يريد العينَيْن، ثمّ جاء بمنخرَيْن على القياس، وقال آخر [من الرجز]:
طارُوا عَلاهُن فطِرْ عَلاهَا ... واشْدُدْ بمَثْنَى حَقَب حَقْواهَا (١)
إن أباها وأَبَا أباها ... قد بَلَغا في المَجْد غايَتاها
وهي لغة فاشيةٌ.
فأمّا قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٢)، فقد قرأ ابنُ كَثِير وحَفْص "إن" بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو: "إنَّ هذَيْن لساحران" بتشديد النون والياء في "هذين". وقرأ الباقون بتشديد النون والألف. فأمّا قراءةُ ابن كثير وحفصٍ، فعلى أن "إن" المخففةُ من الثقيلة، ودخلت اللامُ فَرْقًا بينها وبين النافية، وأُبطل عملُها لنقصِ لفظها وخروجِها لذلك عن شَبَه الفعل، وهو المختار في "إنِ" المكسورةِ إذا خُفّفت، وقال الكوفيون: "إنْ" ههنا بمعنى النفي، واللامُ بمعنى "إلَّا"، والتقديرُ: ما هذان إلَّا ساحران، وهو حسن على أصلهم، غير أن أصحابنا لا يُثْبِتون مجيء اللام بمعنى "إلَّا".
وأما قراءةُ الجماعة: "إن هذان لساحران"، فأمثلُ الأقوال فيها أن تكون على لغة بني الحارث في جَعْلهم المثنى بالألف على كلّ حال، كأنهم أبدلوا من الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها، وإن كانت ساكنةً، كقولهم في "يَيأسُ": يَاءَسُ. وقال أبو إسحاق: الهاء مرادةٌ، والتقديرُ: إنهُ هذان لساحران، واللامُ مزيدة فيه للتأكيد، وحسُن دخولُها في الخبر حيث كانت الجملةُ مفسِّرةً لذلك المضمر، فكأنّها في الحكم بعد "إن"، فدخلت اللامُ مع الهاء للتأكيد كما تدخل مع عدمها. وقال قومٌ: "إن" ها هنا بمعنى "نَعَمْ"، والمعنى: نَعَمْ هذان لساحران، واللامُ مزيدة للتأكيد، وكان محلها أن تكون في الاسم إلا أنهم أخروها إلى الخبر لوجودِ لفظِ "إن"، و"إن" كانت بمعنى "نَعَمْ". وإذا كانوا قد أخروا لام التأكيد من الاسم إلى الخبر نحو قوله [من الرجز]:
٤٧٦ - أُمُّ الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهرَ بَهْ ... تَرْضَى من اللحْم بَعظْمِ الرَّقَبَهْ
стр. 808
على توهُّمِ "إن" لكثرةِ دخولها على المبتدأ، فلأنْ يُؤخروها مع وجود لفظها أجدرُ. وإلى هذا الوجه ذهب أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بن المُثَنَّى، ومحمّدُ بن زيد، وأبو الحسن عليّ بن سليمان الأخفش. وقد جاءت "إن" بمعنى "نَعَمْ" كثيرًا. قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
٤٧٧ - بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو ... حٍ يَلُمْنَنِي وألَومُهُنهْ
وَيقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا ... ك وقد كَبِرْتَ، فقلتُ: إنَّهْ
стр. 809
أي: نَعَم هو كذلك، والهاء لبيانِ الحركة. وقال الآخر [من الكامل]:
٤٧٨ - قالوا: غَدَرْتَ فقلتُ: "إن" ورُبمَا ... نالَ العُلَى وشِفا الغَلِيلِ الغادِرُ
أي: نعم، فإذا أشرت إلى المؤنث، ففيه خمسُ لغات، قالوا: "ذِي"، و"ذِهْ"، و"تَا"، و"تِي"، و"تِهْ". فأمّا "ذِي"، فهو تأنيثُ "ذَا"، ووزنُه فِعْلٌ، كـ "بِنْت"، والياء فيه أصل، وليس للتأنيث، إنما هي عينُ الكلمة، واللامُ محذوفة كما كانت في "ذا" كذلك. والتأنيثُ مستفادٌ من الصيغة، وصحّت الياء لانكسار ما قبلها. وأما "ذِهْ" فهي ذِي، والهاء فيها بدلٌ من الياء، وليست للتأنيث أيضًا.
فإن قيل: فلِمَ قلتم: إِن الهاء بدل من الياء في "ذي"؟ وهلا كان الأمرُ فيها بالعكس. قيل: إنما قلنا: إِن الياء هي الأصلُ، لقولهم في تصغير "ذَا": "ذَيَّا". و"ذِي" إنما هو تأنيثُ "ذَا"، فكما أن الهاء ليس لها أصلٌ في المذكر، فكذلك هي في المؤنث؛ لأنها من لفظه.
فإن قيل: فهلّا كانت الهاء للتأنيث على حدّها في "قائمة"، و"قاعدة"، فالجوابُ:
стр. 810
أنها لو كانت للتأنيث على حدّها في "قائمة"، و"قاعدة"، لكانت زائدة، وكان يؤدي إلى أن يكون الاسم على حرف واحد، وقد بينّا ضُعْفَ مذهب الكوفيين في ذلك. وأمرٌ آخرُ أنك لا تجد الهاء علامة للتأنيث في موضع من المواضع. والياء قد تكون علامة للتأنيث في قولك: "اضرِبِي"، فأمّا "قائمة" و"قاعدةٌ"، فإِنما التأنيثُ بالتاء. والهاء من تغيرِ الوقف، ألا تراك تجدها تاء في الوصل، نحو: "طَلْحَتان"، و"هذه طلحةٌ يا فَتَى، وقائمة يا رجلُ"، فإذا وقفتَ كانت هاء؟ والهاء في "ذِهْ" ثابتة وصلًا ووقفًا، والكلامُ إنّما هو في حقيقته، وما يندرج عليه، ألا ترى أننا نُبدِل من التنوين ألفًا في النصب، وهو في الحقيقة تنوين على ما يُدْرَج عليه الكلامُ؟ ويؤيد ذلك أن قومًا من العرب- وهم طَيىءٌ - يقِفون على هذا بالتاء، فيقولون: "شَجَرَت"، و"حَجَفَت"، فثبت بما ذكرناه أن الهاء في "ذِهْ" ليست كالهاء في "قائمة"، فلا تُفيد فائدتَها من التأنيث.
وقوله: "بالوصل والسكون" يريد أن هذه الهاء يجوز فيها وجهان: أن تكسِرها وتَصِلها بحرفِ مد كما تفعل بهاء الإضمار. والآخرُ أن تُسكنها وصلًا ووقفًا. فمن حركها؛ فلأنها هاء في اسم مبهم غير متمكّن، فشُبهت بهاء الإضمار، نحو: "مررت بهِ"،، و"نظرت إلى غلامهِ". ومَن سكنها؛ فإنّه جرى على القياس، إذ كانت بدلًا من حرف ساكن، وهو الياء، فيقول: "هذه أمةُ الله"، و"نظرت إلى هذِهْ يا فَتَى". فإذا لَقِيَها ساكن، لم يكن بدٌّ من تحريكها بالكسر، فتقول: "هذهِ المرأةُ قائمةٌ"، و"هذه الأَمةُ عاقلةٌ". ويحتمل ذلك أمرَيْن:
أحدهما: أن يكون لمّا صار إلى موضع يُحتاج فيه إلى حركةِ الهاء لئلا يجتمع ساكنان، عاد إلى لغةِ من يكسر، ولم يجعلها في قوله: "هذه أمةُ الله"، لالتقاء الساكنين. وذلك أقيسُ من اجتلابِ حركة غريبة. ويدل على ذلك أن من قال: "هُمْ قاموا"، فأسكنَ الميمَ من "هُمْ"، متى احتاج إلى حركتها، ردّ إليها الضمة التي في لغةِ من يقول: "هُمُو قاموا". وعلى ذلك من قال: "مُذْ"، فأسكنَ الذالَ لزَوالِ النون الساكنة من قبلِها، إذا احتاج إلى حركةِ الذال، ردها إلى الضمّ، فقال: "مُذُ اليومِ". وكذلك من أعمل "مَا" النافيةَ، إذا عرض ما يُبْطِل الإعمالَ من اعتراضِ الاستثناء، أو تقديمِ الخبر، صار إلى لغةِ من لا يُعْمِل.
والأمر الآخر: أن تكون الكسرة لالتقاء الساكنين، وكذلك الضم في "هُمُ القومُ" لالتقاء الساكنين، وإنما عُدل إلى الضم للإتباع، وكذلك الضم في "مُذُ الليلةِ"، ويؤيد ما قلناه أن بعضَ ذلك قد جاء مكسورًا. قال الشاعر فيما أنشده قُطْرُبْ [من الطويل]:
٤٧٩ - ألا إِنّ أصْحابَ الكَنِيفِ وَجَدْتُهُم ... هُمِ القَوْمُ لَما أَخْصَبوا وتَمَوَّلُوا
стр. 811
وأنشد الكوفيون [من الكامل]:
٤٨٠ - فهُمُو بِطانَتُهم وهُمْ وُزَراؤُهمْ ... وَهُمِ القُضاةُ ومِنهُمِ الحُكامُ
وهي لغةٌ لبعضِ بني سُلَيم. وحكى اللِّحْيانى: "مُذِ اليوم"، و "مُذِ الليلة"، والكسرُ لا محالةَ لالتقاء الساكنين، فكذلك يكون الضمُّ لالتقاء الساكنين. وعدلوا عن الكسرة لإتباع على حد قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ﴾ (١)، و ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (٢)، وإذا جاز الإتباعُ مع الفصل فيما ذكرناه، فجوازُه مع غير الفصل أولى.
فإذا ثنيتَ، قلت: "تانِ" في الرفع، و"تَينِ" في النصب والجرّ، كما ذكرنا في المذكر. وقال صاحب الكتاب: و"لم يُثَن من لغاته إلَّا تَا وحدَها". والذي أراه أن "ذِي"، و"ذِهْ" لا يصح تثنيتهما؛ لأتك لو فعلت، لكنت تحذف الياء من "ذي"، لسكونها، والهاء من "ذِهْ"؛ لأنها بدلٌ من الياء، وكنت تقول: "ذَانِ"، و"ذَيْنِ"، فيُلبِس بالمذكر.
стр. 812
وأما "تَا"، و"تِي"، و"تِهْ"، فلا مانعَ من تثنيتها، فإذا قلت: "تَانِ"، جاز أن يكون على لغةِ من يقول: "تَا"، فحذف الألفَ لالتقاء الساكنين، وجاز أن يكون على لغةِ من يقول:"تِي"، فحذف الياء، وفتح التاء لمُجاوَرةِ ألف التثنية، ويجوز أن يكون على لغةِ من يقول: "تِة"، فحذف الهاء؛ لأنها عوضٌ من الياء في "تِي"، فأجراها مُجرى الياء في الحذف، وفتح التاء لمجاورةِ ألف التثنية.
