← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13301

شرح المفصل لابن يعيش

ابن يعيش

Полный текст (2 502 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وإنّما جاز اتْصالُ الضميرَين به من نحو: "عجبتُ من ضَرْبِيكَ"، وإن كان القياسُ يقتضي انفصالَ الثاني من حيث كان اسمًا كغيره من الأسماء غيرِ المشتقّة، نحو: "غلامك"، و"صاحبك"، لشَبَهه بالفعل من حيث كان الفعل مأخوذًا منه، ويعمل عَمَلَه. فشُبّه ما اتّصل بالمصدر بما اتّصل بالفعل، فقولُك: "عجبتُ من ضَرْبي إيّاك" هو الوجهُ والقياسُ. وقولُك: "عجبتُ من ضَرْبِيك" جائزٌ حسنٌ على التشبيه بالفعل، نحو: "ضربتُك"، فالياء في "ضَرْبِيك" بمنزلةِ التاء في "ضربتُكَ". وإذا اتّصل الضميران بالمصدر، فالأوّل هو الفاعلُ، والثاني هو المفعول على الترتيب الذي ذكره من تقديم المتكلّم، ثُمّ المخاطبُ، ثمّ الغائبُ من نحو: "عجبتُ من ضَرْبِيك، وضَرْبِيه، ومن ضَرْبِكَهُ" على الترتيب الذي رتّبه صاحب الكتاب. فإن كان الفاعل المخاطبَ، وأضفتَ المصدر إليه، والمفعولُ به المتكلّمُ، لم يحسن إلّا المنفصلُ، نحو: "عجبتُ من ضَرْبك إيّايَ"، و"عجبتُ من ضَرْبه إيّاي". فإنّ كان الضميران مفعولَيْن، لزم اتّصالُ ضمير المفعول الأوّلِ بالفعل؛ لأنّه يَليه. ولا فَرْقَ في ذلك بين أن يكون قد اتّصل بالفعل ضميرُ فاعلِ، وأن لا يكون اتّصل به؛ لأنّ ضمير الفاعل يصير كحرفٍ من حروف الفعل، فيتّصل به ضميرُ المفعول بالفعل مع ضمير الفاعل، كما يتّصل به خاليًا من الضمير، فتقول: "ضربتُكَ"، و"ضربتَنِي"، كما تقول: "ضَرَبَكَ"، و"ضَرَبَنِي". فإذا جئتَ بعد اتّصالِ ضمير المفعول الأوّلِ بضميرِ مفعولٍ ثانٍ، جاز اتّصالُه وانفصالُه، نحو: "الدرهمُ أعطيتُكَهُ، وأعطيتُك إيّاه"، فاتّصالُه لقوّة الفعل، وأنّه الأصلُ في اتّصالِ المنصوب. ولما كان المتّصلُ أخصَر من المنفصل، ومعناه كمعنى المنفصل، اختاروه على المنفصل. وأمّا جوازُ الإتيان بالمنفصل، فلأنّ ضميرَ المفعول الثاني لا يُلاقي ذاتَ الفعل، إنّما يُلاقي ضميرَ المفعول الأوّل، وليس كذلك ضميرُ المفعول الأوّل, لأنّه يلاقي ذاتَ الفعل حقيقةٌ في نحو: "ضَرَبَكَ"، أو ما هو منزَّلٌ منزلةَ ما هو حرفٌ من حروف الفعل، نحو: "ضربتُكَ". ألا ترى أنَّه يلاقي الفاعلَ، والفاعلُ يتنزّلُ منزلةَ الجزء من الفعل؟ قال الله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ (١)، فقدّم ضميرَ المخاطب على الغائب؛ لأنّه أقربُ إلى المتكلّم. وقد اشترط صاحب الكتاب أنّه إذا التقى ضميران متّصلان، بُدىء بالأقرب إلى المتكلّم من غير تفضيل. والصوابُ ما ذكرتُه، وهذا الترتيبُ رأيُ سيبويه (٢)، وحكايتُه عن العرب. والعلّةُ في ذلك أن الأولى أن يبدأ الإنسانُ بنفسه؛ لانّها أعرفُ وأهَمُّ عنده. وكما كان المختارُ أن يبدأ بنفسه، كان المختار تقديمَ المخاطب على الغائب؛ لأنّه أقربُ إلى

стр. 772

المتكلّم. وقد أجاز غيرُه من النحويين تقديمَ الضمير الأبعد على الأقرب قياسًا، وهو رأيُ أبي العبّاس محمّد بن يزيد، وكان يُسوِّي بين الغائب والمخاطب والمتكلّم في التقديم والتأخير، ويُجيز "أعطاهُوكَ"، و"أعطاهُوني". و"أعطاكَنِي". ويستجِيدُه، ولم يَرْضَ سيبويه مَقالتَهم وقال (١): هو شيءٌ قاسُوه ولم يتكلّم به العربُ، فاعرفه. [توالي ضميرين ثانيهما منفصل] قال صاحب الكتاب: وإذا انفصل الثاني لم تراع هذا الترتيب، فقلت: "أعطاه إياك" و"أعطاك إياي" وقد جاء في الغائبين أعطاهاه وأعطاهوها ومنه قوله [من الطويل]: ٤٥٧ - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمةٍ ... لضغمهماها يقرع العظم نابها وهو قليل, والكثير: "أعطاها إياه"، و"أعطاه إياها"، والاختيار في ضمير خبر كان وأخواتها الانفصال, كقوله [من الطويل]: ٤٥٨ - لئن كان إياه لقد حال بعدنا ... [عن العهد والإنسان قد يتغير]

стр. 773

وقوله [من مجزوء الرمل]: ليس إياي وإيا ... ك ولا نخشى رقيبا (١) وعن بعض العرب: "عليه رجلاً ليسني" وقال [من الرجز]: ٤٥٩ - [عددت قومي كعديد الطيس] ... إذ ذهب القوم الكرام ليسي * * *

стр. 774

قال الشارح: ومتى انفصل الضميرُ الثاني عن الأول، لم يلزم فيه هذا الترتيب، بل يجوز لك أن تبدأ بأيهما شئتَ، فتقول: "أعطاه إيّاك"، و"أعطاه إيّايَ"، و"أعطاك إيّايَ"، فتكون مخيَّرًا: أيُّهما شئتَ قدّمتَ. وإنّما كان كذلك من قِبَل أنّ الضمير المنفصل يجري مجرى الظاهر لاستقلاله بنفسه، وعدم افتقاره إلى غيره، فكما أنّ الأسماء الظاهرة لا يُراعَى فيها الترتيبُ، بل تُقدِّم أيَّها شئت، فكذلك الضميرُ المنفصل. فإذا كان الضميران غائبَيْن، جاز لك الجمعُ بينهما متّصلَيْن، فتقول: "أعطاهُوها"، و"أعطاهاهُ"، وكنتَ مخيَّرًا في أيّهما بدأتَ به. وذلك من قِبَل أنّهما كِلاهما غائبٌ، وليس فيهما تقديمُ بعيدٍ على قريبٍ. قال سيبويه (١): وهو عربيٌّ جيّدٌ، وليس بالكثير في كلامهم، بل الأكثرُ في كلامهَم: "أعطاه إيّاها"، و"أعطاها إيّاهُ"، فتأتي بضميرِ المفعول الثاني منفصلاً. وإنّما قَلَّ في كلامهم؛ لأنّه ليس فيه تقديمُ الأقرب على الأبعد لتَساويهما في المرتبة. فأمّا قولُ مُغَلِّس بن لَقِيط الأَسَديّ [من الطويل]: وقد جعلتْ نفسي ... إلخ فالشاهد فيه أنّه جمع بين ضميريَن بلفظِ الغيبة، الأوّلُ مجرورٌ بإضافةِ المصدر إليه، والثاني في محلِّ نصب بالمصدر. والجيدُ الكثيرُ: "لضغْمِهما إيّاها"، فيأتي به منفصلاً. واتّصالُ الضميرَيْن في البيت أقبحُ؛ لأنّهما اتّصلا بالمصدر، وهو اسمٌ، ولم يستحكم في اتّصال الضمير به استحكامَ الفعل. يصف حالَه مع بني أخيه مُدْرِكٍ ومُرَّةَ، وهو من أبيات أوّلها: وأَنقَتْ لِيَ الأيامُ بَعْدَكَ مُدْرِكَا ... ومُرَّةَ والدُّنْيَا كَريهٌ عِتابُها قَرِينَيْنِ كالذئْبَيْنِ يَقْتَسِمانني ... وشَرُّ صحَاباتِ الرجالِ ذِئابُها الضَّغْم: العَضُّ. والضمير الأوَّلُ المثنّى يعود إلى "قرينين"، والضميرُ الثاني يعود إلى النفس. وقوله: "يقرعُ العظمَ نابُها"، يصف شدّة العض بحيث يصل نابُه إلى العظم.

стр. 775

فأمّا ضميرُ خبرِ "كَانَ" وأخواتِها، ففيه وجهان: أحدهما: الاتّصالُ، نحو قولك: "كَانَهُ"، و"كَانَني". قال أبو الأسوَد [من الطويل]: ٤٦٠ - [دعِ الخَمْرَ يَشرَبْها الغُواةُ فإنّني ... رأيتُ أخاها مُجْزيًا لمكانِها] فإنّ لم يَكُنْهَا أو تَكُنْهُ فإنّه ... أَخُوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بلبانِها

стр. 776

والثاني: أن يأتي منفصلًا، نحو: "كان زيدٌ إياه"، و"كان إيّايَ". قال الشاعر [من مجزوء الرمل]: لَيْتَ هذا اللَّيْلَ شَهْرٌ ... لانَرَى فيه عَرِيبَا لَيْسَ إيّايَ، وإيّا ... كِ ولانَخْشَى رقيبا (١) وقال عمر بن أبي رَبِيعَةَ [من الطويل]: لَئنْ كان إيّاهُ لَقَدْ حَالَ بَعْدَنَا ... عن العَهْدِ والإنسانُ قد يَتَغَيَّرُ (٢) وهذا هو الوجهُ الجيّدُ؛ لأنّ "كَانَ" واْخواتها يدخلن على المبتدأ والخبر، فكما أنّ خبر المبتدأ منفصل من المبتدأ، كان الأحسنُ أن تفصِله ممّا دخلن عليه. فأمّا الاسمُ المُخبَرُ عنه، فإنّ ضميره متّصلٌ؛ لأنّه بمنزلةِ فاعِل هذه الأفعال، ولا يكون إلّا اسمًا، فصار مع الفعل كشيء واحد، ولذلك تتغيّرُ بِنْيةُ الفعل له. ولمّا كان الخبرُ قد يكون جملةً، وظرفًا غيرَ متمكّن، وهذه الأشياء لا يجوز إضمارُ, ولا تكون إلّا منفصلةٌ من الفعل، اختير في الخبر الذي يمكن إضمارُه إذا أضمر أن يكون على منهاجِ ما لا يصحّ إضمارُه من الأخبار في الانفصال من الفعل. ووجهٌ ثانٍ أنّا لو وصلنا ضميرَ الخبر بضميرِ الاسم، نحو: "كُنْتُكَ"، و"كَانَهُ"، و"كَانَنِي"، فالفاعلُ في هذا الباب والمفعولُ لشيء واحد، وفعلُ الفاعل لا يتعدّى إلى نفسه متّصلًا، ويتعدّى إلى نفسه منفصلًا، فلا يجوز "ضربتُنِي"، ولا "ضربتَكَ"، ويجوز "إيّايَ ضربتُ"، و"إيّاك ضربتَ". فأمّا وجهُ جوازِ "كُنْتُهُ"، و"كَانَنِي"، فعلى التشبيه بالفعل الحقيقي حين جُعل الاسم والخبر بمنزلة الفاعل والمفعول. فأمّا قولهم: "عليه رجلاً لَيْسَنِي"، فهو حكاية عن بعض العرب، قال ذلك لرجلٍ ذُكر له أنّه يريده بسُوءٍ، فوصل الضمير بنونِ الوقاية على ما ذكرنا من التشبيه بالأفعال الحقيقية. فأمّا قول الشاعر [من الرجز]: عَدَذتُ قَوْمِي كَعدِيدِ الطَّيْسِ ... إذْ ذهَبَ القَوْمُ الكِرامُ لَيْسِي (٣) فوصله بغيرِ نون تشبيهًا لها بالحرف، لقلّةِ تمكنها، وعدمِ تصرُّفها. فصل [الضمير المستتر] قال صاحب الكتاب: والضمير المستتر يكون لازماً وغير لازم. فاللازم في أربعة أفعال: "افعل", و"تفعل" للمخاطب, و"أفعل", و"نفعل". وغير اللازم في فعل الواحد

