فإنما تريد: يومُ قيام زيدٍ، فكأنه أضاف إلى مدلولاتِ الجمل، ومدلولاتُها معانٍ، وإن كانت تتركبُ من الأعيان والمعاني. والأزمنةُ تكون ظروفًا للمعاني دون الأعيان، نحو قولك: "القتالُ اليومَ"، ولو قلت "زيدٌ اليومَ"، لم يصح، فالمُلابسةُ إذا بين الزمان والمعنى ظاهرةٌ.
والإضافة تصحّ بأدنى مُلابسة، فهذا قلت: "أتيتُك زمن الحَجاجُ أميرٌ، وعبدُ الملك خليفةٌ"، والمعنى: زمنا كان ظرفًا لإمارة الحجّاج، وخِلافة عبد الملك، فالإضافةُ في الحقيقة إنما هي إلى الحدث الدال عليه الجملةُ، لا إلى الجملة، إذ الإضافةُ لا تجوز إِلا إلى ما تجوز إضافتُه.
وقد ردّ ابنُ دُرُسْتوَيْه القول الأول، وقال: الزمنُ إنما أضيف إلى الجملة نفسِها، لا إلى الفعل وحدَه، ويدل على ذلك أنّ موضعَ الجملة خفضٌ بلا خلافٍ، ولو كانت الإضافة إلى الفعل؛ لكان مخفوضًا، أو كان مفتوحًا في موضع الخفض، فالإضافةُ إلى الجملة، والمرادُ مدلولُها الذي هو الحدث.
فأما قول صاحب الكتاب: "وتضاف أسماءُ الزمان إلى الفعل"، فالمراد إلى الجملة من الفعل والفاعل، ولم يذكر الفاعل للعِلْم بأن الفعل لا بد له من فاعل، لا أنه أراد أن الزمان مضافٌ إلى الفعل مفردًا من الفاعل، والذي يدل على ذلك قوله فيما بعدُ: وتضاف إلى الجملة الابتدائية أيضًا، فقدله: " أيضًا" دليل على ما قلناه.
فأما: "إذْ" و"إذا"، فظرفان من ظروف الزمان أيضًا، ويضافان إلى الجُمل كسائرِ أسماء الزمان، إلا أن غيرهما من أسماء الزمان، البابُ فيه إضافته إلى المفرد، نحو: "صُمتُ يوم الجُمْعة"، و"صليتُ يومَ الخَميس". وإضافتُها إلى الجملة على طريقِ الجواز والتأويل، و "إذ" و"إذا" لا تضافان إلا إلى الجمل، فـ "إذا" لا تضاف إلى الجملتَين الفعلية والاسمية، نحو: "جئتُك إذ زيدٌ قائمُ، وإذ قام زيدٌ". و"إذا" لا تضاف إلَّا إلى جملة فعلية، نحو: "آتِيك إذا احَمَرَّ البُسرُ، وإذا طلعت الشمسُ". وسيأتي الكلامُ عليهما مستقصى إن شاء الله تعالى.
فأما "مُنْذُ" فهي في نفسها لا تضاف البتةَ، لأتها تكون على ضربَيْن: حرفٌ، واسمٌ، فهذا كانت حرفًا كانت بمعنى الحاضر، وكانت الإضافةُ فيها أَبعَدَ، وكان ما بعدها مخفوضًا بمعنَى "في"، نحو قولك: "ما رأيتُه مُنذُ الليلةِ"، أي: في الليلة. وإذا كانت اسمًا، كانت بمعنى "الأمَد"، وكانت مرفوعة بالابتداء، وما بعدها خبرُها. فهي لا تكون مضافة البتّة، فإذا قلت: "ما رأيتُك مُذْ دَخَلَ الشِتاءُ، ومُنْذُ قام زيدٌ"، فالتقدير: ما رأيتك مُنْذُ زمنُ قام زيدٌ، أو وقتُ قام زيدٌ. فالزمنُ والوقتُ مضافٌ إلى الفعل، ثم حُذف المضاف للعلم بمكانه. فمثّل به لأنّه موضعٌ يضاف فيه الزمانُ إلى الفعل، لا أن "منذ" في نفسها هي المضافةُ. فالزمن والوقت
стр. 632
مضافٌ إلى الفعل. فأمّا قولُ سيبويه (١) في باب الإضافة إلى الفعل (٢) ومما أضيف إلى الفعل قولهم: "مُذْ كان كذا"؛ فليس يريد أن "مذ" مضافة إلى الفعل، وإنّما المرادُ أنّ المضاف إلى الفعل الزمنُ المحذوفُ. والذي يقع بعد "مُذْ" خبرْ للمبتدأ، وذلك أنّك إذا قلت: "ما رأيتُه مد كان كذا وكذا"، فتقديرُه: مذ زمنُ كان كذا وكذا، فحُذف الزمن، وأُقيم الفعل مُقامَه. فالفعلُ في موضع خبرِ المبتدأ، ولا يجوز أن تكون "مُذْ" نفسُها مضافة، لأنّه كان يلزم، لو أضفتَها إلى الفعل، أن تكون ظرفًا، و"مُذْ" لا تُستعمل إلا مبتدأة، ولذلك منعوا جوازَ الإخبار عنها.
وأما قوله [من الكامل]:
... ولَاتَ هَنَّاَ حنَّتِ
فالشاهد فيه أنَّه أضاف "هَنَّا" إلى "حنت". و"هَنَّا" أصلُها المكان، وفيها ثلاثُ لغات: "هَنَّا"، و"هِنَّا"، و"هُنَّا"، وقد أُجْرِيَت مُجرَى الزمان مَجازًا، قال الأعشَى [من الخفيف]:
٣٨٤ - لاتَ هَنا ذِكْرَى جُبَيْرةَ أو مَن ... جاءَ منها بطائفِ الأهوالِ
أي: ليس هذا أَوانَ ذِكْرَى جبيرةَ، وهي امرأةٌ، وكذلك قوله [من الرجز]:
حَنَّتْ نَوارُ ولَاتَ هَنَّا حَنَّتِ
стр. 633
أي: ليس هذا أوانَ حَنِينٍ. و"نَوارُ" اسمُ امرأة.
وقد أضيف "حَيْثُ" من الأمكِنة إلى الجملة، وذلك على التشبيه بـ "إذْ" و"إذا" في الزمان من جهة إبهامها. وذلك أن "حَيْثُ" ظرفٌ من ظروفِ الأمكنة، يقع على الجهات الست، وغيرِها من الأمكنة، فناسَبَ "إذْ" و "إذَا" في وُقوعهما على جميعِ الزمان الماضي والمستقبلِ.
فأمّا "إذْ" فمُبْهَمَةٌ في جميع الزمان الماضي، لا اختصاصَ لها بزمان منه دون آخر، بل هي مبهمة في الجميع. و"إذا" كذلك مبهمة في جميع الأزمِنة المستقبلة كلِّها، فاحتاجت إلى جمله بعدها تُوضحها وتُبَينها، كما كانت "إذْ" و"إذا" كذلك. وسيأتي الكلامُ عليها مستقصى في موضعها من الظروف المبهمة.
* * *
[مما يُضاف إلي الفعل]
قال صاحب الكتاب: وممّا يضاف إلى الفعل "آيَة" لقُرْب معناها من معنى الوَقْت.
قال [من الوافر]:
٣٨٥ - بآيَةِ يُقْدِمون الخَيلَ شُعْثًا ... كأنّ على سَنابِكِها مُدامَا
وقال [من الوافر]:
٣٨٦ - ألاَ مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي تَمِيمَا ... بآيَةِ ما يُحِبون الطَعامَا
стр. 634
و"ذو" في قولهم: "اذهب بذِي تَسلَمُ"، و"اذهبَا بذِي تَسلَمان"، و"اذهَبُوا بذِي تسلمونَ" أي: بذِي سَلامتِك، والمعنى: بالأمر الذي يُسلِّمك.
* * *
قال الشارح: قد أضيف إلى الفعل غيرُ الزمان ممّا هو جارٍ مجراه، ومُشْبِة له. قالوا: "أتيتَني بآيَةِ قام زيدٌ"، فأضافوا "آيَة" إلى الجملة من الفعل والفاعل؛ لأنها بمنزلةِ الوقت. وذلك أن "الآية" العلامةُ، والأوقاتُ علاماتٌ لمعْرفة الحوادث، وترتيبِها في كونها ما يتقدم منها وما يتأخر، وما يقترِن وجودُه بوجودِ غيره، والمِقدار الذي بين وجودِ المتقدّم منها والمتأخرِ، فصار ذكرُ الوفت عَلَمًا له. ألا ترى أثها تكون علامات لحلولِ الدُيون وغيرِها؟ فصح إضافةُ "الآية" إلى الفعل كما تُضيف الوقتَ؛ لأنهما في التحصيل يَؤُولان إلى شيء واحد، فأمّا قول الشاعر [من الوافر]:
بآيَةِ يُقْدِمون الخَيلَ شُعْثًا ... إلخ
فالشاهد فيه إضافةُ "الآية" إلى الفعل الذي هو"يقدمون". يقول: أبلغهم كذا بعَلامةِ إقدامهم الخَيل شُعثًا متغيرة من الجَهْد، وشَبْهَ ما يتصبّبُ من عرَقها ودَمِها بالمُدام لحُمرته. والسنابك: جمعُ سُنبُك، وهو مُقَدمُ الحَوافِر، يريد أنه لمّا صار ذلك عادة لهم، وأمرًا لازمًا؛ صار علامة، وكذلك قال الآخر [من الوافر]:
ألا مَن مُبلِغ ... إلخ
البيت ليزيد (١) بن عمرو بن الصَّعِق، والشاهدُ فيه أيضًا إضافةُ "الآية" إلى "يُحِبون". والمعنى: إذا رأيتَ تميمًا، فبَلغْهم عني الرسالة. فكأن قائلًا قال: "بأي علامةٍ تُعْرَف تميمٌ؟ " فقال: "بعلامةِ ما يُحِبون الطعامَ." وإنما ذكر حُب تميم الطعامَ، وجعل
стр. 635
ذلك آية لهم يُعرفون بها، لما كان من أمرهم في تحريق عمرو بن هندٍ لهم، ووُفودِ البُرجُمي عليه، ثم شَمّ رائحةَ المُحْرَقين فظَنهم طعامًا يُصنع، فقُذف به إلى النار. والبَراجمُ حَىٌّ من تميم، وخبرُهم مشهور، وذلك أن عمرو بن هندٍ كان نَذرَ أن يُحرق مائةَ رجل من بني دارِم، بسَببِ قَتلهم أخا له، فأحرق تسعة وتسعين رجلًا من بني دارم، وأراد أن يُكمّل مائة، فلم يَجِد، فوَفدَ عليه رجل، فقال له عمرو: ما جاء بك؟ فقال: حُبُّ الطعام، قد أقويتُ الآنَ ثلاثًا، لم أَذُقْ طعامًا، ولما سطع الدُّخانُ ظننتُها نارَ طعام. فقال له عمرو: مِمن أنت؟ فقال: من البَراجِم. فقال [من الرجز]:
إن الشقِى وافِدُ البَراجِمِ (١)
فذهبتْ مَثَلًا، ورُمي به إلى النار. قال أبو عُبَيدَةَ: خمسة من أولادِ حَنظلَةَ بن مالك بن عمرو بن تميبم يقال لهم: البَراجِمُ، ودارِمٌ من أولادِ حنظلةَ.
