стр. 701
← Нахв и сарф следующие страницы →
Нахв и сарф · id 13301
شرح المفصل لابن يعيش
ابن يعيش
Полный текст (2 502 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 702
стр. 703
مات حتى رأيته في حال كذا وكذا، يريد: ما منهما واحدٌ مات.
وقد يبلغ من الظهور أنهم يطرحونه رأساً كقولهم: "الأجرع, والأبطح, والفارس, والصاحب, والراكب, والأورق, والأطلس".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ الصفة والموصوف لمّا كانا كالشيء الواحد من حيثُ كان البيانُ والإيضاحُ إنّما يحصل من مجموعهما، كان القياس أن لا يُحذف واحدٌ منهما؛ لأنّ حذفَ أحدهما نقضٌ للغرض، وتراجُعٌ عمّا اعتزموه. فالموصوفُ القياسُ يأبَى حذفَه؛ لِما ذكرناه، ولأنّه ربّما وقع بحذفه لبسٌ. ألا ترى أنّك إذا قلت: "مررت بطويل"، لم يُعلم من ظاهرِ اللفظ أنّ الممرور به إنسانٌ، أو رُمْحٌ، أو ثَوْبٌ، ونحوُ ذلك ممّا قد يوصَف بالطُول؟ إلَّا أنّهم قد حذفوه إذا ظهر أمرهُ، وقَويَتِ الدلالةُ عليه، إمّا بحالٍ، أو لفظٍ. وأكثرُ ما جاء في الشعر، لأنّه موضعُ ضرورة. وكلما استبهم، كان حذفُه أبعدَ في القياس، فمن ذلك قولُ أبي ذُؤَيْب [من الكامل]:
وعليها مسرودتان ... إلخ
الشاهد فيه قولُه: مسرودتان، والمرادُ: دِرْعان مسرودتان. وكذلك السَّوابغُ، المراد: الدُّروع السوابغ. ومن ذلك قولُ المُتَنَخل الهُذَليّ، وهو مالكُ بن عُوَيْمِر، والمتنخّل لقبٌ [من البسيط]:
رَبّاءُ شَمَّاءَ ... إلخ
الشاهد فيه قوله: "ربَّاء شمّاء"، والمرادُ: رَجُلٌ رَبَّاءُ رَبْوَةٍ، أو رابِيَةٍ شَمَّاءَ، فهو فَعّالٌ من قولك: "رَبَوْتَ الرابِيَةً" إذا عَلَوْتَها. وضعّف العينَ للتكثير، والهمزةُ في آخِره بدلٌ من الواو التي هي لامُ الكلمة، كهمزِة "كِساءٍ"، و"غِطاءٍ". ولم يُنَوّنْه لأنّه مضافٌ إلى "شمَّاء". وشمَّاءُ من الشَّمَم، وهو الارتفاعُ، يُقال: "جبلٌ أشَمُّ، ورابِيَةٌ شَمّاءُ"، أي: مرتفعةٌ، ومنه الشَّمَمُ في الأنْف، وهو ارتفاعُ قَصَبَته. وهو مخفوضٌ بإضافةِ "رَبّاء" إليه، والفتحةُ علامةُ الخفض, لأنّه لا ينصرف، وهمزتُه للتأنيث.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ (١)، والمراد: حُورٌ قاصراتُ الطرف.
قال: "وهذا بابٌ واسعٌ"، يعني حذفَ الموصوف إذا كانت الصفةُ مفردةً متمكَّنة في بابها غيرَ مُلْبِسة، نحوَ قولك: "مررت بظريفٍ"، و"مررت بعاقلٍ"، وشِبْهِهما من الأسماء الجاريةِ على الفعل. فأمّا إذا كانت الصفةُ غيرَ جارية على الفعل، نحوَ: "مررت برجل أيّ
стр. 704
رجلٍ، وأيّمَا رجلٍ"، فإنّه يمتنِع حذفُ الموصوف، وإقامةُ الصفة مُقامَه, لأنّ معناه كاملٌ، وليس لفظُه من الفعل. وكذلك لو كانت الصفة جملةً، نحوَ "مررت برجلٍ قام أخوه"، ولقيتُ غلامًا وَجْهُه حسنٌ"، لم يجز حذفُ الموصوف فيه أيضًا؛ لأنّه لا يحسُن إقامةُ الصفة مقام الموصوف فيه. ألا تراك لو قلت: "مررت بقَامَ أخوه"، أو"لقيتُ وَجْهُه حسنٌ"، لم يحسن؟ وربّما جاء شيءٌ من ذلك، وما أقَلَّه! فمن ذلك قولُ النابغة [من الوافر]:
كأنّك من جمالِ بني أُقَيْش ... إلخ
وقبله:
أتَخْذُلُ ناصِرِي وتُعِزُّ عَبْسًا ... أيَرْبُوعَ بنَ غَيْظٍ لِلمِعَنَّ
أراد جَمَلًا من جمال بني أقيش، فحذف الموصوفَ، وأقام الصفة مقامه. وإنّما قال: "من جمال بني أقيش"، لأنَّها وَحْشيةٌ مشهورةٌ بالنُّفور. والشَّنُّ: القِرْبَةُ اليابسةُ. وإذا فُعل بها هذا، كان أشدَّ لنُفورها. وسببُ هذا الشعر أنّ بني عَبْس قتلوا رجلًا من بني أسد، فقتلت بنو أسدٍ رجلَيْن من عَبْس، فأراد عُيَيْنَةُ بن حِصْنٍ الفَزاريُّ أن يُعِين بني عبس، وينقُض الحلْفَ الذي بين بني ذُبْيانَ وبني أسد، وبينهم حلفٌ وتناصُرٌ، فقال: كأنّك من جمال بني أقيش، أي: سريعُ الغَضَب تنفِر ممّا لا ينبغي لعاقلٍ أن ينفر منه. والذي حسّن حذفَ الموصوف ههنا كونُه خبرًا، والخبرُ يكون جملةً، وجارًّا ومجرورًا، نحوَ قولك: "إن زيدًا أبوه قائمٌ"، و"إن زيدًا من الكِرام"، فـ "أبوه قائمٌ" في موضع الخبر، وكذلك الجارُّ والمجرور. ومنه قول أبي الأسْوَد الحِمّانيّ [من الرجز]:
لو قلت ما في قومها ... إلخ
والمراد: إنسانٌ يفضُلها، فحذف الموصوفَ الذي هو المبتدأُ، وأقام الجملة مقامه، يصف امرأةً. فالحَسَبُ: المَآثِرُ، والميسم: الجَمالُ، وهو من الواو، وإنَّما قلبوها ياءً للكسرة قبلها، كأنّه من قولهم: "فلانٌ وَسِيمٌ"، أي: حسنُ الوجه. وقوله: "لم تِيثَم" يريد: تَأْثَم، وإنّما لمّا كسر التاءَ، وجب قلبُ الهمزة ياءً. وإنّما كسروا التاءَ على مذهبِ مَن يرى كسرَ حروفِ المضارعة ما عدا الياءَ. وذلك إذا كان الفعل على "فَعِلَ"، نحوِ "تِعْلَمُ"، و"تِسْلَمُ".
ومثله في حذفِ الموصوف قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ (١)، أي: قومٌ دون ذلك، أو ناسٌ. وقد حمل ناسٌ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ (٢) على هذا قالوا: تقديرُه: ومن الذين قالوا: إنّا نصارى قومٌ أخذنا ميثاقهم. ومثله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (٣)، والمراد: إنسانٌ له مقامٌ معلومٌ، وقولُه:
стр. 705
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ (١)، أي: قومٌ يحرّفون. والكوفيون يُضْمِرون موصولًا، وتقديرُه عندهم: إلَّا مَن له مقامٌ معلومٌ. والأوّلُ أسهلُ؛ لأنّ حذفَ الموصول أبعدُ من حذف الموصوف.
ومنه ما حكاه سيبويه عن بعض العرب الموثوقِ بهم: "ما منهما مَاتَ حتّى رأيتُه في حالِ كذا وكذا"، والمراد: ما منهما أحدٌ مات، فحذف "أحدًا"، وهو الموصوفُ. وهذا الحذفُ في المبتدأ أسهلُ منه مع الفاعل، لو قلت: "جاءني قام أخوه" على إرادةِ: "جاءني رجلٌ قام أخوه"، لم يحسُن حُسْنَه في المبتدأ؛ لأنّ المبتدأ قد لا يكون اسمًا مَحْضًا، نحوَ "تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيّ خيرٌ مِن أن تَراه" (٢)، والمراد: سَماعُك بالمعيديّ خيرٌ من رُؤْيَته، وليس كذلك الفاعلُ.
وأمّا قوله: "أنا ابنُ جَلَا" من قول سُحَيْمِ بن وَثِيلٍ الرِّياحيّ [من الوافر]:
أنّا ابنُ جَلَا وطَلاّعُ الثَّنايَا ... مَتَى أضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
فقيل: إِنّه من هذا القبيل، والمرادُ: أنا ابنُ رجل جَلَا، ثمّ حذف الموصوفَ، أي: جلا أمرُه ووضح، أو كشف الشدائدَ. وقيل: إِنّه اسمٌ عَلَمٌ. واحتجّ به عيسى بن عمر شاهدًا في منعِ صرف كلّ اسم على وزن الفعل سواءٌ كان ذلك البناءُ ممّا يغِلب وجودُه في الأفعال، أو لا يغلب. وأصحابُ سيبويه يتأوّلونه على أنّه سُمّي به وفيه ضميرٌ، فهو جملةٌ، والاسمُ المنقول من الجملة يُحكَى، ولا يُعرَب، فيكون من قبيلِ: "بني شَابَ قَرْنَاهَا"، وقد تقدّم شرحُ ذلك في ما لا ينصرف. وقد قيل في قولِ الآخر [من الرجز]:
٤٢٤ - وَاللَّهِ ما لَيْلِي بِنَامَ صاحِبُه ... ولا مُخالِطِ اللَّيَانِ جانِبُهْ
стр. 706
إنَّه عَلَمٌ اسمُ رجل، وقيل: إِنّه على حذفِ الموصوف، كأنّه أراد: ما ليلي برجلٍ نام صاحبُه، ثمّ حذف الموصوفَ. ومن ذلك قوله [من الرجز]:
جادَتْ بكَفَّيْ كَانَ مِن أرْمَى البَشَرْ
وقبله:
ما لَكَ عندي غيرُ سَهْمٍ وحَجَرْ ... وغيرُ كَبْداءَ شديدةِ الوَتَرْ
الشاهد فيه حذفُ الموصوف، وإقامةُ الصفة التي هي الجملةُ مقامه، والتقديرُ: بكَفَّيْ رجلٍ كان من أرمى البشرِ، وقد رُوي: "بكفّي كان مَن أرمى البشر"، بفتح ميمِ "مَنْ"، أي: بكفّي مَن هو أرمى البشرِ، و"كَانَ" زائدةٌ. وكَبِدُ القَوْس: مَقْبِضُها. وقوسٌ كبداءُ: غليظهُ المَقْبِضِ تملأُ الكفَّ. وجادتْ من الجُودة لا من الجُود. ولو صحّت الروايةُ الأُولى، لم يجز القياسُ عليه لقلّته وشُذوذه في القياس.
وربّما ظهر أمرُ الموصوف، وعُرف موضعه، فيُستغنى عن ذكره ألبتّهَ، وتقع المُعامَلةُ مع الصفة، وتصير الصفةُ كاسم الجنس الدالّ على معنَى الموصوف، وذلك نحوُ قولهم: "الأجْرَعُ"و"الأبْطَحُ"، فالأجرعُ: مكانٌ سَهْلٌ مُسْتَوٍ لا يُنْبِت، يُقال: "مكانٌ أجرعُ"، و"رَمْلَةٌ جَرْعاءُ"، ثمُّ اشتهر المكانُ بذلك، فعُلم مكانه، دمان لم يُذكَر، فقيل: "الأجرعُ"، إذ لا يوصَف بذلك إلَّا المكانُ. وأمّا الأبْطَحُ فالمكان المتَّسِع، ومثلُه البَطْحاءُ، وأصلُه أن يُقال مكانٌ أبطحُ، ثمّ غلبت الصفةُ، وصارت كاسم الجنس.
