لامُ في قولك "أبَوَانِ"؛ لأن هذا الموضع، لما كان يلزمُه الإعلال بالقلب، واستمرّ فيه الحذف، أُمضي ذلك فيه، ولم يُرَدَ فيه ما كان يُلْزِمه الإعلالُ له.
وذو المَجازِ موضعٌ بمِنى كان به سُوقٌ في الجاهلية، قال الحارث بن حِلزَةَ [من الخفيف]:
٤٠٩ - واذكرُوا حِلفَ ذِي المَجازِ وقَدْ قُدْ ... دِمَ فيه العُهودُ والكُفَلاءُ
فاعرفه.
وأمّا "ذو" فإنّها لا تضاف إلى مضمرٍ، ولا تضاف إلّا إلى اسمِ جنس وقد تقدّم ذلك، فأما قول الكُمَيت وقيل لكَعب [من الوافر]:
صبحنا الخَزرجيةَ ... إلخ
فهو غريبٌ، وحسنه قليلًا عَوْدُ الضمير إلى المرهفات، وهي، وإن كانت في الأصل صفة؛ فالمرادُ بها هنا الموصوفُ، وهو السيوف، والسيوف جنسٌ، ولا يقاس عليه، ومثلُه [من مجزوء الرمل]:
إنما يَعْرِفُ ذا الفَضـ ... ـلِ مِنَ الناسِ ذَوُوهُ (١)
وهو في هذا البيت أسهلُ أمرًا لعَوْدِ الضمير إلى الفضل، وهو اسمُ جنس.
وأما "الفَمُ" إذا أضيف إلى ياء النفس، ففيه وجهان: أحدهما أن تُجْرِيَه على لفظِ إفراده، كما فعلتَ في أخواته، فتقول: "هذا فَمِي" و"فتحتُ فَمِي"، و"وضعتُه في فَمِي"، كما تقول: "أَخِي"، و "أَبِي". والوجه الثاني أن تَرُدَّ المحذوفَ، فتقول: "هذا فيَّ"، و"فتحتُ فِيَّ"، و"وضعتُه في فيَّ"، فيكون في الأحوال الثلاث بلفطٍ واحد، وهي الياء المشددةُ. وإنما كان كذلك؛ لأنّك تقول: "هذا فُوكَ"، و"رأيت فَاكَ"، و"مررت بفِيكَ"،
стр. 667
فتكون حركةُ الفاء تابعةً لحركةِ ما بعدها من الحروف. فإن كان واوًا، كان مضمومًا؛ وإن كان ألفًا، كان مفتوحاً؛ وإن كان ياء، كان مكسورًا. وقد تقدّم أن هذه الحروف وَسِيلةُ الحركات، وجاريةٌ مجراها، فكما يلزم أن يكون ما قبل ياء الإضافة مكسوراٌ في قولك: "غلامِي"، كذلك يجب أن تأتيَ بالياء هنا. وإذا جاءت الياءُ، لزم أن تكسِر الفاء, لأنّ حركة الفاء تابعةٌ لما بعدها، نحو قولك: "ابْنُمْ"، و"امْرُؤٌ"، ثم تُدغم في ياء النفس، فصار اللفظُ في الأحوال الثلاث واحدًا، وهذا الوجه هو القياسي الأكثرُ، والأوّلُ قليل.
فإن قيل: لِمَ قلبتم الألفَ هنا ياء مع أنها دالةٌ على الإعراب، وامتنعتم مِن قلب ألفِ التثنية؟ وما الفرقُ بينهما؟ فالجوابُ أن في ألف التثنية وُجد سببٌ واحدٌ يقتضي قلبَهَا ياء، وعَارَضَه الإخلالُ بالإعراب، وهاهنا وُجد سببان لقَلْبها ياء، وهو وقوعُها موقع مكسورٍ، وانكسارُ ما قبلها في التقدير من حيث إن الفاء في قولك: "هذا فُوكَ"، و"رأيت فَاكَ"، و"مررت بفِيكَ" يكون تابعًا لما بعده، فقَوِيَ سببُ قَلْبه، ولم يُعْتَدّ بالمُعارِض فاعرفه.
стр. 668
ذكر التوابع
فصل [تعريفها]
قال صاحب الكتاب: هي الأسماء التي لا يمسُّها الإعراب إلا على سبيلِ التَّبَع لغيرها، وهي خمسةُ أضرب: تأكيدٌ، وصِفةٌ، وبَدَلٌ، وعَطفُ بيان، وعطفٌ بحَرْف.
* * *
قال الشارح: التَّوابع هي الثواني المُساوِيَةُ للأوّل في الإعراب بمُشارَكتها له في العوامل، ومعنَى قولنا: ثَوانٍ، أي: فُروعٌ في استحقاق الإعراب، لأنّهم لم تكن المقصودَ، وإنَّما هي من لَوازمِ الأول كالتَّتِمَّة له، وذلك نحو قولك: "قام زيدٌ العاقلُ"، فـ "زيدٌ" ارتفع بما قبله من الفعل المسنَد إليه. و"العاقلُ" ارتفع بما قبله أيضًا من حيثُ كان تابعًا لزيد كالتَّكْمِلَة له، إذ الإسنادُ إنّما كان إلى الاسم في حالِ وصفه، فكانا لذلك اسمًا واحدًا في الحكم، ألا ترى أنّ الوصف، لو كان مقصودًا، لكان الفعلُ مسندًا إلى اسمَين، وذلك مُحالٌ. ونظيرُ ذلك أن الرجل ذا العَبِيد والأَتْباعِ يُدْعَى إلى وَلِيمَةٍ، فيَنالُ العبيدَ من الكَرامة مثلُ ما نال السيدَ، لكن ذلك بحُكمِ التَّبَعِية. والمقصودُ بذلك السيّد، كأنّهم ليسوا غيرَه، لأنّهم من لَوازِمه، كذلك ها هنا الإعرابُ يدخل التابعَ والمتبوعَ، لكنِ المتبوعَ بحُكْمِ أنه أصلٌ ومقصودٌ، والتابع بحكم الفَرْعِيّة وأنّه تَكْمِلَةُ الأول.
والتوابع خمسةٌ: تأكيدٌ، وصفة، وعطفُ بَيانٍ، وبَدَلٌ، وعطفٌ بحرفٍ. وإنَّما رتّبناها هذا الترتيبَ، فقُدّم التأكيد , لأنّ التأكيد هو الأوّل في معناه، والنَّعْتُ هو الأوَّل على خِلافِ معناه, لأن النعت يتضمّن حقيقة الأول، وحالًا من أحواله، والتأكيدُ يتضمّن حقيقتَه لا غيرُ، فكان مُخالِفًا له في الدلالة. وقد يكون النعتُ بالجملة، وليسِ كذلك التأكيدُ. وقُدّم النعْت على عطف البيان, لأن عطف البيان ضربٌ من النعت، وقُدّم عطف البيان على البدل, لأن البدل قد يكون غيرَ الأول، وأُخِّر العطف بالحرف, لأنّه يتبَع بواسطة، وما قبله يتبع بلا واسطة.
التأكيد
قال صاحب الكتاب: هو على وجهَين: تكريرٌ صريحٌ، وغيرُ صريح، فالصريحُ
стр. 669
نحو قولك: "رأيتُ زيدًا زيدًا"، وقال أَعْشَى هَمدانَ [من الخفيف]:
٤١٠ - مُرَّ إني قَد امتَدَحْتكَ مُرَّا ... واثِقًا أَنْ تُثِيبَنِي وتَسُرَّا
مُرَّ يا مرَّ مرة بْنَ تليد ... ما وجدناك في الحوادث غرَّا
وغيرُ الصريح، نحو قولك: "فعَلَ زيدٌ نفسه، وعينه، والقوم أنفسهم، وأعيانهم، والرجلان كلاهما" و"لقيتُ قومَكَ كلهم، والرجال أجمعين، والنساء جُمَع".
* * *
قال الشارحِ: اعلم أنه يقال: تَأكِيدٌ وتَوكِيدٌ بالهمزة والواوِ الخالصةِ، وهما لغتان، وليس أحدُ الحرفيْن بَدَلًا من الآخر, لأنَّهما يَتصرّفان تصرّفًا واحدًا، ألا تراك تقول: "أَكَّدَ يُؤَكدُ تأكيدًا"، و"وَكّدَ يوَكدُ تَوْكِيدًا"، ولم يكن أحدُ الاستعمالَيْن أغلبَ، فيجعَل أصلًا، فلذلك قلنا: إِنّهما لغتان.
والتأكيد على ضربَين: لفظىٌ ومَعْنويٌ، فاللفظيُّ يكون بتكريرِ اللفظ، وذلك نحو قولك:
стр. 670
"ضربت زيدًا زيدًا"، فهذا تأكيدٌ لـ"زيدٍ" وحدَه بإعادةِ لفظه , و"ضربتُ زيدًا ضربت زيدًا"، فهذا تأكيدُ الجملة بأسّرها, كما أكدتَ المفردَ. ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
٤١١ - أَلا يا اسْلَمِي ثمَّ اَسلمي ثُمَّت اسْلَمِي ... ثَلاثَ تَحِيات وإن لم تَكَلَّمِي
أَكُّدَ الجملةَ الأَمْريةَ بتكريرها.
ومنه قوله ﷺ : "فهي خِداجٌ فهي خِداجٌ" (١)، فأمّا قوله [من الخفيف]:
مُرَّ إِنِّي قَدِ امْتَدَحْتُكَ مُرَّا
البيتَين، الشعرُ لأَعشَى هَمْدانَ يمدَح مُرَّة بن تُلَيْدٍ، والشاهدُ فيه تأكيدُ "مرَّةَ" بتكرير لفظى، وهو مرخَّمٌ بإسقاط التأنيث.
وأمّا التأكيد المعنويّ، فيكون بتكريرِ المعنى دون لفظه، نحو قولك: "رأيت زيدًا نفسَه"، و"رأيتُكم أنفُسَكم"، و"مررتُ بكم كلّكم".
وجملةُ الألفاظ التي يؤكَّد بها في المعنى تسعةُ ألفاظٍ: "نَفْسُهُ"، "عَيْنُهُ"، "أَجْمَعُ"، "أَجمَعُونَ"، "جَمعَاءُ"، "جُمَعُ"، "كُلُّهُم"، "كِلَاهُمَا"، "كِلْتَاهُما".
فأمّا "أَكتَعُونَ أَبصَعونَ"، "كَتْعاءُ بَصعاء"، "كُتَعُ بُصَعُ"، فكلها توابع لأَجْمعَ، لا تُستعمل إلا بعده، ولا تُستعمل منفرِدةً، فهي شَبِيهةٌ بقولهم. "شَيطانٌ لَيطانٌ"، وقيل: إِن معناها كمعنَى "أجمعين"، وهو الإحاطةُ والعُموْمُ، فـ "أجمعون" من معنى الجَمْع ولفظِه، و"أكتعون" من قولهم: "أتى عليه حَولٌ كتيعٌ"، أي: تامٌّ، ومنه قولُهم: "ما بالدار كتيعٌ"، أي: أحدٌ.
стр. 671
و"أبصعون" من البَصْع، وهو الجَمْع، وبعضُهم يقول: "أبضعون" بالضاد المعجمة، وليست بالفاشِيَة، كأنه من "تَبَضعَ العَرَقُ"، إذا سالَ، إلّا أن "أجمع" أظهرُ في التأكيد، فلذلك كانت مقدَّمة. وأمّا "نفسه" و"عينه"، فيؤكَّد بهما ما تُثْبَت حقيقتُه. و "كُلّ"، و"أَجْمَعُ" فمعناهما الإحاطةُ والعُمومُ، فلا يؤكَّد بهما إلّا ما يتبعّضُ ويتجزأُ.
وتقول: "قام زيدٌ نفسُه"، و"ذهب عمرٌو عينُه"، فالعينُ هنا بمعنَى نفسِ الشيء.
فأمّا قول صاحب الكتاب: "فَعَلَ زيدٌ نفسُه، وعينُه، والقومُ أنفُسُهم وأعيانُهم"، فالمراد أن هذه الأشياء من ألفاظِ التأكيد، وتُؤكد بأيها شئتَ، لا أنّك تجمع بينهما بحرف العطف, لأنّ أسماءَ التأكيد لا يُعطَف بعضُها على بعض، وتقول: "جاءني القومُ كلُهم أجمعون"، فتُفيد بذلك استيفاءَ عدّةِ القوم. ولو قلت: "جاءني زيدٌ كلُّه، أو أجمعُ"، لم يجز؛ لأن "زيدًا" ليس ممّا يتجزأُ ويتبعّضُ، فإن أردتَ أنَّه جاء سالِمَ الأعضاء والأجزاءَ، جاز. وتقول: "أكلتُ الرَّغِيفَ كله"؛ لأنّ الرغيف ممّا يتجزأ، فيجوز أن يكون أُكل الأكثر منه. فـ "نفسُه" و"عينُه" يؤكد بهما ما يتبعض وما لا يتبعض؛ لأنّهما لإثباتِ حقيقةِ الشيء. و"كلٌّ" و"أجمعُ" لا يؤكد بهما إلّا ما يتبعض، فاعرفه.
فصل [فائدة التوكيد]
قال صاحب الكتاب: وجَدْوَى التأكيدِ أنك إذا كرّرتَ؛ فقد قررتَ المؤكَّدَ، وما عُلق به في نفسِ السامع، ومكّنتَه في قلبه، وأمطتَ شُبْهةً، رُبَّما خالجته، أو توهمتَ غَفْلةٌ وذَهابًا عمّا أنت بصَدده، فأزلتَه. وكذلك إذا جئتَ بـ "النَّفْس" و "العَين"، فإنّ لظانّ أن يظُنّ حينَ قلتَ: "فعل زيدٌ" أن إسنادَ الفعل إليه تجوُّزٌ، أو سَهْوٌ، أو نِسْيانٌ. و"كُلٌّ" و"أَجْمَعُونَ" يُجدِيان الشُمولَ والإحاطة.
* * *
قال الشارح: فائدةُ التأكيد تمكينُ المعنى في نفس المخاطب، وإزالةُ الغَلَط في التأويل، وذلك من قِبَل أن المجازَ في كلامهم كثيرٌ شائعٌ، يُعبَّرون بأكثرِ الشيء عن جميعه، وبالمسبَّب عن السبب. ويقولون: "قام زيدٌ"، وجاز أن يكون الفاعلُ غلامَه، أو ولدَه، و"قام القومُ" ويكون القائمُ أكثرهم، ونحوَهم ممّن ينطلِق عليه اسمُ القوم. وإذا كان كذلك، وقلتَ: "جاء زيدٌ"، ربما تتوهمُ من السامع غفلةً عن اسمِ المُخْبَر عنه، أو ذَهابًا عن مُراده، فيحمِلُه على المجاز، فيُزال ذلك الوَهْمُ بتكريرِ الاسم، فيقال: "جاءني زيدٌ زيدٌ"، وكذلك "النفسُ"، و"العينُ" إذا قلت: "جاءني زيدٌ نفسُه أو عينُه"، فيُزيل التأكيدُ ظَنَّ المخاطَب من إرادةِ المَجاز، ويُؤْمِن غفلةَ المخاطب.