стр. 777

الغائب, وفي الصفات. ومعنى اللزوم فيه أن إسناد هذه الأفعال إليه خاصة لا تسند البتة إلى مظهر, ولا إلى مضمر بارزٍ. ونحو "فعل", و"يفعل" يسند إليه وإليهما في قولك: "عمرو قام" و"قام غلامه", و"ما قام إلا هو", ومن غير اللازم ما يستكن في الصفة, نحو قولك: "زيدٌ ضاربٌ"؛ لأنك تسنده إلى المظهر أيضاً في قولك: "زيد ضارب غلامه"، وإلى المضمر البارز في قولك: "هندٌ زيد ضاربته هي"، و"الهندان الزيدان ضاربتهما هما"، ونحو ذلك مما أجريتها فيه على غير من هي له. * * * قال الشارح: لمّا كانت المضمرات إنّما جِيءَ بها للإيجاز والاختصارِ، قلّت حروفُها، فجُعل ما كان متّصلًا منها على حرف واحد، كالتاء في "قمتُ"، والكاف في "ضَرَبَكَ" إلّا أن يكون هاء، فإنّه يُردَف بحرف لين لخَفائه، واحتمل أن يكون على حرف واحد، لاتصاله بما قبله من حروف الكلمة. فأمّا المنفصل فيكون على أكثر من حرف واحد، لانفصاله ممّا يعمل فيه، واستقلالِه بنفسه، فهو جارٍ لذلك مجرى الظاهر. وجُعل بعضُ المضمرات مستتِرًا في الفعل منويًّا فيه، غُلُوًّا في الإيجاز، وذلك عند ظهور المعنى، وأَمْنِ الإلباس، وذلك في أفعالٍ مخصوصةٍ، فمن ذلك الفعلُ الماضي إذا أُسند إلى واحدٍ غائبٍ، نحو: "زيدٌ قام"، و"عمرٌو ضرب"، لا يظهر له علامةٌ في اللفظ، فإنّ ثُنّي وجُمع، طهرت علامتُه، نحو: "الزيدان قَاما"، و"الزيدون قاموا". فإنّ قيل: ولِمَ كان لا يظهر له علامةٌ مع الواحد، وتظهر مع التثنية والجمع، قيل: قد عُلم أن كل فعل لا بدّ له من فاعلٍ، إذ لا يحدُث شيءٌ من ذلك من تِلْقاء نفسه، فقد عُلم فاعل لا محالةَ، فلمّا كان الفعل لا يخلو من فاعلٍ، لم يُحتَج له إلى علامة. فإن قيل: ولِمَ الفاعلُ الغائبُ إذا أُسْنِدَ إلى الماضي، لا يظهر له علامةٌ، ومع المتكلّم والمخاطب يظهر له علامةٌ، نحوَ: "قمتُ"، و"قمتَ"؟ قيل: مع دلالةِ الفعل على فاعل، وقد تقدّم ظاهرٌ يعود إليه ذلك المضمرُ، أُغني عن علامةٍ له، وليس كذلك مع المتكلّم والمخاطب، فإنّه لا يتقدّم لهما ذكرٌ، فاحتيج إلى علامةٍ لهما لذلك، فاعرفه. ومن ذلك الصفات كاسم الفاعل واسم المفعول، نحوِ: "ضاربٍ"، و"مضروبٍ"، ونحوِهما من الصفات، فإنّها إذا جرت صفةً لواحد، كان فيها مضمرٌ من الموصوف لِما فيها من معنَى الفعليّة، إلّا أنّه لا يظهر له علامةٌ في اللفظ لِما ذكرناه، نحوَ قولك: "هذا رجلٌ ضاربٌ ومضروبٌ"، فإن وصفتَ بها اثنَيْن أو جماعة، ثنْيتَ الصفةَ، أو جمعتَها، فتقول: "هذان رجلان ضاربان، وغلامان مضروبان". وقامت علامةُ التثنية والجمع مقامَ علامة المضمر، وإن لم تكن إيّاها. والذي يدل على أن التثنية ههنا قائمةٌ مقامَ علامة الضمير، وإن لم تكن إياّها، أنّه إذا خلتِ الصفةُ من المضمر، لم تحسن تثنيتُها, ولا

стр. 778

جمعُها، وذلك إذا أُسندت إلى ظاهر، نحوَ قولك: "هذا رجل ضاربٌ غلامُه"، لم تُثنِّه، ولم تجمعه، نحوَ قولك: "هذان رجلان ضاربٌ غلامُهما، ومضروبٌ أخواهما". ومن ذلك الأفعالُ المضارِعةُ، خص: "أقوم"، و"نقوم"، و"يقوم" و"تقوم" يستوي فيها ضميرُ المخاطب، والمتكلّم، والغائب في الاستتار، وعدمِ ظهورِ علامةٍ؛ لأنّ تصريفَ الفعل، وما في أوّله من حروف المضارعة يدل على المعنى، ويُغْنِي عن ذِكْرِ علامة له. وهذا الضمير المستتر على ضربَيْن: لازمٌ وغيرُ لازم، والمراد بقولنا: "لازمٌ" أن لا يُسنَد الفعل إلى غيره من الأسماء الظاهرة والمضمرةِ ذَواتِ العلامة، وذلك نحوُ: "أقومُ"، إذا أخبرتَ عن نفسك وحدَها، و"نَقومُ" إذا أخبرتَ عن نفسك وعن غيرك، فإنّه لا يكون الفاعلُ فيهما إلّا مستكِنًّا مستترًا، وإنما لم يُسنَد إلى ظاهرِ؛ لأنّ الظاهر موضعٌ للغيبة، والمتكلّمُ حاضرٌ، فاستحال الجمعُ بينهما, ولم يظهر فيه علامةُ تثنيةِ، ولا جمع، لامتناعِ حقيقةِ التثنية والجمع منه، إذ المُتكلِّمُ لا يُشارِكه متكلّمٌ آخرُ في خطاب واحدٍ، فيكونَ اللفظُ لهما، لكنّه قد يتكلّم عن نفسه وعن غيره، فجُعل اللفظ الذي يتكلّم به عنه وعن غيره مخالِفَ اللفظ الذي له وحدَهُ، واستوى أن يكون غيرُه المضمومُ إليه واحدًا واثنين وجماعةٌ، وقد تقدّم نحوُ ذلك. فأمّا قولُ صاحب الكتاب: فاللازمُ في أربعةِ أفعال: "افْعَلْ" للأمر فالفاعلُ فيه مستكن لا يمكن إبرازُه. و"تَفْعَلُ" للمخاطب. و"أفْعَلُ" للمتكلّم وحدَه. و"نَفْعَلُ" للمتكلّم إذا كان معه غيرُه. ومعنَى اللزوم أنّ إسنادَ هذه الأفعال إليه خاصّةً لا تُسنَد إلى مظهر، ولا إلى مضمر بارزٍ. والمرادُ بالبارز أن يكون له علامةٌ لفظيّةٌ، وذلك أن "افْعَلْ" في الأمر للواحد لا يظهر ضميرُه، ويظهر في التثنية والجمع، نحوِ: "افْعَلَا"، و"افْعَلُوا"، وكذلك "تَفْعَلُ" إذا خاطبت واحدًا لا يظهر له صورةٌ. وتظهر العلامةُ في التثنية والجمع، نحوِ: "تفعلان"، و"تفعلون". فأمّا "أفْعَلُ" إذا أخبر عن نفسه، و"نَفْعَلُ" إذا أخبر عن نفسه وعن غيره، فلا يظهر له صورةُ فاعلٍ ألبتّةَ استغناء عن ذلك بالعلامة اللاحقةِ للفعل، نحوِ الهمزة في "أفْعَلُ"، والنونِ في "نَفْعَلُ"، وما عدا ما ذكر من الأفعال لا يلزم استتارُ الضمير فيه، فاعرفه. فصل [ضمير الفصل أو العماد] قال صاحب الكتاب: ويتوسط بين المبتدأ وخبره قبل دخول العوامل اللفظية وبعده إذا كان الخبر معرفة أو مضارعاً له في امتناع دخول حرف التعريف عليه, كـ "أفعل من كذا" أحد الضمائر المنفصلة المرفوعة، ليؤذن من أول أمره بأنه خبرٌ لا نعت، وليفيد ضرباً من التوكيد. ويسميه البصريون فصلاً، والكوفيون عماداً, وذلك في قولك: "زيدٌ هو المنطلق"، و"زيدٌ هو أفضل من عمرو"، وقال تعالى: ﴿إن

стр. 779

كان هذا هو الحق﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾ (٢)، وقال: ﴿ولا تحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيراً لهم﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إن ترن أنا أقل منك مالاً﴾ (٤). ويدخل عليه لام الابتداء، تقول: "إن كان زيدٌ لهو الظريف"، و"إن كنا لنحن الصالحين". وكثير من العرب يجعلونه مبتدأ, وما بعده مبنياً عليه, وعن رؤبة أنه يقول: "أظن زيداً هو خير منك", ويقرؤون: ﴿ومن ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمون﴾ (٥) و ﴿أنا أقل﴾ (٦). * * * قال الشارح: اعلم أنّ الضمير الذي يقع فَصْلًا له ثلاثُ شرائطَ: أحدها: أن يكون من الضمائر المنفصلة المرفوعةِ الموضع، ويكونَ هو الأوّلَ في المعنى. الثاني: أن يكون بين المبتدأ وخبرِه، أو ما هو داخلٌ على المبتدأ وخبره من الأفعال والحروف، نحو: "إنَّ" وأخواتها، و"كَانَ" وأخواتِها، و"ظننتُ" وأخواتِها. الثالثُ: أن يكون بين معرفتَيْن أو معرفةٍ وما قَارَبَها من النكرات. ويُقال له: فَصْلٌ، وعِمادٌ. فالفصل من عباراتِ البصريين، كأنّه فصل الاسمَ الأوّل عمّا بعده، وآذن بتَمامه، وأن لم يبق منه بَقيةٌ من نعتٍ، ولا بدلٍ إلّا الخبرَ لا غيرُ. والعِمادُ من عبارات الكوفيين، كأنّه عمد الاسمَ الأوّلَ، وقوّاه بتحقيق الخبر بعده. والغرض من دخول الفصل في الكلام ما ذكرناه من إرادةِ الإيذان بتمام الاسم وكَمالِه، وأنّ الذي بعده خبرٌ، وليس بنعتٍ، وقيل: أُتي به ليُؤذِن بأن الخبر معرفةٌ، أو ما قاربَها من النكرات. وإنّما اشتُرط أن يكون من الضمائر المنفصلة المرفوعةِ الموضع, لأنّ فيه ضربًا من التأكيد، والتأكيدُ يكون بضميرِ المرفوع المنفصل، نحوُ: "قمتُ أنَا"، و ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٧)، ولذلك من المعنى وجب أن يكون المضمرُ هو الأولَ في المعنى؛ لأنّ التأكيد هو المؤكَّدُ في المعنى. ولهذا المعنى يُسمّيه سيبويه وَصْفًا كما يسمّى التأكيدَ المحضَ.

