وقول النابغة [من الطويل]:
على حِينَ عاتَبتُ المَشِيبَ على الصِّبا ... [وقلتُ: أَلمّا أَصْحُ والشَّيبُ وَازعُ] (١)
* * *
قال الشارح: البناء يُخالِف الإعرابَ, ويُضادّه من حيث كان البناء لزومَ آخر الكلمة ضربًا واحدًا من السكون، أو الحركةِ، لا لشيءٍ أحدثَ ذلك من العوامل، فحركةُ آخِره كحركةِ أوّله في اللزوم والثَّباتِ بخلافِ الإعراب. وإنّما سُمي بناءً؛ لأنّه لمّا لزِم ضربًا واحدًا, ولم يتغير تغيُّرَ الإعراب. سُمّي بناءً. مأخوذٌ من بناء الطين والآجُرِّ؛ لأنّ البناء من الطين والآجرّ لازمٌ موضعَه، لا يزول من مكان إلى غيره. وليس كذلك ما ليس ببناء من نحو الخَيْمة، وبيتِ الشّعْر، فإنّها أشياءُ منقولةٌ من مكان إلى مكان.
والقياس في الأسماء أن تكون معرَبةً كلُّها من قِبَل أنها سِماتٌ على مسمَّيات، وتلك المسمّياتُ قد يُسنَد إليها فعلٌ، فتكون فاعلةٌ، وقد يقع بها فعلٌ، فتكون مفعولةٌ، وقد يضاف إليها غيرُها على سبيلِ التعريف، فاستحقّتِ الإعرابَ للدلالة على هذه المعاني المختلِفة. وما بُني منها، فبالحَمْل على ما لا تمكُّنَ له من الحروف والأفعالِ، لضرب من المناسَبة. فالمبنىُّ من الأسماء هو الخارجُ من التمكّن إلى شَبَهِ الحروف، أو الأفعالِ. والمرادُ بالتمكّن في الأسماء تعاقُبُ التعريف والتنكير بالعَلامة عليه، وأمّا ما لا تمكُّنَ له، فلا يتعرّف نكرتُه، ولا يتنكر معرفتُه. فـ "رَجَلٌ"، و"فَرَسٌ" متمكِّنان لتعاقُبِ التنكير والتعريفِ عليهما، نحو قولك: "رجلٌ، وفرسٌ، والرجل، والفرس"؛ وأمّا "زيدٌ" و"عمرٌو" ونحوهما من الأعلام، فمتمكِّنان، لأنّهما قد يتنكّران، إذا ثُنيا، فيقال: "الزيدان"، و"العمران" إذا أُريد تعريفُهما، وأمّا "هذا" ونحوه، فإنّه غيرُ متمكِّن؛ لأنّك لا تقول: "الهذان"؛ وأمّا "كَمْ"، و"كَيْفَ"، ونحوهما، فإنّهما غيرُ متمكِّنَيْن؛ لأنهما نكرتان لا تتعرّفان.
والأسباب المُوجِبة لبناءِ الاسم ثلاثةٌ: تضمُّنُ معنى الحرف، ومشابَهةُ الحرف، والوقوعُ موقعَ الفعل المبنيّ، فكل مبنيّ من الأسماء فإنّما سببُ بنائه ما ذُكر، أو راجعٌ إلى ما ذُكر، فـ "أَيْنَ" و"كَيْفَ" ونظائرُهما بُنيا لتضمُّنهما معنى الحرف. والأسماء المضمرة، والموصولةُ، ونظائرُها مبنية لمضارعة الحرف. والفرقُ بين ما تَضمَّن معنى الحرف، وما ضارَعَه أن مضارَعَة الحرف إنّما هي مشابَهةٌ بينهما في خاصّة من خَواصّ
стр. 737
الحرف. والمرادُ بالحرف جنسُ الحروف، لا حرفٌ مخصوصٌ على ما سيُذكر في موضعه. وتضمُّنُه معنى الحرف أن يُنوَى مع الكلمة حرفٌ مخصوصٌ، فيُفيد ذلك الاسمُ فائدةَ ذلك الحرف المنويِّ حتّى كأنّه موجود فيه، وكأنّ الاسمَ وعاءٌ لذلك الحرف. ولذلك قيل: تَضمَّن معناه، إذ كل شيء اشتمل على شيء، فقد صار متضمِّنًا له. ألا ترى أن "أَيْنَ"، و"كَيْفَ" يُفيدان الاستفهامَ، كما تفيده الهمزةُ في قولك: "أفي الدار زيدٌ"؟ و"نَزالِ"، "وتَراكِ"، ونحوهما من أسماء الأفعال بُنيا لأنهما وقعا موقعَ "انْزِلْ"، و"اتْرُكْ". فهذه أصولُ عِلَلِ البناء.
فقوله: و"سببُ بنائه مناسَبتُه ما لا تمكُنَ له بوجهٍ قريبٍ، أو بعيدٍ" يريد مناسبةَ الحرف، أو فعلِ الأمر، فإنّه لا تمكُّنَ لهما بوجهٍ، بخلاف الأسمَاء المبنيّة، فإنّ لها تمكُّنًا في الأصل. وبعضُها أقربُ إلى المتمكِّنة من بعضٍ. فأقربُها من المتمكِّنة ما كان مبنيًا على حركة، نحو: "يا زيدُ"، و"يا حَكَمُ". وأبعدُها منها ما كان مبنيًا على السكون، إذ الأسماء المتمكنةُ متحرِّكة متصرِّفةٌ، فأراد أنّها في البناء محمولةٌ على ما لا حظَّ له في التمكّن بوجه قريب، نحو الأسماء المبنيّة على حركة، ولا بوجه بعيد، نحو الأسماء المبنيّة على السكون، وما عدا ذلك فمحمولٌ عليها، أو راجعٌ إليها، نحو: "فَجارِ"، و"فَساقِ، فإنهما، وإن لم يكونا واقعَيْن موقعَ الفعل، فإنّهما مضارِعان لِما وقع موقعَه، وهو "نَزالِ"، و"تراكِ"، فبُنيا كبنائه، ونحو المنادَى في "يا زيدُ"، ونحوه ممّا هو مفردٌ، فإنّه، وإن لم يكن مشابِهًا للحرف، فهو واقعٌ موقعَ "أَنْتَ" من حيث كان مخاطبًا. وأسماء الخطاب مبنيّةٌ، وستُذكَر مستوفًى.
فأمّا "يومَئذٍ"، و"حينَئذٍ"، و"ساعتَئذٍ"، ففيه وجهان: البناء والإعرابُ. فالإعرابُ على الأصل، والبناء لأنّه ظرفٌ مبهمٌ أضيف إلى غير متمكِّن من الأسماء، فاكتسى منه البناء؛ لأنّ المضاف يكتسي من المضاف إليه كثيرًا من أحكامه، وقد أجروا "غيرًا"، و"مِثْلًا" مُجرى الظرف في ذلك؛ لإبهامهما، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (١)، فإن "مثلًا" مبنيةٌ لإضافتها إلى غير متمكّن، وهو أمثل وُجوهها.
فأمّا قوله [من البسيط]:
لم يمنع الشِّرْبَ منها غيرَ أن نطقتْ ... إلخ
فالبيت لأبي قَيْسِ بن رِفاعةَ، وقيل: لرجلٍ من كِنانَةَ. والشاهدُ فيه أنّه بنى"غيرًا" على الفتح؛ لإضافتها إلى غير متمكّن، وإن كان في موضع رفع.
فإن قيل: فـ "أَنْ" والفعلُ في تأويلِ المصدر، وكذلك "أنَّ" المشدَّدةُ مع ما بعدها، والمصدرُ اسمٌ متمكّنٌ، فحينئذ "غَيْرٌ"، و"مثْلٌ" قد أضيفتا إلى متمكّنٍ، فلِمَ وجب البناء؟
стр. 738
قيل: كونُ "أنْ" مع الفعل في تقدير المصدر شيءٌ تقديريٌّ، والاسمُ غير ملفوظٍ به، وإنّما الملفوظُ به فعلٌ وحرفٌ، فلمّا أضيفتا إلى ما ذكرنا، مع لزومهما الإضافةَ، بُنيتا معها؛ لأنّ الإضافة بابُها أن تقع على الأسماء المفردةِ. فلمّا خرجتْ ها هنا عن بابها، بُني الاسم، وسيوضح بأكثرَ من ذلك. يقول: لم يمنعْنا من التعريج على الماء إلَّا صوتُ حمامةٍ ذكّرتْنا من نُحِبُ، فَهَيَّجَنا، وحَثَّنا على السَّيْر. والأَوْقال: الأعالِي، ومنه التَّوَقُّلُ وهو الصُّعود فيه. ونحو ذلك قول النابغة [من الطويل]:
على حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا ... وقلتُ: أَلمَّا أَصْحُ والشَّيْبُ وازعُ (١)
الشاهد فيه إضافةُ "حِينَ" إلى الفعل الماضي، وبناؤه لذلك على الفتح، والإعرابُ جائزٌ على الأصل، غيرَ أنّ البناء ههنا أوجهُ منه في قوله: "غيرَ أن نطقتْ"؛ لأنّ الظرف ههنا مضافٌ إلى فعل محضٍ، وفي قوله: "غيرَ أن نطقت" مضافٌ إلى اسم متأوَّلٍ، فكان الإعرابُ فيه أظهرَ. وصف أنّه بَكَى على الديار زمنَ مَشِيبه، ومُعاتَبتِه لنفسه على صِباه وطَرَبِه. والوازعُ: الناهي. وأوقعَ الفعلَ على المشيب اتّساعًا. والمعنى: عاتبتُ نفسي على الصِّبا لمكانِ شَيْبي، فاعرفه.
[علامة البناء]
قال صاحب الكتاب: والبناءُ على السكون هو القياسُ، والعدول عنه إلى الحركة، لأحدِ ثلاثةِ أسباب: للهَرَب من التقاءِ الساكنَين في نحو "هؤُلاءِ"، ولئلاّ يُبتدأ بساكن لفظًا، أو حُكْمًا كالكافَيْن: التي بمعنَى "مِثْلٍ"، والتي هي ضميرٌ، ولعُروضِ البناء، وذلك في نحو"يا حَكَمُ" و"لا رجلَ في الدار"، و ﴿مِن قَبْلُ ومن بَعْدُ﴾ و ﴿خمسةَ عَشَرَ﴾ (٢).
* * *
قال الشارح: القياس في كلِّ مبنيّ أن يكون ساكنًا، وما حُرّك من ذلك، فلعِلّةٍ. فإذا وجدتَ مبنيًّا ساكنًا، فليس لك أن تسأل عن سبب سُكونه؛ لأنّ ذلك مقتضَى القياس فيه. فإن كان متحرِّكًا، ذلك أن تسأل عن سبب الحركة، وسبب اختصاصه بتلك الحركة دون غيرها من الحركات. وإنّما كان القياس في كلّ مبني السكونَ لوجهَيْن: أحدهما أنّ البناء ضدُّ الإعراب، وأصلُ الإعراب أن يكون بالحركات المختلِفةِ للدلالةِ على المعاني المختلفة، فوجب أن يكون البناءُ الذي هو ضدُّه بالسكون. والوجه الثاني أن الحركة زيادةٌ مستثقَلةٌ بالنسبة إلى السكون، فلا يُؤتَى بها إلّا لضرورةٍ تدعو إلى ذلك.
والأسباب المُوجِبة لتحريكِ المبنيّ أحدُ ثلاثةِ أشياء: الفِرارُ من التقاء الساكنَيْن، والبَداءَةُ بالحرف الساكن لفظًا أو حكمًا، وأن يكون المبنيُّ له حالةُ تمكُّنٍ. فالأوّلُ نحو
стр. 739
"أَيْنَ"، و"هؤُلَاءِ"، و"حَيْثُ". أصلُ حركةِ التقاء الساكنين الكسرة، وإنّما يُعدَل عنها لضربٍ من الاستحسان من قِبَلِ أنّا رأينا الكسرةَ لا تكون إعرابًا إلَّا باقترانِ التنوين بها، أو ما يقوم مقامَه، وقد تكون الضمّةُ والفتحةُ إعرابَيْن من غيرِ تنوين يصحَبُهما, ولا شيء يقوم مقامَ التنوين، نحو ما لا ينصرِف، والأفعالِ المضارِعة، فإذا اضطُررنا إلى تحريكِ الساكن، حرّكناه بحركةٍ لا تُوهم فيه الإعرابَ، وهي الكسرةُ.
وأمّا تحريكُ الحرف لئلاّ يُبتدأ بساكنٍ، فنحو همزة الاستفهام، وواوِ العطف، وفائِه. والقياسُ في هذه الحروف أن تكون سَواكِنَ، وإنّما الحركةُ فيها لأجلِ وقوعها أوّلًا. وهذا حكمُ كلِّ حرف في أوّلِ كل كلمة يُبتدأ بها من اسمٍ، أو فعلٍ، أو حرفٍ لا يكون إلّا متحرِّكًا.
وقولهه: "لفظًا أو حكمًا"، فالمراد باللفظ ما ذكرناه من نحو: واو العطف، وألِف الاستفهام، وكافِ التشبيه في نحو: "زيدٌ كالأسد"، فهذه الحروف ونظائرُها لا تكون أبدًا إلَّا مفتوحةً؛ لوُقوعها أوْلًا لفظًا. وأمّا كونُها أولًا في الحكم، فنحو كاف ضميرِ المفعول من نحو"ضَرَبَكَ"، و"أَكْرَمَك" فهذه الكافُ منفصِلةٌ في الحكم، يُبْدَأُ بها في التقدير. والمفعولُ فضلةٌ غيرُ لازم للفعل، ولذلك لا تُسكِّن له الفعل إذا اتَّصل بضميره، كما سكّنتَه للفاعل.
واعلم أنّ أصحابنا يقولون إنّ الابتداء بالساكن لا يكون في كلام العرب. وقد أحالَه بعضهم ومنع من تصوُّره، ولا شُبْهَةَ في الإمكان. ألا ترى أنّه يجوز الابتداءُ بالساكن إذا كان مدّغَمًا، نحو: "ثّاقَلْتُمْ"، "تَّخَذْتُمْ"، في "تَثاقَلْتُمْ"، و"اتَخَذْتُمْ"؟ ويُؤيِّد ذلك وأنّه من لغة العرب أنّهم لم يُخفِّفوا الهمزة إذا وقعتْ أوّلاً بأيِّ حركةٍ تَحرّكتْ، نحو: "أَحْمَدَ" و"إبراهيمَ"، ونحو قوله [من البسيط]:
٤٤١ - أَأَنْ رَأَتْ رجلاً أَعْشَى [أضَرَّ به ... رَيْبُ المنون ودهرٌ مُفْنِدٌ خَبِلُ]
стр. 740
لأنّ في تخفيفها تضعيفًا للصوت، وتقريبًا له من الساكن، فامتناعُهم من تخفيف الهمزة مع إمكانِ تخفيفها والنطْقِ بها دليلٌ على أنّ ذلك من لغة العرب. وذلك من قِبَل أنّ المبتدىء بالنطق مستجِمٌّ مستريحٌ، فيُعظِّم صوتَه، والواقفُ تَعِبٌ حَسِرٌ يقِف للاستراحة، فيُضعِّف صوتَه.
