وُصف به من يعقِل، فجرى مجرَى "مُسلمين"، و"صالحين". وتقول في المؤنّث "ذاتٌ"، نحُو: "هذه امرأةٌ ذاتُ جَمالٍ ومالٍ". والتثنيةُ: "ذَوَاتَا". قال الله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ (١). والجمعُ "ذَوَاتٌ" و"أُولُو" أيضًا جمعَ سلامة، والواحدُ "ذُو". قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣). والمؤنّثُ "أُولاتُ". وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤). جاء الجمعُ ههنا على غيرِ واحده المستعملِ. وقياسُ واحده "أُلٌ" مثلُ "عَم"، و"شَجٍ"، فهي في السلامة بمنزلةِ "المَذاكير" و"المَلامحِ" في التكسير، جاء على ما لم يُستعمل.
وإنّما لزمتْه الإضافةُ, لأنّ المضاف إليه هنا هو المقصودُ. وذلك أنّهم أرادوا وَصْفَ الأسماء بالأجناس، نحوَ: "هذا رجلٌ مالٌ"، فلم يَسُغ ذلك، فأتوا بـ "ذِي" التي بمعنى صاحب، وأُضيفت إلى اسم الجنس، وجعلوها وُصْلَةً إلى وصفِ الأسماء بالأجناس، كما كانت "أَيٌّ" وصلةً إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللام. وكانت الإضافةُ لازمةً، كما كان النعتُ لازمًا، لـ "أيِّ" في النداء، نحوِ: "يا أَيُّهَا الرجلُ"، و"يا أَيُّهَا الغلامُ".
ومن ذلك "قَدْ"، و"قَطْ"، و"حَسْبُ" كلُّها بمعنى واحد إلَّا أن "قَدْ" و"قَطْ" مبنيّان على السكون، و"حَسْبُ" معربةٌ. وذلك من قِبَل أنّ "قد"، و"قط" وقعا موقعَ فِعْلٍ الأمر في أوّل أحوالهما، فبُنِيَا كبِنائه. تقول: "قَدْكَ درهمان"، و"قَطْكَ ديناران"، أي: اكتَفِ بذلك، واقْطعْ. و"حَسْبُ" اسمٌ متمكِّنٌ أُريد به معنى الفعل بعدَ أن وقع منصرِفًا, ولم يُوقَع موقعَ الفعل في أوّلِ أحواله. ألا ترى أنّك تقول: "أَحْسَبَني الشيءُ إحسابًا" أي: كَفاني، ويقال: "هذا لك حِسابٌ" أي: كافٍ؟ قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ (٥)، فانصرف "حَسْبُ" ولم يُبْنَ كِبناءِ "قَدْ"، و"قَطْ".
واشتقاقُ "قَدْ" من "قَدَدْتُ الشيء". واشتقاقُ "قَطْ" من "قططتُ الشيءَ" إذا قطعتَه، فأصلُهما لذلك التثقيلُ، وإنّما خُفّفتا بحذفِ لامَيْهما، وغلب عليهما التخفيفُ لكثرةِ استعمالهما. وإنّما لزمت هذه الأسماءُ الإضافةَ، لأنّها واقعةٌ موقعَ فعلِ الأمرِ. وفعلُ الأمر لا بد له من فاعل، ولم تكن هذه الأسماء ممّا يَرْفَع، فأُضيفت إلى الفاعل. فإذا قلت: "قَدْكَ"، و"قَطْكَ"، فكأنّك قلت: "اكْتَفِ"، و"اقْطَعْ"، فالفاعلُ مضمرٌ. وإذا قلت: "قَدْ زيدٍ"، أو "قَطْ عمرِو"، فكأنّك قلت: "لِيَكْتَفِ زيدٌ، أو عمرٌو بذلك". وقد يدخل "قَدْ"، و"قَطْ" نونُ الوِقاية، فيقال: "قَدْنِي"، و"قَطْني" مُحافَظةً
стр. 597
على سكونهما، وصِيانَةً لآخِرهما عن الكسر، كما قالوا: "مِنِّي"، و"عَنِّي"، فأتوا فيهما بنون الوقاية. قال الشاعر [من الرجز]:
٣٥٥ - امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِي ... مَهْلاً رُوَيدًا قد مَلأْتَ بَطْنِي
وقال الآخر [من الرجز]:
٣٥٦ - قَدْنِيَ من نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ... [ليسَ الإمامُ بالشَّحيحِ الملحِدِ]
стр. 598
فأتى بنون الوقاية، وتَرْكِها. وربّما استعملوا "قَطْ" و"حَسْبُ" مفردَيْن من غير إضافة، فقالوا: "رأيتُه مرَّةً واحدةً فَقَطْ"، و"أعطاني دينارًا فحَسْبُ"، أي: اكْتَفِ بذلك، واقْطَعْ. والإضافةُ أكثرُ، وأغلبُ، فاعرفه.
وأمّا الإضافة غيرُ اللازمة، ففي أكثرِ الأسماء، نحو: "ثَوْبٍ"، و"دارٍ" وغيرِهما من الأسماء المنكورة ممّا يضاف في حال دون حال. وذلك على حسبِ إرادةِ المتكلّمِ، فإذا قال: "رأيت ثَوْبًا"، فقد أخبرَ عن واحد من الثِياب غيرِ معيَّن، وكذلك "رأيت دارًا". وإذا قال: "رأيت ثوبَ خَزٍّ"، فقد أخبر عن ثوب من هذا الجنس دون غيره، فهو أخصُّ من الأوّل. وإذا قال: "ملكتُ دارَ زيدٍ"، فقد أخبر عن واحدةٍ بعينها معرفةٍ فاعرفه.
* * *
[" أيّ" المضافة]
قال صاحب الكتاب: "و"أيٌّ" إضافته إلى اثنين فصاعدًا, إذا أضيف إلى المعرفة كقولك: أي الرجلين وأي الرجال. عندك، وأيهما وأيهم, وأي من رأيت أفضل، وأي الذين لقيت أكرم. وأما قولهم أيي وايك كان شرًا فأخزاه الله، فكقولك اخزي الله الكاذب مني ومنك وهو بين وبينك، والمعنى أينا ومنا وبيننا. قال العباس بن مرداس [من الوافر]:
٣٥٧ - فأيي ما وأيك كان شراً ... فقيد إلى المقامة لا يراها
стр. 599
واذا أضيف إلى النكرة أضيف إلى الواحد والاثنين والجماعة كقولك: أي رجل وأي رجلين وأي رجال، ولا تقول: أيا ضربت وبأي مررت إلا حيث جرى ذكر ما هو بعض منه كقوله : ﴿أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ (١) ,ولا ستيجابه الإضافة عوضوا منها توسيط المقحم بينه وبين صفته في النداء".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "أَيًّا" إنّما تقع على شيءٍ هي بعضُه، وذلك قولك: "أَيُّ أَخَوَيْك زيدٌ"، فقد علمتَ أنّ زيدًا أحدُهما, ولم تَدْرِ أَيُّهما هو. وهي في الكلام على ثلاثةِ أضرب: الاستفهامُ، والجزاء، وبمعنَى "الَّذِي"، فإذا كانت استفهامًا أو جزاءً، كانت تامّةً، ولم تحتجّ إلى صلةٍ، إنّما تحتاج إلى الصلة إذا كانت موصولةً لا غيرُ، كما تحتاج "الذِي" و"مَنْ" و"مَا" إذا كانت موصولةً، وهي موضوعةٌ على الإضافة، لأنّها في الأحوال الثلاثة بعضُ ما أضيفت إليه، فلا تُفيد إلَّا بذكرِ المضاف إليه، وهذا المعنى يوجِب أن لا يكون المضافُ إليه إلَّا ممّا يتبعّضُ.
ولا تقتضي جوابًا، إلَّا إذا كانت استفهامًا، وجوابُها التعيينُ, لأنّها في الاستفهام مفسَّرةٌ بالهمزة، و"أَمْ". فإذا قلت: "أَيُّ الرجلَيْن عندك؟ " فمعناه "أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ " فكما يلزم الجوابُ في الهمزة و"أَمْ" إذا قلت: "أزيد عندك أم عمرو؟ " والتعيينُ، فتقول: "زيدٌ أو عمرٌو" ولا يكفِي "لَا" أو "نَعَمْ"، كذلك يلزم في "أَيّ", لأنّ المعنى واحدٌ. ولو قلت: "هل زيدٌ منطلقٌ أم عمرٌو" أو نحوَهما من أَدَواتِ الاستفهام، لم يكن لـ "أيّ" ههنا مَدْخَلٌ، فلذلك كانت "أَيٌّ" واقعةً على كل جملة إذا كانت بعضًا لها.
فعلى هذا يجوز إضافتُها إلى المعرفة والنكرة، فإذا أضيفت إلى المعرفة؛ وجب أن
стр. 600
تكون تلك المعرفةُ ممّا يتبعّضُ، وذلك بأن تكون المعرفة: إمّا تثنيةً، أو جمعًا، نحوَ قولك: "أيُّ الرجلَيْن عندك"، و"أيُّ الرّجال"، و"أيَّهما رأيتَ"، و"أيُّهم مررتَ به". وتقول: "أيُّ مَن رأيتَ أفضلُ", لأنّ "مَنْ" قد تعنى بها الكثرةَ، وإن كان لفظُها واحدًا. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٢)، فحُمل مرّةً على اللفظ، ومرّةً على المعنى. ومنه قولُ الشاعر [من الطويل]:
٣٥٨ - تَعَشَّ فإِنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
ثَنَّى العائدَ حين عَنَى اثنين، ولا يكون "مَنْ" في قولك: "أَيُّ مَن رأيتَ أفضلُ" إلَّا موصولةً لا غيرُ، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: رأيتَه، كقوله سُبحانَه: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٣)، والمعنى: بَعَثَهُ، ولا يكون "مَن" استفهامًا هنا, ولا جزاءً, لأنّ "أيًّا" لا يضاف إلى الجُمَل.
فأمّا تمثيلُه بـ "أيُّ الذي لقيتَ أَكرمُ"، ففيه نَظَرٌ. والصوابُ: "أيُّ اللذَيْن أو الذين" بلفظ التثنية، أو الجمع. وإن صحّت الروايةُ عنه بلفظِ الواحد، فمُجازُه أنّ "الّذِي" قد يراد
стр. 601
بها الكثرةُ، نحو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (١)، فعاد الضميرُ إلى "الذي" مرّةً مفردًا، ومرّةً مجموعًا، كما كان في "مَنْ" كذلك، وهو قليلٌ في "الذي".
ولو قلت: "أَيُّ زيدٍ أحسنُ"، فمُجازُه من وجهَيْن: أحدُهما أن يريد النكرةَ لمُشارِكٍ له في اسمه، فأجراه مُجرى الأنواع، نحوِ: "رجلٍ"، و"فرسٍ"، كما أجراه كذلك وأدخل عليه الألفَ واللام في قوله [من الرجز]:
بَاعَدَ أُمَّ العَمْرِو مِن أَسِيرها ... حُرّاسُ أَبْوابٍ على قُصُورها (٢)
والوجه الثاني: أن يريد: أيُّ شيءٍ من أعضائه أحسنُ: أَعَينُه، أم أَنْفُه، أم حاجِبُه، ونحو ذلك.