و"كُلٌّ"، و"أجمعُ" يُجْدِيان الشُّمول، والعُمومَ، والتأكيدُ بهما لإفادةِ ذلك، فإذا
стр. 672
قلت: "جاءني القومُ كلُّهم أجمعون"؛ جئتَ بالتأكيد لئلّا يُفهَم غيرُ المراد، ولَكَ أن تأتي بـ "كُلّ" وحدَها، وبـ "أجْمَعَ" وحدَها, لأنّ معناهما واحدٌ في التأكيد من جهةِ الإحاطة والعموم، فإن جمعتَ بينهما، فللمُبالغة في التأكيد.
واعلمْ أنّه قد ذهب قومٌ إلى أن في "أجمع" فائدةً ليست في "كُل"، وذلك أنّك إذا قلت: "جاءني القومُ كلُّهم"، جاز أن يجيئوك مجتمعِين، ومفترِقين، فإذا قلت: "أجمعون"؛ صارت حالُ القوم الاجتماعَ، لا غيرُ، وذلك ليس بسديدٍ. والصوابُ أنّ معناهما واحدٌ من قِبَل أن أصلَ التأكيد إعادةُ اللفظ، وتَكْرارُه، وإنّما كرِهوا تَواليهما بلفظ واحد، فأبدلوا من الثاني لفظًا يدل على معناه، فجاؤوابـ "كُلّ" و"أَجْمَعَ"، لِيدلّوا بهما على معنَى الأول، ولو كان في الثاني زيادةُ فائدة، لم يكن تاكيدًا؛ لأنّ التأكيد تمكينُ معنَى المؤكَّد. ألا تراك إذا قلت: "ضربتُ ضَرْبًا"، كان المصدرُ تأكيدًا, ولو قلت: "ضربتُ ضربًا شديدًا، أو الضربَ المعروفَ"، لم يكن تأكيدًا، لأنّه قد دل على ما لم يدل عليه الفعلُ، فكذلك لو دل "أجمع" على ما لم يدل عليه الأوّل، لم يكن تأكيدًا. ومع هذا لو أريد بـ "أجمع" معنَى الاجتماع، لوَجَبَ نصبُه, لأنّه يكون حالًا, لأنّ التقدير: فَعَلَ ذلك في هذِه الحال.
فصل [التأكيد بصريح التكرير]
قال صاحب الكتاب: والتأكيد بصريح التكرير جارٍ في كل شيء في الاسم، والفعل، والحرف، والجملة، والمُظْهَر، والمُضْمَر، تقول: "ضربتُ زيدًا زيدًا"، و"ضربتُ ضربتُ زيدًا"، و"إنّ إنّ زيدًا منطلقٌ"، و"جاءني زيدٌ جاءني زيدٌ"، و"ما أكرمني إلّا أنت أنت".
* * *
قال الشارح: التأكيد بتكرير اللفظ ليس عليه بابٌ يحصُره, لأنّه يكون في الأسماء، والأفعال، والحروف، والجُمَل، وكلّ كلام تريد تأكيدَه. تقول في الاسم: "رأيت زيدًا زيدًا"، و"هذا زيدٌ زيدٌ"، و"مررت بزيدٍ زيدٍ"، وفي الفعل "قَامَ قَامَ"، و"قُمْ قُمْ". قال الشاعر [من الطويل]:
ألا يا اسلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ... [ثلاثَ تَحِياتٍ وإنْ لمْ تكَلَّمي] (١)
وتقول: "ضربتُ زيدًا، ضربتُ زيدًا"، و"جاءني محمدٌ، جاءني محمّدٌ"، وَ"الله أَكْبَرُ، اللهُ أكبرُ"، فتُؤكّد الجملةَ من الفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر. وكذلك كلُّ كلام
стр. 673
تريد تأكيدَه، نحو: "إنّ إنّ زيدًا منطلقٌ"، فتُؤكَّد الحرفَ المؤكّدَ، وتقول: "زيدٌ قائمٌ في الدار قائمٌ فيها"، فتُعيد فِيهَا توكيدًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (١)، إلاّ أنّ الحرف إنّما يُكرَّر مع ما يتّصِل به لا سيما إذا كان عاملًا.
وتقول: "ما أكرمَني إلّا أنت أنت"، فتُؤكّد الاسمَ المضمَر, لأنّ التأكيد بصريحٍ يرجع إلى لفظِ المؤكَّد كائنًا ما كان.
فصل [تأكيد الاسم الظاهر والضمير]
قال صاحب الكتاب: ويؤكد المُظْهَرُ بمثله، لا بالمُضْمَر، والمُضْمَرُ بمثله وبالمظهر جميعًا. ولا يخلو المُضْمَران من أن يكونا منفصِلَين، كقولك: "ما ضربني إلّا هو هو"، أو متصلًا أحدُهما، والآخَرُ منفصِلًا، كقولك: "زيدٌ قام هو"، و"انطلقتَ أنتَ"، وكذلك "مررتُ بك أنت، وبه هو، وبنا نحن"، و"رأيتَي أنا"، و"رأيتَنا نحن".
ولا يخلو المُضْمَر، إذا أُكّد بالمظهر، أن يكون مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا، فالمرفوعُ لا يؤكَّد بالمظهر إلّا بعدَ أن يؤكدَ بالمضمر، وذلك قولك: "زيدٌ ذهب هو نفسُه، وعينُه"، و"القومُ حضروا هم أنفسُهم، وأعيانُهم"، و"النّساءُ حضرْن هنّ أنفسُهنّ، وأعيانُهنّ"، سَواءٌ في ذلك المستكِنُّ، والبارزُ. وأمّا المنصوب والمجرور، فيؤكدان بغيرِ شريطةٍ، تقول: "رأيتُه نفسَه"، و "مررتُ به نفسه".
* * *
قال الشارح: الاسم على ضربَيْن مُظْهَرٌ، ﷺ مُضْمَرٌ، فالمُظْهَرُ لا يؤكَّد إلا بظاهرٍ مثلِه، ولا يؤكد بمضمرٍ، فلا تقول: "جاءني زيدٌ هو"، ولا "مررت بزيدٍ هو". وذلك من قِبَل أنّ التأكيد بـ "النفس" و"العين" من التواكيد الظاهرةِ جارٍ مجرَى النعت في الإيضاح والبيانِ، ولذلك اشتركا في اشتراكِ الموصوف والمؤكدِ في الإعراب والتعرِيف، فلمّا كان بين التوكيد والصفة من المُناسَبة والمقارَنةِ ما ذُكر، وكان من شرِط النعت أن لا يكون أَعْرَفَ من المنعوت، امتنع ذلك من التوكيد أيضًا. والمضمرُ أعرفُ من المظهر، فلم يجز أن يكون توكيدًا له؛ لأنّ التوكيد كالصفة من الجهة المذكورةِ، وأيضًا فإنّ الغرض من التوكيد الإيضاحُ والبيانُ، وإزالةُ اللَّبْس، والمضمرُ أَخْفَى من الظاهر، فلا يصلُح أن يكون مُبينًا له.
وأمّا المضمرُ، فيؤكَّد بالظاهر، وبمثله من المضمرات أيضًا، فأمّا تأكيدُه بالظاهر؛ فيكون بـ"النفس" و"العين" و"كُلّ"، و"أَجْمَعَ"، وتَوابِعهما، وذلك لأنّ المظهر أَبْيَنُ من المضمر، فيصلُح أن يكون تأكيدًا له ومُبيّنًا.
стр. 674
ولا يخلو المضمر من أن يكون مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا. فإن أكّدتَ المضمرَ المرفوعَ بالنفس، والعينِ، لم يحسُن حتى تؤكّده أوّلًا بالمضمر، ثمّ تأتي بالنفس، أو العينِ، فتقول: "قمتَ أنتَ نفسُك". ولو قلت: "قمتَ نفسُك، أو عينُك"؛ لكان ضعيفًا غيرَ حسن، لأنّ النفس والعين يَلِيان العواملَ. ومعنى قولنا: "يليان العواملَ" أن العوامل تعمل فيهما لا بحُكْم التَّبَعيّة، بل يكونان فاعلَيْن، ومفعولَيْن، ومضافَيْن، وذلك أَنَّها لم يَتمكّنا في التأكيد، بل الغالبُ عليهما الاسميّةُ. ألا تراك تقول: "طابتْ نفسُه"، و"صحّتُ عينُه"، و"نزلتُ بنفسِ الجَبَل"، و"أخرجَ الله نفسَه"؟ فلمّا لم يكن التأكيدُ فيهما ظاهرًا، فكان الغالبُ عليهما الاسميّةَ، لم يحسن تأكيدُ المضمر المرفوعِ بهما, لأنّه يصير لعدمِ ظهورِ التأكيد فيهما كالنعت، وعطفِ البيان، فقبُح لذلك، كما قبُح العطفُ عليه من غيرِ تأكيد.
فأمّا "كُلّ"، وإن كانت تلي العواملَ، فتقول: "جاءني كلُّ القوم"، و"رأيت كلَّ القوم"، و"مررت بكلّ القوم"، فإنّ التأكيد غالبٌ عليها لِما فيها من معنَى الإحاطة والعموم، فكانت مشابِهةٌ لـ"أجمعين"، قلذلك جاز تأكيدُ المضمر المرفوع بها من غيرِ تقدُّم تأكَيدٍ آخرَ بضمير.
ووجهٌ ثانٍ أَنّ التأكيد بالنفس والعينِ من غيرِ تقدم تأكيد آخرَ ربّما أوْقعَ لَبْسًا في كثيرٍ من الأمر، ألا ترى أنك لو قلت: "هندٌ ضربتْ نفسُها"، لم يُعلَم: أَرَفَعْتَ نفسُها بالفعل وأخليتَ الفعلَ من الضمير، أم جعلتَ في الفعل ضميرًا لهِنْد، وأكدتَه بالنفس، فإذا قلت: "هندٌ ضربَتْ هي نفسُها" حسُن من غيرِ قُبْح؛ لأنّك لمّا جئت بالمضمر المنفصِل؛ عُلم أنّ الفعل غيرُ خالٍ من المضمر, لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون هُوَ الفاعلَ، أو تأكيدًا، فلا يجوز أن يكون فاعلًا، لأنّك لا تأتي بالمنفصل مع القُدْرَة على المتّصِل. ألا ترى أنّك لا تقول: "ضربتُ أَنَا"؛ لأنّك قادرٌ على أن تقول: "ضربتُ". وإذا لم يجز أن يكون فاعلاً، تَعيّنَ أن يكون تأكيدًا، وإذا كان في الفعل ضميرٌ مؤكَّدٌ بالضمير المنفصل، أمِنَ اللبسَ، وجاز توكيدُه بالنفس والعين، فاعرفه.
فأمّا إذا كان الضميرُ المؤكد منصوبًا، أو مجرورًا؛ جاز تأكيدُه بالنفس والعين، من غيرِ حاجة إلى تقدمِ تأكيدٍ بمضمر، فتقول: "ضربتُك نفسَك"، و"مررت بك نفسِك", لأنّه لم يوجَد من اللبس هنا ما وُجد في المرفوع، فإن أكدتَه بالضمير، ثمّ جئتَ بالنفس، فقلت: "ضربتُك أنتَ نفسَك"، و"مررت بك أنت نفسِك"؛ كان أبلغَ في التأكيد، وإن لم تأتِ به، فعَنْهُ مندوحةٌ، ومنه بُدٌّ.
وأمّا تأكيدُ المضمر بمثله من المضمرات، فنحو قولك: "قمتَ أنتَ"، و"رأيتُك أنتَ"، و"مررت بك أنتَ"، فيكون تأكيدُ المرفوع والمنصوب والمجرور، بلفظ واحد، وهو ضميرُ المرفوع، وإنّما كان كذلك من قِبَل أنّ أصلَ الضمير أن يكون على صيغة واحدة في الرفع والنصب والجرّ، كما كانت الأسماءُ الظاهرةُ على صيغة واحدة، والإعرابُ في آخرِها يُبيّن
стр. 675
أحوالَها، وكما كانت الأسماءُ المُبْهَمة المبنية على صيغة واحدة، وعواملُها تدل على إعرابها ومواضعها، نحوَ: "جاءني هذا"، و"رأيت هذا"، و"مررت بهذا".
وقد فصلوا بين ضميرِ المرفوع، والمنصوبِ، والمجرورِ في بعضِ المواضع، فقالوا: "ضربتَ زيدًا"، و"ضَرَبَك زيدٌ"، و"مررتُ بغلامي". فالتاءُ ضميرُ المرفوع، والكافُ ضميرُ المنصوب، والياء ضميرُ المجرور. ولفظُ كلّ واحد منها غيرُ لفظ الآخر، وقد ساوَوْا بين المرفوع، والمنصوب، والمجرور في بعضِ المواضعِ. وذلك نحو: "قمْنَا"، و"ذَهَبْنَا"، النونُ والألف في موضعِ رفع، و"أكْرَمَنَا زيدٌ"، و"أعْطَانَا عمروٌ"، النونُ والألف في موضع نصب، ولذلك وقع الظاهرُ بعده مرفوعًا بحق الفاعل، وتقول: "نَزَلَ علينا"، و"غْلامُنا"، فيكون النونُ والألف في موضعِ جرّ.
وأصلُ الضمير المنفصل المرفوعُ؛ لأنّ أوّلَ أحواله الابتداءُ، وعاملُ الابتداء ليس بلفظٍ، فإذا أُضمر، فلا بدّ أن يكون ضميرُه منفصلًا، والمنصوبُ والمجروو عاملُهما لا يكون إلّا لفظًا، فإذا أُضْمر، اتّصلا به، فصار المرفوعُ مختصًّا بالانفصال، فإذا أُكّد المضمر لتحقيقِ الفعل له دون من يقوم مقامَه، احتجنا إلى ضمير منفصل. وأصلُ الضمير المنفصل المرفوعُ. ولم يكن للمجرور ضميرٌ منفصلٌ، وكان المجرورُ والمنصوبُ من وادٍ واحدٍ، فحُملا عليه مع أنهم أرادوا الفرقَ بين البَدَل والتأكيدِ، فإذا قالوا: "رأيتُك إيّاك"، كان بدلًا، وإذا قالوا: "رأيتُك أنت"، كان تأكيدًا. فلذلك استُعمل ضميرُ المرفوع في المنصوب والمجرورِ، واشترك الجميعُ فيه، كما اشتركن في "نَا". وجروا في ذلك على قياسِ اشتراكها كلّها في لفظ واحد كما ذكرنا، فإذا قلت: "قمْتَ أنت"، فـ "أَنْتَ" في موضع رفع؛ لأنّه تأكيدٌ لمرفوع، والتأكيدُ تابعٌ للمؤكَّد. يدل على ذلك أنّك لو أتيتَ بالنفس والعينِ؛ لكان مرفوعًا، نحوَ قولك: "قمتَ أنت نفسُك"، وإذا قلت: "رأيتُك أنت"، فـ "أَنتَ" في موضعِ نصب, لأنه تأكيدٌ لمنصوبٍ، وإذا قلت: "مررتُ بك أنت"، فـ "أَنْتَ" في موضعِ مجرور.