стр. 780

ولو قلت على هذا: "كَانَ زيدٌ أنتَ خيرًا منه"، أو "ظننتُ زيدًا أنتَ خيرًا منه"، لم يجز؛ لأنّ الفصل ههنا ليس الأولَ، فلا يكون فيه تأكيدٌ له، فأمّا قول الشاعر [من الوافر]: ٤٦١ - وكَائِنْ بالأبَاطِحِ مِن صَدِيقٍ ... يَرانِي لو أُصِبْتُ هو المُصابا فإنّك لو حملتَه على ظاهره، لم يجز أن يكون "هُوَ" فصلًا, لأنّ "هُوَ" ضميرُ غائبٍ، و"نِي" ضميرُ متكلّم، فلا يصح أن يكون تأكيدًا له، فإن حملتَه على حذفِ مضاف، كأنّه قال: "يرى مُصابي هو المصابَا"، جاز؛ لأنّ الثاني هو الأوَّلُ. وإنّما اشترط أن يكون بين المبتدأ والخبر، أو ما دخل عليهما ممّا يقتضي الخبرَ. وذلك من قِبَل أنّ الغرض به إزالةُ اللبس بين النعت والخبر، إذ الخبرُ نعتٌ في المعنى. وذلك نحوُ قولك: "زيدٌ هو القائمُ", لأنّ الذي بعده معرفةٌ، يمكن أن يكون نعتًا لِما قبله، فلمّا جئت بـ "هُوَ" فاصلةً بَيَّنَ أنّك أردتَ الخبرَ، وأنّ الكلام قد تَمَّ به لفَصْلك بينهما، إذ الفصلُ بين النعت والمنعوت قبيحٌ. فإنّ قيل: إذا كان الغرض بالفصل إنّما هو الفرق بين النعت والخبر، فما بالُه جاء فيما لا لَبْسَ فيه، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١)، و ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٢). ولا لَبسَ في ذلك؛ لأنّ المضمرات لا تُوصَف؟ فالجوابُ أن هذا هو الأصلُ:

стр. 781

أن لا يقع الفصلُ إلّا بعد الاسم الظاهر ممّا يُوصَف، فلمّا ثبت هذا الحكمُ للظاهر، أُجري المضمر مُجراه، وإن كانت المضمراتُ لا تُنعَت، إذ كان أصلُه المبتدأ والخبرَ، كما ذكرنا في "يَعِدُ"، و"تَعِدُ" و"نَعِدُ": أصل الحذف في "يَعِدُ" لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وباقي أخواته محمولة عليه، كذلك ههنا. فلذلك تقول: "كان زيدٌ هو القَائمَ"، و"كنت أنَا القائم". قال الله تعالى: ﴿فلما توفيتني كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١). وتقول: "ظننتُ زيدًا هو القائمَ"، و"حسِبتُ زيدًا هو الجالسَ". قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٢). وقال: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٣) من رؤيةِ القَلْب. واعلم أن قوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤)، و ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (٥) و ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٦)، يجوز أن يكون المضمر فيه فصلًا، ويجوز أن يكون تأكيدًا؛ لأنّه بعد مضمرٍ، والمضمرُ يُؤكَّد بالمضمر المرفوع إذ كَانَهُ، سواء كان الأوّلُ مرفوعَ الموضع، أو منصوبَه، أو مجرورَه. واعلمْ أنّ الفصل لا يظهر له حكمٌ في بابِ "إنَّ" وأخواتِها، وباب المبتدأ والخبر، لأنّ أخبارها مرفوعةٌ، فإذا قلت: "زيدٌ هو القائمُ"، و"إن زيدًا هو القاَئمُ"، لم يُعلَم أنّ المضمر فصلٌ أو مبتدأٌ، إلّا بالإرادة والنيّةِ. ولا يظهر الفرق بينهما في اللفظ، ويظهر مع الفعل, لأنّ أخباره منصوبة، نحوَ قولك: "كان زيد هو القائمَ"، و"ظننتُ زيدًا هو العاقلَ". فعُلم أنّ "هُوَ" فصل بنصبِ ما بعده. وإنّما وجب أن يكون بعد معرفةٍ؛ لأنّ فيه ضربًا من التأكيد، ولفظُه لفظُ المعرفة، فوجب أن يكون الاسمُ الجاري عليه معرفة، كما أن التأكيد كذلك، ووجب أن يكون ما بعده معرفة أيضًا؛ لأنّه لا يكون ما بعده إلّا ما يجوز أن يكون نعتًا لِما قبله، ونعتُ المعرفة معرفةٌ. فلذلك وجب أن يكون بين معرفتَيْن. وقولنا: "أو ما قَارَبَ المعرفةَ" إشارةٌ إلى بابِ "أفْعَلُ مِن كذا"؛ لأنّه يقع بعد الفصل، وإن لم يكن معرفةً، وذلك لأنّه مُشابِهٌ للمعرفة من أجلِ أنّه غير مضاف. ويمتنع دخولُ الألف واللام عليه؛ لأنّ الألف واللام تُعاقِب "مِنْ"، فلا تُجامِعها، فجرى مجرَى العَلَم، نحو: "زيد" و"عمرو" في امتناعه من الألف واللام، وليس بمضافٍ مع أن "مِنْ" تُخصّصه؛ لأنّها من صلته، فطال الاسمُ بها، فصارت كالصلة للموصول، وذلك نحوُ قولك: "كان زيدٌ هو خيرًا منك"، و"حسِبتَني أنَا خيرًا منك".

стр. 782

قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (١)، يُقرَأ: "تحسبنّ" في الآية بالتاء والياء (٢)، فَمن قرأ بالتاء، فتقديرُه: لا تحسبَنَّ بُخْلَ الذين يبخلون بما آتاهم الله، ثمُ حُذف المضاف. ومَن قرأ بالياء، فـ "الذين" في موضع الفاعل، والمفعولُ الأوَّل محذوفٌ، والتقديرُ: البخلَ هو خيرًا لهم. وحَسُنَ إضمارُه لِما في "يبخلون" من الدلالة عليه، وصار كقولهم: "مَن كَذَبَ كان شَرًّا له"، أي: كان الكَذِبُ شرًّا له. ولو قلت على هذا: "ما ظننتُ أحدًا هو خيرًا منك"، لم يجز؛ لأنّه لم يأتِ بعد معرفة، وكذلك لو قلت: "ما ظننتُ زيدًا هو قائمًا" لم يجز؛ لأنّ الذي بعده ليس معرفةٌ، ولا مُقاربًا للمعرفة. ويجوز رفعُ ما بعد هذه المضمرات سواء كان قبلها معرفة، أو بعدها، أو لم تكن، وذلك نحوُ قولك: "ما ظننتُ أحدًا هو خيرٌ منك"، فـ "أحدًا" مفعولٌ أوّلٌ، وقولُك: "هو خيرٌ منك" مبتدأٌ وخبرٌ في موضعِ المفعول الثاني. وكذلك لو قلت: "ما ظننتُ زيدًا هو قائمٌ". كل ذلك جائزٌ. وكذلك تقول: "زيد هو القائمُ"، و"إنّ زيدًا هو العالمُ"، و"ظننتُ محمّدًا هو الشاخصُ"، و"كنتُ أنَا الراكبُ"، وهو استعمالُ ناس كثير من العرب حكاه سيبويه (٣). وعَن رُؤبَةَ أنّه كان يقول: "أظُنّ زيدًا هو خيرٌ منك" بالرفع، وحكى عيسى بن عمر أن ناسًا كثيرًا من العرب يقولون: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (٤)، وقال قيس بن ذُرَيح [من الطويل]: ٤٦٢ - تُبَكي على لُبْنَى وأنتَ تركتَها ... وكُنْتَ عليها بالمَلا أنتَ أقْدَرُ

стр. 783

جاء مرفوعًا, لأنّ القافية مرفوعةٌ. والذي يُفارِق به المبتدأُ الفصلَ ههنا أنّ الضمير إذا كان مبتدأٌ، فإنه يُغيِّر إعرابَ ما بعده، فيرفعُه ألبتّةَ بأنّه خبر المبتدأ، وإذا كان فصلًا، لا يُغير الإعرابَ عمّا كان عليه، بل يبقى على حاله كما لو لم يكن موجودًا. فتقول في المبتدأ: "كان زيدٌ هو القائمُ "، ترفع "القائمَ" بعد أن كان منصوبًا، وتكون الجملةُ في موضع الخبر. وكذلك تقول: "ظننتُ زيدًا هو القائمُ"، ترفعُه أيضًا، وتكون الجملةُ في موضعِ المفعول الثاني لِـ"ظننتُ". فأمّا إذا كان الفصلُ بين المبتدأ وخبرِه، أو بين اسمِ "إنَّ" وخبرِها، فإنّه لا يظهر الفرقُ بينهما من جهة اللفظ؛ لأنّ ما بعد المضمر فيه مرفوع في كِلا الحالَيْن, لأنّ خبرَ المبتدأ مرفوع، وخبر "إن" مرفوع. وإنّما يقع الفصلُ بينهما من جهةِ الحكم والتقدير. فإذا جعلتَه مبتدأ، كان اسمًا، فله موضعٌ من الإعراب وهو الرفعُ، بأنّه مبتدأ، والمبتدأُ يكون مرفوعًا. ويدلّ على ذلك أنّك لو أوقعتَ موقعَه اسمًا ظاهرًا، لكان مرفوعًا، نحوَ قولك: "كان زيدٌ غلامُه القائمُ". هاذا جعلتَه فصلًا، فقد سلبتَه معنَى الاسميّة، وابتززتَه إيّاه، وأصرتَه إلى حَيِّزِ الحروف، وألْغَيْتَه كما تُلْغِي الحروفَ، نحوَ إلغاءِ "مَا" في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١)، فلا يكون له موضعٌ من الإعراب، لا رفعٌ، ولا نصبٌ، ولا خفضٌ، وليس ذلك بأبعدَ من إعمالِ "مَا" عَمَلَ "ليْسَ" لَشَبَهها بها، والقياسُ أن لا تعمل. ونظيرُ ذلك من الأسماء التي لا موضعَ لها من الإعراب الكافُ في "ذلِكَ"، و"أُولَئِكَ" و"رُوَيْدَكَ"، و"النَّجاءَكَ"، ونحوِ ذلك. وربّما التبس الفصلُ بالتأكيد والبدلِ في مواضعَ، والذي يفصِل بينهما. أمّا الفرقُ بين الفصل والتأكيد، فإنّه إذا كان التأكيدُ ضميرًا، فلا يُؤكد به إلّا مضمرٌ، نحوَ: "قمتَ أنتَ"، و"رأيتُك أنت"، و"مررتُ بك أنت". والفصلُ ليس كذلك، بل يقع بعد الظاهر

стр. 784

والمضمر، فإذا قلت: "كان زيدٌ هو القائمَ"، لم يكن "هُوَ" ههنا إلّا فصلًا لوقوعه بعد ظاهرٍ، ولو قلت: "كنتَ أنتَ القائمَ"، جاز أن يكون فصلًا ههنا، وتأكيدًا. ومن الفصل بينهما أنّك إذا جعلتَ الضمير تأكيدًا، فهو باقٍ على اسميّته، ويُحكَم على موضعه بإعرابِ ما قبله، وليس كذلك إذا كان فصلًا على ما بيّنا. وأمّا الفصلُ بينه وبين البدل، فإنّ البدل تابعٌ للمُبدَل منه في إعرابه كالتأكيد، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّك إذا أبدلتَ من منصوبٍ، أتيتَ بضميرِ المنصوب، فتقول: "ظننتُك إيّاك خيرًا من زيد"، و"حسِبتُه إيّاه خيرًا من عمرو". وإذا أكّدتَ، أو فصلتَ، لا يكون إلّا بضمير المرفوع. ومن الفرق بين الفصل والتأكيد والبدل أن لامَ التأكيد تدخل على الفصل، ولا تدخل على التأكيد والبدل، فتقول في الفصل: "إن كان زيد لَهو العاقلَ"، و"إن كنّا لَنَحّنُ الصالحين"، ولا يجوز ذلك في التأكيد والبدل؛ لأنّ اللام تفصِل بين التأكيد والمؤكَّد، والبدلِ والمبدلِ منه، وهما من تمامِ الأوّل في البيان. وقد ذهب قومٌ إلى أن "هُوَ" ونحوَها من المضمرات لا تكون فصلًا، وإنّما هي في هذه المواضع وصفٌ وتأكيدٌ، وهي باقيةٌ على اسميتها. وقد بيّنّا فَسادَ ذلك بُوقوعه بعد الظاهر والمضمر، ولا يُؤكَّد به الظاهرُ، وبدخولِ لام التأكيد عليه، فاعرفه. فصل [ضمير الشأن أو القصة] قال صاحب الكتاب: ويقدمون قبل الجملة ضميراً يسمى ضمير الشأن والقصة, وهو المجهول عند الكوفيين, وذلك نحو قولك: هو زيد منطلق أي الشأن والحديث زيد منطلق. ومنه قوله : ﴿قل هو الله أحد﴾ (١) ويتصل بارزاً في قولك: "ظننته زيد قائم"، و"حسبته قام أخوك"، و"إنه أمة الله ذاهبةٌ"، وإنه يأتنا نأته"، وفي التنزيل: ﴿وأنه لما قام عبد الله﴾ (٢)، ومستكناً في قولهم "ليس خلق الله مثله", و"كان زيد ذاهب"، و"كان أنت خير منه"، وقوله تعالي: ﴿كاد تزيغ قلوب فريق منهم﴾ (٣) , ويجيء مؤنثاً إذا كان في الكلام مؤنث نحو قوله تعالى:

стр. 785

فإنها لا تعمى الأبصار﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿أو لم تكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾ (٢). وقال [من الطويل]: ٤٦٣ - على أنها تعفو الكلوم [وإنما ... نوكل بالأدني وإن جلّ ما يمضي * * * قال الشارح: اعلم أنّهم إذا أرادوا ذِكْرَ جملة من الجُمَل الاسميّة، أو الفعليّة، فقد يُقدِّمون قبلها ضميرًا يكون كنايةٌ عن تلك الجملة، وتكون الجملة خبرًا عن ذلك الضمير، وتفسيرًا له. ويُوَحِّدون الضمير؛ لأنّهم يريدون الأمرَ والحديثَ, لأنّ كلَّ جملة شأنٌ وحديثٌ، ولا يفعلون ذلك إلّا في مواضع التفخيم والتعظيم، وذلك قولك: "هو زيدٌ قائمٌ"، فـ "هُوَ" ضميرٌ لم يْتقدّمْه ظَاهرٌ. إئما هو ضميرُ الشأن والحديثِ، وفَسَّرَه ما بعده من الخبر، وهو "زيدٌ قائمٌ"، ولم تأتِ في هذه الجملة

стр. 786

بعائدٍ إلى المبتدأ، لأنّها هو في المعنى، ولذلك كانت مُفسِّرة له، ويُسمِّيه الكوفيون الضمير المجهول؛ لأنّه لم يتقدّمه ما يعود إليه. فأمّا قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) فقد قال جماعة البصريين والكسائيُّ من الكوفيين: إن "هُوَ" ضميرُ الشأن والحديث، أُضمر ولم يتقدمّه مذكورٌ، وفسّره ما بعده من الجملة. وقال الفرّاء: هو ضميرُ اسم الله تعالى، وجاز ذلك وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ لِما في النفوس من ذِكْره، وكان يجيز: "كان قائمًا زيدٌ"، و"كان قائمًا الزيدان والزيدون"، فيكون "قائما" خبرًا لذلك الضمير وما بعده مرتفعٌ به، والبصريون لا يُجيزون أن يكون خبرُ ذلك الضمير اسمًا مفردًا؛ لأنّ ذلك الضمير هو ضميرُ الجملة، فينبغي أن يكون الخبر جملة، كما تقول: "كان زيدٌ أخاك"، فتجعل "الأخَ" خبرًا له، إذ كان هو إيّاه، غير أن الخبر إذا كان مفردًا، كان مُعرّبًا، وظهر الإعرابُ في لفظه، وإذا كان جملةٌ، كان الإعرابُ مقدّرًا في موضعه دون لفظه. ويجيء هذا الضمير مع العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، نحو: "إن" وأخواتِها، و"ظننتُ" وأخواتها، و"كَانَ" وأخواتها، وتعمل فيه هذه العواملُ. فإذا كان منصوبًا، برزت علامتُه متّصلة، نحوَ قولهم: "ظننتُه زيدٌ قائمٌ"، و"حسبته قام أخوك"، فالهاء ضميرُ الشأن والحديثِ، وهي في موضع المفعول الأوّل، والجملةُ بعدها في موضع المفعول الثاني، وهي مُفسِّرةٌ لذلك المضمر. وتقول: "إنّه زيدٌ ذاهبٌ"، فالهاءُ ضميرُ الأمر، و"زيدٌ ذاهبٌ" مبتدأ وخبرٌ في موضع خبرِ الأمر. ومثله: "إنّه أَمَةُ الله ذاهبةٌ"، و"إنّه مَن يأتِنا نَأتِه"، الهاء في ذلك كلّه ضميرُ الحديث، وما بعده من الجملة تفسيرٌ له في موضع الخبر، ولا يُحتاج فيها إلى عائدٍ في الجملة، لأنّها هي الضميرُ في المعنى. ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يدعوه﴾ (٢)، ولا يجوز حذفُ هذه الهاء إلّا في الشعر. لا يجوز في حال الاختيار "إن زيدٌ ذاهبٌ" على معنَى "إنّه زيد ذاهبٌ"، وقد جاء في الشعر. قال [من الخفيف]: ٤٦٤ - إنّ مَن لَامَ في بَنِي بِنْتِ حَسّا ... نٍ ألُمّة وأعْصِهِ في الخُطُوب

стр. 787

وقال [من الخفيف]: ٤٦٥ - إنّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا ... يَلْقَ فيها جَاَذِرًا وظِباءَ

стр. 788

الهاء مرادةٌ، والتقديرُ: إنَّهُ، وذلك لأنّ "مَنْ" ههنا شرطٌ، ولا يعمل في الشرط ما قبله من العوامل اللفظيّة، فلذلك قلنا: إنّ الهاء مرادةٌ، وكذلك باقي أخواتها. وإذا كان مرفوعًا متْصلًا، استكنّ في الفعل، واستتر فيه؛ لأنّ ضمير الفاعل، إذا كان واحدًا غائبًا، استكنّ في الفعل، نحوَ: "زيد قام"، فلذلك قالوا: "ليس خَلَق اللهُ مثلَه"، ففي "لَيسَ" ضميرٌ منويٌّ مستكنٌّ؛ لأنّ "لَيسَ"، و"خَلَقَ" فعلان، والفعلُ لا يعمل في الفعل، فلا بدّ من اسم يرتفع به، فلذلك قيل: فيه ضميرٌ. وتقول: "كان زيدٌ قائمٌ"، و"كان أنتَ خيرٌ منه"، ففي "كَانَ" ضميرُ الأمر مستكنًّا فيها، والجملةُ بعده في موضع الخبر، وهو تفسيرٌ لذلك المضمر، وكذلك باقي أخواتها. قال الشاعر [من الطويل]: إذا مُتُّ كان الناسُ صِنْفان شامِتٌ ... وآخَرُ مُثْني بالذي كُنْتُ أصْنَعُ (١) أضمر في "كَانَ" ضميرَ الشأن والحديث، وأوقع الجملةَ بعده تفسيرَه. ومنه قول الآخر [من البسيط]: ٤٦٦ - هي الشِّفاءُ لِداءٍ لو ظفِرتُ بها ... وليس منها شِفاءُ الداءِ مَبْذُولُ

стр. 789

جعل في "لَيْسَ" ضميرًا، لم يتقدّمْه ظاهرٌ، ثمّ فَسرَهُ بالجملة من المبتدأ والخبر الذي هو خبرُه. فأمّا قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (١)، فقد قرأ حَمْزةُ وحَفْصٌ: "كاد يزيغ" بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. وفي رفعِ "قلوب" وجهان: أحدُهما: أنّها مرتفعة بـ "تزيغ"، وفي "كَادَ" ضميرُ الأمر؛ لأن "كَادَ" فعلٌ، و"تزيغ" فعلٌ، والفعل لا يعمل في الفعل، فلم يكن بد من مرتفع به. الثاني: أنها مرتفعةٌ بـ "كَادَ"، والخبرُ مقدَّمٌ، وهو"تزيغ"، والأولُ أجودُ؛ لأنّك جعلتَ ما يعمل فيه الأوَّل يلي الآخِرَ، وهذا لا يحسن. قال: "وربما أنّثوا ذلك الضمير على إرادةِ القصّة". وأكثرُ ما يجيء إضمارُ القصّة مع المؤنْث، وإضمارُها مع المذكر جائزٌ في القياس؛ لأنّ التذكير على إضمارِ المذكر، وهو الأمرُ والحديثُ، فجائزٌ إضمارُ القصة والتأنيثُ لذلك. وأما قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢)، فإن ابن عامر وحدَه قرأ بالتاء، ورفعِ "آية"، وقرأ سائرُ السبعة بالياء، ونصبِ "آية"، فالنصبُ على خبرِ "كان" و"أن يعلمَه" الاسمُ. ومن قرأ بالتاء والرفعِ، فعلى إضمارِ القصة، والتقديرُ: أو لم تكن القصّة أن يعلمه علماء بني إسرائيل آيةٌ. كأنّك قلت: "عِلْمُ بني إسرائيل آيةٌ"، كما تقول: "لم تكن هندٌ منطلقة"، وأنتَ تريد لم تكن القصّةُ، و"أن يعلمه" مبتدأ، و"آية" الخبرُ، وقد تقدم عليه، كقولهم: "تَمِيمِيٌّ أنَا"، و"مشنوءٌ مَن يَشْنَأُك". ولا يحسن أن يكون "آيةٌ" اسمَ "تَكُنْ"؛ لأنها نكرةٌ، و"أن يعلمه" معرفةٌ، فإذا اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ، فالاسمُ هو المعرفةُ، والخبرُ النكرةُ، فلذلك عدل المحققون عن هذا الظاهر إلى إضمار القصّة. وقد ذهب بعضهم إلى أنّ "آية" اسمُ "تكن" وتأنيثَ الفعل لذلك، و"أنْ يعلمه" الخبرُ. قال: لأن الاسم والخبر شيءٌ واحدٌ مع أنها قد خصت بقوله: لَهُمْ. وهذا ضعيفٌ لا يكون مثلُه إلّا في الشعر، وموضعِ الضرورة. ويُقوِّي الوجهَ الأولَ قراءةُ الجماعة، فأمَّا قول الشاعر [من الطويل]: على أنّها تَعْفُو الكُلومُ وإنما ... نُوَكَّلُ بالأدْنَى وإنْ جَلَّ مايَمْضِي (٣)

стр. 790

البيت من الحَماسة لأبي خِراش الهُذَلي، وهو من قِطْعةٍ أوَّلُها: حَمِدْتُ إِلهِي بعدَ عُرْوَةَ إذ نَجَا ... خِراشٌ وبعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ من بَعْضِ والشاهد فيه قولُه: "على أنها" على تأنيثِ القصّة، أي: على أن القصّة تعفو الكلومُ. الكلومُ: جمعُ كَلْم، وهي الجِراحُ. تعفو أي: تَدْرُسُ، من قولهم: "عَفَتِ الرِّياحُ المنزل"، أي: درستْه. والمرادُ: أن الكلوم والمَصائب قد تُنسَى، وإنّما نُوَكل منها بما يقرُب حدوثُه، وإن كان ما مضى منه جليلًا، فاعرفه. فصل [تمييز الضمير] قال صاحب الكتاب: والضمير في قولهم "ربه رجلاً" نكرة مبهم يرمي به من غير قصد إلى مضمر له، ثم يفسر العدد المبهم في قولك: "عشرون درهماً". ونحوه في الإبهام والتفسير والضمير في نعم رجلاً. * * * قال الشارح: هذا الضمير كالضمير المتقدّم في احتياجه إلى ما يُفسِّره، إلّا أن ذلك الضمير يُفسَّر بجملةٍ، والضميرَ في"رُبَّ" يفسر بمفردٍ، وإنّما دخلتْ "رُبَّ" على هذا المضمر، و"رُبَّ" مختصّةٌ بالنكرات من حيث كان ضميرًا لم يتقدمه ذكر، فكان مبهما مجهولًا يحتاج إلى ما يُفسره ويُبيِّنه، فأشبهَ النكراتِ، فساغ دخولُها عليه لذلك. وصار كالعدد إذا قلت: "عشرون"، أو"ثلاثون" مَثَلًا، فإنّه يُفيد مقدارًا معلومًا من غيرِ أن يدل على نوعِ المعدود، فهو مبهمٌ، ولذلك فُسّر بالواحد، ليدل على نوع المعدود. ونظيرُ هذا المضمر المضمرُ في "نِعْمَ"، و"بِئْسَ" في أحدِ ضربَيْ فاعلهما، فإنّه يكون مضمرًا لم يتقدمه ذكر، ثم يُفسر بالواحد المنكورِ، نحوَ: "نِعْمَ رجلًا زيد"، و"بِئسَ غلامًا عمرٌو"، وسنذكُر حكمَهما في موضعهما إن شاء الله تعالى. فصل [الضمير بعد "لولا "] قال صاحب الكتاب: وإذا كنى عن الأسم الواقع بعد لولا وعسى فالشائع الكثير أن يقال لولا أنت ولولا أنا وعسيت وعسيت قال تعالى: ﴿لولا أنتم لكنا مؤمنين﴾ (١) وقال: ﴿فهل عسيتم﴾ (٢). وقد روى الثقات عن العرب: "لولاك",