فأمّا قولهم: "أَيّى وأَيُّكَ كان شَرًّا، فأخزاه اللَّهُ"، فأضاف "أيًّا" إلى المضمر الذي هو ضميرُ النفس، وهو معرفةٌ، فإنما سوّغ ذلك أنّه عطف عليه ضميرَ المخاطَب بإعادةِ الخافض بالواو. الواوُ لا تدلّ على الترتيب، وإنمّا تجمع بين الشيئيْن، أو الأشياءِ فقط، وصار ذلك بمنزلةِ التثنية والجمع، كأنّك قلت: "أَيُّنَا". فهو كقولك: "أخزى اللَّهُ الكاذبَ منّي ومنك"، والمراد: منّا. وكقولك: "هو بَيْني وبينك"، والمراد: بيننا. والفرقُ بينهما أنّك إذا قلت: "أَيُّنَا"، فقد اشتركا في "أيٍّ". وإذا قلت: "أَيِّي وأَيُّكَ"، فقد أخلصتَه لكلٍّ واحد منهما. فهو أبلغُ.
فأمّا بيتُ العَبّاس بن مِرْداسٍ [من الوافر]:
فأَيّى ما وأَيُّكَ كان شَرًّا ... إلخ.
وبعده:
ولا وَلَدَتْ لهم أبَدًا حَصانٌ ... وخالَفَ ما يُرِيدُ إذا بَغَاها
فالشاهد فيه إفرادُ "أَيٍّ" لكل واحد من الاسمَيْن، وإخلاصُه له توكيدًا، والمستعمَلُ
إضافتُه إليهما معًا، فيقال "أَيُّنَا"، والمرادُ: أيّنا كان شرًّا من صاحبه، فقِيدَ إلى المقامة لا
يَراها. أي: أعماه اللَّهُ. والمَقامةُ: جماعةُ الناس. وقولُه: "لا يراها" أي: يَعْمَى عن
رُؤْيَتهم. ويروى: إلى المَنِيَّة، أي: جاءته المنيّةُ، ويدعو عليهم في البيت الثاني بانقطاعِ
النَّسْل، ومثلُه قولُ جُمَيْحٍ [من الطويل]:
٣٥٩ - وقد عَلِمَ الأقْوامُ أيَّي وأَيُّكُم ... بَنِي عامِرٍ أَوْفَى وَفاءً وأَكْرَمُ
стр. 602
وقولُ خِداشِ بن زُهَيُر [من الكامل]:
٣٦٠ - ولَقَدْ عَلِمْت إذا الرجالُ تَناهَزُوا ... أَيّي وأَيُّكُم أَعَزُّ وأَمْنَعُ
المراد أَيُّنَا، وهو كثيرٌ. وإذا أضيف إلى النكرة، أضيف إلى الواحد والتثنية والجمع، فتقول: "أَيُّ رجلٍ" و"أيُّ رجلَيْن"، و"أَيُّ رجالٍ". وإنّما جاز إضافتُه إلى الواحد المنكورِ ههنا من حيثُ كان نوعًا يعُمّ أشخاصَ ذلك النوعِ، فهو يشمَل كلَّ من يقع عليه ذلك الاسمُ، فلذلك جازت إضافتُه إليه.
وقد يُفرَد "أَيٌّ" إذا تقدّم ذكرُ ما هو بعضٌ منه، نحوَ قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ
стр. 603
ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١). أفردَ "أَيًّا" ههنا, لأنّه أحدُ الاسمَيْن المذكورَيْن. ومعناه: أَيَّ الاسمَيْن دعوتم اللَّهَ، فله الأسماءُ الحسنى. ولو قلت: "أيًّا ضربتَ"، أو "بأَيِّ مررتَ"، لم يجز, لأنّه لم يتقدّم ما يُسدّ مسدَّ المضاف إليه.
ولغَلَبةِ الإضافة عليه لمّا جاؤوا بـ "أَيّ" وُصْلةً إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللام غيرَ مضافة؛ عوّضوه من الإضافة هاءَ التنبيه بعده قبلَ صفته، نحوَ: "يا أَيُّهَا الناسُ"، و"يا أيّها الرجلُ".
وقوله: "ولاستِيجابه الإضافةَ" يريد لُوجوبها له. فالاستيجابُ مصدرٌ بمعنى الُوجوب، كالاستقرار بمعنى القَرار، وفعلُه اسْتَوْجَبَ، كقولكم: "اسْتَوْهَبَ اسْتِيهَابًا"، و"اسْتَوْعَبَ اسْتِيعَابًا".
وقوله: "توسيط المُقْحَم" يعني بالمقحم هاءَ التنبيه. "بينه"، أي: بين "أَيٍّ"، وصفتِه، فـ "ها" تنبيهٌ، وهي عِوَضٌ من لفظِ الإضافة، ولُزومُ الصفة عوضٌ من معناها، فاعرفه.
فصل [حكم ما يضاف إليه "كلا "]
قال صاحب الكتاب: وحق ما يضاف إليه "كلا" أن يكون معرفة ومثنى, أو ما هو في معنى المثنى، كقوله [من الوافر]:
٣٦١ - فإن الله يعلمني ووهبًا ... ويعلم أن سيلقاه كلانا
стр. 604
وقوله [من الرمل]:
٣٦٢ - إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل
ونظيره ﴿عوان بين ذلك﴾ (١). ويجوز التفريق في الشعر, كقولك: "كلا زيد وعمرو". وحكمه إذا أضيف إلى الظاهر أن يجري مجرى "عصا", و"رحي". تقول: "جاءني كلا الرجلين"، و"رأيت كلا الرجلين"، و"مررت بكلا الرجلين"؛ وإذا أضيف إلى المضمر, أن يجري مجرى المثنى على ما ذكر, وفي العرب من يقر آخره على الألف في الوجهين.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم الكلام على "كِلا" وأحكامِها، وأنّها مفردةٌ معناها التثنيةُ، وهي موضوعةٌ لتأكيدِ التثنية، كما أنّ "كُلاًّ"، و"أَجْمَعَ" لتأكيدِ الجمع، وهي من الألفاظ المضافة، التي: يُؤكَّد بها المعارفُ. وكلُّ لفظ مضاف يُؤكَّد به المعنى، يكون مضافًا إلى ضميرِ ذلك المؤكَّدِ، نحوَ: "جاءني زيدٌ نفسُه وعينُه"، و"أكلتُ الرَّغِيفَ كلَّه". وإنّما كان كذلك ليُعلَم أنّه له، ومُمكّنٌ لمعناه. فلذلك وجب أن تكون "كِلا" مضافةً إلى معرفةٍ ومثنَّى, لأنّه لا يؤكَّد بها إلَّا ما هذه سبيلُه، وإن خرج عن سَنَن التأكيد بأن يكون مبتدأ، نحوَ: "كِلاَ أخوَيْك جاءني"، أو فاعلًا، نحوَ: "جاءني كلا أَخوَيْك"، فلن يخرجَ عن حكم التأكيد ومعناه. ومُجازُ ذلك على إقامةِ التأكيد مُقامَ المؤكَّد، كما تُقام الصفة مقامَ الموصَوف، فإذا قال: "جاءني كِلاَ أخوَيْك"، فأصلُه: "جاءني أخواك كلاهما"، إلا أنّك وضعتَ التأكيد موضعَ المؤكَّد مبالغةً، ثمّ أضفتَه إلى لفظِ المؤكَّد للبَيان، فلذلك لزم أن يضاف إلى المثنّى، ولا يضاف إلَّا إلى معرفةٍ, لأنّه لا يكون تأكيدًا إلَّا لمعرفة.
стр. 605
وحكمُ "كِلْتَا" حكمُ "كِلا"، إلّا أنّ "كلتا" للمؤنَّث، و"كلا" للمذكَّر؛ فأمّا قوله [من الوافر]:
فإنّ الله يعلمني إلخ
فالبيت للنَّمِر بن تَوْلَبٍ، والشاهدُ فيه إضافتُه إلى "نَا"، وهو ضميرُ جمع، و"كِلا" إنّما يضاف إلى تثنيةٍ. وذلك لأنّ الاثنين والجمعَ في الكناية عن المتكلِّم واحدٌ، وإن شئتَ أن تقول: هو للجمع، ولكنّه حمل الكلامَ على المعنى, لأنّه عَنَى نفسه ووَهْبًا. وإليه أشار صاحبُ الكتاب، وهو أجودُ, لأنّه قد يقع لفظُ الجمع على التثنية، نحوَ قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١)، وقوله: ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (٢)، ثمّ قال: خَصْمَان، ويُروى: سيلقاه بالياء، وسنلقاه بالنون، فمَن رواه بالياء جعل "كلانا" فاعلَه، ومن رواه بالنون، جعل "كلانا" تأكيدًا لضميرِ المتكلِّمين.
وأمّا قولُ ابن الزَّبَعْرى في يوم أُحُدٍ [من الرمل]:
يا غُرابَ البَيْنِ أَنْعَمْتَ فَقِلْ ... إِنّما تَنْطِقُ شيئًا قد فُعِلْ
إنّ للخَيْر وللشَّرِّ مَدًى ... وكِلَا ذلك وَجْهٌ وقِبَلْ
والعَطيّاتُ خِساسٌ بَيْنَهم ... وسَواءٌ قَبْرُ مُثْرٍ ومُقِلْ
كلُّ عَيْشٍ ونَعِيمٍ زائلٌ ... وبَناتُ الدَهْرِ يَلْعَبْنَ بكُلْ
فالشاهد فيه إضافةُ "كِلا" إلى مفردٍ يراد به التثنيةُ، كما أُضيف في الذي قبلَه إلى لفظ الجمع، إذ كان المراد به التثنية.
ومثلُ ذلك في أنّ المراد به التثنيةُ قولُه تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٣)، أي: بين الفُروض والبَكارة، فجاز إضافةُ "كلا" إليه كما جاز إضافةُ "بَيْنَ" إليه، إلَّا أنّ "بَيْنَ" يضاف إلى اثنين فصاعدًا، و"كلا" يضاف إلى اثنين فقط.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤). أُضيف "كلٌّ" إليه حيث كان المراد به الكثرة.
وقوله: "ويجوز التفريقُ في الشعر"، يريد أنّك تُضيفه إلى اسم واحد، ثمّ تعطِف عليه اسمًا آخرَ، نحوَ: "كِلَا زيدٍ وعمرٍو"؛ لأنّ العطف بالواو نظيرُ التثنية، إذ كانت الواوُ لا تُرتِّب كالتثنية، فحُمل الكلام في الشعر على المعنى، نحو قوله [من الطويل]:
٣٦٣ - كِلَا السَّيْفِ والساقِ الذي ضُرِبَتْ به ... على دَهَشٍ ألْقاهُ بَاثنَيْن صاحِبُه
стр. 606
وصار ذلك كقولك: "زيدُ وعمرو قَامَا"، كما تقول: "الزيدان قاما"، ولا يجوز مثلُه في حالِ الاختيار والسعةِ، ألا ترى أنك لا تقول: "كِلا أخِيك وأبِيك ذاهبٌ"، كما لم يجز: "كلُّ عبدِ الله وأخِيه وأبِيه ذاهِبون".
ولو قلت: "كِلا زيدٍ فعمرو جاءني"، لم يجز في الشعر، ولا غيرِه؛ لأنك كنت تضيف "كلا" إلى مفردٍ مخصوص، وإنما يضاف إلى اثنين، أو إلى مفرد في معنى التثنية، أو إلى لفط مشترك بين التثنية والجمع، فاعرفه.