وأما قولهم: "اذهَب بذِي تَسلَمُ"، فمعناه: بذي سلامتِك، فهو من إضافةِ المسمى إلى الاسم، فكأنه قال: "اذهب بسلامتك"، فنزل الفعل منزلة المصدر على حد قوله [من الوافر]:
فقالوا ما تَشاءُ فقلتُ ألهُو ... [إلي الإصْباحِ آثِرَ ذي أثيرِ] (٢)
وتد ذكر بعضُ العلماء أن "ذي" هنا بمعنى "الذي"، كأنه قال: "اذهب بالذي تَسْلَمُ"، والهاء محذوفةٌ، وهو مصدرٌ، كأنّه قال: بالسلامة الذي تَسلَمُه، وذَكر لأنه أراد السلامَ، وإن لم يَستعمِل فاعرفه.
فصل [الفصل بين المضاف والمضاف اليه]
قال صاحب الكتاب: ويجوز الفَصْل ببن المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر، من ذلك قول عمرو بن قَمِيئة [من السريع]:
[لما رأت ساتيدَما استَعبَرَت] ... للهِ دَرُّ اليَومَ مَن لامَها (٣)
وقول دُرنَا [من الطويل]:
٣٨٧ - هُما أَخَوا في الحَرب مَن لا أَخَا لَهُ ... [إذا خافَ يومًا نبوَةً فدعاهما]
стр. 636
وأما قولُ الفَرَزدَق [من المنسرح]:
٣٨٨ - [يا مَن رأى عارضًا أسَرُّ به] ... بَينَ ذِراعَي وجَبْهَةِ الأَسَدِ
стр. 637
وقول الأعشي [من مجزوء الكلام]:
٣٨٩ - إلا علالة أو بدا ... هةَ سابح [نهد الجزاره]
فعلى حذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني وما يقع في بعض بنسخ الكتاب من قوله [من مجزوء الكامل]:
٣٩٠ - فزججتها بمزجةٍ ... زج القلوص أبي مزاده
فسيبويه برئٌ من عهدته.
* * *
стр. 638
قال الشارح: الفصل بين المضاف والمضاف إليه قبيح، لأنّهما كالشيء الواحد. فالمضافُ إليه من تمامِ المضاف، يقوم مقامَ التنوين، ويُعاقِبُه، فكما لا يحسُن الفصلُ بين التنوين والمنوَّنِ، كذلك لا يحسن الفصل بينهما. وقد فُصل بينهما بالظرف في الشعر ضرورةَ، فمِما جاء في الشعر من ذلك قولُ عمرو بن قمِيئَةَ [من السريع]:
لمّا رَأَت سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَت ... لِلهِ دَرُ اليَوْمَ مَنْ لَامَهَا (١)
سَاتِيدَمَا: جَبَلٌ بعَينه، قيل: لا يَمُرُّ عليه يوم من الزمان، لا يُسفَك فيه دَمُ، فسُمّي: ساتيدما. يصف امرأة أنها مرّت بهذا الجبلِ، فذكرتْ بِلادَها لقُرْبه من بلادها، فبَكَتْ، فقال: "لله درُ اليومَ مَن لامها على بُكائها وشَوْقِها". فـ "مَنْ" في موضعِ خَفْض بإضافةِ "دَرُّ" إليه، و"اليوم" نصبُ على الظرف، وقد فُصل به بينهما، ولا يجوز إضافةُ "دَرّ" إلى "اليومَ" على سبيلِ الاتساع في الظروف، وجَعْلُه مفعولًا به، لأنك لو خفضتَ "اليوم" بالإضافة، لم يكن لـ "مَن" ما يعمل فيه، بخلاف قول الآخر [من الرجز]:
رُبّ ابنِ عَم لِسُلَيْمَى مُشمَعِلْ ... طَباخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ (٢)
فهذا يُنشد بنصبِ "الزاد"، وإضافةِ "طباخ" إلى "ساعات". وساغ ذلك لأنه لما أضفتَ "طباخ" إلى "ساعات"، صار بمنزلةِ المنوَّن، وكان ممّا يَنصِب لِما فيه من معنى الفعل، فنَصَبَ "الزادَ". وليس كذلك "دَرّ"من قوله: "لله دَرُّ اليوم من لامها"؛ لأنك لو نوّنت "دَرًّا"، لم يكن له أن ينْصِب، فلذلك لزم نصبُ "اليوم" على الظرف، والحكمُ على "مَن" بالخفض. ويجوز في "طَباخ ساعات الكرى" خفضُ "الزاد"، ويكون "ساعات الكرى" منصوبًا على الظرف، وقد فصلتَ به مُضطرًّا.
стр. 639
ومما جاء الفصلُ فيه أيضًا قولُ دُرْنَا بنتِ عَبْعَبَةَ، من بني قيْسٍ بن ثَعْلَبَةَ [من الطويل]:
هما أَخَوَا في الحَرْب من لا أَخَا له ... إذا خافَ يومًا نَبوَة فَدعَاهما
الشاهد فيه إضافةُ "الأخوَين" إلى "مَن" مع الفصل بالجارّ والمجرور، وهو كالذي تقدّم تَرْثِي أخَوَيْها. تقول: كانا لمَن لا أخَ له في الحرب، ولا ناصرَ كالأخوَين ينصُرانه. وأمّا قول الفَرزدَق [من المنسرح]:
يا مَن رَأَى عارِضًا أَرِقْتُ له ... بَينَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأَسَدِ
فأنشده سيبويه (١) على أنّه فصل بين المضاف والمضاف إليه، وأن المعنى بين ذراعَي الأسدِ، والجَبهَةُ مُقْحَمةٌ على نية التأخير. وقد رد ذلك عليه محمدُ بن يزيدَ (٢)، وقال: لو كان كما ظن؛ لقال: "وجبهَتِه"، لكنه من بابِ العطف، والتقديرُ: بين ذراعَي الأسدِ، وجبهةِ الأسدِ. ومثلُه في حذفِ المضاف إليه من الأوّل لدلالةِ الثاني عليه قوله [من البسيط]:
يا تَيمَ تَيمَ عَدِي [لا أبالكُمُ ... لا يُلْقيَنكُمْ في سَوْأه عُمَرُ] (٣)
والمراد: يا تيم عدي تيم عديّ، فهو من قبيلِ "مررتُ بخيرِ وأفضلِ من ثم".
والمرادُ: بخيرِ مَن ثم، وأفضل مَن ثم، وقد اختار صاحبُ هذا الكتاب هذا الوجه، وهذا لا يقدَح فيما ذهب إليه سيبويه؛ لأنه يجوز أن يكون المراد ما ذكره، ويكون الفصلُ صحيحًا بالجبهة، ويجوز أن يكون كما ذكره أبو العباس، ولا يخرج عن الفصل، وإن كان المضافُ إليه مقدرًا؛ لأن المضاف إليه، لما حُذف من اللفظ؛ وَلِيَ المضافُ شيئًا غيرَ المضاف إليه. وهذه صورةُ الفصل بين المضاف والمضاف إليه، ألا ترى أنّه استُقبح "علمتُ أن يقومُ زيدٌ"، وإن كانت الهاءُ مقدّرة، لأنها لم تخرج إلى اللفظ؛ وَلِيَ الحرفُ الفعلَ، فقبح عندهم، حتى تَعرضوا السينَ، أو"سَوْفَ"، أو"قَدْ". فكما أن هذا المحذوف لمّا لم يخرج إلى اللفظ؛ لم يُعتدّ به، كذلك المضافُ إليه إذا حُذف، لم يقع به اعتدادٌ، فحصل الفصل بين المضاف، والمضاف إليه.
وأما قوله: كان يلزم أن يقول (٤): "وجبهته"؛ فتقول: وعلى ما ذهب إليه أبو العباس يلزمه أن يقول: "وجبهته" أيضًا، فعُذرُه عن ذلك عُذرُ سيبويه.
وأما معنى البيت؛ فإنه وصفُ عارضِ سَحاب، اعترض بين نَوْءِ الذراع، ونَوءِ الجبهة، وهما من أنواء الأسد. وأنواؤه من أحمد الأنواء، وذَكَرَ الذراعَيْن، والنوْء للذراع المقبوضةِ منهما، لاشتراكهما في أعضاء الأسد والتسمية، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا
стр. 640
اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (١)، يريد: من البحرَيْن، وإنّما يخرج اللؤلؤُ والمرجان من أحدهما، وأما قول الأعشى [من الكامل]:
ولا نُقاتِلُ بالعِصِيْ ... يـ ولا نُرامِي بِالحجارَهْ
إلا عُلالَةَ أو بُدا ... هة سابِح نَهْدِ الجُزارَهْ (٢)
فالشاهد فيه الفصلُ بين المضاف والمضاف إليه، مثل الذي قبلَه، والخلافُ فيه كالذي قبله. والتقديرُ فيه: إلَّا عُلالَةَ سابح، أو بُداهتَه.
فأما الفصل بغير الظرف؛ فلم يَرِد به بيتٌ، والقياسُ يَدْفَعُه، فأما قوله [من مجزوء الكامل]:
فَزَجَجتُها بمِزَجَّةِ ... إلخ
فإنّه أنشده الأخفشُ في هذا الباب، والشاهدُ فيه أنه أضاف المصدرَ إلى الفاعل، وفصل بينهما بالمفعول. وذلك ضعيف جدًّا، لم يصح نَقْلُه عن سيبويه، على أن ابن كَيسانَ قد نقل عن بعض النحويين أنه يجوز أن يُفرَق بين المضاف والمضاف إليه، إذا جاز أن يُسكَت على الأول منهما، لأنه يصير ما فرق بينهما كالسكْتَة التي تقع بينهما، وقد قرأ ابنُ عامرٍ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٣) بنصبِ "الأولا"، وخَفْضِ "الشركاء"، فهذا فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. وحكى الكِسائيُّ: "أخذتُه بأدَّى ألْفِ درهم". وهذا أفحشُ ممّا تقدّم, لأنه أدخلَ حرفَ الجرّ على الفعل، وفصل به بين الجارّ والمجرور. ولا يُقاس على شيءِ من ذلك. وإنّما جاز بالظرف, لأن الأحداث وغيرَها لا تكون إلَّا في زمانِ أو مكان، فكانت كالموجودة، وإن لم تُذكَر، فكأن ذِكرَها وعدمَها سِيان، فلذلك جاز إقحامُها فاعرفه.
فصل [حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه]
قال صاحب الكتاب: وإذا أمنوا الإلباس, حذفوا المضاف, وأقاموا المضاف إليه مقامه وأعربوه بإعرابه. والعلم فيه قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (٤)؛ لأنه لا يلبس أن المسؤول أهلها لا هي, ولا يقال: "رأيت هنداً", يعنون رأيت غلام هندٍ. وقد جاء الملبس في الشعر قال ذو الرمة [من الطويل]:
٣٩١ - عشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر
قال الشارح: اعلم أن المضاف قد حُذف كثيرًا من الكلام، وهو سائغُ في سعةِ الكلام، وحالِ الاختيار، إذا لم يُشكِل. وإنّما سوّغ ذلك الثقَةُ بعلم المخاطَب، إذ الغرضُ من اللفظ الدلالةُ على المعنى، فإذا حصل المعنى بقرينةِ حالٍ، أوَ لفظٍ آخرَ، استُغنى عن اللفظ الموضوع بإزائه اختصارًا. وإذا حُذف المضاف، أقيم المضافُ إليه مُقامَه، وأعرب بإعرابه، والشَاهد المشهور في ذلك قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ (١). والمراد: أَهْلَ القريةِ؛ لأنه قد عُلم أن القرية من حيثُ هي مَدَرٌ وحَجَر، لا تُسأَل؛ لأن الغرض من السؤال رَدُّ الجواب، وليس الحجرُ والمدرُ مما يُجِيب واحدٌ منهما.
