لِمامَا
стр. 594
لمّا اعتقد فيها الحرفيّة سكّنها. والقياسُ فيها أن تكون مبنيّة لفَرْطِ إبهامها، كـ "لَدُنْ"، و"حَيْثُ". وإنّما أُعربت ونُصبت على الظرفيّة، لأنّهم تَصرَّفوا فيها على حدّ تصرُّفهم في "عِنْدَ"، فيقولون: "مَعِي مالٌ"، أي: هو في مِلْكِي، وإن كان غائبًا، كما يُقال: "عِنْدِي مالٌ".
وأمّا "دُونَ"، فلها معنيان: أحدهما الظرفيّةُ في معنى المكان تشبيهًا بالمكان، فيقال: "زيدٌ دونَ عمرٍو في الشَّرَف، والعِلمِ، وفي الخَيْر ونحو ذلك". جُعل هذه الأشياءُ مَنازِلَ يَعْلُو بعضُها بعضًا، كالأماكن التي بعضُها أعْلَى من بعض، وجُعل بعضُ الناس في موضعٍ من الشرف أو من العلم، وهذه لا تكون إلَّا ظروفًا منصوبةً.
والموضع الآخر: لـ "دُونَ" أن تكون اسمًا صفةً بمعنَى حَقِيرٍ ومسترذَلٍ، فتقول: "ثَوْبٌ دُونٌ"، أي: رَدِيٌّ. ويقال: "هذا دونُك"، أي: حقيرُك، ومستر ذَلُك. ويُمكِن أن يكون هذا القِسْمُ هو الأوّل، واستُعمل اسمًا توسُّعًا لضربٍ من التأويل، لأنّك إذا جعلتَه في مكانٍ أسفلَ من مكانك، صار بمنزلةِ "أسفلَ"، و"تحتٍ"، و"أسفلُ" و"تحتٌ" قد يجوز رفعُهما في الشعر. قال لَبِيدٌ [من الكامل]:
فَغَدَتْ كِلَا الفَرْجَينِ تَحْسَبُ أنّه ... مَوْلَى المَخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها (١)
على أنّ "أسفل" إذا كان نقيضَ "أَعْلَى"، كان متمكِّنًا، تقول: "هذا أسفلُ الحائط"، و"هذا أعلاهُ"، كما تقول: "هذا رأسُه"، و"هذا آخِرُه".
* * *
قال صاحب الكتاب: "وغير الظروف نحو: "مثل", و"شبه", و"بيدٍ", و"قيد", و"قداً", و"قاب", و"قيسٍ", و"أي", و"بعض", و"كل" و"كلا", و"ذو" ومؤنثه, ومثناه, و"مجموعه, و"أولو",و"أولات", و"قد" و"قط", و"حسب".
وغير اللازمة, نحو: "ثوب", و"فرس" و"دار", وغيرها مما يضاف في حال دون حال.
* * *
стр. 595
قال الشارح: اعلم أنّ من الأسماء أسماءً غيرَ ظروف، تضاف إلى ما بعدها، وهي على ضربَيْن: لازمةٌ للإضافة، وغيرُ لازمة. فاللازمةُ نحو: "مِثْلٍ"، و"شِبْهٍ"، و"نَحْوٍ"، و"غَيْرٍ"، ونحوِها ممّا ذكرها صاحبُ الكتاب. وأمّا "مِثْلٌ" و"شِبْهٌ" فبمعنًى واحدِ، و"غيرٌ" و"بَيْدٌ" بمعنى واحد، و"قِيد" و"قِدًا" و"قابٌ" و"قِيسٌ" بمعنَى مقدارِ الشيء. يقال: "بيني وبينه قيدُ رُمْحٍ، وقابُ رمح، وقيسُ رمح". قال الله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (١). و"قيسُ رمح" بمعنَى: قَدْرِ رمح. والقَدَرُ والقَدْرُ بالفتح والسكون واحدٌ، وهو مَبْلَغُ الشيء. فهذه الأسماءُ كلُّها تلزم الإضافةَ، ولا تُفارِقها. وإذا أُفردتْ كان معناها على الإضافة، ولذلك لا يحسُن دخولُ الألف واللام عليها، فلا يقال "المِثلُ"، ولا "الشِّبْهُ"، ولا "الكُلُّ"، ولا "البَعْضُ", لأنّ ذلك كالجمع بين الألف واللام، ومعنى الإضافة من جهةِ تضمُّنها معنى الإضافة. فصارت الإضافةُ فها كالملفوظ بها، وذلك من قِبَل أنّ "مِثْلًا" يقتضي مُماثِلًا، و"شِبْهًا" يقتضي مُشبَّهًا به، وكذلك سائرُهما من نحو "قيد"، و"قدًا"، و"قاب"، و"قيس" كلُّها مَقاديرُ لا تُذكَر إلاّ مع المقدَّر به.