فإن قيل: فهل هذا التأكيدُ من قبيلِ التأكيد اللفظيّ، أو من قبيلِ التأكيد المعنويّ؟ قيل: لا بل هو بالتأكيد اللفظي أشبهُ؛ لأنّ التأكيد المعنويّ له ألفاظٌ مخصوصةٌ وشروطٌ، وسيُوضَح أمرها بعد، فاعرفه.
* * *
[اختصاص "النفس" و"العين" بالتفصلة بين الضمير المرفوع وصاحبيه]
قال صاحب الكتاب: " النفس والعين مختصان بهذه التفصلة بين الضمير المرفوع وصاحبيه (١)، وفيما سواهما لا فصل في الجواز بين ثلاثتها, تقول "الكتاب قرئ كله"، و"جاؤوني كلهم"، و"خرجوا أجمعون".
* * *
стр. 676
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إِنّ تأكيدَ المضمر المرفوع بالنفس والعين من غيرِ تقدّمِ تأكيدِ مضمرٍ منفصلٍ قبيحٌ، وهو جائزٌ مع قُبْحه. وهو مع بعضِ المضمرات أقبحُ، فقولُك: "زيدٌ جاء نفسُه" أقبحُ من قولك: "جئتُ نفسي"؛ لأنّه في المسألة الأُولى ربّما أوقع لَبْسًا. وقولُك: "قمتُ نفسي" أقبحُ من قولك "قُمْنَا أنفسُنا"؛ لأنّ في هذه المسألة الضميرَ بارزٌ، وهو على حرفَيْن كالأسماء الظاهرة من نحوِ "يَدٍ"، و"أَبٍ"، وفي المسألة الأوُلى على حرف واحد، فكان بعيدًا من المتمكّنة.
وأمّا الضميرُ المنصوب والمجرور، فيجوز تأكيدُهما بالنفس والعين، وإن لم يتقدّمهما تأكيدٌ, لأنّه لا لَبْسَ فيهما, وليسا من الفعل كالجُزْء منه، كما كان ضميرُ الفاعل.
فالتأكيد بالنفس والعين مختصّ بهذه التفْصلة، أي بين تأكيدِ ضميرِ المرفوع بالنفس والعين، وبين تأكيد ضميرِ المنصوب والمجرورِ بهما، للفرق الذي ذكرناه.
وليس بين تأكيدهنّ بغيرِ النفس والعين فصلٌ، بل ذلك سائغٌ جائزٌ، فلذلك قال: "وفيما سِواهما" يعني: النفسَ، والعينَ، لا فَضلَ في جوازِ ثلاثتها، فلذلك تقول: "الكتابُ قُرىء كلُّه"، فتُؤكّد الضميرَ المستكِنَّ من غيرِ تقدُّمِ تأكيدِ مضمر؛ لما ذكرناه من غَلَبَةِ التأكيد على "كُلّ"، فكانت كـ"أجمعين" فاعرفه.
فصل [التأكيد بـ "كل" و "أجمع "]
ثال صاحب الكتاب: ومتى أكدت بـ"كل" و"أجمع" غير جمع, فلا مذهب لصحته حتى تقصد أجزاءه، كقولك قرأت الكتاب، وسرت النهار كله وأجمع" و"تبحرت الأرض وسرت الليلة كلها وجمعاء".
* * *
قال الشارح: قد تقدُّم قولنا: إِنّ "كُلاًّ" و"أجمع" معناهما الإحاطةُ والعمومُ، فلا يؤكَّد بهما إلاّ ما يتبعّضُ، ويصحّ تَجْزِئَتُه، فتقول: "قرأتُ الكتابَ كلَّه"؛ لأنّه يُمكِن قِراءةُ بعضه، و"سرتُ النهارَ أجمعَ"، لإمكانِ سَيْرِ جُزْءٍ منه، و"تبحرتُ الأرضَ"، أي: توسّعتُ فيها، و"سرتُ الليلةَ جَمْعاءَ". كلُّ هذه الأشياء يجوز تأكيدُها بـ"كل" و"أجمع"؛ لإمكانِ تجزئتها وتبعُّضِها.
وقوله: "لا مذهبَ لصحّته حتّى تقصِد أجزاءَه"، يريد: إذا كان العاملُ ممّا يقبَل التجزئةَ، نحوَ: "رأيتُ زيدًا"، و"ضربتُ عمرًا"، لأنّ الرؤية والضربَ يجوز أن يقعا ببَعْضه، وأن يقعا بكُلّه، فجاز تأكيدُه بـ"كل"، و"أجمع"، إذا أريد جميعُ أجزائه. ولو قلت: "جاء زيدٌ أو أقبلَ محمّدٌ كلُّه أو أجمعُ"، لم يصحّ؛ لأن المَجيء والإقبالَ لا يصحّ من أجزائهما، فإن أردتَ أنّه جاء سالم الأعضاء لم يُفقَد منها شيءٌ نحو اليَدَيْن والرّجْلَيْن، لم يبعُد جوازُه.
стр. 677
فصل [تأكيد النكرة بـ"كلّ" و "أجمعون "]
قال صاحب الكتاب: ولا يقع كل وأجمعون تأكيدين للنكرات, لا تقول: رأيت قوماً كلهم, ولا أجمعين وقد أجاز ذلك الكوفيون (١) فيما كان محدوداً كقوله [من الرجز]:
٤١٢ - قد صرت البكرة يوماً أجمعاً
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ النكراتِ لا تُؤكَّد بالتأكيد المعنويّ، وإنّما تؤكد بالتأكيد اللفظيّ لا غيرُ، لو قلت: "أكلتُ رغيفًا كلَّه"، أو"قرأتُ كتابًا أجمعَ"، لم يجز، وإنَّما تقول: "أكلت رغيفًا رغيفًا"، أو"قرأت كتابًا كتابًا". وإنَّما لم تؤكَّد النكرات بالتأكيد المعنويّ؛ لأنّ النكرة لم يثبُت لها حقيقةٌ، والتأكيدُ المعنوي إنّما هو لتمكينِ معنَى الاسم، وتقريرِ حقيقته. وتمكينُ ما لم يثبت في النفس مُحالٌ. فأمّا التوكيدُ اللفظي، فهو أمرٌ راجعٌ إلى اللفظ، وتمكينِه من ذِهْنِ المخاطب، وسَمْعِه خَوْفًا من توهُّمِ المجاز، أو توهُّمِ غَفْلَة عن استماعه. فاللفظُ هو المقصود في التأكيد اللفظيّ، فأمّا المعنوي، فإنّما المرادُ منه الحقيقةُ، ولذلك أُعيد المعنى في غيرِ ذلك اللفظ.
وأمرٌ آخرُ أنّ الألفاظ التي يُؤكَّد بها في المعنى مَعارفُ، فلا تتبَع النكراتِ توكيدًا لها؛ لأنّ التوكيد كالصفة.
وذهب الكوفيون إلى جوازِ تأكيدِ النكرة بالتأكيد المعنويّ إذا كانت النكرة محدودةٌ، أي: معلومةَ المِقدار، نحوَ: "يوم"، و"شَهْر" و"فَرْسَخ" و"مِيل" و"ضَرْبَة"
стр. 678
و"أَكلَة"، ونحوِ ذلك، واستدلّوا على جوازه بقوله [من البسيط]:
٤١٣ - [لكنّه شاقه أن قيل ذا رجب] ... يا لَيتَ عِدَّةَ حَولٍ كُلّه رَجَبُ
فجَرَّ "كُلَّه" على التأكيد لـ"حَوْل"، وهو نكرةٌ. وأنشدوا أيضًا [من الرجز]:
٤١٤ - إذا القَعُودُ كَرَّ فيها حَفَدًا ... يَوْمًا جَدِيدًا كُلَّه مُطردَا
стр. 679
وقال الآخر [من الرجز]:
قد صَرَّتِ البَكْرَةُ يومًا أجمعا (١)
فأكّد "يومًا" وهو نكرةً. ولا حجّةَ في هذه الأبيات لقِلّتها وشُذوذِها في القياس، مع أنّ الرواية [من البسيط]:
يا ليت عدّةَ حولِ كلَّه رجبُ
بالإضافة، وإذا أضيف كان معرفةً، والرواية في قوله [من الرجز]:
يومًا جديدًا كلُّه مطَّردا
برفعِ "كُلّ" على تأكيدِ المضمر في "جديد"، والمضمراتُ كلُها معارفُ. وأما قوله [من الرجز]:
قد صرّت البكرة يومًا أجمعا
فلا يُعرَف قائله مع شُذوذه.
فإن قيل: "ومن أينَ زعمتم أنّ هذه الأسماء التي يؤكد بها معارفُ؟ فالجوابُ: أمّا ما أضيف منها إلى المضمر، فلا إشكالَ في تعريفه، نحو قوله: "كُلُّهُ"، و"نفسُه"، و"عينُه". وأمّا "أجمع"، و"أجمعون"، وتوابعُهما، فقد اختلف الناسُ في تعريفها، من أيّ وجه وقع لها التعريفُ، فذهب قومٌ إلى أنّها في معنَى المضاف إلى المضمر؛ لأنّك إذا قلت: "رأيت الجَيْشَ أجمعَ"، كان في تقديرِ: "رأيت الجيشَ جَمِيعَه"، وكذلك إذا قلت: "رأيت القومَ أجمعين"، كان في تقديرِ "رأيت القومَ جميعَهم"، وكان يجب أن تقول: "جاءني القومُ كلُهم، أَجْمَعُهم، أَكْتَعُهم، أَبْصَعُهم"، فحذفوا المضاف إليه، وعوّضوا من ذلك الجمعَ بالواو والنون، فصارت الكلمةُ بذلك الجمعِ يراد بها المضافُ، والمضافُ إليه، ولهذا لم يَجْرِين على نكرةٍ، وصار ذلك كجَمْعهم "أَرْضٌ" على "أَرضينَ" عوضًا من تاءِ التأنيث.
فإن قيل: إِنّ تاء التأنيث تتنزّلُ من الاسم منزلةَ جُزْء منه، ولذلك كانت حرفَ الإعراب منه، فقالوا: "قائمةٌ"، و"قاعدةٌ"، عوّضوا منها كما عوّضوا ممّا حُذف من نفسِ
стр. 680
الكلمة، نحوِ: "مِائةِ" و"مِئين"، و"قُلَةٍ" و"قُلِين"، و"ثبَةٍ" و"ثُبِين"، والمضافُ إليه كلمةٌ قائمةٌ بنفسها، وحرفُ الإعراب ما قبلَها، فالجوابُ أنّ المضاف إليه أيضًا يتنزّلُ من المضاف منزلةَ ما هو من نفسِ الاسم، ولذلك لا يُفصَل بينهما.
وإذا صغّرتَ نحوَ "عبد الله" و"امرؤ القَيْس"، ونحوهما من الأعلام المضافةِ، إنّما تُصغِّر الاسمَ المضافَ دون المضاف إليه، فتقول: "هذا عُبَيْدُ الله"، و"مُرَيْءُ القيس"، كما تفعل ذلك في عَلَمِ التأنيث، ألا ترى أنّك تقول في تصغيرِ "طَلْحَةَ" ونحوه: "طُلَيْحَةُ"، وفي تصغير "حَمْراءَ": "حُمَيْراء"، فتُصغِّر الصدرَ، وتُبْقِي علمَ التأنيث بحاله، فلمّا تنزّل المضافُ إليه من المضاف منزلةَ الجزء من الكلمة؛ جاز أن يُعوَّض منه إذا حُذف، وأريد معناه.
وذهب قومٌ من المُحقّقين إلى أنّ تعريفَ هذه الأسماء بالوَضْع، وهو من قبيلِ تعريفِ الأعلام، نحو: "زيد"، و"عمرو". ويدلّ على صحّةِ ذلك أن "أجمعَ"، و"جُمَعَ" لا ينصرفان، فأمَّا "أجمع"، فلا ينصرف للتعريف ووزن الفعل، وأمّا "جُمَعُ" فلا ينصرف للتعريف والعَدْلِ، فذهب قومٌ إلى أنّه معدولٌ عن "جُمْع" لأنّ "فَعْلاء" ممّا مُذكَّرُه على "أَفْعَلَ" تُجمع على "فُعْل" نحوَ "حَمْراءَ" و"حُمْرٍ"، و"صَفْراءَ" و"صُفْير"، وهو رأيُ أبي عثمانَ المازِنيّ، وكان يعتقِد في التأكيد أنّه ضربٌ من الصفة. وذهب آخرون إلى أنّه معدولٌ عن "جَمَاعَى" لأنّ "فَعْلاء" إنما تُجمع على "فُعْل" إذا كانت صفةَ، نحوَ: "حَمْراءَ وحُمْرٍ"، و"صَفراءَ وصُفْر"، وأمّا إذا كانت اسمًا، فبابُها أن تُجمع على "فَعَالَى"، نحوَ: "صَحْراءَ وصَحَارَى"، و"أجمَعَ، وجُمَعُ" اسمان غيرُ صفتَيْن.
ويُنقَل عن صاحب هذا الكتاب أنه كان يذهب إلى أن "أجمع" و"أجمعين"، وما بعدهما معارفُ لأنّها معدولة عن الألف واللام، والمرادُ "الأجمعُ"، و"الأجمعون"، كما أن "أَمْسِ" معدولٌ عن "الأمْسِ"، وقد تكرّر العدلُ في "جُمَعَ" كأنّه معدول عن شيئَيْن: الألفِ واللام، وعن "جَماعَى" كـ"صَحارَى"، فاعرفه.
فصل [التأكيد بـ "أكتعون" و "أبتعون" و "أبصعون "]
قال صاحب الكتاب: و"أكتعون وأبتعون وأبصعون إتباعات لـ "أجمعون" لا يجئن إلا على أثره, وعن ابن كيسان تبدأ بأيتهن شئت بعدها. وسمع أجمع أبصع وجمع كتع وجمع بتع وعن بعضهم جاءني القوم أكتعون.