وقوله: و"العَلَمُ فيه" يريد أنّ الآية قد اشتهر أمرُها بذلك، حتى صارت عَلَما على جوازِ حذفِ المضاف، إذ الأمرُ واضح فيها من جهة المعنى. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (٣). تقديره: برُّ مَن، وإن شئت؛ كان تقديرُه: ولكن ذا البر من اتقى، فلا بد من حذفِ المضاف؛ لأن البر حَدَثٌ، و"من اتقى" جُثَّةٌ، فلا يصح أن يكون خبرًا عنه؛ لأنّ الخبر إذا كان مفردًا، كان هو الأول، أو منزَّلًا منزلته؛ فلذلك حُمل على حذفِ المضاف. والأول أشبهُ, لأن حذفَ المضاف ضربٌ من الاتساع، والخبرُ أَوْلى بالاتساع من المبتدأ؛ لأن الاتساع بالأعجاز أَوْلى منه بالصُّدور، ومن ذلك قولهم: "الليلةُ الهِلال"، لا بد من حذفِ المضاف، رفعتَ "الليلة" أو نصبتَها، فإن رفعتَ، كان التقديرُ: الليلةُ ليلةُ الهلال، وإن نصبتَ، كان التقديرُ: الليلةَ حُدوثُ الهلال، أو طلوعُه، ومن ذلك قول الشاعر [من البسيط]:
٣٩٣ - المالُ يُزْرِي بأقوامٍ ذَوِي حَسَبٍ ... وقد يُسَوَّدُ غير السَيدِ المالُ
стр. 643
أي: فَقْدُ المال يُزْرِي. وهو كثير واسع، وكان أبو الحسن، مع كثرته، لا يَقِيسه، بل يَقصره على المسموع منه.
فأمّا ما يُلبِس فلا يجوز لنا استعمالُه، ولا القياسُ عليه. لو قلت: "رأيتُ هِنْدًا"، وأنتَ تريد غلامَ هند، لم يجز؛ لأنّ الُرؤية يجوز أن تقع على هند، كما تقع على الغلام. وقد جاء من ذلك شيءٌ يسيرٌ للثقة بدلالةِ الحال عليه، وإخبار القائل أو معرفةِ المخاطب، قال الشاعر [من الطويل]:
عَشِيَّةَ فرَّ الحارِثِيونَ ... إلخ
قال ابن الكَلْبي: الهَوْبَرُ هو يزيد بن هوبر، كان قُتل في المَعْرَكَة، فحذف المضافَ, لأن المخاطب مُشاهِد لذلك في الحرب، فلا يُشْكِل عليه المقتولُ. يُؤيد صحّةَ ما قلناه قولُ عمر بن لَجَأ [من الطويل]:
٣٩٤ - ونَحْنُ ضَرَبْنَا بالكُلَاب ابنَ هَوْبَر ... وجَمْعَ بني الديان حتّى تَبَددُوا
فصرّح بابن هوبر. ومثله قوله [من الطويل]:
كَمَا أَعْيَا النِطاسِي حِذْيَمَا
هكذا يقع في نُسَخِ المفضل: "كَمَا" بالكاف، وإنما هو بالباء. وصَدْرُه:
فَهَلْ لَكُمُ فيما إلي فإنّني ... بَصيرٌ بما أَعْيَا النطاسِي حِذْيَمَا
стр. 644
والنطاسِي: الطبيب، يقال: "نِطيس"، مثلُ فِسّيق، ونِطاسى، بكسر النون. وقال أبو عُبَيْدَةَ: هو بفتح النون. والمرادُ: ابنُ حِذْيَمٍ، فحذف المضافَ. ومن ذلك قولُ كُثَير [من الخفيف]:
٣٩٥ - حُرْيَتْ لي بحَزْمِ فَيْدَةَ تُحْدَى ... كاليَهُودِيّ من نَطاةَ الرّقالِ
فَيدَةُ: موضعُ. ونَطاةُ: قَصَبَةُ خَيْبَرَ. والمرادُ: كنَخْلِ اليهوديّ. والرقْلُ: طِوالُ النخل. وحُزِيَت: قُدرَتْ. يقال: "حَزَيْتُ النخلَ أَحْزِيها"، إذا قدرتَ ما عليها.
وقد جاء من ذلك في الشعر أبياتٌ مع ما فيه من الإلباس، كأنّ ذلك لثقةِ الشاعر بعِلْم المخاطب، أو نَظَرًا إلى كثرةِ حذفِ المضاف الذي لا لَبْسَ فيه، فلم يَعْبَأْ بالإلباس، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وكما أعطوا هذا الثابت حق المحذوف في الإعراب؛ فقد أعطوه حقه في غيره قال حسان [من الطويل]:
٣٩٦ - يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
стр. 645
فذكر الضمير في "يصفق" حيث أراد ماء بردي وقد جاء قوله : ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون﴾ (١). على ما للثابت والمحذوف جميعًا.
* * *
قال الشارح: قد أعربوا المضافَ إليه بإعراب المضاف؛ لوُقوعه موقعَه، ومُباشَرتِه العاملَ، نحو قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢). فاَلأصلُ: فاسألْ أهلَ القرية، "فالقريةُ" مخفوضةٌ، كما ترى، بإضافة "الأهل" إليها. فلمّا حُذف المضاف، أقيم المضاف إليه مُقامَه، فباشَرَه العاملُ، فانتصب انتصابَ المفعول به، وإن لم يكن إياه في الحقيقة.
كذلك أعطوه حُكْمَه في غير الإعراب من التأنيث والتذكيرِ، فمن ذلك قولُ حَسّانَ بن ثابت [من الكامل]:
يَسْقُونَ مَن وَرَدَ البَرِيصَ ... إلخ
الشاهد فيه تذكيرُ الضمير الراجع إلى "بَرَدَى"، وهو مؤنّثٌ. ألا ترى أن ألفه كألفِ "حَمْراءَ"، و"بَشَكَى" (٣). وهذا البناءُ لا تكون ألفُه إلَّا للتأنيث، هذا ظاهرُ اللفظ، ويجوز أن يكون المضمرُ عائدًا إلى المحذوف، وهو الماء، فيكون المحذوف مُرادًا من وَجْهٍ، وغيرَ مراد من وجه. فمن جهةِ عَوْدِ الضمير إليه كان ملحوظًا مرادًا، ومن جهةِ الإعراب غيرَ مراد. والبَرِيصُ هاهنا: موضعْ بِدِمَشْقَ بالصاد المهملة. وبَرَدَى: نهرٌ بها. وتصفيق الشراب: تحويلُه من إناء إلى إناء. والرحيقُ: صَفْوَةُ الخمر. والسلْسَلُ الطيبُ. يقال: "ماءٌ سَلْسَلٌ"، أي: سَهْلُ المَشْرَب عَذْبٌ.
وأما قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (٤) فالمراد: وكم من أهلِ قرية، ثم حُذف المضاف، وعاد الضميرُ على الأمرَيْن، فأُنث في قوله: "فجاءها بأسُنا"
стр. 646
نظرًا إلى التأنيث في اللفظ، وهو القريةُ، وذُكر في قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ مُلاحَظةَ للمحذوف
فصل [حذف المضاف , وترك المضاف إليه علي إعرابه]
قال صاحب الكتاب: وقد حذف المضاف وترك المضاف إليه علي إعرابه في قولهم ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمةً (١). قال سيبويه: "كأنك أظهرت "كل", فقلت: و"لا كل بيضاء" (٢) قال أبو دؤاد [من المتقارب]:
٣٩٧ - أكل امريءٍ تحسبين امرأ ... ونارٍ توقد بالليل نارا
ويقولون ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه. ومثله ما مثل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك. وهو في الشذوذ إضمار الجار.
* * *
стр. 647
قال الشارح: اعلم أن حذفَ المضاف وإبقاء عَمَله ضعيفٌ في القياس، قليلُ في الاستعمال. أمّا ضُعْفه في القياس؛ فلوجهَيْن:
أحدهما: أن المضاف نائبٌ عن حرفِ الجرّ، وخَلَفٌ عنه، فإذا قلت: "غلامُ زيدٍ"، فأصلُه: غلامٌ لزيدٍ. وإذا قلتَ: "ثَوْبُ خَز"، فأصله: ثوبُ من خز، فحذفت حرفَ الجرّ، وبقي المضافُ نائبًا عنه، ودليلًا عليه. فإذا أخذتَ تحذفه؛ فقد أجحفتَ بحذفِ النائب، والمنوب عنه، وليس كذلك في الفصل قبلَه، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ لأنّك أقمتَ المضافَ إليَه مُقامَه، وأعربتَه بإعرابه، فصار المضافُ المحذوفُ كالمطرَح المَنْسىّ، وصارت المعاملةُ مع التأنيث الملفوظِ به.
والوجه الثاني: أن المضاف عاملٌ في المضاف إليه الجرَّ، ولا يحسُن حذفُ الجارّ، وتَبْقِيَةُ عَمَله. فمن ذلك قولُهم في المَثَل "ما كل سَوْداءَ تَمْرَة، ولا بَيْضاء شَحْمَة". موضعُ الشاهد أن ترفع "كُلاًّ" بـ "ما" وتخفِض "سوداء" بالإضافة. والفتحةُ علامةُ الخفض, لأنه لا ينصرف. و"تَمْرَةُ" منصوبٌ؛ لأنه خبرُ "ما"، و"بيضاء" مخفوضٌ أيضًا على تقديرِ "كُلّ"، كأئك لفظتَ بها، فقلت: و"لا كلُّ بيضاءَ". و"شَحْمَة" منصوبْ عَطفًا على "تمرة". وكان أبو الحسن الأخفشُ، وجماعةٌ من البصريين يحمِلون ذلك وما كان مثلَه على العطف على عاملَيْن، وهو رأيُ الكوفيين (١). وذلك أن "بيضاءَ" جر عطفًا على "سوداء"، والعامل فيها "وَمَا كُلُّ". وقوله: "شَحْمَة" منصوبٌ عطفًا على خبرِ "ما".
ومثلُه عندهم "ما زيدٌ بقائم، ولا قاعدٍ عمرٌو". وتخفِضُ "قاعدًا" بالعطف على "قائم" المخفوضِ بالباء، وترفع "عمرًا" بالعطف على اسمِ "ما"، فهمَا عاملان: الباء، وما، كما كان في المَثَل عاملان: "كُلٌّ"، و"مَا". قالوا: وقد عطفتَ شيئَيْن على شيئَيْن، والعامل فيهما شيئان مختلفان. وسيبويه والخليل لا يَرَيان ذلك، ولا يُجيزانه. والحجّةُ لهما في ذلك أن حرفَ العطف خَلَفُ عن العامل، ونائبٌ عنه، وما قام مقامَ غيره، فهو أضعفُ منه في سائرِ أبواب العربيةِ، فلا يجوز أن يتسلّط على عَمَلِ الإعراب بما لا يتسلط ما أقيم مُقامَه. فإذا أقيم مَقامَ الفعل؛ لم يجز أن يتسلّط على عَمَلِ الجرّ، فلهذه العِلة، لم يجز العطفُ عندهما على عاملَيْن، فلذلك حملوه على حذفِ المضاف.
