والمعنى بعد الخطة التي من فظاعة شأنها كيت وكيت. وإنما حذفوا ليوهموا أنها بلغت من الشدة مبلغاً تقاصرت العبارة عن كنهه.
* * *
قال الشارح: اعلم أنهم قد حذفوا الرَّواجع من الصلة، وكثُر ذلك عندهم، حتى صار قياسًا. وليس حذفُها دون إثباتها في الحُسْن، وقد جاء الأمران في كتاب الله تعالى، نحو قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (١) والمراد: بَعَثَهُ، وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢)، فأتى بالعائد، وهو الهاء. وإنما حذفوا العائد من الصلة؛ لأن "الذِي"، وما بعده من الفعل والفاعل والمفعول جميعًا كاسم واحد، وكذلك كل موصول يكون هو وصِلَتُه كاسم واحد، فكأنهم استطالوا الاسمَ، وأن يكون أربعةُ أشياء كشيء واحد، فكرهوا طُولَه، كما كرهوا طولَ "اشْهِيبَاب"، و"احْمِيرار"، فخفّفوه بحذف الياء، وقالوا: "اشْهِباب"، و"احْمِرار". كذلك لما استطالوا الاسم بصلته، حذفوا من صلته العائدَ تخفيفًا.
وإنما حذفوا الراجع دون غيره من الصلة، إذ لم يكن سبيل إلى حذف الموصول، لأنه هو الاسمُ، ولا إلى حذف الفعل، لأنه هو الصلةُ، ولا إلى حذف الفاعل, لأن الفعل لا يَستغني عنه، فحذفوا الراجع.
ولا يُحذف هذا الراجع إلَّا بمجموع ثلاث شرائط: أحدُها: أن يكون ضميرًا منصوبًا، لا ضميرًا مرفوعًا, ولا مجرورًا, لأن المفعول كالفضلة في الكلام، والمستغنى عنه، وأن يكون الراجعُ متصلًا، لا منفصلًا لكثرةِ حروف المنفصل، وأن يكون على حذفه دليلٌ، وذلك أن يكون ضميرًا واحدًا، لا بدّ للصلة منه، فتقول: "الذي ضربتُ زيد"، فتحذف العائد الذي هو الهاء؛ لأن الكلام والصلة لا يتم إلَّا بتقديره. ولو قلت: "الذي ضربتُه في داره زيد"، لم يجز حذفُ الهاء؛ لأن الصلة تتم بدونه، فلا يكون في اللفظ ما يدل عليه.
وقد حذفوا العائد على الموصول، إذا كان مبتدأ، نحوَ قولك: "جاءني الذي ضاربٌ زيدًا"، والمراد: الذي هو ضارب، وحكى صاحبُ الكتاب عن الخليل: "مَا أنا
стр. 842
بالذي قائلٌ لك شيئًا"، أي: الذي هو قائلٌ، ومن ذلك قراءةُ بعضهم ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (١) برفعِ "بعوضة" كأنه جعل "مَا" موصولة بمعنَى "الذي"، والمرادُ أن الله لا يَستحيي أن يَضرِبَ مَثَلًا الذي هو بعوضة، ومثلُه قراءةُ بعضهم: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (٢) أي الذي هو أحسنُ، ومثله قوله [من المنسرح]:
٤٩٦ - لَمْ أَرَ مِثْلَ الفِتْيَانِ في غِيَرِ ... الأَيامِ يَنْسَوْنَ ما عَواقِبُها
أي: ينسون الذي هو عواقبُها. وحذفُ الضمير من هذا ضعيف جدًّا؛ لأن العائد هنا شَطْرُ الجملة، وليس فضلةَ كالهاء في قولك: "الذي كلمتُه". والذي سَهلَه قليلاً العِلمُ بموضعه إذ كانت الصلة لا تكون بالمفرد.
وقد جاءت الصلة محذوفة بالكلية، وذلك شاذ في الاستعمال والقياس. أمّا قِلتُه في الاستعمال، فظاهر، وأمّا في القياس؛ فلأن الصلة هي الصفة في المعنى. وإنّما جيء بـ "الذي" وُصلة إلى ذلك، فلا يسوغ حذفها؛ لأن فيه تفويتَ المقصود، كما لا يجوز حذفُ الصفة من المُبهَم في قولك: "يَا أَيُّها الرجلُ"؛ لأنه هو المقصود بالنداء، و"أَيٌّ" وُصلة إلى ذلك.
فمن ذلك قولُهم في المَثَل: "بَعْدَ اللتَيَّا والتِي" (٣)، بحذفِ الصلة من كل واحد
стр. 843
منهما؛ لأن الغرض أن هذه الخُطة لعِظَمها وفخامةِ أمرها موصوفة بصغيرِ المكروه وعظيمِه. وقيل: (اللتَيا)، و"التِي" من أسماء الداهية كأنها سُميت بالموصول دون الصلة. وأما قول الشاعر، أنشده أبو عثمان [من الرجز]:
٤٩٧ - حَتى إِذَا كانا هُما اللذَيْنِ ... مِثْلَ الجَدِيلَيْنِ المُحَمْلَجَيْنِ
فإنه شبه الذِي بـ "مَنْ" و"مَا"، فحذف صلتَها ووصفها كما يُفعل بـ "مَن" و"مَا". فأمَا على أصل الكوفيين، فإنّهم يجعلون "الذي" هنا موصولة على بابها، ويصلونها بـ "مِثْل"؛ لأنهم يجرونها مُجرى الظرف.
فصل [تخفيف الموصول]
قال صاحب الكتاب: و"الذي" وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل, وحق الجملة التي يوصل بها أن تكون معلومة للمخاطب, كقولك: "هذا الذي قدم من الحضرة", لمن بلغه ذلك.
* * *
قال الشارح: قد تقدم القول: إن "الذِي" إنما أُتي بها توصُّلاَ إلى وصف المعارف بالجُمَل حين احتاجوا إلى وصفها بالجمل كما كانت النكراتُ كذلك. وينبغي أن تكون الجملة التي تقع صلة معلومة عند المخاطب؛ لأن الغرض بها تعريفُ المذكور بما يعلمُه المخاطب من حاله، ليصح الإخبارُ عنه بعد ذلك، والصلةُ تُخالِف الخبرَ؛ لأنِّ الخبر ينبغي أن يكون مجهولًا عند المخاطب, لأن الغرض من الخبر إفادةُ المخاطب شيئًا من أحوالِ مَن يعرفه. فلو كان ذلك معلومًا عنده، لم يكن مُفيدًا له شيئًا، فلذلك لا تقول: "جاءني الذي قام"، إلَّا لمن عرف قيامَه، وجهل مجيئَه؛ لأن "جاءَ" خبرٌ، و "قَام" صلة.
стр. 844
وكذلك لا تقول: "أَقْبَلَ الذي أبوه منطلق"، إلاّ لِمن عرف انطلاقَ أبيه، وجهل إقبالَه، فاعرف ذلك.