ومثله الفارسُ، والصاحبُ، والراكبُ، أصلُ ذلك كلّه الصفةُ، وإنّما، غلبتْ، فصارت كاسم الجنس، ولذلك يُجمَع جَمْعَه، فيقال: "فارسٌ وفَوارِسُ، وصاحبٌ وصَواحِبُ، وراكبٌ ورواكبُ"، كما يُقال: "كاهِلٌ، وكَواهِلُ"، فالفارسُ راكبُ الفرس خاصّةً، والراكبُ راكبُ الجَمل خاصّةً، لا يُقال لغيره، والصاحبُ معروفٌ.
ومثلُ ذلك الأوْرَقُ، والأطلسُ، فالأورقُ: المُغْبَرُّ اللَّوْن، كلَوْنِ الرماد، والحَمامةُ
стр. 707
وَرْقاءُ للونها، والأطلسُ: أن يَضْرِب إلى الغُبْرة، والذئبُ أطلسُ لَلْونه، فأصلُهما الصفةُ. ثمّ ظهر أمرُهما، فصار الموصوفُ نِسْيًا منسيًّا، فصارا كالجنس.
وأمّا الصفةُ، فلا يحسن حذفُها أيضًا لِما ذكرناه، ولأنّ الغرض من الصفة، إمّا التخصيصُ، وإمّا الثَّناءُ والمدحُ، وكلاهما من مَقاماتِ الإطناب والإسهابِ، والحذفُ من باب الإيجاز والاختصارِ، فلا يجتمعان لتدافُعهما. وقد حُذفت الصفة عَلى قِلَّةٍ ونَدْرَةٍ، وذلَك عند قوّةِ دلالةِ الحال عليها، وذلك فيما حكاه سيبويه من قولهم: "سِيرَ عليه ليلٌ" (١)، وهم يريدون: "ليلٌ طويلٌ". وكأنّ هذا إنّما حُذف فيه الصفةُ لِما دلّ من الحال على موضعها، وذلك بأن يوجَد في كلامِ القائل من التفخيم والتعظيم ما يقوم مقامَ قوله: "طويلٌ". وذلك إذا كنتَ في مدْح إنسان والثناءِ عليه، فتقول: "كان واللهِ رجلاً"، وتَزيد في قوّةِ اللفظ بالله، وتمطيطِ اللام، وإطالةِ الصوت بها، فيُفهَم من ذلك أنّك أردتَ كريمًا، أو شُجاعًا، أو كاملًا. وكذلك في طَرَفِ الذَّمّ إذا قلت: "سألتُ فلانًا، فرأيتهُ رجلًا"، وتَزْوِي وجهَك وتُقطَّبه، فتَغْنَى عن "بخيلًا" أو"لَئِيمًا". ومنه الحديث "لا صلاة لجارِ المَسْجِد إلَّا في المسجد" (٢)، والمرادُ: لا صلاة كاملةً، أو تامّةً، ونحوُ ذلك. فإن عَرِيَتِ الحالُ من الدلالة، لم يجز الحذفُ، فاعرفه.
стр. 708
البَدل
فصل [أنواعة]
قال صاحب الكتاب: هو على أربعة أضرب: بدل الكل من الكل كقوله تعالى: ﴿إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ (١). وبدل البعض من الكل, كقولك: "رأيت قومك أكثرهم وثلثيهم, وناساً منهم، و"صرفت وجوهها أولها". وبدل الاشتمال كقولك سلب زيد ثوبه، وأعجبني عمرو حسنه، وأدبه وعلمه، مما هو منه أو بمنزلته في التلبس به. وبدل الغلط, كقولك: "مررت برجل حمار"، أردت أن تقول: بـ "حمار"، فسبقك لسانك إلى "رجل"، ثم تداركته, وهذا لا يكون إلا في بداية الكلام وما لا يصدر عن روية وفطانة.
* * *
قال الشارح: البدل ثانٍ يقدَّر في موضعِ الأوّل، نحوَ قولك: "مررت بأخيك زيدٍ"، فـ "زيدٌ" ثانٍ من حيث كان تابعًا للأوّل في إعرابه. واعتبارُه بأن يقدَّر في موضعِ الأوّل، حتى كأنّك قلت: "مررت بزيدٍ"، فيعمل فيه العاملُ، كأنّه خالٍ من الأوّل. والغرضُ من ذلك البيانُ، وذلك بأن يكون للشخص اسمان، أو أسماءٌ، ويشتهِر ببعضها عند قومٍ، وببعضها عند آخَرين، فإذا ذكر أحدَ الاسمَيْن، خاف أن لا يكون ذلك الاسمُ مشتهِرًا عند المخاطب، ويذكر ذلك الاسمَ الآخرَ على سبيلِ بدلِ أحدهما من الآخر للبيان، وإزالةِ ذلك التوهُّمِ. فإذا قلت: "مررت بعبد الله زيدٍ"، فقد يجوز أن يكون المخاطبُ يعرف عبدَ الله، ولا يعلم أنّه زيدٌ، وقد يجوز أن يكون عارفًا بزيدٍ، ولا يعلم أنّه عبدُ الله، فتأتي بالاسمَيْن جميعًا لمعرفةِ المخاطب. وكان الأصل أن يكونا خبرَيْن، أي: جملتَيْن، مثلَ: "مررت بعبد الله، مررت بزيد"، أو يدخلَ عليه واوُ العطف، لكنّهم لو فعلوا ذلك، لالتَبس، ألا ترى أنّك لو قلت: "مررت بعبد الله مررت بزيد"، أو قلت: "مررت بعبد الله وزيدٍ"، ربّما تَوهّم المخاطبُ أنّ الثاني غيرُ الأوّل، فجاؤوا بالبدل فِرارًا من اللبْس، وطَلَبًا للإيجاز.
стр. 709
والبدل إمّا أن يكون الأوّلَ في المعنى، أو بعضَه، أو مشتمَلًا عليه، أو يكون على وجهِ الغَلَط.
فالأوّلُ: نحوُ قولك: "مررت بأخيك زيدٍ"، و"مررت برجلٍ صالحٍ زيدٍ"، فـ "زيدٌ" هو الأوّل، وقد أبْدَلَه منه للبيان. وذلك لجَوازِ أن يكون قد عرف أنّ له أخا, ولا يعرف أنَّه زيدٌ، أو يعرف زيدًا، ولا يعلم أنّه أخوه. وكذلك يجوز أن يكون يعرف زيدًا، ولا يعلم أنّه رجلٌ صالحٌ، أو يعرف أنّه رجل صالح، ولا يعرف أنّه زيدٌ، فجمع بينهما للبيان.
ومثله قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، فالصراط الثاني بدلٌ من الأول، وهو هو؛ لأن الصراط المستقيم هو صراطُ المُنْعَم عليهم.
وأمّا الثاني: وهو بدلُ الشيءَ من الشيء، وهو بعضُه، كقولك: "رأيت زيدًا وجهَه"، و"رأيت قومَك أكثرَهم، وثُلُثَيْهِم، وناسًا منهم"، و"صرفتُ وُجوهَها أولِها". فالثاني من هذه الأشياء بعضُ الأوّل، وأبدلتَه منه لُيعلَم ما قصدتَ له، ولِيَتنبّهَ السامعُ، فتثْبِت بقولك: "رأيت زيدًا وجهَه" موضعَ الرؤية منه، فصار كقولك: "رأيت وجه زيدٍ". وكذلك قولُك: "رأيت قومَك أكثرَهم، وثُلُثَيْهِم، وناسًا منهم"، بيَّنتَ مَن رأيتَ منهم. فـ "أكثرهم"، و"ثلثاهم" بعضُهم، وكذلك "ناسًا منهم". قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) فَـ "مَنْ" في موضعِ خفض؛ لأن المعنى "على من استطاع منهم". وتقول: "بِعْتُ طَعامَك بَعْضَه مَكِيلًا، وبعضَه مَوْزونًا". ويجوز أن ترفع، فتقول: "بعضُه مكيلٌ، وبعضه موزونٌ".
والفرقُ بينهما أنّك إذا نصبتَ، فقد أوقعتَ الفعلَ على البعض منفصِلًا من الآخر، فكأنّك قلت: "هذا البعضُ أسلفتُه بكذا كَيْلًا، وهذا البعضُ أسلفتُه بكذا وَزنًا". وإذا رفعتَ، فإنّما أوقعتَ الفعلَ على جملةِ الطعام الذي من صفته أنّ بعضَه مكيلٌ، وبعضَه موزونٌ. قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٣)، فهذا شاهدٌ في الرفع، ومن كلام العرب: "خَلَقَ الله الزَّرافَةَ يَدَيْها أطْوَل من رِجْلَيْها"، فهذا شاهدٌ في النصب، ولو قال: "يداها أطولُ من رجليها"، لجاز. ولا بد فيه من ضميرٍ يُعلّقه بالأول. فأمّا قولهم: "ضربتُ زيدًا اليَدَ والرَّجْلَ"، فالمرادُ: اليدَ والرجل منه، فحُذف الضمير للعلم به.
وأمّا الثالث: فهو بدل الاشتمال، نحوُ قولك: "سُلب زيدٌ ثوبُه"، و"أعجبني عمروٌ
стр. 710
علْمُه، وحسنُه، وأدبُه"، ونحوُها من المعاني. فالثاني بدلٌ من الأول، وليس إيّاه، ولا بعضَه، وإنَّما هو شيءٌ اشتمَل عليه. والمرادُ بالاشتمال أن يتضمّن الأوّلُ الثانيَ، فيُفهَم من فَحْوَى الكلام أنّ المراد غيرُ المُبْدَل منه. وذلك أنّك لمّا قلت: "أعجبني زيدٌ"، فُهم أنّ المُعجِب ليس زيدًا من حيث هو لَحْمٌ ودَمٌ، وإنّما ذلك معنى فيه.
وعِبْرةُ الاشتمال أن تصحّ العِبارةُ بلفظه عن ذلك الشيء، فيجوز أن تقول: "سُلب زيدٌ"، وأنت تريد ثوبَه، و"أعجبني زيدٌ"، وأنت تريد عِلْمَه وأدبَه ونحوَهما من المعاني. قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ (١)، فـ "النارُ" بدلٌ لأنّ الأُخدود مشتملٌ عليها. ومثله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٢)، فـ "القتالُ" بدلٌ من "الشهر الحرامِ"، وهو معنًى اشتمل عليه الشهرُ، وسُؤالُهم عن الشهر إنّما كان لأجلِ القتال فيه. ومن ذلك قول عَبْدَةَ بن الطبيب [من الطويل]:
٤٢٥ - فما كان قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ... ولكنَّه بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
فهذا يُنشَد على وجهَيْن: بالرفع في "هلك واحد"، والنصبِ. فأمّا الرفعُ فعلى أن تكون الجملةُ خبرًا لـ"كَانَ". وأمّا النصبُ فعلى أن يكون المفردُ خبرًا لـ"كَانَ"، ويكون "هُلْكُه" بدلًا من اسمِ "كان". فأمَّا قول الآخر [من الوافر]:
٤٢٦ - ذَرِينِي إن أمْرَكِ لَنْ يُطاعا ... وما ألفَيْتِنِي حِلْمِي مُضاعا
стр. 711
فهذا لا يكون إلَّا على البدل لأجلِ القافية.
ولا بدّ في بدل الاشتمال من عائدٍ أيضًا يربِطه بالأوّل، فأمَّا قوله [من الطويل]:
٤٢٧ - لَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيتُه ... تَقَضِّي لُباناتٍ ويَسْأمُ سائمُ
стр. 712
فالمراد "ثواء فيه"، إلَّا أنّه حُذف للعلم به. والثواءُ: الإقامةُ، والمرادُ في ثواءِ حَوْلٍ. وأمّا الرابع: وهو بدلُ الغَلَط والنسْيانِ، ومثلُ ذلك لا يكون في القرآن، ولا في شعرٍ. أمّا القرآن، فهو مُنزَّهٌ عن الغلط، وكذلك الشعرُ الفصيحُ, لأنّ الظاهر من حال الشاعر مُعاوَدةُ ما نَظَمَه، فإذا وجد غلطًا أصلحَه.