فإن قيل: حذف المضاف وإبقاءُ عمله على خلافِ الأصل، وهو ضعيفٌ، والعطفُ على عاملَيْن ضعيف أيضًا، فلِمَ كان حَمْلُه على الجارّ أوْلى من حَمْله على العطف على عاملَيْن؟ قيل: لأن حذف الجارّ قد جاء في كلامهم، وله وَجْهٌ من القياس، فأما مَجِيئُه، فنحوُ قوله [من الرجز]:
وبَلْدَةٍ ليس لها أَنِيسُ (٢)
стр. 648
والمراد: ورُبَّ بلدة. وقولهم في القَسَم: "اللهِ لأَفعَلَنَّ"، ويُحكى عن رُؤْبَةَ أنّه كان يقال له: "كيف أصبحتَ؟ " فيقول: "خَير عافاكَ الله"، يريد: بِخَيْر. وقد حمل أصحابُنا قِراءةَ حَمْزَةَ في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١) على حذف الجارّ، وأن التقدير فيه: وبالأرحام، والأمر فيها ليس بالبعيد ذلك البُعدَ، فقد ثَبَتَ بهذا جوازُ حذفِ الجارّ في الاستعمال، وان كان قليلًا، ولم يثبُت في الاستعمال العطفُ على عاملَين، فكان حملُه على ما له نظيرُ أوْلى. وهو من قبيلِ أحسنِ القبيحَيْن.
وأما من جهةِ القياس؛ فلأنّ الفعل لما كان يكثُر فيه الحذف، وشَارَكَهُ الحرفُ في كَوْنه عاملًا جاز فيه ما جاز في الفعل على سبيل النَّدْرة، وقد كثُر التقلُّبُ بهذا المَثَل,
وأجازوا فيه وجوهًا من الإعراب. وجُملَتُها خمسةُ أوجه: أحدُها ما تقدّم. والآخرُ أن تقول: ما كل سوداءَ تمرةٌ، ولا بيضاء شَحْمَة، ترفع، ولا تُعْمِل "ما"، وتعطِف جملة على جملة. الثالث: "ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاءُ شحمة" تنصِب الأول على إعمال "ما" وترفع "بيضاءَ"، و"شحمة " على الاستئناف، كأنك عطفت جملة على جملة. الرابع: "ما كلُّ سوداء تمرةٌ ولا بيضاءَ شحمةٌ"، لا تُعمِل "ما" ولكن تحذِف "كُلاَّ"، وتُبقِي أثَرَها" الخامس: "ما كلُّ سوداءَ تمرة، ولا بيضاءُ شحمةً"، وهو أحسنُها؛ لأنه لا حذفَ فيه.
فأما قول أبي دُؤَادٍ [من المتقارب]:
أَكُل امرِىءٍ تحسِبِينَ امرَأ ... إلخ
فسيبويه (٢) يحمِله على حذفِ مضاف، تقديره: و"كل نار"، إلاَّ أنه حُذف، ويُقدرها: موجودة. وأبو الحسن يحمله على العطف على عاملَيْن، فيخفِض "نارًا" بالعطف على "امرئ" المخفوض بـ "كل"، وينصب "نارًا" بالعطف على الخبر. وهذا البيت مِن أَوْكَدِ ما استشهد به أبو الحسن.
وأما قولهم: "ما مثلُ عبد الله يقول ذاك، ولا أخيه"، فهذا يجوز أن يكون المراد: ولا مثلُ أخيه، ويجوز أن لا يقدر "مثلٌ"، بل يكون "الأخُ" معطوفًا على "عبد الله" والعاملُ فيهما "مثلٌ" الأوّل، ودل على معنى خبره خبرُ الأوّل فاستغنى عنه. فلو أظهرَ خبر الثاني، وقال: "ما مثلُ عبد الله يقول ذاك، ولا أخيه يكرَهُه"، لم يكن بد من تقديرِ "مِثْل" أو العطفِ على عاملَيْن، إذ كادْ "الأخُ" مجرورًا بعامل، و"يكرهه" في موضع نصب بعامل آخرَ، واذ كان لا بد فيه من أحد الوجهَيْن، وأحدهما لا يصحّ، وَجَبَ حملُه
стр. 649
على الوجه الآخر، وهو على تقدير مضافٍ محذوفٍ، وهو"مِثْلٌ". وكان أبو العباس يمنَع جوازَ هذه المسألةِ ونظائرِها؛ لأنه كان لا يرى حذفَ الجارّ، ولا يرى العطفَ على عاملَيْن، ولا مَحْمِلَ لها سوى هذَين الوجهَيْن.
فأما قولك: "ما مثلُ أخيك، ولا أبيك يقولان ذاك"، فهذا لا بد فيه من تقدير "مِثْل" أيضًا، وليس من جهةِ العطف على عاملَيْن، لكن من جهةِ أخرى، وذلك أنّك إذا عطفتَ "الأب" على "الأخ"؛ لم يجز تثنيةُ الخبر لوجهَيْن:
أحدهما: أنّه يلزم من ذلك أن يعمل في الخبر عاملان، وهو"مثلٌ"، و"مَا" النافيةُ الحجازيةُ، إذا جعلتَ موضعَ "يَقُولاَنِ" نصبَا؛ لأن العامل في الخبر هو العامل في المُخْبَر عنه. وإن لم تُعْمِلها، كان العاملُ في الخبر أيضًا شيئين: الابتداءُ، و"مثلٌ"،وذلك لا يجوز.
والوجه الثاني: أن "ما" لا تعمل في خبرِ ما لا تعمل فيه، ولا عَمَل لـ "ما" في "الأبَ"، فلم يجز أن تعمل في خبره، فلذلك وجب تقديرُك "مِثْلُ" مع "الأب"، وساغ حذفُها لتقدُّمِ ذِكْرها. ويكون التقديرُ: ما مثلُ أخيك، ولا مثلُ أبيك يقولان ذاك. لأن "مَا" قد عملت في "مثلٍ" الأولِ و"مثلٍ" الثاني, لأن حرف العطف يُشْرِك بين المعطوف عليه والمعطوف في عَمَلِ العامل، وقوله: "وهو في الشذوذ نظيرُ إضمار الجارّ" يعني حذف المضاف، وإبقاءَ عَمَله، نحو قوله [من الخفيف]:
٣٩٨ - رَسْمِ دارِ وقفتُ في طَلَلِهْ ... كِدْتُ أَقضِي الحَيَاةَ مِن جَلَلِة
стр. 650
ونحو قولِ رُؤْبَةَ: "خَير عافاكَ الله" يريد: بِخَيْرٍ. وكلاهما قليلٌ في الاستعمال والقياس معًا، والجامعُ بينهما أَنهما جميعًا من عواملِ الخفض.
فصل [حذفُ المضاف إليه وحذفُ المضاف والمضاف إليه معاً]
قال صاحب الكتاب: وقد حُذف المضاف إليه في قولهم: "كان ذلك إذ وحِينَئِذٍ"، و"مررتُ بكُل قائمًا". قال الله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١). وقال: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ (٢). وقال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٣)، و"فعلته أوَّل" يريدون: إذ كان كذا، وكلَّهم، وبعضهم، وقبل كل شيء، وبعده، وأول كل شيء.
وقد جاءا محذوفَين معًا في قول أبي دُؤَادٍ بصفُ البَرْقَ [من الطويل]:
٣٩٩ - [أيا مَنْ رأى لي رأَيَ بَرْقٍ شريقِ] ... أسالَ البِحارَ فانْتَحَى للعَقِيقِ
стр. 651
وقولِ الأسَوَد [من الطويل]:
٤٠٠ - [فأَدْرك إبقاءَ العرادَةِ ظَلعُها] ... وقَد جَعَلَتْني من حَزِيمةَ إصْبَعَا
قال الفَسَوِيُّ: أي: أسالَ سُقْيَا سَحابِه، وذا مَسافةِ إصْبَع.
* * *
قال الشارح: اعلم أنه قد جاء عنهم حذف المضاف إليه، وهو أَقَل من حذفِ المضاف، وأبعدُ قياسًا. وذلك لأن الغرض من المضاف إليه التعريفُ، والتخصيصُ، وإذا كان الغرضُ منه ذلك وحُذف، كان نَقضًا للغرض، وتراجُعًا عن المقصود. فمن ذلك قولُهم: "إذِ"، و"حِينَئِذٍ". وأصله أنّ "إذْ" تكون مضافةً إلى جملةٍ، إما ابتدائيةِ، وإما فعليةِ، نحو: "جئتُك إذ الحَجّاجُ أميرٌ، واذ قام زيدٌ". و"إذ" كانت إنما تضاف إلى جملةٍ لتُوضِحها، وتُزيل إبهامَها، فإذا تقدمتْها جملةٌ، إما فعليةٌ، وأما اسميةٌ، ربما حذفوا الجملةَ المضاف إليها "إذ" لدلالةِ الجملة المتقدمة عليها، فجاؤوا بالتنوين بعد "إذْ" عِوَضًا من المحذوف، وذلك نحوُ قولهم: "إذٍ" من قول الشاعر [من الوافر]:
٤٠١ - نَهَيْتُكَ عن طِلابك أُم عمرٍو ... بعاقِبَةٍ وأنتَ إذٍ صَحِيحُ
стр. 652
وأصله: وأنتَ إذ نهيتُك، فحذف الجملة، وعوّض منها التنوين. ومثله "حِينَئِذٍ"، و"ساعَتَئِذٍ" و"يَؤمَئِذٍ"، والمراد: حِينَ إذ كان كذا وكذا، وساعةَ إذ كان كذا وكذا، ويومَ إذ كان كذا كذا. قال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (١)، والتقدير: يَومَ إذ تَزَنزَلَت الأرض، وإذا أخرجتِ الأرضُ أثقالَها، وإذ قال الإنسان. فحُذفت هذه الجُمَلُ بأَسْرها لدلالةِ ما تقدّم من الجمل، وعُوّض منها التنوينُ، فدخل وهو ساكن، وكانت الذالُ قبله ساكنةً، فكُسرت الذال لالتقاء الساكنَين، فقيل: "يَوْمَئذٍ".
وليست الكسرةُ في الذال بإعراب، وإن كانت "إذ" ها هنا في موضع جَر بإضافة ما قبلها إليها، والذي يدل أن الكسرة لالتقاء الساكنَين، لا للإعراب قوله: "وأنْتَ إذٍ صحيحٌ". ألا ترى أن "إذٍ" في هذا البيت ليس قبلها شيءٌ مضافٌ إليها، فتكونَ مجرورة به، فثبت بما ذكرناه أنها حركةُ بناء، لا إعراب. على أنه قد حُكي عن أبي الحسن أن "إذ" ها هنا مجرورةٌ بمضاف محذوف، كأنه أراد: حينئذٍ، ثم حذف "حِينَ" وهو يريدها، فهي مجرورةٌ بالمضاف المقدرِ على حد قوله [من المتقارب]:
ونارٍ تَوَقَّدُ باللَيْل نارَا (٢)
وما أبعدَ اعتقادَ مثلِ هذا من فَضلِ ذاك السيد، ومَحمِلُه إن صحّ على التقريب، أو أنه يريد مجرورةَ الموضع، لا اللفظِ، ألا ترى أن "إذ" مبنيّةٌ في حال إضافتها إلى الجملة،
стр. 653
نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ (١)، ونحو: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ (٢)، فـ "إذْ" هذه مبنية على السكون، وموضعُها نصبٌ بفعل مقدر تقديرُه: واذكروا إذ قلتم، ونحوه. وإذا كانت مبنية في حال الإضافة؛ فهي إذا لم تُضف بالبناء أجدرُ, لأن حذفَ المضاف إليه اقتطاعُ جُزْء من الاسم.