وأمّا عُروضُ البناء، فإنّ المبنيّ من الأسماء يكون على ضربَيْن: ضربٌ له حالةٌ يكون مُعرَبًا فيها، وإنّما يعرض له البناء في بعضِ الأحوال، نحو: "يا زيدُ" في النداء. وما كان مثله، فإنّه يكون في غير النداء معربًا، وإنّما عرض البناء في النداء، ومثلُه: "لا رجلَ" في النفي، فإنّ البناء عرض له في حالِ النفي، وفي غير النفي يكون معربًا، نحو: "هذا رجلٌ"، و "رأيت رجلًا"، و"مررت برجلٍ". وكذلك ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (١) ونحوهما من الغايات، وكالأعداد المركَّبةِ من نحو"خمسةَ عشرَ" إلى "تسعة عشرَ"، فإنّه قبل التركيب كان معربًا.
وضربٌ آخرُ لم يكن له حالةُ تمكن البتّةَ، بل لا يكون قط إلَّا مبنيًا، فجُعل لكلِّ واحد منهما مَرْتبةٌ غيرُ مرتبةِ الآخر. ولمّا كان السكونُ أنقصَ من الحركة، بَنَيْنَا عليه ما لم يكن له حَظ في التمكّن، وبنينا على حركةٍ ما كان له حظٌّ في التمكّن، ليكونَ له بذلك فضيلةٌ على المبنيّ الآخر فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وسكون البناء يسمَّى وَقْفًا، وحركاتُه ضَمًّا وفَتْحًا وكَسْرًا، وأنا أسوقُ إليك عامّةَ ما بَنَتْه العربُ من الأسماء، إلَّا ما عَسَى يشِذّ منها، أو قد ذكرناه في هذه المقدمة، في سبعةِ أبواب، وهي: المُضْمَراتُ، وأسماء الإشارة، والمَوْصولاتُ، وأسماءُ الأفعال، والأصْواتُ، وبعضُ الظُروف، والمُرَكَباتُ، والكِناياتُ.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ سيبويه وجماعةٌ من البصريين قد فصلوا بين ألقابِ حركاتِ الإعراب وسكونِه، وبين ألقاب حركاتِ البناء وسكونِه، وإن كانت في الصورة واللفظ شيئًا واحدًا، فجعلوا الفتحَ المَطلقَ لقبًا للمبنيّ على الفتح، والضمَّ لقبًا للمبنيّ على الضمّ، وكذلك الكسر، والوقفَ. وجعلوا النصبَ لقبًا للمفتوح بعامل، وكذلك الرفعَ والجرَّ والجزمَ. ولا يقال لشيء من ذلك مضمومٌ مطلقًا. لا بدَّ من تقييدٍ لئلا يدخل في
стр. 741
حيّزِ المبنيّات، أرادوا بالمخالفة بين ألقابها إبانةَ الفرق بينهما، فإذا قال: هذا الاسمُ مرفوعٌ، عُلم أنّه بعامل يجوز زَوالُه، وحُدوثُ عامل آخرَ يُحْدِث خِلافَ عَمَله، فكان في ذلك فائدةٌ وإيجازٌ؛ لأنّ قولنا: "مرفوعٌ" يكفي عن أنّ يقال له: مضمومُ ضمّةٍ تزولُ أو ضمّةٍ بعاملٍ. وربّما خالَفَ في ذلك بعضُ الكوفيين، وسمّى ضمّةَ البناء رفعًا، وكذلك الفتح، والكسرَ، والوقفَ. والوجهُ الأوّلُ لِمَا ذكرناه من القياس، ووجهِ الحِكْمة.
وتنحصِر المبنياتُ في سبعةِ أبواب: اسم كُني به عن اسم وهو المضمرُ، نحو: "أَنَا"، و"أَنْتَ"، و"هُوَ" ونحوها؛ واسم أُشير به إلى مسمّى وفيه معنى فعلِ نحو "هذا"، و"هذان"، و"هؤلاء"؛ واسمِ قام مقامَ حرفٍ، وهو الموصولُ نحو"الّذي"، و"الّتي"، ونحوهما؛ واسم سُمّي به فَعلٌ، نحو: "صَهْ"، و"مَهْ" وشِبْهِهما؛ والأصواتِ المَحْكيّةِ؛ والظروفِ لم تتمكّن؛ واسمٍ رُكب مع اسمٍ مثلِه. وستَرِدُ عليك مُفصَّلةً إن شاء الله تعالى.
стр. 742
فصل [أنواع الضمير]
قال صاحب الكتاب: وهي على ضربين متصل ومنفصل. فالمتصل ما لا ينفك عن اتصاله بكلمة، كقولك: أخوك, وضربك, ومر بك. وهو على ضربين بارزٌ, ومستترٌ. فالبارز ما لفظ به, بالكاف في "أخوك". والمستتر ما نوي كالذي في "زيدٌ ضرب". والمنفصل ما جرى مجرى المظهر في استبداده, كقولك: "هو", و"أنت".
* * *
قال الشارح: لا فَرْقَ بين المضمر والمَكنيّ عند الكوفيين، فهما من قبيلِ الأسماء المترادِفةِ، فمعناهما واحدٌ، وإن اختلفا من جهةِ اللفظ. وأمّا البصريون، فيقولون: المضمراتُ نوعٌ من المكنيّات، فكلُّ مضمر مَكنىٌّ، وليس كلُّ مكنيّ مضمرًا. فالكِنايةُ إقامةُ اسم مُقامَ اسم تَوْرِيَةً وإيجازًا، وقد يكون ذلك بالأسماء الظاهرةِ، نحو: "فُلان"، و"الفُلان"، و"كَيْتَ، وكَيْتَ"، "وكَذَا، وكَذَا". فَفُلان كناية عن أعلام الأناسيّ، والفلان كناية عن أعلام البَهائم، و"كَيْتَ وكَيْتَ" كناية عن الحديث المُدْمَجِ. و"كَذَا وكَذَا" كنايةٌ عن العدد المبهَم.
وإذ كانت الكنايةُ قد تكون بالأسماء الظاهرةِ كما تكون بالمضمرة، كانت المضمراتُ نوعًا من الكنايات. وإنّما أُتي بالمضمرات كلَّها لضربٍ من الإيجاز، واحترازًا من الإلباس. فأمّا الإيجاز فظاهرٌ، لأنّك تستغني بالحرف الواحد عن الاسم بكَماله، فيكون ذلك الحرفُ كجُزْءٍ من الاسم، وأمّا الإلباس فلأنّ الأسماء الظاهرة كثيرةُ الاشتراك، فإذا قلت: "زيدٌ فعل زيدٌ"، جاز أنّ يُتوهّم في "زيدٍ" الثاني أنّه غيرُ الأول. وليس للأسماء الظاهرة أحوالٌ تفترِق بها إذا التبست. وإنّما يُزيل الالتباسَ منها في كثيرٍ من أحوالها الصفاتُ، كقولك: "مررت بزيدٍ الطويلِ، والرجلِ البَزّازِ". والمضمراتُ لا لَبْسَ فيها، فاستغنتْ عن الصفات؛ لأنّ الأحوال المقترِنة بها قد تغني عن الصفات. والأحوالُ المقترِنةُ بها حضورُ المتكلّم والمخاطبِ، والمشاهَدةُ لهما، وتقدُّمُ ذكرِ الغائب الذي يصير به بمنزلةِ الحاضر المشاهَد في الحكمَ. فأعرفُ المضمرات المتكلِّمُ؛ لأنّه لا يُوَهِّمك غيره، ثمّ المخاطبُ، والمخاطبُ تِلْوُ المتكلّم في الحضور والمشاهَدةِ. وأضعفُها
стр. 743
تعريفًا كنايةُ الغائب, لأنّه يكون كناية عن معرفةٍ ونكرةٍ حتّى قال بعضُ النحويّين: كنايةُ النكرة نكرةٌ.
والمضمرات كلُّها مبنية، وإنّما بُنيت لوجهَيْن: أحدهما: شَبَهُها بالحروف، ووجهُ الشَّبَه أنها لا تستبِدّ بأنفسها، وتفتقِر إلى تقدُّمِ ظاهرٍ ترجِع إليه، فصارت كالحروف التي لا تستبِدّ بنفسها, ولا تُفيد معنى إلّا في غيرها، فبُنيت كبِنائها. والوجهُ الثاني: أنّ المضمر كالجزء من الاسم المظهر، إذ كان قولُك: "زيد ضربته" إنّما أتيتَ بالهاء لتكون كالجزء من اسمه دالاًّ عليه، إلا أنّك ذكرتَ الهاء، ولم تذكر الجزء من اسمه لتكون في كلِّ ما تريد أنّ تُضمِره ممّا تقدّم ذكرُه، فكان لذلك كجزء من الاسم، وجزء الاسم لا يستحقّ الإعرابَ.
والمضمر على ضربَيْن: متّصلٌ ومنفصلٌ. فالمتْصلُ: ما كان متّصلًا بعامله. وإنّما قال: "ما لا ينفك عن اتصاله بكلمةٍ"، ولم يقل: بعامل، تحرُّزا من المضاف في نحو: "أخوك" و"شَبِيهك"، فإنّه على رأي جماعةٍ من المحقِّقين العاملُ فيه حرفُ الجرّ المقدَّرُ، لا نفسُ الاسم المضافِ، فلذلك لمَ يُقيِّد اتصاله بالعامل فيه.
والمنفصل: ما لم يتصل بالعامل فيه، وذلك بأن يكون مُعَرَّى من عامل لفظيّ، أو مقدَّمًا على عامله، أو مفصولًا بينه وبينه بحرفِ الاستثناء، أو حرف عطف، أو شيء يفصِل بينهما فصلًا لازمًا.
فإنّ قيل: ولِمَ كانت المضمراتُ متّصلة ومنفصلةَ، وهلّا كانت كلُّها متّصلةً، أو منفصلةً؟ قيل: القياسُ فيها أنّ تكون كلها متّصلةً؛ لأنّها أَوْجَزُ لفظًا، وأبلغُ في التعريف. وإنّما أُتي بالمنفصل لاختلافِ مواقعِ الأسماء التي تُضمَر، فبعضُها يكون مبتدأْ، نحو: "زيدٌ قائمٌ". فإذا كنيتَ عنه، قلتَ: "هو قائمٌ"، أو"أنت قائمٌ"، إن كان مخاطبًا؛ لأنّ الابتداء ليس له لفظٌ يتصل به الضميرُ، فلذلك وجب أنّ يكون ضميرُه منفصلًا.
وبعضُها يتقدّم على عامله، نحو: "زيدًا ضربتُ". فإذا كنيتَ عنه مع تقديمه، لم يكن إلا منفصلًا، لتعذر الإتيان به متّصلًا مع تقديمه، فلذلك تقول: "إيّاه ضربتُ"، أو "إيّاك". قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)، أتى بالضمير المنفصل لمّا كان المفعولُ مقدَّمًا.
وقد يُفصَل بين المعمول وعامله، فإذا كُني عنه لا يكون ضميرُه إلَّا مفصولًا، نحو: "ما ضَرَبَ زيدًا إلَّا أنتَ"، و"ما ضربتُ إلَّا إيّاك"، و"علّمتُ زيدًا إيّاه"، فلذلك كانت متّصلةٌ ومنفصلةٌ، والذي يُؤيِّد عندك ذلك أنّ الاسم المجرور، لمّا كان عاملُه لفظيًا, ولا يجوز تقديمُه عليه، ولا فصلُه عنه، لم يكن له ضميرٌ إلَّا متصلٌ، والمتّصل أَوْغَلُ في شَبَهِ
стр. 744
الحرف لعدم استبداده بنفسه، وأعرفُ من المنفصل على ما ذكرنا، والمنفصلُ جارٍ مجرى
الأسماء الظاَهرةِ في استبداده بنفسه، وعدمِ افتقاره إلى ما يتّصل به، فاعرفه.
فصل [تصريف الضمائر]
قال صاحب الكتاب: ولكل من المتكلم والمخاطب والغائب مذكره ومؤنثه ومفرده مثناه ومجموعه ضمير متصل ومنفصل في أحوال الإعراب، ما خلا حال الجر فإنه لا منفصل لها. تقول في مرفوع المتصل "ضربت ضربنا وضربت", إلى "ضربتن"، وزيد ضرب إلى ضربن. وفي منصوبه "ضربني ضربنا وضربك" إلى "ضربكن" وضربه إلى "ضربهن". وفي مجروره: "غلامي وغلامنا وغلامك" إلى "غلامكن و"غلامه" إلى "غلامهن", وتقول في مرفوع المنفصل: "أنا, نحن, وأنت", إلى "أنتن", و"هو" إلى "هن", وفي منصوبه: "إياي, إيانا, وإياك", إلى "إياكن", و"إياه" إلى "إياهن".
* * *
قال الشارح: المضمرات ثلاثةُ أقسام: متكلِّمٌ، ومخاطَبٌ، وغائبٌ. وتختلِف ألفاظُها بحسبٍ اختلافِ محلّها من الإعراب، فضميرُ المرفوع غيرُ ضمير المنصوب والمجرور.
فإنّ قيل: كيف اختلفتْ صِيَغُ المضمرات، والأسماءُ لا تختلف صيغُها؟ قيل: لمّا كانت الأسماءُ المضمرةُ واقعة موقعَ الأسماء الظاهرة المعربةِ، وليس فيها إعرابٌ يدل على المعاني المختلفة فيها، جعلوا تغيُّرَ صيغها عوضًا من الإعراب، إذ كانت مبنيّة. ولكل واحد من المضمرات ضميران: متّصلٌ، ومنفصلٌ، ما خلا حالَ الجرّ، فإنّه لا منفصلَ له، فلا يكون إلَّا متّصلًا. فتقول في ضمير المرفوع المتّصلِ: "ضربت"، إذا كان المتكلّمُ وحدَه بتاء مضمومة يستوي فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ؛ لأنّ الفصل بين المذكر والمؤنّث إنّما يُحتاج إليه لئلاّ يُتوهّم غيرُ المقصود في موضع المقصود. والمتكلّمُ لا يُشارِكه غيرُه في لفظه، وعبارته عن نفسه وغيرِه، إذ لا يجوز أنَ يكون كلامُ واحد من متكلّمين.