стр. 791

ولولاي وعساك وعساني وقال يزيد بن أم الحكم [من الطويل]: ٤٦٧ - وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي وقال [من السريع]: ٤٦٨ - [أومت بعينيها من الهودج] ... لولاك هذا العام لم أحجج

стр. 792

وقال [من الرجز]: يا أبتا علّك أو عساكا (١) وقال [من الوافر]: ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني (٢) * * * قال الشارح: قد تقدم القول: إنّ الاسم الواقع بعد "لَولاَ" الظاهرَ يرتفع بالابتداء عند جماعةِ البصريين، فإذا كُني عنه، فينبغي أن لا يختلِف إعرابُه؛ لأن العامل في الحالَين شيءٌ واحدٌ. فكما أنه إذا كان ظاهرًا يكون مرفوعًا بالابتداء، فكذلك إذا كُني عنه، يكون في محل رفع بالابتداء، ويكون لفظُه من الضمائر المرفوعة المنفصلة. هذا هو القياسُ، وعليه أكثرُ الاستعمال فعلى ذلك تقول: "لولا أنتَ"، و"لولا أنتُمَا"، و"لولا أنتم". قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وقال عامر بن الأكْوَع، وهو يَحْدُو برسول الله ﷺ [من الرجز]: ٤٦٩ - لَا هُمَّ لولا أنتَ ما اهتَدَينَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّينَا

стр. 793

وأمْا الكِسائي، فكان يرى ارتفاعَ الاسم بعد "لولا" بفعل مضمر معناه: لو لم يكن، فعلى هذا ينبغي إذا كُني عنه أن تقول: "لولا أنا"، و"لولا أنت"؛ لأن الفعل لم يظهر، فيتصلَ به كنايتُه، فوجب أن يكون الضمير منفصلًا. وأمّا "عَسَى"، فهو فعل من أفعالِ المقاربة، وهو محمولٌ في العمل على "كَانَ"، لاقتضائه اسمًا وخبرًا، واسمُها مشبَّهٌ بالفاعل يرتفع ارتفاعَه، كما أن "كَانَ" كذلك، فإذا كُنَّي عن اسم "عَسَى"، فينبغي أن يكون كالكناية عن اسمِ "كَانَ"، ضميرا متّصلًا مرفوعَ الموضع، وعَليه الاستعمالُ، نحوُ: "عَسَيتُ"، و"عسيتَ"، و"عسيتُمَا"، و"عسينَا"، و"عسيتُم". قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ (١) قُرىء بفتح السين وكسرها (٢)، وهما لغتان، والفتحُ أشهرُ، إلّا أنه قد ورد عن العرب: "لولاكَ"، و"لولايَ". قال الثقَفي [من الطويل]: وِكم موطن لولايَ ... إلخ وقبله: عَدُوُّك يَخْشَى صَوْلَتِي إن لَقِيتُه ... وأنْتَ عَدُوِّي ليس ذاك بمُسْتَوِي الشاهد فيه إتيانُه بضميرِ المجرور بعد "لَوْلَا"، وهي من حروف الابتداء، ومعنَى طِحْتَ: هُلكتَ، والأجرامُ: جمعُ جِرْم، وهو الجَسَدُ، والنِّيقُ: أعلى الجبل، ومُنْهَوِ: ساقِطٌ، وهو شاذٌّ, لأن نونَ المطاوَعة إنّما تدخل فعلاً متعدّيًا، نحوَ: "كسرتُه فانْكَسَر"، و"حسرتُه فانحسر"، و"هَوَ" كما ترى لازمٌ. ومنه قول الآخر [من السريع]: لولاكَ هذا العامَ لم أحْجُجِ البيت لعمر بن أبي رَبِيعَةَ، وصدرُه: أوَمَتْ بكَفيْها مِنَ الهَوْدَجِ وكان أبو العباس يُنكِر هذا الاستعمال، ويقول: إنّه خَطَأ. والذي استغواهم بيتُ الثقَفي، وفي قصيدته اضطرابٌ، وإنكارُ مثلِ هذا لا يحسن، إذ الثقفي من أعيانِ شعراءِ

стр. 794

العرب، وقد روى شِعْرَه الثقاتُ، فلا سبيلَ إلى مَنعِ الأخذِ به مع أنه قد جاء من غير جهةِ الثقفي نحوُ بيت عمر، وهو قوله: لولاكَ هذا العامَ لم أحْجُجِ الكاف في "لولاك" مفتوحةَ، والخطابُ لعمر، يشير إلى أنها أوْمَأتْ إليه، وقالت ذلك. ومنه قول الآخر [من الطويل]: ٤٧٠ - أتُطْمِعُ فِينَا مَن أراقَ دِماءَنا ... ولولاكَ لم يَعْرِضْ لأحْسابِنا حَسَنْ وورد عنهم أيضًا "عَساكَ"، و"عَساني"، قال الشاعر [من الوافر]: ولي نفسٌ أقول لها ... إلخ البيت لعِمَرانَ بن حِطان (١) الخارِجي، والشاهدُ فيه اتصالُ ضمير النصب بـ "عَسَى"، والقياسُ: "عَسَيتُ"، فتأتي بضميرِ الرفع كما أن الظاهر كذلك. ودخولُ نون الوقاية في "عساني" دليلَ على أن الضمير في موضع نصب. يقول: إذا نازعتْني نفسي في أمر الدنيا، خالفتُها، وقلتُ: لعلي أتورطُ فيها، فأكف عمّا تدعوني إليه. وقيل: المرادُ إذا نازعتُها لأحمِلَها على الأصلح لها، ثم سوفتْني، قلتُ لها: لَعَلِّي أقبَل هذا، وأصبِر على ما تدعوني إليه، وقبلَ هذا البيت: ومَن يَقصِدْ لأهلِ الحق منهم ... فإني أتقِيه بما اتَّقاني

стр. 795

يُريد أن من يقصد الخَوارجَ ويُخالِفها، أُدافِعه، وأُحارِبه، وأتَّقِيه. ومن ذلك قولُ رُؤبَةَ [من الرجز]: يا أبَتَا عَلَّكَ أو عَسَاكَا وقبله: تَقُول بِنْتِي: قد أَنَى أناكَا الشاهد فيه "عساكا"، ووضعُ ضمير النصب موضعَ ضمير الرفع. والمعنى: إنّه قد حان وقتُ رَحيلكَ في طَلَبِ الرزق، وقولُه: "عَلَكَ"، أي: لَعَلكَ إن سافرتَ أصبتَ مُلْتمَسَك. * * * قال صاحب الكتاب: واختلف في ذلك: فمذهب سيبويه (١) , وقد حكاه عن الخليل ويونس أن الكاف والياء بعد "لولا" في موضع الجر، وأن لـ "لولا" مع المكنى حالاً ليس له مع المظهر، كما أن لـ "لدن" مع "غدوة" حالاً ليست له مع غيرها. وهما بعد عسى في محل النصب بمنزلتهما في قولك:"لعلك", و"لعلي". ومذهب الأخفش أنهما في الموضعين في محل الرفع، وأن الرفع في "لولا" محمول على الجر، وفي "عسى" على النصب، كما حمل الجر على الرفع في قولهم: "ما أنا كأنت" والنصب على الجر في مواضع. * * * قال الشارح: لما ورد عنهم "لَوْ لايَ"، وَ"لَوْلاكَ"، و"عساكَ"، و"عساني"، وليست هذه الكناياتُ من ضمائرِ المرفوع، والموضعُ موضعُ رفع، تَشعَّب فيه أراءُ الجماعة. فذهب سيبويه إلى أن موضعَ الضمير في "لولايَ"، و"لولاكَ" خفضٌ، وحكاه عن الخليل ويونسَ، واحتجّ بأن الياء والكاف لا يكونان علامةَ مضمرٍ مرفوع، وأنّ "لَوْلَا" في عَمَلِها الخفضَ مع المكنى، وإن كانت لا تعمله مع الظاهر بمنزلةِ "عَسَى" في عملها النصبَ مع المكنى، نحوِ: "عساك"، و"عساني"، وإن كان عملُها مع الظاهر الرفعَ، فَلِ"عسى"، ولـ"لَوْلَا" مع المضمر حال تُخالِف الظاهرَ. كما أنّ لـ"لَدُنْ" مع "غُدْوَةٍ" حالًا ليست مع غيرها. ألا تراها تنصبها دون أن تنصب غيرَها. والمرادُ أنه غيرُ مستنكَر أن يكون للحرف عملٌ في حالٍ، لا يكون له في حالٍ أُخرى. وحاصلُه إبرازُ نظيرٍ ليقعَ الاستئناسُ به. ومن ذلك "لَاتَ" من قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (٢)، فإنّها تعمل في الأحيان عَمَلَ "لَيْسَ"، ومع غيرها لا يكون لها عملٌ. فإن قيل: إذا جعلتم "لَوْلَا" خافضة، وحروفُ الخفض جيء بها لإيصالِ (٣) الأفعال

стр. 796

إلى الأسماء، فـ "لَوْلَا" وُصلة لِماذا؟ فالجوابُ أن حروف الجرّ قد تقع زوائدَ في موضعِ ابتداء، وذلك نحوُ قولهم: "بحَسْبِكَ زيدٌ"، والمرادُ: حسبُك زيدٌ، وقولِهم: "هل من أحدٍ عندك؟ " والمرادُ: هل أحدٌ عندك؛ فموضعُ الحرفَيْن رفيع بالابتداء وإن كانا عمِلا الخفضَ، فكذلك "لَوْلَا" إذا عملت الجرَّ، صارت بمنزلة الباء في "بحسبك زيد". و"مِنْ" في "هل من أحد عندك" غيرَ متعلّقة بشيء، وموضعُها رفيع بالابتداء، والخبرُ مقدر محذوف كما كان مع الرفع. وقال الأخفش -وهو قول الفراء -: إن الكاف والياء في "لولاك" و"لولاي" في موضعِ رفع، واحتجّ بأن الظاهر الذي وقعت هذه الكناياتُ موقعَه مرفوع. قال: وإنما علامةُ الجرّ دخلت على الرفع ههنا، كما دخلت علامةُ الرفع على الجرّ في قولهم: "ما أنا كأنتَ". و"أنتَ" من علاماتِ المرفوع، وهو ههنا في موضعِ مجرور، وكذلك الكافُ والياءُ من علاماتِ المجرور، وهما في "لولاي"، و"لولاك" من علاماتِ المرفوع، وُيؤيد ذلك أنك تجد المكنى يستوي لفظُه في الخفض والنصب، فتقول:"ضربتُك"، و"مررت بك"، ويستوي أيضًا في الرفع والنصب والخفض، فتقول: "ضَرَبَنَا"، و"مَرَّ بنا"، و"قُمنَا" فتكون النونُ والألف علامةَ المنصوب والمجرور والمرفوع. وإذا كان كذلك، جاز أن تكون الكافُ في موضعِ "أنتَ"، و"أنتَ" في موضع الكاف، وُيفرَّقَ بين إعرابهما بالقَرائن، ودَلالاتِ الأحوال، وقد ردّ سيبويه هذه المقالةَ، فقال: لو كان موضعُ الياء والكاف في "لولاي"، و"لولاك" رفعًا، وأن كنايةَ الرفع وافقتِ الجرّ كما وافقه النصبُ إذا قلت: "معك"، و"ضَرَبَكَ"؛ لفُصِلَ بينهما في المتكلم، فكنتَ تقول في الرفع: "لولاني"، وفي الجرّ: "لولايَ"، كما تقول في النصب: "ضَرَبَنِي"، وفي الجرّ: "مَعِي"، فاعرفه. وأمّا "عساك"، و"عساني"، ففيه ثلاثةُ أقوال: أحدُها: قولُ سيبويه (١)، وهو أن "عَسَى" بمنزلةِ "لَعَلَّ" ينتصب بعدها الاسمُ، والخبر محذوف مرفوع في التقدير، كما أن "عَلكَ" خبرُها محذوفٌ مرفوع في التقدير، والكافُ اسمُها، وهي منصوبة. والذي يدل على أن الكاف في "عساك" منصوبة أنها ليست من ضمائر الرفع، ويدخل عليها نونُ الوقاية في قولِ عِمْران: لعليّ أو عساني (٢) والنون والياء فيما آخِره ألفٌ لا تكون إلَّا للنصب. والثاني: وهو قول الأخفش، أن الكاف والنون والياء في موضعِ رفع، وأنّ لفظ النصب استعير للرفع كما استعير له لفظُ الجرّ في "لولاي" و"لولاك ".