فإن قيل: فلِمَ كانت النونُ أَوْلى بالعوض من غيرها؟ قيل: كان الأولى أن يكون حرفًا من حروف المَد واللينِ لخِفتها، وكئرةِ زيادتها، لكنّهم لما كانت معتَلة لا تثبُت على حالي؛ لم تُزَدْ أخيرًا، إذ الذالُ قبلها ساكنٌ.
وإذا زيد حرفُ المدّ، وكان ساكنًا؛ وجب تحريكُ الذال لالتقاء الساكنَيْن، فإن كُسرت الذال، وكان حرفُ المدَّ ألفًا، أو واوًا؛ انقلبتْ ياء، وإن كانت ياة من أوّلِ مرة؛ لم يُؤْمَن حذفُها إذا لَقِيَها ساكنٌ بعدها، فلمّا كان زيادةُ حرف المدَّ تُؤدِّي إلى تغييره، أو حذفِه؛ تأبوا زيادتَه، وعدلوا إلى النون, لأنه يُجامِع حروفَ اللين في الزيادة، ويُناسِبها من حيثُ إنه غُنَّةُ تَمتدْ في الخَيْشُوم، فكان كالألف التي تمتد في الحَلْق، ولا مُعتمَدَ لها فيه مع أنها قد جاءت عوضًا من الحركة في "يَفْعلانِ"، و"تَقعلانِ"، و"يَفْعلونَ"، و"تَفْعَلونَ"، و"تَفْعلين".
وزادوها في التثنية والجمع عوضًا من الحركة، والتنوينِ، نحو قولك: "جاءني الزيدان، والزيدون"، و"رأيت الزيدَيْن، والزيدِينَ"، و"مررت بالزيدَيْن، والزيدِين". فالنونُ هنا عوضٌ من الحركة والتنوين، فلمّا كانت النونُ قد زيدت عوضًا فيما ذكرناه، واحتيج إلى حرفٍ يكون عوضًا في "يومئذٍ، و"حينئذٍ"، كانت النون أَوْلى؛ لأنّها مأنوس بزيادتها عوضًا.
وأمّا "كُلٌّ"، و"بَعْضٌ"، فمحذوفٌ منهما المضافُ إليه، وهو مرادٌ. يدل على ذلك أنّهما معرفتان، ولولا إرادةُ المضاف إليه فيهما؛ لكانا نكرتَيْن، نحو قولك: "غلامُ زيدٍ" إذا أردتَ المعرفةَ، و"غلامٌ" إذا أردت النكرةَ. والذي يدل على تعريفهما وقوعُ الحال منهما، نحو قولك: "مررت بكُلّ قائمًا، وببعض جالسًا"، والحالُ إنما تكون من المعرفة، ولا تكون الحالُ من النكرة إلا على ضُعْفٍ وضرورةٍ. وإنما يُحذف المضاف إليه إذا جرى ذكرُ قوم، فتقول: "مررت بكُلٍّ"، أي: بكلّهم، و"مررت ببعضٍ"، أي: ببعضهم، وتستغني بما جرى من الكلام، ومعرفةِ المخاطب عن إظهار الضمير المضاف إليه.
فذهب بعضُهم إلى أن التنوين عوضٌ من المضاف إليه كالذي في "يومئذٍ"، و"حينئذٍ". قال: وإنّما قلنا ذلك؛ لأن هذا لا يدخله تنوينُ التمكين من حيثُ كان في نيةِ الإضافة، كما لا يدخله الألفُ واللام. فلما نُوّن مع إرادة الإضافة؛ عُلم أن التنوين عوضٌ من المحذوف. وأمّا مذهبُ الجماعة، فإنه التنوين الذي كان يستحِقه الاسم قبل الإضافة، والإضافةُ كانت المانعةَ من إدخالِ التنوين. فلمّا زال المانعُ، وهو الإضافةُ؛ عاد إليه ما
стр. 654
كان له من التنوين. وتقديرُ الإضافة لا يمنع من إدخال التنوين؛ لأن المُعامَلة مع اللفظ، وأما امتناعُ الألف واللام من الدخول عليه؛ فإنما كان لأجْلِ أنّه معرفة، والألفُ واللام لا يدخلان المعارفَ، هذا هو الأصلُ، وامتناعُ الألف واللام من الإضافة غيرِ المَحْضَة إنما كان بالحَمْل على المحضة المُعرَّفةِ، وليس كذلك التنوينُ، فإنّه يكون مع المعرفة، نحو: "زيدٍ" و"عمرو"، ونحوِهما.
وأمّا "قَبْلُ" و"بَعْدُ" ونحوُهما من الظروف؛ فمحذوفٌ منها المضافُ إليه، فإذا قلت: "جئتُ قَبْلُ، وبَعدُ"، فالمرادُ: قبل كذا، وبعدَ كذا، مما قد عَرَفَه المخاطب. قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (١)، والمراد- واللهُ أعلمُ- من قبلِ الأشياء، ومن بَعْدِها، فحُذف ذلك، وهو مرادٌ، فذهب لفظُه، وبقي حُكْمُه، وهو التعريفُ، وبُني الاسم؛ لانّ المضاف إليه من تمام المضاف. فإذا قُطع عنه، فكأنه قد بقي بعضُ الاسم، وبعضُه لا يستحِق الإعرابَ، فقام البناءُ فيه مقامَ العوض، إذ لو عوّضوا النونَ كما في "يومئذٍ"، و"حينئذٍ" ونظائرِهما؛ لم يُؤمَن التباسُه بالمنكور المعرِب، وسنَستقصي الكلامَ عليه في موضعه إن شاء الله.
وقوله: "وقد حُذفا معًا" يريد المضافَ والمضافَ إليه، وذلك إذا تكرّرت الإضافةُ، فمن ذلك مسألةُ الكتاب (٢): "أنتَ منّي فَرْسَخان"، والمرادُ "ذُو مَسافَةِ فرسخَيْن" فحُذف المضاف، والمضاف إليه، وأقيم المضافُ إليه الثاني مُقام المضاف للعِلم به. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (٣)، أي: من تُرابِ أثرِ حافرِ فَرَسِ الرسول. ومنه قولُ أبي دُؤاد [من الطويل]:
أَيَا مَن رَأَى لي رَأْيَ بَرْقٍ شَرِيقِ ... أسالَ البِحارَ فانتَحَى للعَقِيقِ (٤)
يصف بَرْقًا، والمرادُ: سُقيَا سَحابِه، أي: سحاب البرق. والضميرُ، إذا كان مفردًا منصوبًا، أو مجرورًا؛ فإته يكون بارزًا، وإذا كان مرفوعًا، يكون مستتِرا، فـ "سُقيَا" فاعلُ "أسالَ" لا "البرقُ"، فإن البرق لا يُسِيل. فلما حُذف المضاف والمضاف إليه معًا، أقيم الضمير المجرور مُقامَ المضاف، وصار مرفوعًا، فاستكن في الفعل حين أُسند إليه الفعل. والبِحارُ: جمعُ بَحرٍ، وهو المكان المتسع، ومنه سُمّي البَحْر بَحْرًا لاتّساعه، وأمّا قول الأسوَد بن يَغفُرَ [من الطويل]:
فأَدْرَكَ إبْقاءَ العَرادةِ ظَلْعُهَا ... وقد جَعَلَتْني مِن حَزِيمَةَ إصْبَعَا (٥)
فالمراد: ذا مَسافةِ إصْبَع، فحذف المضافَ والمضافَ إليه لمّا تَكرّر، وأقام
стр. 655
المضافَ إليه الثاني مُقام المضاف الأول، وأعربَه بإعرابه، وهو النصب. وحزيمةُ هذه بالزاي المعجمة: بَطنٌ من باهِلَةَ بن عمرو بن ثَعْلَبَة، ويقال الحَزِيمَتان، والزبِينَتان، وهما حَزِيمَةُ وزَبِينَةُ.
فصل [حكمُ ما أُضيفَ إلى ياء المتكلّم]
قال صاحب الكتاب: وما أضيف إلى ياء المتكلم فحكمه الكسر نحو قولك في الصحيح والجاري مجراه "غلامي", و"دلوي"، إلا إذا كان آخره ألفاً أو ياء متحركاً ما قبلها, أو واواً. أما الألف, فلا تتغير إلا في لغة هذيل في نحو قوله [من الكامل]:
٤٠٢ - سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... [فتخرموا ولكل جنبٍ مضرع]
стр. 656
وفي حديث طلحة ﵁: فوضعوا اللج على قفي، يجعلونها إذا لم يكن للتثنية ياء، ويدغمونها. وقالوا جميعًا "لدي" و"لديه" و "لديك", كما قالوا: "عليَّ", و"عليه", و"عليك". وياء الإضافة مفتوحة إلا ماجاء عن نافعٍ ﴿محياي ومماتي﴾ (١) وهو غريب.
* * *
قال الشارح: اعلم أن ياء المتكلم حكمُها أن يُكسَر ما قبلها نحو قولك: "غُلاَمِي"، و"صاحِبِي" و"دَلْوِي". وإنّما وجب كسرُ ما قبل ياء المتكلّم، لِيسلَم الياءُ من التغيير والانقلاب، وذلك أن ياء المتكلم تكون ساكنة، ومفتوحة. فلو لم يكن يُكسَر ما قبلها، لكانت تنَقلب في الرفع واوًا في لغة من أسكنَها، وكان اللفظُ في الرفع: "هذا غُلامُو"، فيذهَب صيغة الإضافة، وكانت تنقلب في النصب ألفًا في لغةِ من فتحها، فكنت تقول: "رأيتُ غُلامَا". فلمّا كان إعرابُ ما قبلها يُؤدّي إلى تغييرها وانقلابِها إلى لفظِ غيرها، رفضوا ذلك، وعدلوا إلى كسرِ ما قبلها البتةَ.
فإن قيل: فأنتم قد قلبتموها ألفًا في النداء، نحو: "يا غُلَامَا"، قيل: ذلك شيء اختص به النداء، كما اختص بالعَدْل، نحو: "يا غَدارِ"، و"يا فَساقِ"، و"يا غُدَرُ"، و"يا فُسَقُ"، و "ياهَنَاهْ". ولا يُستعمل ذلك في غير النداء، وليس كسرُ ما قبلها لثِقَلِ الضمّة، ألا ترى أن الفتحة أخفُّ الحركات، ومع ذلك كسرتَ، فعُلم أنّ الكسرة فيها لغيرِ الاستثقال، فتقول: "هذا غلامي، وصاحبي"، ونحوهما من الصحيح اللام، أو ما جرى مجرى الصحيح. فالصحيحُ ما لم يكن حرفُ إعرابه ألفًا، ولا واوًا، وَلا ياءً، نحو: رجل، وفرس. والبخاري مجرَى الصحيح ما كان آخرُه ياء، أو واوًا قبلهما ساكنٌ، نحو: ظَبْي، ودَلْو؛ لأنه إذا سكن ما قبلهما، بَعُدَتَا عن شَبَهِ الألف، وجرتَا مجرى الصحيح في تحَمُّلِ حركاتِ الإعراب، فلذلك تقول: "هذا دَلْوِي، وظَبْيِي"، فتكسِر ما قبل ياء الإضافة، كما تكسر ما قبلها من الصحيح.
واعلم أنهم قد اختلفوا في هذه الكسرة، فذهب قوم إلى أنها حركةُ بناء، وليست إعرابًا؛ لأتها لم تحدُث بعامل، وإنّما حدوثُها عن علةِ، وهو وقوعُ ياءِ النفس بعدها، ولذلك لا تختلِف باختلافِ العوامل. ألا تراك تقول: "جاء غلامي"، و"رأيت غلامي" و"مررت بغلامي"، فتختلف العواملُ في أوّله، ولا تختلف حركةُ حرفِ الإعراب، بل يلزم الكسرَ البتّةَ مع إمكانِ تحرُكه.