وإنّما يكون مثلُه في بَدْأةِ الكلام، وما يجيء على سبيلِ سَبْقِ اللسان إلى ما لا يريده، فيُلْغِيه، حتى كأنّه لم يذكُره، وذلك نحوُ: "مررت برجلٍ حِمارٍ"، كأنّك أردت أن تقول: "مررت بحمارٍ"، فسبق لسانُك إلى ذكرِ "الرجل"، فتَداركتَ، وأبدلتَ منه ما تريده. والأولى أن تأتي بـ "بل" للإضراب عن الأوّل.
فصل [فائدته]
قال صاحب الكتاب: وهو الذي يعتمد بالحديث, وإنما يذكر لنحو من التوطئة, وليفاد بمجموعهما فضل تأكيدٍ وتبيين, لا يكون في الإفراد. قال سيبويه (١) عقيب ذكره أمثلة البدل: "أراد: رأيت أكثر قومك وثلثي قومك", و"صرفت وجوه أولها", ولكنه ثنى الاسم توكيدًا". وقولهم: "إنه في حكم تنحية الأول" إيذانٌ منهم باستقلاله بنفسه, ومفارقته التأكيد والصفة في كونهما تتمتين لما يتبعانه, لا أن يعنوا إهدار الأول واطراحه. ألا تراك تقول: "زيدٌ رأيت غلامه رجلاً صالحًا", فلو ذهبت تهدر الأول, لم يسد كلامك.
* * *
قال الشارح: الذي عليه الاعتماد من الاسمَيْن أعني البدلَ والمُبْدَلَ منه هو الاسمُ الثاني، وذكرُ الأول تَوْطِئَةً لبيانِ الثاني. يدلّ على ذلك ظهورُ هذا المعنى في بدلِ البعض، وبدلِ الاشتمال. ألا ترى أنّك إذا قلت: "ضربتُ زيدًا رأسَه"، فالضرب إنّما وقع برأسه دون سائره، وكذلك قولُك: "سُرق زيدٌ مالُه"، إنّما المسروقُ المالُ دون زيدٍ.
ولذلك قدّر سيبويه هذا المعنى بقوله عَقِيبَ ذِكْره أمثلةَ البدلِ: "أراد رأيت أكثرَ قومِك، وثُلُثَيْ قومِك، وصرفت وجوهَ أولِها"، كأنّه أراد أنّ المعنى متعلِّقٌ بالثاني حتّى لو تركتَه، ولم تذكره، لألبسَ. ألا ترى أنّك لو قلت: "ضربتُ زيدًا"، وسَكَتَّ، لَظَنَّ المخاطبُ أنّ الضرب وقع بجُمْلته، ولم يختص عُضْوًا منه؟ فعلمتَ بذلك أنّ المعتمَد بالحديث هو الاسمُ الثاني، والأوّلُ بيانٌ، فالبيانُ في البدل مقدَّمٌ، وفي النعت والتأكيدِ مؤخَّرٌ.
واعلم أنّه قد اجتمع في البدل ما افترق في الصفة والتأكيدِ, لأن فيه إيضاحًا
стр. 713
للمُبدَل، ورَفْعَ لبسٍ كما كان ذلك في الصفة. وفيه رفعُ المَجاز، وإبطالُ التوسّع الذي كان يجوز في المبدل منه، ألا ترى أنّك إذا قلت جاءني أخوك، جاز أن تريد كِتابَه، أو رَسُولَه، فإذا قلت: "زَيْدٌ"، زال ذلك الاحتمالُ، كما لو قلت: "نفسُه"، أو"عينُه"؟
فلذلك قال صاحبُ الكتاب: "ولِيُفاد بمجموعهما فضلُ تأكيدٍ وتبيينٍ، لا يكون في الإفراد"، يعني أنّه حصل باجتماعِ البدل والمبدل منه من التأكيد ما يحصلُ بالنفس، والعين، ومن البيان ما يحصل بالنعَت. ولو انفرد كل واحد من البدل، والمبدل منه، لم يحصل ما حصل باجتماعهما، كما لو انفرد التأكيدُ والمؤكَّدُ، أو النعتُ والمنعوتُ، لم يحصل ما حصل باجتماعهما.
وقول النحويّين: إِنّه في حكمِ تَنْحِيَةِ الأوّل الذي هو المبدلُ منه ووَضْعِ البدل مكانَه، ليس ذلك على معنَى إلغائه، وإزالةِ فائدته، بل على معنى أنّ البدل قائمٌ بنفسه، وأنّه معتمَدُ الحديث، وليس مُبيّنًا للمبدَل منه كتَبْيينِ النعت الذي هو من تمام المنعوت. والدليلُ على أنّ المبدل منه ليس بمُلْغىً، ولا مطّرَحًا، أنّك تقول: "زيدٌ رأيتُ أباه عمرًا"، فتجعل "عمرًا" بدلًا من "أباه". فلو كان المبدلُ مطّرحًا، لكان تقديرُ الكلام: "زيد رأيتُ عمرًا"، فتبقى الجملةُ التي هي خبرٌ بلا عائدٍ، وذلك ممتنِعٌ. وممّا يدلّ أيضًا على أنه ليس مُلْغى قولُ الشاعر [من الكامل]:
٤٢٨ - فكأنّه لَهِقُ السَّراةِ كأنّه ... ما حاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بسَوادِ
فصل [الدلالة علي استقلاليته]
قال صاحب الكتاب: والذي يدل على كون مستقلاً بنفسه أنه في حكم تكرير العامل, بدليل مجيء ذلك صريحاً في قوله : ﴿الذين استضعفوا لمن آمن
стр. 714
منهم﴾ (١) , وقوله: ﴿لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة﴾ (٢). وهذا من بدل الإشتمال.
* * *
قال الشارح: وقد أكّد صاحبُ الكتاب كونَ البدل مستقِلاًّ بنفسه، وأنّه ليس من تَتِمَّةِ الأوّل كالنعت، بكونه في حكمِ تكريرِ العامل.
وذلك أنّك إذا قلت: "مررت بأخيك زيدٍ"، تقديرهُ: مررت بأخيك بزيدٍ. وإذا قلت: رأيتُ أخاك زيدًا"، فتقديرهُ: رأيتُ أخاك رأيتُ زيدًا. فذلك المقدَّرُ هو العاملُ في البدل، إلَّا أنّه حُذف لدلالةِ الأوّل عليه، فالبدلُ من غيرِ جملةِ المبدل منه - هذا مذهبُ أبي الحسن الأخفش وجماعةٍ من مُحقِّقي المتأخّرين، كأبي علي، والرُّمانيّ، وغيرِهم.
والحُجَّةُ لهم في ذلك أنّه قد ظهر في بعضِ المواضع، فمن ذلك قوله تعالى: و ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (٣)، فقوله: "لمن آمن منهم" بدلٌ من "الذين استضعفوا"، وهو بدلُ البعض؛ لأنّ المؤمنين بعضُ المستضعفين.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٤)، فقوله: "لبيوتهم" بدلٌ مِن "لِمَنْ يكفر بالرَّحمن"، وهو بدلُ الاشتمال، وقد أظهر العاملَ. قالوا: فلو كان العاملُ في البدل هو العاملَ في المبدل منه، لأدَّى ذلك إِلى مُحال، وهو أن يكون قد عمل في الاسم عاملان، وهما اللامُ الأُولى، واللامُ الثانية، إذ حروفُ الخفض لا تُعلَّق عن العمل. وقيل لأبي عليّ: كيف يكون البدلُ إيضاحًا للمبدل منه، وهو من غيرِ جملته؟ فقال: لمّا لم يظهَر العاملُ في البدل، وإنّما دلَّ عليه العاملُ في المبدل منه، واتصل البدلُ بالمبدل منه في اللفظ , جاز أن يوضِحه.
وذهب سيبويه، وأبو العباس محمّدُ بن يزيد، والسِّيرافيُّ من المتأخّرين إلى أنّ العامل في البدل هو العاملُ في المبدل منه، كالنعت، والتأكيدِ، وذلك لتعلُّقهما به من طريق واحد؛ وأمّا ظهورُ العامل في بعض المواضع، فقد يكون توكيدًا كما يتكرّر العاملُ في الشيء الواحد، كقوله [من البسيط]:
٤٢٩ - [قالتْ بنو عامرٍ: خالوا بني أسدٍ] ... يا بُؤْسَ للجَهْل ضَرّارًا لأقوامِ
стр. 715
فاللام زائدةٌ مؤكّدةٌ للإضافة. ولولا إرادةُ الإضافة، لكان "يا بؤسًا" منوَّنًا. ومن تَكرارِ العامل للتأكيد قولُه تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (١)، فموضعُ "أنَّ" الثانيةِ موضعُ "أنَّ" الأُولى، وإنّما كرَّرت للتأكيد. وقولُه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٢)، فـ "أنَّ" الثانيةُ مُكرَّرة تأكيدًا، فكذلك ههنا يجوز أن يكون تكريرُ الحرف تأكيدًا, ولو كان العاملُ مقدَّرًا، لَكثُر ظهورُه، وفَشَا استعمالُه. وفي عدمِ ذلك دليلٌ على ما ذكرناه. والمذهب الأوّل، وعليه الأكثرُ، ويُؤيِّده قولُك: "يا أخانا زيدُ" بالضمّ لا غيرُ. ولو (٣) كان العاملُ الأوّلَ، لوجب نصبُه كالنعت، وعطفِ البيان، فاعرفه.
فصل [عدم اشتراط المطابقة بين البدل والمبدل منه في التعريف والتنكير]
قال صاحب الكتاب: وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفاً وتنكيراً, بل لك أن تبدل أي النوعين شئت من الآخر. قال الله : ﴿إلى صراط مستقيم صراط الله﴾ (٤) وقال: ﴿بالناصية ناصية كاذبة﴾ (٥)، خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كـ "ناصية".
* * *
قال الشارح: ليس الأمرُ في البدل والمبدل منه كالنعت والمنعوت, فيلزمَ تطابُقُهما
стр. 716
في التعريف والتنكير، كما كان ذلك في النعت؛ لأنّ النعت من تمامِ المنعوت، وتَحْليةٌ له، والبدلُ منقطِعٌ من المبدل منه، يقدَّر في موضعِ الأوّل على ما ذكرنا. فلذلك يجوز بدلُ المعرفة من المعرفة، والنكرةِ من المعرفة، والنكرِة من النكرة، والمعرفةِ من النكرة.
فمثالُ الأول: - وهو بدل المعرفة من المعرفة - قولك: "مررت بأخيك زيدٍ"، فـ "زيدٌ" بدل من "الأخ"، وكلاهما معرفةٌ. ومثلُه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، فالصراطُ الأوّلْ معرفةٌ باللام، والثاني معرفةٌ بالإضافة، وقد أُبدل منه لتأكيد البيان.
ومثالُ الثاني: -وهو بدلُ النكرة من المعرفة - قولُك: "مررت بأخيك رجلٍ صالحٍ"، فـ "رجلٌ صالحٌ" نكرةٌ، وهو بدلٌ من "الأخ".
قال الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (٢)، فـ "ناصيةٌ" نكرةٌ، وقد أُبدلت من الناصية الأُولى، وهي معرفةٌ.
ولا يحسن بدلُ النكرة من المعرفة حتّى توصَف، نحوَ الآية, لأنّ البيان مرتبِطٌ بهما جميعًا.
ومثالُ الثالث: - وهو بدلُ النكرة من النكرة - قولة تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ (٣)، فقولُه: "مفازًا" نكرةٌ، وقد أبدل من النكرة وهو"حدائق"، ومثله قول الشاعر [من الطويل]:
٤٣٠ - وكُنْتُ كذِي رِجْلَيْن رِجْل صَحِيحَةٍ ... ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ
стр. 717
فأبدل قولَه: "رجلٍ صحيحةٍ" من قوله: "رجلَيْن"، وكلاهما نكرةٌ.