стр. 797

والثالث: قول أبي العباس المبرد، وهو أن الكاف والنون والياء في موضعِ نصب بأنها خبرُ "عسى"، وأن اسمها مضمرٌ فيها مرفوعٌ. وجعله كقولهم: "عَسَى الغُوَيْرُ أبْؤُسَا" (١)، إلَّا أنه قُدّم الخبر؛ لأنها فعلٌ، ونُوِيَ الاسم للعلم به، كما قالوا: "لَيْسَ إلَّا"، فاعرفه. فصل [نون الوقاية] قال صاحب الكتاب: وتعمد ياء المتكلم إذا اتصلت بالفعل بنون قبلها صوناً له من أخي الجر. وتُحمَل عليه الأحرف الخمسة لشبهها به, فيقال: "إنني", وكذلك الباقية، كما قيل "ضربني", و"يضربني". وللتضعيف مع كثرة الإستعمال جاز حذفها من أربعة منها في كل كلام, وقد جاء في الشعر "ليتي"؛ لأنها منها قال زيد الخيل [من الوافر]: كمنية جابر إذ قال ليتي ... أصادفه وأفقد بعض مالي (٢) * * * قال الشارح: اعلم أن ضمير المنصوب إذا كان للمتكلّم، واتصل بالفعل، نحوَ: "ضَرَبني"، و"خاطَبَني"، و"حَدَّثَني"، فالاسمُ إنّما هو الياءُ وحدَها، والنونُ زيادةٌ. ألا تراها مفقودةَ في الجرِّ من نحوِ "غلامي"، و"صاحبي"، والمنصوبُ والمجرورُ يستويان. وإنما زادوا النونَ في المنصوب إذا اتصل بالفعل وِقايةً للفعل من أن تدخله كسرةٌ لازمةٌ. وذلك أن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلَّا مكسورًا إذا كان حرفاً صحيحًا، نحوَ: "غلامي"، و"صاحبي". والأفعالُ لا يدخلها جرٌّ، والكسر أخو الجرّ؛ لأن مَعْدِنَهما واحدٌ، وهو المَخرَجُ، فلمّا لم يدخل الأفعالَ جرٌّ، آثروا أن لا يدخلها ما هو بلفظه ومن مَعْدِنه خوفًا وحِراسة من أن يتطرّق إليها الجرُّ، فجاؤوا بالنون مزيدةً قبل الياء، ليقع الكسرُ عليها، وتكون وِقاية للفعل من الكسر. وخصوا النونَ بذلك، لقُرْبها من حروف المدَّ واللين، ولذلك تُجامِعها في حروف الزيادة، وتكون إعرابًا في "يفعلان"، و"تفعلان"، و"يفعلون"، و"تفعلون"، و"تفعلين"، كما تكون حروفُ المدّ واللين إعرابًا في الأسماء الستة المعتلّة من نحوِ قولك: "أخوك"، و"أبوك"، وأخواتِهما، وفي التثنية والجمع؛ ولأن هذه النون قد

стр. 798

تكون علامةَ إضمار، فكرهوا أن يأتوا بحرفٍ غيرِ النون، فيخرجَ عن علامات الإضمار. فإن قيل: فلِمَ زِدتموها فيما آخِرُه ألف من الأفعال، نحو: "أعطاني"، و"كساني"، والكسرُ لا يكون في الألف؟ قيل: لما لزمت النونُ والياءُ في جميعِ الأفعال الصحيحة لِما ذكرناه، صارت كأنها من جملةِ الضمير، فلم تُفارِقها لذلك، مع أن الحكيم يُدار على المَظِنة لا على نفس الحِكْمة، والياءُ مظنّتُه كسرُ ما قبلها، والذي يدلّ على أن النون مزيدةٌ لِما ذكرناه أن هذا الضمير إذا اتصل باسمٍ، لم تأت فيه بنون الوقاية، نحو: "الضاربي"، و"الشاتمي"، فالياء ههنا في محلّ نصب، كما تقول: "الضاربُ زيدًا"، ولم تأت معه بنون الوقاية؛ لأنه اسمٌ يدخله الجرُّ، فلمّا كان الجرُّ مما يدخله، لم يمتنع مما هو مقاربٌ له. فإن قيل: فهلّا حُرست الأفعالُ من الكسر في مثلِ "اضْرِب الرجلَ". قيل: الكسرةُ ها هنا عارضةٌ لالتقاء الساكنين، فلا يُعْتَد بها موجودةً، ألا ترىَ أتك لا تُعيد المحذوفَ لالتقاء الساكنين في مثل: "زَنَتِ المرأةُ"، و"بَغَتِ الأَمَةُ"، وإن كان أحدُ الساكنين قد تَحرَّك، إذ الحركةُ عارضة لالتقاء الساكنين. وقد أدخلوا هذه النون مع "إنَّ" وأخواتها، فقالوا: "إنني"، و"أنني"، و"كَأَننِي"، و"لكِننِي"، و"لَعَلَّنِي" و"لَيْتَنِي", لأنها حروف أشبهتِ الأفعالَ، وأُجريت في العمل مُجراها، فلزمها من علامة الضمير ما يلزم الفعلَ. وقد جاءت محذوفةً، وأكثرُ ذلك في "إن"، و"أن"، و"لكِن"، و"كَأنَّ"، فقالوا: "إنِّي"، و"أنَّي"، و"لكنِّي"، و"كَأنِّي"، وإِنّما ساغ حذفُ النون منها لأنّه قد كثُر استعمالُها في كلامهم، واجتمعت في آخِرها نونات، وهم يستثقلون التضعيف، ولم تكن أصلاً في لحاقِ هذه النون لها، وإنّما ذلك بالحمل على الأفعال، فلاجتماع هذه الأسباب سوّغوا حذفَها. وقد حذفوها من "لَعَلَّ"، فقالوا: "لَعَلّي"؛ لأنه، وإن لم يكن آخِرُه نونًا؛ فإنّ اللام قريبة من النون، ولذلك تُدّغَم فيها في نحو قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ (١)، فأُجريت في جواز الحذف مجراها. وأما "لَيْتَ"، فلمّا لم يكن في آخِرها نونٌ، ولا ما يُشْبِه النونَ؛ لزمتها النونُ، ولم يجز حذفُها إلَّا في ضرورة الشعر. فأمَّا قوله [من الوافر]: كمُنْيَةِ جابِر إذْ قال لَيتِي ... إلخ البيت لزيدِ الخَيْلِ، وهو زيدُ بن مُهَلْهِل بن يزيد بن مُنْهِب الطائي، وكان شاعرًا مُجيدًا، قدم على النبي ﷺ في وَفْدِ طيئٍ سنةَ تسع، فأسلمَ، وسمّاه النبي ﷺ : زيدَ الخَيْر، وقال: ما وُصف لي أحدٌ في الجاهلية إلَّا رأيتُه دون ما وُصف غيرك، وقبله: تَمَنَّى مَزيَدٌ زيداً فلَاقَى ... أَخَا ثِقَةٍ إذا اخْتَلَفَ العَوالِي

стр. 799

ومَزْيَدٌ رجلٌ من بني أسَد كان يتمنّى أن يلقى زيدَ الخيل، فلَقِيَه زيدُ الخيل، فطعنه، فهرب منه. وقوله: "كمُنيَة جابِرٍ". يريد أن مزيدًا تمنى أن يلقاه كما تمنى جابرٌ، وكلاهما لقي منه ما يكرَه. والشاهد في البيت حذفُ النون من "لَيْتِي" ضرورةً، شبّهها بأخواتها، يصف أن مزيدًا تمنى لقاءه، فكان تَمَنيه عليه كمنيةِ جابر. * * * قال صاحب الكتاب: وقد فعلوا ذلك في "من", و"عن" و"لدن" و"قط", و"قد" إبقاء عليها من أن تزيل الكسرة سكونها وأما قوله [من الرجز]: قدني من نصر الخبيبين قدي (١) فقال سيبويه (٢) لما اضطر شبهه بـ "حسبي", وعن بعض العرب: "مني" و"عني", وهو شاذ. ولم يفعلوه في "علي", و "إليَّ", و"لدي", لأَمنهم الكسرة فيها. * * * قال الشارح: اعلم أنّ "مِنْ"، و"عَنْ"، من الحروف المبنية على السكون، و"لَدُن"، و"قَطْ"، و"قَدْ" بمعنَى "حَسْبُ" أسماءٌ مبنيةٌ أيضًا على السكون، ومن الحروف والأسماء ما هو متحرّكٌ بحركةِ بناء، أو إعراب. وياء المتكلّم يكون ما قبلها متحركًا مكسورًا، فكرهوا اتصال الياء بهذه الكِلَم، فتُكسَر أواخرُها لها، فتلتبِس بما هو مبنىٌّ على حركة، أو بما هو معربٌ من الأسماء التي على حرفَيْن من نحو: "يَد"، و"هَن"، فجاؤوا بالنون حِراسة لسكونِ هذه الكلم، وإيثارًا لبَقاء سكونها, لئلاّ يقعوا في باب "لبْس"، فلذلك قالوا: "مِني"، و"عَني"، و"لَدُني"، و"قَطْنِي"، و"قَدْنِي"، فكان لفظُ المجرورَ هنا كلفظ المنصوب. فأمّا قوله [من الرجز]: قَدْنِيَ من نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي البيت لأبي بَحْدَلَةَ، وبعده: ليس الإمامُ بالشحِيحِ المُلْحِدِ والشاهد فيه حذفُ النون من "قَدِي"، تشبيهًا لها بـ "حَسْبِي"، إذ كان معناهما واحداً، وإثباتُها هو المستعمل، لأنها في البناء ومضارَعةِ الحروف بمنزلة "مِنْ"، و"عَنْ"، فألزموها النونَ قبل الياء، لئلا يُغير آخِرُها عن السكون. والمراد بأبي خُبَيْب عبدُ الله بن الزُّبَيْر، وكان مكنى بابن له اسمُه خبيبٌ، وثناه لأنه أراده ومُصْعبًا. وغلب أبا خبيب لشُهْرته كما قيل: "العُمَران". ومن قال الخُبَيْبِينَ بلفظ الجمع، فإنّه أراد عبد الله وشِيعَتَه. يصف رَغْبَتَه عن عبد الله وأخيه إلى عبد الملك بن مَرْوانَ، وقد جاء عن

стр. 800

بعض العرب: "مِنِي"، و"عَنِي" بحذف نون الوقاية. أنشد بعضهم [من الرمل]: ٤٧١ - أيُّهَا السائلُ عنهم وعَنِي ... لَسْتُ من قَيْسٍ ولا قَيْس مِنِي وهو قليل في الاستعمال، وإن كان القياسُ لا يأباه كلَّ الإباء من حيث كانت حروفًا، والحروفُ قد تأتي بالنون والياء، نحوُ: "مِني" و"عَنّي"، وقد تأتي بالياء وحدَها، نحو: "بِي" و"لِي"، فلذلك حَذَفَها مَنْ حذف حملاً لها على غيرها من الحروف. فأمّا ما في آخِره ألف من الحروف، والأسماء غير المتمكنة، نحو: "عَلَى"، و"إلى"، و"لَدَى"، فإنّهم لم يأتوا فيها بالنون إذا أضافوها إلى ياء النفس، وإن كانت أواخرُها ساكنة، كما أتوا بها مع "مِنْ"، و"عَنْ"، و"قَطْ"، و"قد" حيث قالوا: "منّي"، و"عنّي"، و"قطني"، و"قدني" من قوله [من الرجز]: امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِي (١) وذلك من قِبَل أنهم إنّما أتوا بنون الوقاية في "مِنِّي"، و"عَنّي" حِراسةَ لسكونهما، وشَحًّا عليه أن يذهب؛ لأن ياء النفس تَكْسِر ما قبلها، وههنا ألفٌ تنقلِب مع المضمر ياءً، والألفُ والياء لا تُكسَران لياء النفس، ولا تزولان عن السكون معها، أمّا الألفُ فلتِعذرِ تحريكها، وأمّا الياء فالادّغامُ يُحصِّنها من التحريك، فاستغنوا عن النون التي تكون وقاية للكسرة لذلك.