وكذلك "أَيٌّ"، و"بعضٌ"، و"كلٌّ"، و"كِلًا"، الإضافة فيها لازمةٌ؛ أمّا "أَيٌّ"، فإنّها اسمٌ مبهمٌ يقع على كلّ شيء ممّن يعقِل، وما لا يعقل من حَيَوان، وغيرِه، فافتقر إلى الإضافة للإيضاح، كافتقارِ الموصول إلى الصلة، وهي بعضُ ما أُضيفت إليه. فإذا قلت: "أيُّ القوم"، كانت من القوم، وإذا قلت: "أَيُّ الثِّياب" فهي من الثياب. فلُزومُها الإضافةَ لذلك. و"بَعْضٌ" يُفيد البعضيّةَ، فهو يقتضي الشيءَ المبعَّضَ. و"كُلٌّ" اسمٌ لأَجْزاءِ الشيء، فهو يقتضي المجزَّأَ، و"كِلا" اسمٌ مفردٌ عندنا معناه التثنيةُ، ولا يدلّ بلفظه على جنسِ ذلك المثنَّى، فلزمت إضافتُه إلى جنسه، ليُعْلَمَ، نحوَ: "جاءني كِلَا أَخَوَيْك"، و"رأيت كلا أخوَيْك"، و"مررت بكلا أخويك"، ويكون تأكيدًا للمثنّى، نحو: "جاءني الرجلان كِلاهما"، و"رأيت الرجلَيْن كِلَيْهما"، و"مررت بالرجلَيْن كِلَيْهما"، فتلزم إضافتُها إلى ضميرِ المؤكَّد ليُعلَم أنّها تأكيدٌ له، وليست اسمًا شائعًا، بخلافِ "أَجْمَعَ"، و"أجْمَعِينَ"، ونحوِهما، فإنّها لا تَلِي العواملَ، ولا تكون إلَّا تأكيدًا، فاستغنتْ عن الإضافة.
ومنها "ذُو" التي بمعنَى صاحبٍ، فإنّك تقول: "هذا رجلٌ ذو مالٍ"، و"رأيت رجلًا ذَا مال"، و"مررت برجلٍ ذي مال"، أي: صاحب مال. وتقول في التثنية: "هذان رجلان ذَوَا مال"، وأصلُه "ذَوَانِ"، وإنّما حُذفت نونُه للإضافة، وفي النصب والجرّ، نحوَ: "رأيت رجلَيْن ذَوَيْ مال"، و"مررتُ برجلَيْن ذَوَيْ مال". وتقول في الجمع: "هؤلاء رِجالٌ ذَوُو مال"، و"رأيت رجالًا ذَوِي مال"، و"مررت برجالٍ ذَوِي مال". وأصلُه "ذَوُونَ"، و"ذَوِينَ", لأنّه جمعُ سَلامة. وإنّما حُذفت نونُه للإضافة، وإنّما جُمع جمعَ السلامة, لأنّه
стр. 596
وُصف به من يعقِل، فجرى مجرَى "مُسلمين"، و"صالحين". وتقول في المؤنّث "ذاتٌ"، نحُو: "هذه امرأةٌ ذاتُ جَمالٍ ومالٍ". والتثنيةُ: "ذَوَاتَا". قال الله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ (١). والجمعُ "ذَوَاتٌ" و"أُولُو" أيضًا جمعَ سلامة، والواحدُ "ذُو". قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣). والمؤنّثُ "أُولاتُ". وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤). جاء الجمعُ ههنا على غيرِ واحده المستعملِ. وقياسُ واحده "أُلٌ" مثلُ "عَم"، و"شَجٍ"، فهي في السلامة بمنزلةِ "المَذاكير" و"المَلامحِ" في التكسير، جاء على ما لم يُستعمل.
وإنّما لزمتْه الإضافةُ, لأنّ المضاف إليه هنا هو المقصودُ. وذلك أنّهم أرادوا وَصْفَ الأسماء بالأجناس، نحوَ: "هذا رجلٌ مالٌ"، فلم يَسُغ ذلك، فأتوا بـ "ذِي" التي بمعنى صاحب، وأُضيفت إلى اسم الجنس، وجعلوها وُصْلَةً إلى وصفِ الأسماء بالأجناس، كما كانت "أَيٌّ" وصلةً إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللام. وكانت الإضافةُ لازمةً، كما كان النعتُ لازمًا، لـ "أيِّ" في النداء، نحوِ: "يا أَيُّهَا الرجلُ"، و"يا أَيُّهَا الغلامُ".