* * *
قال الشارح: الأسماءُ التي يُؤكَّد بها مُرتَبةٌ، فبعضُها مقدَّمٌ، فـ "نفسه" و"عينه"، مقدَّمان على "كُلّ"؛ لأنّهما أشدُّ تمكُنًا في الاسميّة من "كلّ" على ما تقدّم، و"كلٌّ" مقدَّمةٌ على "أجمعَ"؛ لأنّ "كلاًّ" تكون تأكيدًا وغيرَ تأكيد، و"أجمعُ" لا تكون إلاّ تأكيدًا، تقول:
стр. 681
"إنّ القوم كلُّهم في الدار"، فيجوز رفعُ "كُلّ" ونصبُها، فالنصبُ على التأكيد، والجارُّ والمجرور الخبرُ، وأمّا الرفع، فعلى الابتداء، وخبرُه الجارُّ والمجرور بعده، والجملةُ من الابتداء والخبرِ خبرُ "إِنَّ". قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (١)، رُوي بنصبِ "كلّ" ورفعها، فالنصبُ على التأكيد، والرفعُ على الابتداء.
وأمّا ما بعدَ "أجمع"، فتَوابعُ لا تقع إلّا بعدها، فـ "أكْتَعُ" تابعٌ لـ"أجمع"، يقع بعده كقولنا: "حَسَنٌ بَسَنٌ"، و"أبصعُ" تابعٌ لـ"أكتعَ" يقع بعده هذا ترتيبها.
وحكى ابن كَيسانَ أنّك تبدأ بأيّتهنٌ شئت بعد "أجمع"، كأنّه يجعل هذه الألفاظ إتِباعاتٍ لـ"أجمع"، فلا يُقَدَّمْنَ عليها بل لك أن تأتي بأيّتهنّ شئت بعد "أجمع"، وتُؤخّر الباقي.
وقد جاء عن العرب: "أجمعُ أبصعُ"، و"جُمَعُ كُتَعُ"، و"جُمَعُ بُتَعُ"، فيُقدّمون "أجمع"، ثمّ يُتْبِعونها ما شاؤوا من هذه التوابع على ما ذكرناه.
وأجاز بعضُهم: "جاء القوم أكتعون"، فيجعلونها كـ "أجمعين"، وليست تابعةً، وقد تقدّم أنّ بعضهم يجعل هذه الأشياءَ كلَّها تَواكيدَ، ومعناها كمعنَى "أجمع"، فأَيّها شئت قدّمتَ، وبأيّها شئت أكّدتَ، فاعرفه.
стр. 682
الصفة
فصل [تعريفها]
قال صاحب الكتاب: هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات وذلك نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق وقائم وقاعد وسقيم وصحيح وفقير وغني وشريف ووضيع ومكرم ومهان, والذي تساق له الصفة هو التفرقة بين المشتركين في الاسم, ويقال إنها للتخصيص في النكرات وللتوضيح في المعارف.
* * *
قال الشارح: الصفة والنَّعْت واحدٌ، وقد ذهب بعضُهم إلى أنّ النعت يكون بالحِلْية، نحو: "طويل"، و"قصير"، والصفةَ تكون بالأفعال، نحو: "ضارب" و"خارج". فعلى هذا يقال للبارىء سُبحانَه: موصوفٌ، ولا يقال له منعوتٌ، وعلى الأوّل هو موصوفٌ ومنعوتٌ.
والصفةُ لفظٌ يتبع الموصوفَ في إعرابه تَحْلِيَةً وتخصيصًا له بذِكْرِ معنًى في الموصوف، أو في شيء من سَبَبه، وذلك المعنى عَرَضٌ للذات لازمٌ له.
وقوله: "الاسم الدالّ على بعضِ أحوالِ الذات" فتَقْرِيبٌ، وليس بحَدّ على الحقيقة، لأنّ الاسم ليس بجِنْس لها، ألا ترى أنّ الصفة قد تكون بالجملة والظرفِ، نحوِ "مررت برجل قام"، و"مررت برجلٍ أبوه قائمٌ، وبرجل في الدار، ومن الكِرام". فقولُنا: "لَفْظٌ" أسدّ؛ لأنّه يشمَل الاسمَ والجملةَ والظرفَ.
وقوله: "الدال على بعضِ أحوالِ الذات"، لا يكفِي فَصْلاً. ألا ترى أنّ الخبر دالٌّ على بعض أحوال الذات نحوَ "زيدٌ قائمٌ"، و"إنّ زيدًا قائمٌّ"، و"كان زيدٌ قائمًا". فإن أضاف إلى ذلك الجَارِي عليه في إعرابه، أو التَّابعَ له في إعرابه، استقام حَدًّا، وفَصَلَه من الخبر، إذ الخبرُ لا يتبَع المُخْبَر عنه في إعرابه.
والغرض بالنعت تخصيصُ نكرة، أو إزالةُ اشتراك عارضٍ في معرفة، فمثال صفةِ النكرة قولُك: "هذا رجلٌ عالمٌ"، و"رأيت رجلًا عالمًا"، و"مررت برجلٍ عالمٍ، أو من بني تَمِيمٍ"، فـ "رجلٌ عالمٌ" أو"من بني تميم" أخصُّ من "رجلٍ". ومثال صفة المعرفة قولُك: "جاءني زيدٌ العاقلُ"، و"رأيت زيدًا العاقلَ"، و"مررت بزيدٍ العاقلِ". فالصفةُ ههنا
стр. 683
فصلته من زيد آخَر ليس بعاقلٍ، وأزالت عنه هذه الشركَة العارضَة، أي أنّها اتّفقت من غيرِ قصد من الواضع، إذ الأصلُ في الأعلام أن يكون كلُّ اسم بإزاءِ مسمّى، فينفصِلُ المسمَّيات بالألقاب، إلّا أنّه ربّما ازدحمتِ المسمّياتُ بكَثْرتها، فحصل ثم اشتراكٌ عارضٌ، فأُتي بالصفة لإزالةِ تلك الشركة، ونَفْي اللَّبْس. فصفةُ المعرفة للتوضيح والبيان، وصفةُ النكرة للتخصيص، وهو إخراجُ الاسم من نوع إلى نوع أخصَّ منه.
وقوله: "الذي تُساق له الصفة هو التَّفْرِقة بين المشتركَيْن في الاسم"، يريد: أنّ الصفة تُزيل الاشتراكَ الجِنْسيَّ، نحوَ: "رجل"، و"فرس"، والاشتراكَ العارضَ في المعارف، وقيل: إِنّها للتخصيص في النكرات، وللتوضيح في المعارف على ما ذكرناه. ولمّا كان الغرضُ بالنعت ما ذكرناه من تخصيصِ النكرة وإزالةِ الاشتراك العارض في المعرفة، وجب أن يُجعَل للمنعوت حالٌ تَعرَّى منها مُشارِكُه في الاسم، ليتميّزَ به، وذلك يكون على وجوهٍ: إمّا بخلْقه، نحو: "طويل"، و"قصير"، و"أبيضَ"، و"أسودَ"، ونحوِها من صفاتِ الحِلْية، وإمّا بفعل اشتهر به، وصار لازمًا له. وذلك على ضربَيْن: آليّ، وهو ما كان عِلاجًا، نحوَ: "قائمٍ"، و"قاعد"، و"ضارب" و"آكل" ونحوِها، ونَفْسانىٌّ، نحو: "عاقل"، و"أحمقَ"، و"سَقِيم"، و"صَحيح"، و"فَقير"، و"غَنِيّ"، و"شريف"، و"ظريف"، و"وضيع"، و"مُكرَم"، و"مُهان" إذا اشتهر بوقوعِ ذلك به. وإذا بحِرفَةٍ، أو أمرٍ مُكْتَسبٍ، نحو"بَزاز"، و"عَطار"، و"كاتِب"، ونحو ذلك. وإِمّا بنَسَب إلى بَلَد، أو أب، نحوِ: "قُرَشي"، و"بَغْداديّ"، و"عَرَبيّ"، و"عَجَميّ"، ونحوِ ذلك من الخاضة التي لا تُوجَد في مُشارِكه فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: وقد تجيء مسوقة لمجرد الثناء والتعظيم كالأوصاف الجارية على القديم سبحانه, أو لما يضاد ذلك من الذم والتحقير، كقولك فعل فلان الفاعل الصانع كذا, وللتأكيد كقولهم أمس الدابر وكقوله تعالى: ﴿نفخة واحدة﴾ (١).
* * *
قال الشارح: وقد يجيء النعتُ لمجرَّد الثناء والمَدْح، لا يراد به إزالةُ اشتراك، ولا تخصيصُ نكرة، بل لمجرّد الثناء والمَدْح، أو ضِدَّهما من ذَمِّ أو تحقيرٍ، وتعريفِ المخاطب من أمرِ الموصوف ما لم يكن يعرفُه، وذلك نحو قولك: "جاءني زيدٌ العاقلُ الكريمُ الفاضلُ"، تريد بذلك تَنْوِيهَ الموصوف والثناءَ عليه بما فيه من الخِصال الحميدة.
ومن ذلك صفاتُ البارىء سبحانه، نحو: "الحَيّ العالم، القادر" لا تريد بذلك فَصْلَه من شريكِ الله، تعالى عن ذلك، وإنَّما المرادُ الثناء عليه بما فيه سبحانه على جهةِ الإخبار عن نفسه بما فيه، لمعرفةِ ذلك والندْبِ إليه.
стр. 684
وتقول في الذمّ: "رأيتُ زيدًا الجاهلَ الخبيثَ" ذممتَه بذلك، لا أنّك أردت أن تفصِله من شريكٍ له في اسمه ليس متّصِفاٍ بهذه الأوصاف، وقد تجيء الصفة للتأكيد، نحو قولهم: "أمْسِ الدابِرُ"، و"أمس" لا يكون إلّا دابرًا، و"الميتُ العابرُ"، والميتُ لا يكون إلّا عابرًا، ونحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١)، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٢). ومعنَى التأكيد هنا أنّ مدلولَ الصفة استُفيد ممّا في الموصوف، فصار ذكرُه في الصفة كالتكرار، إذ ليس فيه زيادةُ معنّى بخِلاف قولك: "رجلٌ ظريفٌ"، ألا ترى أنّ الظَّرْف لم يُفهَم من قولك: "رجلٌ"، فافْهَمْ.
فصل [مجيء الصفة اسمًا مشتقًّا]
قال صاحب الكتاب: وهي في الأمر العام إما أن تكون اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة, وقولهم تميمي وبصري على تأويل منسوب ومعزو, وذو مال وذات سوار متأول بمتمول ومتسورة أو بصاحب مال وصاحبة سوار, وتقول: "مررت برجل أي رجل وأيما رجل" على معنى كامل في الرجولية. وكذلك أنت الرجل كل الرجل، وهذا العالم وحق العالم يراد به البليغ الكامل في شأنه ومررت برجل رجل صدق وبرجل رجل سوءٍ. كأنك قلت: "صالح وفاسد"، والصدق ههنا بمعنى الصلاح والجودة، والسوء بمعنى الفساد والرداءة. وقد استضعف سيبويه (٣) أن يقال مررت برجل أسد على تأويل جرئ.
* * *
قال الشارح: ولا تكون الصفة إلّا مأخوذةً من فعلٍ، أو راجعًا إلى معنى الفعل، وذلك كاسم الفاعل، نحو: "ضارب" و"آكل"، و"شارب"، و"مُكْرِم" و"مُحْسِن"، وكاسم المفعول، نحو: "مَضْروب"، و"مَأكول"، و"مَشْروب"، و"مُكْرَم"، و"مُحْسَن إليه"، أو صفة مشبِّهةٍ باسم الفاعل، نحو: "حَسَن"، و"شديد"، و"بَطَل"، و"أبيضَ"، و"أسودَ". وذلك ليدلّ باشتقاقه على الحال التي اشتُقّ منها ممّا لا يُوجَد في مُشاركه في الاسم، فيتميزَ بذلك.
وقد وصفوا بأسماء غير مشتقّة ترجع إلى معنى المشتقّ، قالوا "رجلٌ تميميٌّ، وبصريٌّ"، ونحوهما من النسَب، فهذا ونحوه ليس بمشتقّ؛ لأنّه لم يُؤخَذ من فعلٍ، كما أُخذ "ضاربٌ" من "ضَرَبَ"، وإنَّما هو متأوَّلٌ بـ "منسوبٍ" و"مَعْزُوّ"، فهو في معنى اسم
стр. 685
المفعول، إذ "منسوبٌ"، و"معزوٌّ" من أسماء المفعولين. تقول: "نسبتُه فهو منسوبٌ"، و""عزوتُه فهو معزوٌّ".
وقالوا: "هذا رجلٌ ذو مالٍ"، و"امرأة ذاتُ مال"، فهذا أيضًا ليس مأخوذًا من فعلٍ، وإنْما هو واقع موقع اسم الفاعل، وفي معناه؛ لأن قولك: "ذو مال " بمعنَى: صاحب مال، أو مُتَمَوَّلٍ؛ لأنّه إذا كان ذا مال كان متموّلًا. "وذاتُ سِوارٍ" بمعنى صاحبة سوار، أو مُتَسَوَّرَة، فهو في تأويل اسم الفاعل، كما كان الذي قبله في تأويل اسم المفعول.
وقالوا: "مررتُ برجلٍ أيّ رجلٍ، وأيِّما رجلٍ، وبرجلَيْن أيَّ رجلَيْن وأيِّما رجلَيْن، وبرجالٍ أيّ رجالٍ وأيِّما رجالٍ"، أرادوا بذلك المبالغةَ، فـ "أيٌّ" هنا ليس بمشتق من معنى يُعرَف، وإنّما يضاف إلى الاسم للمبالغة في مَدْحه، ممّا يُوجِبه ذلك الاسم، فكأنّك قلت: "كاملٌ في الرجُوليّة".
وقالوا: "أنت الرجلُ كُلُّ الرجل"، و"هذا العالمُ جِدُّ العالم، وحَقُّ العالم" جاؤوا بهذه الألفاظ في صفاتِ المَدْح والذمِّ، والمراد بها المبالغةُ فيما تضمَّنه لفظُ الموصوف، فإذا قالوا: "الرجلُ كُلُّ الرجلِ"، فمعناه: الكاملُ في الرجال. قال الشاعر [من السريع]:
٤١٥ - هو الفَتَى كُلُّ الفَتَى فاعْلَمُوا ... لايُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولْ
أي: هو الكاملُ في الفِتْيان، وإذا قالوا: "هو العالمُ جِدُّ العالم، وحَقُّ العالم"، فمعناه: البالغ الكاملُ في العلم. وكذلك لو قال: "اللَّئيمُ جِدُّ اللئيم، أو حقُّ اللئيم"، لكان معناه المبالغةَ في اللُّؤْم والجِدُّ. والحقُّ هنا واحدٌ. يقال: "جَادَّهُ في الأمر" أي: حاقَّهُ، ولا يحسن: "هذا عبدُ الله كلُّ الرجلِ"؛ لأنّه ليس في لفظِ "عبد الله" معنى يكون
стр. 686
"كُلُّ الرجل" مبالغةً فيه. وهو، مع قُبْحه، جائزٌ؛ لأنه لو لم يذكُر عبد الله، وقال: "هذا كلُّ الرجل"، جاز ودل على معنى المبالغة والكَمالِ، ولأنّ "عبد الله" رجلٌ، فكأنّك قلت: "هذا الرجلُ المدعوُّ عبد الله كلُّ الرجل".