قال صاحب الكتاب: ولا ستطالتهم إياه بصلته مع كثرة الإستعمال خففوه من غير وجه, فقالوا: ""اللذ" بحذف الياء, ثم "اللذ" بحذف الحركة، ثم حذفوه رأساً, واجتزؤا عنه بالحرف الملتبس به, وهو لام التعريف. وقد فعلوا مثل ذلك بمؤنثه, فقالوا "اللّتِ" و"اللَّتْ" و"الضاربته هندٌ" بمعني "التي ضربته هندٌ". وقد حذفوا النون من مثناه ومجموعه, قال الفرزدق (١) [من الكامل]:
٤٩٨ - أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
وقال [من الطويل]:
٤٩٩ - وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... [هم القوم كل القوم يا أم خالد]
стр. 845
وقال تعالى: ﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ (١).
* * *
قال الشارح: قد تقدم أنهم استطالوا الاسم الموصول بصلته، ولاستطالتهم إياه تجزؤوا على تخفيفه من غيرِ جهة واحدة، فتارةً حذفوا الياء منها، واجتزؤوا بالكسرة منها، وقالوا: "اللَّذِ". وتارة يحذفون الياء والكسرة معًا؛ لأنه أبلغُ في التخفيف، فإذا غالَوْا في التخفيف، حذفوا "الذي" نفسَها، واقتصروا على الألف واللام التي في أولها، وأقاموها مقامَ "الذي"، ونووا ذلك فيها, ولم يمكن إدخالُها على نفس الجملة، لأنها من خصائصِ الأسماء، فحولوا لفظ الفعل إلى لفظ اسم الفاعل، وأدخلوا عليه اللامَ، وهم يريدون "الذي"، وقد تقدم ذلك.
وقد فعلوا في المؤنْث مثلَ ذلك، فقالوا: "اللَّتِ"، بكسر التاء، وَ"اللَّتْ" بسكونها، كما كان في المذكّر كذلك، وقالوا:"الضاربتُه هندٌ"، والمراد "التي ضربتْه"، فحذفوا "التي"، واجتزؤوا بالألف واللام، وحَولوا لفظ الفعل إلى اسم الفاعل مبالغة في التخفيف.
وقد حذفوا النون أيضًا تخفيفًا من مثناه ومجموعه، فقالوا: "جاءني اللَّذَا قاما،
стр. 846
والَّذِي قاموا"، والمراد: "اللَّذان، والّذِينَ"، فحذفوا النون تخفيفًا لطُولِ الاسم بالصلة، فأمّا قول الفَرَزْدَق [من الكامل]:
أبنِي كليب إن عَمّي اللذا ... إلخ
فإن الشاهد فيه حذفُ النون من "اللَّذان" وقوله: "اللَّذَا" يفخَر على جَرِير، وهو من بني كُلَيب بن يَربوع، بمن اشتهر من بني تَغلِبَ كعمرو بن كُلثوم قاتلِ عمرو بن هِند الملك، وعصِم (١) بن الْنُعمان بن مالك بن عَتاب أبي حَنَش بن حنش قاتلِ شُرَحْبِيل بن عمرو بن حُجْر يومَ الكُلاب الأول، وغيرِهما من ساداتِ تغلب. وقيل أراد بعَمَّيه هُذَيلَ بن هُبَيْرَة التغلبي الشاعر، والهذيلَ بن عِمرانَ الأصفَر الذي كان أخًا لأُمه. وأمّا قول الآخر [من الطويل]:
وإن الذي حانت بِفَلج دَماؤُهم ... هُمُ القَومُ كُل القومِ يا أُمّ خالِدِ
فإن البيت للأشهَب بن رُمَيلَة، ويروى: زُمَيلَة بالزاي. والشاهدُ فيه حذف النون من "الّذين" استخفافًا على ما تقدم، والذي يدل أنه أراد الجمعَ قولُه:"دماؤهم"، فعَودُ الضمير من الصلة بلفظ الجمع، يدل أنه أراد الجمع. ومثلُه قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ (٢) والمراد: "الذين"، لقوله: "خاضوا". ويجوز أن يكون "الذي" واحدًا، وُيؤدي عن الجمع. فإن عاد الضمير بلفظ الواحد، فنَظَرًا إلى اللفظ، وإن عاد بلفظ الجمع، فبالحمل على المعنى على حدِّ "مَن". ومثلُه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٤)، فعاد الضمير مرّةَ بلفظ الواحد، ومرّة بلفظ الجمع حَملاَ على المعنى. وهو يرثي قومًا قُتلوا بفلْج، وهو موضع معروف بين البصرة وضَرِيَّة، وهو مذكر مصروف.
فصل [الإخبار بـ "الذي "]
قال صاحب الكتاب: ومجال "الذي" في باب الإخبار أوسع من مجال اللام التي بمعناه حيث دخل في الجملتين الاسمية والفعلية جميعاً، ولم يكن للام مدخل إلا في الفعلية، وذلك قولك إذا أخبرت عن زيد في "قام زيدٌ" و"زيدٌ منطلقٌ": "الذي قام زيدٌ"، و"الذي هو منطلق زيد"، و"القائم زيدٌ", ولا تقول: "الهو منطلق زيد", والإخبار عن كل اسم في جملة سائغٌ إلا إذا منع مانع.
* * *
قال الشارح: الإخبار ضرب من الابتداء والخبرِ تُصدّر فيه بـ "الذِي" أو بالألف
стр. 847
واللام بمعناها، وقد ذكرنا أن "الذِي" إذا تَم بصلته، كان اسمًا مفردًا كـ"زيد" و"عمرو" لا يُفيد إلّا بضمِّ جزء آخرَ إليه. فإذا قيل لك: أَخْبِر عن اسم من الأسماء، فالمرادُ أَلْحِقِ الكلامَ "الذِي" أو الألفَ واللام، واجعلهما في موضعِ مبتدأ، وانزع ذلك الاسمَ من مكانه الذي كان فيه، وضَعْ موضعَه ضميرًا يقوم مقامَه، يكون راجعًا إلى "الذي"، أو إلى الألف واللام، واجعلْ ذلك الاسمَ خبرًا.
مثالُ ذلك إذا قيل لك: أَخْبِرْ عن زيد من قولك: "قام زيدٌ" بـ "الذِي"، قلتَ: "الذي قام زيد"، فيكون "الذِي" مبتدأ، و"قَامَ" صلتَه، وفيه ضمير قام مقامَ "زيد" في كونه الفاعلَ، وهو ضمير راجع إلى "الذِي"، وبه تَم الكلامُ، وهو في المعنى زيدٌ؛ لأنه ضميرُ "الذِي"، و"الذِي" هو زيدٌ. ولذلك كان خبرًا عنه؛ لأن الخبر إذا كان مفردًا هو المبتدأُ في المعنى، فإن أخبرتَ عنه بالألف واللام، قلت: "القائمُ زيدٌ"، فالألفُ واللام قائم مقامَ "الذِي"، واسمُ الفاعل الذي هو"قائمٌ" عوضٌ عن "قَامَ". وفي اسم الفاعل ضمير عائدٌ إلى الألف واللام، والألفُ واللام هما "زيدٌ"، غيرَ أنك أعربتَ الألف واللام بتمامه بإعرابِ "الَّذِي" وحدَها.