فإنّ قيل: ولِمَ كانت هذه التاءُ متحرِّكةً؟ وهلاّ كانت ساكنةً، ولِمَ خُصّتْ حيث حُرّكتْ بهذه الحركة التي هي الضمُّ دون غيره؟ فالجوابُ: أمّا تحريكُها؛ فلأنّ التاء هنا اسمٌ قد بلغ الغايةَ في القلّة، فلم يكن بدٌّ من تقوِيَته بالبناء على حركةٍ، لتكون الحركةُ فيه كحرف ثانٍ. والذي يدلّ أنّ التاء اسمٌ ههنا أنّك تُؤكِّدها كما تُؤكِّد الأسماء، فتقول: "فعلتُ أنا نفسي". ولو كانت حرفًا كالتاء في "فَعَلَتْ" إذا أريد المؤنّث، لم يجز تأكيدُها كما لم يجز تأكيدُ تاء التأنيث في نحو"قائمةٍ"، و"قاعدةٍ".
وإنّما خُصّ بالضمّ دون غيرهِ لأمرَيْن: أحدهما: أنّ المتكلّم أوّلٌ قبل غيره، فأُعطي أوّل الحركات، وهي الضمّةُ. والأمرُ الآخر: انّهم أرادوا الفرقَ بين ضميرَي المتكلّم
стр. 745
والمخاطَبِ، فنزّلوا المتكلّمَ منزلةَ الفاعل، ونزّلوا المخاطَبَ منزلةَ المفعول من حيث كان هذا مخاطبًا، وذاك مخاطِبًا، فضمّوا تاء المتكلّم لتكون حركتُها مُجانِسة لحركة الفاعل، وفتحوا تاء المخاطَب، لتكون حركتُها من جنسٍ حركة المفعول. فإذا ثنيتَ، أو جمعتَ المتكلّم، كان ضميرُه "نَا"، ويستوي في علامته الاثنان والجماعةُ، تقول: "ذَهَبْنَا"، و"تَحَدَّثْنَا" ومعك واحدٌ، و"ذهبْنا"، و"تحدّثْنا"، ومعك اثنان فصاعدًا، وإنّما استوى في الضمير لفظُ الاثنين والجمع؛ لأنّ تثنيةَ ضمير المتكلّم، وجمعَه ليس على منهاجِ تثنيةِ الأسماء الظاهرةِ وجمعِها؛ لأنّ التثنية ضمُّ شيء إلى مثله كزيد وزيد، ورجل ورجل، تقول فيهما: "الزيدان"، و"الرجلان". والجمعُ ضمُّ شيء إلى أكثرَ منه من لفظه، كرجل ورجل ورجل، وزيد وزيد وزيد، ونحو ذلك فتقول إذا جمعتَ: "الزيدون"، و"رجالٌ". وليس الأمرُ في هذا المضمر كذلك؛ لأنّ المتكلّم لا يُشارِكه متكلّمٌ آخرُ في خطابٍ واحدٍ، فيكونَ اللفظُ لهما، لكنّه قد يتكلّم الإنسانُ عن نفسه وحدَه، ويتكلّم عن نفسه، وعن غيره، فيجعل اللفظَ المعبَّرَ به عن نفسه وعن غيره مخالِفًا للفظِ المعبّر به عن نفسه وحدَه، واستوى أنّ يكون المضمومُ إليه واحدًا أو أكثرَ، فلذلك تقول: "قُمْنَا ضاحكَيْن"، و"قمنا ضاحكِينَ".
فإنّ كان مخاطبًا، فصلتَ بين لفظِ مذكّره، ومؤنّثه، ومثنّاه، ومجموعه، فتقول في المذكر: "ضربتَ"، وفي المؤنّث "ضربتِ"، فتفتح التاء مع المذكّر، وتكسِرها مع المؤنّث للفرق بينهما. وخصّوا المؤنّث بالكسر؛ لأنّ الكسرة من الياء، والياء ممّا تُؤنَّث بها في نحو"تَفْعَلِينَ" وفي "ذي". ولمّا اختصّت الضمّةُ بالمتكلّم لِمَا ذكرناه، والكسرةُ بالمؤنّث المخاطَبِ، لم يبق إلّا الفتحةُ، فخُصّ بها المخاطَبُ المذكّرُ.
وإنّما احتيج إلى الفصل بين المذكر، والمؤنّث، والتثنيةِ، والجمع في المخاطب؛ لانّه قد يكون بحضرةِ المتكلم اثنان: مذكر، ومؤنث، وهو مُقْبِلٌ عليهما، فيخاطب أحدهما، فلا يُعرَف حتى يُبيِّنه بعلامةٍ، فلذلك من المعنى ثَنَّى، وجمع خَوْفًا من انصرافِ الخطاب إلى بعضِ الجماعة دون بعضٍ، فلذلك تقول: إذا خاطبتَ مذكّرًا: "ضربتَ"، و"فعلتَ"، وفي التثنية: "ضربتِما" و"فعلتما"، وفي الجمع: "ضربتم"، و"فعلتم"، وفي المؤنّث: "ضربتِ"، وفي التثنية "ضربتما"، وفي الجمع: "ضربتُنَّ". يستوي المذكّرُ والمؤنّثُ في التثنية، ويفترقان في الجمع. وذلك لأنّ التثنية ضربٌ واحدٌ لا يختلِف، فلا تكون تثنيةٌ أكثرَ من تثنيةٍ، فلمّا اتّفق معناهما، اتفق لفظُهما. ويختلف الجمعُ في لفظه كما اختلف معناه. وأصلُ "ضربتم" في جمعِ المذكّر: "ضربتُمُوا" بواوٍ بعد الميم، كما كانت التثنيةُ بألفٍ بعد الميم. فالميمُ في الجمع لمُجاوزة الواحد، والواوُ للجمع، كما كانت الميمُ في التثنية لمجاوزة الواحد، والألفُ للتثنية.
وقد يُحذف الواو من الجمع لأمنِ اللبس، إذ الواحد لا ميمَ فيه، والتثنيةُ يلزمها
стр. 746
الميمُ والألف، فلا يُلْبِس بواحدٍ، ولا تثنيةٍ؛ لأنّ الواحد لا ميَم فيه، والتثنيةَ يلزم فيها الألفُ. وإذا حذفتَ الواو، سكنتَ الميم؛ لأنّه أبلغُ في التخفيف، ومع ذلك، فالحركة قبل حرف اللين لمّا لم يكن بدّ منها، كانت من لَوازِمه وأعْراضِه، كالصَّفير لحروفِ الصفير, والتكريرِ للراء. فكما إذا حُذفت هذه الحروفُ، زالت هذه الأعراضُ معهما؛ كذلك إذا حُذف حرفُ اللين، زالت الحركةُ معه، إذ كانت من لوازمه، وقلت في جمعِ المؤنّث: "ضربْتُنَّ" بتشديد النون، لتكون نونان بإزاءِ الميم والواو في المذكّرِين. وذلك أنّ ضمير المؤنّث على حسبِ ضمير المذكّر، فإنّ كانت علامةُ المذكّر حرفًا واحدًا، فعلامةُ المؤنّث حرفٌ واحدٌ، وإن كانت علامةُ المذكّر حرفَيْن، كانت علامةُ المؤنّث حرفَين، فقلت: "الهِنْداتُ ضَرَبْنَ"، بنون واحدة حيث قلت: "الزيدون قاموا"، وقلت: "ضربتُنَّ" بنونَيْن حيث قالوا: "قُمْتُمُوا"، و"ضربْتُمُوا" ليكون الزيادتان بإزاء الميم والواو في جمع المذكّر.
وتقول في ضمير الغائب المذكّر: "زيدٌ ضَرَبَ"، وفي التثنية: "الزيدان ضَرَبَا"، وفي الجمع: "الزيدون ضربوا"، فيكون ضميرُ الواحد بلا لفظٍ، والتثنيةُ والجمعُ بعلامةٍ ولفظٍ. فالألفُ في "قَامَا" علامةُ التثنية، وضميرِ الفاعل. والواوُ علامةُ الجمع، وضميرِ الفاعل. وإنّما كان الواحدُ بلا علامةٍ، والتثنيةُ والجمعُ بعلامةٍ، من قِبَل أنّه قد استقّر، وعُلم أنّ الفعل لا بدّ له من فاعلِ كالكتابة التي لا بدّ لها من كاتب، والبِناءِ الذي لا بدّ له من بانٍ، ولا يحدُث شيءٌ من تِلّقاءِ نفسه، فالفاعلُ معلومٌ، لا محالةَ، إذ لا يخلو منه فعلٌ، وقد يخلو من الاثنين والجماعةِ، فلمّا كان الفاعل معلومًا لاستحالةِ فعلٍ بلا فاعلٍ، لم يُحتج له إلى علامةٍ تدُل عليه. ولمّا جاز أنّ يخلو من الاثنَيْن والجماعةِ احتيج لهما إلى علامة.
وقد اختلف العلماء في هذه الألف والواو، فذهب سيبويه إلى أنّهما قد تكونان تارةً اسمَيْن للمضمرَيْن، ومرّةَ تكونان حرفَيْن دالَّيْن على التثنية والجمع، فإذا قلت: "الزيدان قامَا" فالألفُ اسمٌ، وهي ضميرُ الزيدَيْن، وإذا قلت: "الزيدون قاموا"، فالواوُ اسمٌ، وهو ضميرُ "الزيدين". وإذا قلت: "قاما الزيدان"، فالألف حرفٌ مُؤذِنٌ بأنّ الفعل لاثنين، وكذلك إذا قلت: "قاموا الزيدون" فالواو حرف مؤذن بأن الفعل لجماعةٍ. وهي لغةٌ فاشيةٌ لبعض العرب، كثيرةٌ في كلام العرب وأشعارهم، وعليه جاء قولُهم: "أَكَلُونِي البَراغِيثُ" في أحدِ الوجوه، ومنه قول الشاعر [من المتقارب]:
٤٤٢ - يَلُومُونَنِي في اشْتِراءِ الننَخيلِ ... أَهْلِي فكلُّهم يَعْذُلُ
стр. 747
وقولُ الآخر [من السريع]:
٤٤٣ - أُلْفِيَتَا عَيْناكَ عند القَفَا ... أَوْلَى فأَوْلَى لك ذا واعِيَهْ
وذهب أبو عثمان المازنيُّ، وغيره من النحويّين إلى أنّ الألف في "قاما"، والواو في "قاموا" حرفان يدلاّن على الفاعلَيْن، والفاعلين المضمرين، والفاعلُ في النيّة، كما أنّك إذا قلت: "زيدٌ قام"، ففي "قام" ضمير في النيّة، وليست له علامةٌ ظاهرةٌ. فإذا ثُنّي، أو
стр. 748
جُمع، فالضميرُ أيضًا في النيّة، غيرَ أنّ له علامةً. والمذهب الأوّل؛ لأنّك إذا قلت: "الزيدان قاما"، فالألف قد حلّت محلّ "أبوهما"، إذا قلت: "الزيدان قام أبوهما". فلمّا حلّت محلَّ ما لا يكون إلّا اسمًا، وجب أن يكون اسمًا.
وتقول في المؤنّث: "هندٌ ضَرَبَتْ"، فالفاعلُ في النيّة، والتاء مُؤْذِنةٌ بأنّ الفعل لمؤنّثٍ. والذي يدل أنّها ليست اسمًا أشياء، منها: أنّك تقول: "هندٌ ضربتْ جاريتُها"، فترفع "الجاريةَ" بأنّها فاعلةٌ، ولو كانت التاء اسمًا، لم يجز رفعُ الاسم الظاهرِ؛ لأنّ الفعل لا يَرْفع فاعلَيْن، أحدُهما مضمرٌ، والآخرُ ظاهرٌ. ومنها أنّها لو كانت اسمًا، لكنتَ إذا قلت: "قامت هند"، فقد قدّمت المضمرَ على المظهر، وذلك لا يجوز. ومنها أنّك تقول في التثنية: "قَامَتَا"، فتجمع بين التاء، وضمير التثنية، فيلزم من ذلك أنّ يكون الفعلُ خبرًا عن ثلاثةٍ من غيرِ اشتراك، فإذًا لا فَرْقَ بين قولك: "قامت هندٌ"، و"هندٌ قامت" في كون التاء حرفاً. فإذا ثنّيتَ قلت: "الهندان قامَتَا"، فيكون كلفظِ المذكّر لمَا ذكرناه من أنّ التثنية ضربٌ واحدٌ.
فإنّ جمعت المؤنّثَ، قلت: "الهندات قُمْنَ"، فتكون النونُ اسمًا ضميرًا لهندات. فإنّ قدمتَ، وقلت: "ضربن الهنداتُ"، كانت حرفاً مُؤذِنةً بأنَّ الفعل لجماعةِ المؤنّث، كما قلنا في التاء إذا قلت: "قامت هندٌ". ومنه بيتُ الفَرَزدَق [من الطويل]:
٤٤٤ - وَلكِنْ دِيافِىّ أَبُوهُ وأُمُّهُ ... بحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقارِبُهْ
стр. 749
فالنون في "يعصرن" حرفٌ، وليست اسمًا، فأمرُ النون كأمر الألف والواو في "قَاما أَخَواكَ"، و"قاموا إخْوَتُك".
فإنّ قلت: فهلا كان الاختيارُ "قاما أخواك"، و"قاموا إخوتك"، و"قُمْنَ الهنداتُ"، إذ كُنَّ حروفًا مُؤذِنةٌ بعددِ الفاعلين، كما كان الاختيارُ: "قامت هندٌ". قيل: الفرقُ بينهما أنّ التأنيث معنى لازمٌ، لا يُفارِق الاسمَ، والتثنية غيرُ لازمة، لأنّك قد تزيد عليها، فتصير جمعًا، وقد تنقُص منها، فيبقى واحدٌ، فلِلُزوم معنى التأنيث؛ لزمت علامتُه، ولَزوال معنى التثنية؛ لم تلزم علامتُها. ووجهٌ ثانٍ أنّهم لم يختاروا "قاما أخواك"، ولا "قاموا إخوتك"، لئلاّ يُتوهّم أنه خبرٌ مقدَّمٌ، فيلتبِسَ الفاعلُ بالمبتدأ، فاعرفه.