فإذا أردت الجمع؛ قلت: "أُولَا"، و"أولاء" بالقصر والمد، وهذا اللفظُ يُعبر به عن المذكر والمؤنث. وهي صيغةٌ من غيرِ لفظ الواحد، كـ"الإبل" و"الخَيْل". والقصرُ هو الأصل، ونظيرُه: "قُرَى"، و"بُرَى"، ولم يلتق في آخِره ساكنان، فيُكْسَرَ لالتقائهما، فبقي ساكنًا على ما يقتضيه القياسُ في كل مبني. ومَن مد، فإنه زاد ألفًا قبل اللام حيث أراد بناء الكلمة على المدّ، فاجتمع ألفان: الألفُ المبدلة من اللام، وألفُ المدّ، فوجب حذفُ أحدهما، أو تحريكه لالتقاء الساكنين، فلم يجز الحذفُ لئلا يزول المدّ، وقد بنيت الكلمة على المدّ، فوجب التحريكُ، فلم يجز تحريكُ الأُولى؛ لأن تحريكها يُؤدِّي إلى قَلبها همزةً. ولو قُلبت همزةً، لفارقتِ المدَّ، فوجب تحريكُ الثانية، فانقلبت همزةً؛ لأنها أقربُ الحروف إليها، وكان القياسُ أن تكون ساكنةً على أصلِ البناء، وإنما كُسِرت لالتقاء الساكنين. وهذه الصيغة يستوي فيها المذكرُ والمؤنثُ، لأنها واقعة على جمع، أو جماعةِ، فكأنه قال: أُشير إلى هذه الجماعة، أو إلى هذا الجمع. والجمعُ والجماعةُ، كل واحد منهما يقع على المذكر والمؤنث، والحَيَوانِ والجَمادِ، فلذلك استوى فيه لفظُ المذكر، والمؤنث، ووزنُه " فُعالٌ" على وزنِ "غُرابٍ".
فأمّا قولُ جَرِير [من الكامل]:
ذم المنازل (١) ... إلخ
فالشاهد فيه استعمالُ "أولئك" فيما لا يعقل، وهي الأيامُ، على حد ما يُستعمل في العُقلاء. ألا ترى أنه قال: "أولئك الأيام" كما يقولون: "أولئك القومُ"؟ ومثلُه قول الآخر [من البسيط]:
يا ما أُمَيلِحَ غِزلَانا شَدَن لنا ... من هؤُلَيائِكُن الضالِ والسمُرِ (٢)
فجاء بـ "أولاءِ" للضال والسمُر كما جاء به جرير للأيام.
فصل [لحوق كاف الخطاب بأواخرها]
قال صاحب الكتاب: ويلحق حرف الخطاب بأواخرها, فيقال: "ذاك", و"ذانك",
стр. 813
بتخفيف النون وتشديدها. قال تعالى: ﴿فذانك برهانان من ربك﴾ (١)، و"ذينك", و"تاك" و"تيك" و"ذيك", و"تانك", و"تينك", و"أولاك" و"أولئك". ويتصرّف مع المخاطب في أحواله من التذكير والتأنيث والتثنية والجمع. قال تعالى: ﴿وكذلك قال ربك﴾ (٢) وقال: ﴿ذلكما مما علمني ربي﴾ (٣)، وقال: ﴿ذلكم الله ربكم﴾ (٤) وقال: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ (٥).
* * *
قال الشارح: اعلم أن كاف الخطاب على ضربَيْن: أحدهما ما يُفيد الخطابَ والاسمية، والآخرُ ما يفيد الخطاب مجردًا من معنى الاسمية. فالأول نحو الكاف في "أخيك"، و"أبيك"، و""غلامك"، ونحوها ممّا له موضعٌ من الإعراب، ألا ترى أن موضعَ هذه الكاف خفضٌ بإضافةِ الاسم الأول إليه، وكذلك إذا وضعتَ مكانَه ظاهرًا، كان مخفوضًا، نحو: "أخي زيد"، و"أبى خالدٍ"، و"غلامِ عمرو".
والثاني نحو الكاف اللاحقة بأسماء الإشارة، نحو: "ذاك"، و"ذانّك"، و"ذَيْنِك"، و"تاك"، و"تانِك"، و"تَينِك"، و"تِيك"، و"ذِيك"، و"أولئك". الكاف في جميع ذلك للخطاب مجردًا من معنى الاسمية. والذي يدل على تجردُّها من معنى الاسمية أنها لو كانت باقية على اسميتها, لكان لها موضعٌ من الإعراب، إما رفعٌ، وإما نصبٌ، وإما خفضٌ. وذلك ممتنِعٌ ههنا، وقد تقدم بيانُ ذلك وشرحه في "إياكَ" من المضمرات.
ومما يدل على أن هذه حروفٌ، وليست أسماء، إثبات نون التثنية معها في "ذانك"، و"تانك"، ولو كانت أسماء، لوجب حذفُ النون قبلها، وجَرُّها بالإضافة، كما تقول: "غلاماك"، و"صاحباك".
ونظيرُ الكاف في ذلك ونحوه من أسماء الإشارة الكافُ في "النجاءَكَ" بمعنى "انجُ"، الكاف فيه حرف خطاب، إن لو كانت اسمًا، لَمَا جازت إضافةُ ما فيه الألفُ واللام إليها. وكذلك قولهم: "انظُرْكَ زيدًا"، الكاف حرف خطاب؛ لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضميرِ المأمور المتصل. وقولهم: "لَيْسَكَ زيدًا"،"زَيْدًا" هو الخبرُ، والكاف حرفُ خطاب، ومثلُه: "أَرَأَيتَك زيدًا ما يصنعُ"، الكافُ هنا للخطاب، وليست اسمًا. قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (٦)، فإذا قلت: "لك"، أو إليكَ؛ فقد خاطبتَه باسمه كناية، وإذا قلت: "ذاك"، أو "ذلك"، فقد خاطبتَه بغير اسمه، ولذلك لا يحسن أن يقال للمُعظم من الناس: "هذا لك" , ولا "إليك". ويحسن أن يقال: "قد كان ذلك"، و"هو كذلك".
стр. 814
وقوله: "يتصرف مع المخاطب في أحواله من التذكير والتأنيث"، فالمراد أنّه تختلف حركاتُ هذه الكاف، ليكون ذلك أمارة على اختلافِ أحوالِ المخاطب من التذكير والتأنيث، وتلحَقُه علامات تدل على عَدَدِ المخاطبين. وُيوضِح لك ذلك نعتُ اسم الإشارة، ونداءٌ المخاطب، فإذا سألتَ رجلًا عن رجل، قلت: "كيف ذلك الرجل يا رجلُ"، بفتح الكاف؛ لأنك تُخاطِب مذكرًا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (١).
وإذا سألتَ امرأة عن رجل، قلت: "كيف ذلكِ الرجلُ يا امرأةُ"، كسرتَ الكاف حيث خاطبتَ مؤنثًا. قال الله تعالى ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ (٢).
وإذا سألت رجلَين عن رجل، قلت: "كيف ذلكُمَا الرجلُ يا رجلان"، ألحقتَ الكاف علامةَ التثنية حيث خاطبتَ رجلَيْن. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ (٣).
فإن سألت رجلًا عن رجلَين، قلت: "كيف ذانك الرجلان يا رجلُ"، ثنّيتَ "ذَا" حيث كنت تسأل عن رجلَين، وفتحتَ الكاف حيث كنت تخاطب واحدًا.
وإذا سألت رجالًا عن رجال، قلت: "كيف أولئكم الرجال يا رجالُ"، جمعتَ اسم الإشارة؛ لأن المسؤول عنه جمعٌ، وألحقتَ الكاف علامة الجمع، إذ كنت تخاطب جماعة. قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٤).
فإن سألت رجلًا عن جماعةِ مذكرِين؛ قلت: "كيف أولئك الرجال يا رجلُ" فإن سألت نساء عن نساء، قلت: "كيف أولئكن النساء يا نساء". قال الله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (٥)، ألحقَ علامة جمع المؤنّث حيث كان الخطابُ للنسوة، وهنّ صواحباتُ يوسف. و"كيف ذلكن الرجلُ يا نساءُ"، إذا سألت نساء عن رجل. وعلى هذا فقِس ما يأتيك من هذا. هذه هي اللغة الفاشيةُ التي يقتضيها القياسُ، وعليها مُعْظَمُ الاستعمال.
وفيها لغةٌ أخرى نقلها الثقاتُ، وهي إفرادُ علامة الخطاب وفتحها على كل حالٍ تغليبًا لجانب الواحد المذكر، فتقول للرجل: "كيف ذلكَ المرأةُ يا رجلُ" (٦)، بفتح الكاف كخطاب المَذكر، وكذا إذا خاطبتَ اثنين، أو جماعة. وفي التنزيل ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٧) وقياسُ اللغة الأولى: "وكذلكُمْ" لأن الخطاب لجماعة كما في الآية الأخرى ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٨) ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٩) إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهمُ﴾ (١٠) ولم يقل: "ذلِكُم"، والمخاطبُ جماعة.
стр. 815
فصل [الإشارة إلى القريب والمتوسط والبعيد]
قال صاحب الكتاب: وقولهم: "ذلك" هو "ذاك", زيدت فيه اللام, وفرق بين "ذا", و"ذاك" و"ذلك", فقيل: الأول للقريب, والثاني للمتوسط, والثالث للبعيد, وعن المبرد أن "ذانك" مشددة تثنية "ذلك"، ومثل ذلك في المؤنث "تلك" و"تالك"، وهذه قليلة.
* * *
قال الشارح: قولهم "ذلِكَ"، الاسمُ فيه "ذَا"، والكافُ للخطاب، وزيدت اللامُ لتدل على بُعْدِ المشار إليه، وكُسرت لالتقاء الساكنين، ولم تُفتَح لئلا تُلبِس بلام المِلْك، لو قلت: "ذا لَكَ". فـ "ذَا" إشارةٌ إلى القريب بتجرُّدها من قرينة تدل على البُعد، فكانت على بابها من إفادة قرب المشار إليه؛ لأن حقيقةَ الإشارة الإيماء إلى حاضر. فإذا أرادوا الإشارة إلى متنحٍّ متباعِدٍ، زادوا كاف الخطاب، وجعلوه علامة لتباعُدِ المشار إليه، فقالوا: "ذَاكَ"، فإن زاد بُعْدُ المشار إليه، أتوا باللام مع الكاف، فقالوا: "ذَلِكَ". واستُفيد باجتماعهما زيادة في التباعد, لأن قوَّةَ اللفظ مُشْعِرة بقوة المعنى.
فأمّا تشديدُ النون في "ذانِّ"، و"هذان"، فعوضٌ من حرف محذوف، فأمّا في "ذان" فعوضٌ من ألِف "ذا"، وهي في "ذانك" عوضٌ من لامِ "ذلِكَ". قاله المبردُ. فإذا قلت: "ذَاكَ " في الواحد، قلت في التثنية: "ذانِكَ". وإذا قلت: "ذلِكَ"، قلت في التثنية "ذَانكَ" بالتشديد. ويحتمل أن يكون التشديدُ عوضًا من ألِف"ذَلِكَ"، وإذا كان عوضًا من حرف، صار بمنزلةِ الميم المشددة في آخِرِ "اللهُمُّ" عوضًا من "يَا" فشُدّدت كتشديد الميم. ويجوز أن يكون تشديدُ النون للفرق بين النون التي هي عوض من حرفٍ، وبين النون التي هي عوض من الحركة والتنوين، جعلوا لِما هو عوض من الحرف مَزِية، فشُددت.
فإن قيل: فلِمَ عوّضوا من الحرف الذاهب، وحذفُه عارضٌ لالتقاء الساكنين؟ قيل: من قِبَل أن التثنية لا يسقُط منها شيءٌ لالتقاء السَاكنين إلَّا المبهمَ، فلمّا خالف المتمكنَ، ونقص منه حرف، عُوّض من ذلك. وبعضهم لا يجعل التشديدَ في "ذان" عوضًا، بل من قبيل الادغام، وذلك أتنا ثنينا "ذا"، فصار "ذَانِ"، ثمّ دخلت اللامُ بعد النون للمعنى الذي أُريد منها، وهو بُعْدُ المشار إليه، فصار "ذَانِلِ"، فاجتمعت النونُ واللامُ، وكل واحد منهما يجوز ادّغامُه في صاحبه، فقُلب الثاني إلى لفظِ الأول، فصارت اللامُ نونًا، وادغمت فيها النونُ الأُولى كما قالوا: "مُذكِر". بالذال المعجمة، وأصلُه "مُذْتَكِرٌ". ولا يكون ذلك في "هذَانِ"؛ لأن هاء التنبيه واللام لا يجتمعان, لأن "هَا" للقريب، واللامَ للبعيد، والبُعدُ والقُرْبُ معنيان متدافِعان.