فإن أخبرتَ عن "زيد" من قولك: "زيد منطلق"، قلت: "الذي هو منطلق زيد"، جعلتَ بدلَ "زيد" ضميرَه، وهو مبتدأ كما كان "زيدٌ" مبتدأ، و"منطلق" الخبرُ، و"هُوَ منطلق" صلةُ "الذِي"، "وهُوَ" راجع إلى "الذِي"، و"زيد" خبرُ "الذِي"؛ لأن " زيدًا" هو "الذِي" في المعنى. فلو أخذتَ تُخبِر عنه بالألف واللام، لم يصح؛ لأنك تحتاج أن تنقُله إلى اسم الفاعل، واسمُ الفاعل إنما يكون من الفعل، لا من الاسم. ولذلك قال: "إن مجالَ "الذِي" في باب الإخبار أوسعُ من مجال الألف واللام"؛ لأن "الذِي" يكون مع الجملتين الاسمية والفعلية، والألفُ واللام لا تكون إلَّا مع جملة فعلية، فكل ما يُخْبَر عنه بالألف واللام يصح أن يخبَر عنه بـ "الَّذِي"، وليس كلُّ ما يخبر عنه بـ "الَّذي" يجوز أن يخبر عنه بالألف واللام، فكان الإخبارُ بـ "الّذي" أعمَّ.
وقوله: "والإخبار عن كل اسم في جمله سائغ"، يريد الجملةَ الخبرية التي يحسن في جوابها صِدْقٌ وكذب لأن هذه الجمل تقع صلاتٍ وصفاتٍ، كما تقع أخبارًا، والأسماة بحُكْم أنها أسماءٌ سِماتٌ على مسمَّياتِ يجوز الإخبارُ عنها بأحوالها، إلَّا إذا منع مانع، وسنذكُرَ الموانعَ فيما بعدُ.
* * *
قال صاحب الكتاب: وطريقة الإخبار أن تصدر الجملة بالموصول, وتزحلف الإسم إلى عجزها واضعاً مكانه ضميراً عائداً إلى الموصول. بيانه أنك تقول في الإخبار عن زيد في "زيد منطلق": "الذي هو منطلق زيد", وعن "منطلق": "الذي زيد هومنطلق", وعن
стр. 848
"خالد" في "قام غلام خالد": "الذي قام غلامه خالد", أو "القائم غلامه خالد", وعن اسمك في "ضربت زيداً": "الذي ضرب زيداً أنا", أو "الضارب زيداً أنا". وعن "الذباب" في "يطير الذباب فيغضب زيد": "الذي يطير فيغضب زيد الذباب" أو "الطائر فيغضب زيد الذباب", وعن زيد "الذي يطير الذباب فيغضب زيد", أو "الطائر فيغضب زيد".
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أن طريقةَ الإخبار أن تُصدِّر الجملة بالموصول الذي هو "الذي"، و"التي"، أو الألفُ واللام بمعناهما، وتنزع الاسم الذي تريد الإخبارَ عنه من الجملة، وتضع موضعَه ضميرًا يعود إلى الموصول يكونه في المعنى، ثمّ تأتي بذلك الاسم الذي تُخبِر عنه آخِرًا، تجعله خبرًا عن الموصول.
وإنّما قال النحويون: "أُخبِرَ عنه"، وهو في اللفظ خبرٌ؛ لأنه في المعنى مُحَدَّثٌ عنه، إذ قد يكون خبرٌ، ولا يُخبَر عنه، نحو الفعل، فأرادوا التنبيه على أنه خبر ومحدَّث عنه في المعنى.
فإذا أخبرتَ عن "زيد" من قولك: "زيدٌ منطلقٌ"، فإنّك تقول: "الذي هو منطلقٌ زيدٌ". نزعتَ "زيدًا" من الجملة، وجعلتَ بدلَه ضميرَه، وهو مبتدأ كما كان "زيد" مبتدأ، و"منطلق" خبرُه على ما كان، والجملةُ من المبتدأ والخبر صلةُ "الذِي"، وهُوَ راجع إلى "الذي"، وَ "الَّذي" هو "زيدٌ"، ولذلك كان خبرًا عنه؛ لأن الخبر إذا كان مفردًا يكون هو المخبرَ عنه في المعنى.
فإن أخبرتَ عن "منطلق" من قولك: "زيد منطلق"، قلت: "الذي زيد هو منطلق"، فتجعل الضمير موضعَ "منطلق" خبرًا عن "زيد"، كما كان "زيد" كذلك. وجعلتَ الجملة صلةَ "الذي"، ثمّ أتيتَ بـ "منطلق"، وجعلتَه خبرًا عن الموصول الذي هو "زيدٌ"، ولا يصح الإخبارُ بالألف واللام هنا؛ لأن الألف واللام لا مَدْخَلَ لها في المبتدأ والخبر على ما بينّا.
فإن أخبرت عن خالد في قولك: "قام غلامُ خالد"، قلت: "الذي قام غلامُه خالدٌ"، جعلتَ الهاء موضعَ "خالد"، وهي مضاف إليها الغلامُ، كما كان "خالد" كذلك، وجعلت "خالدًا" خبرًا عن الموصول الذي هو الهاءُ في المعنى.
فإن أخبرت بالألف واللام، قلت: "القائم غلامُه خالد"، فـ "القائم" مبتدأ، و"غلامُه" مرتفع ارتفاعَ الفاعل، كأنك قلت: "الذي قام غلامُه"؛ لأن الألف واللام في معنَى "الذِي"، واسمُ الفاعل في معنى الفعل، وجعلتَ "خالدًا" الخبرَ، كما كان في "الذِي" كذلك.
وجملةُ الأمران الإضافة تنقسم قسمَين:
أحدُهما: أن يدل المضاف إليه على شخصٍ بعينه، والآخَرُ أن لا يدلّ على شخص
стр. 849
بعينه. فأمّا ما دل على شخص مفرد، فنحو: "غلامُ زيد"، و"صاحبُ عمرو"، وأمّا ما لا يدل على شخص مفرد، فنحو: "سام أَبْرَصَ"، و"أبي الحُصَيْن".
فأمَّا الثاني: وهو ما لا يدل على شخص مفرد، فلا يجوز الإخبارُ عنه؛ لأنه لا يتخصص بالإضافة، وأما الأوّل -وهو ما يدل على شخص مفرد- فإنه يجوز الإخبارُ عن المضاف مفردًا، وعن المضاف إليه مفردا, ولا يجوز الإخبارُ عنهما معًا؛ لأنّ المضمر لا يدل على أكثرَ من واحد.
ولو قيل لك: أَخْبِرْ عن "قَامَ" من قولك: "قام غلامُ خالد"، قلت: هذا لا يجوز؛ لأن الفعل لا يُضمَر، وقد بينّا أن معنى الإخبار أن تنزع الاسمَ المخبرَ عنه من الكلام، وتأتي موضعه بضميره، إن كان مبتدأ كان ضميرا منفصلًا، وإن كان مفعولًا أو مضافا إليه، كان المضمرُ متصلًا.