стр. 801

أسماء الإشارة فصل [تعدادها] قال صاحب الكتاب: "ذا" للمذكر، ولمثناه "ذان" في الرفع, و"ذين" في النصب والجر، ويجيء "ذان" فيهما في بعض اللغات ومنه قوله تعالي: ﴿إن هذا لساحران﴾ (١) , و"تا" و"تي" و"ته" و"ذه" بالوصل, وبالسكون, و"ذي" بالمؤنث, ولمثناه "تان", و"تين". ولم يثن من لغاته إلا "تا" وحدها. ولجمعهما جميعاً "أولاً" بالقصر, والمد، مستوياً في ذلك أولو العقل وغيرهم. قال جرير [من الكامل]: ٤٧٢ - ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام * * * قال الشارح: اعلم أن هذا الضرب من الأسماء هو البابُ الثاني من المبنيات، وهي

стр. 802

الأسماءُ التي يشار بها إلى المسمى، وفيها من أجلِ ذلك معنى الفعل، ولذلك كانت عاملة في الأحوال، وهي ضربٌ من المبهم. وإنما كانت مبنية لتضمّنها معنى حرفِ الإشارة. وذلك أن الإشارة معنى، والموضوع لإفادةِ المعاني إنّما هي الحروفُ، فلما استُفيد من هذه الأسماء الإشارة، عُلم أن للإشارة حرفًا تَضمَّنه هذا الاسم، وإن لم يُنْطَق به، فبُني كما بُني "مَنْ"، و"كَمْ " ونحوُهما. وقال قوم: إنّما بُني اسمُ الإشارة لشَبَهه بالمضمر، وذلك لأنّك تشير به إلى ما بحَضْرتك ما دام حاضرًا، فإذا غاب، زال عنه ذلك الاسمُ. والأسماءُ موضوعة للزومِ مسمَّياتها, ولمّا كان هذا غيرَ لازم لِما وُضع له؛ صار بمنزلة المضمر الذي يُسمَّى به إذا تقدم ظاهرٌ، ولم يكن اسمًا له قبل ذلك، فهو اسمٌ للمسمى في حال دون حال، فلمّا وجب بناءُ المضمر، وجب بناء المبهم كذلك. ويقال لهذه الأسماء: مبهماتٌ؛ لأنها تشير بها إلى كل ما بحضرتك، وقد يكون بحضرتك أشياء، فتُلْبِس على المخاطب، فلم يدر إلى أيها تشير، فكانت مبهمة لذلك. ولذلك، لزمها البيانُ بالصفة عند الإلباس. ومعنى الإشارة الإيماء إلى حاضر بجارحةٍ أو ما يقوم مقامَ الجارحة، فيتعرفُ بذلك، فتعريفُ الإشارة أن تخصِّص للمخاطب شخصًا يعرفه بحاسَّةِ البَصَرِ، وسائرِ المعارف هو أن تختصّ شخصًا يعرفه المخاطبُ بقلبه، فلذلك قال النحويون: إِن أسماء الإشارة تتعرّف بشيئَيْن: بالعين وبالقلب. فـ "ذا" إشارة إلى مذكر، وهو ثُلاثىُّ، ووزنُه "فَعْلٌ" ساكنَ العين محذوفَ اللام، وألفُه منقلبة عن ياء، فهو من مضاعَفِ الياء من بابِ "حَييتُ"، و"عَيِيتُ". هذا مذهبُ البصريين، قالوا: أصلُه: "ذَيٌّ" على لفظِ "حَىٍّ"، و"عَىٍّ"، ثمّ حُذفت اللام لضرب من التخفيف، فبقي "ذَيْ" ساكن الياء، فقُلبت ياؤه ألفًا، لئلا يُشْبِه الأدواتِ، نحو: "كَيْ"، و"أَيْ". فإن قيل: فمن أَيْنَ زعمتم أن ألفَه منقلبةٌ عن ياء؟ وهلّا كانت أصلاً، لبُعْدها من التمكّن، وعدم اشتقاقِها كما قلتم ذلك في ألِف "مَتَى" و"لَدَى"، و"إذا" ونحوها من الأسماء غير المتمكنة. فالجوابُ: أنهم قد قالوا في "ذَا": "ذا"، فأمالوها، حكاه سيبويه، فدل أنها من الياء. وذهب قومٌ إلى أنّها من الواو، قالوا: لأن بابَ "شَوَيْتُ"، و"لَوَيْتُ" أكثرُ من بابِ "حَيِيتُ" و"عَيِيتُ". والأوّلُ أقيسُ لمجئ الإمالة فيها. فإن قيل: ولِمَ حكمتم عليها بأنّها من ذواتِ الثلاثة؟ وهلّا كانت ثُنائيةَ كـ"منْ"، و"كَمْ". قيل: لأن "ذَا" اسمٌ منفصلٌ قائمٌ بنفسه، قد غلب عليه أحكامُ الأسماء الظاهرة، نحو وَصْفه، والوصف به، وتثنيته، وتحقيره. فلمّا غلب عليه شَبَهُ الأسماء المتمكّنة، حُكم عليه بأنه ثُلاثى كالأسماء المتمكنة. وقد جعله بعضُهم من الأسماء الظاهرة، وهو القياسُ، إذ لا يفتقر إلى تقدُّم ظاهرِ، فيكونَ كنايةَ عنه.

стр. 803

فإن قيل: فهلَّا كان مما أُضمر على شريطةِ التفسير، ويكون ما بعده من النعت بيَانًا له، كما فُسّر المضمر بالظاهر في قولك: "أَكْرَمَني، وأكرمتُ زيدًا". قيل: لو كان كذلك، لزم نعتُه، ولم يجز أن لا تذكره. ألا تراك تقول: "هذا زيدٌ"، و"رأيتُ هذا"، فلا تأتي له بصفةٍ، إنّما تأتي بها إذا التبس للإيضاح، فلذلك كان القياس أن يكون ظاهرًا. وقد أشكل أمرُه على قوم، فجعلوه قِسْمًا ثالثًا بين الأسماء الظاهرة والمضمرة؛ لأن له شَبَهًا بالظاهرة، وشبهًا بالمضَمرة. فمن حيث كانت مبنيّة، ولم يُفارِقها تعريفُ الإشارة، كانت كالمضمرة، ومن حيث صُغرت، ووُصفت، ووُصف بها، كانت كالظاهرة. وذهب الكوفيون (١) إلى أن الاسم إنما هو الذالُ وحدها، والألف مزيدةٌ لتكثيرِ الكلمة، قالوا: والدليلُ على ذلك قولُهم في التثنية: "ذَانِ"، و"ذَيْنِ"، فحذفوا الألف لقيام حرف التثنية مقامَها في التكثير. وهذا فاسدٌ لقولهم في التحقير: "ذَيَّا"، فأعادوه إلىَ أصله، وهذا شأنُ التصغير. وأما ذَهابُ ألفه في التثنية، فلم يكن لِما ذكروه من الاستغناء عنه بحرف التثنية، إنّما حذفُه لالتقائه مع حرف التثنية، فحُذف لالتقاء الساكنين. ولم يقلبوه كما قلبوه في "رَحَيان"، لبُعده من التمكن، وعدمِ تصرُّفه. فإن قيل: الزيادة في حال التصغير لا تدل على أن ذلك أصل فيها، فإنّا لو سمّينا بـ "قَدْ" أو"هَلْ" ونحوهما مما هو على حرفَيْن، ثم صغرناه، لزِدْنا فيه ما لم يكن له، فكذلك اسمُ الإشارة لما كان على حرفَيْن، وصغرناه، زدنا فيه زيادةً، كمّلتْ له بناء التصغير. قيلٍ: نحن إذا سمّينا بـ "قَدْ" وأشباهِه، فإنّا ننقُله من الحرف إلى الاسم، فإذا صغرناه، فإنّما نُصغره على أنَّه اسمٌ، فوجب أن نجتلِب له حرفاً، يوجِبه الاسميةُ. وإذا صغّرنا "ذا" ونحوَه من أسماء الإشارة، فإنّما نصغره، وهو على معناه من الاسمية الذي وُضع له، على أنه لو ذهب ذاهبٌ إلى أن "ذا" ثُنائيُّ، وليس له أصل في الثلاثية، نحوَ: "مَنْ"، و"كَمْ" في المبهمة، وأنّ ألفه أصل كالألف في "لَدى" و"إذا"، لم أَرَ به بأسًا لعدم اشتقاقه، وبُعْدِه عن التصرّف. والذي يُؤيد ذلك أنك لو سمّيت بـ "ذا"، لقلت: "هذا "ذاءٌ"، فتزيدها ألفاً أخرى، ثم تقلِبها همزةً لاجتماعِ الألفَيْن، كما تقول: "لاءٌ"، إذا سمّيت بـ "لا". ولو كان أصلُها الثلاثية، ولامُها ياء، لكنت تقول إذا سمّيت به: "هذا ذايٌ"، فتأتي بالياء الأصلية، ولا تقلبها لوقوعها بعد ألفِ أصليلة، كما تقول: "زايٌ"، و"رايٌ". فأمّا الإِمالة، فإنّما ساغت فيه؛ لأن الألف قد تنقلب ياء في "ذِي"، فإذا ثنيتَه، قلت: "ذَانِ" في الرفع. وهذه الألفُ علامةُ الرفع، وقد انحذفت ألفُ الأصل لالتقاء الساكنين، دل على ذلك انقلابُها في النصب والجرّ من نحو: "رأيت ذَيْنِ"، و"مررت بذَيْن".

стр. 804

وقد اختلف النحويون في هذه التثنية، فذهب قومٌ إلى أنّها تثنيةٌ صِناعيّةٌ، والنونُ عوضٌ من الحركة والتنوين، كما كانت في قولك: "الزيدان"، و"العمران" كذلك، وإن كان الواحدُ مبنيًّا لا حركةَ ولا تنوينَ فيه؛ لأنه بالتثنية فَارَقَ الحرفَ، وعاد إلى حكم التمكن، فقُدّر فيه في التثنية الحركةُ والتنوينُ، فصارت النونُ عوضًا منهما. وقال آخرون: إن النون في "هذَانِ"، و"هذَيْن" عوضٌ من الألف الأصليّة حين حُذفت في التثنية لالتقاء الساكنين. وذهب آخرون إلى أنها ليست تثنيةً صناعيّةً، وإنما هي صيغةٌ للتثنية، كما صيغت "اللَّذَانِ"، و"اللَّتَانِ" للتثنية، وليست النونُ عوضًا من الحركة والتنوين، ولا عوضًا من الحرف المحذوف، وذلك أن أسماء الإشارة لا تصح تثنيةُ شيء منها، من قِبَل أنّ التثنية إنما تأتي في النكرات، وأسماء الإشارة لا يصح تنكيرُها بحالٍ، فلا يصحّ أن يُثنى شيءٌ منها. وهو الصوابُ. ألا ترى أن حال أسماء الإشارة بعد التثنية على حد ما كانت عليه قبل التثنية، وذلك نحو قولك: "هذان الزيدان قائمَيْن"، فتنصب "قائمين" على الحال، بمعنى الفعل الذي دل عليه الإشارة والتنبيهُ، كما كنتَ تنصب في الواحد، نحو: "هذا زيد قائمًا"، فتجد الحالَ واحدة قبل التثنية وبعدها. فإذًا طريقُ "هذان"، و"هاتان" غيرُ طريقِ "الزيدان"، و"العمران". ألا ترى أن تعريفَ "زيد"، و"عمرو" بالوضع والعَلَميّةِ، فإذا ثنّيت واحدًا منهما، تنكر حتى صار كأسماءِ الأجناس الشائعة، فتقول: "هذان زيدان ظريفان"، و"رأيت زيدَيْن ظريفَيْن". فلو لم يكونا نكرتَيْن، لما صح وصفُهما بالنكرة. فإذا أردت بعد ذلك التعريفَ، فبالألف واللام، أو بالإضافة. فتعريفُهما بعد التثنية من غير وجه التعريف قبلها. وإذ امتنع تثنيةُ الأسماء المشار بها لامتناع تنكيرها، كان قولهم: "هذان"، و"هاتان"، و"هذيْن"، و"هاتَين"، صيغًا موضوعة للتثنية مخترعة لها. وليست تضُمّ هذا إلى هذا كما ضممتَ "زيداً" إلى "زيد" حين قلت: "الزيدان"، إلَّا أنهم جاؤوا بها على منهاجِ التثنية الحقيقية، فقالوا: "هذان" و"هذَين"، لئلا يختلف طريقُ التثنية. ونظيرُ ذلك الأسماء المضمرةُ، نحو قولك: "أنتَ" و"أنْتُمَا"، و"هُوَ"، و"هما" في أنّها صيغٌ صيغتْ للتثنية، وأسماء مخترعة لها, وليست تثنية صِناعيةً. فإن قيل: فإذا كان "هذان"، و"هاتان" صيغا للتثنية كـ"هُمَا" و"أَنْتُمَا" في المضمرات، فهلّا قالوا في "أنت": "أنتان"، وفي "هُوَ": "هُوان"، كما قالوا في "هذا"، و"هاتا": "هذان"، و"هاتان". قيل: أسماء الإشارة أشد شَبَهًا بالمتمكّنة من المضمرة، ألا تراهم يصفون أسماءَ الإشارة، ويصفون بها، فيقولون: "مررت بهذا الرجل"، و"مررت بزيدٍ هذا؟ " فلمّا قاربت أسماءُ الإشارة المتمكنةَ هذه المقارَبةَ، ودانتْها هذه المُداناةَ، صيغت في التثنية على منهاج تثنيةِ الأسماء المتكنة، ولذلك أُعربت التثنية، وإن كان