وقوله: ومثلُ ذلك في المؤنّث، "تِلكَ"، و"تَالِكَ"، يريد أنه كما زادوا اللامَ مع
стр. 816
المذكر لبُعدِ المشار إليه، فقالوا: "ذلِكَ"، كذلك زادوها مع المؤنّث، فقالوا "تِلْكَ"، و"تَالِكَ". فأمَّا "تلك" فهي "تِي"، وإنما حذفوا الياء لسكونها وسكونِ اللام بعدها. ولم يكسروا اللامَ كما فعلوا في "ذلِكَ"، كأنهم استثقلوا وقوعَ الياء بين كسرتَيْن لو قالوا: "تِيلِكَ". وقالوا في "تَا" "تَالك"، فلم يحذفوا الألفَ كما لم يحذفوها في "ذِلكَ". وهي قليلةٌ في الاستعمال، والقياسُ لا يأباها. ولم يقولوا: "ذِيكَ"، كأنهم استغنوا عنه بـ "تِيكَ".
فصل [دخول "ها" التي للتنبيه على أوائلها]
قال صاحب الكتاب: وتدخل "ها" التي للتنبيه على أوائلها فيقال: "هذا" و"هذاك", و"هذان", و"هاتا", و"هاتي" و"هذي" و"هاتيك", و"هؤلاء",و"هؤلا".
* * *
قال الشارح: اعلم أن "هَا" كلمةُ تنبيهٍ، وهي على حرفَيْن كـ"لاَ"، و"مَا"، فإذا أرادوا تعظيمَ الأمر والمبالغةَ في إيضاحِ المقصود، جمعوا بين التنبيه والإشارة، وقالوا: "هذَا"، و"هذِهِ"، و"هاتِهِ"، و"هاتَا"، و"هاتِي". قال الشاعر [من الطويل]:
٤٨١ - ونَبَّأتُمانِي إنمَا المَوْتُ بالقُرَى ... فَكَيْفَ وهَاتِي هَضْبَةْ وكَثِيبُ
стр. 817
وقال الآخر [من الوافر]:
٤٨٢ - وَلَيس لعَيشِنَا هذا مَهاه ... وليستْ دارُنَا هاتَا بِدارِ
فـ "هَا" للتنبيه، و"ذَا" للإشارة، والمرادُ تَنَبَّه أيُّها المخاطبُ لمن أشِيرُ إليه. وتسقُط ألفُه في الخَط لكثرة الاستعمال، وهي ثابتة لفظًا.
وقد يكون معهما خطابٌ، فتقول: "هاذاك"، و"هاتاك"، فـ "هَا" تنبيهٌ، و"ذَا"، و"تَا" إشارةٌ، والكافُ حرفُ خطاب.
وفي التثنية "هاذانِ"، و"هاتانِ"، وإن جئت بالخطاب، قلت: "هاذانِكَ"، و"هاتانِكَ"، فـ "هَا" تنبيهٌ، و"ذان" إشارة إلى اثنين، والكافُ حرفُ خطاب.
وتقول في الجمع "هؤُلاءِ". وفيه ثلاثُ لغات أشهرُها "هؤلاءِ" بالمدّ، و"هاؤلَا" بالقصر، و"هَؤلاءِ" بحذفِ ألفِ "هَا" التي للتنبيه، كأنّه لكثرة استعماله صار كالكلمة الواحدة، فخفّفوه بحذفِ ألفه. قال الشاعر [من الوافر]:
٤٨٣ - تَجَلَّدْ لا يَقُل هَؤلاءِ هذا ... بَكَى لما بَكَى أسَفًا وغَيظَا
стр. 818
وقال الأعشى [من الخفيف]:
٤٨٤ - هؤُلَا ثُمَّ هؤلائك أعطَيـ ... ـتُ نِعالاً مَحذُوَّةً بنِعالِ
فصل [الإشارة إلي المكان]
قال صاحب الكتاب: ومن ذلك قولهم إذا أشاروا إلى القريب من الأمكنة: "هنا", وإلى البعيد" "هنا". وقد حكي فيه الكسر, و"ثم". وتلحق كاف الخطاب, وحرف التنبيه بـ "هنا", و"هنا". ويقال: "هنالك", كما يُقال: "ذلك".
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الأسماء من أسماءِ الإشارة أيضًا، فهي مشارٌ بها كما يشار بـ "هذَا" و "هؤلاء"، إلَّا أن هذه الأسماء لا يشار بها إلَّا إلى ما حضر من المكان، وتلك يُشار بها إلى كلً شيء، وهي مبنيَة كبناءِ "ذَا"، و"ذِه"، على السكون، والعلّةُ في بنائها كالعلة في بناءِ "ذَا"، و "ذِة"، وهو تضمُّنُها معنَى حرف الإشارة، أو شَبَهُها بالمضمرات على ما تقدَم.
стр. 819
وفيها ثلاثُ لغاتُ: "هُنَا"، و"هَنا"، و"هِنا"، فأفصحُها "هُنَا" بضم الهاء، وأردؤُها "هِنا" بالكسر. وألفُ "هُنَا" لام، ووزنُه "فُعَل" كـ" صُرَد" (١) و" نُغَرٍ" (٢). وأمّا "هَنا" بتضعيف العين، فينبغي أن لا يكون من لفظِ "هُنَا"، بل من معناه، وإن وافَقَه في بعضِ حروفه، كـ "سَبِط"، و"سِبَطْر"، و"دَمِث"، و"دِمَثْر". وألفُه زائدةٌ، ووزنُه "فَعْلَا"، العينُ واللامُ من واد واحد، كـ"حَبٍّ "، و"دَرٍّ"، وذلك لقلةِ ما جاء في الأسماء على وزنِ "فَعَّلَ"، إنما جاء في أسماء قليلة من المعارف، نحوِ: "خَضَّمَ"، و"عَثَّرَ".
ويحتمل أن تكون ألفُه للإلحاق، نحو: "أرطى" فيمن قال: "أدِيمٌ مأروطٌ"، و"عَلْقًى"، ولم يُنوَّن للبناء. ويحتمل أن تكون للتأنيث كـ "سَلمَى"، وَ"رَضوَى"، وأما من كسر الهاءَ، فقال: "هِنا"، فهي أردأ اللغات وأقلها، وألفُه زائدةٌ أيضًا؛ لأنّه قد ثبتت زيادتُها في لغةِ مَن فتح الهاءَ، فتكون زائدة في لغةِ مَن كسر؛ لأنها لا تكون أصلًا في لغةٍ، زائدة في لغة اخرى. ويحتمل أن تكون ألفُه للإلحاق بـ "دِرْهَم"، كـ"مِغزى". ويحتمل أن تكون للتأنيث كـ"دِفْلَى"، قال ذو الرُّمّة في التشديد [من البسيط]:
٤٨٥ - هُنا وهِنَّا ومِن هُنَّا لَهُن بها ... ذاتَ الشمائلِ والأيْمانِ هَيْنُومُ
فأمَّا قول الراجز:
٤٨٦ - قد وَرَدَت مِن أمْكِنَهْ ... مِن ههُنَا ومِن هُنَهْ
إن لم أُرَوِّها فَمَه
стр. 820
فإنه أراد "هُنَا"، فأبدل من الألف هاءً.
ويجوز إدخالُ "هاءِ" التنبيه عليها كما تُدخِله على "ذَا"، فتقول: "هَا هُنَا" (١)، و"هاهَنا"، و"هاهِنا". قال الله تعالى: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢).
ويدخل عليها كافُ الخطاب، فيقال: "هُنَاكَ "، فـ "هُنَا" إشارةٌ إلى مكان قريب، و"هُناكَ" إشارةٌ إلى مكان متباعِد، كما كان في "ذاكَ" كذلك.
فإن أرادوا زيادةَ البُعْد، جاؤوا باللام، فقالوا: "هُنالِكَ"، كما قالوا: "ذلِكَ". قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ (٣).
وأما "ثم"، فإشارةٌ إلى المكان البعيد، جعلوا لفظَه وصيغتَه تدلّ على بُعْد، فلم يحتاجوا معه إلى قرينةٍ من كافِ خطاب، أو لام، إذ نفسُ الصيغة تدل على ذلك. فإذا قلت: "هُناكَ"، دلّت الكافُ على مثلِ ما يدل عليه "ثَم" بمُجرَّدها. وهي مبنيةٌ لتضمُّنها حرفَ الإشارة، أو شَبَهِ المضمر على ما ذكرناه في "ذلِكَ" و"هُنَالِكَ"، وكان أصلُها أن تكون ساكنة، وإنما حُرّكت لالتقاء الساكنين، وهما الميمان في آخِرها، وفُتحت طَلَبًا للخفة لاستثقالِ الكسرة مع التضعيف، فإذا وقفتَ عليها، إن شئت، ألحقتَها هاءَ السَكت، فقلت: "ثَمَّهْ"، وإن شئت، لم تأتِ بها، وقلت: "ثَمَّ"، فاعرفه.
стр. 821
الموصولات
فصل [تعدادها]
قال صاحب الكتاب: "الذي" للمذكر, ومن العرب من يشدد ياءه. و"اللذان" لمثناه, ومنهم من يشدد نونه و"اللذين"- وفي بعض اللغات- "اللذون" لجمعه. و"الأولى" و"اللاؤون" في الرفع, و"اللائين" في الجر والنصب. و"التي" لمؤنثه, و"اللتان" لمثناه, و"اللاتي" و"اللات" و"اللائي", و"اللاء" و"اللاي", و"اللواتي" لجمعه.
* * *
قال الشارح: معنى الموصول أن لا يتِم بنفسه، ويفتقِر إلى كلام بعده، تصلُه به ليَتِم اسمًا، فإذا تَم بما بعده، كان حكمُه حكمَ سائر الأسماء التامّة، يجوز أن يقع فاعلًا، ومفعولاً، ومضافًا إليه، ومبتدأ، وخبرًا. فتقول: "قام الذي عندك"، فموضعُ "الذِي" رفعٌ بأنه فاعلٌ. وتقول: "ضربتُ الذي قام أبوه" فموضعُه نصب بأنه مفعول. وتقول: "جاءني غلامُ الذي في الدار"، فيكون موضعُ "الَّذي" خفضًا بإضافةِ الغلام إليه، وتقول: "الذي في الدار زيدٌ"، فيكون موضعُ "الذي" رفعًا بأنه مبتدأ. وتقول: "زيدٌ الذي أبوه قائمٌ"، فموضعُ "الَّذي" رفع بأنه خبر المبتدأ.
ولهذا المعنى من احتياجه في تَمامه اسمًا إلى جمله بعده تُوضِحه، وجب بناؤُه؛ لأنه صار كبعضِ الكلمة، وبعضُ الكلمة لا يستحِقّ الإعرابَ، أو لأنّه أشبهَ الحرف من حيث إنه لا يُفيد بنفسه، ولا بدّ من كلام بعده، فصار كالحرف الذي لا يدل على معنى في نفسه، إنما معناه في غيره، ولذلك يقول بعضُهم: إن الموصول وحدَه لا موضعَ له من الإعراب، وإنما يكون له موضعَ من الإعراب إذا تم بصلته. والصوابُ عندي أن الإعراب للاسم الأول الموصولِ، ومجرَى الصلة من الموصول مجرَى الصفة من الموصوف، فكما لا يتوقف إعرابُ الموصوف على تمامه بالصفة، كذلك لا يتوقف إعرابُ الموصول على تمامه بالصلة. ويُوضِح ذلك لك أتى المُعْرَب من الموصولات يظهر الإعرابُ فيه، نحوَ: "أي"، ألا تراك تقول: "جاءني أيُّهُمْ أبوه قائمٌ"، ولارأيت أيَّهم أبوه قائمٌ"، و"مررت بأيَّهم أبوه قائم"، فكما أن الإعراب هنا ظاهر في "أي"، كذلك ينبغي أن
стр. 822
يكون في "الذي" وأخواتِها، إلا أن الفرق بين الصلة والصفة، أنّ الجملة إذا كانت صفة كان لها موضعٌ من الإعراب؛ لأنها واقعةٌ موقعَ المفرد، إذ كانت الصفةُ تكون بالمفرد، والصلةُ لا موضعَ لها من الإعراب؛ لأنها لم تقع موقعَ المفرد؛ لأنّ الصلة لا تكون مفردًا.