وأمّا الضمير المنصوب المتّصل، فهو يُوافِق ضميرَ المجرور في اللفظ، ويُشارِكه في الصورة. وإنّما استوت علامةُ ضمير المنصوب والمجرورِ لتَوخيهما في الإتيان على معنى المفعول، أعني أنّهما يأتيان فضلة في الكلام. وهو على ثلاثةِ أضرب: متكلِّمٌ، ومخاطَبٌ، وغائبٌ. فتقول في ضمير المتكلّم "ضَرَبَنِي"، فتكون العلامةُ الياء كما تكون في المجرور كذلك، نحو "غُلامي"، و"صاحبي"، إلّا أنّك أتيتَ بنونٍ قبل الياء، ليقع الكسرُ عليها، ويسلَمَ الفعلُ من الكسر، كأنّهم حرسوا أواخرَ الأفعال من دخولِ الكسر عليها لتباعُدِ الأفعال من الجرّ، والكسرُ لفظه لفظُ الجرّ. وذلك أنّ ياء المتكلّم تكْسِر ما قبلها إذا كان ممّا يُحرك، والذي يدلّ على أنّ النون زيادةٌ، والضميرَ هو الاسمُ وحده، أنّه متى اتصل ضميرُ المتكلّم المنصوبُ، أو المجرورُ بالاسم، كان ياء لا نون معها، وكسرتِ الياء ما قبلها؛ فأمّا المنصوب، فنحو: "الضاربي"، و"المُكْرِمِي"، فالياء منهما في موضع منصوب. والذي يدل على ذلك أنّك إذا أوقعتَ موقعه ظاهرًا، لم يكن إلا منصوبًا، نحو: "الضاربُ زيداً"، و"المُكرِمُ خالدًا". فأمّا المجرورُ، فنحو: "مَعِي"، و"غلامي"، فعلمتَ بذلك أنْ النون في "ضَرَبَنِي" ليست من الضمير في شيءٍ، وإنّما أُتي بها لأمر راجع إلى الفعل، وهو ما ذكرناه من حِراسةِ الأفعال من الكسر. وممّا يُؤيِّد عندك زيادتَها، وأنّها ليست من الاسم أنّك قد تحذِفها في نحو: "أني" و"إنِّي". قال الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١)، فأتى بنون الوِقاية على الأصل، وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ (٢)، فحذف نون الوقاية. والذي يدلّ على أنّ المحذوف منها نونُ الوقاية أنّها قد حُذفت في أُخْتَيْها. قالوا: "لَعَلِّي"، و"لَيتِي". قال الله
стр. 750
تعالى: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (١) وقال الشاعر [من الوافر]:
٤٤٥ - كمُنْيَةِ جابرٍ إذ قال لَيْتِي ... أُصالِحُه وأَفْقِدُ بَعْضَ مَالِي
فالمحذوف هنا نون الوقاية غير ذي شَكّ، فثبت أنّ المحذوف في "إنِّي"، و"أنِّي" نون الوقاية.
وقد اختلفوا في علّةِ حذف هذه النون، فقال سيبويه (٢): إنّما حُذفت لكثرة الاستعمال، واجتماع النونات، وهم يستثقلون التضعيفَ. فإنّ قيل: فإذا كانوا إنّما حذفوا نون الوقاية لثِقَلِ التضَعيف، واجتماع النونات، فما بالُهم حذفوها في "لَعَلِّي"، و"لَيْتِي"، ولم يجتمع في آخِرهما نوناتٌ؟ قيل: أمّا "لَعَلَّ"، فإنّها وإن لِم يكن في آخرها نون، فإنّ في آخِرِها لامًا مضاعَفةٌ، واللامُ قريبةٌ من النون، ولذلك تُدغَم فيها، نحو قوله تعالى: ﴿مِن لَّدُنْهُ﴾ (٣). ولا يُدّغَم في النون غير اللام. وأمّا "لَيْتَ" فلم يكن في آخرها نونٌ، ولا ما يُضارع النون، ويقرُب منها، فيلزمُها النونُ.
стр. 751
وقالوا: "لَيتَنِي"، وقَلَّ في كلامهم: "لَيْتي"، وكان من قبيلِ الضرورة، ومع ذلك، فإنها حروفٌ أجريت مُجرى الفعل في العمل، وليست أفعالاً، فهي بحكم الشَّبَه تلزمها نونُ الوقاية كالفعل. ومن حيث هي حروفٌ يجوز إسقاطُ النون منها, لأنّ الحروف في ذلك على ضربَيْن: تأتي بالنون والياء، وبالياء وحدَها، وذلك نحو قولك: "مِنِّي"، و"عَنِّي"، فهذه قد لزمتها النون على ما ترى.
وقالوا: "إلَيَّ"، و"بي" من غيرِ نون؛ لأنّ الحروف لا يُكرَه فيها الكسرُ كما كُره في الأفعال، مع أنّهم قد حذفوا هذه النونَ مع الفعل نفسِه، نحو قوله [من الوافر]:
٤٤٦ - تَراة كالثَّغام يُعَلُّ مِسْكًا ... يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي
وإذا أجازوا حذفَها مع الفعل؛ كان مع الحرف أسْوغَ. فأمّا الفراء، فإنّه احتجّ لسقوطِ النون في "أَنَّ"، و"كَأَنَّ"، و"لَعَلَّ" بأنّها بُعدتْ عن الفعل، إن ليست على لفظه، فضعُف لزومُ النون لها، و"ليْتَ" على لفظ الفعل، فقوي فيها إثباتُ النون. ألا ترى أنّ أولها مفتوحٌ، وثانيَها حرفُ علّةٍ ساكنٌ، وثالثَها مفتوحٌ، فهو كـ"قَامَ"، و"بَاعَ"؟ وهو قولٌ حسنٌ، إلّا أنّه يلزمه أنّ يقلّ حذفُها مع "أنَّ" المفتوحة؛ لأنّها على وزان الأفعالِ
стр. 752
المضاعَفةِ، نحو: "رَدَّ"، و"شَدّ"، و"مَدَّ"، فإذا ثنّيتَ، أو جمعتَ، قلت: "ضَرَبَنَا"، فيستوي لفظُ التثنية والجمع. وقد تقدّمتْ علّةُ ذلك في ضميرِ الفاعل، إلّا أنّك هنا لا تُسكِّن آخِرَ الفعل، كما فعلتَ به حين اتّصل به ضميرُ الفاعل، نحو: "ضَرَبْنَا"، و"حَدثْنَا". فإذا سكّنت آخِرَ الفعل، فالضميرُ فاعل، وإذا حرّكتَ، فالضميرُ مفعولٌ.
وأمّا المخاطب المنصوب إذا كان مذكرًا، فضميرُه كافٌ مفتوحةٌ، نحو: "ضربتُكَ"، والمؤنّثَ كافٌ مكسورةٌ، نحو: "ضربتُكِ"، قال الله تعالى في قِصّةِ زَكَرِيّاءَ: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (١) وقال في قصّةِ مَرْيَمَ: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (٢)، فتحوا الكافَ مع المذكّر، وكسروا مع المؤنّث للفرق بينهما. وخُصّ المؤنث بالكسرة؛ لأنّ الكسرة من الياء، والياء ممّا يُؤنَّث به، نحو: "قُومِي"، و"تَذهَبِينَ". فهذه الكافُ اسمٌ، وتُفيد الخطابَ. والذي يدل على أنها اسمٌ أنّها وقعت موقعَ ما لا يكون إلّا اسمًا، وهو المفعولُ، ألا ترى أنّك لو وضعتَ مكانَها ظاهرًا؛ لكان منصوبًا بحقِّ المفعول، نحو: "ضرب زيداً عمرٌو".
وقد تكون هذه الكافُ لمجرَّدِ الخطاب عَرِيَة من معنى الاسميّة، نحو قولهم: "النَّجاءَكَ"، فالكافُ حرفٌ لمجرّدِ الخطاب. ولا يجوز أنّ يكون اسمًا؛ لأنّه لو كان اسمًا، لكان له موضعٌ من اِلإعراب، وليس له موضعٌ من الإعراب؛ لأنّه لو كان له موضعٌ من الإعراب، لم يَخْلُ إما أنّ يكون مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا. لا يجوز أن يكون مرفوعًا؛ لأنّه لا رافعَ هناك. ولا يجوز أنّ يكون منصوبًا؛ لعدمِ الناصب أيضًا. ولا يجوز أنّ يكون مخفوضًا؛ لأنّ ما فيه الألف واللام لا يجوز أنّ يضاف إلّا في باب "الحسن الوجهِ"، وليس ذلك منه. ومنه الكافُ في "ذلِكَ"، و"أُولئِكَ" ونحوهما؛ لعدمِ جوازِ الإضافة فيهما. فإذا ثنّيتَ، قلت: "ضربتُكُما". ويستوي فيه المذكّرُ والمؤنّثُ، وقد تقدّمت علّةُ ذلك.
وتقول في جمع المذكّر: "ضربتُكُم"، وأصلُه: "ضربتُكُمُوا" بواوٍ، وإنّما حذفتَ الواو تخفيفًا، وأسكنتَ الميم لِما ذكرناه. وتقول في المؤنّث: "ضربتُكُنَّ"، فتفصِل بين ضميرِ المذكّر، والمؤنّث، والتثنيةِ، والجمعِ لما ذكرناه في ضمير المرفوع. وأمّا ضميرُ الغائب، فإنّك تُثنِّيه، وتجمعُه، وتفرِق بين مذكّره ومؤنّثه كما فعلتَ مع المخاطب، وهو ههنا أَوْلى لأنّه ضميرُ ظاهرٍ قد جرى ذكره. والظاهرُ يُثنَّى، ويُجْمَع، ويُذكَّر، ويُؤنَّث، فتقول في المذكّر: "ضربْتُه"، فالضميرُ الهاء، إلّا أنّك تزيد معها حرفًا آخرَ، وهو الواو، وذلك لخَفاء الهاء.
وكان القياسُ أن يكون حرفاً واحدًا؛ لأنّ المضمراتِ وُضعت نائبةً عن غيرها من الأسماء الظاهرة لضربٍ من الإيجاز والاختصارِ، كما جِيء بحروفِ المعاني نائبةً عن
стр. 753
غيرها من الأفعال، فـ "مَا" نائبةٌ عن "أَنْفِي"، والهمزةُ نائبةٌ عن "أَسْتَفْهِمُ"، والواوُ في العطف، ونحوها عن الفاء، و"ثُمَّ"، نائبةٌ عن "أجْمَعُ" و"أعْطِفُ"، فلذلك قلّتْ حروفُها كما قلّتْ حروفُ المعاني، فجُعل ما كان منها متّصلاً على حرف واحد كالتاء في "قُمْتَ"، والكاف في "ضَرَبَكَ"، وجُعل بعضُ المتْصل في النية كالضمير في "أَفْعَلُ"، و"يَفْعَلُ"، و"تَفْعَلُ"، وفي "زيدٌ قام" و"يقوم" مبالغةٌ في الإيجاز عند أَمْنِ اللَّبْس، بدلالةِ حروفِ المضارعة على المضمرين. ألا ترى أنّك إذا قلت: "أَفْعَلُ"، فالهمزةُ دلّت على أنّ الفعل للمتكلّم وحده، والنون دلت على أنّ المتكلم معه غيرُه، والتاء دلّت على أنّ الفعل للمخاطب، أو الغائبة؟
وتقدُّمُ الظاهر في قولك "زيدٌ قام" دلّ على أنّ الضمير له. واحتمل أن يكون على حرف واحد؛ لأنّه متصلٌ بما قبله من حروفِ الكلمة، ولو كان منفصلاً، لكان على حرفَيْن، أو أكثرَ؛ لأنّه لم يُمكِن إفرادُ كلمةٍ على حرف واحد. والمنفصلُ منفردٌ عن غيره بمنزلةِ الأسماء الظاهرةِ. وتقول في المؤنّث: "ضربتُها"، وفي التثنية: "ضربتُهُما" الذَّكَرُ والأُنْثَى فيه سَواءٌ. وتقول في جمع المذكّر: "ضربتُهُمْ"، والأصلُ: "ضربتُهُمُوا" بواوٍ بعد الميم، وتحذف الواو وتُسكّن ما قبَلها تخفيفًا. وتقول في جمع المؤنّث: "ضربتُهُنَّ" بنون مشدَّدة، ليكون نونان بإزاء الميم والواو في المذكّر.
وأمّا ضمير المجرور، فهو في اللفظ والصورة كلفظِ المنصوب على ما تقدّم، نحو قولك إذا كنيتَ عن نفسك وحدَك: "مَرَّ بي"، و"غُلامي"، فالضميرُ الياء كما كانت في المنصوب، إلا أنّك لا تأتي ههنا بنون الوقاية لأنّه اسمٌ، والاسمُ لا يُصان عن الكسر، وهذه الياء تُفتَح وتُسكَّن، فمن فتحها، فلأنّها اسمٌ على حرف واحد، فقوِي بالحركة، كالكاف في "غلامكَ". ومَن أسكنَ، فحُجّتُه أنّه استغنى عن تحريكها بحركة ما قبلها مع إرادة التخفيف فيها. فإذا ثنّيتَ، قلت: "مَرَّ بِنَا"، و"غلامُنَا"، يستوي في ذلك التثنيةُ والجمع، والمذكر والمؤنّثُ استغناء بقَرِينةِ المشاهدة والحضور عن علامةٍ تدل عى كلِّ واحد من هذه المعاني.
فإذا خاطبتَ، قلت: "بِكَ"، و"غلامُكَ" في المذكّر بكاف مفتوحة، كما كان المنصوبُ كذلك، وتقول في المؤنّث: "بِكِ"، و"غلامُكِ"، بكاف مكسورة كما فعلت في المنصوب كذلك. وتقول في التثنية: "بِكُمَا"، و"غلامُكُمَا" مذكّرًا كان، أو مؤنّثًا، كما كان في المنصوب كذلك. وتقول في الجمع: "بِكُمْ"، و"غلامُكُمْ"، وفي جمع المؤنّث "بِكُنَّ"، و"غلامُكُنَّ" فتُثنَّي، وتجمَع، وتُؤنِّث، والعلّةُ فيه ما تقدّم.
فأمّا المضمر المنفصل، فإنّا قد بَيَّنَّا أنّه الذي لا يلي العاملَ، ولا يتصِّل به، وذلك بأن يكون مُعرَّى من عامل لفظىٍّ، كالمبتدأ والخبر في نحو قولك: "نَحْنُ ذاهبون"، و"كيف أنت؟ "، و"أَيْنَ هو؟ "؛ أو يكون مقدَّمًا على عامله، كقولك: "إياك أُخاطِبُ". قال
стр. 754
الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)؛ أو مفصولاً بينه وبينه بشيء، كالاستثناء والعطفِ، نحو: "ما قام إلّا أنتَ"، و"ما ضربتُ إلّا إيّاك"، ونحو:،"ضربتُ زيداً وإيّاه".
ولا يخلو من أنّ يكون مرفوعَ الموضع، أو منصوبَ الموضع، ولا يكون مخفوضَ الموضع؛ لأنّ المجرور لا يكون إلّا بعامل لفظىٍّ، كحروفِ الجرّ والإضافةِ. ولا يجوز أن يتقدّم المجرورُ على الجارّ، ولا يُفصَل بينهما فصلاً لازمًا، وقولُنا: "لازمًا" احترازٌ ممّا قد يُفصَل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، فإنّ ذلك لا يقع لازمًا؛ لأنّ الظرف ليس بلازمٍ ذكره.