ومثالُ الرابع: - وهو بدلُ المعرفة من النكرة - قولُك: "مررت برجلٍ زيدٍ". قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (١)، فالثاني معرفةٌ بالإضافة، وقد أبدله من الأوّل، وهو نكرةٌ فاعرفه.
فصل [إبدال الاسم الظاهر من الضمير]
قال صاحب الكتاب: ويبدل المظهر من المضمر الغائب دون المتكلم والمخاطب, تقول: "رأيته زيداً"، و"مررت به زيدٍ" و"صفت وجوهها أولها": ولا تقول: "بي المسكين كان الأمر", ولا "عليك الكريم المعول". والمضمر من المظهر, نحو قولك: "رأيت زيداً إياه", و"مررت بزيد به", والمضمر من المضمر, كقولك: "رأيتك إياك", و"مررت بك بك".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ البدل يتجاذبُه شَبَهان: شبهٌ بالنعت ,وشبهٌ بالتأكيد، فكما أنّ المضمرات تؤكَّد، فكذلك يُبدَل منها، فهو في ذلك كالمظهر، وليس الأمرُ فيه كالنعت على ما تقدّم. وهو في ذلك على ثلاثةِ أضرب: بدلُ مُظْهَرٍ من مضمر، ومضمرٍ من مظهر، ومضمرٍ من مضمر.
فمثالُ الأوّل: - وهو بدل المظهر من المضمر- قولك: "رأيتُه زيدًا". وإذا جرى ذكرُ قومٍ، قلت: "أكرموني إخْوَتُك". ومثلُه قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢) في أحدِ الوجوه (٣). ومثلُه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (٤)، فـ "الّذِين ظلموا" بدلٌ من المضمر، وكذلك "كَثِيرٌ". وهذا من بدل الشيء من الشيء، وهما لعَيْنٍ واحدةٍ.
стр. 718
وتقول: "صرفتُ وجوهَها أوّلِها"، فـ "أوّلها" بدلٌ من المضمر المجرور الذي أضفتَ "الوجوه" إليه، وهذا من بدلِ البعض من الكلّ؛ لأنّ الأوّل بعضُ وجوهِ الإبل. وممّا جاء في التنزيل من ذلك: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (١)، أي: ذِكْرَهُ، وهو بدلٌ من الهاء في "أنسانيه". والمعنى: وما أنساني ذِكْرَه إلَّا الشيطانُ. ومن ذلك قول الشاعر [من الطويل]:
٤٣١ - على حالَةٍ لو أنَّ في القَوْم حاتِمًا ... على جُودِه لَضَنَّ بالماء حاتِمٍ
جرّ "حاتمًا" لمّا جعله بدلًا من الهاء في "جوده".
وأمّا الثاني، وهو بدلُ المضمر من المظهر، فقولك: "رأيت زيدًا إيّاه"، فـ "إياه" مضمر "زيد" ظاهرٌ، وقد أُبدل منه للبيان. ومن ذلك "مررت بزيدٍ به"، الهاءُ ضميرٌ مجرورٌ، وقد أبدله من "زيد" وأعاد الجارَّ، لأنّه لا منفصِلَ للمجرور، والمتّصلُ لا يقوم بنفسه.
وأمّا الثالث، وهو بدلُ المضمر من المضمر، فنحوُ ذلك: "رأيتُه إيّاه"، فـ "إيّاه" ضميرٌ منفصلٌ، وهو بدلٌ من الهاء في "رأيتهُ"، وهو ضميرٌ متّصلٌ. وساغ ذلك, لأنّ الضمير المنفصل يجري عندهم مجرَى الأجنبيّ، ألا ترى أنّهم لا يُجيزون "ضربتُني"، ويجيزون "ما ضربتُ إلَّا إيّايَ"، و"إيَّايَ ضربتُ"؟
وتقول: "مررت به به"، فالضمير الثاني بدلٌ من الأوّل، وأعدتَ حرفَ الجرّ، لِما ذكرنا من أنّ المجرور لا منفصلَ له. والأقربُ في هذا أن يكون تأكيدًا، لا بدلًا، لأنّك إذا أبدلتَ اسمًا من اسمٍ، وهما لعينٍ واحدةٍ، كان الثاني مُرادِفًا للأوّل، لِيعلم السامعُ بمَجْموعهما. فأما إعادة اللفظ بعينه، فمن قبيل التأكيد.
стр. 719
واعلمْ أنّ المضمراتِ كلَّها لك أن تُبدِل منها إلَّا ضميرَ المتكلَّم والمخاطب، فلا يحسن البدلُ من كلِّ واحد منهما عند أكثرِ النحويين، لو قلت: "مررتُ بك زيدٍ"، أو "مررتَ بي زيدٍ" أو"بي المِسكينِ"، كان الأمرُ لم يجز شيءٌ من ذلك؛ لأنّ الغرض من البدل البيانُ، وضميرُ المخاطب والمتكلّم في غايةِ الوضوح، فلم يحتج إلى بيان. وقد أجاز ذلك أبو الحسن الأخفشُ، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١)، فقولُه "الذين خسروا أنفسهم" عنده بدلٌ من الكاف والميمِ، وهو ضميرُ المخاطبين. ولا دليلَ قاطعَ في ذلك, لأنّه يحتمِل أن يكون "الذين خسروا أنفسهم" مبتدأً مستأنَفًا, وخبرُه "فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ"، وقد أجمعوا في جوازِ ذلك في بدل الاشتمال، نحوِ قول الشاعر [من الوافر]:
ذَرِينِي إنّ أمْرَكِ لن يُطاعا ... وما ألْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضاعا (٢)
وربّما جاء أيضًا في بدل البعض، نحوِ قوله [من الرجز]:
٤٣٢ - أوْعَدَنِي بالسِّجن والأداهِمِ ... رِجلِي فرِجلِي شَثْنَةُ المَناسِمِ
стр. 720
فقوله: "حِلْمِي" بدلٌ من الياء في "ألفيتني"، وهو منصوبٌ من قبيلِ بدل الاشتمال، وكذلك "رِجلِي" بدلٌ من "الياء" في "أوعدني"، والضميران للمتكلّم. وساغ ذلك هنا لأنّ فيه إيضاحًا، إذ كان الثاني ممّا يشتمِل عليه الأوّلُ، أو بعضًا منه، وهو المرادُ بالكلام، ولا تعلمُ كلَّ واحد منهما إلَّا ببيانٍ. فأمّا تمثيلُه بقوله: "رأيتُك أيّاك"، و"مررت بك بك"، فمن قبيلِ إبدالِ الشيء من الشيء، وهو هو، إلَّا أنّه أعاد حرفَ الجرّ؛ لأنّ المجرور لا منفصلَ له، فاعرفه.
стр. 721
عطفُ البَيان
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: هو اسمٌ غير صفة يكشف عن المراد كشفها، وينزل من المتبوع منزلة الكلمة المستعملة من الغريبة إذا تُرجمت بها. وذلك نحو قوله [من الرجز]:
٤٣٣ - أقسم بالله أبو حفصٍ عمر ... [ما إن بها من نقبٍ ولا دبر]
أراد عمر بن الخطاب ﵁, فهو كما ترى جارٍ مجرى الترجمة حيث كشف عن الكنية, لقيامه بالشهرة دونها.
* * *
قال الشارح: عطفُ البيان مجراه مجرَى النعت، يُؤْتَى به لإيضاحِ ما يجري عليه،
стр. 722
وإزالةِ الاشتراك الكائنِ فيه، فهو من تَمامه كما أنّ النعت من تمام المنعوت، نحوَ قولك: "مررت بأخيك زيدٍ"، بيّنتَ "الأخ" بقولك "زيدٍ"، وفصلتَه من أخٍ آخرَ ليس بزيد، كما تفعل الصفةُ في قولك: "مررت بأخيك الطويلِ"، تفصِله من أخ آخر ليس بطويل. ولذلك قالوا: إن كان له إخوَةٌ، فهو عطفُ بيان، وإن لم يكن له أخٌ غيرُه، فهو بدلٌ.
وهو جارٍ على ما قبله في إعرابه كالنعت: إن كان مرفوعًا، رفعت، وإن كان منصوبًا، نصبتَ، وإن كان مجرورًا، خفضتَ، إلا أنّ النعت إنّما يكون بما هو مأخوذٌ من فعلٍ، أو حِلْيةٌ، نحوُ: "ضارب" و"مضروب",و"عالمِ"، و"معلوم"، و"طويل"، و"قصير"، ونحوِها من الصفات. وعطفُ البيان يكون بالأسماء الصريحةِ غيرِ المأخوذة من الفعل كالكُنَى والأعلامِ، نحوِ قولك: "ضربتُ أبا محمّد زيدًا"، و"أكرمْتُ خالدًا أبا الوليد"، بيّنتَ الكنية بالعَلَم، والعلمَ بالكنية، قال الراجز:
أقْسَمَ بِاللَّه أبو حَفْصٍ عُمَرْ
البيت لرُؤبَةَ وبعده:
ما إن بها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ ... اِغْفِرْ له اللهُمَّ إنْ كان فَجَرْ
يريد عمرَ بن الخَطّاب، ﵁. والشاهدُ أنّه بَيَّنَ الكنية حين تَوهّم فيها الاشتراكَ بقوله: "عُمَرْ"، إذ كان العَلَمُ فيه أشهرَ من الكنية.
وهذا معنى قوله: "لقِيامه بالشُّهْرة دونها"، يريد: لقِيام الثاني إن عَلَمًا وإِن كنية، فالصفة تتضمّن حالًا من أحوال الموصوف يتميّز بها، وعطفُ البيان ليس كذلك، إنّما هو تفسيرُ الأوّل باسم آخر مُرادِفٍ له، يكون أشهرَ منه في العُرْف والاستعمالِ، من غيرِ أن يتضمّن شيئًا من أحوالِ الذات.
وهذا معنى قوله: "ينزل من المتبوع منزلةَ الكلمة المستعمَلة من الغريبة إذا تُرْجمتْ بها"، أي: إذا فُسرت بها. وجملةُ الأمر أنّ عطف البيان يُشْبِه الصفةَ من أربعةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنّ فيه بيانًا للاسم المتبوع كما في الصفة.
الثاني: أن العامل فيه هو العاملُ في الأوّل المتبوع، بدليلِ قولك: "يا زيدُ زيدٌ وزيدًا" بالرفع على اللفظ، والنصبِ على الموضع، كما تقول: "يا زيدُ الظريفُ، والظريفَ"، و"يا عبدَ الله زيدًا" بالنصبَ، كما تقول: "يا عبدَ الله الظريفَ".
الثالثُ: أنّه جارٍ عليه في تعريفه كالصفة.
الرابعُ: امتناعُه أن يجري على المضمر كما يمتنِع من الصفة. ويُفارِقها من أربعةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنّ النعت بالمشتقّ أو ما ينزِل منزلةَ المشتقّ على ما تقدّم، ولا يلزم ذلك في عطف البيان؛ لأنّه يكون بالجَوامِد.
стр. 723
الثاني: أنّ عطف البيان لا يكون إلَّا في المعارف، والصفةُ تكون في المعرفة والنكرة.
الثالثُ: أن النعت حكمُه أن يكون أعمَّ من المنعوت، ولا يكون أخصّ منه، ولا يلزم ذلك في عطف البيان. ألا ترى أنّك تقول: "مررتُ بأخيك زيدٍ" و"زيدٌ" أخصُّ من أخيك؟
الرابعُ: أن النعت يجوز فيه القطعُ، فينتصبُ بإضمار فعلٍ، أو يرتفع بإضمار مبتدأ، ولا يجوز ذلك في عطف البيان، فاعرفه.