ولا فرق بين المعرفة والنكرة في صفاتِ المدح، تقول: "مررت برجلٍ كُلّ رجل"، و"هذا عالمٌ حَقٌّ عالم"، كما لا فرق بين أن تقول: "مررت بالعالم الكامل في عِلْمه"، وبين "مررت برجلٍ كاملٍ في علمه".
وتقول: "مررت برجلٍ رجلِ صِدْقٍ، وبرجلٍ رجلِ سَوْءٍ"، كأنّك قلت: "مررت برجلٍ صالح"، و"مررت برجلٍ فاسدٍ"؛ لأنّ الصدق صَلاحٌ، والسوْءَ فَسادٌ، وليس الصدقُ هاهنا صدقَ اللسان. ألا تراك تقول: "ثَوْبُ صِدْقٍ"، و"حمارُ صِدْقٍ"؟ إنَّما الصدقُ في معنى الجَوْدة والصَّلاحِ، فكأنّك قلت: "مررت برجلٍ ذي صلاح". وكذلك السَّؤءُ ليس من "ساءني يَسُوءني"، إنَّما السَّؤء ها هنا بمعنى الفساد، فكأنّه قال "برجلٍ صاحب فسادٍ، وبحمارٍ ذي رداءةٍ".
وقولهم: "مررت برجلٍ أسَدٍ" ضعيفٌ عند سيبويه أن يكون نَعْتًا؛ لأنّ الأسد اسمُ جنس جَوْهَرٌ، ولا يُوصَف بالجواهر. لو قلت: "هذا خاتَمٌ حديدٌ، أو فِضّةٌ"، لم يحسن. إنّما طريقُ الوصف التَّحْلِيَةُ بالفعل، نحو: "آكِلٌ"، و"شاربٌ"، ونحوهما. ومُجازُه على حذفِ مضاف، تقديره: مِثْلِ أسد. و"مثلٌ" بمعنى "مُماثِل"، فهو مأخوذٌ من الفعل، وإنّه واقعٌ موقعَ "جَرِيءٍ"، أو"شديدٍ".
وقد أجاز أن يكون حالًا، فتقول: "هذا زيدٌ أسَدَ شِدَّةٍ" من غير قُبْح. واحتجّ بأنّ الحال مجراها مجرى الخبر، وقد يكون خبرًا ما لا يكون صفةً. ألا تراك تقول: "هذا مالُك درهمًا"، و"هذا خاتَمُك حديدًا"؟ ولا يحسن أن يكون وصفًا. وفي الفرق بينهما نَظَرٌ، وذلك أنّه ليس المرادُ من الأسد شخصَه، وإنَّما المرادُ أنّه في الشدّة مثله. والصفةُ والحالُ في ذلك سواءٌ، وليس كذلك الحديدُ والدرهمُ، فإنّ المراد جَوْهَرُهما، فاعرفه.
فصل [الوصف بالمصدر]
قال صاحب الكتاب: ويوصف بالمصادر كقولهم رجل عدل وصوم وفطر وزور ورضي، وضرب هبر، وطعن نثر، ورمي سعر، ومررت برجل حسبك وشرعك وهدك وكفيك وهمك ونحوك، بمعنى محسبك وكافيك ومهمك ومثلك.
* * *
قال الشارح: قد يوصَف بالمصادر كما يوصف بالمشتقات، فيقال: "رجلٌ فَضْلٌ"؟، و"رجلٌ عَدْلٌ"، كما يقال: "رجلٌ فاضلٌ وعادلٌ". وذلك على ضربَيْن: مفردٌ، ومضافٌ.
стр. 687
فالمفردُ، نحو: "عَدْل"، و"صَوْم"، و"فِطْر"، و"زَوْر" بمعنى الزيرة، ولا يكون هنا جمعَ "زائر"، كصاحِب وصَحْبٍ، وشارب وشَرْبٍ؛ لأنّ الجمع لا يوصف به الواحدُ، وإذ كان مصدرًا، وُصف به الواحد والجمع.
وقالوا: "رجلٌ رِضَى"، إذا كثُر الرضى عنه. وقالوا: "ضربٌ هَبْرٌ"، وهو القَطعُ، يقال: "هبرتُ اللحْمَ" أي: قطعتُه، والهَبْرَةُ: القِطْعَةُ منه. وقالوا: "طَعْنْ نَتْرٌ"، وهو كالخَلْس، يقال: "طَعَنَه فأنْتَرَه"، أي: أَزْعَفه بمعنى قَتَلَه سريعًا. وقالوا: "رَمْىٌ سَعْرٌ"، أي: مُمِضٌّ مُحْرِقٌ، من قولهم: "سعرتُ النارَ والحَرْبَ": أي: ألهبتها. فهذه المصادرُ كلُّها ممّا وُصف بها للمبالغة، كأنّهم جعلوا الموصوف ذلك المعنى لكثرةِ حُصوله منه.
وقالوا: "رجلٌ عَدْلٌ، ورِضى، وفَضْلٌ"، كأنّه لكثرةِ عَدْله، والر ضى عنه، وفَضْلِه، جعلوه نفسَ العدل، والرضى، والفضلِ. ويجوز أن يكونوا وضعوا المصدَر موضع اسم الفاعل اتّساعًا، فعَدْلٌ بمعنى عادلٍ، وماءٌ غَوْرٌ بمعنى غائرٍ، ورجلٌ صَوْمٌ وفِطْرٌ بمعنى صائم ومُفطِرٍ، كما وضعوا اسم الفاعل موضعَ المصدر في قولهم: "قُمْ قائمًا"، أي: قيامًا، و"اقْعُدْ قاعدًا"، أي: قُعودًا.
وأمّا المصادر التي يُنعَت بها، وهي مضافةٌ، فقولهم: "مررت برجلٍ حَسْبِك من رجلٍ، وبرجلٍ شَرْعِك من رجل، وبرجلٍ هَدّك من رجل، وبرجلٍ كَفْيِك من رجلٍ، وبرجلٍ هَمِّك من رجل، ونَحْوِك من رجل". فهذه كلُّها على معنى واحد، فـ "حَسْبُكَ" مصدرٌ في موضع "مُحْسِبٍ"، يقال: "أَحْسَبَني الشيء"، أي: كفاني.
و"همّك"، و"شَرْعك"، و"هَدّك" في معنى ذلك. فقولهم: "همّك من رجلٍ" بمعنى: حَسْبك، وهو الهِمَّة واحدة الهِمَم، أي: هو ممن يُهِمُّك طَلَبُه. وكذلك "شَرْعُك" بمعنى "حسبك"، من "شرعتُ في الأمر" إذا خُضتَ فيه، أي: هو من الأمر الذي تشرَع فيه وتطلُبه، وفي المَثَل: "شَرْعُك ما بلَّغَك المَحَل" (١)، يضرب في التبلُّغ باليسير.
وأمّا "هَدُّك"، فهو من معنى القُوَّة، يقال: "فلانٌ يُهَدّ" على ما لم يُسمَّ فاعله، إذا نُسب إلى الجَلادة والكِفاية، فالهَدُّ بالفتح للرجل القويّ، وإذا أريد الذَمُّ والوصفُ بالضُعْف، كُسر، وقيل: هِدُّك.
وقال الأزهريّ (٢): وأمّا نَحْوُك، فهو من "نَحَوْت" أي: قصدتُ، أي: هو ممّن يُقصَد ويُطلَب. فهذه وما قبلها من المصادر المفردةِ جاريةٌ على ما قبلها جَرْيَ الصفة. والأصلُ أنها مصادرُ لا تُثنَّى، ولا تُجمع، ولا تُؤنَّث، وإن جرت على مُثنّى، أو مجموع،
стр. 688
أو مؤنَّث. تقول: "هذا رجلٌ عدلٌ"، و"رأيت رجلًا عدلًا"، و"مررت برجل عدل، وبامرأةٍ عدلٍ"، و"هذان رجلان عدلٌ"، و"رأيت رجلَيْن عدلًا"، و"مررت برجلين عدلٍ". وتقول: "هذا رجلٌ حسبُك من رجلٍ، وهَدُّك من رجل"، و"هذان رجلان حسبُك بهما من رجلَين"، و"هؤلاء رجالٌ حسبُك من رجال"، فيكون موحَّدًا على كلّ حال؛ لأنّ المصدر موحَّدٌ لا يُثنَّى، ولا يُجمع؛ لأنّه جنسٌ يدلّ بلفظه على القليل والكثير، فاستُغني عن تثنيته وجمعه، إلّا أن يكثُر الوصفُ بالمصدر، فيصير من حَيِّز الصفات، لغَلَبَةِ الوصف به، فيسوغ حينئذٍ تثنيتُه وجمعُه، نحو قوله [من الطويل]:
شُهُودِي على لَيْلَى عُدُولٌ مَقانِعُ (١)
فإن قيل: فهذه مصادرُ مضافةٌ إلى معارفَ، وإضافةُ المصدر صحيحةٌ تُعرِّف، فما بالُكم وصفتم بها النكرةَ، فقلتم: "مررت برجلٍ حسبِك من رجل، وشَرْعِك من رجل، وهَدِّك"، وكذلك سائرُها؟ قيل: هذه، وإن كانت مصادرَ، فهي في معنى أسماء الفاعلين بمعنى الحال، وإضافةُ أسماء الفاعلين إذا كانت للحال أو الاستقبال، لا تُفيد التعريفَ، نحو: "هذا رجلٌ ضاربُك الآنَ أو غدًا". قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (٢)، فوصف "عارضًا"، وهو نكرةٌ، بـ "ممطرنا" مع أنّه مضافٌ , فلو لم يكن نكرةً، لَمَا جاز ذلك منه، ومثله قول الشاعر [من البسيط]:
٤١٦ - يا رُبَّ غابِطِنَا لو كان يَطْلُبُكم ... [لاقى مُباعَدَةً منْكمْ وحِرمانا]
стр. 689
ألا ترى كيف أدخل "رُبَّ"، وهي من خَواصّ النكرات، على قوله: "غابطنا"، وهو مضافٌ إلى معرفةٍ، وهو كثيرٌ. وكذلك هذه المصادرُ، لمّا كانت في معنى اسم الفاعل، لم تَتعرَّف بالإضافة. ونحوه قول امرئ القيس [من الطويل]:
وقد أَغتَدِي والطَّيرُ في وُكُناتِها ... بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ (١)
ألا ترى كيف وصف "منجردًا" بـ "قَيْد الأوابد"، وهو مضافٌ إلى معرفة، إذ المرادُ: مُقَيِّدٍ الأوابدَ. والأوابدُ: الوَحْشيُّ. أي: يُدْرِكها لشدّةِ جَرْيه، فيمنَعُها من الانبعاث، فكأنّه قيدُّ لها. وربّما جاء من ذلك شيءٌ بلفظ الفعل الماضي، قالوا "مررت برجلٍ هَدَّك من رجلٍ". قال القَتالُ الكِلابيُّ [من الطويل]:
٤١٧ - ولي صاحبٌ في الغار هَدُّك صاحبًا ... أخو الجَوْنِ إلّا أنه لا يُعَلَّلُ
стр. 690
يُروى برفع "هدّك" ونصبِه، فمن رفع جعله مصدرًا نُعِت به , ومن فتح، جعله فعلًا ماضيًا فيه ضميرٌ. فعلى هذا تقول: "مررت برجلَيْن هَدَّاك من رجلَيْن، وبرجالٍ هَدُّوك من رجال، وبامرأةٍ هَدَّتْك من امرأة، وبامرأتَيْن هَدَّتَاك من امرأتَيْن، وبنِسْوةٍ هَدَدْنَك من نِساء". وكذلك تقول: "مررت برجلٍ كَفَاك من رجل، وبرجلَيْن كَفَيَاك من رجلَيْن، وبرجالٍ كَفَوْك من رجال، وبامرأةٍ كَفَتْك من امرأةٍ، وبامرأتَيْن كَفَتَاك من امرأتَيْن، وبنسوةٍ كَفَيْنَك من نسوةٍ". فما كان منها مصدرًا معربًا، يتبع الموصوفَ في إعرابه: إن كان الموصوفُ مرفوعًا، فالمصدرُ الذي هو نعتُه مرفوعٌ. وإن كان منصوبًا، فهو منصوبٌ. وإن كان مجرورًا، فهو مجرورٌ. وإن كان فعلًا، فهو بلفظِ الفعل الماضي، لا يدخله شيءٌ من الإعراب، فاعرفه.
فصل [الوصف بالجملة]
قال صاحب الكتاب: ويوصف بالجمل التي يدخلها الصدق والكذب, وما قوله [من الرجز]:
٤١٨ - [حتي إذا جنَّ الظلام واختلط] ... جاؤوا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط
стр. 691
فبمعنى: مقول عنده هذا القول لورقته؛ لأنه سمارٌ. ونظيره قول أبي الدرداء: رضي الله تعالى عنه: "وجدت الناس اخبر تقله" (١)، أي: وجدتهم مقولاً فيهم هذا المقال, ولا يوصف بالجمل إلا النكرات.
* * *
قال الشارح: وقد تقع الجُمَلُ صفاتٍ للنكراتِ، وتلك الجملُ هي الخَبَريّةُ المحتمِلةُ للصدْق والكذْبِ، وهي التي تكون أخبارًا للمبتدأ، وصلاتٍ للموصولات. وهي أربعةُ أضرب:
الأوَّل أن تكون جملةً مركّبةً من فعلٍ وفاعلٍ.
والثاني أن تكون مركّبةٌ من مبتدأ وخبر.
والثالث أن تكون شرطًا، وجَزاءٍ.
والرابعُ أن تكون ظرفًا.
فالأولُ قولُك: "هذا رجلٌ قام، وقام أبوه"، فـ"هذا" مبتدأٌ، و"رجلٌ" الخبرُ، و"قَامَ" في موضع رفع بأنّه صفةٌ. قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (٢). فقوله: "أنزلناه" في موضعِ رفع على الصفة لـ"كتاب". يدلّ على ذلك رفعُ "مبارك" بعده، وفيه ذكرُ مرتفع بأنّه الفاعلُ. وهذا الذكرُ يعود إلى الموصوف الذي هو"رجلٌ"، ولولا هذا الذكرُ، لَمَا جاز أن تكون هذه الجملة صفة، لأنّ الصفة كالخبر، فكما لا بدّ من عائدٍ إلى المبتدأ إذا وقعت خبرًا، كذلك لا بدّ منه في الجملة إذا وقعتْ صفة.