وقوله: "وحكمُه إذا أضيف إلى الظاهر أن يُجْرَى مُجْرَى عَصا ورَحى" يريد أنّ آخِره يكون بالألف إذا أضيف إلى ظاهرٍ في حالِ الرفع والنصب والجر. وهو القياسُ، لأنه عندنا اسمٌ مفردٌ ومقصورٌ كـ "عصا" و"رحى"، ولا إشكالَ في ذلك على أصلنا، إنما الإشكالُ على أصلِ الكوفيين؛ لأتها عندهم تثنية صحيحة.
وقوله: "وإذا أضيف إلى المضمر أن يُجرى مَجْرَى المثنّى"، يعني أن ألفه تنقلِب ياء في حالِ النصب والجرّ، كما تنقلب في التثنية، فتقول: "جاءني أخواك كِلاهما"، و"رأيت أخويكَ كليهما"، و "مررت بأخويك كليهما". تثبت الألف في حال الرفع، وتنقلب ياء في حال النصب والجر. كما أن التثنية كذلك، إلَّا أن انقلابها في التثنية للإعراب، واختلافِ العامل، وانقلابَها في "كلا" و"كلتا" لا للإعراب، بل للحمل على "لَدَى" و"عَلَى"، على ما تقدم.
ومن العرب من يجري في "كلا" و"كلتا" على القياس، فيُقر الألفَ بحالها، ولا يقلِبها لا مع ظاهر، ولا مضمر، فاعرفه.
فصل [إضافة أفعل التفضيل]
قال صاحب الكتاب: وأفعل التفضيل يضاف إلى نحو ما يضاف إليه "أي". تقول: "هو أفضل الرجلين, وأفضل القوم". وتقول: "هو أفضل رجل"، و"هما أفضل رجلين"، و"هم أفضل رجال". والمعنى في هذا إثبات الفضل على الرجال إذا فضلوا رجلاً رجلاً, واثنين اثنين, وجماعة جماعة.
* * *
стр. 607
قال الشارح: و"أفْعَلُ" الذي يراد به التفضيلُ يضاف إلى ما بعده، وحكمُه في الإضافة حكمُ "أَيٍّ"، لا يضاف إلّا إلى ما هو بعضُه، نحوَ قولك: "زيدٌ أفضلُ الناس، وأفضلُ القومُ"، أضفتَه إليهم، لأنه واحدٌ منهم. وتقول: "حِمارُك أفْرَهُ الحَمِير"، و"عبدُك خيرُ العَبِيد". فإضافةُ "أفعل" إلى ما بعده إضافةُ البعض إلى الكل، والواحد إلى الجنس، ولو قلت: "عبدُك أحسنُ الأحرار"، و"حمارُك أفرهُ البِغال" لم يجز، لأئك لم تُضِفْه إلى ما هو بعضٌ له. وإنّما وجبت إضافتُه إلى ما هو بعضٌ له، لأنك إذا أردت تفضيلَ الشيء على جنسه، فلم يكن بدٌّ من أن تُضيفه إلى الذي تُفضِّله عليه، ليُعلَم أنّه قد فضل أمثالَه من ذلك الجنس. ولو أردتَ تفضيلَه على غيرِ جنسه، لأَتَيْتَ بِ "منْ " فاصلةَ له عن الإضافة، ويكون الأوّل في حكم المنوَّن، فقلت: "عبدُك أحسنُ من الأحرار"، و"حمارُك أفرهُ من البغال".
والذي يدل على أن الأول في حكم المنوّن، إلَّا أنّه لا ينصرف لوزن الفعل والصفةِ أته إذا نقص عن وزن الفعل، يدخله التَنوينُ، نحوَ قولك: "عبدُك خيرٌ من الأحرار"، و"بَغْلُك شرٌّ من الحَمِير"، لمّا حذفت الهمزة تخفيفًا، نقص الاسمُ عن لفظ الفعل، فانصرف، والذي يدل على أن ما لا ينصرف في حكم المنؤن، وإن لم يكن فيه تنوينٌ قولُك: "هؤلاء حَواجُّ بيتَ الله، وضوارِبُ زيدًا".
واعلمْ أن إضافةَ " أفعلَ" هذه التي يراد بها التفضيلُ من الإضافات المنفصِلة غير المحضة، فلا تفيد تعريفًا, لأن النُيَّة فيها التنوينُ والانفصالُ، لتقديرك فيها "مِنْ". وإنما كانت "مِنْ" فيها مقدرةً، لأن المراد منها التفضيلُ. فإذا قلت: "زيدٌ أفضلُ من عمرو"، فقد زعمتَ أن فَضْلَ زيد ابتدأ من فضلِ عمرو راقِيًا صاعدًا في مَراتِبِ الزيادة، فعُلم بهذا أته أفضلُ من كل مَنْ كان مقدارُ فضله كفضلِ عمرو، وأنه علا من هذا الابتداء، ولم يُعلَم موضعُ الانتهاء، كما تقول: "سار زيدُ من بغدادَ " فعلِم المخاطَبُ ابتداءِ مَسِيره، ولم يعلم أَيْنَ انتهى. فلفا كان معنى الباب الدَلالةَ على ابتداءِ التفضيل على مقدارِ المفضَّل عليه وكل مَن كان في منزلته؛ لم يكن بد من الدلالة على هذا المعنى.
وقد تُحذف "مِنْ" من اللفظ تخفيفًا، ويضاف الاسم الأول إلى الثاني، وهي مرادةٌ مقدَّرةٌ، وإذا كانت "مِنْ" مقدَّرةً، فصلته مما قبله، فلذلك كانت إضافتُه منفصلة، ولا يضاف إلَّا إلى ما هو بعضُه، نحوَ قولك: "زيدٌ أفضلُ الرجال", لأنه واحدُ منهم.
وتقول: "هو أفضلُ رجلٍ"، وأصله: أفضلُ الرجال، إلَّا أنك خففتَ فنزعتَ الألفَ واللام، وغيرتَ بناءَ الجمع إلى الواحد الشائع دالًّا على النوع مُغْنًى عن لفظ الجمع الدالِّ على ذلك المعنى. وإن أتيتَ بالألف واللام والجمع، فقد حقّقتَ، وجئت بالأصل، وأعطيتَ الكلامَ حقه، وإن آثرتَ التخفيف والاختصارَ، اكتفيتَ بالواحد المنكورِ, لأنه يدل على الجنس، فكان كقولك: "أفضلُ الرجال"، إذ المرادُ بالرجال الجنسُ، لا رجالٌ معهودون، فهو كقولهم: "أهْلَكَ الناسَ الدرهمُ والدينارُ"، أي: حسن الدراهم والدنانيرِ.
стр. 608
ومثلُ ذلك في تركِ الألف واللام، والاستغناء عن الجمع بالواحد المنكورِ، قولُك: "كل رجلٍ"، والمرادُ الرجال، ومثلُه قولهم: "عشرون درهمًا"، والمرادُ: من الدراهم.
وتقول: " هما أفضلُ رجلَيْن"، و"هم أفضلُ رجالٍ"، والمعنى أنّهما يفضُلان هذا الجنسَ إذا مُيزوا رجلَيْن رجلَيْن، ويفضلونه إذا مُيّزوا جماعة جماعة فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وله معنيان: أحدهما أن يراد أنه زائد على المضاف إليهم في الخصلة هو, وهم فيها شركاء. والثاني أن يؤخذ مطلقاً له الزيادة فيها إطلاقاً, ثم يضاف لا للتفضيل على المضاف إليهم, لكن لمجرد التخصيص، كما يضاف ما لا تفضيل فيه وذلك نحو قولك الناقص والأشج أعدلا بني مروان، كأنك قلت عادلا بني مروان, فأنت على الأول يجوز لك توحيده في التثنية والجمع وأن لا تؤنثه قال الله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس﴾ (١)، وعلى الثاني ليس لك إلا أن تثنيه وتجمعه تؤنثه.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ "أَفْعَل" على ضربَيْن: أحدُهما أن يكون مضافًا إلى جماعة هو بعضُهم، تزيد صفتُه على صفتهم، وجميعُهم مشترِكون في الصفة، فتقول: "عبدُ الله أفضلُ القوم"، فهو أحدُ القوم، وهم شُركاءُ في الفضل المذكور، يزيدُ فضلُه على فضلهم. والذي قضى بذلك كلمةُ " أَفْعَلَ" من حيث كانت مقدرة بالفعل والمصدرِ. فإذا قلت: "زيد أَفضلُ القوم"، فالتقديرُ أنه يزيد فضلُه عليهم، أو يرجَح فضلُه، والرجَحانُ إئما يكون بعد التساوي، وكذلك لفظُ الزيادة يقتضي مَزيدًا عليه، فلذلك من المعنى اشترطوا الشرْكَةَ في الصفة.
وقد ذهب بعضُهِم إلى أنّ اشتراطَ الاشتراك في الصفة لا يلزمُه، واستدل على ذلك بقولهم: "ابنُ العَمّ أحَقُّ بالمِيراث من ابن الخال"، وإن كان لا حق لابن الخال الذي الميراث، ومثلُه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (٢)، وإن كان لا خيرَ في مستقر أهلِ النار، ولا حُسْنَ في مقيلهم.
وهذا لا حُجةَ لهم فيه, لأنّ ذلك جاء على زَعْمهم واعتقادِهم، وذلك أنهم كانوا يعتقِدون أن مُطْلَقَ القَرابةِ يوجِب الميراثَ، سواء كانوا من ذوي الأرحامِ أو العَصَباتِ، فقيل: "ابنُ العم أحق بالميراث من ابن الخال"، لأنه أقربُ، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ جاء على زَعْمهم واعتقادِهم أنّ مقيلهم في الآخرة حسنٌ، ومستقَرهم جميل، فقال: إن نزلنا معكم نُزولَ نَظَرٍ، فاصحابُ الجنة يومئذٍ خيرٌ مستقرًّا وأحسنُ مقيلًا.
стр. 609
والثاني: أن تُؤْخَذ الزيادة مُطْلَقًا من غيرِ تعرُّض إلى ابتدائها، ولا انتهائِها، وتصير من صفاتِ الذات بمنزلةِ الفاضل، إلَّا أن في الأفضل مبالغةً ليست في الفاضل، وتُضيفه إلى ما بعده، لا لتَفْضيله عليهم، وتقديرِ "مِنْ" على ما كان في الأول، لكن للتخصيص، كما تكون إضافةُ ما لا تفضيلَ فيه، فتقول: "أَفْضَلُكم" كما تقول: "فاضِلُكم"، أىِ: الفاضلُ المختصُّ بكم.
ومنه قولهم: "الناقِصُ والأشَجُّ أَعْدَلَا بني مَرْوانَ"، فقولهم: "أعدلا" ها هنا بمعنَى العادلين منهم، ألا ترى أنّه ثنّاه، ولو كان المرادُ التفضيلَ لكان موحَّدًا على كلّ حال.