فإن أخبرت عن اسمك في"ضربتُ زيدًا"، قلت في الإخبار بـ "الذي": "الذي ضرب زيدًا أَنَا"، نزعتَ ضميرَ المتكلم من الفعل، ووضعتَ مكانَه ضميرَ الغَيبة؛ لأنه راجعٌ إلى "الذي"، و"الذي" موضوعٌ للغيبة، واستتر الضميرُ في الفعل؛ لأن الفعل، إذا كان واحدًا غائبًا، لم تظهر له علامة، ثمّ جعلت ضميرَ المتكلم المنتزعَ خبرًا. فلمّا صار خبرًا، وجب أن يكون ضميرًا مرفوعًا منفصلًا للمتكلم، نحوَ: "أَنَا". وإنما كان مرفوعًا؛ لأنه خبرُ المبتدأ، وخبرُ المبتدأ لا يكون إلَّا مرفوعًا. وإنما كان منفصلًا؛ لأن خبر المبتدأ ليس عاملُه لفظًا، فيتصلَ به. وكان ضميرَ متكلم على حد ما غالب في "ضربتُ". وتقول في الإخبار بالألف واللام: "الضاربُ زيدًا أنا"، فـ "الضارب" مبتدأ، وفيه ضمير يعود إلى الألف واللام، و"أَنَا" الخبرُ.
فإن أخبرت عن المفعول الذي هو زيدٌ بـ "الذي"، قلت: "الذي ضربتُه زيد". فـ "الذي" مبتدأ، و"ضربتُه" صلتُه والهاء عائدة إِليه، و"زيدٌ" خبر. ويجوز حذف الهاء، فتقول: "الذي ضربت زيدٌ". قال الله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ (١). فإن أخبرت بالألف واللام، قلت: "الضارِبُه أنا زيد"، فالهاء في "الضاربه" ترجع إلى ما دل عليه الألفُ واللام، وهو"الذِي"، و"أَنَا" مرتفعٌ بـ "ضارب"، وأظهرتَ المضمر الذي هو "أَنَا"؛ لأن "ضاربًا" لك، وقد جرى على الألف واللام الذي لـ"زيدٍ"، وقد جرى على غيرِ مَنْ هو له. واسمُ الفاعل إذا جرى على غيرِ مَن هو له، برز ضميرهُ.
وتقول: "يَطِير الذباب فيغضَب زيدٌ"، إن أخبرتَ عن الذباب، قلت: "الذي يطير فيغضب زيد الذبابُ"، فيكون "الذي" في موضع رفع؛ لأنه مبتدأٌ، و"يطير" صلتُه، وفيه ضمير يعود إلى "الذي"، وهو الفاعلُ، استكنّ فيه لكونه واحدًا لغائب. وضميرُ الفاعل
стр. 850
إذا كان بهذه الصفة، كان مستكنًا في الفعل بلا علامة لفظية. وقولُه: "فيغضب زيد" جملة معطوفة على "يطير"، والمعطوفُ والمعطوف عليه داخل في الصلة. و"الذبابُ" خبرُ المبتدأ، وقد كان قبلَ الإخبار فاعل "يطير". فلما أخبرت عنه، وضعتَ مكانَه ضميرَه، وأخّرتَه، فجعلته خبرًا. فإن أخبرت بالألف واللام، قلت: "الطائرُ فيغضب زيد الذبابُ"، فيكون "الطائر" مبتدأ، وفيه ذكر يعود إلى مدلولِ الألف واللام، وهو مرتفعٌ به. وقولُه: "فيغضب زيد" معطوفٌ عليه, لأنه، وإن كان مفردًا، فهو في تأويل الجملة؛ لأن "الطائر" بمعنَى "الذي يطير"، فكأنّك عطفت جملة على جملة في الحكم. ومثلُه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (١)، على معنى: إن الذين تَصدّقوا وأقرضوا، و"الذباب" الخبرُ، فهو الآنَ مرفوع, لأنه خبرُ المبتدأ، وقبلُ كان مرفوعًا بأنه فاعل.
فإن أخبرت عن "زيد"، قلت: "الذي يطير الذبابُ، فيغضب زيد"، فـ "الذي" مبتدأ، و"يطير الذبابُ" صلةٌ. وقولُه: "فيغضب" معطوفٌ عليه، وفيه ذكر يعود إلى المبتدأ والموصولِ، وهو "الذي"، و"زيد" الخبرُ. والفاءُ ربطت الجملتَين، وجعلتهما كالجملة الواحدة؛ لأنها أحدثت فيهما معنَى الجزاء، وصار بمعنَى "إن طار الذبابُ يغضب زيد". ولما كان الشرطُ والجزاء كالجملة الواحدة، فاقتضى كل واحدة من الجملتين الأخرى، كفى عودُ الضمير إلى الموصول من إحداهما إذا كانتا صلة، نحوَ قولك: "الذي أبوه قائمٌ زيدٌ". ولو كان مكانَ الفاء الواوُ، لم يصح الإخبارُ عن "الذباب"، ولا عن "زيد"؛ لأن الواو لا تُحْدِث في الكلام معنى الجزاء، فتبقى إحدى الجملتَيْن أجنبية من الموصول لخُلُوها من العائد. وتقول في الإخبار بالألف واللام: "الطائرُ الذبابُ فيغضب زيد"، فـ "الطائرُ" مبتدأ، و"الذبابُ" رفعٌ به، وليس فيه ذكر؛ لأنه قد رفع ظاهرًا. و"يغضب" معطوفٌ عليه، وفيه ذكر يعود إلى الموصول، وبه تمت الصلةُ. و"زيد" خبرُ المبتدأ.
* * *
[ما يمنع فيه الإخبار]
قال صاحب الكتاب: ومما امتنع فيه الإخبارُ ضميرُ الشأن؛ لاستحقاقِه أوَّلَ الكلام، والضميرُ في "منطلق" في "زيد منطلقٌ"، والهاءُ في "زيد ضربتُه" و"مِنهُ" في "السمْنُ مَنَوانِ (٢) منه بدرهمِ"؛ لأنها إذا عادت إلى الموصول، بَقِيَ المبتدأُ بلا عائد، والمصدرُ والحالُ في نحوِ "ضرْبِي زيدًا قائمًا"؛ لأنك لو قلت: "الذي هو زيدًا قائمًا ضربي"، أعملتَ الضمير، ولو قلت: "الذي ضربي زيدًا إياه قائم"، أضمرتَ الحال، والإضمارُ إنما يسوغ فيما يسوغ تعريفُه.
* * *
стр. 851
قال الشارح: قد تقدم القول: إن كل اسم من جملةٍ تامة خبريةٍ يجوز الإخبارُ عنه، إلَّا أن يمنع منه مانعٌ. فمن المواضع التي يمتنع الإخبارُ عن الاسم فيها ضميرُ الشأن والحديثِ. لو قلت: "كان زيدٌ قائمٌ"، فأضمرتَ في "كَانَ" ضميرَ الشأن والحديث، لم يجز الإخبارُ عن ذلك الضمير. فلا يجوز: "الذي كان زيدٌ قائمٌ هو"، ولا "الكائنُ زيدٌ قائمٌ هو"؛ لأن ضمير الشأن والحديث لا يكون إلَّا أولًا غيرَ عائد على ظاهر، وإنّما تُفسره الجملةُ بعده. وأنتَ إذا أخبرتَ عنه، أخرجتَه عن هذه الصفة بأن يصير متأخّرًا يعود على ما قبله من الموصول غيرَ مفسر بجملة، وهذا غيرُ ما وُضع عليه.