واعلمْ أن الموصولاتِ ضربٌ من المُبْهَمات، وإنما كانت مبهمةٌ لوقوعها على كل شيء من حَيَوان وجَماد وغيرِهما، كوقُوعِ "هذَا"، و"هؤُلاءِ" ونحوِهما من أسماء الإشارة على كل شيء.
وجملةُ الأمر أن الموصولات تسعةٌ، وهي "الذِي"، و"التِي"، وتثنيتُهما وجمعُهما، و"مَنْ"، و"مَا" بمعناهما، واللام بمعنَى "الذي"، و"أيٌّ"، و"ذُو" في لغةِ طَيِّئٍ، و"ذَا" إذا كان معها "مَا"، وَ"الألى" في معنَى "الذينَ".
فأمّا "الذِي"، فيقع على كل مذكر من العُقلاء وغيرهم، تقول: "جاءني زيدٌ الذي قام أبوه"، و"رأيت الثوْب الذي تعرفُه"، قال الله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٢). وفيها أربعُ لغات. قالوا: "الذِي" بياء ساكنة، وهو الأصل فيها.
و"اللَّذ"، بكسر الذال من غيرِ ياء، كأنّهم حذفوا الياء تخفيفًا، إذ كانت الكسرةُ قبلها تدلُّ عليها، فعلوا ذلك كما قالوا: "ياغُلامِ"، و"يا صاحبِ"، بالكسرة اجتزاء بها عن الياء.
الثالثُ: "اللَّذْ"، بسكون الذال، ومُجازُه أنهم لما حذفوا الياء اجتزاء بالكسرة منها، أسكنوا الذال للوقف، ثمّ أجروا الوصل مُجرى الوقف، كما قالوا [من الرجز]:
مِثْل الحَرِيق صادَفَ القَصَبَّا (٣)
وهو من قبيل الضرورة، وعند الكوفيين قياسٌ لكثرته.
الرابعُ: "الذِيُ"، بتشديد الياء للمبالغة في الصفة، كما قالوا: "أحْمَرِيٌّ"، و"أضفَرِيٌّ"، وكما قال [من الرجز]:
والدَّهْرُ بالإنْسانِ دوارِيُّ (٤)
وليس منسوبًا.
وأصلُ "الَّذي": "لَذ"، كـ "عَم" و"شَج"، فاللامُ فاءٌ الكلمة، والذال عينها، والياء لامها. هذا مذهبُ البصريين، وقال الكوفيون (٥): الأصل في "الَّذي" الذال وحدَها، وما
стр. 823
عداها زائدٌ، فأصلُ "الَّذِي" كأصلِ "هذَا". و"هذا" عندهم أصلُه الذال وحدها، فجَوْهَرُهما واحدٌ، وإنما يفترقان بحسبِ ما يلحَقهما من الزيادات المختلفة لاختلافِ معنيَيْهما. واحتجّوا لذلك بأن قالوا: رأينا الياء تسقُط في التثنية، نحوِ قولك: "اللذانِ"، و"اللذيْن"، وقالوا في إحدى لغاتِها: "اللذْ"، بسكون الذال، قال الشاعر [من الرجز]:
٤٨٧ - [فَظَلْتُ في شَرٍّ مِنَ اللذْ كيدا] ... كاللذْ تَزَبى زُبْيَة فاصطِيدا
وهو فاسدٌ, لأنه لا يجوز أن يكون اسمٌ في كلام العرب على حرف واحد، إلَّا أن يكون مضمرًا متصلًا. ولو كان الأصل الذالَ وحدَها لَما جاز تصغيرَها. والتصغيرُ ممّا يرُد الأشياءَ إلى أُصولها, ولا يدخل إلَّا على اسم ثُلاثي. وقد قالوا في التصغير: "اللذَيا"، فالياءُ الأوُلى للتصغير، والألفُ كالعِوَض من ضمِّ أوله، والموجودُ بعد ذلك ثلاثةُ أحرف: اللام، والذال، والياء. ولا يدُفَع المسموع وما عليه اللفظُ إلَّا بدليل، إذ الأصلُ عدمُ الزيادة.
وأمّا احتجاجُهم بحذفِ الياء في التثنية، نحو قولهم: "اللذانِ"، فإنما كان لالتقاء الساكنين، كما قلنا في "هذانِ"، ولم تثبت الياءُ وتتحركَ، فيقالَ: "اللذِيَانِ"، كما قالوا:
стр. 824
"العَمِيانِ"، لنقصِ تمكُنها وخروجِها إلى شَبَهِ الحروف. والحروفُ جامدة لا تصرُّفَ لها كتصرَّفِ المتمكنة، وأما حذفُ الياء وإسكانُها؛ فلضرب من التخفيف كحَذفهم لها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ (١) في قراءةِ كثيرِ فن القُرّاءِ. ومثلُه [من الكامل]:
٤٨٨ - كَنَواحِ رِيشِ حَمامَة نَجْدِيَّةٍ ... ومَسَحْتِ باللثَتَيْنِ عَصْفَ الإثْمِدِ
وأمّا الألف واللام في "الذي" و"الَّتي"، وتثنيتِهما وجمعِهما، فذهب قومٌ إلى أنها زائدة للتعريف على حدّها في "الرجل"، و"الغلام"؛ لأنها معارفُ، والألف واللام مُعرِّفان، فكان إفادةُ التعريف بهما. والذي عليه المحققون أنهما زائدتان، والمرادَ بهما لفظُ التعريف لا معناه، والذي يدل أنهما ليستا لمعنى التعريف أمران:
أحدهما: أن الألف واللام في الموصولات زيادةٌ لازمةٌ، ولامُ التعريف لا نعرفُها جاءت لازمة، بل يجوز إِسقاطها، نحوُ: "الرجلُ" و"الغلامُ"، و"رجلٌ"، و"غلامٌ". ولم نجدْهم قالوا: "لَذ"، كما قالوا: "غُلامٌ"، فلمّا خالفتْ ما عليه نظائرُها؛ دل على أنها زائدة لغيرِ معنى التعريف، كما يُزاد غيرُها من الحروف.
والأمرُ الثاني: أنا نجد كثيرًا من الأسماء الموصولة مُعَراة من الألف واللام، وهي مع ذلك مُعرَّفةٌ، وهي "مَن"، و"مَا"، و"أيٌّ"، نحوُ قولك: "ضربتُ مَنْ عندك"، و"أخذتُ ما أعطيتَني"، و"لأُكْرِمَن أيهُمْ في الدار". فهذه الأشياءُ كلُها معارفُ، ولا ألفَ ولامٌ فيها كما كانتا في "الذي" و"الَّتي". وإنما تعرُّفُها بما بعدها من صلاتها، وإذا ثبت أن الصلة مُعَرِّفةٌ، لم يكن الألفُ واللام فيما دخلا فيه من الموصولات مُعرَّفة أيضًا؛ لأن
стр. 825
الاسم لا يَتعرَّف من جهتَيْن مختلفتَيْن. وإذا ثبت أن الألف واللام لا يفيدان هنا التعريف؛ كان زيادتُهما لضرب من إصلاحِ اللفظ. وذلك أن "الذي" وأخواته ممّا فيه لامٌ إنّما دخل توصُّلاً إلى وصفِ المَعَارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكراتٌ. ألا ترى أنها تجري أوصافًا على النكرات، نحوَ قولك: "مررتُ برجلٍ أبوه زيد"، و"نظرتُ إلى غلام قام أخوه". وصفةُ النكرة نكرةٌ. ولولا أن الجمل نكراتٌ، لم يكن للمخاطب فيها فائدة؛ لأن ما تَعرَّف لا يُستفاد، فلمّا كانت تجرى أوصافًا على النكرات لتنكرها؛ أرادوا أن يكون في المعارف مثلُ ذلك، فليم يَسُغ أن تقول: "مررت بزيدٍ أبوه كريمٌ"، وأنت تريد النعت لـ "زَيد"؛ لأنه قد ثبت أن الجمل نكراتٌ، والنكرةُ لا تكون وصفًا للمعرفة. ولم يمكن إدخالُ لام التعريف على الجملة؛ لأن هذه اللام من خَواصِّ الأسماء، والجملةُ لا تختص بالأسماء، بل تكون جملة اسمية، وفعليّة فجاؤوا حينئذ بـ "الذِي" متوصِّلين بها إلى وصف المعارف بالجمل، فجعلوا الجملة التي كانت صفة للنكرة صفة لـ "الذي"، وهو الصفة في اللفظ، والغرضُ الجملة، كما جاؤوا بـ "أيٍّ" متوصلين بها إلى نداءِ ما فيه الألف واللام، فقالوا: "يا أيُّها الرجلُ"، والمقصود نداءُ الرجل، و"أيٌّ" وُصلةٌ، وكما جاؤوا بـ "ذِي" التي بمعنَى "صاحب"، متوصّلين إلى وصف الأسماء بالأجناس، إلَّا أن لفَظَ "الذي" قبل دخولِ الألف وَاللام، لم يكن على لفظِ أوصافِ المعارف، فزادوا في أوّلها الألفَ واللام، ليحصُل لهم بذلك لفظُ المعرفة الذي قصدوه، فيتطابقَ اللفظُ والمعنى.
فإذا ثنيتَ "الَّذي"، قلت في الرفع: "اللَّذانِ"، وفي النصب والجرّ: "اللَّذَيْنِ". واعلمْ أن جميعَ هذه الأسماء المُبهَمة، نحو: "الَّذي"، و"التي"، وأسماءِ الإشارة، ونحوِها ممَّا لا يُفارِقه التعريفُ لا يصح تثنيتُه. فالتثنية فيه إنما هي صيغة موضوعةٌ للتثنية. لأن التثنية إنما تكون في النكرات، نحوِ قولك: "رجل"، و"رجلان"، و"فرسٌ" و"فرسان". فأمّا "زيدٌ"، و"عمرٌو"، و"زيدان"، و"عمران"، فإنك لم تُثَنه إلَّا بعد سَلْبه ما كان فيه من تعريفِ العَلَمية، حتى صار شائعًا كـ"رجلٍ" و"فرسٍ". وإنما كان كذلك من قِبَل أن المعرفة لا يصح تثنيتُها؛ لأن حد المعرفة ما خص الواحدَ من جنسه، ولم يَشِع في أُمته. وإذا ثُنّي، فقد شُورِكَ في اسمه، وخرج عن أن يكون معرفة.
وإذا ثبت أن المعرفة لا تصح تثنيتُها مع بَقاءِ تعريفها، فما لا يصح تنكيرُه، لا تصح تثنيتُه. ولما كانت هذه الأسماءُ ممّا لا يصح اعتقادُ التنكير فيها, لم تكن تثنيتها تثنية حقيقية، وإنما هي صيغةٌ موضوعة للدلالة على التثنية، إلَّا أنها جرت على منهاجِ التثنية الحقيقية في الإعراب، لقُربها من الأسماء المتمكنة. وممّا يؤيِّد أنها وَضْعيةٌ حذفُ الياء في التثنية. ولو كانت تثنية صِناعيّة، لَثبت فيها الياءُ، كما تثبت في "عَمِ"، و"عَمِيانِ".
ومجرى النون فيها مجراها في "هذانِ". وكانت مكسورة؛ لأنها جرت على منهاج التثنية الحقيقية، تقول:"رجلان"، و"فرسان"، بكسر النون، كذلك ههنا. ومنهم من
стр. 826
يقول: دخلت النونُ في "اللذانِ"، و"اللَّتانِ" عوضًا من الياء المحذوفة، كما كانت في "هذانِ" كذلك. ومنهم من لا يجعلها عوضًا من شيء؛ لأنها صيغةٌ موضوعة للتثنية على ما تقدم.