فصل [الفرق بين عطف البيان والبدل]
قال صاحب الكتاب: والذي يفصله لك من البدل شيئان أحدهما قول المرار [من الوافر]:
٤٣٤ - أنا ابن التارك البكري بشرٍ ... عليه الطير ترقبه وقوعا
لأن بشرًا لو جعل بدلًا من "البكري" والبدل في حكم تكرير العامل, لكان "التارك" في التقدير داخلا على "بشر". والثاني أن الأول ههنا هو ما يعتمد بالحديث، وورود الثاني من أجل أن يوضح أمره, والبدل على خلاف ذلك, إذ هو كما ذكرت المعتمد بالحديث, والأول كالبساط لذكره.
* * *
стр. 724
قال الشارح: عطفُ البيان له شَبَه ببدلِ الشيء من الشيء، وهو هو من حيث أنّ كلّ واحد منهما تابعٌ، وأنّ الثاني هو الأوّل في الحقيقة. فلذلك تَعرّضَ للفصل بينهما. وجملةُ الأمر أنّ عطف البيان يُشْبه البدل من أربعة أوجهٍ:
أحدها: أن فيه بيانًا كما في البدل.
الثاني: أنّه يكون بالأسماء الجوامِد كالبدل.
الثالثُ .... الرابعُ: أن يكون لفظُه لفظ الاسم الأوّل على جهةِ التأكيد كما كان في البدل كذلك، كقولك: "يا زيدُ زيدٌ زيدًا"، كما تقول "يا زيدُ زيدُ". وعلى ذلك قول رُؤْبَة [من الرجز]:
إنّي وأسّطارٍ سُطِرْنَ سَطرَا ... لَقائلٌ يا نَصرُ نصرٌ نصرَا (١)
ويُفارِقه من أربعةِ أوجهٍ:
أحدها: أنّ عطف البيان في التقدير من جملة واحدة بدليل قولهم: "يا أخانا زيدًا"، والبدلُ في التقدير من جملةٍ أخرى على الصحيح بدليل قولهم: "يا أخانا زيدُ".
الثاني: أنّ عطف البيان يجري على ما قبله في تعريفه، وليس كذلك البدلُ, لأنّه يجوز أن تُبدَل النكرة من المعرفة، والمعرفةُ من النكرة، ولا يجوز ذلك في عطف البيان.
الثالثُ: أنّ البدل يكون بالمظهر والمضمر، وكذلك المبدل منه، ولا يجوز ذلك في عطف البيان.
الرابعُ: أنّ البدل قد يكون غيرَ الأوّل، كقولك: "سلب زيدٌ ثَوْبُه"، وعطفُ البيان لا يكون غيرَ الأوّل. وتَبيَّن الفرقُ بينهما بيانًا شافيًا في موضعَيْن:
أحدُهما: النداء، نحو قولك: "يا أخانا زيدًا"، ولو كان بدلًا، لقلت "يا أخانا زيدُ" بالضمّ، ولم يجز نصبُه، ولا تنوينُه؛ لأنّه من جملةٍ أخرى غيرُ الأوّل، كأنّك قلت: "يا أخانا يا زيدُ"، فالعاملُ الذي هو"يا" في حكم التكرير. وكذلك تَبيّن الفرقُ بينهما في، قولك: "أنا الضارب الرجلِ زيدٍ"، إن جعلتَ "زيدًا" عطفَ بيانٍ، جازت المسألةُ، وإن جعلته بدلًا، لم تجز؛ لأن حَدّ عطف البيان أن تجرى الأسماء الصريحةُ مجرى الصفات، فيعمل فيه العاملُ، وهو في موضعه، بواسطةِ المتبوع، والبدلُ يعمل فيه العاملُ على تقديرِ تَنْحِيَةِ الأوّل، ووَضْعِه موضعَه مباشِرًا للعامل.
فأمَّا قولُ المَرّار الأسَديّ [من الوافر]:
أنا ابن التارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ ... إلخ
стр. 725
فإنّ الشاهد فيه أنّه أضاف "التارك" إلى "البكريّ" على حدّ "الضارب الرجلِ"، تشبيهًا بـ "الحسن الوجهِ"، وخَفَضَ "بشرًا" عطفَ بيانٍ على "البكريّ"، وأجراه عليه جَرْيَ الصفة على الموصوف.
هذا مذهبُ سيبويه (١)، ولو كان بدلًا، لم يجز "التاركِ بشرٍ"؛ لأنّ حكمَ البدل أن يُقدَّر في موضعِ الأوْل. وقد أنكر أبو العبّاس محمّد بن يزيد جوازَ الجر في "بشرٍ" عطفَ بيان كان، أو بدلًا، وكان يُنشِد البيتَ:
أنا ابنُ التاركِ البكريّ بشرا
بالنصب. والقولُ ما قاله سيبويه، للسَّماع والقياس. فأمّا السماعُ، فإنّ سيبويه رواه مجرورًا. قال: سمعناه ممّن يُوثَق به عن العرب (٢). ولا سبيلَ إلى رَدّ روايةِ الثقة. وأمّا القياس، فإنّ عطف البيان تابعٌ كالنعت، وقد يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، ألا ترى أنّك تقول: "يا أيُّها الرجلُ ذو الجُمَّة"، فتجعل "ذو الجُمّة نعتًا" للرجل، ولا يجوز أن يقع موقعَه؟ وكذلك تقول: "يا زيدُ الطويلُّ"، ولا يجوز: "يا الطويلُّ". وأمّا معنى البيت، فإنّه وصف أباه بأنّه صرع رجلًا من بَكْرٍ، فوقعتْ عليه الطّيْرُ، وبه رَمَقٌ، فجعلتْ ترقُب موتَه لِتتناولَ منه. و"الوقوعُ" جمعُ "واقعٍ" كـ"جالِسٍ"، و"جُلُوسٍ"، وهو ضِدُّ الطائر. ونصبُه على الحال، إمّا من المضمر المَستكِنّ في "عَلَيْهِ"، وإمّا من المضمر المرفوع في "ترقبه".
ومن الفصل بين البدل وعطف البيان أن المقصود بالحديث في عطف البيان هو الأوّلُ، والثاني بيانٌ كالنعت المستغنى عنه، والمقصودُ بالحديث في البدل: هو الثاني؛ لأنّ البدل والمبدل منه اسمان بإزاء مسمَّى مترادِفان عليه. والثاني منهما أشهر عند المخاطب، فوقع الاعتمادُ عليه، وصار الأوّلُ كالتَّوْطِئَة والبِساطِ لذكرِ الثاني، وعلى هذا لو قلت: "زوّجتُك بِنْتِي فاطمةَ"، وكانت عائشَةَ، فإن أردتَ عطفَ البيان، صحّ النكاحُ؛ لأن الغَلَط وقع في البيان، وهو الثاني، وإن أردت البدلَ لم يصح النكاحُ؛ لأنّ الغلط وقع فيما هو معتمَدُ الحديث، وهو الثاني فاعرفه.
стр. 726
العطف بالحرف
فصل
قال صاحب الكتاب: هو نحو قولك: "جاءني زيدٌ وعمرو", وكذلك إذا نصبت, أو جررت. يتوسط الحرف بين الاسمين, فيشركهما في إعراب واحد, والحروف العاطفة تذكر في مكانها ان شاء الله.
* * *
قال الشارح: هذا الضرب هو الخامسُ من التوابع، ويُسمَّى عطفًا بحرفٍ, ويسمّى نَسَقًا، فالعطفُ من عباراتِ البصريين، والنسقُ من عبارات الكوفيين. ومعنى العطف الاشتراكُ في تأثيرِ العامل. وأصلُه المَيْلُ، كأنّه أُميل به إلى حَيّزِ الأوّل، وقيل له نسقٌ لمُساواته الأوّل في الإعراب. يقال: ثَغرٌ نَسَقٌ، إذا تَسَاوت أسنانُه، وكلامٌ نسقٌ، إذا كان على نظام واحد. ولا يتبع هذا الضربُ إلَّا بوسيطةِ حرف، نحو: "جاءني زيدٌ وعمروٌ"، فعمروٌ تابعٌ لزيد في الإعراب بواسِطَة حرف العطف الذي هو الواوُ.
وكذلك النصب والجرّ، نحو قولك: "رأيت زيدًا وعمرًا"، و"مررت يزيد وعمرو"، وإنَّما كان هذا الضربُ من التوابع لا يتبع إلَّا بتوسُّطِ حرف من قِبَل أنّ الثاني فيه غيرُ الأوّل، فلم يتّصِل إلّا بحرف، إذ كان يأتي بعدَ أن يستوفِيَ العاملُ عملَه، وهو غيرُ الأوّل، فلم يتّصل إلّا بحرف. وأمّا ما كان الثاني فيه الأول، فيتصل بغيرِ حرف كالنعت، وعطف البيان، والتأكيد، والبدلِ، وإن كان يأتي في البدل ما الثاني فيه ليس الأولَ، إلّا أنّه بعضُه، أو معنًى يشتمل عليه، وهو ضميرٌ يُعلَّقه بالأوّل، فلذلك لم يحتج إلى حرف، فأمّا الغلطُ، فليس بقياسٍ مع أنّ البدل مستقِلٌّ بالحديث، ليس في حكم التَّبَع، وإن كان ظاهرُ لفظه يُشعِر بالتَّبَعية.
فأمّا أدوات العطف، فتُذكَر في قِسْم الحروف وفاءً بترتيبِ الكتاب، فاعرفه.
فصل [عطفُ الضمير والعطف عليه]
قال صاحب الكتاب: والمضمر منفصله بمنزلة المظهر: يُعطف ويعطف عليه، تقول جاءني زيد وأنت، ودعوت عمراً وإياك، وما جاءني إلا أنت وزيد، وما رأيت إلا إياك وعمراً. وأما متصله فلا يتأتى أن يعطف ويعطف عليه، خلا أنه يشرط
стр. 727
في مرفوعه أن يؤكد بالمنفصل. تقول ذهبت أنت وزيد، وذهبوا هم وقومك، وخرجنا نحن وبنو تميم. وقال تعالى: ﴿فاذهب أنت وربك﴾ (١) وقول عمر بن أبي ربيعة [من الخفيف]:
٤٣٥ - قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وزُهرْ تَهادَى ... [كنِعاجِ الفلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا]
من ضرورات الشعر، وتقول في المنصوب: "ضربتُك وزيدًا" ولا يقال: "مررتُ به وزيدٍ", ولِكن يُعِاد الجار، وقِراءةُ حَمزَةَ: ﴿والأرحَامِ﴾ (٢) ليست بتلك القَوِيةِ.
* * *
قال الشارح: الأسماء في عطفها والعطفِ عليها على أربعةِ أضربٍ: عطفُ ظاهرٍ على ظاهرٍ مثله، وعطفُ ظاهر على مضمر، وعطفُ مضمر على مضمر، وعطفُ مضمر على ظاهر.
فأمّا عطف الظاهر على الظاهر، فعلى ضربَيْن: أحدهما: أن تعطِف مفردًا على مفرد، نحو: "جاءني زيدٌ وعمرٌو"، و"رأيت زيدًا وعمرًا"، و"مررت بزيد وعمرو". عطفتَ "عمرًا" على "زيد"، وكلاهما مفردٌ. والغرضُ من ذلك اختصارُ العامل، واشتراكُ
стр. 728
الثاني في تأثيرِ العامل الأوّل. فإذا قلت: "قام زيدٌ وعمرٌو"، فأصله: قام زيدٌ قام عمرٌو، فحذفت "قام" الثانية لدلالة الأُولى عليها، وصار الفعل الأوّلُ عاملًا في المعطوف والمعطوف عليه. هذا مذهبُ سيبويه وجماعةٍ من المحققين، وكان غيره يزعم أنّ العامل في الاسم المعطوف عليه العاملُ المذكورُ. والعاملُ في المعطوف حرفُ العطف بحُكْمِ نِيَابَته عن المحذوف، وهو رأيُ أبي عليّ. فإذا قلت: "قام زيدٌ وعمرٌو"، فالعامل في "زيد" العامل الأوّلُ، والعاملُ في "عمرو" حرفُ العطف. وقال آخرون: العاملُ في المعطوف المحذوفُ، فإذا قلت: "ضربتُ زيدًا وعمرًا"، فالمراد: وضربتُ عمرًا، فحذفت الثانية لدلالةِ الأوُلى عليه، وبقي عملُه في "عمرًا" على ما كان، كما قلت: "زيدٌ عندك" وأصلُه: استقرَّ عندك، ثم حُذفت "استقرّ" لدلالةِ الظرف عليه، وبقي عملُه فيه على ما كان، كذلك ههنا.