ومن ذلك الضميرُ في "منطلق" في قولك: "زيدٌ منطلقٌ"، لا يجوز الإخبارُ عنه. لو قلت: "الذي زيد منطلقٌ هو"، لم يجز؛ لأن الضمير في "منطلق" كان عائدًا إلى المبتدأ الذي هو "زيدٌ"، وأنتَ حينَ أخبرتَ عنه، نزعت منه ذلك الضميرَ، وجعلت فيه ضميرًا يعود إلى الموصول، وأخرت الضميرَ الذي كان مستكنًّا فيه إلى موضع الخبر، وجعلته منفصلًا، فبقي المبتدأُ الذي هو "زيد" بلا عائد إليه. فإن أعدتَ الضمير إلى "زيد"، بقي الموصولُ بلا عائد، فكانت المسألة باطلة من هذا الوجه.
ومثله امتناعُ الإخبارُ عن الهاء في "زيدٌ ضربتُه"؛ لأن هذه الهاء عائدة إلى "زيد". ولو أخبرتَ عنه، لنزعتَ هذا المضمر، وجعلت مكانَه ضميرًا آخرَ يعود إلى الموصول، وأخرتَ الضمير الذي في "ضربتُه" إلى موضع الخبر، على القاعدة المذكورة، وكنت تجعله منفصلًا، لتعذُّر الإتيان بالمتصل، ولو فعلت ذلك، لأخليتَ المبتدأ الذي هو "زيد" من عائد عليه.
ومثله امتناعُ الإخبار عن الهاء في "مِنْهُ" من قولك: "السمْنُ مَنَوان منه بدرهم"، لأتك لو أخبرتَ عنها, لكنت قائلًا: "الذي السمنُ منوان منه بدرهم هو"، فتجعل الهاءَ في "منه" عائدةٌ على الموصول، ويبقى المبتدأُ الذي هو "السمن" بلا عائد، وذلك ممتنع.
ومن ذلك قولك: "ضَرْبِي زيدًا قائمًا". لا يجوز الإخبارُ عن المصدر ههنا, ولا عن الحال؛ لأنك إن أخبرت عن المصدر، لَزِمَك إضمارُه، وكنت تقول: "الذي هو زيدًا قائمًا ضَربي"، فكنت تنصب "زيدًا قائمًا" بـ "هُوَ"؛ لأنّها كناية عن المصدر الناصب. والمصدر إذا أُضمر لا يعمل. لو قلت: "مُرُوري بزيدِ حسنٌ، وهو بعمرو قبيحٌ", لم يجز؛ لأن المصدر إنما عمل بما فيه من حروف الفعل وتقديرِه بـ "أن" والفعلِ، وبعد الكناية تزول منه حروفُ الفعل، ويمتنع تقديرُه بـ "أَنْ" والفعلِ. وكذلك لو أخبرتَ عن الحال، فقلت: "الذي ضَرْبي زيدًا إياه قائمٌ"، لم يجز؛ لأن الحال لا يكون إلَّا نكرة، وأنتَ إذا كنيتَ عنه عرفته. وذلك لا يجوز في الحال، فلو أخبرت عن المفعول، وهو "زيدٌ"، لجاز، وكنت تقول: "الذي ضربي إياه قائمًا، أو ضربتُه قائمًا، زيدٌ"، فاعرفه.
стр. 852
فصل [أوجه "ما "]
قال صاحب الكتاب: و"مَا" إذا كانت اسمًا على أربعة أوجه: موصولةٌ كما ذُكر، وموصوفة، كقوله [من الخفيف]:
٥٠٠ - رُب ما تَكرَهُ النفوسُ مِنَ الأمِر ... له فَرْجَةٌ كحَل العِقالِ
ونكرةٌ في معنَى شَيء من غير صلةٍ، ولا صفةٍ، كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (١). وقولِهم في التعجب: "ما أَحْسَنَ زيدًا! "، ومضمَّنة معنَى حرفِ الاستفهام، والجزاء، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ (٢)، وقولِه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣).
* * *
стр. 853
قال الشارح: لما ذكر الموصولات، وذكر في جملتها "مَا"، أتبعها ذِكْرَ أقسامها، وهي على أربعةِ أضرب:
أحدُها: أن تكون موصولة معرفة بمنزلةِ "الذي". والآخر: أن تكون منكورة غيرَ موصولة. والثالثُ: أن تكون استفهامًا. والرابُع: أن تكون جَزاءً.
فأمّا الأول منها - وهو أن تكون بمعنَى "الذي"، وتوصَل بما يوصَل به "الذي" - فقد تقدم الكلامُ عليها.
وأمّا الثاني: وهو أن تكون منكورة، فهي على ضربَين: أحدُهما: أن تكون غيرَ موصوفة، والآخرُ: أن تكون موصوفة. فأمّا الموصوفةُ، فكقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (١). "عتيد" خبر ثانٍ، أو صفة ثانية. ويجوز أن تكون "مَا" بمعنَى "الذي"، و"لديّ" بعده الصلةُ، وهو خبرٌ عن "هذَا"، و"عتيد" خبر ثان على حد ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (٢). والفصلُ بين الصفة والصلة أن الصلة لا تكون إلَّا جملة، والصفةُ قد تكون اسمًا مفردًا. فإذا وقعت الجملةُ صفة للنكرة، فإنما تقع من حيث تُوصَف النكراتُ بالجمل، لا أن ذلك لازمٌ، بخِلاف الصلة. والفرقُ بين الجمل التي تكون صلة لـ"ما"، وبين الجمل التي تكون صفة لها، أن الجمل التي تكون صفة لها, لها موضع من الإعراب بحسبِ إعرابِ موصوفها، والجملُ التي تكون صلة لا موضعَ لها من الإعراب.
ومما جاءت فيه منكورة موصوفة قولُه تعالى: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (٣). أجاز بعضُهم أن تكون "مَا" نكرة، و"بعوضة" وصف لها على أن تكون "مَا" في موضع البدل مِن "مثلًا". فإن قيل: كيف ساغ وصفُها بـ "بعوضة" وهو نوعٌ؟ قيل: لا يبعد ذلك ها هنا؛ لأن "مَا" اسم عام قرُبت في الإبهام والعموم من "ذَا". وحكمُ هذه الأسماء أن تُبين بأسماء الأنواع، وقد تقدم علةُ ذلك. وكذلك "ما" الثانيةُ في قوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٤)، يجوز أن تكون نكرة، ويكون "فوقها" صفة، والتقديرُ: إن الله لا يَستحي أن يضرب مثلًا شيئًا بعوضة فشيئًا فوقها.
فأمّا قولُ الشاعر [من الخفيف]:
رب ما تكره ... إلخ
فالبيت لأُمَيةَ بن أبي الصلْت، والشاهدُ فيه كونُ "ما" نكرة، وما بعدها صفةٌ لها. والذي يدل أنها نكرةٌ دخولُ "رُبَّ" عليها، وهي بمعنَى "شَيْء". والعائدُ من الصفة محذوف. والمعنى: رُبَّ شيء تكرهه النفوسُ من الأمور الحادثة الشديدةِ، وله فَرْجَةٌ
стр. 854
تعقُب الضيقَ كحَل عِقال المقيَّد. والفَرجَةُ بالفتح في الأمر، وبالضم في الحائط ونحوه ممّا يُرَى. حكى أبو عُبَيْدة عن أبي عمرو بن العَلاء، قال: أخافنا الحجّاج، فهرب إلى نحوِ اليَمَن، وهربت معه، فبَينَا نحن نَسِير، وقد دخلنا إلى أرض اليمن، لَحِقنَا أعرابي على بَعِير يُنشِد [من الخفيف]:
لا تَضِيقَن بالأُمور فقد يُكـ ..... شَف غَماؤُها بغَيْرِ احْتِيالِ
رُب ما تكرَه النفوسُ من الأمر ... له فَرجَةٌ كحَلّ العِقال
فقال أبو عمرو: وما الخبرُ؟ قال: مات الحجاجُ. قال أبو عمرو: وكنتُ بقوله: "فَرْجَةٌ"، بفتح الفاء، أشَد فَرَحًا من قوله: "مات الحجاج".