والثاني كقولك: "هذا رجلٌ أبوه منطلقٌ"، فـ "أبوه" مبتدأٌ، و"منطلقٌ" خبرُه، والجملةُ من
المبتدأ والخبر في موضع رفع بأنّها صفةُ رجلٍ. والهاءُ في "أبوه" عائدةٌ إلى الموصوف.
والثالث أن تكون الجملة الصفةُ جملةً من شرط وجزاء. وذلك نحو: "مررت برجلٍ إنْ تُكْرِمْهُ يُكْرِمْكَ"، فقولك: "إن تكرمه يكرمك" في موضع الصفة لِـ"رجلٍ"، وقد عاد الذكرُ منهما إلى الموصوف، ولو عاد من أحدهما، لكان كافيًا، نحو: "مررت برجلٍ إنْ تَضْربْهُ تُكْرِمْ خالدًا". فالذكرُ ها هنا إنّما عاد من الشرط وحدَه، ولو قلت: "مررت برجلٍ
стр. 692
إن تضربْ زيدًا يضربك"، لجاز أيضًا؛ لأنّه قد عاد الذكرُ إلى الموصوف من الجزاء، وإن عاد منهما، فأجْودُ شيءٍ.
والرابع الظرفُ ونحوه من الجارّ والمجرور، فهذا في حكم الجملة من حيثُ كان الأصلُ في الجارّ والمجرور أن يتعلّق بفعلٍ؛ لأنّ حرف الجرّ إنّما دخل لإيصال معنى الفعل إلى الاسم، ويدلّ على أنّه في حكمِ الجملة أنّه يقع صلة، نحو: "جاءني الذي في الدار، ومن الكِرام"، والصلةُ لا تكون إلّا جملةً. وممّا يدلّ على ذلك أن الظرف إذا وقع صلةً، أو صفةً لنكرةٍ، جاز دخولُ الفاء في الخبر، نحو: "الذي في الدار فلَهُ درهمٌ"، و"كلُّ رجل في الدار فمُكْرَمٌ"، كما تقول: "الذي يأتيني فله درهمٌ"، و"كلُّ رجل يأتيني فله درهمٌ". ولو قلت: "كلُّ رجلٍ قائمٍ فله درهمٌ" لم يجز.
واعلم أن الظرف إذا وقع صفةً، كان حكمُه كحُكْمه، إذا وقع خبرًا إن كان الموصوفُ شخصًا لم تصفه إلّا بالمكان، نحو: "هذا رجلٌ عندك"، ولا تصفه بالزمان. لا تقول: "هذا رجلٌ اليومَ، ولا غدًا"؛ لأنّ الغرض من الوصف تَحْلِيَةُ الموصوف بحالٍ تختصّ به دون مُشارِكه في اسمه ليُفْصَل منه، والزمانُ لا يختصّ بشخص دون شخص، فلا يحصُل به فصلٌ.
وشَرَطْنا في الجملة التي تقع صفةً أن تكون محتمِلةً للصدق والكذب تحرُّزًا من الأمر، والنهْي، والاستفهام، نحو: "قُمْ"، و"اقْعُدْ"، و"لَا تَقُمْ"، و"لَا تَقْعُدْ"، و"هل يقوم زيدٌ؟ " فإنّ هذه الجُمَل لاَ تقع صفاتٍ للنكرات كما لا تقع أخبارًا, ولا صلاتٍ؛ لأنّ الغرض من الصفة الإيضاح والبيانُ بذكرِ حالٍ ثابتةٍ للموصوف يعرفُها المخاطبُ له، ليست لمشارِكه في اسمه. والأمرُ، والنهي، والاستفهام ليست بأحوالٍ ثابتةٍ للمذكور يختصّ بها، إنّما هو طَلَبٌ واستعلامٌ، لا اختصاصَ له بشخص دون شخص.
فأمّا قول الشاعر، أنسْده الأصمعيُّ [من الرجز]:
حَتَّى إذا جنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ ... جاؤوا بمَذْقٍ هَلْ رأيتَ الذِّئبَ قَطْ
ويُروى: "بضَيْحٍ"، و"الضيحُ" بالفتح: اللَّبَنُ الرقيقُ الممزوجُ، يقال: "ضَيَّحْتُ اللبنَ"، أي: مزجتُه والمَذْقُ والمَذِيقُ مثله. وإنَّما وُصف به، وهو استفهامٌ على الحكاية، وإضمار القَوْل، كأنّه قال: "جاؤوا بمذقٍ مَقُولٍ فيه ذلك". شَبَّهَ لَوْنَه بلونِ الذئب لوُرْقَته، والورقةُ لونٌ كلونِ الرَّماد، ولذلك قال: "لأنّه سَمارٌ"، والسمارُ: اللبنُ الرقيقُ.
ومثله قول أبي الدَّرداءِ: "وجدتُ الناسَ اخبُرْ تَقْلَهْ". وذلك أنّ "وجدتُ" كـ"عَلِمْتُ" يدخل على المبتدأ والخبر، فينصبهما، والمفعولُ الثاني خبرٌ لا يقع فيه من الجُمَل إلّا الخبريّةُ. وقوله: "اُخبُرْ تَقْلِهْ" أَمْرٌ لا يقع خبرًا للمبتدأ، وكذلك لا يقع مفعولًا ثانيًا لـ"وَجَدْتُ". وإنّما ذلك على معنى "وجدتُ الناسَ مَقُولًا فيهم ذلك".
стр. 693
وُيروى: تَقْلَهْ، وتَقْلِهْ، بفتح اللام، وكسرِها؛ لأنّه يقال: "قَلَى، يَقْلَى وَيقْلِي". فمن قال: "يَقْلِي" بالكسر، قال: "تَقْلِهْ" مكسورًا، والأصلُ: تَقْلِيهِ، فلمّا جُزم بالأمر، حُذفت الياء للجزم، ثغ دخلت هاء السَّكْت، فقلت: "تَقْلِهْ" بكسر اللام، وسكون الهاء. ومن فتح، وقال: "يَقْلَى"، وهو قليلٌ، جزم بحذف اللام، وبقي ما قبلها مفتوحًا، ثمّ دخلت هاء السكت.
واعلم أنّ كلَّ جملة وقعتْ صفةً، فهي واقعةٌ موقعَ المفرد، ولها موضعُ ذلك المفرِد من الإعراب، فإذا قلت: "مررت برجلٍ يضربُ"، فقولُك: "يضربُ" في موضع "ضارب"، فأبدًا تُقدِّر ما أصبتَ مكانَه فعلاً باسم فاعلٍ إن كان المنعوتُ كذلك، وباسمِ مفعول، إن كان المنعوتُ كذلك. وكذلك الجارُّ والمجرور، وتقديره بما يُلائم معناه، تقول في قولك: "هذا رجلٌ من بني تميمٍ"، تقديره: تميميُّ، و"تميميُّ" بمعنى منسوبٍ، وفي قولك: "هذا رجلٌ من الكِرام"، تقديره: كريمٌ، فاعرف ذلك.
فإن قيل: فلِمَ زعمتم أنّ المفرد أصلٌ، والجملة واقعةٌ موقعَه، فالجوابُ أنّ البسيط أوّلٌ، والمركّبَ ثانٍ، فإذا استقَلّ المعنى بالاسم المفرد، ثمّ وقع موقعَه الجملةُ، فالاسمُ المفردُ هو الأصلُ، والجملةُ فرعٌ عليه. ونظيرُ ذلك في الشَّرِيعة شَهادةُ المرأتَيْن فرعٌ على شهادةِ الرجل. واعلم أنَّه لا يُنعَت بالجملة معرفة، لو قلت: "هذا زيدٌ أبوه قائمٌ" على أن تجعله صفةً، لم يجز، فإن جعلتَه حالًا، جاز. وإنّما لم توصَف المعرفة بالجملة؛ لأنّ الجملة نكرةٌ، فلا تقع صفةً للمعرفة؛ لأنّها حديثٌ. ألا ترى أنّها تقع خبرًا، نحو: "زيدٌ أبوه قائمٌ"، و"محمّدٌ قام أخوه". وإنَّما تُحدَّث بما لا يُعرَف، فتُفيد السامعَ ما لم يكن عنده. فإن أردتَ وصفَ المعرفة بجلمةٍ، أتيتَ بـ "الذي"، وجعلت الجملة في صلته، فقلتَ: "مررت بزيدٍ الذي أبوه منطلقٌ"، فتوصّلت بـ "الّذي" إلى وصف المعرفة بالجملة، كما توصّلتَ بـ "أيُّ" إلى نداء ما فيه الألفُ واللام، نحو: "يا أَيُّها الرجلُ".
فصل [الوصف السببيِّ]
قال صاحب الكتاب: وقد نزلوا نعت الشيء بحال ما هو سببه منزلة نعته بحاله هو، نحو قولك: "مررت برجلٍ كثيرٍ عدوه, وقليل من لا سبب بينه وبينه".
* * *
قال الشارح: اعلم أنهم يصفون الاسمَ بفعلٍ ما هو من سَبَبه كما يصفونه بفِعْله، والغرضُ بالسبب ها هنا الاتّصالُ، أي: بفعلٍ ما له به اتّصالٌ. وذلك نحو قولك: "هذا رجلٌ ضاربٌ أخُوه زيدًا، وشاكرٌ أبوه عمرًا". لمّا وصفتَه بـ "ضارب"، ورفعتَ به "الأخَ"، وأضفتَه إلى ضميرِ الموصوف، صار من سببه، وحصل بذلك مَن الإيضاح والبيان ما يحصُل بفعله. ألا ترى أنّك إذا قلت: "مررت برجلٍ قائمٍ أبوه، أو غلامُه"، فقد تَخصَّص
стр. 694
وتَميَّز من رجلٍ ليس بهذه الصفة، كما إذا قلت: "مررت برجلٍ قائم؟ " ولو قلت: "مررت برجلٍ قائمٍ عمرٌو أو ضاربٍ زيدٌ"، لم يحصل بذلك تخصيصٌ، ولا تَميَّز به من غيره، إذ ذلك ليس شيئًا يَخُصّه. فإذا قلت: "مررت برجلٍ كثير عدوُّه"، فقد اتّصل المضمرُ بالفاعل، وإذا قلت: "قليل مَنْ لا سَبَبَ بينه وبينه"، فقد اتّصل الضميرُ بالفاعل. وإذا قلت: "مررت برجلٍ ضاربٍ أخاه"، فقد اتّصل الضمير بالمفعول، فكان من سببه، لذلك فاعرفه.
فصل [مطابقة الصفة للموصوف]
قال صاحب الكتاب: وكما كانت الصفة وفق الموصوف في إعرابه فهي وفقه في الأفراد والتثنية والجمع والتعريف والتنكير والتذكير والتأنيث، إلا إذا كانت فعل ما هو من سببه فإنها توافقه في الإعراب والتعريف والتنكير دون سواهما، أو كانت صفة يستوي فيها المذكر والمؤنث نحو فعول وفعيل بمعنى مفعول أو مؤنثة تجري على المذكر نحو علامة وهلباجةٍ وربعة ويفعةٍ.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولُنا: إنّ الصفة تابعةٌ للموصوف في أحواله. وجملتُها عشرةُ أشياءَ: رفعُه، ونصبه، وخفضه، وإفراده، وتثنيته، وجمعه، وتنكيره، وتعريفه، وتذكيره، وتأنيثه. إن كان الاسمُ الأوَّلُ الموصوف مرفوعًا، فنعتُه مرفوعٌ. وإن كان منصوبًا، فنعتُه منصوبٌ. وإن كان مخفوضًا، فنعتُه مخفوضٌ. وكذلك سائرُ الأحوال. تقول: "هذا رجلٌ عاقلٌ"، و"رأيت رجلًا عاقلًا"، و"مررت برجلٍ عاقلٍ". فقد ترى كيف تبعتِ الصفةُ الموصوف في إعرابه، وإفراده، وتذكيره، وتنكيره. ولو قلت: "هذا رجلٌ الظريف"، أو "هذا زيدٌ ظريفٌ" على أن تجعل "ظريفًا" نعتًا لِمَا قبله؛ لم يجز، لمخالَفته إيّاه في التعريف، فإن جعلتَه بَدَلًا، جاز.
وإنَّما وجب للنعت أن يكون تابعًا للمنعوت فيما ذكرناه من قِبَل أنّ النعت والمنعوت كالشيء الواحد، فصار ما يلحَق الاسم يلحق النعتَ. وإنَّما قلنا: إِنّهما كالشيء الواحد من قِبَل أنّ النعت يُخْرِج المنعوتَ من نوع إلى نوع أخصَّ منه، فالنعتُ والمنعوت بمنزلةِ نوع أخصَّ من نوع المنعوت وحده، فالنعتُ والمنعوت بمنزلة إنسان، والمنعوتُ وحدَه بمنزلةٍ حَيَوان، فكما أنّ إنسانًا أخصَّ من حيوان، كذلك النعتُ والمنعوت أخصُّ من المنعوت وحده، ألا ترى أنّك إذا قلت: "مررت برجلٍ"، فهو من الرجال الذين كلُّ واحد منهم رجلٌ، وإذا قلت: "مررت برجل ظريف"، فهو من الرجال الظُّرفاء الذين كلُّ واحد منهم رجلٌ ظريفٌ، فالرجالُ الظرفاء جملةٌ لرجل ظريف، كما أن الرجال جملةٌ
стр. 695
لرجل، فرجلٌ ظريفٌ جُزءٌ للرجال الظرفاء، وهو أخصُّ من رجل، ألا ترى أنّ كلَّ رجل ظريف رجلٌ، وليس كلُّ رجل رجلًا ظريفًا. وقد تقدّم الكلام على شدّةِ اتّصالِ الصفة بالموصوف في مواضع من هذا الكتاب.