ومنهم من يُشدِّد النون، فيقول: "اللَّذان"، وقد قرأ ابن كَثِير: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ (١) بتشديد النون. فمن خفف النونَ، فقد جرى على منهاج التثنية على حد نونِ "رَجُلانِ"، و"فَرَسانِ". ومن شدّدها، فإنه جعل التشديد فَرْقًا بين ما يُضاف من المثنى، وتسقُط نونُه للإضافة، نحو: "غلاما زيدٍ"، و"صاحبا عمرٍو"، وبين ما لا يُضاف، نحو: "الذي"، و"التي"، وسائرِ المبهمات. ومنهم من يقول: التشديدُ فرقٌ بين النون الداخلة عوضًا من الحركة والتنوينِ، وبين النون الداخلة عوضًا من حرف ساقط من نفس الكلمة، كأنّهم جعلوا لِما هو عوض من أصل الكلمة مَزِيَّة على ما هو عوضٌ من شيء زائد ليس من الكلمة.
وتقول في الجمع: "الذينَ"، بالياء في الرفع والنصب والجرّ لا يختلف، لأنّه مبنىٌّ كالواحد، ومنهم من يقول: "اللَّذُونَ" في الرفعِ، و"الذينَ" في النصب والخفض يجعلُه كالتثنية، إذ كان على منهاجها في الصحَّة، والأول أكثرُ.
وأمّا "الألى" بمعنَى "الّذين" فهو جمعُ "الَّذي" من غير لفظه، كـ "رَجُل" و"نَفَر"، و"امرَأة" و"نِسوَة"، وهو بوزنِ "الحُطَم" و "اللُّبَد".
وأمّا "اللَّاءُ"، فهو بمعنَى "الذي"، نحوِ: "جاءني اللَّاءُ فَعَلَ كذا"، أي: الَّذِي فعل، فهو بوزنِ "رجلٌ مالٌ"، إذا كثُر مالُه، و"كَبشٌ صافٌ" إذا كثر صُوفُه، و "يَوْمٌ راحٌ"، إذا كثرتُ فيه الرِيح. ويُجمع "اللاءُ" جمعَ السلامة كما فعلوا ذلك بـ "الذِي"، فقالوا: "اللَّاؤونَ" في الرفع، و"اللَّائِينَ" في النصب والجرّ.
وأمّا "الَّتِي"، فهي عبارة عن كل مؤنّث من حَيَوان وغيره، تقول: "جاءتَني المرأةُ التي تعرفُها"، و"رأيتُ الناقة التي عندك"، و"غُنِيتُ بالشجرة التَي حَمْلُها طيّبٌ"، والكلامُ فيها كما الكلامُ في "الذِي". والألفُ واللام فيها زائدة كما كانت في "الذِي" لإصلاحِ لفظها لوصفِ المعارف. وهي ثُلاثيهٌ، الاسمُ: اللامُ والتاء والياء, لأنه الموجود، والذي عليه اللفظُ، وقال الكوفيون: هي منقولة من "تَا" في الإشارة، وأصلُ "تَا" عندهم التاءُ وحدَها، والكلامُ عليها كالكلام في "الذي". وفيها أربعُ لغات كلغاتِ "الَّذي". يقولون:
"الَّتِي" بإسكان الياء، واللّتِ بالكسر، واللَّتْ بالسكون، واللَّتِيُّ بالتشديد. والكلامُ عليها كالكلام على "الذِي"، وقد تقدم ما فيه مَقْنَعٌ.
стр. 827
وتُثنِي "التِي"، فتقول: "اللتانِ" في الرفع، و"اللَّتَيْنِ" في النصب والجرّ، وهو معربٌ, لأن مِنهاجَ التثنية لا يختلف، ولا تكون إلَّا من لفظِ الواحد، وليس كذلك الجمع، فإنّه يختلف، فيكون جمعٌ أكثرَ من جمع، ولا تكون تثنيةٌ أكثرَ من تثنية، ويكون الجمعُ من غير لفظِ واحده، كالنفَر، والنسْوَة، والإبِل، فلذلك حافظوا على التثنية، وأجروها في الإعراب على منهاج واحد، وتركوا الجمع على حاله من البناء كواحده.
ويقولون في جمع "التِي": "اللَّاتِي"، على وزنِ "القاضِي"، و"اللّائِي"، و"اللَّاءِ" بغير ياء، كما قالوا في "الذِي": "الألى"، فأتوا به على غير لفظ الواحد. قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١).
وربما قالوا: "اللوَائِي"، و"اللوَاءِ" بغيرِ ياء، كما قالوا: "اللوَاتِي"، و"اللوَاتِ"، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: واللام بمعنى "الذي" في قولهم: "الضارب أباه زيدٌ" أي: الذي ضرب أباه, و"ما", "من" في قولك: "عرفت ما عرفته ومن عرفته", و"أيهم" في قولك: "أضرب أيهم في الدار", و"ذو" الطائية الكائنة بمعنى "الذي" في نحو قول عارق [من الطويل]:
٤٨٩ - [لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم] ... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه
"وذا" في قولك: "ماذا صنعت", بمعنى: "أي شيء الذي صنعته.
* * *
стр. 828
قال الشارح: قد ذكرنا عدةَ الأسماء الموصولة، وقد تقدم الكلام على "الذِي"، و"التي"، وتثنيتهما، وجمعهما.
فأمّا الألفُ واللام، فتكون موصولة بمعنَى "الذي" في الصفة نحوِ اسم الفاعل، واسم المفعول، تقول: "هذا الضاربُ زيدًا"، والمراد: الَّذي ضرب زيدًا، و"هذا المضروبُ" والمراد الذي ضُرب، أو يُضرَب. وذلك أنهم أرادوا وصفَ المعرفة بالجملة من الفعل، فلمّا لم يُمكِن ذلك لتَنافِيهما في التعريف والتنكير، توصلوا إلى ذلك بالألف واللام، وجعلوها بمعنَى "الَّذي"، بأن نَوَوْا فيها ذلك، ووصلوها بالجملة، كما وصلوا "الذي" بها، إلا أنه لما كان من شأنها أن لا تدخل إلا على اسم، حوَّلوا لفظَ الفعل إلى لفظ الفاعل، أو المفعول، وهم يريدون الفعل. فإذا قلت: "الضاربُ"، فالألفُ واللام اسم في صورة الحرف، واسمُ الفاعل فعل في صورة الاسم. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: "هْذا ضاربٌ زيدًا أمسِ"، فتُعمِلَه فيما بعده بل تُضيفه ألبتةَ؟ ويجوز أن تقول: "هذا الضاربُ زيدًا أمس"، فتُعمِلُه، لأنّك تنوي بـ "الضارب" الذي ضَرَبَ. ومتى لم تَنوِ بالألف واللام "الذي"، لم يحسن أن يعمل ما دخلا عليه، وصار كسائرِ الأسماء، ويؤيد ما ذكرناه أن الشاعر قد يُضطرَّ، فيُدخِل الألف واللام على لفظ الفعل من غيرِ أن ينقُله إلى اسم الفاعل، وما أقَلَّه! قال الشاعر [من الطويل]:
فيُستَخْرَجُ اليَربُوعُ من نافِقائه ... ومن جُحرِهِ ذِي الشيخَةِ اليَتَقَصَّعُ (١)
وقال الآخر [من الطويل]:
٤٩٠ - يقول الخَنَا وأبْغَضُ العُجْمِ ناطِقًا ... إلى رَبهِ صَوْتُ الحَمارِ اليُجَدَّعُ
стр. 829
والمراد: الذي يتقصعُ، والذي يُجدَّع.
وقد اختُلف في هذه اللام، فذهب قومٌ إلى أنّها حرف وليست اسمًا، وإن نُوي بها مذهبُ الاسمية، ولذلك أُعرب الاسم الواقع بعدها بإعرابِ "الذي" بغيرِ صلة. ولو كانت اسمًا، لكان الإعرابُ لها، وحُكِم على موضعها بالإعراب الذي يستحِقه "الذي".
وذهب قومٌ إلى أنها اسم، واحتجوا لذلك بعَوْدِ الضمير من الصفة بعدها إليها، كما يعود إلى "الذي" من صلتها. والصوابُ الأول أنها حرف، إذ لو كانت اسمًا، لكان لها موضعٌ من الإعراب. ولا خلافَ أنه لا موضعَ لها من الإعراب، ألا ترى أنها لو كان لها موضع من الإعراب، لكنت إذا قلت: "جاءني الضاربُ"، يكون موضعُها رفعًا بأنها فاعلٌ، فكان يؤدي إلى أن يكون للفعل الواحد فاعلان من غيرِ تثنية، أو عطفٍ: الألفُ واللام، واسمُ الفاعل. وإذا قلت: "ضربتُ الكاتبَ"، يكون للفعل مفعولان، وذلك لا يجوز, لأن هذا الفعل لا يكون له أكثرُ من مفعول واحد. وإذا قلت: "مررت بالضارب"، يكون لحرفِ الجرّ مجروران، وذلك مُحال. وأما قولهم: إنه يعود إليها الضميرُ من الصفة، فلا تقول إن الضمير يعود إلى نفس الألف واللام، بل تقول إِنّه يعود إلى الموصوف المحذوف لأنك إذا قلت: "مررت بالضارب"، فتقديرُه: "مررت بالرجل الضارب"، فالضميرُ يعود إلى الرجل الموصوف المحذوف؛ لأنه في حكمِ المنطوق به، وتارة تقول: إِنه يعود إلى مدلولِ الألف واللام، وهو"الذِي"، فاعرفه.
وأمّا "مَنْ"، فإنّها تكون بمعنَى "الذي"، وتحتاج من الصلة إلى مثلِ ما احتاجت إليه "الذي"، إلَّا أنّها لا تكون إلَّا لذَواتِ مَن يعقِل، وهي اسم بدليلِ أنّها تكون فاعلة، نحوَ قولك: "جاءني من قام"، فموضعُ "مَنْ" رفعٌ بأنه فاعل، ومفعولة، نحوَ: "رأيت مَن عندك"، فيكون موضعُها نصبًا بأنه مفعول به كما تكون الأسماءُ كذلك. ولا بد لها من ضمير يعود إليها، وذلك من خصائص الأسماء.
ويدخل عليها حروفُ الجرّ، نحوَ قولك: "مررت بِمَنْ عندك". قال الله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وهي مبنية كما كانت "الَذِي" كذلك, لأنّ ما بعدها من الصلة من
стр. 830
تمامها، فهي بمنزلةِ بعض الاسم، وبعضُ الاسم مبنى لا يستحِق الإعرابَ، وذلك نحوُ
قولك: "جاءني مَن عندك"، أي: الذي عندك. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ (١)، إلَّا أنها تُفارِق "الذي" في أنها لا توصف كما توصف "الذي"، ولا
يوصَف بها كما يوصف بـ "الذي". ألا تراك تقول: "جاءني زيد الذي قام"، و"جاءني
الذي قام الظريف"، فتصف "الذي"، وتصف بها, ولا تفعل ذلك في "مَن"؛ لخروجها
عن شَبَهِ الأسماء المتمكِّنة، وشَبَهِها بالمضمرات بنَقْصِ لفظها. ألا ترى أنّها على حرفَيْن،
والأسماءُ الظاهرة لا تكون على أقل من ثلاثةِ أحرف. فلمّا بعُدتْ من الظاهر، لم
توصَف، ولم يوصَف بها. وليس كذلك "الذي" فإِنها على ثلاثة أحرف، إذ أصلُها "لَذِ"،
مثلُ: "عَم" و"شَج".