والضرب الآخر من ضربي النكرة: هو أن تكون نكرة غيرَ موصوفة. وذلك من نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (١)، فـ "مَا" ههنا نكرةٌ غيرُ موصوفة، والذي يدل على ذلك أنها لو كانت موصوفة؛ لكان بعدها صفةٌ، وليس بعدها ما يصلح أن يكون صفة؛ لأن الصفة إنما تكون مفردة أو جملة. وإذا كان الوصفُ مفردًا، وجب أن يكون نكرة لإبهام الموصوف، وليس ما بعده نكرة ولا جملة، فيكونَ صفة. فثبت بما ذكرناه أنها غيرُ موصوفة، وأنها نكرةٌ لعدم الصلة. وإذا كانت نكرةً، فهي في موضع نصب كما لو كانت النكرةُ ملفوظًا بها، والتقديرُ: إن تُبدُوا الصدقاتِ، فالصدقاتُ نِعمَ شيئًا إبداؤها، أي: نِغمَ الشيءُ شيئًا، فـ "إبداؤها" هو المخصوص بالمدح، فحُذف المضاف الذي هو"الإبداء"، وأقيم المضاف إليه، وهو ضميرُ "الصدقات" مُقامه للدلالة عليه. وإنما قلنا ذلك، لأن "هي" ضميرُ "الصدقات" غيرَ ذي شك، فلا يخلو إما أن يكون على تقدير حذفِ المضاف الذي هو الإبداء، أو لا على تقديره. فلو لم يكن المضاف مقدرًا، لكان المعنى: فنِعمَ شيئًا الصدقاتُ، وتكون "الصدقاتُ" هي الممدوحةَ، وليس المعنى على ذلك، إنما المدحُ راجعٌ إلى إبداءِ الصدقات لا إليها نفسِها، وإخفاؤُها وإيتاؤُها الفقراءَ خيرٌ.
ومن ذلك "مَا" في التعجب، نحو قولك: "ما أحسن زيدًا! " ومنه قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (٢)، فـ "مَا" نكرة غير موصوفة في موضعِ رفع بالابتداء، و"أكفره" الخبرُ، ومعناه التعجب، أي: هو ممن يُتعجب منه، ومثلُه ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (٣)، أي: هم ممن يقال فيهم ذلك، وقيل: إِن "مَا" استفهامٌ، وهو ابتداءٌ، و"أكفره" الخبرُ، أي: أي شيء حملهم على الكفر مع ما يرون من الآيات الدالّة على التوحيد.
وأمّا القسم الثالث: وهو كونها استفهامًا، فهي فيه غيرُ موصولة ولا موصوفةٍ، وهي سُؤالْ عن ذواتِ غيرِ الأناسي، وعن صفاتِ الأناسيّ، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ
стр. 855
بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٢)، فـ "مَا" اسمْ نكرة في موضع رفع بالابتداء، والتقديرُ: أي شيء تلك بيمينك.
وهي مبنيةٌ لتضمنها همزةَ الاستفهامِ، وإنما جيءَ بها لضرب من الاختصار، وذلك أنّك إذا قلت: ما بيدك؟ فكأنك قلت: أعصى بيدك، أم سيف، أم خَنْجَر، ونحو ذلك ممّا يكون بيده، وليس عليه إجابتُك عمّا بيده، إذا لم تأت على المقصود، فجاؤوا بـ "ما"، وهو اسمٌ واقعٌ على جميع ما لا يعقِل، مُبْهَمْ فيه، وضمّنوه همزة الاستفهام، فاقتضى الجوابَ من أولِ وَهْلَةٍ، فكان فيه من الإيجاز ما ترى.
وأمّا كونُها جزاءٌ؛ فنحو قولك: "ما تَصنَعْ أَصْنَعْ مثله"، ونحو قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣)، ونحو قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٤). وحكمُها في الجزاء في حَصرها الأسماءَ، ووقوعِها عليها، كحكمها في الاستفهام، فإذا قال: "ما تَأكُلْ آكُلْ"، فتقديرهُ: إن تأكلْ خُبْزًا، أو إن تأكلْ لَحْمًا، أو غيرَ ذلك مما يُؤكَل، فـ "مَا" قامت مقامَ هذه الأشياء، وأغنت عن تَعْدادها، كما كانت في الاستفهام كذلك.
فأمّا موضعُها من الإعراب، فعلى حسب العامل، كما أنها في الاستفهام كذلك. إن كان الشرطُ فعلًا غيرَ متعد، كان الموضعُ رفَعًا بالابتداء، نحوَ: "مَا تَقُمْ أَقُمْ"، و"ما تَقُمْ أَضْرِبْ"، كما أنها في الاستفهام كذلك. وإن كان متعديًا، كانت منصوبةَ الموضع به. وإن دخل عليها حرفُ جر، أو أُضيف إليها اسمٌ، كانت مجرورةَ الموضع به، كما أنها في الاستفهام كذلك. فأما انجزامُ الفعل بعدها، وبعد غيرها من أسماء الجزاء، فينبغي أن يكون بتقديرِ "إن"، ولا يكون بالاسم؛ لأَنا لم نجد اسمًا عاملًا في فعلٍ، وإنما الأفعالُ تعمل في الأسماء.
* * *
قال صاحب الكتاب: وهي في وجوهها مُبهَمةٌ، تقع على كل شيء، تقول لشَبَح رُفع لك من بعيد، لا تشعُر به: "ما ذاك؟ " فإذا شعرتَ أنه إنسانٌ، قلت: "مَن هو؟ "، وقد جاء "سُبْحَانَ ما سخركن لنا"، و"سبحانَ ما سبح الرعْدُ بحَمْده".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم القول: إن "ما" في وجوهها الأربعة تقع على ذواتِ غيرِ الأنَاسي، وعلى صفاتِ الأناسي، فإذا قلت: "ما في الدار؟ " فجوابُه: "ثوبٌ"، أو
стр. 856
"فرسٌ"، ونحو ذلك ممّا لا يعقِل. وإذا قلت: "ما زيدٌ؟ " فجوابُه: "طويلٌ"، أو"أسودُ"، أو"سَمِينٌ"، فتقع على صفاته.
وقد تُقام الصفة مُقام الموصوف في الخبر، نحو: "مررت بعاقل وكاتب"، فكذلك يجوز أن تقوم مقامَه في الاستخبار، فإذا قيل: "ما عندك؟ " قلت: "زيد" أو"عمرو" ونحوهما من أشخاصِ الأناسي. وذلك على إقامة "مَا"، وهو استخبار عن الأوصاف، مقامَ "مَن" في الاستخبار عن المعارف، كما أقمت "الكاتبَ" مقامَ "زيد"، وكما أقمته مقامه في الاستخبار.