والأشَج ههنا عمرُ بن عبد العزيز بن مَرْوانَ، وكان يقال له: "أَشَجُّ بني أُمَيَّة" من أجلِ شَجَّةِ حافِرِ دابةٍ، كانت بجَبْهته، وكان أعدلَ أهلِ زمانه، وأُمُّه أمُّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ﵁. وكان يقول عمر بن الخطاب: "إنّ من وُلدِيَ رجلًا بوَجْهه أَثَرُ يَمْلأُ الأرضَ عَدْلًا كما مُلِئتْ جَوْرًا". ولما نَفَحَه حمار برِجْله، فأصاب جَبْهَتَه، وأثرَ فيها، قيل: "هذا أشجُّ بني أُميَّةَ، يملِك ويملأ الأرضَ عدلًا"، فملك بعد سليمانَ بنِ عبد المَلِك سنةَ ست وتسعين، وكانت وِلايتُه سنتَيْن وتسعةَ أشْهُر.
والناقِص هو يزيدُ بن الوَلِيد بن يزيد بن عبد المَلِك بن مروان، وَلِيَ الخلافةَ ستةَ أشهر، أو أقَل، وَلِيَ سنةَ ست وعشرين ومائةٍ، وكان عادلًا، مُتكِرًا للمُنْكَر، وهو الذي قتل ابنَ عمّه الوليدَ، إذ كان مُسْرِفًا على نفسه، وكان يقال له: "الناقِصُ", لأنه نقص من أرْزاقِ الجُنْد، وحط منها. يقال: "نقصتُه فأَنَا ناقِصُهُ، ونَقَصَ الشيءُ فهو ناقِصٌ". يكون متعدّيًا وغيرَ متعدّ.
فالنوع الأول: منهما لا يُثنَّى، ولا يُجمع، ولا يُؤنث؛ لأنّه مقدر بالفعل والمصدر، فإذا قلت: "زيدُ أفضلُ القوم"، كان معناه يزيد فضلُه عليهم، فكل واحد من الفعل والمصدرِ لا يصح تثنيتُه، ولا جمعُه، ولا تأنيثُه، فكذلك ما كان في معناهما، ولذلك لا يدخله ألف ولامُ، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (١) فوحّد، وإن كانوا جماعةَ.
وقال بعضهم: إنما لم يُثَن "أفعلُ" ولم يُجمع، ولم يؤنث؛ لأنه مضارعٌ لـ "بَعْض" الذي يقع للتذكير، والتأنيثِ، والواحدِ، والاثنين، والجمع، إذ كان بعضًا لِما أضيف إليه، ولا يكون إلَّا نكرة، كما أن الفعل كذلك، إذ حل محلَّهَ.
وقال الكوفيون: إذا أضيف على معنَى "مِنْ"، فهو نكرة، وهو رأيُ أبي علي، وإذا أضيف على معنى اللام، فهو معرفة. وقال البصريون هو معرفة بالإضافة على كلّ حال إلَّا أن يضاف إلى نكرة.
стр. 610
وأما النوع الثانيِ: فإنّك تُثنيه، وتجمعه، وتؤنّثه، وتُدخِل فيه الألفَ واللام، فتقول: "زيدٌ الأفضلُ أبًا، والأكرمُ خالًا". وتقول في التثنية: "هما الأفضلان"، وفي الجمع: "هم الأفضلون، والأفاضِل". قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (١)، ويكون بناء المؤنث على غيرِ بناءِ المذكر، فتقول: "هندٌ الفُضْلَى"، وفي التثنية: "الفُضْلَيان"، وفي الجمع: "الفُضْلَياتُ"، و"الفُضَلُ"، كما تقول: "الفاضلُ", و"الفاضلة"، و"الفاضلان"، ولا يصحّ دخولُ "مِنْ" فيه، لا تقول: "الأفضلُ منك"؛ لأن "مِنْ" إنما يُؤْتَى بها إذا كان "أفضل" بمعنَى الفضل، فتدخل لابتداءِ الغاية التي منها ابتداء الفضل، فإذا نقلتَه إلى الذات، بطل ذلك المعنى. فأمّا قوله [من السريع]:
٣٦٤ - ولستَ بالأكثَرِ منهم حصَى ... وإنما العِزةُ للكاثِر
فإن "مِنهُم" لا يتعلق بـ "الأكثر" الملفوظِ بها، ويحتمِل أمرَيْن:
أحدُهما: أن يتعلق بـ "أكثر" محذوفة، دل عليها قوله: "بالأكثر" كأنه قال: "ولست بالأكثر بأَكْثَر منهم" لأنه إذا جاز أن تقول: "زيدٌ الأفضلُ أَبًا"، جاز أن تقول: "زيدٌ أفضلُ أبًا" لأن كل واحد يدل على الآخر.
стр. 611
والثاني: أن يكون معناه التبيين، فيتعلق بمحذوفٍ، كأنه قال: "أعني منهم"، ويكون المعنى: ولست بالأكثر من قبيلتك، أي: فيهم من هو أكثر منك.
* * *
قال صاحب الكتاب: وقد اجتمع الوجهان في قوله ﵇:"ألا أخبركم بأحبكم إليَّ, وأقربكم مني مجالس يوم القيامة, أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافاً الذين يألفون, ويؤلفون, ألا أخبركم بأبغضكم إليّ, وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة, أساوئكم أخلاقاً الثرثارون المتفيهقون" (١).
* * *
قال الشارح: هذا الحَدِيث عن أبي هُرَيْرةَ عن النبي ﷺ ، يحُثّ فيه على حُسْنِ الخُلُق، ولِينِ الجانب، فالمُوَطؤُونَ: الليّنونَ، من قولهم: "وَطَّاْتُ الفِراشَ" أي: لينتُه، ومَهْدتُه. والأكناف: جمعُ كَنَفٍ، وهو الجانِبُ، ومنه كَنَفَا الطائر: جَناحاه، وقوله: "الذين يَألَفون ويُؤْلَفون" أي: يصحَبون الناس بالمعروف، فيُرغَب في صُحْبَتهم للِينهم، ورِفْقِهم، من قوله: "المؤمنون هَينون ليّنون" أي منقادون. وقوله: "الثرْثارون المُتَفَيهِقُون" يريد الذين يُكثِرون الكلامَ، ويتكلفون فيه، فيخرِجون عن القصد والحق. يقال: "رجلٌ ثَرثارٌ"، وهو المِكثار في الكلام، ومنه "عَينٌ ثرَّةٌ، وثَرْثارَة" إذا كانت واسعةَ الماء، ويقال: "الثرثارُ: نهرٌ بعينه"، كأنّه سُمي بذلك لكثرةِ مائه، وليس الثرثارُ من لفظِ الثرّة، إنّما هو من معناه، وان وافَقَه في بعضِ حروفه، إنّما هو كسَبط وسِبَطْر، ودَمِث ودِمَثْرٍ، فـ "ثَرَّة"، من باب "حَبّ"، و"دَرّ"، و"ثَرْثارَة": من بابِ "زَلزَل"، و"قَلْقلَ"، والمُتَفْيهِق: هو الذي يتوسع في كلامه ويُفْهِق به فَمَه.
وقد جاء تفسير للحديث فيه: قيل: ما المُتفَيهِقون؟ قال: المتكثرون، وكأنّه يؤُول إلى الأول، لأنه يكون من التكثير.
والشاهد فيه أنه وحد "أَحَبَّكُم"، و"أقربَكم" لأنه أراد المعنى الأولَ، وهو و"أفعلُ" الذي بمعنى التفضيل، لأنه يكون في جميع الأحوال بلفظ واحد، لا يُثنى، ولا يُجمع، ولا يؤنث. وجَمَعَ "أحاسنكم" وهو جمعُ "أحسَنَ" لأنه لم يُرِد به التفضيلَ، وإنّما المرادُ به الذاتُ نحو"الحَسَنُ". وكذلك "أبغضكم" و"أقربكم" وحّدهما، لأنّ المراد بهما التفضيلُ، وجَمَعَ "أساوِئكم" وهو جمعُ "أَسوَأَ" لأنه بمعنى السَّيئ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وعلى الوجه الأول لا يجوز أن تقول: "يوسف أحسن
стр. 612
أخوته"؛ لأنك لما أضفت "الإخوة" إلى ضميره, فقد أخرجته من جملتهم من قبل أن المضاف حقه أن يكون غير المضاف إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: "هؤلاء إخوة زيد",لم يكن "زيدٌ" في عداد المضافين إليه، وإذا خرج من جملتهم, لم يجز إضافة "أفعل" الذي هو هو إليهم، لأن من شرطه إضافته إلى جملة هو بعضها.
وعلى الوجه الثاني لا يمتنع. ومنه قول من قال لنصيب: "أنت أشعر أهل جلدتك", كأنه قال: أنت شاعرهم:
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إن أفعل على ضربَيْن، أحدُهما: أن يكون بمعنى الفعل، نحوَ: "زيدٌ أفضلُ القوم"، أي: يفضُلهم. والثاني: أن يكون من صفاتِ الذات بمعنَى الفاضل فيهم، فإذا قلت: "زيدُ أفضلُ القوم"، وأردتَ تفضيلَه عليهم، فلا بدّ من تقديرك "مِنْ" فيه، وإن لم تكن ملفوظًا بها, لأن التفضيل لا بد أنْ يُذَكَر فيه ابتداء الغاية التي منها بَدْءُ الفضل راقيًا، وذلك إنّما يكون بِـ "منْ"، فإن أظهرتَها، فهو حقُّ الكلام، وإن حذفتَها، فلعِلْمِ المخاطَب أن التفضيل لا يقع إلَّا بها، إلّا أنّك إذا أظهرتَها، فقد فضلتَه على غيره، وإذا أضفتَه، ولم تأتِ بِـ "منْ"، كنت قد فضلتَه على جنسه الذي هو بعضُه، وإذ قد عُلم أن "أفعل" إنما يضاف إلى ما هو بعضُه، فَلْيُعْلَمْ أنَّه لا يجوز أن تقول: "يوسف أحسنُ إخْوَتِه" وذلك أنك إذا أضفت "الإخوة" إلى "ضميره" خرج من جملتهم، وإذا كان خارجًا منهم؛ صار غيرَهم، وإذا صار غيرَهم، لم يجز أن تقول: "يوسف أحسن إخوته" كما لا يجوز أن تقول: "الياقُوتُ أفضلُ الزَّجاج"؛ لأنّه ليس من الزجاج، فحينئذٍ يلزم من المسألة أحدُ أمرَين، كل واحد منهما ممتنعٌ، أحدُهما ما ذكرناه من إضافةِ "أفعل" إلى غيره، إذ إخوةُ زيدٍ غيرُ زيد، والأمرُ الثاني إضافةُ الشيء إلى نفسه، وذلك أنّا إذا قلنا: إن زيدًا من جملةِ الأخوة نَظَرًا إلى مقتضَى إضافةِ "أفعلَ"، ثم أضفتَ "الأخوةَ" إلى ضميرِ "زيد"، وهو من جملتهم، كنت قد أضفتَه إلى نفسه بإضافتك إياه إلى ضميره، وذلك فاسدٌ.
فأمّا على النوع الثاني، وهو أن يكون "أفعلُ" فيه للذات بمعنَى "فاعلٍ"، فإنه يجوز أن تقول: "يوسف أحسنُ إخوتِه"، ولا يمتنع فيه كامتناعه من القسم الأول، إذ المرادُ أنّه فاضلٌ فيهم، لأنه لا يلزم في هذا النوع أن يكون "أفعلُ" بعضَ ما أضيف إليه، وعليه جاء قولهم لنُصَيْبٍ: "أنتَ أشعرُ أهلِ جِلْدتِك"؛ لأن أهلَ جلدته غيرُه، وإذا كانوا غيره، لم تسغ إضافةُ "أفعلَ" إذا كان هو إيّاه إليهم، لِما ذكرتُه. ويجوز على الوجه الثاني، لأنه بمعنَى الشاعر فيهم، أو شاعرهم فاعرفه.