وقوله: "إلّا إذا كان فِعْلَ ما هو من سَبَبه" يعني أنّ الصفة إذا رفعتِ الظاهر، وكان الظاهرُ، من سببِ الموصوف؛ فإنّ الصفة تكون موحَّدة على كلِّ حال، وإن كان موصوفُها مثنَّى أوَ مجموعًا، نحو قولك: "هذا رجلٌ قائمٌ أخوه"، و"رجلان قائمٌ أخوهما، ورجالٌ قائمٌ أخوهم"؛ لأنّها هنا جاريةٌ مجرى الفعل إذا تقدّم، نحو قولك: "قام زيدٌ"، و"قام الزيدان". و"قام الزيدون". لمّا رفع الظاهرَ، خلا من الضمير. والتثنيةُ إنّما هي للضمير، لا للفعل نفسِه، فكذلك اسمُ الفاعل واسمُ المفعول إنما يُثنَّى كلُّ واحد منهما، ويُجمع، إذا كان فيهما ضميرٌ؛ وأمّا إذا خَلَوا من الضمير، فيكونان موحّدَيْن، وكذلك لا يُؤنَّثان إلّا أن يكون المرفوعُ بهما مؤنّثًا، نحو: "مررت بامرأةٍ ضاربةِ جاريتُها"، فإن كان الفاعل مذكرًا، ذكَّرتَ الفعل، نحو قولك: "هذه امرأةٌ ضاربٌ غلامُها", لأنّ الفعل للغلام، لا لامرأة، والفعلُ إنّما يتأنّثُ بتأنيث فاعله.
فأمّا الصفة التي يَستوي فيها المذكَّرُ والمؤنَّثُ، وذلك على ضربَيْن: منه ما يستوي فيه المذكّر والمؤنّث في سقوط علامةِ التأنيث، ومنه ما يستوي فيه المذكّر والمؤنّث في لزوم تاء التأنيث. فالأوّل، نحو: "فَعُولٍ" بمعنى "فاعلٍ"، نحو رجلٌ صَبُورٌ، وشَكُورٌ، وضروب، وامرأةٌ صَبور، وشكورٌ، وضروبٌ بمعنى صابرٍ، وصابرةٍ، وشاكرٍ، وشاكرةٍ، وضاربٍ، وضاربةٍ. كأنّهم أرادوا بسقوطِ التاء من المؤنّث هاهنا الفرقَ بين "فعولٍ" بمعنى "فاعل"، وبينه إذا كان بمعنى "مَفْعولٍ"، نحو: حَلُوبَةٍ، وحَمُولَةٍ. قال الشاعر [من الكامل]:
٤١٩ - فيها اثنتان وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كخافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ
стр. 696
أثبتَ التاء لأنّها بمعنى محلوبة، ومثل ذلك "فَعِيلٌ" إذا كان بمعنى مفعولٍ، نحو: "كَفٌّ خَضِيب"، و"لِحْيَة دَهِين"، المراد: مخضوبةٌ ومدهونةٌ، حُذفت منه التاء للفرق بينه وبين ما كان بمعنى "فاعِلٍ"، نحو: "عَلِيم"، و"سَمِيع". وذلك إنّما يكون فيهما عند ذكر الموصوف، وفَهْم المعنى بذكره، أو ما يقوم مقامَ ذكرهِ، فأمّا مع حذف الموصوف، فلا. لو قلت: "رأيت خضيبًا"، وأنت تريد "كَفًّا"، لم يجز للالتباس.
وأمّا الثاني، فقولهم: "عَلاَّمة"، و"نَسّابَةٌ"، لمن يكثُر علمُه، ومعرفتُه بالنَّسَب، وقالوا: "هِلباجَةٌ" للأحْمق، وقالوا "رَبْعَةٌ" للمتوسِّط في الطُّول، ليس طويلًا ولا قصيرًا، وقالوا: "غلامٌ يَفَعَةٌ" بمعنى اليافِع، وهو المرتفِعُ، يقال: "غلامٌ، وغِلْمانٌ يفعةٌ"، فهذا ونحوه لا يتبَع الموصوفَ في تذكيره، بل يثبُت فيه التاء، وإن كان الموصوفُ مذكَّرًا؛ لأنّ التاء فيه للمبالغة في ذلك الوصف. ولا تدخل هذه التاء في صفات الله تعالى، وإن كان معناها المبالغةَ لوجودِ لفظ التأنيث، ولا يحسُن إطلاقه على البارئ؛ لأنّها مبالغةٌ بعلامة نَقْص.
فصل [ما يُوصف ويوصَف به]
قال صاحب الكتاب: والمضمر لا يقع موصوفاً ولا صفة، والعلم مثله في أنه لا يوصف به، ويوصف بثلاثة بالمعرف باللام وبالمضاف إلى المعرفة وبالمبهم, كقولك مررت بزيد الكريم وبزيد صاحب عمرو وصديقك وراكب الأدهم وبزيد هذا. والمضاف إلى المعرفة مثل العلم يوصف بما يوصف به. والمعرَّف باللام يوصف بمثله وبالمضاف إلى مثله كقولك مررت بالرجل الكريم صاحب القوم, والمبهم يوصف بالمعرَّف باللام إسمًا أو صفة. واتصافه باسم الجنس ما هو مستبد به عن سائر الأسماء وذلك مثل قولك أبصر ذاك الرجل وأولئك القوم ويا أيها الرجل ويا هذا الرجل.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ المعارف خمسٌ: المضمراتُ، نحو: أنا، وأنتَ، وهُوَ، ونحو ذلك ممّا سيأتي وصفُه. والأعلام، نحو: زيد، وعمرو، وقد تقدُّم بيانُها. والمبهماتُ، وهي أسماء الإشارة، نحو: هذا، وذلك، وذاك، وهؤلاء، ونحوها ممّا سيأتي بيانُها. وما عُرّف بالألف واللام، نحو: الرجل، والغلام، وما أضيف إلى واحد منها، نحو: غلامك، وغلامُ زيد، وصاحبُ هذا، وبابُ الدار، ونحو ذلك.
واعلم أنّ المعارف مرتَّبةٌ في التعريف والترتيب المذكور. فأعرفُها وأخصُّها
стр. 697
المضمراتُ، وذلك لأنّك لا تُضْمِر الاسم إلَّا بعد تقدُّم ذكره، ومعرفة المخاطب على من يعود، ومَن يُعْنَى، أو تفسيرٍ يقوم مقامَ الذكر، ولذلك استغنى عن الوصف، ثم العَلَمُ، ثمّ المبهمُ، وما أضيف إلى معرفةٍ من المعارف، فحكمُه حكمُ ذلك المضاف إليه في التعريف؛ لأنّه يسرِي إليه ما فيه من التعريف. ثمّ ما فيه الألفُ واللام. هذا مذهبُ سيبويه (١). وذهب قومٌ إلى أنّ المبهم أعرفُ المعارف؛ لأنّه يتعرّف بالقَلْب والعين، وغيرُه يتعرّف بالقلب لا غيرُ، فكان ما يتعرّف بشيئَيْن أعرفَ ممّا يتعرّف بشيء واحد، ثمّ العَلَمُ، ثمّ المضمرُ، ثمّ ما فيه الألفُ واللام، وهو قولُ أبي بكر بن السَّرّاج. وذهب آخرون إلى أنّ أعرف المعارف العلم, لأنّه في أوّلِ وضعه لا يكون له مشاركٍ، إذ كان علامة تُوضَع على المسمّى يُعرَف بها دون غيره، ويُميَّز من سائرِ الأشخاص، ثمّ المضمرُ، ثمّ المبهمُ، ثمّ ما عُرّف بالألف واللام، وهو قول أبي سَعِيد السِّيرافيّ. فأمّا ما عُرّف بالإضافة، فتعريفُه على حسب ما يضاف إليه من المضمر، والعلم، والمبهمِ، وما فيه الألف واللام على اختلافِ الأقوال.
فأمّا المضمرات فلا توصفَ، وذلك لوُضوحِ معناها، ومعرفة المخاطب بالمقصود بها، إذ كنت لا تُضْمِر الاسمَ إلَّا وقد عرف المخاطبُ إلى مَن يعود، ومَن تَعْنِي، فاستغنى لذلك عن الوصف، ولا يوصَف بها, لأن الصفة تَحْلِيَةٌ بحالِ من أحوالِ الموصوف، والمضمراتُ لا اشتقاقَ لها، فلا تكون تحليةً.
وأمّا العَلَم الخالصُ، فلا يوصَف به؛ لعدم الاشتقاق فيه. وذلك أنّه لم يُسمَّ به لمعنّى استحقّ به ذلك الاسم دون غيره، ويوصَف لِما ذكرناه من إزالة الاشتراك في اللفظ. ووصفُه بثلاثةِ أشياء: بما فيه الألفُ واللام، نحو: "جاءني زيدٌ العاقلُ، والفاضلُ، والعالمُ"، ونحوها ممّا فيه الألفُ واللام، وبما أضيف إلى معرفه من المعارف الأربع، نحو: "غلامك"، و"غلامُ هذا"، و"غلامُ زيد"، و"غلامُ الرجل". تقول: "جاءني زيدٌ غلامُك" فـ "زيدٌ" مرفوعٌ بأنّه فاعلٌ، و"غلامُك" نعتٌ له. وتقول: "جاءني محمّدٌ عبدُ خالدٍ، وغلامُ هذا، وصاحبُ الأمير" وما أشبهَ ذلك.
وربّما وقع في عبارة بعض النحويّين في وصف العلم أنّه يوصَف بكذا، وبالمضاف إلى مثله، وهي من عبارات سيبويه (٢). والمراد: إلى مثله في التعريف، لا في العَلَميّة. ويوصَف بالمبهم، نحو: مررت بزيدٍ هذا, لأن اسم الإشارة، وإن لم يكن مشتقًّا، فهو في تأويل المشتقّ، والتقديرُ: يزيد المشار إليه، أو القريب. هذا مذهبُ سيبويه، فإنَّه كان يرى أنَّ العلم أخصُّ من المبهم.
وشرطُ الصفة أن تكون أعمَّ من الموصوف، ومن قال: إنّ اسم الإشارة أعرفُ من
стр. 698
العلم، لم يجز عنده أن يكون نعتًا له، إنّما يكون بَدَلًا، أو عطفَ بيانٍ.
وأمّا أسماء الإشارة، فتوصَف ويوصف بها، فتوصف لِما فيها من الإبهام. ألا ترى أنّك إذا قلت: "هَذَا"، وأشرتَ إلى حاضرٍ، وكان هناك أنواعٌ من الأشخاص التي يجوز أن تقع الإشارةُ إلى كل واحد منها، فيُبهِم على المخاطب إلى أيّ الأنواع وقعتِ الإشارةُ، فتفتقِر حينئذٍ إلى الصفة للبيان. ويوصف بها؛ لأنّها في مذهب ما يوصف به من المشتقّات، نحو: الحاضر، والشاهد، والقريب، والبعيدِ، فإذا قلت: "ذَاكَ"، فتقديره: البعيدُ، أو المُتَنَحِّي، ونحو ذلك، ولا توصَف إلَّا باسمِ جنس؛ لأن الغرض من وَصْفها بيانُ نوع المشار إليه لا فصلُ المشار إليه من مشارِكٍ له بحالٍ من أحواله؛ لأنّ اسم الإشارة ثابتٌ لما وقع عليه، ثمّ شَارَكَه في ذلك الاسم غيرُه، فاحتاج إلى فصلٍ بينهما بالصفة.
وإنّما أُتي به وُصْلَةً إلى نَقْلِ الاسم من تعريفِ العَهْد إلى تعريف الحضور والإشارةِ. مثالُ ذلك أن يكون بحَضْرتك شخصان، فتُريد الإخبارَ عن أحدهما, ولا بدّ من تعريفه، وليس بينك وبين المخاطب فيه عَهْدٌ، فيدخل فيه الألف واللام، فَأُتِيَ باسم الإشارة وُصلةٌ إلى تعريفه ونَقْلِه من تعريف العهد إلى تعريف الحضور، فتقول: "هذا الرجلُ فَعَلَ، أو يفعلُ".
ونظيرُه دخولُ "أيّ" في النداء وصلةً إلى نداء ما فيه الألفُ واللام، ويجوز أن تتوصّل بـ "هذا" إلى نداء ما فيه الألفُ واللام، فتقول: "يا هذا الرجلُ"، كما تقول: "يا أيها الرجلُ". وقد يجوز أن لا تجعله وصلةً، فتقول: "يا هَذَا". فإذا جعلتَه وصلةً، لزمته الصفةُ. وإذا لم تجعله وصلةً، لم تلزمْه؛ فلذلك تقول: "هذا الرجلُ، والغلامُ"، ولا تقول: "الظريفُ"، ولا "العالمُ" إلَّا على إرادةِ حذفِ الموصوف، وإقامة الصفة مُقامَه، فيكون المرادُ الاسم لا الصفةَ.
ولا يجوز أن يُنعت المبهم بمضافٍ، لأنّك إذا قلت: "هذا الرجلُ"؛ فالرجلُ وما قبله اسمٌ واحدٌ للزومِ الصفة له؛ لأنّك إذا أَوْمَأْتَ إلى شيء، لزِمك البيانُ عن نوعِ الذي تقصِده، فالبيانُ كاللازم له. فلمّا كانت "هي" لا تضاف لأنَّها معرفةٌ بالإشارة، والمضافُ يُقدَّر بالنكرة، والمبهمُ ممّا لا يصحّ تنكيرُه, لأنّّ تعريفَ الإشارة لا يُفارِقه، فكما لا يصحّ إضافةُ الأوّل كذلك لا يصحّ إضافة الثاني؛ لأنّهما اسمٌ واحدٌ، ولذلك من المعنى لا يصحّ أن تفرُق الصفةَ، وتجمع الموصوفَ، فتقولَ: "مررت بهذَيْن الرجلِ والفرسِ"؛ لفَصْلك بين الصفة والموصوف بحرفِ عطف، بخلافِ غيره من الصفات، فإنّك تقول: "مررت برجلَيْن كريم، وفاضلٍ". ولا بدّ فيه من أن يكون على عدّةِ المجموع.
فأمّا ما عُرّف بالألف واللام، فيوصَف بشيئين: بمثله ممّا فيه الألفُ واللام، وبالمضاف إلى ما فيه الألفُ واللام، نحو قولك: "مررت بالرجل العاقِل"، و"هذا الرجلُ
стр. 699
الفاضلُ". وتقول في الصفة بالمضاف: "هذا الرجلُ صاحبُ المال"، و"رأيت الأميرَ ذا العَدْلِ"، و"مررت بالغلام ذي الفضل". ولا يوصَف ما فيه الألفُ واللام بغير ذَيْنك؛ لأنّه أقربُ إلى الإبهام من سائرِ المعارف. ألا تراك تصفُه بما تصف به النكراتِ، فتقول: "مررت بالرجل مثلِك"، و"إني لأمرُّ بالغلام غيرِك، فيُكْرِمُني؟ "
فأمّا المضاف إلى المعرفة، فإنّه يوصف بالمضاف إلى مثله في التعريف، وبالمضاف إلى ما هو أبهمُ منه على حسب الفائدة المذكورةِ، وبما فيه الألفُ واللام، وبالأسماء المبهمةِ، نحو: "مررت بصاحبكَ أخي زيدٍ، وصاحبِ هذا، والكريمِ". ولا تقول: "مررت بغلامِ زيدٌ أخيك"؛ لأنه أخصُّ من الموصوف، فاعرفه.