إلّا أن هذه الكسرة، وإن كانت بناءً، فهي عارضةٌ في الاسم، لوقوعِ الياء بعدها،
стр. 657
وليست الحركةُ فيها كالحركة في المبني بمُشابَهةِ الحروف، أو تضمُّنِ معناها، أو التي تحدث في الاسم بعد وجوب بناءه، وتلزمُ كالتي في "أَمْسِ"، و"هؤلاءِ". ألا ترى أن البناء فيهما وجب لتضمُّنِ الحرَف، ثمّ عرض التحريكُ، لالتقاء الساكنَيْن. والساكنان من كلمة واحدة لا ينفصِل أحدهما من الآخر، فصار مما يُثْبِت الكلمةَ على الحركة، فحركةُ الآخر كحركةِ أوّلها، وما هو حَشْوٌ فيها من جهةِ اللزوم والثَباتِ. وإذا كانت عارضة، لم تَصِرِ الكلمةُ بها مبنيّة.
ونظيرُ ذلك حركةُ التقاء الساكنَين، نحو "لم يَقُم الرجلُ" و"لم تَذْهَب الجاريةُ"، فهذه الكسرةُ ليست إعرابًا، ألا ترى أنّ "لَمْ" لا تعمل الكسرةَ، وإنما عملُهاَ الجزمُ الذي هو سكونٌ مع أن الحركة لالتقاء الساكنَئن بناءٌ. فالكلمةُ باقيةُ على إعرابها لكونها عارضةً، تزول عند زَوالِ الساكن. فالكسرةُ هنا كالضمة في نحو: "لم يضربوا"، والفتحةِ في نحو "لم يضربا" في كونهما عارضتَين للواو والألِف.
وقد ذهب قومٌ إلى أن هذه الحركة لها حكمٌ بين حكمَيْن، وليست إعرابًا ولا بناءً. أما كونُها غيرَ إعراب، فلأنّ الاسم يكون مرفوعًا، ومنصوبًا، وهي فيه، فدلّ على أنها غيرُ إعراب، وأما كونُها غيرَ بناء، فلأن الكلمة لم يُوجَدْ فيها شيءٌ من أسبابِ البناء. وأسبابُ البناء مُشابَهة الحرف، نحو: "الذِي و"التِي" أو تضمُّنُ معنى الحرف، نحو: "أَيْنَ"، و"كَيْفَ"، أو وقوعه موقعَ الفعل المبني نحو "نَزَالِ"، و"تَرَاكِ". فلما لم يُوجَد فيها شيءٌ من ذلك، دل على أنها معربةُ متمكِّنةٌ، إذ لم يعرِض فيها ما يُخْرِجها عن التمكن، ألا ترى أنه لا فَرْقَ بين قولك: "غلامِي"، وقولك: "غلامُكَ" و"غلامُهُ" في التمكن، واستحقاقِ الإعراب. فكما أن "غلامه"، و"غلامك" معربان، فكذلك "غلامي" معربٌ. والأولُ أقيسُ.
فإن كان الاسمُ المضاف معتَلا، فما كان آخِرُه ألفًا، فإنك إذا أضفتَه إلى ياء المتكلم أثبث الألف، وفتحتَ الياء، وذلك نحو قولك: "عَصَايَ"، و"هُدَايَ"، و"بُشرَايَ". وإنّما فتحتَ الياء لسكونِ الألف قبلها، فلمّا وجب تحريكُها؛ كان تحريكُها بحركتها الأصلية أَوْلى من اجتلابِ حركة غريبة.
ومن العرب من يقلِب هذه الألفَ ياءً في الإضافة إلى ياء المتكلّم، فيقول: "هَوَيَّ"، و"عَصَىَّ"، و"هُدَيَّ". وله وجهٌ صالحٌ في القياس، وذلك أنه لما كانت ياء المتكلم أبدًا بكسر الحرف الذي قبلها إذا كان حرفًا صحيحًا، نحو: "هذا غلامي"، و"رأيت غلامي"، و"مررت بغلامي"، وكانت الياء وَسِيلَةَ الكسرة في نحو: "أخيك"، و"أبيك"، وفي المتثنية والجمع من نحو: "الزيدَيْن"، و"الزيدِين"؛ وجب أن لا يقولوا: "رأيت عَصَايَ"، بإثبات الألف، كما لم يقولوا: "رأيت غُلامَيَ" بفتح الميم، فأبدلوا من
стр. 658
الألف ياء، كما أبدلوا من الفتحة كسرة، فقالوا: "هذه عَصَييَّ، وهُدَيَّ، كما قالوا: "صاحبِي"، و"غلامِي"، وهو كثير. قال أبو ذُؤَيب الهُذَلِي [من الكامل]:
سَبَقُوا هَوَيَّ وأَعنَقُوا لِهَوَاهُمُ ... فتُخُرمُوا ولكُل جَنب مَصْرَعُ
والشاهد فيه "هَوَيَّ"، والمرادُ: هَوايَ، فأبدل من الألف ياء، لوقوعها موقعَ كسرة، ولا يُمكِن الكسرةُ فيها. يَرْثِي أَولادَه، وكان له عشرةُ أولادٍ، فماتوا، فقال: كنتُ أَهْوَى حياتَهم، فسبقوا هَوَيَّ، أي: انقرضوا كلُّهم.
ومن ذلك حديث طَلْحَةَ، ﵁، يومَ الجَمَل، حين قال له عَلِيٌّ كرم الله وجهَه: "عرفتَني بالحجاز، وأنكرتَني بالعِراق، فما عَدا مِمَّا (١) بَدَا؟ " فقال طلحةُ: بايَعْتُ واللُجُّ على قَفَى، أي مُكرَهًا. واللُجّ: السيفُ. يُشبه السيفَ لكثرةِ مائه وبَصِيصِه باللُجّ، وهو الماء الكثيرُ. ويُحكى عن يُونُسَ النحوِيّ أنّه قال: "لئن مَكنَنِي الله من ثلاثة يومَ القيامةِ؛ لأحُجنهم، منهم آدَمُ، أقول: أنتَ خَلَقَك الله من تُراب، وأسكَنَك الجَنةَ بغيرِ عَمَل، ومَكنَك ممّا فيها من ثِمارٍ ونَعِيمٍ، ونَهَاك عن شجرة، فلِمَ خالفتَ، حتّى أوقعتَ بَنِيك في هذا العَناء والتعَب؟ والثاني يوسفُ الصديقُ، أقول: أنتَ فارقتَ أباك مُدَّة، وأنت بمِصْرَ، وهو بأرضِ كَنعانَ، بَينَكما مَسافة يَسِيرة، هَلاَّ كتبتَ إليه: إنني في عافِيَةٍ، وخقفتَ ما به. والآخِرُ طَلْحَةُ والزبَيرُ، أقول لهما: أنْتُمَا بايَعْتما عَلِيًّا بالمَدِينة، وخَلَعْتماه بالكوفة، أي شيء أحدث لكما؟ وقد قُرىء ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (٢). ويروي قُطْرُبٌ [من الوافر]:
٤٠٣ - يُطَوَّفُ بي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ ... ويَطْعُنُ بالصُّمُلةِ في قَفَيا
فإن لم تَثْأراني من عِكَبٍّ ... فلا رَوَّيتُمَا أَبَدًا صَدَيَّا
стр. 659
الضمُلَّة: العَصَا. والضمْلُ الضربُ بالعصا. ومن قال هذا، لم يقل: "هذان غُلامَى"، فيقلِبَ ألفَ التثنية في الرفع ياء، كما قلبها في "عَصَيَّ" و"هُدَيَّ"، لئلّا يذهب الدلالة على الرفع.
فإن قيل: فأنتم تقولون في الصحيح: "هذا غلامِي"، و"رأيت غلامِي"، و"مررت بغلامِي"، فيزول عَلَم الإعراب، فهَلَّا أَجَزتم ذلك في التثنية. قيل: الدليلُ يقتضي ثبوتَ الإعراب في الجميع للبيان، وإنّما خالفناه في الصحيح خَوْفًا على لفظةِ ياء الإضافة وانقلابِها. ومع ألِف التثنية فقد أَمِنَّا تغييرَ الياء وانقلابَها، فكان لنا عن تغيير ألف التثنية وانقلابِها مَنْدُوحَةٌ.
قال: "وقالوا جميعًا: لَدَيَّ، ولَدَيْهِ، ولَدَيْكَ". يعني العربَ، وذلك أن الذي يقلِب ألفَ "عَصًا"، و"رَحًى" إِنما هو بعضُ العرب، لا كلهم. وكلُّ العرب تقلب ألفَ "لَدَى" إذا اتصل بالمضمر، سواءً كان المضمرُ متكلِّمًا، أو مخاطبًا، أو غائبًا، نحو: "لَدَيَّ"، و"لَدَيكَ" و"لَدَيه". فعلوا ذلك تشبيهَا لها بالأدَوات، نحو: "عَلَى"، و"إلَى"، فكما قالوا: "عَلَىَّ"، و "إليَّ"، و"عَلَيْكَ"، و"إلَيْكَ" و"عَلَيْهِ"، و"إلَيْهِ"، كذلك قالوا: "لَدَيَّ"، و"لَدَيْكَ"، و"لَدَيهِ".
وإنّما قلبوا ألفَ "عَلَى" و"إلَى" تشبيهًا لها بالأفعال من جهةِ لزومها الأسماء، وعَمَلِها فيها. فكما كانت الأفعال تنقلَب ألفاتِها عند اتصالِ ضميرِ الفاعل بها من نحو: "رَمَيْت" و"سَعَيت"، كذلك قلبوا ألفَ "على"، و"إلى"، فقالوا: "عليه"، و"إليه"؛ لأن المجرور يتنزل من الجارّ منزلةَ الفاعل من الفعل من جهةِ لزومِه له وافتقارِه إليه.
وخُصت ألفُ الأدوات بالياء دون الواو لوجهَيْن: أحدهما أنّ الياء أخف من الواو، والغرضُ انقلابُ الألف إلى أحدهما بحُكْمِ الشَّبَه، فكان قَلْبها إلى الأخف أوْلى. الثاني:
стр. 660
أن الغالب على الألف، إذا كانت لامًا، الياءُ، والغالبَ عليها، إذا كانت عينًا، الواوُ، فلذلك قُلبت إلى الياء. وربما جاءت هذه الألفُ مع المضمر غيرَ منقلبةٍ على حدِّ مَجيئها مع الظاهر. أنشد أبو زيد [من الرجز]:
٤٠٤ - طَارُوا عَلاهُنَّ، فَطِرْ عَلَاهَا ... واشدُدْ بِمَثْنَى حَقَبٍ حَقْوَاهَا
قال الجُرْجاني: إئما قلبوها مع الضمير ياء ساكنة، لِيدلوا بذلك على أنها أصلٌ، وليست منقلبة عن غيرها مما أصلُه الحركة، نحو الأفعال، مثل: "غَزَا" و"سَعَى"، فاعرفه.
قال: "وياء الإضافة مفتوحة". يعني مع الألف لِما ذكرناه من التقاء الساكنَيْن. فأما قِراءةُ نافع: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ (١) بسكون الياء، فهو غريب لخروجه عن القياس، وما عليه الجُمهورُ. ووجهُ هذه القراءة اعتقادُ الوَقْف، فإنه في الوقف يجوز أن يُجمَع بين ساكنَيْن، فيكون الوقفُ كالساد مَسَدَّ الحركة؛ لأنّ الوقف على الحرف يَزيد في صوته مع أنه استغنى بأحد الشرطَيْن، وهو المدُّ الذي في الألف، والشرطان المَرْعِيان في الجمع بين ساكنَين، أن يكون الساكنُ الأوَّل حرفَ مدّ ولِين، والثاني مُدغَمًا، كـ "الدابة" و"شَابه"، فاعرفه.