стр. 613
[إضافة الاسم إلي غيره بأدني مناسبة]
قال صاحب الكتاب: ويضاف الشيء إلى غيره بأدنى ملابسة بينهما ,كقول أحد حاملي الخشبة لصاحبه: "خذ طرفك", وقال [من الطويل]:
٣٦٥ - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرةٍ ... [سهيلٌ أذاعت غزلها في القرائب]
أضاف "الكوكب" إليهم لجدِّها في عملها إذا طلع, وقال [من الطويل]:
٣٦٦ - إذا قال قدني قال بالله حلفة ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا
لملابستة له في شربه, وهو لساقي اللبن.
* * *
стр. 614
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إن الإضافة المحضة على ضربين: إضافةُ اسم إلى اسم هو بعضُه لبيان جنس المضاف لا لتعريف شخصه، ويقذر لذلك بـ "مِنْ" نحوَ قولك: "ثوبُ خزّ وبابُ ساج"، والثاني: إضافة اسم إلى اسم غيرِه بمعنى اللام، لتعريف شخصِ المضاف وتخصيصِه بالتعريف، نحو: "غلامُ زيد"، عرّفتَ "الغلامَ" بإضافتك إياه إلى معرفة، والتخصيصُ نحو قولك: "راكبُ فرس" فإضافتُه ههنا إلى نكرةٍ، لا تفيد التعريفَ، وإنّما تفيد ضربًا من التخصيص، وإخراج المضاف من نوع إلى نوع أخَص منه. ألا ترى أن "راكب فرس" أخص من "راكب".
فالمراد بالإضافة الأُولى التبعيضُ، وأن الثاني أعم من الأول، وأنّ له اسمَه. والمرادُ بالإضافة الثانية المِلْكُ، أو الاختصاص، فالملكُ نحو: "غلامُ زيد"، ومعناه أنه يملِكه، والاختصاصُ نحو: "سيدُ الغلام"، أي: يختص به بما بينهما من المُلابَسة والاختلاطِ. ومنه "جُلّ الدابَّة"، و"سَرج الفَرَس".
ويضاف الشيء إلى الشيء بأدنَى مُلابسة، نحو قولك: "لَقِيتُه في طريقي"، أضفتَ "الطريقَ" إليك لمُجردِ مُرورِك فيه، ومثلُه قولُ أحدِ حامِلَي، الخَشَبَةِ: "خُذ طَرَفَك"، أضاف "الطرفَ" إليه، لملابسته إياه في حالِ الحَمل، فأما قول الشاعر [من الطويل]:
إذا كَوكَبُ الخَرقاءِ لاحَ بسُحرَةٍ ... سُهَيل أَذاعَت غَزلَها في القَرائبِ
стр. 615
فالشاهد فيه أنه أضاف "الكوكبَ" إليها لجدِّها في عَمَلهاعند طُلوعه، وذلك أن الكَيّسة من النساء تستعِدّ صَيْفًا، فتنامُ وقتَ طلوعِ سُهَيْل، وهو وقتُ البَرد، والخرقاءُ ذاتُ الغَفْلة تكسَل عن الاستعداد، فهذا طلع سهيل، وبردتْ تَجِد في العمل، وتفرق قُطنَها في قَبِيلتها تستَعِين بهت، فخصّصها لذلك.
وكذلك قولُ الآخر [من الطويل]:
إذا قال فَدني ... إلخ
كذا أنشده أبو الحسن باللام للقَسم، وفتحِ آخِرِ الفعل على إرادةِ نونِ التأكيد، وحَذْفِها ضرورة، وأنشد أحمدُ بن يَحْيَى: "لَتُغْنن عنّي" بنون التأكيد الشديدة.
والبيت الشاهدُ فيه أنه أضاف "الإناءَ" إلى المخاطَب لمُلابَسته إياه وقتَ أَكله منه، أو شُرْبِه ما فيه من لَبَنٍ، أو مأكولٍ. والعربُ تقول: "أَغنِ عني وَجهَك"، أي: اجعله بحيثُ يكون غنيًّا عني، لا يحتاج إلى رُؤيَتي.
يقول له الضيفُ: "قَدنِي"، أي: حَسبِي ما أكلتُ، أو شرِبتُ، فيقول المُضِيفُ: "لَتُغنين عني جميعَ ما في الإناء، ولا تَرُده على بل اشرَبه كله". يصفُ رجلًا مِضيافًا.
فصل [موانع الإضافة]
قال صاحب الكتاب: والذي أبوه من إضافة الشيء إلى نفسه أن تأخذ الاسمين المعلقين على عين أو معنى واحد كالليث والأسد وزيد وأبي عبد الله والحبس والمنع ونظائرهن فتضيف أحدهما إلى الآخر فذلك بمكان من الإحالة. فأما نحو قولك جميع القوم وكل الدراهم وعين الشيء ونفسه فليس من ذلك.
* * *
قال الشارح: إضافةُ الشيء إلى نفسه ممّا لا يصح، وذلك من قِبَل أن الغرض من الإضافة التعريفُ، والتخصيصُ، والشيءُ لا يُعرف بنفسه, لأنه إن كان معرفة، كان مستغنيًا عن الإضافة بما فيه من التعريف, لأن نفسه موجودة، غيرُ مفقودةٍ، وليس في الإضافة إلَّا ما فيه، وإن كان عاريًا منه، كان أذهبَ في الإحالة، والامتناع, لأن الاسمَيْن المترادِفين على حقيقةٍ واحده لا يصيران غَيرَين بإضافةَ أحدهما إلى الآخر، ويَخدُثَ بذلك تخصيص، كما يحدُث من إضافةِ الأسماء المتباينةِ، نحو: "غلامُ زيد"، و"راكبُ فرس"، مع أن التضايُف إنما يقع بين شيئَين، كل واحد منهما غيرُ الآخر، كما أن التفْرِقَة تكون أيضًا فيما كان كذلك؛ فلذلك لا تضيف اسمًا إلى اسم آخرَ مُرادِفٍ له على حقيقته، ولا إلى كُنيَته سواءً كان ذلك الاسمُ معلَّقًا على عين، أو معنى، فالعينُ نحو قولك: "اللَّيثُ والأَسَدُ"، لا تقول: "ليثُ
стр. 616
الأسدِ"، ولا "أسامَةُ أبي الحارِث"، ولا "زيدُ أبي عبدِ الله"، وأبو عبد الله زيد. والمعنى نحو: "الحَبس"، و"المَنع"، فلا تقول: "حَبْسُ مَنْع" إذ الحبس والمنع واحد.
فأما إضافةُ الاسم إلى اللقب نحو: "سَعِيدُ كُرز"، و"قَيسُ بَطةَ"، فذلك جائز غيرُ ممتنعِ، وإن كانا لعَينٍ واحدةٍ، وذلك من قِبَلِ أنه لمّا اشتهر باللقب، حتى صار هو الأعرفَ، وصار الاسمُ مجهولًا، كأنّه غيرُ المسمّى بانفراده؛ اعتُقد فيه التنكيرُ، وأضيف إلى اللقب للتعريف، وجعلوا الاسمَ مع اللقب بمنزلةِ ما أضيف، ثم سُمّي به، نحوَ: "عبد الله، و"عبد الدار"، وكان اللقبُ أَوْلى أن يضاف إليه, لأنّه صار أعرفَ.
فأقا قولهم: "جَميعُ القَوْم"، و"كل الدراهِم"، و"عَيْنُ الشيء"، و"نَفْسُهُ"؛ فعلى تنزيل الأول من الثاني منزلةَ الأجنَبي، وإضافتُه راجعة إلى معنى اللام و"مِنْ"، فـ "جميع" و"كل" اسمان لأجزاءِ الشيء، و"نَفْسُهُ" و"عَينُهُ" منزّلان عندهم منزلةَ الأجنبيّ بمعنَى خالِصِ الشيء وحقيقتِه، فيقولون: "نفسُ الشيء"، و"عينُه"، فتكون منزلتُه من الشيء منزلةَ البعض من الكل، والثاني منه ليس بالأول، ألا ترى أنه يقال: "لَهُ نَفْسٌ، وله حقيقةٌ" كما يقال. "له عِلْمٌ، وله مال" ونحوهما، ولذلك يُخاطِبون انْفُسَهم ويُراجِعونها مُراجَعَةَ الأجنبيّ، فيقال: "يا نفسُ لا تَفعَلِي"، كذا قال الشاعر [من الوافر]:
٣٦٧ - ولي نَفْسٌ أقولُ لها إذا مَا ... تُنازِعُني لَعَلّي أو عَسانِي
стр. 617
وقال الآخر [من البسيط]:
٣٦٨ - أقولُ للنفس تَأساءً وتَعْزِيَة ... إحْدَى يَدَيَّ أَصابَتْنِي ولم تُرِد
ويُؤيِّد ذلك أنك لا تقول: "ضربتُنِي" بضتم التاء، ولا "ضربتَك" بفتحها، لاتحادِ الفاعل والمفعول، وتقول: "ضربتُ نفسي" كما تقول: "ضربتُ غلامي"، فاعرفه.
فصل [ما لا يجوز إضافته]
قال صاحب الكتاب: ولا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته ولا الصفة إلى موصوفها وقالوا دار الآخرة وصلاة الأولى ومسجد الجامع وجانب الغربي وبقلة الحمقاء على تأويل دار الحياة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد الوقت الجامع وجانب المكان الغربي وبقلة الحبة الحمقاء.
وقالوا عليه سحق عمامة وجرد قطيفة وأخلاق ثياب وهل عندك جائبة خبر ومغربة خبر على الذهاب بهذه الأوصاف مذهب خاتم وسوار وباب ومائة لكونها ومحتملة مثلها ليلخص أمرها بالإضافة كفعل النابغة في إجراء الطير على العائذات بياناً وتلخيصاً لا تقديماً للصفة على الموصوف حيث قال [من البسيط]:
٣٦٩ - والمؤمن العائذات الطير [تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند]
* * *
стр. 618
قال الشارح: الصفة والموصوف شيءٌ واحدٌ، لأنهما لعَين واحدة، فهذا قلت: "جاءني زيدٌ العاقلُ"، فـ "العاقلُ" هو زيدٌ، و"زيدٌ" هو العاقلُ، ألا ترى أنك إذا سُئلتَ عن كل واحد منهما، جاز أن تُفسره بالآخر، فتقول في جوابِ "مَن العاقلُ": "زيدٌ"، وفي جوابِ "مَن زيدُ": "العاقلُ". فإذا كانت الصفةُ والموصوفُ شيئًا واحدًا، لم يجز إضافةُ أحدهما إلى الآخر، فلا تقول: "هذا زيدُ العاقِل"، و"هذا عاقلُ زيدٍ" بالإضافة، وأحدُهما هو الآخرُ.