والآخر عطفُ جملة على جملة، نحو: "قام زيدٌ، وقعد عمرٌو"، و"زيدٌ منطلقٌ، وبكرٌ قائمٌ"، ونحوها من الجُمَل. والغرضُ من عطف الجمل رَبْطُ بعضها ببعضٍ، واتصالُها، والإيذانُ بأنّ المتكلم لم يُرِد قَطْعَ الجملة الثانية من الأُولى، والأَخْذَ في جملةٍ أخرى ليست من الأُولى في شيءٍ. وذلك إذا كانت الجملةُ الثانيةُ أجنبِيّةٌ من الأولى غير ملتبِسة بها، وأُريد اتّصالُها بها، فلم يكن بدٌّ من الواو لرَبْطها بها؛ فأمّا إذا كانت ملتبسةٌ بالأَولى بأن تكون صفة، نحو: "مررت برجل يقوم"، أوَ حالًا، نحو: "مررت بزيدٍ يكتُب"، ونحوها, لم تحتج إلى الواو، فاعرفه.
وأمّا المضمر فعلى ضربَيّن: منفصلٌ ومتّصلٌ. فالمنفصلُ بمنزلةِ الظاهر. والمراد بالمنفصل عدمُ اتّصاله بالعامل فيه، نحو: "أنَا"، و"أنْتَ"، و"هُوَ"، وستُذكَر في موضعها، وإنما كانت بمنزلةِ الظاهر لعدمِ اتّصالها بما يعمل فيها، واستقلالِها بأنفسها كما كانت الظاهرةُ كذلك. والذي يُؤيِّد عندك ذلك أنّك تقول: "إيّاك ضربتَ"، و"إيايَ ضربتُ"، كما تقول: "ضربتَ نفسَك"، و"ضربتُ نفسي"، ولا تقول: "ضربتُني"، ولا "ضربتَك" لاتّحادِ الفاعل والمفعول بالكُلّية، وإذ كان الضميرُ المنفصلُ عندهم جاريًا مجرى الظاهر، ومتنزِّلًا منزلتَه، كان حكمُه كحُكْمه، فلذلك تعطِفه، وتعطف عليه كما تفعل بالأسماء الظاهرة، فتقول في عطفِ الظاهر على المضمر: "أنت وزيدٌ قائمان"، و"إيّاك أكرمتُ وعمرًا"، وتقول في عطف المضمر على الظاهر: "زيدٌ وأنت قائمان"، و"ضربتُ زيدًا وإيّاك". قال الشاعر [من البسيط]:
٤٣٦ - مُبَرَّأٌ من عُيُوبِ الناس كُلِّهِمِ ... فاللهُ يَرْعَى أبا حَرْبٍ وإيّانا
стр. 729
عطف "إيّانا" على الظاهر الذي هو "أبا حرب".
وتقول في عطف المضمر على المضمر "أنتَ وهو قائمان"، و"إيَّاك وإيّاه ضربتُ". قال الشاعر [من مجزوء الرمل]:
٤٣٧ - لَيتَ هذا الليلَ شَهْرٌ ... لا نَرَى فيه عَرِيبَا
ليس إيّايَ وإيّاكِ ... ولا نَخشَى رَقِيبَا
وأمّا المضمر المتصل، فلا يصح عطفُه؛ لاتّصاله بما يعمل فيه. والعطفُ إنّما هو اشتراكٌ في تأثيرِ العامل، ومحالٌ أن يعمل في اسم واحد عاملان في وقت واحد.
стр. 730
وأمّا العطفُ عليه، فإنّه لا يخلو من أن يكون مرفوعَ الموضع، أو منصوبَ الموضع، أو مجرورَ الموضع.
فإن كان مرفوع الموضع، لم يجز العطفُ عليه إلَّا بعد تأكيده، نحو: "زيدٌ قام هو وعمرٌو"، و"قمتُ أنا وزيد". قال الله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (١)، لما أراد العطفَ على الضمير في "اسكن"؛ أكّد بالضمير المنفصل، ثمّ أتى بالمعطوف. ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ (٢). أكد الضميرَ المرفوعَ في "يراكم"، ثم عطف عليه.
ولو قلت: "زيدٌ قام وعمرٌو" بعطفِ "عمرو" على المضمر المستكِنّ في الفعل، لم يجز، ولكان قبيحًا، إلَّا أن يطول الكلامُ، ويقع فصلٌ، فيحنئذٍ يجوز العطفُ، ويكون طُولُ الكلام، والفاصلُ سادًّا مَسَدَّ التأكيد، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٣) بالرفع في قِراءةِ بعضهم، فإنه عطف "الشركاء" على المضمر المرفوع في "أجمعوا" حين طال الكلامُ بالمفعول. ونحوه قوله: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٤)، عطف "الآباء" على المضمر المرفوع حين وقع فصلٌ بين حرف العطف، والمعطوف بحرف النفي وهو "لا"؛ فأما قوله [من الخفيف]:
قلتُ إذْ أقبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادَى ... كنِعاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا
قد تَنَقَّبنَ بالحَرِيرِ وأَبْدَيْنَ ... عُيُونًا حُورَ المَدامِعَ نُجْلَا
فإن الشعر لعمر بن أبي رَبيعَةَ، والشاهدُ فيه عطفُ "زُهْرٍ" على المضمر المستكِنّ في الفعل ضرورة. وكان الوجهُ أن يقول: "إذ أقبلت هي وزُهْرٌ"، فيُؤكِّد الضمير المستكنَّ لِيقوَى، ثمّ يعطِف عليه. والزُّهْرُ: جمعُ زَهْراءَ، وهي البيضاء المُشْرِقة. وتَهادَى أي يَمْشِين مَشْيًا رُوَيْدًا بسكونٍ. والنِّعاجُ: بَقَرُ الوَحْش، شبّه النساء بها في سكون المَشْي فيه. وتعسّفن: ركبن. وإذا مشت في الرمل كان أسكنَ لمَشيها لصُعوبة المشي فيه. والمَلا: الفَلاةُ الواسعةُ. ومع ذلك فإنّه يتفاوَتُ قُبْحُه، فقولُك: "زيدٌ ذهب وعمرٌو"، أو" قُمْ وعمرٌو" أقبحُ من قولك: "قمتُ وعمرٌو"؛ لأن الضمير في "قمتُ" له صورةٌ، ولفظٌ، وليس له في قولك: "قُمْ وعمرٌو" صورةٌ. وقولُك: "قمتُ وزيدٌ" أقبحُ من قولك: "قُمْنَا وزيدٌ"؛ لأنّ الضمير في"قمتُ" على حرف واحد، فهو بعيدٌ من لفظِ الأسماء، والضميرُ في"قُمْنَا" على حرفَين، فهو أقربُ إلى الأسماء. وعلى هذا، كلَّما قوِي لفظُ الضمير، وطال، كان العطفُ عليه أقلَّ قُبحًا.
стр. 731
فإن قيل: ولِمَ كان العطفُ على الضمير المرفوع من غير تأكيد قبيحًا؟ قيل: لأنّ هذا الضمير فاعلٌ، وهو متصلٌ بالفعل، فصار كحرفٍ من حروف الفعل؛ لأنّ الفاعل لازمٌ للفعل، لا بدّ له منه، ولذلك تُغيَّر له الفعل، فتقول: "ضربْتُ وضربْنَا"، فتُسكِّن الباء، وقد كانت مفتوحةً. وكونُه متّصلًا غيرَ مستقِل بنفسه يُؤكِّد ما ذكرنا من شدّةِ اتصاله بالفعل. وربّما كان مستتِرًا مستكِنًّا في الفعل، نحو: "قُمْ"، و"اضْرِبْ" و"زيدٌ قام، وضرب"، ونحو ذلك. وإذ كان بمنزلةِ جزء منه وحرفٍ من حروفه، قبُح العطفُ عليه؛ لأنّه يصير كالعطف على لفظ الفعل. وعطفُ الاسم على الفعل ممتنِعٌ. وإنّما كان ممتنعًا من قِبَل أنّ المراد من العطف الاشتراكُ في تأثيرِ العامل، وعواملُ الأفعال لا تعمل في الأسماء، لا بل ربّما كان الفعلُ مبنيًّا إمّا ماضيًا، وإمّا أمرًا، فلا يكون له عاملٌ، فلذلك قبُح أن تقول: "قمتُ وزيدٌ" حتى تقول: "قمتُ أنا وزيدٌ"، فتُؤكِّده، فيكون التأكيدُ مُنبِّهًا على الاسم، ويصير العطفُ كأنه على لفظِ الاسم المؤكِّد، وإن لم يكن في الحقيقة معطوفًا عليه. إذ لو كان معطوفًا عليه، لكان تأكيدًا مثله. وليس الأمر كذلك، لأن المراد إشراكُه في عملِ الفعل، لا في التأكيد.
وإن كان المضمر المتّصل منصوبَ الموضع، نحو الهاء في "ضربتُه"، والكاف في "ضَرَبَك"، جاز العطفُ عليه من غير تأكيد. فإن أكّدتَه كان أحسنَ شيء. فإن لم تُؤكِّده، لم يمتنِع العطفُ عليه، فتقول: "ضربتُه وزيدًا"، و"أكرمتُه وعمرًا". قال الشاعر [من الوافر]:
فإنّ اللهَ يَعْلَمُنِي ووَهْبًا ... [وَيعلَمُ أنْ سَيَلْقاهُ كِلانا] (١)
عطف "وهبًا" على الياء في "يعلمني" من غيرِ تأكيد، وذلك من قِبَل أنّ الضمير المنصوب فَضْلةٌ في الكلام يقع كالمستغنَى عنه، ولذلك يجوز حذفُه وإسقاطُه، نحو قولك: "ضربتُ"، و"قتلتُ"، ولا تذكر مفعولًا، وإنّما اتّصل بالفعل من جهةِ اللفظ. والتقديرُ فيه الانفصالُ، ولذلك لا تُغيِّر له الفعلَ من جهةِ اللفظ، فتقول: "ضَرَبَكَ"، وَ"ضَرَبَهُ"، فيكون آخِرُ الفعل مفتوحًا، كما كان قبل اتّصالِ الضمير به.
وأمّا إذا كان الضميرُ مخفوضًا، لم يجز العطفُ عليه إلّا بإعادة الخافض، لو قلت: "مررت بك وزيد"، "أو به وخالدٍ" لم يجز حتّى تُعِيدَ الخافضَ، فتقول "مررت بك وبزيدٍ، وبه وبخالدٍ"؛ من قِبَل أنّ الضمير صار عِوَضًا من التنوين. والدليلُ على استوائهما قولُهم: "يا غلامِ"، فيحذفون الياء التي هي ضميرٌ كما يحذفون التنوينَ. وإنّما استويَا؛ لأنّهما يجتمِعان في أنّهما على حرف واحد، وأنّهما يُكمِّلان الاسم الأوّل، ولا يُفصَل بينهما, ولا يصحّ الوقفُ على ما اتّصلا به دونهما. وليس كذلك الظاهرُ المجرورُ, لأنّه قد يُفصَل بالظرف بينهما، نحو قوله [من السريع]:
لَمَّا رَأَتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ ... للهِ دَرُّ اليومَ مَن لَامَهَا (٢)
стр. 732
والمراد: لله درُّ من لامها اليوم، ومثله قول الآخر [من البسيط]:
كأن أصْوَاتَ مِن إيغالِهِنَّ بنا ... أواخِرِ المَيْسِ أصْواتُ الفَرارِيجِ (١)
والمراد: أصواتَ أواخرِ الميس، ففصل بينهما بالجارّ والمجرور ضرورة، ولو كان مكانَ الياء ظاهرٌ في نحو: "يا عِبادِ"، لَمَا حُذف. وقال أبو عثمان: لما صحّ "مرّ زيدٌ وأنتَ"، صحّ "مررتَ أنتَ وزيدٌ"، ولمّا صحّ "كلّمتُ زيدًا وإيّاك"، صحّ "كلّمتُك وزيدًا". ولمّا امتنع "مررتُ بزيدٍ وَكَ"؛ امتنع "مررت بك وزيدٍ"؛ لأنّ المعطوف والمعطوف عليه شَرِيكان، لا يصح في أحدهما إلَّا ما صحّ في الآخر. فلمّا لم يكن للمخفوض ضميرٌ منفصلٌ يصح عطفُه على الظاهر، لم يصح عطفُ الظاهر عليه، فلمّا لم يصحّ، وأُريد ذلك، أُعيد الخافض، وصار من قبيل عطف الجملة على الجملة، إذ كان عاملًا ومعمولًا، ولم يجز ذلك إلا في ضرورة الشعر، نحو قوله [من البسيط]:
٤٣٨ - فاليوم قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا ... فاذْهَبْ فما بك والأيّامِ من عَجَبِ
عطف"الأيّام" على المضمر المتّصل بالباء. وذلك قبيحٌ، إنما يجوز في ضرورة الشعر دون حالِ الاختيار، وسَعَةِ الكلام.