فأمّا ضميرُ المرفوع، فيكون متكلمًا ومخاطبًا وغائبًا، فالمتكلّمُ "أَنَا" إذا كان وحده، فالألفُ والنون هو الاسمُ عند البصريين، والألفُ الأخيرة أُتي بها في الوقف لبيانِ الحركة، فهي كالهاء في "اغْزُة" و"ازمِهْ". وإذا وصلتَ، حذفتَها كما تحذِف الهاء في الوصل. وذهب الكوفيون إلى أنّها بكمالها هو الاسمُ، واحتجّوا لذلك بقول الشاعر [من الوافر]:
٤٤٧ - أَنَا سَيْفُ العَشِيرةِ فاعْرِفُوني ... حَمِيدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنامَا
وجهُ الشاهد أنّه أثبتَ الألفَ في حالِ الوصل. ومنه قِراءةُ نافع: ﴿أَنَا أُحْيِي﴾ (٢) قالوا: فإثباتُها في الوصل دليلٌ على ما قلناه، ولا حجّةَ في ذلك لقِلّته؛ ولأنّ الأعمّ
стр. 755
الأغلبَ سُقوطُها. ومُجازُ البيت والقراءةِ على إجراء الوصل مُجرى الوقف، وهو بالضرورة أشبه، كقوله [من الرجز]:
٤٤٨ - [كأنّهُ السَّيلُ إذا اسْلحَيَّا] ... مِثْلُ الحَرِيقِ صادَفَ القَصَبّا
وقد قالوا: "أنَهْ"، فوقفوا بالهاء، حُكي عن بعضِ العرب، وقد عَرْقَبَ ناقتَه لضَيْفٍ، فقيل له: "هلّا فصدتَها وأطعمتَه دَمَها مَشْوِيًّا". فقال: "هذا فَصْدي أَنَة". وقال الشاعر [من الرجز]:
٤٤٩ - إنْ كُنْتُ أَدْرِي فعَلَىَّ بَدَنَه ... من كَثرَةِ التخْلِيط فيَّ مَنْ أَنَهْ
стр. 756
ومنهم من يُسكِّن النون في الوصل والوقف، فيقول: "أنْ فعلتُ". وهذا ممّا يؤيّد مذهبَ البصريين، وأنّ الألف زائدةٌ لبيانِ الحركة، لوُقوعها موقعَ ما لا شُبْهَةَ في زيادتها، وهي الهاءُ, وسقوطِها في هذه اللغة. وقد حكى الفرّاء: "آنَ فعلتُ"، بقلب الألف إلى موضعِ العين، فإنّ صحّت هذه الروايةُ كان فيها تَقْوِيَةٌ لمَذْهبهم، فهو عند الكَوفيين مبنىٌّ على السكون وهي الألف، وعند البصريين مبنيّ على الفتح، ويحتمِل أنّهم إنّما فتحوه لئلاّ يُشْبِه الأدواتِ.
وأمّا "نَحْنُ" فللمتكلّم إذا كان معه غيرُه، يستوي فيه المذكّرُ والمؤنّث والتثنيةُ والجمع، فتقول: "نحن خارجان"، و"نحن خارجون". وإنّما استوى فيه لفظُ التثنية والجمع لِمَا تقدّم من أن التثنية والجمعَ ههنا ليس على منهاج غيرها من الأسماء الظاهرة؛ لأنّه لم يُرَد ضَمُّ متكلّم إلى متكلم كما كان التثنيةُ ضمَّ اسم إلى اسم. وإنّما المتكلّمُ يتكلّم عن نفسه وغيره، ولم يكن المتكلّم ممّا يُلْبِس بغيره لإدراكه بالحاسّة، فلم يحتج إلى الفصل بين التثنية والجمع، والتأنيث والتذكير.
وحركةُ النون لالتقاء الساكنَيْن، وخُصّت بالضمّ لوجوه: منها أنَّ الصيغة للجمع، والواوُ من علاماتِ الجمع، نحو: "قاموا"، و"الزيدون"، والضمّةُ من جنسِ الواو، فلمّا وجب تحريكُها، حُرّكت بأقربِ الحركات إلى معنى الجمع. وهذا قولُ أبي إسحاق الزَّجّاج. ومنها قولُ أبي العبّاس المبرّد إنّها شُبّهت بـ "قَبْلُ"، و"بَعْدُ"، في الغايات، وذلك من حيث صلحت لاثنين فصاعدًا كما صلحت "قبلُ" و"بعدُ" للشيء والشيئين فما فوقهما، فصارت لذلك غايةٌ كـ"قبلُ" و"بعدُ". ومنها أنْ هذا الضمير مرفوعُ الموضع، فحُرّك بحركةِ المرفوع، وهو قولُ أبي الحسن الأخفش الصغير, وقال قُطْرُبٌ: بُنيت على الضمّ؛ لأنّ أصلها "نَحُن" بضمُ العين، ثُمّ نُقلت الضمّة إلى اللام التي هي النونُ. وكان الذي دعاه إلى هذه المَقالة أنّه رآهم قد يقفون عليه بنقلِ الضمّة إلى الساكن قبله، فيقولون: "نَحُنْ"، كما يقولون: "هذا بَكُرْ"، فادّعى أنّ أصلها ذلك، ثمّ أسكنها تخفيفًا، كما يقولون في "عَضُدٌ": "عَضْدٌ"، وكرِه الساكنين، فنقل حركتَه إلى الساكن قبله الثاني، كما قالوا: "يَرُدُّ"، و"يَفِرُّ"، و"يَعَضُّ"، لمّا أسكنوا للادغام، نقلوا حركتَه إلى الساكن قبله، وهذا لا يستقيم لأنّ النقل من عَوارِض الوقف، فلا يُجعَل أصلاً يُبنَى عليه حُكْمٌ.
وأمّا المخاطب؛ فإثك تفصِل بين مذكّره ومؤنّثه وتثنيته وجمعه بالعلامات؛ لأنّ
стр. 757
تعريفه دون تعريفِ المتكلّم, لأنّه قد يُلْبِس بأن تُخاطِب واحدًا، ويكون بحَضْرته غيرُه، فيُتوهّمُ انصرافُ الخطاب إلى غيرِ المقصود. وليس كذلك المتكلّم؛ لأنّه إذا تكلّم، لا يشتبِه به غيرُه، فلذلك تقول: "أَنْتَ" إذا خاطبتَ واحدًا. فالاسمُ منه الألفُ والنون عندنا، وهي التي كانت للمتكلّم، زيدت عليها التاء للخطاب، وهي حرفُ معنى مجرَّدٌ من معنى الاسميّة، إذ لو كان اسمًا، لكان له موضعٌ من الإعراب. ولو اعتُقد له موضعٌ من الإعراب، لكان إمّا رفعًا، أو نصبًا، أو جرًّا، فلا يجوز أن يكون مرفوعًا، أو منصوبًا؛ لأنّه لا رافعَ ولا ناصبَ، ولا يجوز أن يكون مخفوضًا, لأنّه مضمرٌ، والمضمراتُ لا تضاف من حيث كانت معرفةٌ. وإذا بطل أن يكون له موضعٌ من الإعراب، بطل أن يكون اسمًا، فليست التاء في "أَنْتَ" كالتاء في "ضربتَ"، كما أن الكاف في "ذلِكَ" و"النَّجاءكَ" ليست كالكاف في "غلامك"، و"صاحبك".
وإذا ثبت أنها حرفٌ، كان حقُّه السكونَ، وإنّما حُرّك لأجلِ الساكن قبله، وخُصّ بالفتحة لخِفّتها كواو العطف وفائه، وهمزة الاستفهام، ونحوهنّ من حروف المعاني، ولتكون حركتُها كالتاء في "ضربتَ"، و"قتلتَ"، حيث كانا جميعًا للخطاب، وإن اختلف حالاهما. وقد ذهب الكوفيون إلى أن التاء من نفسِ الكلمة، والكلمةَ بكَمالها اسمٌ عَمَلاً بالظاهر، والصوابُ ما ذكرناه.
فإنّ خاطبتَ المؤنّث، كسرتَها، فقلت: "أَنْتِ". وذلك لأنّ الفتح لمّا استبَدّ به المذكّرُ، عُدل إلى الكسر, لأنّه أخفُّ من الضمّ، ولأنّ الكسرة من الياء، وهي ممّا يُؤنَّث بها على ما تقدّم قبلُ. فإنّ خاطبت اثنين، قلت: "أنْتُمَا"، فالميم لمجاوَزةِ الواحد، وكانت الميم أَوْلى لشَبَهها بحروفِ المَدّ. وهي من مَخْرَجِ الواو، والواوُ تكون للجمع في "قاموا"، والألفُ للدلالة على التثنية، كما كانت كذلك في "قَامَا"، فإذا الاسمُ منه الهمزةُ والنون، وباقِي الحروف زوائدُ لِما ذكرناه.
وقيل: إنّ الكلمة بكَمالها الاسمُ من غيرِ تفصيل، وهو الصوابُ؛ لأنّ هذه الصيغة دالّة على التثنية، وليست تثنيةٌ صِناعيّة؛ لأنّ حدَّ المثنّى ما تتنكّرُ معرفتُه، والمضمرُ لا يتنكّرُ بحال، فكأنّ صيغته لذلك. ويستوي فيه المذكرُ والمؤنّث كما يستوي في الظاهر، نحو: "الزيدان"، و"العمران" و"الهِنْدان"؛ لأنّ العِدّة واحدةٌ.
فإنّ خاطبتَ جماعةً، قلتَ: "أَنْتُمُو"، وإن شئتَ، قلت: "أَنْتُمْ". وثبوتُ الواو هو الأصلُ؛ لأنّ الواو تكون علامةَ ضميرِ الجمع في الفعل، نحو: "قاموا"؛ ولأنه في مقابلَةِ جمع المؤنّث، نحو: قولك: "ضربتُنَّ". فكما أن علامة المؤنّث حرفان، فكذلك علامةُ الجمع حرفان، ويُؤكد ذلك عندك أنّ الواو تظهَر بعد الميم مع الضمير في "أَعْطَيْتُكُمُوهُ"، والضمائرُ ترُدّ الأشياء إلى أصولها في أكثر الأمر. وحذفُ الواو تخفيفٌ لثِقَلها عند أَمْنِ
стр. 758
اللبس، وزَوالِ الإشكال لأنّه لا يُلْبِس بالواحد لوجودِ الميم، ولا يُلْبس بالتثنية؛ لأنّ المثنّى يلزمُه ثبوتُ الألف، وقد تقدّم نحو ذلك في المتّصل. والصوابُ أَنّ الكلمة بكَمالها اسمٌ، كما ذكرنا في التثنية، وهي صيغةٌ موضوعةٌ للجمع.
فإنّ خاطبتَ جماعةَ مؤنّثاتٍ، قلت: "أَنْتُنَّ" بشون مشدّدة. والكلمةُ بكمالها الاسمُ على ما قدمناه في التثنية والجمع المذكّر.
فأمّا ضميرُ الغائب، فإنّه يُثنَّى، ويُجمع، ويُبيَّن بعلامةِ المؤنّث، وهو أولى بذلك، لما ذكرناه من أنّه ضميرُ ظاهرِ قد جرى ذكرُه، والظاهرُ يُثنّى، ويجمع، ويؤنّث. فكذلك ما ناب منابَه، فإذا كنيتَ عن الواحد المذكّر، قلت: "هُوَ قائمٌ"، فـ "هُوَ" مرفوعٌ الموضع؛ لأنّه مبتدأٌ، والمبتدأُ مرفوعٌ، ولأنك لو وضعتَ مكانَه اسمًا ظاهرًا، لكان مرفوعًا، نحوَ: "زيدٌ قائمٌ". والاسمُ هُوَ بكَماله عند البصريين، وقال الكوفيون: الاسمُ الهاء وحدَها، والواوُ مَزيدةٌ، واحتجّوا لذلك بقول الشاعر [من الطويل]:
فبَيْناهُ يَشْرِي رَحْلَه قال قائلٌ: ... لِمَنْ جَمَلٌ رِخْوُ المِلاطِ نَجِيبُ (١)
فحذف الواوَ. وحذفُها يدلّ على زيادتها. والصوابُ مذهبُ البصريين؛ لأنّه ضميرٌ منفصلٌ مستقلٌّ بنفسه يجري مجرى الظاهر، فلا يكون على حرف واحد؛ ولأنّ المضمر إنّما أُتي به للإيجاز والاختصار، فلا يَلِيق به الزيادةُ ولا سِيّما الواوُ وثقلها. ولا دليلَ في البيت؛ لِقلّته، فهو من قبيل الضرورة.
وبُنيت على الفتح تقويةً بالحركة، ولم تضُمّها إتباعَا لضمّة الهاء، لثِقَل الضمّة على الواو المضموم ما قبلها، وكانت الفتحةُ أخفُّ الحركات. وربّما جاء في الشعر سكونّها وتضعيفُها، قالَ الشاعر [من الطويل]:
٤٥٠ - وإنّ لِسانِي شَهْدَةٌ يُشْتَفَى بها ... وهُوَّ على مَن صَبَّهُ اللهُ عَلْقَمُ
стр. 759
والإسكان تخفيفٌ. والتضعيفُ لكرَاهيةِ وقوعِ الواو طَرَفًا، وقبلَها ضمّةٌ. وتقول في التثنية: "هُمَا"، والكلام عليها على نحو من الكلام على "أَنْتُمَا" إلّا أنّ "أنتما"، ليس فيه حذفٌ. وقيل: إنّ أصلَ "هُمَا": "هُومَا"، فحُذفت الواو، قالوا: لأنّها لو بقيت، لَوجب ضمُّها؛ لأنّ هذه الميم يُضَمّ ما قبلها، والضمّةُ تُستثقل على الواو المضمومِ ما قبلها، فحُذفت الضمّة للثقل. ولمّا سكنت الواوُ، تَطرّق إليها الحذفُ لضعْفها، وذلك لئلاّ يُتوهّم أنّهما كلمتان منفصلتان أعني "ما" و"هُوَ". وثبتت الألفُ في "هما" كما ثبتت في "أنتما".
وتقول في جمع المذكّر: "هُمُوا"، تزيد "ميمًا" و"واوًا" علامة للجمع، كما زادوهما لذلك في "قاموا" و"أنتموا". هذا هو الأصلُ، أعني إثباتَ الواو، وقد تُحذَف الواو فِرارًا من ثِقَلها ولأن اللبس مرتفِعٌ؛ لأنّه لا يُلْبِس بالواحد؛ لأنّ الواحد لا ميمَ فيه، والتثنيةُ يلزمُها الألفُ بعد الميم. ولمّا حُذفت الواو، أُسكنت الميم؛ لأنّ في إبقاء الضمّة إيذانًا بإرادة الواو المحذوفةِ، إذ كانت من أعراضها.