ومن ذلك "قَدْ"، و"قَطْ"، و"حَسْبُ" كلُّها بمعنى واحد إلَّا أن "قَدْ" و"قَطْ" مبنيّان على السكون، و"حَسْبُ" معربةٌ. وذلك من قِبَل أنّ "قد"، و"قط" وقعا موقعَ فِعْلٍ الأمر في أوّل أحوالهما، فبُنِيَا كبِنائه. تقول: "قَدْكَ درهمان"، و"قَطْكَ ديناران"، أي: اكتَفِ بذلك، واقْطعْ. و"حَسْبُ" اسمٌ متمكِّنٌ أُريد به معنى الفعل بعدَ أن وقع منصرِفًا, ولم يُوقَع موقعَ الفعل في أوّلِ أحواله. ألا ترى أنّك تقول: "أَحْسَبَني الشيءُ إحسابًا" أي: كَفاني، ويقال: "هذا لك حِسابٌ" أي: كافٍ؟ قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ (٥)، فانصرف "حَسْبُ" ولم يُبْنَ كِبناءِ "قَدْ"، و"قَطْ".
واشتقاقُ "قَدْ" من "قَدَدْتُ الشيء". واشتقاقُ "قَطْ" من "قططتُ الشيءَ" إذا قطعتَه، فأصلُهما لذلك التثقيلُ، وإنّما خُفّفتا بحذفِ لامَيْهما، وغلب عليهما التخفيفُ لكثرةِ استعمالهما. وإنّما لزمت هذه الأسماءُ الإضافةَ، لأنّها واقعةٌ موقعَ فعلِ الأمرِ. وفعلُ الأمر لا بد له من فاعل، ولم تكن هذه الأسماء ممّا يَرْفَع، فأُضيفت إلى الفاعل. فإذا قلت: "قَدْكَ"، و"قَطْكَ"، فكأنّك قلت: "اكْتَفِ"، و"اقْطَعْ"، فالفاعلُ مضمرٌ. وإذا قلت: "قَدْ زيدٍ"، أو "قَطْ عمرِو"، فكأنّك قلت: "لِيَكْتَفِ زيدٌ، أو عمرٌو بذلك". وقد يدخل "قَدْ"، و"قَطْ" نونُ الوِقاية، فيقال: "قَدْنِي"، و"قَطْني" مُحافَظةً
стр. 597
على سكونهما، وصِيانَةً لآخِرهما عن الكسر، كما قالوا: "مِنِّي"، و"عَنِّي"، فأتوا فيهما بنون الوقاية. قال الشاعر [من الرجز]:
٣٥٥ - امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِي ... مَهْلاً رُوَيدًا قد مَلأْتَ بَطْنِي
وقال الآخر [من الرجز]:
٣٥٦ - قَدْنِيَ من نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ... [ليسَ الإمامُ بالشَّحيحِ الملحِدِ]
стр. 598
فأتى بنون الوقاية، وتَرْكِها. وربّما استعملوا "قَطْ" و"حَسْبُ" مفردَيْن من غير إضافة، فقالوا: "رأيتُه مرَّةً واحدةً فَقَطْ"، و"أعطاني دينارًا فحَسْبُ"، أي: اكْتَفِ بذلك، واقْطَعْ. والإضافةُ أكثرُ، وأغلبُ، فاعرفه.
وأمّا الإضافة غيرُ اللازمة، ففي أكثرِ الأسماء، نحو: "ثَوْبٍ"، و"دارٍ" وغيرِهما من الأسماء المنكورة ممّا يضاف في حال دون حال. وذلك على حسبِ إرادةِ المتكلّمِ، فإذا قال: "رأيت ثَوْبًا"، فقد أخبرَ عن واحد من الثِياب غيرِ معيَّن، وكذلك "رأيت دارًا". وإذا قال: "رأيت ثوبَ خَزٍّ"، فقد أخبر عن ثوب من هذا الجنس دون غيره، فهو أخصُّ من الأوّل. وإذا قال: "ملكتُ دارَ زيدٍ"، فقد أخبر عن واحدةٍ بعينها معرفةٍ فاعرفه.