* * *
стр. 661
قال صاحب الكتاب: وأما الياء فلا تخلو من أن ينفتح ما قبلها كياء التثنية وياء "الأشقين" و"المصطفين" و"المرامين" و"المعلين" أو ينكسر كياء الجمع. والواو لا تخلو من أن ينفتح ما قبلها, كـ"الأشقون" وأخواته أو ينضم كـ"المسلمون" و"المصطفون". فما انفتح ما قبله من ذلك فمدغم في ياء المتكلم ياء ساكنة بين مفتوحين، وما انكسر ما قبله من ذلك أو انضم؛ فمدغم فيها ياء ساكنة بين مكسور ومفتوح.
* * *
قال الشارح: إذا كان آخِرُ الاسم ياء قبلها مفتوحُ، كياء التثنية، نحو: "غُلاَمَيْنِ"، و"مُسْلِمَيْنِ"، ونحو ياء جمع المقصورِ، كـ "الأشقَيْنَ" و"المُصْطَفَينَ"، و"المُرامَيْنَ"، و"المُعَليْنَ". فالأَشْقَيْنَ: جمع الأشقَى، والمصطفَيْنَ: جمعُ المصطفَى، والمرامَيْنَ: جمعُ المرامَى، والمُعَليْنَ: جمعُ المُعَلى. فما كان من ذلك، وأضيف إلى ياء النفس، فإن نونه تُحذف للإضافة، ثم يُدغَم في ياء الإضافة، فتقول: "رأيتُ غلامي، وصاحبَى"، وتقول: "هؤلاء مصطفَى، وأَشْقَى"، فتحصُل الياء بين فتحتَيْن: فتحة ما قبل الياء، وفتحةِ ياء النفس.
فإن كان الآخِرُ من المضاف ياء مكسورًا ما قبلها بأن يكون الاسم منقوصًا، نحو: "قاضٍ"، و"داع"، أو ياء جمع السلامة، نحو: "مسلمِينَ" و"صالِحينَ"، فإنّ المنقوص تُدْغم ياؤه في ياء الإضافة مفتوحة، نحو: "قاضِى"، و"داعِى". تُشدَّد الياء لأجل الادّغام، وتُفتح ياء النفس لسكونِ الياء المدّغمة، فتحصُل الياء المدغمةُ بين كسرةِ ما قبل الياء، وفتحةِ ياء النفس.
فإن كان المضاف جمعًا؛ فإن ياء الجمع تُدغم في ياء النفس بعد حذف النون، ولا تكون ياء الإضافة إلّا مفتوحة، نحو: "رأيتُ مسلمِى وصالِحى".
فإن كان آخِرُ الاسم المضافِ واوًا، فإنك تقلِب الواو ياء، وتَدغِمها في ياء الإضافة، سواءَ كان ما قبلها مفتوحًا، كـ "الأشقَوْنَ" وأخواته ممّا هو جمعُ سلامةِ المقصورِ، نحو "المُعَلونَ"، و"الأعلَوْنَ"، أو مضموما، نحو: "المسلمُونَ"، و"المُصْطَفُونَ" في جمع "مُصْطَفٍ"، وهو اسمُ فاعل من "اصْطَفَى يَصْطَفِي" فالفاعلُ مُصْطَفٍ، وجمعُه مُصْطَفُونَ، بضم الفاء. والأصلُ: مُصْطَفِيُونَ، استُثقلت الضمة على الياء المكسورِ ما قبلها، فحُذفت ثمّ حُذفت الياء لسكونها، وسكونِ واو الجمع بعدها، ثم ضَمُّوا الفاء لِتصحّ الواوُ، كما قالوا: "غَازُونَ"، و"قَاضونَ".
وتقول في الإضافة: "هؤلاء أَشْقَى، ومُعَلى، ومصطفَىَّ"، فتقلِب الواوَ ياء، وتَدغِمها في ياء النفس، فتصير الياء المنقلِبةُ عن الواو بين فتحتَيْن. وكذلك تقول في الواو المضموم ما قبلها: "هؤلاء مسلمِى، ومصطفِى". وأصلُه: مسلمُويَ ومصطفويَ، فخذفت النون لَلإضافة، وقُلبت الواو ياء لاجتماعها مع ياء النفس ساكنة على حَد "شَوَيْتُ
стр. 662
شَيّا، ولَوَيْتُ لَيًّا"، وأُدغمتْ في ياء الإضافة، فحصلت الياء المنقلبةُ هنا بين الكسرة المُبدَلة من الضمة، وفتحة ياء النفس.
وإنّما أبدل من الضمة هنا كسرةٌ، لأنّ الواو هنا جُعلت مَدّةَ حركةِ ما قبلها من جنسها، وكان القياس في ياء التثنية أن تكون كذلك، إِلأ أنهم فتحوا ما قبلها للفَرْق بينها وبين ياء الجمع. فلما وجب قلبُ الواو ياء؛ أُبدل أيضًا من الضمّة كسرة، لتُناسِبَها، ولئلا يُخرَج عن المَد. وإن شئت أن تقول: إِنّ الواو هنا في موضع كسرة لمكانِ ياء النفس بعدها، إذ ياء النفس لا يكون ما قبلها إلّا مكسورًا، والياء وَسِيلةُ الكسرة على ما تقدّم، فقُلبت الواو ياء، كما تُقلب الضقة كسرةً في "هذا غلامي".
فإن قيل: يلزم من ذلك قلبُ الألف ياءً في التثنية، إذا أضفتها إلى ياء النفس، ولا مُبالاة بالإعراب كما أبدلتم من الواو ياء، ولم تُبالوا بالإعراب في قولك: "هذان غلامَايَ"؛ لأنها في موضع كسرة. قيل: الواوُ أقربُ إلى الياء من الألف إلى الياء، ألا ترى أنهما تَتفِقان في الرِّدْف، وتنفرِد الألفُ بالتأسيس، فلقُرْب ما بين الواو والياء اجتذبتْها الياء مع كونها في موضع كسرة، ولبُعْدِ ما بين الألف والياء، لم يَقوَ السببُ على قَلبها مع وجود المانع، وهو زَوال الدلالة على الإِعراب.
فإن قيل: إذا زعمتم أن ياء الجمع، أو واو الجمع، إذا أضيف إلى ياء النفس، فإن الياء لا تكون إلّا مفتوحة، فما وجهُ القراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ (١)، قيل: هذه قراءة حَمْزَةَ والأعْمَشِ (٢)، وهي قليلةُ النظير جدًّا، على أنها ليست في البُعد من القياس بالمكان الذي تُعْزَى إليه، وذلك أن الإسكان في ياء النفس لما كثُر، صار كالأصل. فلمّا تقدّم ساكنٌ؛ حرّكوها بالكسرة لالتقاء الساكنَين، لِيدلّوا بذلك أن الحركة لالتقاء الساكنين، لا للبناء، فلم يُراعوا أصلَ حرفِ اللين فاعرفه.
فصل [إضافة الأسماء الستّة]
قال صاحب الكتاب: والأسماء الستة متى أضيفت إلى ظاهر أو مضمر، ما خلا الياء، فحكمها ما ذكرنا. فأما إذا أضيفت إلى الياء فحكمها حكمها غير مضافة، أي تحذف الأواخر، إلا ذو فإنه لا يضاف إلا إلى أسماء الأجناس الظاهرة وفي شعر كعب [من الوافر]:
صبحنا الخزرجية مرهفات ... أبار ذوي أرومتها ذووها (٣)
стр. 663
وهو شاذ, ولـ"الفم" مجريان: أحدهما مجرى اخواته وهو أن يقال فمي والفصيح "فيّ" في الأحوال الثلاث. وقد أجاز المبرد أبي وأخي وأنشد [من الكامل]:
٤٠٥ - [قدَرٌ أحلّك ذا المجاز وقد أرى] ... وأبي مالك ذو المجاز بدار
وصِحةُ مَحْمِله على الجمع في قوله [من المتقارب]:
٤٠٦ - [فلمّا تبَيّن أَصواتَنا ... بكَينَ] وفَدّيْنَنا بالأَبينا
تدفع ذلك.
* * *
стр. 664
قال الشارح: قد تقدّم في أوّل هذا الكتاب الكلامُ على أحكامِ هذه الأسماء الستّةِ إذا أضيفت إلى ظاهرِ، أو مضمرِ ليس بمتكلّم، بما أغنى عن إعادته. والذي يختصّ بهذا المكان بيانُ حُكمها إذا أضيفت إلى ياء النفس. وحكمُها إذا أضيفت إلى ياء النفس أن لا يعاد المحذوفُ، بل تُبقَى على حالها محذوفةَ اللام كما لو لم تُضِفْها، فتقول: "هذا أخِي، وأبِي، وحَمِي"، و"رأيت أخي، وأبي، وحمي"، و"مررت بأخي، وأبي، وحِمي"، كما تقول: "هذا أَخٌ، وأَبٌ، وحَمٌ"، و"رأيت أَخًا، وأَبًا، وحَمًا" و"مررت بأخ، وأبِ، وحَم". تحذف لاماتها في الإضافة إلى ياء النفس كما تحذفها في الإفراد. وإنما لم تُعِدْ لاماتِها في الإضافة إلى ياء النفس، كما تُعيدها إذا أضفتَها إلى غير ياء النفس في قولك: "أَخو زيدٍ" و"أَخُوكَ"؛ لأن حذفَ لاماتِ هذه الأسماء في حالِ الإفراد، إنّما كان لضرب من التخفيف على غير قياس، وإنّما أُعِيدَتْ حين أريد إعرابُها بالحروف للمعنى الذي ذكرناه، فكان إعادةُ ما هو منها أَوْلى من اجتلابِ حرفٍ غريبٍ أجنبىّ.
وأما إذا أضيفت إلى ياء النفس، فلا يظهَر فيها الإعرابُ, لأنه موضعٌ يلزمُه الإعلالُ بالقلب، وقد استمر فيه الحذف، فأمضي ذلك فيه، ولم يُردّ إليه ما كان يلزمُه من الإعلال.
وقد أجاز المبرد رَد اللام إذا أضيفت إلى ياء النفس، كإعادتها إذا أضيفت إلى غيرها، فيقول: "هذا أخِى، وأَبِن"، وأنشد [من الكامل]:
قَدَرُ أَحَلَّكَ ذَا المَجازِ وقد أَرَى ... وأَبِيَّ مالَكَ ذو المجَازِ بِدارِ
والشاهد فيه قولُه: "وأَبِيَّ" بياءِ مدّغَمة على إعادة اللام المحذوفةِ. ولا حُجةَ في ذلك لاحتمالِ أن يكون أراد جمعَ السلامة؛ لأنهم يقولون: "أَبٌ"، و"أَبُونَ"، و"أخٌ"،
стр. 665
و"أَخُونَ"، كما قال [من المتقارب]:
فلَما تَبَيَّن أَصْوَاتَنَا ... بَكَيْنَ وفَديْنَنَا بالأَبِينَا
وقال الآخر [من الوافر]:
٤٠٧ - [يَدَعْنَ نِسَاءَكُمْ في الدارِ نُوحًا] ... يُدَفن البُعُولةَ والأبَينَا
ثمّ أضاف هذا الجمع الذي هو أَبِينَ، فقال: "أَبِى"، كما تقول "مسلمِي"، و"عِشْرِي". ومثله قوله [من الوافر]:
٤٠٨ - وقد شُنِئَتْ بها الأَقْوامُ قَبلِي ... فَمَا شُنِئَتْ أَبِي ولا شُنِيتُ (١)
فعلى هذا تكون الياءُ المدغَمةُ ياءَ الجمع دونَ أن تكون منقلِبة عن الواو التي هي
стр. 666
لامُ في قولك "أبَوَانِ"؛ لأن هذا الموضع، لما كان يلزمُه الإعلال بالقلب، واستمرّ فيه الحذف، أُمضي ذلك فيه، ولم يُرَدَ فيه ما كان يُلْزِمه الإعلالُ له.