فإن قيل: إذا زعمتَ أنها لا تقع إلا على ذواتِ مَن يعقِل، فما تصنع بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٢)، والذي يمشي على بطنه، والذي يمشي على أربع ليسوا من العُقلاء؛ لأنّ الذي يمشي على بطنه من جنسِ الحَيات، والذي يمشي على أربع من جنسِ الأنعام والخيل؟ فالجوابُ أنّه لما خلط ما يعقل وما لا يعقل، غَفبَ جانبَ من يعقل، وذلك أنه قال: "فَمِنهُمْ"، فجمع كنايةَ من يعقل وما لا يعقل بلفظِ ما يعقل، فلمّا كان كنايةُ الجمع الذي فيه ما يعقل وما لا يعقل مثلَ كناية الجمع الذي ليس فيه ما لا يعقل، كان تفصيلُه كذلك، ولِـ "مَن"، مواضعُ غيرُ ذلك تُذكَر فيما بعدُ.
وأمّا "مَا"، فتكون موصولة بمعنى "الذِي"، تحتاج من الصلة إلى مثلِ ما تحتاج وهي مبنيةٌ لِما ذكرناه في "مَنْ"، من أنها هي وما بعدها اسمٌ واحدٌ، فكانت كبعضِ الاسم. وهي تقع على ذواتِ ما لا يعقل وعلى صفاتِ من يعقل. قال الله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ (٣)، أي: يُذاب ما في بطونهم وجلودُهم وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ (٤)، فأوقع "مَا" على ما كانوا يعبدون من الأصنام. وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٥). وقد ذهب بعضهم إلى أنها تقع لِما يعقل بمعنَى "مَنْ"، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ (٦)، وبقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ (٧). وحكى أبو زيد من قول الِعرَب: "سبْحَانَ مَا سَخرَكُن لنا"، فأجرى "مَا" على القديم سبحانه، وهذاَ ونحوُه محمول عَندنا على الصفة، وقد ذكرنا أنّها تقع على صفاتِ من يعقل، فقولُه: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، بمعنَى:
стр. 831
الطَيب منهن. وقولُه: ﴿وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، بمعنَى: البانِي لها في أحدِ القولَين، والقولُ الآخر أن يكون بمعنى المصدر، أي: وبِنائِها. وقولُهم: "سبحانَ ما سخركن لنا" بمعنَى المُسخر، ومهما جاء من ذلك، فمتأوَّلٌ على ما يَرجِعه إلى ما أصّلنا , ولها مواضعُ تُذكر أقسامُها فيها فيما بعدُ، إن شاء الله.
وأما "أَيٌّ"، فإنّها تكون موصولة أيضًا تحتاج إلى كلام بعدها، تتِمّ به اسمًا كاحتياجِ "الذِي" و"مَنْ"، و"مَا"، إذا كانا بمعنَى "الذي". ويعمل فيها ما قبلها من العوامل كما تعمل في "الذي"، فتقول: لأضرِبَن أيَّهُمْ في الدار"، والمعنى "الذي في الدار" منهم، فـ "أيٌّ" بمنزلةِ "الذي"، إلَّا أنها تُفيد تبعيضَ ما أُضيفت إليه، ولذلك لزمتْها الإضافةُ. ألا ترى أنك إذا قلت: "لأضربن الذي في الدار"، لم يكن في اللفظ دلالةٌ على أنّه واحدٌ من جماعة، كما تُفيد "أيٌّ" ذلك؟
وقد تُفرَد ومعناها الإضافة، نحوُ قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١)، والمعنى: أيَّ الاسمَين دعوتَ الله به، فله الأسماء الحسنى.
ولا بدّ من عائد في الجملة التي هي صلةٌ له. ألا تراك تقول: "جاءني ايُّهُم قام أبوه"، والعائدُ الهاء في "أبوه"، وتقول:"لأضربَن أيَّهُم قام غلامُه، وأيَّهُم هو أحسنُ"؟ فإن حذفتَ العائد المرفوع الذي لا يحسُن حذفُه في "الذِي"، بُني على الضم، نحوَ قولك: "لأضربَن أيهُم أحسنُ". قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ (٢)، والمعنى أيَّهُم هو أشدُ.
وإنما بُنيت, لأن القياس فيها أن تكون مبنية على حد نظيرَيْها، وهما "مَنْ"، و"مَا"؛ لأنها إذا كانت استفهامًا، فقد تضمنتْ معنَى همزة الاستفهام؛ وإذا كانت جزاء، فقد تضمنت معنى حرف الجزاء، وهو" إنْ"؛ وإذا كانت خبرًا بمعنَى "الذي" فهي كبعضِ الاسم على ما أصلنا.
وإنما أُعربت لتمكنها بلزوم الإضافة لها حَمْلًا لها على نقيضها ونظيرها، وهو "بَعضٌ" و"كُلٌّ"، فلمّا حُذف العائد المرفوع الذي لا يحسن حذفُه مع "الذي"، دخلها نقصٌ بإزالتها عن ترتيبها، فعادت إلى أصلها. ومقتضَى القياس فيها من البناء كما أنا "مَا" الحِجازيةَ إذا قدُّم خبرُها، أو دخلها الاستثناءُ الناقضُ لمعنَى الجَحْد، رُدّت إلى قياسِ نظيرها في الابتداء، نحوِ: "هَلْ"، و"إنَّمَا" ونحوِهما مما يكون بعده المبتدأ والخبر، وإنما بُني على الضم على التشبيه بـ "قَبْلُ" و"بَعْدُ"، و"يَا زيدُ"؛ لأنّه يكون مُعرَبًا في حال، ومبنيًّا في حال، كما تقول: "جئتُ من قَبْلِ ومن بَعْدٍ"، و"يَا رجلًا"، ثم تقول: "جئت من قبلُ
стр. 832
ومن بعدُ"، إذا أردت المعرفة، و"يَا زيدُ". هذا مذهبُ سيبويه، والكوفيون يُخالِفونه في هذا الأصل (١)، وينصبون "أيًّا" إذا وقع عليها فعلٌ، سواء حذفوا العائد من الصلة، أو لم يحذفوه، ولا فرقَ عندهم بين قولهم: "لأضربَن أيهم هو أفضلُ"، وبين "لأضربَن أيهم أفضلُ" ولا يضمّون "أيهُم" إلَّا في موضعُ رفع، فأمّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ (٢)، فإنهم يقرؤونها بالنصب، حكاه هارونُ القارئ عنهم، وقرأ بها أيضًا، وتأوّلوا الضم على وجوه:
أحدُها: أنه معربٌ، وأنّه رفعٌ بأنه مبتدأ، و"أشَدُّ" الخبرُ، ويكون "أيٌّ" هنا استفهامًا، كأنه اكتفى بالجار والمجرور في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾، كما يُقال: "لأقْتُلَن من كل قَبِيلٍ"، و"لآكُلَنّ من كل طَعام"، ثُم ابتدأ ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، وهو رأيُ الكسائي والفراء، وعلى هذا، لا يكون للجملة التي هي "أيُّهُم أشد" موضعٌ من الإعراب.
والوجهُ الثاني: أن يكون "أيُّهُم" أيضًا استفهامًا على ما ذكرنا، وهو رفعٌ بأنه مبتدأ، وما بعده الخبرُ، والجملةُ في موضع المفعول لقوله: ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾، والنزعُ بمعنى التبيين، فهو قريب من العِلم، فلذلك جاز تعليقُه عن العمل.
والوجه الثالث: أن يكون رفعًا على الحكاية، والمعنى: ثُم لننزعن من كل فَرِيق تَشايَعُوا الذي يُقال فيه: أيُّهم أشدُّ على الرّحمن عتيّا، وهو رأيُ الخليل (٣)، وشبّهه بقول الأخْطَل [من الكامل]:
٤٩١ - [ولَقَد أبيتُ من الفتاة بمنزلٍ] ... فأبِيت لا حَرِجٌ ولا محرومُ
стр. 833
وهذا بابُه الشعر، وفي حال الاختيار عنه مندوحة. ويونسُ (١) يجعله من قبيلِ "أشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ" في تعليق الفعل عن العمل سواء كان من أفعال القلب، أو لا يكون، ويُجيز "لأضربن أيَّهُم هو أفضلُ"، ويُعلق الضرب. وهذا ضعيف؛ لأن التعليق ضربٌ من الإلغاء. ولا يجوز أن يُعلَّق من الأفعال عن العمل إلَّا ما يجوز إلغاؤه، والذي يجوز إلغاؤه أفعالُ القلب، نحوُ: "ظننتُ"، و"علمتُ"، والكوفيون لا يروون "لأضربنّ أيهُم قائمٌ" بالضم، ولا يقولونه إلَّا منصوبًا. ويعضُد ما قالوا ما حكاه الجَرْمي، قال: من حينِ خرجتُ من الخَنْدَق، يعني خندقَ البصرة، حتّى صرتُ إلى مكةَ، لم أسمع أحدًا يقول: "اضرب أيهُم أفضلُ"، أي: كلهم ينصب. وهذه الحكايةُ لا تمنع أن يكون غيرُه سمع خلافَ ما رواه، ويكونَ ما سمعه لغة لبعض العرب. وذلك أنّ سيبويه سمع ذلك وحكاه. ويدل على ذلك قولُه (٢): وسألتُ الخليل عن قولهم: "اضرب أيّهم أفضلُ"، يعني العربَ، وقال: القياسُ هو النصب. وتأوُّلُ الرفع على الحكاية، وأنشد أبو عمرو [من المتقارب]:
٤٩٢ - إذا ما أتَيْتَ بَنِي مالك ... فَسَلمْ على أيهُمْ أفْضَلُ
стр. 834
وهذا نَصٌّ في محل النزاع، ولـ "أيِّ" و"ما" و"مَنْ" أقسامْ تُذكر فيما بعدُ إن شاء الله. وأما "ذُو" فإنّ طَيِّئا تقول: "هذَا ذُو قال ذاك"، يريدون: الذِي قال ذاك. وهي "ذُو" التي بمعنَى "صاحِب"، نقلوها إلى معنَى "الذِي"، ووصلوها بالجملة من الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر التي توصَل بها "الذي"، وبنوها لاحتياجها إلى ما بعدها كما كانت "الذي" مبنية، فقالوا: "هذا زيدٌ ذُو قام"، و"رأيت زيدًا ذو قام"، و"مررت بزيدِ ذو قام أبوه"، فيكون في حال الرفع والنصب والجرّ بالواو.
وهذه الواوُ عينُ الكلمة، وليست علامةَ الرفع. وتقول "مررت بالمرأة ذو قامت، وبالرجلَيْن ذو قاما، وبالرجال ذو قاموا"، فيستوي فيه التثنيةُ والجمع والمؤنث. قال الشاعر [من الوافر]:
٤٩٣ - فإن الماءَ ماءُ أبِي وجَدي ... وبِئْرِي ذُوحَفَرْتُ وذُو طَوَيْتُ
стр. 835
وصف البئر بـ "ذُو" وهي مؤنثة، ومن أبياتِ الحَماسة لمَنْظُور بن سحُيَمْ [من الطويل]:
٤٩٤ - فإمَّا كِرامٌ مُوسِرُون أتَيْتُهُمْ ... فحَسْبِيَ من ذُو عِنْدَهُمْ ماكَفانِيَا
أي: مِن الذي عندهم، ووَصَلَه بالظرف كما تَصِل "الذِي" به في قولك: "جاءني الذي عندهم"، فأمَّا قوله [من الطويل]:
لَئِنْ لم تُغَيرْ بعضَ ما قد صَنَعْتُمُ ... لأنْتَحِيَنْ للعَظْمِ ذُو أنا عَارِقُهْ (١)
стр. 836
وقبلَه:
حَلَفْتُ بِهَدي مُشْعَر بَكَراتُهُ ... تَخُبُّ بصَحراءِ الغَبِيطِ دَرادِقُهْ
فالبيت لعَارِق الطائي، وعارقٌ لقبٌ غلب عليه، لُقِّب بذلك لقوله في آخِرِ البيت: "ذُو أنا عارِقُهْ". واسمُه قَيْس بن جِرْوَةَ بن سَيْف بن مالِك بن عمرو بن أبان. ويُروى: "لَئن لم يُغيرْ"، ويروى: "لأنْتَحِيَن العَظْمَ". والشاهد فيه جعلُ "ذُو" بمعنَى "الذِي" ووصلُها بالمبتدأ والخبر. وقولُه: "لَئِنْ" فيما بين القَسَم والمُقسَم عليه تَوْطئةٌ للقسم، وجوابُ القسم "لأنتحين للعظم". يقول: آلَيْتُ إن لم تُغير بعضَ صَنِيعك، لأقصِدن في مُقابَلته كَسرَ العَظم الذي صرتُ أعْرُقُه، أي: أنتزعُ اللحمَ منه. جعل شَكْواه كالعَرْق، وجعل ما بعده إن لم يُغير مُعامَلتَه تأثيرًا في العَظم نفسِه. وهذا وَعِيدٌ.