стр. 733
وأمّا قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١) بجرّ "الأرحام" في قراءة حَمْزَةَ، فإن أكثرَ النحويين قد ضَعَّفَ هذه القراءة نَظَرًا إلىَ العطف على المضمر المخفوض. وقد ردّ أبو العبّاس محمّدُ بن يزيد هذه القراءة، وقال: لا تَحِلُّ القراءةُ بها. وهذا القول غيرُ مَرْضيّ من أبي العباس, لأنّه قد رواها إمامٌ ثِقَةٌ، ولا سبيلَ إلى رَدِّ نَقْلِ الثقة مع أنّه قد قرأتْها جماعةٌ من غيرِ السبْعة كابن مسعود، وابن عبّاسٍ، والقاسم، وإبراهيمَ النخعي، والأَعْمَش، والحسن البصري، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ. وإذا صحّت الروايةُ، لم يكن سبيلٌ إلى رَدّها. ويحتمِل وجهَيْن آخَرَيْنَ غيرَ العطف على المكنيّ المخفوضِ. أحدهما: أن تكون الواو واو قَسَم، وهم يُقْسِمون بالأرحام ويُعظِّمونها، وجاء التنزيلُ على مقتضَى استعمالهم، ويكون قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) جواب القسم. والوجهُ الثاني: أن يكون اعتقد أن قبله باءً ثانية حتى كأنّه قال: "وبالأرحام"، ثم حذف الباء, لتقدُّمِ ذكرها كما حذفت في نحو قولك: "بِمَن تَمُرُّ أَمُرُّ"، و"على من تنزِلُ أنزِل"، ولم تقل: "أمرّ به"، و"لا أنزلُ عليه"؛ لأنّها مثلُها في موضعِ نصب، وقد كثُر عنهم حذفُ حرف الجرّ، وأُنشد [من الخفيف]:
رَسْمِ دارٍ وقفتُ في طَلَلِهْ ... كِدْتُ أَقْضِي الحياةَ مِن جَلَلِهْ (٣)
والمراد: ربُ رسم دار وقفتُ في طلله. وكان رُؤْبَةُ إذا قيل له: كيف أصبحتَ؟ يقول: "خَير عافاك الله"، أي: بخير فيحذف الباء لدلالةِ الحال عليه. وحذفُ حرف الجرّ ههنا، وتَبْقيةُ عمله من قبيلِ حذف المضاف في قوله [من المتقارب]:
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسِبِينَ امْرَأً ... ونارٍ تَوَقَّدَ بالليلِ نارَا (٤)
والمراد: وكلَّ نار، إلَّا أنّه حذف "كُلاًّ" الثانيةَ لتقدُّم ذكرها، وبقى عملها. ومثلُه قول الآخر [من الطويل]:
٤٣٩ - تُعلَّق في مِثْلِ السَّوارِي سُيُوفُنا وما بَيْنَهَا والكَعْبِ غُوطٌ نَفانِفُ
стр. 734
والمراد: وما بينها وبين الكعب، إلّا أنّه حذف الظرفَ لتقدُّمِ ذكره، وبقى عملَه. إلَّا أنّ حذفَ المضاف أسهلُ أمرًا، وأقربُ متناوَلًا؛ لأن حرف الجرّ يتنزّل منزلةَ الجُزْء ممّا جَرَّه، ولا يجوز الفصل بينهما بظرفٍ، ولا غيرِه، ويُحكَم عليهما بإعرابٍ واحدٍ. وليس كذلك المضافُ والمضاف إليه. ونظيرُ الآية قولُ الشاعر، أنشده المُبَرِّدُ في الكامل [من البسيط]:
فاليَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا ... فاذْهَبْ فما بك والأيّامِ من عَجَبِ (١)
والقول فيه كالآية فاعرفه إن شاء الله تعالى.
стр. 735
ومن أصناف الاسم
المبني
فصل [تعريفه وسبب بنائه]
قال صاحب الكتاب: وهو الذي سكونُ آخرِهِ وحركتُه لا بعاملٍ. وسببُ بِنائه مُناسَبتُه ما لا تمكُّنَ له بوجهٍ قريب أو بعيدٍ، بتضمُّنِ معناه، نحو: "أَيْنَ"، و"أَمْسِ"؛ أو شَبَهِه كالمُبهَمات؛ أو وُقوعِه موقعَه كـ "نَزالِ"؛ أو مُشاكَلتِه للواقع موقعَه كـ "فَجارِ"، و"فَساقِ"؛ أو وقوعِه موقعَ ما أَشبَهَه، كالمُنادَى المضموم؛ أو إضافته إليه، كقوله عزّ وعلا: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ (١) و ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢) فيمَن قرأهما بالفتح. وقول أبي قَيْسِ بن رِفاعةَ [من البسيَط]:
٤٤٠ - لم يَمْنَعِ الشّرْبَ منها غَيرَ أن نَطَقَتْ ... حَمامةٌ في غُصون ذاتِ أَوْ قالِ
стр. 736
وقول النابغة [من الطويل]:
على حِينَ عاتَبتُ المَشِيبَ على الصِّبا ... [وقلتُ: أَلمّا أَصْحُ والشَّيبُ وَازعُ] (١)
* * *
قال الشارح: البناء يُخالِف الإعرابَ, ويُضادّه من حيث كان البناء لزومَ آخر الكلمة ضربًا واحدًا من السكون، أو الحركةِ، لا لشيءٍ أحدثَ ذلك من العوامل، فحركةُ آخِره كحركةِ أوّله في اللزوم والثَّباتِ بخلافِ الإعراب. وإنّما سُمي بناءً؛ لأنّه لمّا لزِم ضربًا واحدًا, ولم يتغير تغيُّرَ الإعراب. سُمّي بناءً. مأخوذٌ من بناء الطين والآجُرِّ؛ لأنّ البناء من الطين والآجرّ لازمٌ موضعَه، لا يزول من مكان إلى غيره. وليس كذلك ما ليس ببناء من نحو الخَيْمة، وبيتِ الشّعْر، فإنّها أشياءُ منقولةٌ من مكان إلى مكان.
والقياس في الأسماء أن تكون معرَبةً كلُّها من قِبَل أنها سِماتٌ على مسمَّيات، وتلك المسمّياتُ قد يُسنَد إليها فعلٌ، فتكون فاعلةٌ، وقد يقع بها فعلٌ، فتكون مفعولةٌ، وقد يضاف إليها غيرُها على سبيلِ التعريف، فاستحقّتِ الإعرابَ للدلالة على هذه المعاني المختلِفة. وما بُني منها، فبالحَمْل على ما لا تمكُّنَ له من الحروف والأفعالِ، لضرب من المناسَبة. فالمبنىُّ من الأسماء هو الخارجُ من التمكّن إلى شَبَهِ الحروف، أو الأفعالِ. والمرادُ بالتمكّن في الأسماء تعاقُبُ التعريف والتنكير بالعَلامة عليه، وأمّا ما لا تمكُّنَ له، فلا يتعرّف نكرتُه، ولا يتنكر معرفتُه. فـ "رَجَلٌ"، و"فَرَسٌ" متمكِّنان لتعاقُبِ التنكير والتعريفِ عليهما، نحو قولك: "رجلٌ، وفرسٌ، والرجل، والفرس"؛ وأمّا "زيدٌ" و"عمرٌو" ونحوهما من الأعلام، فمتمكِّنان، لأنّهما قد يتنكّران، إذا ثُنيا، فيقال: "الزيدان"، و"العمران" إذا أُريد تعريفُهما، وأمّا "هذا" ونحوه، فإنّه غيرُ متمكِّن؛ لأنّك لا تقول: "الهذان"؛ وأمّا "كَمْ"، و"كَيْفَ"، ونحوهما، فإنّهما غيرُ متمكِّنَيْن؛ لأنهما نكرتان لا تتعرّفان.
والأسباب المُوجِبة لبناءِ الاسم ثلاثةٌ: تضمُّنُ معنى الحرف، ومشابَهةُ الحرف، والوقوعُ موقعَ الفعل المبنيّ، فكل مبنيّ من الأسماء فإنّما سببُ بنائه ما ذُكر، أو راجعٌ إلى ما ذُكر، فـ "أَيْنَ" و"كَيْفَ" ونظائرُهما بُنيا لتضمُّنهما معنى الحرف. والأسماء المضمرة، والموصولةُ، ونظائرُها مبنية لمضارعة الحرف. والفرقُ بين ما تَضمَّن معنى الحرف، وما ضارَعَه أن مضارَعَة الحرف إنّما هي مشابَهةٌ بينهما في خاصّة من خَواصّ
стр. 737
الحرف. والمرادُ بالحرف جنسُ الحروف، لا حرفٌ مخصوصٌ على ما سيُذكر في موضعه. وتضمُّنُه معنى الحرف أن يُنوَى مع الكلمة حرفٌ مخصوصٌ، فيُفيد ذلك الاسمُ فائدةَ ذلك الحرف المنويِّ حتّى كأنّه موجود فيه، وكأنّ الاسمَ وعاءٌ لذلك الحرف. ولذلك قيل: تَضمَّن معناه، إذ كل شيء اشتمل على شيء، فقد صار متضمِّنًا له. ألا ترى أن "أَيْنَ"، و"كَيْفَ" يُفيدان الاستفهامَ، كما تفيده الهمزةُ في قولك: "أفي الدار زيدٌ"؟ و"نَزالِ"، "وتَراكِ"، ونحوهما من أسماء الأفعال بُنيا لأنهما وقعا موقعَ "انْزِلْ"، و"اتْرُكْ". فهذه أصولُ عِلَلِ البناء.
فقوله: و"سببُ بنائه مناسَبتُه ما لا تمكُنَ له بوجهٍ قريبٍ، أو بعيدٍ" يريد مناسبةَ الحرف، أو فعلِ الأمر، فإنّه لا تمكُّنَ لهما بوجهٍ، بخلاف الأسمَاء المبنيّة، فإنّ لها تمكُّنًا في الأصل. وبعضُها أقربُ إلى المتمكِّنة من بعضٍ. فأقربُها من المتمكِّنة ما كان مبنيًا على حركة، نحو: "يا زيدُ"، و"يا حَكَمُ". وأبعدُها منها ما كان مبنيًا على السكون، إذ الأسماء المتمكنةُ متحرِّكة متصرِّفةٌ، فأراد أنّها في البناء محمولةٌ على ما لا حظَّ له في التمكّن بوجه قريب، نحو الأسماء المبنيّة على حركة، ولا بوجه بعيد، نحو الأسماء المبنيّة على السكون، وما عدا ذلك فمحمولٌ عليها، أو راجعٌ إليها، نحو: "فَجارِ"، و"فَساقِ، فإنهما، وإن لم يكونا واقعَيْن موقعَ الفعل، فإنّهما مضارِعان لِما وقع موقعَه، وهو "نَزالِ"، و"تراكِ"، فبُنيا كبنائه، ونحو المنادَى في "يا زيدُ"، ونحوه ممّا هو مفردٌ، فإنّه، وإن لم يكن مشابِهًا للحرف، فهو واقعٌ موقعَ "أَنْتَ" من حيث كان مخاطبًا. وأسماء الخطاب مبنيّةٌ، وستُذكَر مستوفًى.