وقد ورد عنهم ألفاط، ظاهرُها من إضافةِ الموصوف إلى صفته، والصفةِ إلى موصوفها، والتأويلُ فيها على غيرِ ذلك. فمن ذلك قولهم: "صلاةُ الأُولى"، و"مَسْجدُ الجامِعِ"، و"جانبُ الغَرْبى"، و"بَقلَةُ الحَمقاءِ"، فهذه الأشياءُ حقها أن تكون صفة للأول، إذ الصلاة هي الأُولى، والمسجد هو الجامعُ، وإنما أُزيل عن الصفة، وأُضيف الاسمُ إليه على تأويلِ أنه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقديرُ: صلاة الساعةِ الأُولى، يعني من الزوال، ومسجدُ الوَقْت الجامع، أو اليوم الجامع، وجانبُ المكان الغَرْبي، وبَقْلَةُ الحَبة الحَمقاءِ، سُقيت حمقاءَ لأنها تنبُت في مجارِي السَّيْل، فتجرُفُها السُّيُولُ.
فإن قلت: "الصلاةُ الأُولى"، و"المسجدُ الجامِعُ"، فأجريتَه وصفًا له، فهو الجيدُ والأكثرُ، وإن أضفتَ، فوَجهُه ما ذكرناه. وهو قبيحٌ لإقامتك فيه الصفةَ مُقامَ الموصوف، وليس ذلك بالسهل.
стр. 619
ومثله "دارُ الآخرة"، و"حقُّ اليقين" و"حَبُّ الحَصيد"، وتأويلُه: دارُ الساعة الآخرةِ، ولذلك تُسمى القيامةُ الساعةَ، وحق الأمر اليقينِ، وحبُّ النبت الحَصيد، وكذلك كل ما جاء منه.
وقالوا: "عليه سَحقُ عمامةٍ، وجَرْدُ قَطِيفَةٍ، وأَخلاقُ ثِياب، وهل عندك جائبَةُ خَبَرٍ، ومُغَرِّبَةُ خَبَرٍ"، فهذا ظاهرُه عَكسُ ما تقدّم, لأن ما تقدّم فيه إضافة الموصوف إلى صفته، وهذا فيه إضافةُ الصفة إلى موصوفها، ألا ترى أن المعنى: عليه عمامةٌ سَحْقٌ، وهي الباليةُ، وقطيفةٌ جَرْدٌ، وهي الخَلَقُ، وثيابٌ أخلاق، أي: باليةُ، فقدم هذه الصفاتِ، وأزالها عن الوصفية، وأضافها إلى الاسم إضافةَ البعض إلى الكل على مذهب "خاتَمُ ذَهَبٍ"، والمرادُ: من ذهب، و"سوارُ فِضة"، أي: من فضة، كأنه سَحْقٌ من عمامة، جَعَل السحق بعضَ العمامة. وكذلك "جَرْدُ قطيفة" أي: من قطيفة، وأَخْلاقٌ من ثياب.
ومنه قولهم: "جائبَةُ خَبَر"، ومعناه خبرٌ يجوبُ الأرضَ من بَلَد إلى بلد، أي: يقطَعُها. يقال: جُبْتُ البِلادَ أجُوبُها، إذا قطعتَها، فلما قدمها، وأزالها عن الوصفية، احتملت أشياء، وتردّدت فيها، فأضافها إلى الخَبَر إضافةَ بيان، كقولك: "مائةُ درهمٍ" لما احتملت "المائةُ" معدوداتٍ، أضافها إلى نوع منها للبيان.
ومثله "مُغرِّبةُ خبرٍ". يقال: "هل جاءَكم مُغرِّبةُ خبرٍ" يعني خبرًا طَرَأَ عليهم من بَلَد سوى بَلَدكم، فهو لذلك غريبٌ، فلمّا قدمها، احتملت الخَبَرَ، وغيرَه، فأضافها إلى الخبر على ما تقدّم لتلخيصِ أمرها، وتَبْيينه. والهاءُ في "جائبة"، و"مغربة" للمُبالَغة كـ "علامة" و"نَسابَهٍ"؛ فأمّا قوله [من البسيط]:
والمُؤمِنِ العائذاتِ الطيرِ تَمسَحُها ... رُكبانُ مَكة بينَ الغَيلِ والسنَد (١)
فالبيت للنابغة، والشاهدُ فيه إضافةُ "العائذات" إلى "الطير"، فهو من قبيلِ "سَحْقُ عِمامةٍ"؛ لأن "العائذاتِ" من صفةِ الطير. وجملةُ الأمر أن "المؤمن" اسمُ فاعل من "آمَنَ"، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢)، فالمؤمنُ، هو الله تعالى، أي: آمنهم من الخَوف لكونهم في الحَرَم، وحُلولِهم فيه.
و"العائذات" يحتمل أمرين: أن يكون مجرورًا، وأن يكون منصوبًا، فمَن جعله مجرورًا؛ كانت الكسرةُ عنده علامة الجر على حد "الحَسَنُ الوجهِ"، و"الضارب الرجلِ"، وجَرّ "الطير" بإضافةِ "العائذات" إليه على حد "هذا الضاربُ الرجل"، و"الحسنُ الوجهِ". وذلك أنك لما أَوْقعتَ اسمَ الفاعل الذي هو المؤمنُ على العائذات، وأَضفتَه إليه تخفيفًا على إقامةِ الصفة مقامَ الموصوف؛ احتمل أشياءَ من أَناسى، وغيرِهم، فبَيَّنَ ذلك بإضافته إلى الطير.
стр. 620
ومَن نصبه، كانت الكسرةُ عنده علامةَ النصب على حدّ قولك: "الضارب الرجلَ" بالنصب، ويجوز مع ذلك خفضُ "الطير"، ونصبُه. فالخفضُ على الإضافة على ما سبق على حدّ "رأيتُ الضاربَ الرجلِ". ومَن نصبه، فعلى البدل من "العائذات"، أو عطفِ البيان، أو على التشبيه بالمفعول.
فصل [إضافة المسمي إلي اسمه]
قال صاحب الكتاب: وقد أضيف المسمى إلى اسمه في نحو قولهم لقيته ذات مرة وذات ليلة ومررت به ذات يوم وداره ذات اليمين وذات الشمال وسرنا ذا صباح قال أنس بن مدركة الخثعمي [من الوافر]:
٣٧٠ - عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود
وقال الكميت [من الطويل]:
إليكم ذوي آل النبي تطلّعت ... نوازع من قلبي ظماء وألبب (١)
* * *
قال الشارح: اعلم أنهم قد أضافوا المسمى إلى الاسم مبالغة في البيان؛ لأن الجمع بينهما آكَدُ من إفرادِ أحدهما بالذكر، وفي ذلك دليلٌ من جهةِ النحو أنّ الاسم عندهم غيرُ
стр. 621
المسمى، إذ لو كان إيّاه لَمَا جاز إضافتُه إليه، وكان من إضافةِ الشيء إلى نفسه، فالاسمُ هو اللفظُ المعلَّقُ على الحقيقة، عينًا كانت تلك الحقيقةُ أو معنى، تمييزًا لها باللقب ممن يُشاركها في النوع، والمسمى تلك الحقيقةُ، وهي ذاتُ ذلك اللقب، أي: صاحبُه. فمن ذلك قولُهم: "لقيتُه ذاتَ مرة"، والمراد الزمنُ المسمّى بهذا الاسم الذي هو مرة. ومثلُه "ذاتَ لَيْلَة"، و"مررتُ به ذاتَ يوم"، و"داره ذاتَ الشمال"، و"سِرْنا ذا صباح". كل هذا معناه وتقديرُه: دارُه شمالًا، وسرنا صباحًا بالطريق التي ذكرناها، إلّا أن في قولنا: "ذا صباحٍ"، و"ذاتَ مرة" تفخيمًا للأمر. ومن ذلك قول الشاعر [من الوافر]:
عَزَمْتُ على إقامةِ ذهب صَباح ... إلخ
المراد: على إقامةِ صاحبِ هذا الاسم، وصاحبُه هو صباحٌ، فكأنه قال: على إقامةِ صباح.
و"مَا" مجرورةُ الموضع؛ لأنها وصف لأمر، أي: عَتِيدٍ ومُؤَثّر، يسوّد من يسود.
ومثله قول الكُمَيت [من الطويل]:
إِلَيْكُمْ ذَوِي آل النبِيّ ... إلخ
المراد إليكم يا آل النبي، أي: يا أصحابَ هذا الاسم الذي هو آل النبي. ولو قال: "يا آل النبي"، لم يكن فيه ما في قوله: "يا ذَوِي آل النبيّ"، من المَدْح، والتعظيمِ. وفائدةُ هذا الأسلُوب ظاهرةٌ, لأنه لما قال: "يا ذوي آلِ النبي"، فقد جعلهم أصحابَ هذا الاسم، وهو آل النبي، ومن كان صاحبَ هذا الاسم؛ كان ممدوحًا معظمًا لا محالةَ.
وكان قياسُ البيت "ألبُّ" بالادّغام، وإنّما فكه لضرورةِ الشعر على حد قوله [من البسيط]:
٣٧١ - [مهلا أَعادِل قَدْ جَربتِ مِنْ خُلُقي] ... أَنّي أجُودُ لأقوامٍ وإنْ ضَنِنُوا
стр. 622
ومنه قول الأَعْشَى [من البسيط]:
٣٧٢ - فكَذْبُوها بما قالت فصَبّحَهم ... ذو آلِ حَسّان يُزْجِي الموتَ والشرَعَا
أي: صبّحهم الجيشُ الذي يقال له: "آلُ حَسانَ"، ومثلُه قول الآخر [من الوافر]:
٣٧٣ - إذا ما كنتُ مثلَ ذَوَي عَدِيّ ... ودِينارٍ فقَامَ عَلىّ ناعِي
стр. 623
أي: مثلَ كل واحد من الرجلَين المسميَيْن: عَدِيًا، ودينارًا، وعليه قراءةُ ابن مَسْعُودٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، أي: وفوق كل شخص يُسمى عالمًا عليمٌ. ويحتمل أن يكون "العالمُ" هنًا مصدرًا، بمعنى العِلْم، كالفالج، والباطل، فيكون كقراءةِ الجماعة، أي: وفوق كل ذي عِلْم عليمٌ. وحُكي عن العرب: "هذا ذو زيدٍ"، ومعناه هذا صاحبُ هذا الاسم. وقد كثُر ذلك عندهم. وربّما لطُف هذا المعنى على قوم، فحملوه على زيادة "ذِي" و"ذات"، والصوابُ ما ذكرناه.
فصل [إقحام المضاف]
قال صاحب الكتاب: وقالوا في نحو قول لبيد [من الطويل]:
٣٧٤ - إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... [ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر]
стр. 624
وفي قولِ ذي الرُمّة [من البسيط]:
٣٧٥ - [لا يَنعَشُ الطرف إلا ما تَخَوَّنَهُ] ... داعٍ يُنادِيهِ بِاسْمِ الماءِ مَبْغُومُ
و [من الطويل]:
٣٧٦ - تَداعَيْن باسمِ الشيبِ في مُتَثلمٍ ... [جوانبُهُ من بَصْرَة وسِلامِ]
стр. 625
إن المضاف، يَعْنون الاسمَ، مُقْحَم: خروجُه ودخولُه سواء وحَكَوْا: "هذا حَيُّ زيد"، و"أتيتُك وَحيُّ فلان قائمٌ، وحي فُلانةَ شاهِدٌ"، وأنشدوا [من الكامل]:
٣٧٧ - يا قُرّ إن أباكَ حَيَّ خُوَيْلِدِ ... قد كُنْتُ خائفَهُ على الإخماقِ
وعن الأخْفَش أنه سمِع أَعْرابيًا يقول في أبيات:"قالهن حيُّ رَباح" بإقحامِ "حيِّ" والمعنى: هذا زيدٌ، وإن أباك خويلدًا، وقالهن رباح. ومنه قولُ الشمّاخ [من الوافر]:
٣٧٨ - [ذعَرْتُ به القطا] ونَفَيتُ عنهُ ... مقام الذِئْبِ [كالرَّجُل اللعينِ]
أي: الذئب.