كذلك يجوز أن تُقيمه مقامه في الخبر، وعليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (١). ومن ذلك ما حُكي عن أبي زيد "سُبْحانَ ما سبح الرعدُ بحَمده"، و"سبحانَ ما سخركن لنا".
فامّا إذا قلت في جواب "مَا عِندَكَ؟ ": "رجلٌ"، أو"فرسٌ"، فليس على إقامة الصفة مقامَ الموصوف؛ لأن "ما" يُسأَل بها عن الأنواع والأشياء التي تدل على أكثرَ من واحد (٢). فمن حيث كان "رجلٌ" و"فرسٌ" نوعَيْن يَعُمّان جماعة كثيرة، جاز أن يقعا في جواب "ما"، وليس ذلك باتساع، كما كان وقوعُ "زيد" و"عمرو" في جوابها اتّساعًا.
وقوله: "تقول لشَبَح رُفع لك من بعيد لا تشعر به: ما ذَاكَ؟ "، يريد أنّك إذا رأيت شخصًا من بُعْد، ولا تتحققُ أنه من العُقلاء، أو غيرهم، عبرتَ عنه بـ "مَا"؛ لأنّها تقع على الأنواع، فكأن السؤال وقع عن نوعِ الشبح المَرئي. فإذا تحقّقتَ أنّه إنسانٌ، قلت "مَن هو"، فتُعبر عنه بـ "مَنْ"، إذ كانت مختصة بالعقلاء، وقد تقدم الكلام عليها.
فصل [قلب ألف "ما" وحذفها]
قال صاحب الكتاب: ويصيب ألفها القلب والحذف, فالقلب في الاستفهامية جاء في حديث أبي ذؤيب: "قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلّوا بالإحرام فقلت: مه؟ فقيل: هلك رسول الله ﷺ ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنه لما كثُر استعمالُ هذه الكلمة، وتَشعّبتْ مواضعُها، وأوقعوها
стр. 857
على ما لا يعقل، وعلى صفاتِ من يعقل، وربّما اتسعوا فيها وأوقعوها على ذواتهم على ما ذكرناه، اجترؤوا على ألفها تارةً بالقلب، وتارةً بالحذف.
فأمّا القلب، ففى الاستفهامية، وذلك قولهم: "مَه"، والمراد: ما الأمرُ؟ أو ما الخبرُ؟ فقلبوا الألف هاءً؛ لأنها من مَخرَجها، وتُجانِسها في الخَفاء، إلَّا أنها أبينُ منها. قال الراجز [من الرجز]:
قد وَرَدَتْ مِن أَمْكِنه
مِن ههُنَا ومِن هُنَه
إن لم أرَوها فَمَة (١)
قوله: "فَمَهْ"، أي: فما أَصْنَعُ؟ أو فما قُدْرتي؟ ونحو ذلك حديثُ أبي ذُؤَيب: قدمتُ المدينَة إلخ، والمراد: ما الخبرُ؟ أو ما الأمرُ؟ فقلبوا الألف هاء، وحذفوا الخبر لدلالة الحال عليه. وأبو ذؤيب هذا هو الشاعرُ، كادْ مُسْلِمًا على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يَرَه، وكان جاهليًا إسلاميًا. واسمُه خُوَيلِدُ بن خالد بن محرب. وهذا الحديثُ رواه ابنُ يسار يرفعه إلى أبي ذؤيب أنه قال: بَلَغَنا أن رسول الله ﷺ عليَلٌ، فاستشعرتُ حُزْنًا، فبِتُ بأطولِ ليلة، لا ينجاب دَيجُورُها, ولا يطلعُ نورُها، وظللتُ أُقاسي طُولها, حتى إذا كان قريبُ السحَر، أغفيتُ، فهتف بي هاتفٌ، وهو يقول [من الكامِل]:
خَطب أجل أَناخَ بالإِسلام ... بَيْنَ النخَيْلِ ومَقعَدِ الآطامِ
قُبِضَ النبي محمَّد فعُيُونُنا ... تُذرِي الدموعَ عليه بالتسجامِ
قال أبو ذُؤَيب: فوثبتُ من نَومي فزَعًا، فنظرتُ إلى السماء، فلم أر إلَّا سَعْدَ الذابح، فتفألتُ به ذَبحًا يقع في العرب، وعلمت أن النبي ﷺ قد قُبض، وهو ميت من عِلته. فركبتُ ناقتي، وسرتُ، فلما أصبحتُ، طلبتُ شيئًا أَزجرُ به، فعَن لي شَيهُم، يعني: القُنفُذَ، وقد قبض على صِل، يعني: الحَيةَ، فهي تلتوي، والشيهَمُ يَعَضها، حتى أكلها. فزجرتُ ذلك، فقلت: شيهمٌ شيءٌ مُهِم، والتواءُ الأصل التواءُ الناس على القائم بعد رسول الله. ثم أولت أَكلَ الشيهم غَلَبَةَ القائم بعده على الأرض. فحثثتُ ناقتي، حتى إذا كنتُ بالغابة، زجرتُ الطائرَ، فأخبرني بوَفاته. ونعب غرابٌ سانحٌ، فنطق بمثلِ ذلك، فتَعوذتُ بالله من شَر ما عَن لي في طريقي، وقدمتُ المدينة، ولهم ضجيجٌ بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلتُ: "مَه"؟ قالوا: "قُبض رسول الله ﷺ ". فجئتُ إلى المسجد، فوجدتُه خاليًا، فأتيتُ بيتَ رسول الله، فوجدتُ بابَه مُرتَجًا، وقيل: هو مُسَجي، وقد خلا به أهلُه. فقلتُ: "أَيْنَ الناسُ"؟ فقالوا في سَقِيفةِ بني ساعِدَةَ، صاروا
стр. 858
إلى الأنصار. فجئتُ إلى السقيفة، فوجدتُ أبا بكر، وعمر، وأبا عُبَيْدَةَ بن الجراح، وسالِمًا، وجماعة من قُرَيْش، ورأيتُ الأنصار فيهم سَعْدُ بن عُبادَةَ، وفيهم شُعراؤهم: حَسانُ بن ثابتٍ، وكَعبُ بن مالكٍ، ومَلأ منهم. فأويتُ إلى قريش. وتَكلمتِ الأنصارُ، فأطالوا الخِطاب، وأكثروا الصواب، وتكلم أبو بكر، فِلله دره من رجل! لا يُطيل الكلامَ، ويعلم مواضعَ فَصْلِ الخِصام، واللهِ لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلَّا انقاد له، ومال إليه. ثم تكلم عمرُ بعده بدُونِ كلامه، ثمّ مدّ يدَه إليه، وبايَعَه، وبايَعوه. ورجع أبو بكر، ورجعتُ معه. قال أبو ذؤيب: فشهِدتُ الصلاةَ على محمّد- ﷺ ، وشهدتُ دَفْنَه. ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي النبي ﷺ [من الكامل]:
لما رأيتُ الناسَ في عَسَلانِهم ... ما بَينَ مَلْحود له ومُضَرَّحِ
مُتَبادِرِينَ لشَرجَع بأكفهِم ... نَص الرقاب لفَقْدِ أَرْوَعَ أَرْوَحِ
فهناكَ صِرتُ إلى الهُمومِ ومَن يَبِت ... جارَ الهُمومَ يَبِيتُ غيرَ مُرَوحِ
كُسِفَت بمَصْرَعِه النجومُ وبَذرُها ... وتَزَعزَعَت آطامُ بَطنِ الأَبطَحِ
وتَرَعْرَعَت أَجبالُ يَثْرِبَ كلُها ... ونُخَيْلُها بحُلُولِ خَطْبٍ مُفْدحِ
ولَقَذ زَجَرْتُ الطيرَ قَبلَ وفاته ... بمُصابِه وزجَرتُ سَعْد الأذبَحِ
وزجرت إذْ نَعَبَ المُشَحجُ سانحًا ... مُتفائلًا فيه بِفَأل أَقْبَحِ
ثم انصرف أبو ذؤيب إلى بادِيَته. وتُوفي أبو ذؤيب في خلافةِ عثمان بن عَفانَ بطريقِ مكةَ ذاهبًا إليها، ودفنه ابن الزبَير.