وتقول في الواحدة المؤنّثة: "هي"، بفتح الياء، كأنّهم قوّوها بالحركة، إذ كان الضميرُ المنفصل عندهم يجري مجرى الظاهر. وأقَلُّ ما يكون عليه الظاهرُ ثلاثةُ أحرف، ولما كان "هُوَ"، و"هِيَ" على حرفَيْن، قُوّيا بالحركة، وكانت الفتحة أَوْلى لخفّتها. وذهب الكوفيون إلى أن الاسم الهاء وحدها، كما ذكرنا في "هُوَ" الذي للمذكّر، واحتجّوا لذلك بحذفِ الياء في نحو قوله [من الرجز]:
٤٥١ - دِيارُ سُعْدَى إذهِ من هَواكَا
стр. 760
وليس في ذلك حجّةٌ, لأنّ ذلك من ضروراتِ الشعر. وفيها ثلاثُ لغاتٍ: "هِيَ" بتخفيف الياء وفتحِها لِما ذكرناه من إرادةِ تَقْوِية الاسم، و"هِيَّ" بتشديد الياء مبالغةٌ في التقوية، ولِتصير على أبْنيةِ الظاهر و"هِيْ" بالإسكان تخفيفًا، وهي أضعفُ لغاتها. وينبغي أن يكون الحذفُ في قوله: "إذْه من هواكا" على لغةِ من أسكن لضُعفها، إذ المفتوحةُ قد قُوّيتْ بالحركة، فإنّ دخلتْ على كل واحدة منهما واوُ العطف، أو فاؤه، أو لامُ الابتداء، كنتَ مخيَّرًا: إن شئتَ أسكنتَ الهاء، هان شئت بقيتَ الحركةَ، فمَن بقى الحركة؛ فعلى الأصل، ومن أسكن؛ فلأنّ الحرف الذي قبلها, لمّا كان على حرف واحد لا يقوم بنفسه، صار بمنزلةِ جزء منه، فشُبّه "فهي، بـ "كتِف"، و"فهو" بـ "عَضُد"، فكما يقال في "كتف"، و"عضد": "كَتْفٌ"، و"عَضْدٌ"، كذلك قالوا في: "فَهِيَ": "فَهْيَ"، وفي "فَهُوَ" "فَهْوَ"، قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٣).
ولا يفعلون ذلك مع "ثُمَّ" ونحوها ممّا هو على أكثرَ من حرف واحد، إلّا على نَدْرةٍ، نحو قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَع﴾ (٤) قُرىء بإسكانِ اللام وكسرِها، فالكسرُ على الأصل لما ذكرناه. ومن أسكن، شَبَّه الميمَ مِن "ثُمَّ" مع ما بعدها بـ"كتف"، فأسكن لذلك، وهو قليلٌ.
وتقول في التثنية: "هُمَا" للمذكّر. واستوى المذكّرُ والمؤنث ههنا كما استويا في المخاطب والمتصلِ، نحو: "أنتما فَعَلْتُمَا".
وتقول في جمع المؤنّث: "هُنَّ"، بتشديد النون، ليكون حرفَيْن، فيُقابِل الميمَ والواوَ في جمعِ المذكّر، نحو: "هُمُوا فعلوا".
وأمّا الضمير المنصوب المنفصل، فاثنَا عشرَ لفظًا. تقول: "إيّاي أكرمتَ"، إذا أخبرت عن نفسك، وفي التثنية والجمع: "إيّانَا"، يستوي فيه المذكّرُ والمؤنّثُ والتثنية والجمعُ؛ لأنّ حال المتكلم واضحةٌ، فلم يحتج إلى علامٍ فاصلةٍ.
فإنّ خاطبتَ مذكّرًا، قلت: "إيّاكَ أكرمتُ"، بفتح الكاف، كما تفتحُها مع المتّصل،
стр. 761
نحو: "أكرمتُك". وتقول في التثنية: "إياكما"، وفي الجمع: "إيّاكُمُوا"، وإن شئت حذفتَ الواو، وسكنتَ الميم، كما فعلتَ في المتّصل، نحو: "أكرمتُكُمْ".
وتقول للمؤنّث المخاطب: "إياكِ"، بكسر الكاف، كما فعلت مع المتّصل، نحو: "أكرمتُكِ"، والتثنية: "إياكُما" كالمذكّر، والجمع: "إياكُنَّ"، شدّدتَ النون في المؤنّث، ليكون حرفَيْن بإزاء الميم والواو في المذكّر. وتقول في الغائب: "إيّاه لقيتُ"، وفي التثنية "إياهُما"، وفي الجمع "إيّاهُمُوا". فإنّ شئت، أقررتَ الواو، وإن شئت، حذفتَها، وأسكنتَ الميم. وتقول في المؤنّث: "إياها"، وفي التثنية: "إيّاهُما" كالمذكّر، وفي الجمع: "إيّاهُنَّ"، شدّدتَ النون لتكون بإزاءِ الميم والواو على ما ذكرناه، فاعرفه.
فصل [اتصال بعض الأحرف بالضمائر]
قال صاحب الكتاب: والحروف التي تتصل بـ "أياً" من الكاف ونحوها لواحق للدلالة على أحوال المرجوع إليه, وكذلك التاء في "أنت" ونحوها في أخواته, ولا محل لهذه اللواحق من الإعراب، إنما هي علامات كالتنوين, وتاء التأنيث, وياء النسب. وما حكاه الخليل عن بعض العرب: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وأيا الشواب" مما لا يعمل عليه.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذا الضرب من المضمرات فيه إشكالٌ، ولذلك كثُر اختلافُ العُلماء فيه. وأسدُّ الأقوال، إذا أُمْعن النَّظَرُ فيها، ما ذهب إليه أبو الحسن الأخفشُ، وهو أن "إيّا" اسمٌ مضمرٌ، وما بعده من الكاف في "إيّاك" والياء في "إيّايَ"، والهاء في "إيّاه" حروف مجرَّدةٌ من مذهب الاسميّة، للدلالة على أعداد المضمرين وأحوالهم، لا حَظَّ لها في الإعراب. وإنّما قلنا: إن "إيَّا" اسم مضمرٌ ليس بظاهر؛ لأنّه في جميع الأحوال منصوبُ الموضعٍ، وليس في الأسماء الظاهرة اسمٌ يلزمُه النصبُ، فلا يرتِفع إلّا ما كان ظرفًا غيرَ متمكِّن، نحو: "ذات مَرَّةٍ"، و"بُعَيْداتِ بَيْنٍ"، "وذَا صَباحٍ"، وما جرى مجراهنّ، وشيء من المصادر، نحو: "سُبْحانَ"، و"مَعاذَ"، و"لَبَّيْكَ". وليس "إيَّا" واحدًا منها، فلمّا لزم النصبَ كلزومِ "أَنْتَ"، وأخواتِه الرفعَ؛ دلّ على أنّه مضمرٌ مثلُه، فـ "إيَّاك" في المنصوب كـ "أنت" في المرفوع.
وممّا يدلّ أيضا على أنَّه ليس بظاهرٍ تغيُّرُ ذاته في حالِ الرفع والجرِّ. وليسَ كذلك الأسماءُ الظاهرةُ، فإنّ الأسماء الظاهرةَ يعتقِب على آخِرها حركاتُ الإعراب، ويُحكَم لها بها في موضعها إذا لم تظهَر في لفظها من غيرِ تغيُّرها أنفسِها، فلمّا خالَفَ هذا الاسمُ فيما ذكرناه الأسماء الظاهرة، ووافَقَ المضمراتِ، دلّ على أنّه مضمرٌ، وليس بظاهرٍ. وإذ ثبت أنّه اسمٌ مضمرٌ، كانت الكافُ اللاحقةُ له حرفا مجرَّدًا من معنى الاسميّة للخِطاب. وإنّما
стр. 762
قلنا ذلك؛ لأنّه لو كان اسمًا، لكان له موضعٌ من الإعراب. ولو كان له موضعٌ من الإعراب، لكان إمّا رفعًا، وإمّا نصبًا، وإمّا جرًا. فلا يجوز أن يكون في موضع مرفوع؛ لأنّ الكاف ليست من ضمائرِ المرفوع. ولا يجوز أن يكون منصوبًا, لأنّه لا ناصبَ له. ألا ترى أنّك إذا قلت: "إيّاك أُخاطِبُ"، كانت "إيّا" هي الاسمَ بما ذكرناه من الدليل، وإذا كانت الاسمَ، كانت مفعولةً لهذا الفعل، وإذا كان كذلك، فبقي الكافُ بلا ناصبٍ، إذ هذا الفعلُ لا يتعدّى إلى أكثرَ من مفعولٍ.
ولا يجوز أيضًا أن يكون مجرورًا؛ لأنّ الجرّ في كلامهم إنّما هو من وجهَيْن: إمّا بحرفِ جرّ، وإمّا بإضافةِ اسم، ولا حرفَ جرّ ههنا يكون مجرورًا به. ولا يجوز أن يكون مخفوضًا بإضافةِ "إيّا" إليه؛ لأنّه قد قامت الدلالةُ على أنّه اسمٌ مضمرٌ، والمضمرُ لا يضاف, لأنّ الإضافة للتخصيص، والمضمراتُ أشدُّ المعارف تخصيصًا، فلم تحتج إلى الإضافة. وإذا ثبت أنّه ليس باسمٍ؛ كان حرفًا بمعنى الخطاب مجرَّدًا من مذهب الاسميّة، كالكاف في "النَّجاءَكَ" بمعنَىَ "انْجُ". فالكافُ هنا حرفُ خطاب؛ لأنّ الألف واللام والإضافة لا تجتمعان. ومثله قولهم: " انْظُرْكَ زيدًا"، فالكافُ حرف خطاب؛ لأنّ الفعل قد تعدّى إلى مفعوله، فلم يتعدّ إلى آخر، ولأنّ هذا الضرب من الفعل لا يتعدّى إلى ضمير المأمور، لا تقول: "اضرِبْكَ"، ولا "اُقْتُلْكَ" إذا أمرتَه بضَرْبِ نفسه وقَتْلِه إيّاها.
وقالوا: "عنده رجلٌ لَيسَكَ زيدًا"، فالكافُ هنا ليست اسمًا؛ لأنّك قد نصبت "زيدًا" بأنّه خبرُ "ليس". ولو كانت الكافُ اسمًا، لكانت منصوبةٌ، ولو كانت منصوبة، لَمَا نصبتِ اسمًا آخر، وإذا كانت الكافُ قد وردت مرّةً اسمًا دالاًّ على الخطاب، نحو: "رأيتُك"، "ومررتُ بك" ومرّةً حرفًا دالاًّ على الخطاب مجرّدًا من معنى الاسميّة، كانت الكافُ في "إيّاك" من القبيل الثاني، لقيامِ الدليل عليه.
فإنّ قيل: إذا زعمتَ أنّ الكاف في "إياك" حرفُ خطاب كحالها في "ذلِكَ"، وما ذكرتَه من النظير، فما تصنع بقولهم "إيّاه" و "إيّايَ"، ولا كافَ هناك، وإنّما هنا "هاءً"، و"ياءٌ"، ولا نعلمُهم جرّدوا الهاء والياء في نحو هذا من مذهبِ الاسميّة، كما فعلوا ذلك في الكاف التي في "ذلك" و"أُولئِكَ"؟ قيل: قد ثبت ذلك في الكاف، ولم نَجِد أمرًا سوّغ ذلك في الكاف، وانكفّ عن الهاء والياء، مع أنّه قد جاء عنهم: "قاما الزيدان"، و"قاموا الزيدون"، و"قُمْنَ الهِنْداتُ". وأنتَ إذا قلت: "الزيدان قاما"، فالألفُ اسمٌ، وضميرُ الفاعل. وإذا قلت: "الزيدون قاموا"، فالواو اسمٌ. وإذا قلت: "قاموا الزيدون"، فهي حرفٌ. وكذلك النونُ في قولك: "الهنداتُ قُمْنَ" اسمٌ، وفي قولك: "قُمْنَ الهنداتُ" حرفٌ.
وإذا جاز في هذه الأشياء أن تكون في حالٍ دالّة على معنى الاسميّة، ومعنى الحرفيّة، ثمّ يُخلَع عنها معنى الاسميّة في حالٍ أخرى، جاز أن تكون الهاء في "ضَرَبَهُ"، و"الياء" في "ضَرَبَنِي"، اسمين دالَّيْن على معنى الاسميّة والحرفيّة. وإذا قلت: "إيّايَ"
стр. 763
و"إيّاهُ"، تَجرّدتا من معنى الاسميّة، وخلصتا لدلالة الحرفيّة. ويُؤكد عندك كونَها حروفًا غير أسماء أنّه لم يُسمَع عنهم تأكيدُها. لم يقولوا: "إيّاك نفسَك"، ولا "إيّاكم كُلَّكم"، ولا "إيّايَ نفسي"، ولا "إيّاهم كلَّهم". ولو كانت أسماء، لساغ فيها ذلك. وقد ذهب الخليلُ (١) إلى أنّ "إيَّا" في "إياك" اسمٌ مضمرٌ مضافٌ إلى الكاف. وحُكي عن المازنيّ مثله أنه مضمرٌ أُضيفُ إلى ما بعده، واعتمد على ما حكاه عن العرب. قال سيبويه (٢): حدّثني من لا أتَّهِمُ عن الخليل أنَّه سمع أعرابيًّا يقول: "إذا بلغ الرجلُ السِتّين فإيّاهُ وإيَّا الشَوابِّ". قال: وقوعُ الظاهر موقع هذه الحروف مخفوضًا بالإضافة يدلّ على أنها أسماءٌ في محلِّ خفض. وحُكي عن أبي عثمان أنّه قال: لولا قولُهم: و"إيّا الشوابِّ"، لكانت الكافُ للمخاطب.
وحكى سيبويه (٣) عن الخليل أن قائلاً لو قال: "إيّاك نفسَك"، لم أُعنِّفْه. يريد: لو أكّدها بمُؤكِّد لم يكن مُخْطِئًا. وهو قولٌ فاسدٌ؛ لأنّه إذا سُلّم أنّه مضمرٌ، لم يكن سبيلٌ إلى إضافته، لما ذكرناه من أنّ الغرض من الإضافة التخصيصُ، والمضمراتُ أشدُّ المعارف تخصيصًا، وما أضيف من المعارف، نحو: "زيدكم"، "وعمركم"، فعلى تأويلِ التنكيرِ كأنّه توهّم أن جماعةً مسمَّيْنَ بهذَيْن الاسمَيْن، فأضافَهما. ولولا ذلك لم تسُغ إضافتُها. والمضمراتُ لا يُتصوّر تنكيرُها بحالٍ، فلا يمكن إضافتها. وأمّا قولهم: "وإيَّا الشوارب" فمحمولٌ على الشُّذوذ، وذلك أسهلُ من القول بإضافة المضمر. وأمّا قوله: لو أن قائلاً قال: "إيّاك نفسَك"، لم أُعنِّفه، فليس ذلك بروايةٍ رواها عن العرب، ولا مَحْضَ إجازةٍ، بل هو قياسٌ على ما رواه من قولهم: "وإيّا الشَّوابّ". وأبو الحسن استقلّ هذه الحكايةَ، ولم تكثُر، ولم يجز القياسُ عليها، فلم يجز "إيّاك وإيّا الباطلِ". ولم يستحسِن الجميعُ إضافةَ هذا الاسم إلى الظاهر.