فأمّا "يومَئذٍ"، و"حينَئذٍ"، و"ساعتَئذٍ"، ففيه وجهان: البناء والإعرابُ. فالإعرابُ على الأصل، والبناء لأنّه ظرفٌ مبهمٌ أضيف إلى غير متمكِّن من الأسماء، فاكتسى منه البناء؛ لأنّ المضاف يكتسي من المضاف إليه كثيرًا من أحكامه، وقد أجروا "غيرًا"، و"مِثْلًا" مُجرى الظرف في ذلك؛ لإبهامهما، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (١)، فإن "مثلًا" مبنيةٌ لإضافتها إلى غير متمكّن، وهو أمثل وُجوهها.
فأمّا قوله [من البسيط]:
لم يمنع الشِّرْبَ منها غيرَ أن نطقتْ ... إلخ
فالبيت لأبي قَيْسِ بن رِفاعةَ، وقيل: لرجلٍ من كِنانَةَ. والشاهدُ فيه أنّه بنى"غيرًا" على الفتح؛ لإضافتها إلى غير متمكّن، وإن كان في موضع رفع.
فإن قيل: فـ "أَنْ" والفعلُ في تأويلِ المصدر، وكذلك "أنَّ" المشدَّدةُ مع ما بعدها، والمصدرُ اسمٌ متمكّنٌ، فحينئذ "غَيْرٌ"، و"مثْلٌ" قد أضيفتا إلى متمكّنٍ، فلِمَ وجب البناء؟
стр. 738
قيل: كونُ "أنْ" مع الفعل في تقدير المصدر شيءٌ تقديريٌّ، والاسمُ غير ملفوظٍ به، وإنّما الملفوظُ به فعلٌ وحرفٌ، فلمّا أضيفتا إلى ما ذكرنا، مع لزومهما الإضافةَ، بُنيتا معها؛ لأنّ الإضافة بابُها أن تقع على الأسماء المفردةِ. فلمّا خرجتْ ها هنا عن بابها، بُني الاسم، وسيوضح بأكثرَ من ذلك. يقول: لم يمنعْنا من التعريج على الماء إلَّا صوتُ حمامةٍ ذكّرتْنا من نُحِبُ، فَهَيَّجَنا، وحَثَّنا على السَّيْر. والأَوْقال: الأعالِي، ومنه التَّوَقُّلُ وهو الصُّعود فيه. ونحو ذلك قول النابغة [من الطويل]:
على حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا ... وقلتُ: أَلمَّا أَصْحُ والشَّيْبُ وازعُ (١)
الشاهد فيه إضافةُ "حِينَ" إلى الفعل الماضي، وبناؤه لذلك على الفتح، والإعرابُ جائزٌ على الأصل، غيرَ أنّ البناء ههنا أوجهُ منه في قوله: "غيرَ أن نطقتْ"؛ لأنّ الظرف ههنا مضافٌ إلى فعل محضٍ، وفي قوله: "غيرَ أن نطقت" مضافٌ إلى اسم متأوَّلٍ، فكان الإعرابُ فيه أظهرَ. وصف أنّه بَكَى على الديار زمنَ مَشِيبه، ومُعاتَبتِه لنفسه على صِباه وطَرَبِه. والوازعُ: الناهي. وأوقعَ الفعلَ على المشيب اتّساعًا. والمعنى: عاتبتُ نفسي على الصِّبا لمكانِ شَيْبي، فاعرفه.
[علامة البناء]
قال صاحب الكتاب: والبناءُ على السكون هو القياسُ، والعدول عنه إلى الحركة، لأحدِ ثلاثةِ أسباب: للهَرَب من التقاءِ الساكنَين في نحو "هؤُلاءِ"، ولئلاّ يُبتدأ بساكن لفظًا، أو حُكْمًا كالكافَيْن: التي بمعنَى "مِثْلٍ"، والتي هي ضميرٌ، ولعُروضِ البناء، وذلك في نحو"يا حَكَمُ" و"لا رجلَ في الدار"، و ﴿مِن قَبْلُ ومن بَعْدُ﴾ و ﴿خمسةَ عَشَرَ﴾ (٢).
* * *
قال الشارح: القياس في كلِّ مبنيّ أن يكون ساكنًا، وما حُرّك من ذلك، فلعِلّةٍ. فإذا وجدتَ مبنيًّا ساكنًا، فليس لك أن تسأل عن سبب سُكونه؛ لأنّ ذلك مقتضَى القياس فيه. فإن كان متحرِّكًا، ذلك أن تسأل عن سبب الحركة، وسبب اختصاصه بتلك الحركة دون غيرها من الحركات. وإنّما كان القياس في كلّ مبني السكونَ لوجهَيْن: أحدهما أنّ البناء ضدُّ الإعراب، وأصلُ الإعراب أن يكون بالحركات المختلِفةِ للدلالةِ على المعاني المختلفة، فوجب أن يكون البناءُ الذي هو ضدُّه بالسكون. والوجه الثاني أن الحركة زيادةٌ مستثقَلةٌ بالنسبة إلى السكون، فلا يُؤتَى بها إلّا لضرورةٍ تدعو إلى ذلك.
والأسباب المُوجِبة لتحريكِ المبنيّ أحدُ ثلاثةِ أشياء: الفِرارُ من التقاء الساكنَيْن، والبَداءَةُ بالحرف الساكن لفظًا أو حكمًا، وأن يكون المبنيُّ له حالةُ تمكُّنٍ. فالأوّلُ نحو
стр. 739
"أَيْنَ"، و"هؤُلَاءِ"، و"حَيْثُ". أصلُ حركةِ التقاء الساكنين الكسرة، وإنّما يُعدَل عنها لضربٍ من الاستحسان من قِبَلِ أنّا رأينا الكسرةَ لا تكون إعرابًا إلَّا باقترانِ التنوين بها، أو ما يقوم مقامَه، وقد تكون الضمّةُ والفتحةُ إعرابَيْن من غيرِ تنوين يصحَبُهما, ولا شيء يقوم مقامَ التنوين، نحو ما لا ينصرِف، والأفعالِ المضارِعة، فإذا اضطُررنا إلى تحريكِ الساكن، حرّكناه بحركةٍ لا تُوهم فيه الإعرابَ، وهي الكسرةُ.
وأمّا تحريكُ الحرف لئلاّ يُبتدأ بساكنٍ، فنحو همزة الاستفهام، وواوِ العطف، وفائِه. والقياسُ في هذه الحروف أن تكون سَواكِنَ، وإنّما الحركةُ فيها لأجلِ وقوعها أوّلًا. وهذا حكمُ كلِّ حرف في أوّلِ كل كلمة يُبتدأ بها من اسمٍ، أو فعلٍ، أو حرفٍ لا يكون إلّا متحرِّكًا.
وقولهه: "لفظًا أو حكمًا"، فالمراد باللفظ ما ذكرناه من نحو: واو العطف، وألِف الاستفهام، وكافِ التشبيه في نحو: "زيدٌ كالأسد"، فهذه الحروف ونظائرُها لا تكون أبدًا إلَّا مفتوحةً؛ لوُقوعها أوْلًا لفظًا. وأمّا كونُها أولًا في الحكم، فنحو كاف ضميرِ المفعول من نحو"ضَرَبَكَ"، و"أَكْرَمَك" فهذه الكافُ منفصِلةٌ في الحكم، يُبْدَأُ بها في التقدير. والمفعولُ فضلةٌ غيرُ لازم للفعل، ولذلك لا تُسكِّن له الفعل إذا اتَّصل بضميره، كما سكّنتَه للفاعل.
واعلم أنّ أصحابنا يقولون إنّ الابتداء بالساكن لا يكون في كلام العرب. وقد أحالَه بعضهم ومنع من تصوُّره، ولا شُبْهَةَ في الإمكان. ألا ترى أنّه يجوز الابتداءُ بالساكن إذا كان مدّغَمًا، نحو: "ثّاقَلْتُمْ"، "تَّخَذْتُمْ"، في "تَثاقَلْتُمْ"، و"اتَخَذْتُمْ"؟ ويُؤيِّد ذلك وأنّه من لغة العرب أنّهم لم يُخفِّفوا الهمزة إذا وقعتْ أوّلاً بأيِّ حركةٍ تَحرّكتْ، نحو: "أَحْمَدَ" و"إبراهيمَ"، ونحو قوله [من البسيط]:
٤٤١ - أَأَنْ رَأَتْ رجلاً أَعْشَى [أضَرَّ به ... رَيْبُ المنون ودهرٌ مُفْنِدٌ خَبِلُ]
стр. 740
لأنّ في تخفيفها تضعيفًا للصوت، وتقريبًا له من الساكن، فامتناعُهم من تخفيف الهمزة مع إمكانِ تخفيفها والنطْقِ بها دليلٌ على أنّ ذلك من لغة العرب. وذلك من قِبَل أنّ المبتدىء بالنطق مستجِمٌّ مستريحٌ، فيُعظِّم صوتَه، والواقفُ تَعِبٌ حَسِرٌ يقِف للاستراحة، فيُضعِّف صوتَه.
وأمّا عُروضُ البناء، فإنّ المبنيّ من الأسماء يكون على ضربَيْن: ضربٌ له حالةٌ يكون مُعرَبًا فيها، وإنّما يعرض له البناء في بعضِ الأحوال، نحو: "يا زيدُ" في النداء. وما كان مثله، فإنّه يكون في غير النداء معربًا، وإنّما عرض البناء في النداء، ومثلُه: "لا رجلَ" في النفي، فإنّ البناء عرض له في حالِ النفي، وفي غير النفي يكون معربًا، نحو: "هذا رجلٌ"، و "رأيت رجلًا"، و"مررت برجلٍ". وكذلك ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (١) ونحوهما من الغايات، وكالأعداد المركَّبةِ من نحو"خمسةَ عشرَ" إلى "تسعة عشرَ"، فإنّه قبل التركيب كان معربًا.
وضربٌ آخرُ لم يكن له حالةُ تمكن البتّةَ، بل لا يكون قط إلَّا مبنيًا، فجُعل لكلِّ واحد منهما مَرْتبةٌ غيرُ مرتبةِ الآخر. ولمّا كان السكونُ أنقصَ من الحركة، بَنَيْنَا عليه ما لم يكن له حَظ في التمكّن، وبنينا على حركةٍ ما كان له حظٌّ في التمكّن، ليكونَ له بذلك فضيلةٌ على المبنيّ الآخر فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وسكون البناء يسمَّى وَقْفًا، وحركاتُه ضَمًّا وفَتْحًا وكَسْرًا، وأنا أسوقُ إليك عامّةَ ما بَنَتْه العربُ من الأسماء، إلَّا ما عَسَى يشِذّ منها، أو قد ذكرناه في هذه المقدمة، في سبعةِ أبواب، وهي: المُضْمَراتُ، وأسماء الإشارة، والمَوْصولاتُ، وأسماءُ الأفعال، والأصْواتُ، وبعضُ الظُروف، والمُرَكَباتُ، والكِناياتُ.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ سيبويه وجماعةٌ من البصريين قد فصلوا بين ألقابِ حركاتِ الإعراب وسكونِه، وبين ألقاب حركاتِ البناء وسكونِه، وإن كانت في الصورة واللفظ شيئًا واحدًا، فجعلوا الفتحَ المَطلقَ لقبًا للمبنيّ على الفتح، والضمَّ لقبًا للمبنيّ على الضمّ، وكذلك الكسر، والوقفَ. وجعلوا النصبَ لقبًا للمفتوح بعامل، وكذلك الرفعَ والجرَّ والجزمَ. ولا يقال لشيء من ذلك مضمومٌ مطلقًا. لا بدَّ من تقييدٍ لئلا يدخل في