* * *
стр. 626
قال الشارح: هذا الفصل يُخالِف ما قبلَه؛ لأن هذا فيه إضافةُ الاسم إلى المسمى،
والذي قبله فيه إضافةُ المسمى إلى الاسم، فقولُ لبِيد [من الطويل]:
إلى الحَوْل ثُم اسمُ السلامِ علَيكُما ... ومَن يَبكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَر
فإنّ المراد: ثم اسمُ معنى السلام عليكما، فحذف المضافَ. واسمُ معنى السلام هو السلامُ، فكأنه قال: ثم السلامُ عليكَما، فكذا قولُنا: "بِاسْم اللهِ" المرادُ باسم معنى الله، أو اسم معناه الله، فكأنه قال: "باللهِ" ومثلُه قول ذي الرُمة [من البسيط]:
لا يَنْعَشُ الطرف إلا ما تَخَوَّنَهُ ... داع يُنادِيهِ باسمِ الماءِ مَبُغُومُ
المراد: باسمِ معني الماء، فحذف المضافَ، واسمُ معنى الماء هو الماء. و"ماء" حكايةُ صوت الشاة. قال الشاعر [من الطويل]:
٣٧٩ - ونادَى بها ماءٍ إذا ثَارَ ثَوْرَة ... أُصَيبِحُ نَوّامٌ إذا قام يَخرَقُ
стр. 627
وإذا كان أصلُ الصوت ماء، فالألفُ واللام فيه زائدة, لأنها لا تلحَق بهذا القبيل، ألا ترى أنهم لم يُلحِقوا بها "غَاقِ"، و"صَهْ" ونحوَه من "قَب"، و"طَقْ". قال سيبويه في "لَوْ" و"لَيْتَ" إذا جُعِلا اسمَين، جعلوه بمنزلةِ "ابن عِرْسٍ"، وقال في الحاء والجِيم جعلوه بمنزلةِ "العباس". ويجوز أن يُشبه أحدهما بالآخر، فيدخلَ عليه الألفُ واللام؛ لأنه كثُر دخولُها فيه. ومنه قولُ الآخر [من الرجز]:
٣٨٠ - يَدعُونَنِي بالماءِ ماءً أسوَدَا
يعني: بدعونني الغَنَمُ بالماء، أي: يَقُلْن لي بهذا الصوت الذي هو ماء: "أَصبْتَ مَاءً أَسْوَدَ"، وأما قول ذي الرمة [من الطويل]:
تَداعَينَ باسم الشيبِ في مُتثلِّم ... جوانِبُهُ من بَصْرَةٍ وسِلامِ (١)
فإن "شِيبِ" حَكايةُ صوت جَذبها الماءَ، ورَشفِها عند الشُرب، قال الشاعر [من الطويل]:
٣٨١ - فلما دَعَت شِيبًا بجَنبي عُنَيزةٍ ... مشافِرُها في ماء مُزنٍ وباقِلِ
стр. 628
وأبو عُبَيدَةَ يحمِل المضافَ في ذلك كلّه على الزيادة في هذا الفصل والذي قبلَه، فالمرادُ عنده بقوله:
ثُم اسمُ السلام عليكما
أي: السلامُ عليكما، فالمضافُ الذي هو "اسْمٌ" زائدٌ مُقْحَمٌ، وكذلك "اسْمٌ"، من "باسْم اللهِ"، المرادُ: بالله، وكذلك قوله: "إليكم ذَوِي آلِ النبي" (١)، المراد: آل النبي، و"ذُو" زائدةٌ عنده. ولَعَمْرِي أن المعنى على ما ذكر، إلَّا أن الطريقَيْن مختلفان، فهو يعتقِد في اللفظ زيادةَ مضاف، ونحن نعتقِد فيه حذفَ مضاف على ما تقدّم، وصاحبُ الكتاب، قد اعتقد زيادة المضاف الذي هو اسم هنا، ولم يعتقده في الذي قبله، فكأنه مذهبٌ ثالثٌ، والحقُّ ما ذكرناه.
وأمّا قولهم: "حَيُّ زيدٍ" و"أتيتُك وحَى فلانٍ قائمٌ، وحَيُّ فُلانةَ شاهِدٌ"، فهو من قبيل إضافةِ المسمى إلى الاسم كالفصل المتقدّم، فالحي هنا ليس بالقبيلة من قولك: "حَيُّ تميم"، و"قبيلةُ كَلْب"، إنما هو من قولك: "هذا رجل حَى، وامرأة حَيَّة". وتلخيصُه: الشخص الحي اَلذي اسمُه زيدٌ، وأتيتُك والشخص الحي الذي اسمُه فلان قائم، ومنه قول الشاعر:
يا قُر إن أبَاكَ حَن خُوَيْلِد ... إلخ
كأنه قال: أباك الشخصَ الحَى خويلدًا من أمْره كذا وكذا، ومثلُه قولُ الآخر [من الوافر]:
٣٨٢ - ألا قَبَحَ الإلهُ بني زِيادٍ ... وحَى أَبِيهِمِ قَبْحَ الحِمارِ
стр. 629
يريد: وأباهم الشخصَ الحَى. وأبو عُبَيْدة يحمِل ذلك كله على الزيادة والإقحامِ، فاعرفه.
فصل [إضافة أسماء الزمان]
قال صاحب الكتاب: وتضاف أسماءُ الزمان إلى الفعل، قال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (١). وتقول: "جئتُك إذ جاء زيدٌ"، و "آتِيك إذا احْمَرَّ البُسْرُ"، و"ما رأيتُك مُنْذُ دَخَلَ الشتاء, ومُذْ قَدِمَ فلانٌ". وقال [من الكامل]:
٣٨٣ - حَنّتْ نَوار ولاتَ هَنا حَنتِ ... [وبدا الذي كانت نُوارُ أَجَنَّتِ]
وتضاف إلى الجملة الابتدائيةِ أيضًا، كقولك: "أتيتك زَمانَ الحَجاجُ أَمِيرٌ، وإذ الخَليفةُ عبدُ المَلِك". وقد أضيف المكانُ إليهما في قولهم: "اِجْلِسْ حيثُ جلس زيدٌ وحيثُ زيدٌ جالسٌ".
* * *
стр. 630
قال الشارح: قد تقدّم القولُ: إن الإضافة إلى الأفعال ممّا لا يصحّ؛ لأن الإضافة ينبغي بها تعريفُ المضاف، وإخراجُه من إبهام إلى تخصيص على حسب خصوصِ المضاف إليه في نفسه، والأفعالُ لا تكون إلا نكراتٍ، ولا يكون شيءٌ منهاَ أخصَّ من شيء، فامتنعت الإضافةُ إليها لعدمِ جَدْواها، إلا أنهم قد أضافوا أسماء الزمان إلى الأفعال، فقالوا: "هذا يومُ يقومُ زيدٌ"، و"ساعةُ يذهَبُ عمرُو"، وقال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (١). وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ (٢). وقال الشاعر [من الطويل]:
على حِينِ عاتَبتُ المَشِيبَ على الصِّبا ... وقُلتُ ألَمّا أَصحُ والشيبُ وازعُ (٣)
فأضاف "الحِينَ" إلى الفعل الماضي، فقال قومٌ: الإضافة إئما وقعت إلى الفعل نفسِه تنزيلًا له منزلةَ الفعل المسمى مصدرًا. وقد يقع الفعلُ موقعَ المصدر في مواضعَ، نحو قولهم: "تَسمَعُ بالمُعَيدِي خَيرٌ من أن تَراهُ" (٤)، وكقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (٥) والمراد: الإنذارُ وعدمُ الإنذار، ومنه قول الشاعر [من الوافر]:
فقالوا ما تَشاءُ فقلتُ أَلْهو ... [إلي الإصْباح آثِرَ ذي أَثيرِ] (٦)
قالوا: واختص الزمانُ بذلك من بين سائرِ الأسماء لمُلابَسة بين الفعل وبينه، وذلك أن الزمان حَرَكَة الفَلَك، والفعلَ حركةُ الفاعل، ولاقتران الزمان بالحَدَث، فلما كان بينهما هذه المُنَاسَبةُ؛ اختص بالإضافة، ولقا كان الفعلُ لا ينفك من الفاعل؛ صارت الإضافةُ في اللفظ إلى الجملة، والمرادُ الفعل نفسه.
وقال قوم: إنما أضيف الزمان إلى الفعل, لأن الفعل يدل على الحدث والزمانِ، فالزمانُ أحدُ مدلولي الفعل، فساغت الأضافةُ إليه كإضافةِ البعض إلى الكل. وذهب قومٌ إلى أن الإضافة إنّما إلى الجملة نفسِها، لا إلى الفعل وحدَه، فأضافوا الزمانَ إلى الجملة من الفعل والفاعل، كما أضافوه إلى الجملة من المبتدأ والخبر، فقالوا: "هذا يوم يقومُ زيدٌ"، كما قالوا: "رأيتُ يومَ زيدٌ أميرٌ، وزمنَ أبوك غائبٌ". وتكون الإضافةُ في اللفظ إلى الجملة، والمرادُ المصدرُ. فهذا قلت: "هذا يومُ يقوم زيدٌ، أو يومُ زيدٌ قائمٌ"،
стр. 631
فإنما تريد: يومُ قيام زيدٍ، فكأنه أضاف إلى مدلولاتِ الجمل، ومدلولاتُها معانٍ، وإن كانت تتركبُ من الأعيان والمعاني. والأزمنةُ تكون ظروفًا للمعاني دون الأعيان، نحو قولك: "القتالُ اليومَ"، ولو قلت "زيدٌ اليومَ"، لم يصح، فالمُلابسةُ إذا بين الزمان والمعنى ظاهرةٌ.
والإضافة تصحّ بأدنى مُلابسة، فهذا قلت: "أتيتُك زمن الحَجاجُ أميرٌ، وعبدُ الملك خليفةٌ"، والمعنى: زمنا كان ظرفًا لإمارة الحجّاج، وخِلافة عبد الملك، فالإضافةُ في الحقيقة إنما هي إلى الحدث الدال عليه الجملةُ، لا إلى الجملة، إذ الإضافةُ لا تجوز إِلا إلى ما تجوز إضافتُه.
وقد ردّ ابنُ دُرُسْتوَيْه القول الأول، وقال: الزمنُ إنما أضيف إلى الجملة نفسِها، لا إلى الفعل وحدَه، ويدل على ذلك أنّ موضعَ الجملة خفضٌ بلا خلافٍ، ولو كانت الإضافة إلى الفعل؛ لكان مخفوضًا، أو كان مفتوحًا في موضع الخفض، فالإضافةُ إلى الجملة، والمرادُ مدلولُها الذي هو الحدث.