وذهب أبو إسحاق الزجّاجُ إلى أن "إيّا" اسمٌ ظاهرٌ يضاف إلى سائرِ المضمرات، نحو قولك: "إيّاك ضربتُ"، و"إيّاهُ حدّثتُ"، ولو قلت: "إيّا زيدِ حدّثتُ"، كان قبيحًا؛ لأنّه خُصّ به المضمرُ. قال: والهاء في "إيّاه" مجراها كالتي في "عصاه". وهذا القولُ يفسُد بما ذكرناه من الدلالة بأنّه اسمٌ مضمرٌ، ولو كان اسمًا ظاهرًا، وألفُه كألِف "عَصا"، و"مَغْرى" وما أشبهَهما ممّا يُحكَم في حروفِ العلّة منه بالنصب، لثبتتِ الألفُ في "إيّا" في حال الرفع والجرّ كما كانت في "عصا" كذلك. وليس كذلك، بل ثبتت في موضع النصب دون الموضعَيْن، فبَانَ أن "إيا" ليس كـ "عصا" و"مَغْزَّى"، لكنّه نفسَه في موضع نصب، كما أن الكاف في "رأيتُك" في موضع نصب، و"أنْتَ"، و"هُوَ" في موضع رفع.
وذهب بعضُهم إلى أن "إياك" بكَمالها اسمٌ، حكى ذلك ابن كَيْسانَ. وفيه ضعفٌ
стр. 764
من قِبَل أنّه ليس في الأسماء الظاهرة والمضمرةِ ما يختلِف آخره، فيكون تارةً كافًا، وتارةً ياءً، وتارةً هاءً , نحو: قولك: "إيّاكَ"، و"إيّايَ"، و"إيّاهُ"، فيكونَ هذا مثله، بل لمّا كانت الكافُ مفتوحةً مع خطاب المذكّر، مكسورةً مع خطابِ المؤنّث، فكذلك "إيّا" الاسمُ، والكافُ بعدها حرفُ خطَاب. ولذلك تقول: "إيّاكَ"، وَ"إيّاكُما"، و"إيّاكُمْ"، كما تقول: "أَنتَ" و "أَنْتُمَا"، و"أَنْتُمْ".
وقال بعضهم: الياء والكاف والهاء هي الأسماء، و"إيَّا" عِمادٌ لها، وذلك لأنّها هي الضمائرُ في "أكرمتَني"، و"أكرمتُك"، و"أكرمتُه"، فلمّا أُريد ذلك، فَصَلها عن العامل، إمّا بالتقديم، وإمّا بتأخيرها عنه، ولم تكن ممّا يقوم بنفسه لضُعفها وقِلّتها، فدُعمتْ بـ "إيَّا"، وجُعلت وُصلةَ إلى اللفظ بها. فـ "إيّا" عندهم اسمٌ ظاهرٌ يُتوصّل به إلى المضمر، كما أنّ "كِلا" اسم ظاهرٌ يُتوصّل به إلى المضمر في قولك: "كِلاهما".
وهذا القولُ واهٍ، وذلك لأنّ "إيّا" اسمٌ مضمرٌ منفصلٌ بمنزلةِ "أَنَا"، و"أَنْتَ"، و"نَحْنُ"، و"هُوَ" في أنّها مضمراتٌ منفصلةٌ، فكما أنّ "أنا" و"نحن" و"أنت" مخالِفٌ لفظ المرفوع المتّصل، نحو التاء في "قمتُ"، والنون والألِف في "قُمْنَا"، وهي ألفاظٌ أُخَرُ غيرُ ألفاظِ المضمر المتّصل، وليس شيءٌ منها معمودًا، بل هو قائم بنفسه، فكذلك "إيّا" اسمٌ مضمرٌ منفصلٌ ليس معمودًا به غيرُه.
وكما أن التاء في "أَنْتَ"، وإن كان لفظُها لفظَ التاء في "قُمْتَ"، ليست إيَّاها معمودةً بما قبلها، وإنّما الاسمُ ما قبلها، وهي حرفُ معنى، وافَقَ لفظَ الاسم، كذلك ما قبل الكاف في "إيّاك" هو الاسمُ، وهي حرفُ خطاب.
وأمّا تشبيهُهم "إيّا" بـ "كِلا" فليس بصحيح. والفرقُ بينهما ظاهرٌ، وذلك أنّ "كِلا" اسمٌ ظاهرٌ مفردٌ متصرِّفٌ، يدل على الاثنَيْن كما أنّ "كُلاًّ" اسمُ مفردٌ ظاهرٌ يدلّ على الجمع، و"كِلا" ليس بوُصلةٍ إلى المضمر؛ لأنّه قد اطّردتْ إضافتُه إلى الظاهر اطّرادَها إلى المضمر، نحو قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ (١) ونحو قول الشاعر [من الوافر]:
٤٥٢ - كِلَا يَوْمَيْ طُوالَةَ وَصْلُ أَرْوَى ... [ظَنُونٌ، آنَ مُطَّرَحُ الظّنُونِ]
стр. 765
ولو كانت "كلا" وصلة إلى الضمير، لم تُضَفْ إلى غيره. وقال سيبويه: "إيَّا" اسمٌ لا ظاهرٌ، ولا مضمرٌ، بل هو مبهمٌ كُني به عن المنصوب، وجُعلت الكافُ والياءُ والهاء بيانًا عن المقصود، وليُعلَم المخاطب من الغائب، ولا موضعَ لها من الإعراب. ويُعزَى هذا القولُ إلى أبي الحسن الأخفش، إلّا أنّه أشكلَ عليه أمرُ "إيَّا"، فقال: هي مبهمةٌ بين الظاهر والمضمر. وقد قامت الدلالةُ على أنّه اسمٌ مضمرٌ بما فيه مَقْنَعٌ، وشبهها بالتنوين، وتاء التأنيث، وياءي النَّسْبة من حيث كانت حروفًا دالّةً على أحوالٍ في الاسم، كما دلّت الحروفُ الواقعةُ بعد "إيَّا" على أعدادِ المضمرين، والحضورِ، والغَيْبةِ، والمتكلّمِ، فهي مثلُها من هذه الجهة، وخُلُوِّها من معنى الاسمية، فاعرفه.
فصل [استعمال الضمير المنفصل والضمير المتصل]
قال صاحب الكتاب: ولأن المتصل أخصر لم يسوغوا تركه إلى المنفصل إلا عند تعذر الوصل, فلا تقول: "ضرب أنت ولا هو", ولا "ضربت إياك", إلا ما شذ من قول حميد الأرقط [من الرجز]:
٤٥٣ - [أتتك عنسٌ تقطع الأراكا] ... إليك حتى بلغت إياكا
стр. 766
وقول بعض اللصوص [من الهزج]:
٤٥٤ - كأنا يوم قرى ... إنما نقتل إيانا
وتقول: "هو ضرب" و"الكريم أنت", و"إن الذاهبين نحن" و [قال] [من السريع]:
٤٥٥ - [قد علمت سلمي وجاراتها] ... ما قطر الفارس إلا أنا
стр. 767
وجاء عبد الله وأنت وإياك أكرمت إلا ما أنشده ثعلب [من البسيط]:
٤٥٦ - وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القولُ: إن الضمير ضميران: متّصلٌ ومنفصلٌ. فما كان متّصلاً، كان أَقَلَّ حروفا من المنفصل، فمِنْه ما كان على حرف واحد، كالتاء في "قمتُ"، والكاف في "ضَرَبَكَ" طَلَبًا للإيجاز والاختصارِ، حتّى إنّهم جعلوا بعضَ المتّصلة في النيّة كالضمير في "أَفْعَلُ"، و"يَفْعَلُ"، و"تَفْعَلُ"، وفي "زيدٌ قَامَ". وجاز أن يكون على حرف واحد لاتصاله بما قبله من حروفِ الكلمة المتقدّمة.
فأمّا المنفصل، فلا يكون إلّا على حرفَيْن، أو أكثرَ؛ لأنّه منفرِدٌ عن غيره بمنزلةِ الأسماء الظاهرة، ولا يمكن إفرادُ كلمة على حرف واحد. وإذا ثبت أن المتصل أقلُّ حروفًا من المنفصل وأَوْجزُ، كان النُّطْقُ بالمتّصل أخفَّ، فلذلك لا يستعملون المنفصلَ في المواضع التي يمكن أن يقع فيها المتّصلُ؛ لأنّهم لا يعدِلون إلى الأثقل عن الأخفّ، والمعنى واحدٌ إلّا لضرورةٍ. فلذلك لا تقول: "ضَرَبَ أنتَ"، ولا "هُوَ"؛ لأنّه يجوز أن يقع هنا المتّصلُ، فتقول: "ضَرَبْتَ" و"ضَرَبَ"، فتكون التاء الفاعلةَ، ولا حاجةَ إلى "أنتَ".
стр. 768
وكذلك يكون الفاعل مستتِرًا في "ضَرَبَ", ولا حاجةَ إلى "هُوَ", لأنّ الأوّل أوجزُ. وكذلك لا تقول: "ضرب زيدٌ إيّاك"، وإن كان فَصَلَ بينهما الفاعلُ الظاهرُ؛ لأنّ الفصل ليس بلازمٍ، إذ ليس تقدُّمُ الفاعل على المفعول حَتْمًا لازمًا؛ لأنّه يجوز أن تقول: "ضَرَبَكَ زيدٌ"، فتُقدَّم المفعولَ من غيرِ قُبْح.
وأمّا قول حُمَيْد الأَرْقَطِ [من الرجز]:
إليك حتى بلغتْ إيّاكا
فإئه وضع " إيّاك" موضع الكاف ضرورةً، والقياسُ "بلغتْك". وكان أبو إسحاق الزجّاجُ يقول: تقديره: حتى بلغَتْك إيّاك. وهذا التقديرُ لا يُخْرِجه عن الضرورة سواءً أراد به التأكيدَ، أو البدلَ؛ لأنّ حذفَ المؤكَّد، أو المُبْدَل منه ضرورةٌ؛ والمرادُ: سارت هذه الناقةُ حتى بلغتْك. ومثله قولُ بعض اللُصوص [من الهزج]:
كَأَنَّا يَوْمَ قُرَّى إنْ ... نَمَا نَقْتُلُ إيّانَا
البيت لذي الإصْبَع العَدْوانيّ، وقبله:
لَقِينَا مِنْهُمُ جَمْعًا ... فأَوْفَى الجَمْعَ ماكانَا
وبعده:
قَتَلْنَا مِنْهُمُ كُلَّ ... فَتًى أَبْيَضَ حُسّانا
الشاهد فيه وضعُ "إيّانا" موضعَ الضمير المتّصل، إلّا أنّه أسهلُ ممّا قبله. وذلك لأنّه لا يُمْكِنه أن يأتي بالمتّصل، فيقول: "نَقْتُلُنَا"؛ لأنّه يتعدّى فعلُه إلى ضميره المتّصل، فكان حقه أن يقول: "نقتل أنفسَنا" لأنّ المنفصل والنفس يشتركان في الانفصال، ويقعان بمعنًى، نحو قولك: "ما أُكرمتَ إلّا نفسَك"، و"ما أكرمتَ إلّا إيّاك"، فلمّا كان المتّصل لا يمكن وقوعُه ههنا لِما ذكرناه، وكان النفسُ والمنفصلُ مترادِفَيْن، استعمل أحدهما موضع الآخر. و"قُرَّى" بضمْ الأوّل: موضعٌ، والمعنى أنّ قَتْلَنا إيّاهم بمنزلةِ قَتْلنا أنفسَنا؛ لأنَّا عشيرةٌ واحدةٌ.
قال: وتقول: "هو ضَرَبَ"، و"الكريمُ أنتَ" إلخ، يشير إلى أنّ المضمر إذا وقع في هذه المواقع، لا يكون إلّا منفصلاً، ولا حظَّ للمتصل فيها.
وجملةُ الأمر أن المضمرات المنفصلة تكون مرفوعةَ الموضع، ومنصوبةَ الموضع. والمرادُ بالمنفصل الذي لا يلي العاملَ، ولا يتّصل به بأن يكون مُعرَّى من عاملٍ لفظيِّ، أو مقدَّمَا على عامله اللفظيِّ، أو مفصولاً بينه وبين عامله.
فأمّا المرفوع، فخمسةُ مواضع: المبتدأ وخبرُه، وخبرُ "إنَّ" وأخواتِها، وبعدَ حروف الاستثناء، وحروفِ العطف. فقولُنا: "هو ضَرَبَ" فـ "هو" مبتدأ، و"ضَرَبَ" جملةٌ في
стр. 769
موضع الخبر. وقولُنا: "الكريمُ أنتَ" "الكريمُ" مبتدأ، و"أنت" الخبرُ، والمبتدأُ وخبرُه العاملُ فيهما الابتداءُ، وهو عامل معنويٌّ، فلا يمكن وصلُ معموله به، فلذلك وجب أن يكون ضميرُهما منفصلاً. ومثلُ ذلك "كيفَ أنتَ؟ " و"أَيْنَ هُوَ؟ ". فـ"كيف" و"أَيْنَ" خبران مقدَّمان، و"أنتَ" و"هُوَ" مبتدآن، فلذلك وجب أن يكون ضميرُهما منفصلاً أيضًا.
وقوله: "إنّ الذاهبين نَحْنُ"، فـ "نحن" خبرُ "إنَّ"، ولا يكون ضميرُه إلّا منفصلاً، لأنّه لا يصحّ اتّصاله بالعامل فيه, لأنّ مرفوعَ "إنّ" وأخواتِها لا يتقدّم على منصوبها.
وقوله [من السريع]:
ما قَطَّرَ الفارسَ إلّا أَنَا
لمّا وقعت الكنايةُ بعد حرف الاستثناء، لم تكن إلّا منفصلةً.
وقوله: "جاء عبدُ الله وأنتَ"، "أنت" عطفٌ على "عبد الله"، فانفصل؛ لأنّه وقع بعد حرف العطف، فلم يلتصِق بالعامل فيه.