وذهب بعضهم إلى أنك تقول في المؤنث: "ذاتُ قالت ذاك"، وفي التثنية، والجمع، ويكون مضمومًا في كل حال. وحُكي أنّه يجوز أن تقول في جماعةِ المؤنث: "ذَواتُ قلن"، وفي ذلك دلالةُ أنه منقول من "ذِي" التي بمعنَى "صاحب". والفرق بين "ذُو" التي بمعنَى "الذِي" على لغةِ طيِّئ وبين "ذُو" التي بمعنَى صاحب من وجوه:
منها أن "ذُو" في لغةِ طيىء توصَل بالفعل، ولا يجوز ذلك في "ذُو" التي بمعنى "صاحب".
ومنها أن "ذُو" في مذهبِ طيىء لا يوصَف بها إلَّا المعرفةُ، والتي بمعنَى "صاحب" يوصف بها المعرفة والنكرة. إن أضفتَها إلى نكرة، وصفت بها النكرة، وإن أضفتها إلى معرفة، صارت معرفة، ووصفت بها المعرفة، وليست "ذُو" التي بمعنَى "الذِي" كذلك؛ لأنها مُعرَّفةٌ بالصلة على حد تعريفِ "مَن"، و"مَا". ومنها أن التي في لغةِ طيىء لا يجوز فيها "ذَا" ولا "ذِي"، ولا تكون إلَّا بالواو، تقول: "مررت بالرجل ذُو قال"، أي: "الذي قال"، و"رأيت الرجلَ ذُو قال"، وليس كذلك التي بمعنَى "صاحب"، فاعرفه.
فأمّا "ذَا" من قولك: "مَاذَا صنعتَ" فهي على وجهَينَ:
أحدُهما: أن تكون "مَا" استفهامًا، وهي اسم تام مرفوعُ الموضع بالابتداء، و"ذَا" خبرُه، وهي بمعنَى "الذي"، وما بعده من الفعل والفاعل صلتُه، والعائدُ محذوف، والتقديرُ: صنعتَهُ.
والوجه الثاني: أن تجعل "مَا"، و"ذَا" جميعًا بمنزلةِ "مَا" وحدَها، وتكون قد ركّبت من كلمتَين كلمة واحدةَ، نحوَ: "إنمَا"، و"حَيْثُمَا" ونحوِهما من المركبة، وتكون "مَا" مع "ذَا" في موضعِ نصب بـ "صَنَعْتَ"، ويكون جوابُ الأول مرفوعًا، وجواب الثاني منصوبًا؛ لأن الجواب بدلٌ من السؤال. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (١)، قرئ
стр. 837
برفعِ "العفو" ونصبِه (١)، فالرفعُ على أن يكون "ذَا" بمعنَى "الذي"، والمعنى: مَا الذي ينفقونه. قال الشاعر [من الطويل]:
٤٩٥ - ألَا تَسْألانِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ ... أنَحْب فيُقضَى أمْ ضَلالٌ وباطِلُ؟!
والنصب على تركيبِ "مَا"، و"ذَا"، وجعلِهما معا كلمةَ واحدةَ في موضع منصوب بالفعل بعدهما، قال الله تعالى: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ (٢).
فإن قيل: فهلَّا كانت "ذَا" في قولك "مَاذَا صنعتَ؟ " زائدة مُلغاةَ. قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه لو كانت "ذَا" زائدة، لقلتَ في الجواب: "عَم ذَا تسألُ؟ " بحذفِ ألفِ "مَا"، كما تقول "عَمِّ تسألُ؟ " لأن "مَا" إذا كانت استفهامًا، ودخل عليها حرفُ الجرّ، حُذفت ألُفها، نحوَ قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ (٣) و ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (٤)، فلمّا ثبتت
стр. 838
الألف، وقلتَ: "عَمّا ذَا تسأل؟ "؛ دل على أنهما رُكّبا تركيبَ "إنَّمَا"، وصارت الألفُ حَشْوًا.
والثاني: لو كانت مُلغاة، لكان التقديرُ في "مَاذَا تصنعُ؟ ": ما تصنعُ؟ وتكون في موضعِ نصب. فلمّا قال [من الطويل]:
أنَحب فيُقْضَى أم ضلالٌ وباطلُ
فأبدل المرفوعَ من "مَا" دل أنّها مرفوعة بالابتداء، والخبرُ "ذَا"، والفعلُ صلة على ما ذُكر.
فصل [صلة الموصول والعائد]
قال صاحب الكتاب: والموصول ما لا بُدّ له في تمامه إسماً من جملة تردفه من الجمل التي تقع صفات، ومن ضمير فيها يرجع إليه. وتسمى هذه الجملة صلة، ويسميها سيبويه الحشو (١). وذلك قولك "الذي أبوه منطلق زيد"، و"جاءني من عهده عمرو". واسم الفاعل في "الضارب" في معنى الفعل, وهو مع المرفوع به جملة واقعة صلة للام, ويرجع الذكر منه إليه, كما يرجع إلى "الذي".
* * *
قال الشارح: الموصول ما لا يتِم حتى تَصِلَه بكلام بعده تامِّ، فيصير مع ذلك الكلام اسمًا تامًا بإزاء مسمَّى، فإذا قلت: "جاءني الرجلُ الذي قام"، فـ "الذِي" وما بعده في موضعِ صفةِ "الرجل" بمعنَى: القائم. وإذا قلت: "جاءني مَن قام"، فـ "مَنْ" وما بعدها في موضعِ اسم معروفِ غيرِ صفة، فمنزلةُ "الذِي"، ونحوه من الموصولات وحدَه منزلةُ حرف من الكلمة، من حيث كان لا يفهَم معناه إلَّا بضم ما بعده إليه، فصار لذلك من مُقدماته، ولذلك كان الموصول مبنيًّا، فالموصول وحدَه اسم ناقص، أي: ناقصُ الدلالة، فإذا جئتَ بالصلة، قيل: مَوْصُول حينئذٍ.
وقوله: "لا بد له في تمامه اسمًا من جملةٍ تردفه"، أي: تتبعه، وكلُّ شيء يتبع شيئًا فقد رَدِفَه.
وقوله "من الجمل التي تقع صفات"، يريد من الجمل التي تُوضِح وتُبين، وهي الجملُ المتمكنة في باب الخبر، وصلح فيها أن يقال فيه: صِدْقٌ، أو كِذْبٌ، وجاز أن تقع صفةَ للنكرة. فأمّا الاستفهامُ فلا يجوز أن يُوصَل به "الذِي" وأخواتُها لا يجوز "جاءني الذي أَزَيْدٌ أبوه قائمٌ"، وكذلك الأمرُ والنهيُ، لِما ذكرناه من أنها لا تقع صفة للنكرة، إذ كانت لا تحتمِل الصدقَ والكذبَ.
стр. 839
وجملةُ الأمر أن الصلة بأربعةِ أشياء: الفعلِ والفاعل، والمبتدأ والخبر، والشرطِ وجوابه، والظرفِ. ولا بد في كل جملة من هذه الجمل من عائد يعود منها إلى الموصول، وهو ضميرُ ذلك الموصول ليربِط الجملةَ بالموصول، ويُؤذِنَ بتعلُّقها بالموصول، إذ كانت الجملة عبارة عن كل كلام تام قائم بنفسه. فإذا أتيتَ فيها بما يتوقف فهمُه على ما قبله، آذَنَ بتعلُّقها به. فمِثالُ وَصْلك بالفعل قولُك: "جاءني الذي قام"، فـ "الذِي" الموصولُ، و"قَامَ" الصلةُ، والعائد الفاعل، وهو ضميرُ الموصول، واستتر في الفعل؛ لأنه له. ولو كان لغيره، لم يستتر، نحوَ "الذي قام غلامُه زيدٌ".
وسواءٌ في الفعل الفعلُ اللازم والمتعدي، والحقيقي وغيرُ الحقيقي، نحو"كَانَ"، و"لَيْسَ"، فمثالُ اللازم ما تقدم من قولنا: "جاءني الذي قام، والذي قام غلامُه"، ومثالُ المتعدي "جاءني الذي ضرب زيدًا، والذي أعطَى عمرًا درهمًا، والذي ظَن زيدًا قائمًا، والذي أَعْلَمَ عمرًا زيدًا خيرَ الناس". فَـ "الذِي" هو الموصول، و"ضَرَبَ زيدًا" هو الصلة، والعائدُ الفاعل المستتر في "ضرب". وكذلك الباقي، الصلةُ الفعل وما يتبعُه من الفاعل والمفعولين.
ومثالُ وَصْلك بالفعل غير الحقيقي قولُك: "جاءني الذي كان قائمًا، والذي ليس قائمًا"، فـ "كَانَ" واسمها وخبرها الصلةُ، والعائدُ الاسم المستتر، ولا فرقَ في ذلك بين أن تكون الجملة إيجابًا، أو سَلبًا. فمثالُ الإيجاب: "الذي قام زيدٌ"، ومثال السلب: "الذي ما قام زيدٌ". وتقول في الموصول بالمبتدأ والخبر: "جاءني الذي أبوه قائمٌ"، فـ "الذي" اسمٌ موصولٌ، و"أبوه قائمَ لما الصلةُ، والعائدُ الهاء في "أبوه". ومثلُه: "جاءني الذي هو قائم"، فقولُك: "هو قائمٌ" صلة، و"هُوَ" العائدُ إلى الموصول، ومثالُ وَصْلك بالشرط والجزاء قولك: "جاءني الذي إنْ تَأْتِه يَأتِك عمرو"، فقولك: "إن تأته يأتك عمرو" صلة، والعائدُ الهاء في "تأته".
واعلمْ أن كل واحد من الشرط والجزاء جملة فعلية تامة، فلمّا دخل عليهما حرفُ الشرط ربطهما وجعلهما كجملة واحدة في افتقار كل واحدة من الجملتَيْن إلى الأخرى، كافتقار المبتدأ إلى الخبر، فالجملةُ الأولى التي هي شرط بمنزلة المبتدأ، والجملةُ الثانية التي هي جزاءٌ كالخبر. وإذا كان كذلك، فأنتَ بالخيار في إلحاقِ العائد: إن شئت أتيت به في الجملة الأولى، نحوَ ما تقدم من قولك: "جاءني الذي إن تأته يأتك عمرٌو". فالعائدُ الهاء في "تَأتِهِ". وإن شئت أتيت به في الجملة الثانية، نحوَ قولك: "جاءني الذي إِن تُكرِمْ زيدًا يَشْكُرْك"، فالعائدُ المضمر في "يشكرك". فإن جئت بالضمير فيهما، فأحسنُ شيء، نحوَ قولك: "جاءني الذي إن تَزُرْه يُحْسِنْ إليك"، فالعائدُ الأول الهاء المنصوبة في "تزره"، والآخَرُ الضمير المرفوع في "يحسن إليك"، كما يكون في المبتدأ والخبر إذا كانا صلة كذلك، إن شئت أتيت بالعائد مع المبتدأ وحدَه، نحوَ: "جاءني الذي أبوه قائم"،
стр. 840
وإن شئت أتيت به مع الخبر وحدَه، نحوَ: "الذي أخوك غلامُه زيد"، وإن شئت أتيت به معهما، نحوَ: "الذي أبوه أخوه زيد"، و"الذي عَمُّه خالُه عمرٌو".