فأما قول صاحب الكتاب: "وتضاف أسماءُ الزمان إلى الفعل"، فالمراد إلى الجملة من الفعل والفاعل، ولم يذكر الفاعل للعِلْم بأن الفعل لا بد له من فاعل، لا أنه أراد أن الزمان مضافٌ إلى الفعل مفردًا من الفاعل، والذي يدل على ذلك قوله فيما بعدُ: وتضاف إلى الجملة الابتدائية أيضًا، فقدله: " أيضًا" دليل على ما قلناه.
فأما: "إذْ" و"إذا"، فظرفان من ظروف الزمان أيضًا، ويضافان إلى الجُمل كسائرِ أسماء الزمان، إلا أن غيرهما من أسماء الزمان، البابُ فيه إضافته إلى المفرد، نحو: "صُمتُ يوم الجُمْعة"، و"صليتُ يومَ الخَميس". وإضافتُها إلى الجملة على طريقِ الجواز والتأويل، و "إذ" و"إذا" لا تضافان إلا إلى الجمل، فـ "إذا" لا تضاف إلى الجملتَين الفعلية والاسمية، نحو: "جئتُك إذ زيدٌ قائمُ، وإذ قام زيدٌ". و"إذا" لا تضاف إلَّا إلى جملة فعلية، نحو: "آتِيك إذا احَمَرَّ البُسرُ، وإذا طلعت الشمسُ". وسيأتي الكلامُ عليهما مستقصى إن شاء الله تعالى.
فأما "مُنْذُ" فهي في نفسها لا تضاف البتةَ، لأتها تكون على ضربَيْن: حرفٌ، واسمٌ، فهذا كانت حرفًا كانت بمعنى الحاضر، وكانت الإضافةُ فيها أَبعَدَ، وكان ما بعدها مخفوضًا بمعنَى "في"، نحو قولك: "ما رأيتُه مُنذُ الليلةِ"، أي: في الليلة. وإذا كانت اسمًا، كانت بمعنى "الأمَد"، وكانت مرفوعة بالابتداء، وما بعدها خبرُها. فهي لا تكون مضافة البتّة، فإذا قلت: "ما رأيتُك مُذْ دَخَلَ الشِتاءُ، ومُنْذُ قام زيدٌ"، فالتقدير: ما رأيتك مُنْذُ زمنُ قام زيدٌ، أو وقتُ قام زيدٌ. فالزمنُ والوقتُ مضافٌ إلى الفعل، ثم حُذف المضاف للعلم بمكانه. فمثّل به لأنّه موضعٌ يضاف فيه الزمانُ إلى الفعل، لا أن "منذ" في نفسها هي المضافةُ. فالزمن والوقت
стр. 632
مضافٌ إلى الفعل. فأمّا قولُ سيبويه (١) في باب الإضافة إلى الفعل (٢) ومما أضيف إلى الفعل قولهم: "مُذْ كان كذا"؛ فليس يريد أن "مذ" مضافة إلى الفعل، وإنّما المرادُ أنّ المضاف إلى الفعل الزمنُ المحذوفُ. والذي يقع بعد "مُذْ" خبرْ للمبتدأ، وذلك أنّك إذا قلت: "ما رأيتُه مد كان كذا وكذا"، فتقديرُه: مذ زمنُ كان كذا وكذا، فحُذف الزمن، وأُقيم الفعل مُقامَه. فالفعلُ في موضع خبرِ المبتدأ، ولا يجوز أن تكون "مُذْ" نفسُها مضافة، لأنّه كان يلزم، لو أضفتَها إلى الفعل، أن تكون ظرفًا، و"مُذْ" لا تُستعمل إلا مبتدأة، ولذلك منعوا جوازَ الإخبار عنها.
وأما قوله [من الكامل]:
... ولَاتَ هَنَّاَ حنَّتِ
فالشاهد فيه أنَّه أضاف "هَنَّا" إلى "حنت". و"هَنَّا" أصلُها المكان، وفيها ثلاثُ لغات: "هَنَّا"، و"هِنَّا"، و"هُنَّا"، وقد أُجْرِيَت مُجرَى الزمان مَجازًا، قال الأعشَى [من الخفيف]:
٣٨٤ - لاتَ هَنا ذِكْرَى جُبَيْرةَ أو مَن ... جاءَ منها بطائفِ الأهوالِ
أي: ليس هذا أَوانَ ذِكْرَى جبيرةَ، وهي امرأةٌ، وكذلك قوله [من الرجز]:
حَنَّتْ نَوارُ ولَاتَ هَنَّا حَنَّتِ
стр. 633
أي: ليس هذا أوانَ حَنِينٍ. و"نَوارُ" اسمُ امرأة.
وقد أضيف "حَيْثُ" من الأمكِنة إلى الجملة، وذلك على التشبيه بـ "إذْ" و"إذا" في الزمان من جهة إبهامها. وذلك أن "حَيْثُ" ظرفٌ من ظروفِ الأمكنة، يقع على الجهات الست، وغيرِها من الأمكنة، فناسَبَ "إذْ" و "إذَا" في وُقوعهما على جميعِ الزمان الماضي والمستقبلِ.
فأمّا "إذْ" فمُبْهَمَةٌ في جميع الزمان الماضي، لا اختصاصَ لها بزمان منه دون آخر، بل هي مبهمة في الجميع. و"إذا" كذلك مبهمة في جميع الأزمِنة المستقبلة كلِّها، فاحتاجت إلى جمله بعدها تُوضحها وتُبَينها، كما كانت "إذْ" و"إذا" كذلك. وسيأتي الكلامُ عليها مستقصى في موضعها من الظروف المبهمة.
* * *
[مما يُضاف إلي الفعل]
قال صاحب الكتاب: وممّا يضاف إلى الفعل "آيَة" لقُرْب معناها من معنى الوَقْت.
قال [من الوافر]:
٣٨٥ - بآيَةِ يُقْدِمون الخَيلَ شُعْثًا ... كأنّ على سَنابِكِها مُدامَا
وقال [من الوافر]:
٣٨٦ - ألاَ مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي تَمِيمَا ... بآيَةِ ما يُحِبون الطَعامَا
стр. 634
و"ذو" في قولهم: "اذهب بذِي تَسلَمُ"، و"اذهبَا بذِي تَسلَمان"، و"اذهَبُوا بذِي تسلمونَ" أي: بذِي سَلامتِك، والمعنى: بالأمر الذي يُسلِّمك.
* * *
قال الشارح: قد أضيف إلى الفعل غيرُ الزمان ممّا هو جارٍ مجراه، ومُشْبِة له. قالوا: "أتيتَني بآيَةِ قام زيدٌ"، فأضافوا "آيَة" إلى الجملة من الفعل والفاعل؛ لأنها بمنزلةِ الوقت. وذلك أن "الآية" العلامةُ، والأوقاتُ علاماتٌ لمعْرفة الحوادث، وترتيبِها في كونها ما يتقدم منها وما يتأخر، وما يقترِن وجودُه بوجودِ غيره، والمِقدار الذي بين وجودِ المتقدّم منها والمتأخرِ، فصار ذكرُ الوفت عَلَمًا له. ألا ترى أثها تكون علامات لحلولِ الدُيون وغيرِها؟ فصح إضافةُ "الآية" إلى الفعل كما تُضيف الوقتَ؛ لأنهما في التحصيل يَؤُولان إلى شيء واحد، فأمّا قول الشاعر [من الوافر]:
بآيَةِ يُقْدِمون الخَيلَ شُعْثًا ... إلخ
فالشاهد فيه إضافةُ "الآية" إلى الفعل الذي هو"يقدمون". يقول: أبلغهم كذا بعَلامةِ إقدامهم الخَيل شُعثًا متغيرة من الجَهْد، وشَبْهَ ما يتصبّبُ من عرَقها ودَمِها بالمُدام لحُمرته. والسنابك: جمعُ سُنبُك، وهو مُقَدمُ الحَوافِر، يريد أنه لمّا صار ذلك عادة لهم، وأمرًا لازمًا؛ صار علامة، وكذلك قال الآخر [من الوافر]:
ألا مَن مُبلِغ ... إلخ
البيت ليزيد (١) بن عمرو بن الصَّعِق، والشاهدُ فيه أيضًا إضافةُ "الآية" إلى "يُحِبون". والمعنى: إذا رأيتَ تميمًا، فبَلغْهم عني الرسالة. فكأن قائلًا قال: "بأي علامةٍ تُعْرَف تميمٌ؟ " فقال: "بعلامةِ ما يُحِبون الطعامَ." وإنما ذكر حُب تميم الطعامَ، وجعل
стр. 635
ذلك آية لهم يُعرفون بها، لما كان من أمرهم في تحريق عمرو بن هندٍ لهم، ووُفودِ البُرجُمي عليه، ثم شَمّ رائحةَ المُحْرَقين فظَنهم طعامًا يُصنع، فقُذف به إلى النار. والبَراجمُ حَىٌّ من تميم، وخبرُهم مشهور، وذلك أن عمرو بن هندٍ كان نَذرَ أن يُحرق مائةَ رجل من بني دارِم، بسَببِ قَتلهم أخا له، فأحرق تسعة وتسعين رجلًا من بني دارم، وأراد أن يُكمّل مائة، فلم يَجِد، فوَفدَ عليه رجل، فقال له عمرو: ما جاء بك؟ فقال: حُبُّ الطعام، قد أقويتُ الآنَ ثلاثًا، لم أَذُقْ طعامًا، ولما سطع الدُّخانُ ظننتُها نارَ طعام. فقال له عمرو: مِمن أنت؟ فقال: من البَراجِم. فقال [من الرجز]:
إن الشقِى وافِدُ البَراجِمِ (١)
فذهبتْ مَثَلًا، ورُمي به إلى النار. قال أبو عُبَيدَةَ: خمسة من أولادِ حَنظلَةَ بن مالك بن عمرو بن تميبم يقال لهم: البَراجِمُ، ودارِمٌ من أولادِ حنظلةَ.
وأما قولهم: "اذهَب بذِي تَسلَمُ"، فمعناه: بذي سلامتِك، فهو من إضافةِ المسمى إلى الاسم، فكأنه قال: "اذهب بسلامتك"، فنزل الفعل منزلة المصدر على حد قوله [من الوافر]:
فقالوا ما تَشاءُ فقلتُ ألهُو ... [إلي الإصْباحِ آثِرَ ذي أثيرِ] (٢)
وتد ذكر بعضُ العلماء أن "ذي" هنا بمعنى "الذي"، كأنه قال: "اذهب بالذي تَسْلَمُ"، والهاء محذوفةٌ، وهو مصدرٌ، كأنّه قال: بالسلامة الذي تَسلَمُه، وذَكر لأنه أراد السلامَ، وإن لم يَستعمِل فاعرفه.
فصل [الفصل بين المضاف والمضاف اليه]
قال صاحب الكتاب: ويجوز الفَصْل ببن المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر، من ذلك قول عمرو بن قَمِيئة [من السريع]:
[لما رأت ساتيدَما استَعبَرَت] ... للهِ دَرُّ اليَومَ مَن لامَها (٣)
وقول دُرنَا [من الطويل]:
٣٨٧ - هُما أَخَوا في الحَرب مَن لا أَخَا لَهُ ... [إذا خافَ يومًا نبوَةً فدعاهما]