وأمّا المنصوب المنفصلُ، فيقع في خمسةِ مواضع أيضاً، إذا تقدّم على عامله، نحو: "إيّاك أكرمتُ"؛ لأنّه لا يمكن اتصالُه بالعامل مع تقدُّمه، أو كان مفعولاً ثانيًا، أو ثالثًا، نحو: "عِلمتُه إيّاه"، و"أعلمتُ زيداً عمرًا إياه"، أو كان إغراءَ المخاطب، نحوَ: "إيّاك والطريقَ". وقد تقدّم شرحُ ذلك.
وربما اضطُرّ الشاعر، فوضع المتّصلَ موضعَ المنفصل، نحو ما أثده أحمدُ بن
يَحْيَى [من البسيط]:
فما نُبالِي إذا ما كنتِ جارَتَنَا ... إلخ
فأتى بالكاف موضعَ "إيّاك" وهو ههنا أسهلُ من قوله [من الرجز]:
إليك حتى بلغتْ إيّاكا (١)
لأنّ فيه عُدولاً إلى الأخفّ الأوجزِ، و"إلّا" في معنى العامل، إذ كانت مُقوِّيةً له، كيف، وقد ذهب بعضُهم إلى أنّها هي العاملةُ؟ وإنّما أتى بالضمير المنصوب بعد "إلّا" هنا؛ لأنّه استثناءٌ مقدَّمٌ، والمرادُ أن لا يُجاوِرنا ديّارٌ إلّا أنتِ، أي: أنت المطلوبةُ، فإذا خلصتِ، فلا التفاتَ إلى غيركِ.
فصل [توالي ضميرين]
قال صاحب الكتاب: فإذا التقى ضميران في نحو قولهم: "الدرهم أعطيتكه",
стр. 770
والدرهم أعطيتكموه"، و"الدرهم زيد معطيكه"، و"عجبت من ضربكه"، جاز أن يتصلا كما نرى، وأن يفصل الثاني, كقولك: "أعطيتك إياه"، وكذلك البواقي. وينبغي إذا اتصلا أن تقدم منهما ما للمتكلم على غيره، وما للمخاطب على الغائب، فتقول "أعطانيك", و"أعطانيه زيدٌ" و"الدرهم أعطاكه زيدٌ", وقال : ﴿أنلزمكموها﴾ (١).
* * *
قال الشارح: المضمران إذا اتصلا بعامل، فلا يخلو اتّصالهما إما أن يكون بفعلٍ، وإمّا باسمٍ فيه معنى الفعل. فإنّ اتّصلا بفعلٍ، فإن كان أحدُ المضمرَيْن فاعلاً، والآخرُ مفعولاً، لزِم تقديمُ الفاعل على كلِّ حال من غِيرِ اعتبارِ الأقرب، وذلك نحو"ضربتُك"، و"ضربتُه"، و"ضربتَني"، و"ضربتَه"، و"ضَرَبَني"، و"ضَرَبَك"، و"ضَرَبَه".
وإنّما لزم تقديمُ الفاعل مع الفعل على غيره من المضمرات, لأنّه كجزء منه، إذ كان يُغيِّر بناءه حتى يختلِط به، كأنّه من صِيغته، كقولك: "ذهبْتَ"، و"ذهبْتُمَا"، و"ذهبْتُمْ"، و"ذهبْتُنَّ"، فتُسكن آخِرَ الفعل، وقد كان مفتوحًا قبل اتّصاله به. وربّما اختلط به الضميرُ حتى يصير مقدَّرًا في الفعل بغيرِ علامة ظاهرة، كقولك: "زيدٌ قام"، و"أنت تقوم"، و"أنا أقوم"، و"نحنُ نقوم".
ولا يُوجَد ضميرُ مرفوع متّصلٌ بغيرِ فعل، ولذلك استحكمتْ علامةُ الإضمار في الفعل. فإن كان المتّصلُ به الضميران مصدرًا، نحو: "عجبتُ من ضَرْبي إيّاك، ومن ضَرْبيكَ"، ذلك في الثاني وجهان: أن تأتي بالمتصل، نحو: "عجبتُ من ضَرْبيكَ"، وأن تأتي بالمنفصل، نحو: "عجبتُ من ضَرْبي إيّاك". والثاني هو الأجودُ المختارُ. وإنّما كان المنفصلُ هنا هو المختارَ بخلاف الفعل، لوجهَيْن:
أحدُهما أن "ضَرْبًا" اسمٌ، ولا يستحكِم فيه علاماتُ الإضمار استحكامَها في الأفعال، إذ كانت علامةُ ضميرِ المرفوع، لا تتّصِل به، ولا بما اتّصل به، وإنّما يتّصل به علامةُ ضميرِ المجرور، والذي يُشارِكه في ذلك الأسماء التي ليس فيها معنى فعل، نحو: "غُلامي"، و"غلامك"، و"غلامه". ولا يتّصل بالضمير المضاف إليه "الغلامُ" ضميرٌ آخرُ متّصلٌ، فكان المصدرُ الذي هو نظيرُه كذلك.
والوجه الثاني: أن الضمير المضافَ إليه المصدرُ مجرورٌ حالٌّ محلَّ التنوين، ونحن لو نَوَّنَّا المصدرَ، لَمَا وَلِيَه ضميرٌ متْصلٌ، وإنّما يَلِيه المنفصلُ، نحو قولك: "عجبتُ من ضَرْب إيّاك، ومن ضرب إيّاه، ومن ضرب إيّايَ". ولذلك كان الأجودُ المختارُ أن تأتي بالمنفصل مع المصدر. ويجوز أن تأتي بالمتّصل معه جوازًا حسنًا، وليس بالمختار.
стр. 771
وإنّما جاز اتْصالُ الضميرَين به من نحو: "عجبتُ من ضَرْبِيكَ"، وإن كان القياسُ يقتضي انفصالَ الثاني من حيث كان اسمًا كغيره من الأسماء غيرِ المشتقّة، نحو: "غلامك"، و"صاحبك"، لشَبَهه بالفعل من حيث كان الفعل مأخوذًا منه، ويعمل عَمَلَه. فشُبّه ما اتّصل بالمصدر بما اتّصل بالفعل، فقولُك: "عجبتُ من ضَرْبي إيّاك" هو الوجهُ والقياسُ. وقولُك: "عجبتُ من ضَرْبِيك" جائزٌ حسنٌ على التشبيه بالفعل، نحو: "ضربتُك"، فالياء في "ضَرْبِيك" بمنزلةِ التاء في "ضربتُكَ".
وإذا اتّصل الضميران بالمصدر، فالأوّل هو الفاعلُ، والثاني هو المفعول على الترتيب الذي ذكره من تقديم المتكلّم، ثُمّ المخاطبُ، ثمّ الغائبُ من نحو: "عجبتُ من ضَرْبِيك، وضَرْبِيه، ومن ضَرْبِكَهُ" على الترتيب الذي رتّبه صاحب الكتاب. فإن كان الفاعل المخاطبَ، وأضفتَ المصدر إليه، والمفعولُ به المتكلّمُ، لم يحسن إلّا المنفصلُ، نحو: "عجبتُ من ضَرْبك إيّايَ"، و"عجبتُ من ضَرْبه إيّاي".
فإنّ كان الضميران مفعولَيْن، لزم اتّصالُ ضمير المفعول الأوّلِ بالفعل؛ لأنّه يَليه. ولا فَرْقَ في ذلك بين أن يكون قد اتّصل بالفعل ضميرُ فاعلِ، وأن لا يكون اتّصل به؛ لأنّ ضمير الفاعل يصير كحرفٍ من حروف الفعل، فيتّصل به ضميرُ المفعول بالفعل مع ضمير الفاعل، كما يتّصل به خاليًا من الضمير، فتقول: "ضربتُكَ"، و"ضربتَنِي"، كما تقول: "ضَرَبَكَ"، و"ضَرَبَنِي". فإذا جئتَ بعد اتّصالِ ضمير المفعول الأوّلِ بضميرِ مفعولٍ ثانٍ، جاز اتّصالُه وانفصالُه، نحو: "الدرهمُ أعطيتُكَهُ، وأعطيتُك إيّاه"، فاتّصالُه لقوّة الفعل، وأنّه الأصلُ في اتّصالِ المنصوب.
ولما كان المتّصلُ أخصَر من المنفصل، ومعناه كمعنى المنفصل، اختاروه على المنفصل. وأمّا جوازُ الإتيان بالمنفصل، فلأنّ ضميرَ المفعول الثاني لا يُلاقي ذاتَ الفعل، إنّما يُلاقي ضميرَ المفعول الأوّل، وليس كذلك ضميرُ المفعول الأوّل, لأنّه يلاقي ذاتَ الفعل حقيقةٌ في نحو: "ضَرَبَكَ"، أو ما هو منزَّلٌ منزلةَ ما هو حرفٌ من حروف الفعل، نحو: "ضربتُكَ". ألا ترى أنَّه يلاقي الفاعلَ، والفاعلُ يتنزّلُ منزلةَ الجزء من الفعل؟ قال الله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ (١)، فقدّم ضميرَ المخاطب على الغائب؛ لأنّه أقربُ إلى المتكلّم.
وقد اشترط صاحب الكتاب أنّه إذا التقى ضميران متّصلان، بُدىء بالأقرب إلى المتكلّم من غير تفضيل. والصوابُ ما ذكرتُه، وهذا الترتيبُ رأيُ سيبويه (٢)، وحكايتُه عن العرب. والعلّةُ في ذلك أن الأولى أن يبدأ الإنسانُ بنفسه؛ لانّها أعرفُ وأهَمُّ عنده. وكما كان المختارُ أن يبدأ بنفسه، كان المختار تقديمَ المخاطب على الغائب؛ لأنّه أقربُ إلى
стр. 772
المتكلّم. وقد أجاز غيرُه من النحويين تقديمَ الضمير الأبعد على الأقرب قياسًا، وهو رأيُ أبي العبّاس محمّد بن يزيد، وكان يُسوِّي بين الغائب والمخاطب والمتكلّم في التقديم والتأخير، ويُجيز "أعطاهُوكَ"، و"أعطاهُوني". و"أعطاكَنِي". ويستجِيدُه، ولم يَرْضَ سيبويه مَقالتَهم وقال (١): هو شيءٌ قاسُوه ولم يتكلّم به العربُ، فاعرفه.
[توالي ضميرين ثانيهما منفصل]
قال صاحب الكتاب: وإذا انفصل الثاني لم تراع هذا الترتيب، فقلت: "أعطاه إياك" و"أعطاك إياي" وقد جاء في الغائبين أعطاهاه وأعطاهوها ومنه قوله [من الطويل]:
٤٥٧ - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمةٍ ... لضغمهماها يقرع العظم نابها
وهو قليل, والكثير: "أعطاها إياه"، و"أعطاه إياها"، والاختيار في ضمير خبر كان وأخواتها الانفصال, كقوله [من الطويل]:
٤٥٨ - لئن كان إياه لقد حال بعدنا ... [عن العهد والإنسان قد يتغير]
стр. 773
وقوله [من مجزوء الرمل]:
ليس إياي وإيا ... ك ولا نخشى رقيبا (١)
وعن بعض العرب: "عليه رجلاً ليسني" وقال [من الرجز]:
٤٥٩ - [عددت قومي كعديد الطيس] ... إذ ذهب القوم الكرام ليسي
* * *
стр. 774
قال الشارح: ومتى انفصل الضميرُ الثاني عن الأول، لم يلزم فيه هذا الترتيب، بل يجوز لك أن تبدأ بأيهما شئتَ، فتقول: "أعطاه إيّاك"، و"أعطاه إيّايَ"، و"أعطاك إيّايَ"، فتكون مخيَّرًا: أيُّهما شئتَ قدّمتَ. وإنّما كان كذلك من قِبَل أنّ الضمير المنفصل يجري مجرى الظاهر لاستقلاله بنفسه، وعدم افتقاره إلى غيره، فكما أنّ الأسماء الظاهرة لا يُراعَى فيها الترتيبُ، بل تُقدِّم أيَّها شئت، فكذلك الضميرُ المنفصل.
فإذا كان الضميران غائبَيْن، جاز لك الجمعُ بينهما متّصلَيْن، فتقول: "أعطاهُوها"، و"أعطاهاهُ"، وكنتَ مخيَّرًا في أيّهما بدأتَ به. وذلك من قِبَل أنّهما كِلاهما غائبٌ، وليس فيهما تقديمُ بعيدٍ على قريبٍ. قال سيبويه (١): وهو عربيٌّ جيّدٌ، وليس بالكثير في كلامهم، بل الأكثرُ في كلامهَم: "أعطاه إيّاها"، و"أعطاها إيّاهُ"، فتأتي بضميرِ المفعول الثاني منفصلاً. وإنّما قَلَّ في كلامهم؛ لأنّه ليس فيه تقديمُ الأقرب على الأبعد لتَساويهما في المرتبة.
فأمّا قولُ مُغَلِّس بن لَقِيط الأَسَديّ [من الطويل]:
وقد جعلتْ نفسي ... إلخ
فالشاهد فيه أنّه جمع بين ضميريَن بلفظِ الغيبة، الأوّلُ مجرورٌ بإضافةِ المصدر إليه، والثاني في محلِّ نصب بالمصدر. والجيدُ الكثيرُ: "لضغْمِهما إيّاها"، فيأتي به منفصلاً. واتّصالُ الضميرَيْن في البيت أقبحُ؛ لأنّهما اتّصلا بالمصدر، وهو اسمٌ، ولم يستحكم في اتّصال الضمير به استحكامَ الفعل. يصف حالَه مع بني أخيه مُدْرِكٍ ومُرَّةَ، وهو من أبيات أوّلها:
وأَنقَتْ لِيَ الأيامُ بَعْدَكَ مُدْرِكَا ... ومُرَّةَ والدُّنْيَا كَريهٌ عِتابُها
قَرِينَيْنِ كالذئْبَيْنِ يَقْتَسِمانني ... وشَرُّ صحَاباتِ الرجالِ ذِئابُها
الضَّغْم: العَضُّ. والضمير الأوَّلُ المثنّى يعود إلى "قرينين"، والضميرُ الثاني يعود إلى النفس. وقوله: "يقرعُ العظمَ نابُها"، يصف شدّة العض بحيث يصل نابُه إلى العظم.
стр. 775
فأمّا ضميرُ خبرِ "كَانَ" وأخواتِها، ففيه وجهان: أحدهما: الاتّصالُ، نحو قولك: "كَانَهُ"، و"كَانَني". قال أبو الأسوَد [من الطويل]:
٤٦٠ - [دعِ الخَمْرَ يَشرَبْها الغُواةُ فإنّني ... رأيتُ أخاها مُجْزيًا لمكانِها]
فإنّ لم يَكُنْهَا أو تَكُنْهُ فإنّه ... أَخُوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بلبانِها