وذو المَجازِ موضعٌ بمِنى كان به سُوقٌ في الجاهلية، قال الحارث بن حِلزَةَ [من الخفيف]:
٤٠٩ - واذكرُوا حِلفَ ذِي المَجازِ وقَدْ قُدْ ... دِمَ فيه العُهودُ والكُفَلاءُ
فاعرفه.
وأمّا "ذو" فإنّها لا تضاف إلى مضمرٍ، ولا تضاف إلّا إلى اسمِ جنس وقد تقدّم ذلك، فأما قول الكُمَيت وقيل لكَعب [من الوافر]:
صبحنا الخَزرجيةَ ... إلخ
فهو غريبٌ، وحسنه قليلًا عَوْدُ الضمير إلى المرهفات، وهي، وإن كانت في الأصل صفة؛ فالمرادُ بها هنا الموصوفُ، وهو السيوف، والسيوف جنسٌ، ولا يقاس عليه، ومثلُه [من مجزوء الرمل]:
إنما يَعْرِفُ ذا الفَضـ ... ـلِ مِنَ الناسِ ذَوُوهُ (١)
وهو في هذا البيت أسهلُ أمرًا لعَوْدِ الضمير إلى الفضل، وهو اسمُ جنس.
وأما "الفَمُ" إذا أضيف إلى ياء النفس، ففيه وجهان: أحدهما أن تُجْرِيَه على لفظِ إفراده، كما فعلتَ في أخواته، فتقول: "هذا فَمِي" و"فتحتُ فَمِي"، و"وضعتُه في فَمِي"، كما تقول: "أَخِي"، و "أَبِي". والوجه الثاني أن تَرُدَّ المحذوفَ، فتقول: "هذا فيَّ"، و"فتحتُ فِيَّ"، و"وضعتُه في فيَّ"، فيكون في الأحوال الثلاث بلفطٍ واحد، وهي الياء المشددةُ. وإنما كان كذلك؛ لأنّك تقول: "هذا فُوكَ"، و"رأيت فَاكَ"، و"مررت بفِيكَ"،
стр. 667
فتكون حركةُ الفاء تابعةً لحركةِ ما بعدها من الحروف. فإن كان واوًا، كان مضمومًا؛ وإن كان ألفًا، كان مفتوحاً؛ وإن كان ياء، كان مكسورًا. وقد تقدّم أن هذه الحروف وَسِيلةُ الحركات، وجاريةٌ مجراها، فكما يلزم أن يكون ما قبل ياء الإضافة مكسوراٌ في قولك: "غلامِي"، كذلك يجب أن تأتيَ بالياء هنا. وإذا جاءت الياءُ، لزم أن تكسِر الفاء, لأنّ حركة الفاء تابعةٌ لما بعدها، نحو قولك: "ابْنُمْ"، و"امْرُؤٌ"، ثم تُدغم في ياء النفس، فصار اللفظُ في الأحوال الثلاث واحدًا، وهذا الوجه هو القياسي الأكثرُ، والأوّلُ قليل.
فإن قيل: لِمَ قلبتم الألفَ هنا ياء مع أنها دالةٌ على الإعراب، وامتنعتم مِن قلب ألفِ التثنية؟ وما الفرقُ بينهما؟ فالجوابُ أن في ألف التثنية وُجد سببٌ واحدٌ يقتضي قلبَهَا ياء، وعَارَضَه الإخلالُ بالإعراب، وهاهنا وُجد سببان لقَلْبها ياء، وهو وقوعُها موقع مكسورٍ، وانكسارُ ما قبلها في التقدير من حيث إن الفاء في قولك: "هذا فُوكَ"، و"رأيت فَاكَ"، و"مررت بفِيكَ" يكون تابعًا لما بعده، فقَوِيَ سببُ قَلْبه، ولم يُعْتَدّ بالمُعارِض فاعرفه.
стр. 668
ذكر التوابع
فصل [تعريفها]
قال صاحب الكتاب: هي الأسماء التي لا يمسُّها الإعراب إلا على سبيلِ التَّبَع لغيرها، وهي خمسةُ أضرب: تأكيدٌ، وصِفةٌ، وبَدَلٌ، وعَطفُ بيان، وعطفٌ بحَرْف.
* * *
قال الشارح: التَّوابع هي الثواني المُساوِيَةُ للأوّل في الإعراب بمُشارَكتها له في العوامل، ومعنَى قولنا: ثَوانٍ، أي: فُروعٌ في استحقاق الإعراب، لأنّهم لم تكن المقصودَ، وإنَّما هي من لَوازمِ الأول كالتَّتِمَّة له، وذلك نحو قولك: "قام زيدٌ العاقلُ"، فـ "زيدٌ" ارتفع بما قبله من الفعل المسنَد إليه. و"العاقلُ" ارتفع بما قبله أيضًا من حيثُ كان تابعًا لزيد كالتَّكْمِلَة له، إذ الإسنادُ إنّما كان إلى الاسم في حالِ وصفه، فكانا لذلك اسمًا واحدًا في الحكم، ألا ترى أنّ الوصف، لو كان مقصودًا، لكان الفعلُ مسندًا إلى اسمَين، وذلك مُحالٌ. ونظيرُ ذلك أن الرجل ذا العَبِيد والأَتْباعِ يُدْعَى إلى وَلِيمَةٍ، فيَنالُ العبيدَ من الكَرامة مثلُ ما نال السيدَ، لكن ذلك بحُكمِ التَّبَعِية. والمقصودُ بذلك السيّد، كأنّهم ليسوا غيرَه، لأنّهم من لَوازِمه، كذلك ها هنا الإعرابُ يدخل التابعَ والمتبوعَ، لكنِ المتبوعَ بحُكْمِ أنه أصلٌ ومقصودٌ، والتابع بحكم الفَرْعِيّة وأنّه تَكْمِلَةُ الأول.
والتوابع خمسةٌ: تأكيدٌ، وصفة، وعطفُ بَيانٍ، وبَدَلٌ، وعطفٌ بحرفٍ. وإنَّما رتّبناها هذا الترتيبَ، فقُدّم التأكيد , لأنّ التأكيد هو الأوّل في معناه، والنَّعْتُ هو الأوَّل على خِلافِ معناه, لأن النعت يتضمّن حقيقة الأول، وحالًا من أحواله، والتأكيدُ يتضمّن حقيقتَه لا غيرُ، فكان مُخالِفًا له في الدلالة. وقد يكون النعتُ بالجملة، وليسِ كذلك التأكيدُ. وقُدّم النعْت على عطف البيان, لأن عطف البيان ضربٌ من النعت، وقُدّم عطف البيان على البدل, لأن البدل قد يكون غيرَ الأول، وأُخِّر العطف بالحرف, لأنّه يتبَع بواسطة، وما قبله يتبع بلا واسطة.
التأكيد
قال صاحب الكتاب: هو على وجهَين: تكريرٌ صريحٌ، وغيرُ صريح، فالصريحُ
стр. 669
نحو قولك: "رأيتُ زيدًا زيدًا"، وقال أَعْشَى هَمدانَ [من الخفيف]:
٤١٠ - مُرَّ إني قَد امتَدَحْتكَ مُرَّا ... واثِقًا أَنْ تُثِيبَنِي وتَسُرَّا
مُرَّ يا مرَّ مرة بْنَ تليد ... ما وجدناك في الحوادث غرَّا
وغيرُ الصريح، نحو قولك: "فعَلَ زيدٌ نفسه، وعينه، والقوم أنفسهم، وأعيانهم، والرجلان كلاهما" و"لقيتُ قومَكَ كلهم، والرجال أجمعين، والنساء جُمَع".
* * *
قال الشارحِ: اعلم أنه يقال: تَأكِيدٌ وتَوكِيدٌ بالهمزة والواوِ الخالصةِ، وهما لغتان، وليس أحدُ الحرفيْن بَدَلًا من الآخر, لأنَّهما يَتصرّفان تصرّفًا واحدًا، ألا تراك تقول: "أَكَّدَ يُؤَكدُ تأكيدًا"، و"وَكّدَ يوَكدُ تَوْكِيدًا"، ولم يكن أحدُ الاستعمالَيْن أغلبَ، فيجعَل أصلًا، فلذلك قلنا: إِنّهما لغتان.
والتأكيد على ضربَين: لفظىٌ ومَعْنويٌ، فاللفظيُّ يكون بتكريرِ اللفظ، وذلك نحو قولك:
стр. 670
"ضربت زيدًا زيدًا"، فهذا تأكيدٌ لـ"زيدٍ" وحدَه بإعادةِ لفظه , و"ضربتُ زيدًا ضربت زيدًا"، فهذا تأكيدُ الجملة بأسّرها, كما أكدتَ المفردَ. ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
٤١١ - أَلا يا اسْلَمِي ثمَّ اَسلمي ثُمَّت اسْلَمِي ... ثَلاثَ تَحِيات وإن لم تَكَلَّمِي
أَكُّدَ الجملةَ الأَمْريةَ بتكريرها.
ومنه قوله ﷺ : "فهي خِداجٌ فهي خِداجٌ" (١)، فأمّا قوله [من الخفيف]:
مُرَّ إِنِّي قَدِ امْتَدَحْتُكَ مُرَّا
البيتَين، الشعرُ لأَعشَى هَمْدانَ يمدَح مُرَّة بن تُلَيْدٍ، والشاهدُ فيه تأكيدُ "مرَّةَ" بتكرير لفظى، وهو مرخَّمٌ بإسقاط التأنيث.
وأمّا التأكيد المعنويّ، فيكون بتكريرِ المعنى دون لفظه، نحو قولك: "رأيت زيدًا نفسَه"، و"رأيتُكم أنفُسَكم"، و"مررتُ بكم كلّكم".
وجملةُ الألفاظ التي يؤكَّد بها في المعنى تسعةُ ألفاظٍ: "نَفْسُهُ"، "عَيْنُهُ"، "أَجْمَعُ"، "أَجمَعُونَ"، "جَمعَاءُ"، "جُمَعُ"، "كُلُّهُم"، "كِلَاهُمَا"، "كِلْتَاهُما".
فأمّا "أَكتَعُونَ أَبصَعونَ"، "كَتْعاءُ بَصعاء"، "كُتَعُ بُصَعُ"، فكلها توابع لأَجْمعَ، لا تُستعمل إلا بعده، ولا تُستعمل منفرِدةً، فهي شَبِيهةٌ بقولهم. "شَيطانٌ لَيطانٌ"، وقيل: إِن معناها كمعنَى "أجمعين"، وهو الإحاطةُ والعُموْمُ، فـ "أجمعون" من معنى الجَمْع ولفظِه، و"أكتعون" من قولهم: "أتى عليه حَولٌ كتيعٌ"، أي: تامٌّ، ومنه قولُهم: "ما بالدار كتيعٌ"، أي: أحدٌ.