стр. 805

الواحدُ مبنيّا، كأنّ ذلك لئلا يختلف طريقُهما. ولمّا بعُدت المضمراتُ من المتمكنة، وتَوغلتْ في شَبَهِ الحروف، صاغوا لها أسماء للتثنية على غير منهاجِ تثنيةِ المتمكّنة تمييزًا لما قارب المتمكنة على ما لم يُقارِبها، وبُعد عنها. فأمّا قول صاحب الكتاب: "ويجيء ذَانِ" فيهما في بعض اللغات"، فإن المراد بذلك أنّه يكون في حالِ الرفع والنصب والجرّ بالألف، فتقول: "جاءني ذان"، و"رأيت ذان"، و"مررت بذان". وليس ذلك ممّا يختص بأسماء الإشارة، بل يكون في جميع الأسماء المثناة، نحو قولك: "جاءني الزيدان"، و"رأيت الزيدان"، و"مررت بالزيدان"، وهي لغةٌ لبني الحارث وبُطون من رَبِيعَةَ، فمن ذلك قوله [من الطويل]: ٤٧٣ - تَزَوَّدَ مِنا بَيْنَ أُذْناهُ طَعْنَة ... دَعَتهُ إلى هابِي التُرابِ عَقِيمِ وقال الآخر [من الطويل]: ٤٧٤ - فأَطْرَقَ إطراقَ الشُجاع ولو يَرَى ... مَساغًا لِناباهُ الشُجاعُ لَصمَّمَا

стр. 806

وأنشدوا [من الرجز]: ٤٧٥ - إن لِسَلْمَى عِنْدَنَا دِيوانَا ... أَخزَى فُلانًا وابْنَهُ فلانَا أَعْرِفُ منها الأَنْفَ والعَيْنانَا ... ومَنْخَرَيْن أَشبَهَا ظَبْيانَا

стр. 807

يريد العينَيْن، ثمّ جاء بمنخرَيْن على القياس، وقال آخر [من الرجز]: طارُوا عَلاهُن فطِرْ عَلاهَا ... واشْدُدْ بمَثْنَى حَقَب حَقْواهَا (١) إن أباها وأَبَا أباها ... قد بَلَغا في المَجْد غايَتاها وهي لغة فاشيةٌ. فأمّا قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٢)، فقد قرأ ابنُ كَثِير وحَفْص "إن" بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو: "إنَّ هذَيْن لساحران" بتشديد النون والياء في "هذين". وقرأ الباقون بتشديد النون والألف. فأمّا قراءةُ ابن كثير وحفصٍ، فعلى أن "إن" المخففةُ من الثقيلة، ودخلت اللامُ فَرْقًا بينها وبين النافية، وأُبطل عملُها لنقصِ لفظها وخروجِها لذلك عن شَبَه الفعل، وهو المختار في "إنِ" المكسورةِ إذا خُفّفت، وقال الكوفيون: "إنْ" ههنا بمعنى النفي، واللامُ بمعنى "إلَّا"، والتقديرُ: ما هذان إلَّا ساحران، وهو حسن على أصلهم، غير أن أصحابنا لا يُثْبِتون مجيء اللام بمعنى "إلَّا". وأما قراءةُ الجماعة: "إن هذان لساحران"، فأمثلُ الأقوال فيها أن تكون على لغة بني الحارث في جَعْلهم المثنى بالألف على كلّ حال، كأنهم أبدلوا من الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها، وإن كانت ساكنةً، كقولهم في "يَيأسُ": يَاءَسُ. وقال أبو إسحاق: الهاء مرادةٌ، والتقديرُ: إنهُ هذان لساحران، واللامُ مزيدة فيه للتأكيد، وحسُن دخولُها في الخبر حيث كانت الجملةُ مفسِّرةً لذلك المضمر، فكأنّها في الحكم بعد "إن"، فدخلت اللامُ مع الهاء للتأكيد كما تدخل مع عدمها. وقال قومٌ: "إن" ها هنا بمعنى "نَعَمْ"، والمعنى: نَعَمْ هذان لساحران، واللامُ مزيدة للتأكيد، وكان محلها أن تكون في الاسم إلا أنهم أخروها إلى الخبر لوجودِ لفظِ "إن"، و"إن" كانت بمعنى "نَعَمْ". وإذا كانوا قد أخروا لام التأكيد من الاسم إلى الخبر نحو قوله [من الرجز]: ٤٧٦ - أُمُّ الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهرَ بَهْ ... تَرْضَى من اللحْم بَعظْمِ الرَّقَبَهْ

стр. 808

على توهُّمِ "إن" لكثرةِ دخولها على المبتدأ، فلأنْ يُؤخروها مع وجود لفظها أجدرُ. وإلى هذا الوجه ذهب أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بن المُثَنَّى، ومحمّدُ بن زيد، وأبو الحسن عليّ بن سليمان الأخفش. وقد جاءت "إن" بمعنى "نَعَمْ" كثيرًا. قال الشاعر [من مجزوء الكامل]: ٤٧٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو ... حٍ يَلُمْنَنِي وألَومُهُنهْ وَيقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا ... ك وقد كَبِرْتَ، فقلتُ: إنَّهْ

стр. 809

أي: نَعَم هو كذلك، والهاء لبيانِ الحركة. وقال الآخر [من الكامل]: ٤٧٨ - قالوا: غَدَرْتَ فقلتُ: "إن" ورُبمَا ... نالَ العُلَى وشِفا الغَلِيلِ الغادِرُ أي: نعم، فإذا أشرت إلى المؤنث، ففيه خمسُ لغات، قالوا: "ذِي"، و"ذِهْ"، و"تَا"، و"تِي"، و"تِهْ". فأمّا "ذِي"، فهو تأنيثُ "ذَا"، ووزنُه فِعْلٌ، كـ "بِنْت"، والياء فيه أصل، وليس للتأنيث، إنما هي عينُ الكلمة، واللامُ محذوفة كما كانت في "ذا" كذلك. والتأنيثُ مستفادٌ من الصيغة، وصحّت الياء لانكسار ما قبلها. وأما "ذِهْ" فهي ذِي، والهاء فيها بدلٌ من الياء، وليست للتأنيث أيضًا. فإن قيل: فلِمَ قلتم: إِن الهاء بدل من الياء في "ذي"؟ وهلا كان الأمرُ فيها بالعكس. قيل: إنما قلنا: إِن الياء هي الأصلُ، لقولهم في تصغير "ذَا": "ذَيَّا". و"ذِي" إنما هو تأنيثُ "ذَا"، فكما أن الهاء ليس لها أصلٌ في المذكر، فكذلك هي في المؤنث؛ لأنها من لفظه. فإن قيل: فهلّا كانت الهاء للتأنيث على حدّها في "قائمة"، و"قاعدة"، فالجوابُ:

стр. 810

أنها لو كانت للتأنيث على حدّها في "قائمة"، و"قاعدة"، لكانت زائدة، وكان يؤدي إلى أن يكون الاسم على حرف واحد، وقد بينّا ضُعْفَ مذهب الكوفيين في ذلك. وأمرٌ آخرُ أنك لا تجد الهاء علامة للتأنيث في موضع من المواضع. والياء قد تكون علامة للتأنيث في قولك: "اضرِبِي"، فأمّا "قائمة" و"قاعدةٌ"، فإِنما التأنيثُ بالتاء. والهاء من تغيرِ الوقف، ألا تراك تجدها تاء في الوصل، نحو: "طَلْحَتان"، و"هذه طلحةٌ يا فَتَى، وقائمة يا رجلُ"، فإذا وقفتَ كانت هاء؟ والهاء في "ذِهْ" ثابتة وصلًا ووقفًا، والكلامُ إنّما هو في حقيقته، وما يندرج عليه، ألا ترى أننا نُبدِل من التنوين ألفًا في النصب، وهو في الحقيقة تنوين على ما يُدْرَج عليه الكلامُ؟ ويؤيد ذلك أن قومًا من العرب- وهم طَيىءٌ - يقِفون على هذا بالتاء، فيقولون: "شَجَرَت"، و"حَجَفَت"، فثبت بما ذكرناه أن الهاء في "ذِهْ" ليست كالهاء في "قائمة"، فلا تُفيد فائدتَها من التأنيث. وقوله: "بالوصل والسكون" يريد أن هذه الهاء يجوز فيها وجهان: أن تكسِرها وتَصِلها بحرفِ مد كما تفعل بهاء الإضمار. والآخرُ أن تُسكنها وصلًا ووقفًا. فمن حركها؛ فلأنها هاء في اسم مبهم غير متمكّن، فشُبهت بهاء الإضمار، نحو: "مررت بهِ"،، و"نظرت إلى غلامهِ". ومَن سكنها؛ فإنّه جرى على القياس، إذ كانت بدلًا من حرف ساكن، وهو الياء، فيقول: "هذه أمةُ الله"، و"نظرت إلى هذِهْ يا فَتَى". فإذا لَقِيَها ساكن، لم يكن بدٌّ من تحريكها بالكسر، فتقول: "هذهِ المرأةُ قائمةٌ"، و"هذه الأَمةُ عاقلةٌ". ويحتمل ذلك أمرَيْن: أحدهما: أن يكون لمّا صار إلى موضع يُحتاج فيه إلى حركةِ الهاء لئلا يجتمع ساكنان، عاد إلى لغةِ من يكسر، ولم يجعلها في قوله: "هذه أمةُ الله"، لالتقاء الساكنين. وذلك أقيسُ من اجتلابِ حركة غريبة. ويدل على ذلك أن من قال: "هُمْ قاموا"، فأسكنَ الميمَ من "هُمْ"، متى احتاج إلى حركتها، ردّ إليها الضمة التي في لغةِ من يقول: "هُمُو قاموا". وعلى ذلك من قال: "مُذْ"، فأسكنَ الذالَ لزَوالِ النون الساكنة من قبلِها، إذا احتاج إلى حركةِ الذال، ردها إلى الضمّ، فقال: "مُذُ اليومِ". وكذلك من أعمل "مَا" النافيةَ، إذا عرض ما يُبْطِل الإعمالَ من اعتراضِ الاستثناء، أو تقديمِ الخبر، صار إلى لغةِ من لا يُعْمِل. والأمر الآخر: أن تكون الكسرة لالتقاء الساكنين، وكذلك الضم في "هُمُ القومُ" لالتقاء الساكنين، وإنما عُدل إلى الضم للإتباع، وكذلك الضم في "مُذُ الليلةِ"، ويؤيد ما قلناه أن بعضَ ذلك قد جاء مكسورًا. قال الشاعر فيما أنشده قُطْرُبْ [من الطويل]: ٤٧٩ - ألا إِنّ أصْحابَ الكَنِيفِ وَجَدْتُهُم ... هُمِ القَوْمُ لَما أَخْصَبوا وتَمَوَّلُوا
следующие страницы →