وأما الصلة إذا كانت ظرفًا، أو جارًا ومجرورًا؛ فنحو: "الذي عندك زيدٌ"، و"الذي في الدار خالد". واعلم أن الظرف إذا وقع صلة، فإنه يتعلق بفعل محذوف، نحو: "استَقَرَّ" أو"حَل" ونحوِه، ولا يتعلق باسمِ فاعل؛ لأن الصلة لا تكون بمفرد، إنّما تكون بجملة.
وأكثرُ النحويين يسمي هذه الجملة صِلَة، وسيبويه يسمّيها حَشوًا. فالصلَةُ مصدر كالوَصل من قولك: "وَصَلت الشيءَ وَصلًا وصِلَةً". والمراد أن الجملة وَصْلٌ له، فأمّا تسميةُ سيبويه لها حَشوًا، فمن معنى الزيادة، أي أنها ليست أصلاً، وإنما هي زيادةٌ يُتمم بها الاسم، ويُوضَح بها معناه. ومنه: "فُلان من حَشوِ بني فُلان"، أي: من أَتْباعهم، وليس من صَمِيمهم.
وقوله: "واسم الفاعل في "الضارب" في معنى الفعل"، قد تقدم القول: إن الألف واللام بمعنى "الذي"، واسمَ الفاعل بمعنى الفعل. وذلك أنّهم أرادوا أن يصفوا بالجملة الفعلية المعرفةَ كما وصفوا بها النكرةَ، فلم يُمْكِنهم ذلك لتنافيهما في التعريف والتنكير، فجاؤوا بالألف واللام، ونَوَوهما بمعنَى "الذي" ولم يمكن إدخالُهما على لفظ الفعل، لأنهما من خصائصِ الأسماء، فحولوا لفظَ الفعل إلى لفظِ اسم الفاعل، فصار اسمًا في اللفظ، وهو فعلٌ في الحكم والتقدير، وفيه ضمير يعود إلى الألف واللام، إذ كانت في تأويلِ "الذي". والصوابُ أنّه عائدٌ إلى مدلولِ الألف واللام، وهو الموصوف باسم الفاعل، واسمُ الفاعل، مع ما فيه من الضمير المرفوع، في تقدير الجملة كسائر الصلات.
قال صاحب الكتاب: وقد يحذف الراجع كما ذكرنا, وسمع الخليل عربياً يقول: "ما أنا بالذي قائل لك شيئاً" (١) , وقريء: ﴿تماماً على الذي أحسن﴾ (٢) , بحذف شطر الجملة. وقد جاءت "التي" في قولهم "بعد اللتيا والتي" (٣) محذوفة الصلة بأسرها,
стр. 841
والمعنى بعد الخطة التي من فظاعة شأنها كيت وكيت. وإنما حذفوا ليوهموا أنها بلغت من الشدة مبلغاً تقاصرت العبارة عن كنهه.
* * *
قال الشارح: اعلم أنهم قد حذفوا الرَّواجع من الصلة، وكثُر ذلك عندهم، حتى صار قياسًا. وليس حذفُها دون إثباتها في الحُسْن، وقد جاء الأمران في كتاب الله تعالى، نحو قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (١) والمراد: بَعَثَهُ، وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢)، فأتى بالعائد، وهو الهاء. وإنما حذفوا العائد من الصلة؛ لأن "الذِي"، وما بعده من الفعل والفاعل والمفعول جميعًا كاسم واحد، وكذلك كل موصول يكون هو وصِلَتُه كاسم واحد، فكأنهم استطالوا الاسمَ، وأن يكون أربعةُ أشياء كشيء واحد، فكرهوا طُولَه، كما كرهوا طولَ "اشْهِيبَاب"، و"احْمِيرار"، فخفّفوه بحذف الياء، وقالوا: "اشْهِباب"، و"احْمِرار". كذلك لما استطالوا الاسم بصلته، حذفوا من صلته العائدَ تخفيفًا.
وإنما حذفوا الراجع دون غيره من الصلة، إذ لم يكن سبيل إلى حذف الموصول، لأنه هو الاسمُ، ولا إلى حذف الفعل، لأنه هو الصلةُ، ولا إلى حذف الفاعل, لأن الفعل لا يَستغني عنه، فحذفوا الراجع.
ولا يُحذف هذا الراجع إلَّا بمجموع ثلاث شرائط: أحدُها: أن يكون ضميرًا منصوبًا، لا ضميرًا مرفوعًا, ولا مجرورًا, لأن المفعول كالفضلة في الكلام، والمستغنى عنه، وأن يكون الراجعُ متصلًا، لا منفصلًا لكثرةِ حروف المنفصل، وأن يكون على حذفه دليلٌ، وذلك أن يكون ضميرًا واحدًا، لا بدّ للصلة منه، فتقول: "الذي ضربتُ زيد"، فتحذف العائد الذي هو الهاء؛ لأن الكلام والصلة لا يتم إلَّا بتقديره. ولو قلت: "الذي ضربتُه في داره زيد"، لم يجز حذفُ الهاء؛ لأن الصلة تتم بدونه، فلا يكون في اللفظ ما يدل عليه.
وقد حذفوا العائد على الموصول، إذا كان مبتدأ، نحوَ قولك: "جاءني الذي ضاربٌ زيدًا"، والمراد: الذي هو ضارب، وحكى صاحبُ الكتاب عن الخليل: "مَا أنا
стр. 842
بالذي قائلٌ لك شيئًا"، أي: الذي هو قائلٌ، ومن ذلك قراءةُ بعضهم ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (١) برفعِ "بعوضة" كأنه جعل "مَا" موصولة بمعنَى "الذي"، والمرادُ أن الله لا يَستحيي أن يَضرِبَ مَثَلًا الذي هو بعوضة، ومثلُه قراءةُ بعضهم: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (٢) أي الذي هو أحسنُ، ومثله قوله [من المنسرح]:
٤٩٦ - لَمْ أَرَ مِثْلَ الفِتْيَانِ في غِيَرِ ... الأَيامِ يَنْسَوْنَ ما عَواقِبُها
أي: ينسون الذي هو عواقبُها. وحذفُ الضمير من هذا ضعيف جدًّا؛ لأن العائد هنا شَطْرُ الجملة، وليس فضلةَ كالهاء في قولك: "الذي كلمتُه". والذي سَهلَه قليلاً العِلمُ بموضعه إذ كانت الصلة لا تكون بالمفرد.
وقد جاءت الصلة محذوفة بالكلية، وذلك شاذ في الاستعمال والقياس. أمّا قِلتُه في الاستعمال، فظاهر، وأمّا في القياس؛ فلأن الصلة هي الصفة في المعنى. وإنّما جيء بـ "الذي" وُصلة إلى ذلك، فلا يسوغ حذفها؛ لأن فيه تفويتَ المقصود، كما لا يجوز حذفُ الصفة من المُبهَم في قولك: "يَا أَيُّها الرجلُ"؛ لأنه هو المقصود بالنداء، و"أَيٌّ" وُصلة إلى ذلك.
فمن ذلك قولُهم في المَثَل: "بَعْدَ اللتَيَّا والتِي" (٣)، بحذفِ الصلة من كل واحد
стр. 843
منهما؛ لأن الغرض أن هذه الخُطة لعِظَمها وفخامةِ أمرها موصوفة بصغيرِ المكروه وعظيمِه. وقيل: (اللتَيا)، و"التِي" من أسماء الداهية كأنها سُميت بالموصول دون الصلة. وأما قول الشاعر، أنشده أبو عثمان [من الرجز]:
٤٩٧ - حَتى إِذَا كانا هُما اللذَيْنِ ... مِثْلَ الجَدِيلَيْنِ المُحَمْلَجَيْنِ
فإنه شبه الذِي بـ "مَنْ" و"مَا"، فحذف صلتَها ووصفها كما يُفعل بـ "مَن" و"مَا". فأمَا على أصل الكوفيين، فإنّهم يجعلون "الذي" هنا موصولة على بابها، ويصلونها بـ "مِثْل"؛ لأنهم يجرونها مُجرى الظرف.
فصل [تخفيف الموصول]
قال صاحب الكتاب: و"الذي" وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل, وحق الجملة التي يوصل بها أن تكون معلومة للمخاطب, كقولك: "هذا الذي قدم من الحضرة", لمن بلغه ذلك.
* * *
قال الشارح: قد تقدم القول: إن "الذِي" إنما أُتي بها توصُّلاَ إلى وصف المعارف بالجُمَل حين احتاجوا إلى وصفها بالجمل كما كانت النكراتُ كذلك. وينبغي أن تكون الجملة التي تقع صلة معلومة عند المخاطب؛ لأن الغرض بها تعريفُ المذكور بما يعلمُه المخاطب من حاله، ليصح الإخبارُ عنه بعد ذلك، والصلةُ تُخالِف الخبرَ؛ لأنِّ الخبر ينبغي أن يكون مجهولًا عند المخاطب, لأن الغرض من الخبر إفادةُ المخاطب شيئًا من أحوالِ مَن يعرفه. فلو كان ذلك معلومًا عنده، لم يكن مُفيدًا له شيئًا، فلذلك لا تقول: "جاءني الذي قام"، إلَّا لمن عرف قيامَه، وجهل مجيئَه؛ لأن "جاءَ" خبرٌ، و "قَام" صلة.
стр. 844
وكذلك لا تقول: "أَقْبَلَ الذي أبوه منطلق"، إلاّ لِمن عرف انطلاقَ أبيه، وجهل إقبالَه، فاعرف ذلك.
قال صاحب الكتاب: ولا ستطالتهم إياه بصلته مع كثرة الإستعمال خففوه من غير وجه, فقالوا: ""اللذ" بحذف الياء, ثم "اللذ" بحذف الحركة، ثم حذفوه رأساً, واجتزؤا عنه بالحرف الملتبس به, وهو لام التعريف. وقد فعلوا مثل ذلك بمؤنثه, فقالوا "اللّتِ" و"اللَّتْ" و"الضاربته هندٌ" بمعني "التي ضربته هندٌ". وقد حذفوا النون من مثناه ومجموعه, قال الفرزدق (١) [من الكامل]:
٤٩٨ - أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
وقال [من الطويل]:
٤٩٩ - وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... [هم القوم كل القوم يا أم خالد]
стр. 845
وقال تعالى: ﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ (١).
* * *
قال الشارح: قد تقدم أنهم استطالوا الاسم الموصول بصلته، ولاستطالتهم إياه تجزؤوا على تخفيفه من غيرِ جهة واحدة، فتارةً حذفوا الياء منها، واجتزؤوا بالكسرة منها، وقالوا: "اللَّذِ". وتارة يحذفون الياء والكسرة معًا؛ لأنه أبلغُ في التخفيف، فإذا غالَوْا في التخفيف، حذفوا "الذي" نفسَها، واقتصروا على الألف واللام التي في أولها، وأقاموها مقامَ "الذي"، ونووا ذلك فيها, ولم يمكن إدخالُها على نفس الجملة، لأنها من خصائصِ الأسماء، فحولوا لفظ الفعل إلى لفظ اسم الفاعل، وأدخلوا عليه اللامَ، وهم يريدون "الذي"، وقد تقدم ذلك.
وقد فعلوا في المؤنْث مثلَ ذلك، فقالوا: "اللَّتِ"، بكسر التاء، وَ"اللَّتْ" بسكونها، كما كان في المذكّر كذلك، وقالوا:"الضاربتُه هندٌ"، والمراد "التي ضربتْه"، فحذفوا "التي"، واجتزؤوا بالألف واللام، وحَولوا لفظ الفعل إلى اسم الفاعل مبالغة في التخفيف.
وقد حذفوا النون أيضًا تخفيفًا من مثناه ومجموعه، فقالوا: "جاءني اللَّذَا قاما،