فصل [حكم الموصوف بالنسبة إلي الصفة في الخصوصية]
قال صاحب الكتاب: ومن حق الموصوف أن يكون أخص من الصفة أو مساوياً لها ولذلك امتنع وصف المعرف باللام بالمبهم وبالمضاف إلى ما ليس معرفاً باللام لكونا أخص منه.
* * *
قال الشارح: قد تقدّم قولنا: إنّ الصفة ينبغي أن تكون وَفْقَ الموصوف، فإن كان الموصوف نكرةً، فصفتُه نكرةٌ. وإن كان معرفةً، فصفتُه معرفةٌ. ولا تكون الصفة أخصَّ من الموصوف، إنّما يوصَف الاسمُ بما هو دونه في التعريف، أو بما يُساوِيه. وذلك لوجهَيْن: أحدهما أنّ الصفة تَتِمَّةٌ للموصوف، وزيادة في بيانه. والزيادةُ تكون دون المَزيد عليه، وأمّا أن تَفُوقه، فلا، فإذًا وجه الكلام أن تبدأ بالأعرف، فإن كَفَى، وإلا أتبعتَه ما يزيده بيانًا.
وأمّا الوجه الثاني، فإنّ الصفة خبرٌ في الحقيقة، ألا ترى أنّه يحسُن أن يقال لمن قال: "جاءني زيدٌ الفاضلُ": كذبتَ فيما وصفتَه به، أو صدقتَ، كما يحسن ذلك في الخبر، وإذا كانت خبرًا، فكما أنّ الخبر لا يكون إلَّا أعمَّ من المُخبَر عنه، أو مساوِيًا له، فالأوّلُ نحو: "زيدٌ قائمٌ"، والثاني نحو: "الإنسانُ بَشَرٌ"، إلا أن الفرق بينهما أنّك في الصفة تذكُر حالًا من أحوالِ الموصوف لمن يعرِفها تعريفًا له عند توهُّمِ الجَهالة بالموصوف، وعدم الاكتفاء بمعرفته، وفي الخبر إنّما تُذكَر لمن يجهَلها، فتكون هي محلَّ الفائدة، فلذلك تقول: "مررت بزيدٍ الطويلٍ"، والطويلُ نعتٌ لزيد، وهو أعمُّ منه وحدَه، إذ الأشياء الطِّوالُ كثيرةٌ، وزيدٌ أخصُّ من الطويل وحدَه.
فإن قيل: فكيف تكون الصفةُ بيانًا للموصوف، وهي أعمُّ منه؟ قيل: البيانُ منه إنّما حصل من مجموع الصفة والموصوفِ؛ لأنّ مجموعهما أخصُّ من كلّ واحد منهما منفردًا، فـ "زيدٌ الطويلُ" أخصُّ من "زيد" وحدَه، ومن "الطويل" وحده، ولذلك كانت
стр. 700
الصفةُ والموصوف كالشيء الواحد. فعلى هذا تقول: "مررت بزيدٍ هذا"، فيكون "هذا" نعتًا لزيد. هذا على مذهبِ من يرى أن "هذا" أنقصُ من العَلَم، ومَن جعل "هذا" أخصَّ من العلم جعله بَدَلًا، لا نعتًا، وتقول: "جاءني هذا الرجلُ"، فتصفُ "هذا" بما فيه الألفُ واللام؛ لأنّ ما فيه الألفُ واللام أنقصُ تعريفًا من أسماء الإشارة. ولو قلت: "مررت بالرجل هذا"، فتصف ما فيه الألفُ واللام باسم الإشارة، لم يجز؛ لأنّ الاسم لا يوصَف بما هو أَتَمُّ تعريفًا منه، فإن جعلتَه بدلاً أو عطفَ بيانٍ، جاز، فاعرفه.
فصل [حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامة]
قال صاحب الكتاب: وحق الصفة ان تصحب الوصوف إلا إذ ظهر أمره ظهورًا يُستغنى معه عن ذكره, فحينئذ يجوز تركه, وإقامة الصفة مقامه كقوله [من الكامل]:
٤٢٠ - وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تُبع
وقوله [من البسيط]:
٤٢١ - رباء شماء لا يأوي لقلتها ... إلا السحاب وإلا الأوب والسبل
стр. 701
وقوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف عين﴾ (١) وهذا باب واسع ومنه قول النابغة [من الوافر]:
كأنك من جمال بني أقيشٍ ... يُقعقع خلف رجليه بشن (٢)
أي جملٌ من جمالهم. وقال [من الرجز]:
٤٢٢ - لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلُها في حسبٍ وميسم
стр. 702
أي ما في قومها أحدٌ. ومنه [من الوافر]:
أنا ابنُ جَلاَ [وطلاع الثّنايا ... متى أَضَعِ العمامَةَ تعرفوني] (١)
أي: رَجُلٍ جلا، وقوله [من الرجز]:
٤٢٣ - [جادت] بكَفي كانَ مِن أَرْمَى البَشَرْ
أي: بكفَّي رَجُلٍ. وسمع سببويه (٢) بعضَ العرب الموثوقِ بهم يقول: "ما منهما
стр. 703
مات حتى رأيته في حال كذا وكذا، يريد: ما منهما واحدٌ مات.
وقد يبلغ من الظهور أنهم يطرحونه رأساً كقولهم: "الأجرع, والأبطح, والفارس, والصاحب, والراكب, والأورق, والأطلس".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الصفة والموصوف لمّا كانا كالشيء الواحد من حيثُ كان البيانُ والإيضاحُ إنّما يحصل من مجموعهما، كان القياس أن لا يُحذف واحدٌ منهما؛ لأنّ حذفَ أحدهما نقضٌ للغرض، وتراجُعٌ عمّا اعتزموه. فالموصوفُ القياسُ يأبَى حذفَه؛ لِما ذكرناه، ولأنّه ربّما وقع بحذفه لبسٌ. ألا ترى أنّك إذا قلت: "مررت بطويل"، لم يُعلم من ظاهرِ اللفظ أنّ الممرور به إنسانٌ، أو رُمْحٌ، أو ثَوْبٌ، ونحوُ ذلك ممّا قد يوصَف بالطُول؟ إلَّا أنّهم قد حذفوه إذا ظهر أمرهُ، وقَويَتِ الدلالةُ عليه، إمّا بحالٍ، أو لفظٍ. وأكثرُ ما جاء في الشعر، لأنّه موضعُ ضرورة. وكلما استبهم، كان حذفُه أبعدَ في القياس، فمن ذلك قولُ أبي ذُؤَيْب [من الكامل]:
وعليها مسرودتان ... إلخ
الشاهد فيه قولُه: مسرودتان، والمرادُ: دِرْعان مسرودتان. وكذلك السَّوابغُ، المراد: الدُّروع السوابغ. ومن ذلك قولُ المُتَنَخل الهُذَليّ، وهو مالكُ بن عُوَيْمِر، والمتنخّل لقبٌ [من البسيط]:
رَبّاءُ شَمَّاءَ ... إلخ
الشاهد فيه قوله: "ربَّاء شمّاء"، والمرادُ: رَجُلٌ رَبَّاءُ رَبْوَةٍ، أو رابِيَةٍ شَمَّاءَ، فهو فَعّالٌ من قولك: "رَبَوْتَ الرابِيَةً" إذا عَلَوْتَها. وضعّف العينَ للتكثير، والهمزةُ في آخِره بدلٌ من الواو التي هي لامُ الكلمة، كهمزِة "كِساءٍ"، و"غِطاءٍ". ولم يُنَوّنْه لأنّه مضافٌ إلى "شمَّاء". وشمَّاءُ من الشَّمَم، وهو الارتفاعُ، يُقال: "جبلٌ أشَمُّ، ورابِيَةٌ شَمّاءُ"، أي: مرتفعةٌ، ومنه الشَّمَمُ في الأنْف، وهو ارتفاعُ قَصَبَته. وهو مخفوضٌ بإضافةِ "رَبّاء" إليه، والفتحةُ علامةُ الخفض, لأنّه لا ينصرف، وهمزتُه للتأنيث.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ (١)، والمراد: حُورٌ قاصراتُ الطرف.
قال: "وهذا بابٌ واسعٌ"، يعني حذفَ الموصوف إذا كانت الصفةُ مفردةً متمكَّنة في بابها غيرَ مُلْبِسة، نحوَ قولك: "مررت بظريفٍ"، و"مررت بعاقلٍ"، وشِبْهِهما من الأسماء الجاريةِ على الفعل. فأمّا إذا كانت الصفةُ غيرَ جارية على الفعل، نحوَ: "مررت برجل أيّ
стр. 704
رجلٍ، وأيّمَا رجلٍ"، فإنّه يمتنِع حذفُ الموصوف، وإقامةُ الصفة مُقامَه, لأنّ معناه كاملٌ، وليس لفظُه من الفعل. وكذلك لو كانت الصفة جملةً، نحوَ "مررت برجلٍ قام أخوه"، ولقيتُ غلامًا وَجْهُه حسنٌ"، لم يجز حذفُ الموصوف فيه أيضًا؛ لأنّه لا يحسُن إقامةُ الصفة مقام الموصوف فيه. ألا تراك لو قلت: "مررت بقَامَ أخوه"، أو"لقيتُ وَجْهُه حسنٌ"، لم يحسن؟ وربّما جاء شيءٌ من ذلك، وما أقَلَّه! فمن ذلك قولُ النابغة [من الوافر]:
كأنّك من جمالِ بني أُقَيْش ... إلخ
وقبله:
أتَخْذُلُ ناصِرِي وتُعِزُّ عَبْسًا ... أيَرْبُوعَ بنَ غَيْظٍ لِلمِعَنَّ
أراد جَمَلًا من جمال بني أقيش، فحذف الموصوفَ، وأقام الصفة مقامه. وإنّما قال: "من جمال بني أقيش"، لأنَّها وَحْشيةٌ مشهورةٌ بالنُّفور. والشَّنُّ: القِرْبَةُ اليابسةُ. وإذا فُعل بها هذا، كان أشدَّ لنُفورها. وسببُ هذا الشعر أنّ بني عَبْس قتلوا رجلًا من بني أسد، فقتلت بنو أسدٍ رجلَيْن من عَبْس، فأراد عُيَيْنَةُ بن حِصْنٍ الفَزاريُّ أن يُعِين بني عبس، وينقُض الحلْفَ الذي بين بني ذُبْيانَ وبني أسد، وبينهم حلفٌ وتناصُرٌ، فقال: كأنّك من جمال بني أقيش، أي: سريعُ الغَضَب تنفِر ممّا لا ينبغي لعاقلٍ أن ينفر منه. والذي حسّن حذفَ الموصوف ههنا كونُه خبرًا، والخبرُ يكون جملةً، وجارًّا ومجرورًا، نحوَ قولك: "إن زيدًا أبوه قائمٌ"، و"إن زيدًا من الكِرام"، فـ "أبوه قائمٌ" في موضع الخبر، وكذلك الجارُّ والمجرور. ومنه قول أبي الأسْوَد الحِمّانيّ [من الرجز]:
لو قلت ما في قومها ... إلخ
والمراد: إنسانٌ يفضُلها، فحذف الموصوفَ الذي هو المبتدأُ، وأقام الجملة مقامه، يصف امرأةً. فالحَسَبُ: المَآثِرُ، والميسم: الجَمالُ، وهو من الواو، وإنَّما قلبوها ياءً للكسرة قبلها، كأنّه من قولهم: "فلانٌ وَسِيمٌ"، أي: حسنُ الوجه. وقوله: "لم تِيثَم" يريد: تَأْثَم، وإنّما لمّا كسر التاءَ، وجب قلبُ الهمزة ياءً. وإنّما كسروا التاءَ على مذهبِ مَن يرى كسرَ حروفِ المضارعة ما عدا الياءَ. وذلك إذا كان الفعل على "فَعِلَ"، نحوِ "تِعْلَمُ"، و"تِسْلَمُ".
ومثله في حذفِ الموصوف قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ (١)، أي: قومٌ دون ذلك، أو ناسٌ. وقد حمل ناسٌ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ (٢) على هذا قالوا: تقديرُه: ومن الذين قالوا: إنّا نصارى قومٌ أخذنا ميثاقهم. ومثله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (٣)، والمراد: إنسانٌ له مقامٌ معلومٌ، وقولُه:
стр. 705
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ (١)، أي: قومٌ يحرّفون. والكوفيون يُضْمِرون موصولًا، وتقديرُه عندهم: إلَّا مَن له مقامٌ معلومٌ. والأوّلُ أسهلُ؛ لأنّ حذفَ الموصول أبعدُ من حذف الموصوف.
ومنه ما حكاه سيبويه عن بعض العرب الموثوقِ بهم: "ما منهما مَاتَ حتّى رأيتُه في حالِ كذا وكذا"، والمراد: ما منهما أحدٌ مات، فحذف "أحدًا"، وهو الموصوفُ. وهذا الحذفُ في المبتدأ أسهلُ منه مع الفاعل، لو قلت: "جاءني قام أخوه" على إرادةِ: "جاءني رجلٌ قام أخوه"، لم يحسُن حُسْنَه في المبتدأ؛ لأنّ المبتدأ قد لا يكون اسمًا مَحْضًا، نحوَ "تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيّ خيرٌ مِن أن تَراه" (٢)، والمراد: سَماعُك بالمعيديّ خيرٌ من رُؤْيَته، وليس كذلك الفاعلُ.
وأمّا قوله: "أنا ابنُ جَلَا" من قول سُحَيْمِ بن وَثِيلٍ الرِّياحيّ [من الوافر]:
أنّا ابنُ جَلَا وطَلاّعُ الثَّنايَا ... مَتَى أضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
فقيل: إِنّه من هذا القبيل، والمرادُ: أنا ابنُ رجل جَلَا، ثمّ حذف الموصوفَ، أي: جلا أمرُه ووضح، أو كشف الشدائدَ. وقيل: إِنّه اسمٌ عَلَمٌ. واحتجّ به عيسى بن عمر شاهدًا في منعِ صرف كلّ اسم على وزن الفعل سواءٌ كان ذلك البناءُ ممّا يغِلب وجودُه في الأفعال، أو لا يغلب. وأصحابُ سيبويه يتأوّلونه على أنّه سُمّي به وفيه ضميرٌ، فهو جملةٌ، والاسمُ المنقول من الجملة يُحكَى، ولا يُعرَب، فيكون من قبيلِ: "بني شَابَ قَرْنَاهَا"، وقد تقدّم شرحُ ذلك في ما لا ينصرف. وقد قيل في قولِ الآخر [من الرجز]:
٤٢٤ - وَاللَّهِ ما لَيْلِي بِنَامَ صاحِبُه ... ولا مُخالِطِ اللَّيَانِ جانِبُهْ