* * *
[" أيّ" المضافة]
قال صاحب الكتاب: "و"أيٌّ" إضافته إلى اثنين فصاعدًا, إذا أضيف إلى المعرفة كقولك: أي الرجلين وأي الرجال. عندك، وأيهما وأيهم, وأي من رأيت أفضل، وأي الذين لقيت أكرم. وأما قولهم أيي وايك كان شرًا فأخزاه الله، فكقولك اخزي الله الكاذب مني ومنك وهو بين وبينك، والمعنى أينا ومنا وبيننا. قال العباس بن مرداس [من الوافر]:
٣٥٧ - فأيي ما وأيك كان شراً ... فقيد إلى المقامة لا يراها
стр. 599
واذا أضيف إلى النكرة أضيف إلى الواحد والاثنين والجماعة كقولك: أي رجل وأي رجلين وأي رجال، ولا تقول: أيا ضربت وبأي مررت إلا حيث جرى ذكر ما هو بعض منه كقوله : ﴿أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ (١) ,ولا ستيجابه الإضافة عوضوا منها توسيط المقحم بينه وبين صفته في النداء".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "أَيًّا" إنّما تقع على شيءٍ هي بعضُه، وذلك قولك: "أَيُّ أَخَوَيْك زيدٌ"، فقد علمتَ أنّ زيدًا أحدُهما, ولم تَدْرِ أَيُّهما هو. وهي في الكلام على ثلاثةِ أضرب: الاستفهامُ، والجزاء، وبمعنَى "الَّذِي"، فإذا كانت استفهامًا أو جزاءً، كانت تامّةً، ولم تحتجّ إلى صلةٍ، إنّما تحتاج إلى الصلة إذا كانت موصولةً لا غيرُ، كما تحتاج "الذِي" و"مَنْ" و"مَا" إذا كانت موصولةً، وهي موضوعةٌ على الإضافة، لأنّها في الأحوال الثلاثة بعضُ ما أضيفت إليه، فلا تُفيد إلَّا بذكرِ المضاف إليه، وهذا المعنى يوجِب أن لا يكون المضافُ إليه إلَّا ممّا يتبعّضُ.
ولا تقتضي جوابًا، إلَّا إذا كانت استفهامًا، وجوابُها التعيينُ, لأنّها في الاستفهام مفسَّرةٌ بالهمزة، و"أَمْ". فإذا قلت: "أَيُّ الرجلَيْن عندك؟ " فمعناه "أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ " فكما يلزم الجوابُ في الهمزة و"أَمْ" إذا قلت: "أزيد عندك أم عمرو؟ " والتعيينُ، فتقول: "زيدٌ أو عمرٌو" ولا يكفِي "لَا" أو "نَعَمْ"، كذلك يلزم في "أَيّ", لأنّ المعنى واحدٌ. ولو قلت: "هل زيدٌ منطلقٌ أم عمرٌو" أو نحوَهما من أَدَواتِ الاستفهام، لم يكن لـ "أيّ" ههنا مَدْخَلٌ، فلذلك كانت "أَيٌّ" واقعةً على كل جملة إذا كانت بعضًا لها.
فعلى هذا يجوز إضافتُها إلى المعرفة والنكرة، فإذا أضيفت إلى المعرفة؛ وجب أن
стр. 600
تكون تلك المعرفةُ ممّا يتبعّضُ، وذلك بأن تكون المعرفة: إمّا تثنيةً، أو جمعًا، نحوَ قولك: "أيُّ الرجلَيْن عندك"، و"أيُّ الرّجال"، و"أيَّهما رأيتَ"، و"أيُّهم مررتَ به". وتقول: "أيُّ مَن رأيتَ أفضلُ", لأنّ "مَنْ" قد تعنى بها الكثرةَ، وإن كان لفظُها واحدًا. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٢)، فحُمل مرّةً على اللفظ، ومرّةً على المعنى. ومنه قولُ الشاعر [من الطويل]:
٣٥٨ - تَعَشَّ فإِنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
ثَنَّى العائدَ حين عَنَى اثنين، ولا يكون "مَنْ" في قولك: "أَيُّ مَن رأيتَ أفضلُ" إلَّا موصولةً لا غيرُ، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: رأيتَه، كقوله سُبحانَه: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٣)، والمعنى: بَعَثَهُ، ولا يكون "مَن" استفهامًا هنا, ولا جزاءً, لأنّ "أيًّا" لا يضاف إلى الجُمَل.
فأمّا تمثيلُه بـ "أيُّ الذي لقيتَ أَكرمُ"، ففيه نَظَرٌ. والصوابُ: "أيُّ اللذَيْن أو الذين" بلفظ التثنية، أو الجمع. وإن صحّت الروايةُ عنه بلفظِ الواحد، فمُجازُه أنّ "الّذِي" قد يراد