* * *
قال صاحب الكتاب: والجَزائيةِ، وذلك عند إلحاقِ "مَا" المزيدة بآخِرها، كقوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ (١).
* * *
قال الشارح: وقد قلبوا ألفها هاء أيضًا إذا كانت جزاء، فقالوا: "مَهْمَا"، وأصلها عند الخليل "مَا" (٢). وحروفُ الجزاء قد تُزاد فيها "مَا"، كقولك: "متى ما تأتِني آتِك"، و"أَينَ ما تكن أكن"، فزادوا "ما" على "مَا" كما يزيدون "ما" على "مَتَى" فصار "مَامَا"، فاستقبحوا هذا اللفظ لتَكرار الحرفَين، فأبدلوا من الألف الأولى هاء، فقالوا: "مَهْمَا"، إذ الألف والهاء من مَخرَج واحد.
وقال آخرون: هي مركبةَ من "مَهْ" بمعنى: "اكفُف" و"ما" الشرطيةِ. والمعنى عندهم: اكفف عن كل شيء ما تفعل أَفعلْ. وقال غيرهم هي اسم مفردٌ معناه العموم. قالوا: لأن الأصل عدمُ التركيب. ويؤيد القولَ الأولَ عَوْدُ الضمير إلى "مَهْمَا" كما يعود إلى
стр. 859
"ما"، قال الله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ (١). ويؤيد الثاني قول الشاعر [من الطويل]:
٥٠١ - أَمَاوِي مَهْمَن يَسْتَمِعْ في صَدِيقِهِ ... أَقاوِيلَ هذا الناسِ مَاوِي يَندَمِ
فركب "مَهْ" مع "مَنْ" كما ركبتَها مع "مَا"، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: والحذف في الاستفهامية عند إدخالِ حروفِ الجر عليها، وذلك قولك:"فِيمَ"، و"بِمَ"، و"عَم"، و"لِمَ"، و"حَتامَ"، و"إلامَ"، و"عَلامَ".
* * *
قال الشارح: اعلم أنّ ألفَ "مَا" إذا كانت استفهامًا، ودخل عليها حرفٌ جارٌّ، فإنها تُحذف لفظًا وخطًا، نحو قولك: "فِيمَ" و"بِمَ"، و"عَلامَ"، و"عَم"، و"لِمَ"، و"حَتامَ"، و"إلامَ". وإنما حذفوها؛ لأن الاستفهام له صدرُ الكلام، ولذلك لا يعمل فيه ما قبله من العوامل اللفظية إلا حروفُ الجرّ. وذلك لئلا يخرج عن حكم الصدر. وإنما وجب لحروف الجر أن تعمل في أسماء الاستفهام دون غيرها من الحروف، لتنزلها مما دخلت عليه منزلةَ الجزء من الاسم، يُحكَم عليهما جميعًا بالنصب. ولذلك يُعطَف عليهما بالنصب، نحو قوله [من الوافر]:
فلَسْنَا بالجِبالِ ولا الحَدِيدَا (٢)
стр. 860
وإذا دخل على "ما" الاستفهاميّةِ حرفُ جر، بَعُدَ من الاستفهام حيث عمِل فيه ما قبله، وقرُب من الخبريّة، فحذفوا ألفَه للفرق بين الخبر والاستخبار، فقالوا: "فِيمَ"، و"عَمَّ"، والأصلُ: "فيِمَا"، و"عَمَّا". قال الله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (١). وقال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢). وإنما خصوا ألف الاستفهامية بالحذف دون الخبرية؛ لأن الخبرية تلزمها الصلةُ، والصلةُ من تمام الموصول، فكأن ألفها وقعتْ حَشْوا غيرَ متطرفةٍ، فتَحصنتْ عن الحذف. وربّما أثبتوها في الشعر وهو قليلٌ، قال الشاعر [من الوافر]:
٥٠٢ - على ما قام يَشْتِمُني لَئيمٌ ..... كخِنْزِير تَمَرّغَ في رَمادِ
فصل [أوجه "من "]
قال صاحب الكتاب: و"من", كـ "ما" في أوجهها إلا في وقوعها غير موصولة, ولا موصوفة, وهي تختص بأولي العلم.
* * *
قال الشارح: اعلم أن "مَنْ" اسمٌ مبهمٌ يقع على ذواتِ ما يعقل. والدليلُ على أنَّه اسمٌ أنه يقع فاعلًا ومفعولًا، ويدخل عليه حروفُ الجرّ، ويعود عليه الضميرُ، وهذه الأشياءُ من خصائص الأسماء.
стр. 861
فأمّا وقوعُها فاعلة، ففي غير الاستفهام والجزاء، وذلك إذا كانت موصولةٌ، أو نكرةٌ؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، والفاعلُ لا يكون إلَّا بعد فعل، وأمّا المفعول فيكون في جميعِ ضروبها؛ لأنّ المفعول يجوز تقديمُه على فعله، نحو قولك: "مَنْ ضربتَ؟ " فـ "مَنْ" في موضع نصب.
وأقسامُها كأقسامِ "ما" في جميع مواضعها، إلَّا في وقوعها نكرة غيرَ موصوفة على ما ذكرناه في "ما"، نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (١)، وفي التعجّب نحو: "ما أحسنَ زيدًا! " عند سيبويه وأصحابِه، فإنّ "مَنْ" لا تُستعمل في ذلك.
ولها ثلاثة مواضع: الأول: أن تكون موصولة بمعنى "الذِي" تحتاج إلى جملة بعدها تتِم بها اسمًا، وقد تقدّم شرحه.
الثاني: أن تكون استفهامًا، نحو قولك: "مَنْ قام؟ " و"مَنْ عندك؟ " فـ "مَنْ" في موضع رفع بالابتداء، وما بعدها الخبرُ. والذي يدل على ذلك أنّك لو أوقعتَ موقَعها اسمًا معربًا مما يظهر فيه الإعراب، لظهر فيه الرفعُ، نحو قولك: "أيُ إنسان عندك؟ " و"أيُّ رجلٍ قام؟ " قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢). وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣). وقال الشاعر [من الخفيف]:
٥٠٣ - مَن رأيتَ المَنُونُ خَلدْنَ أَمْ مَنْ ... ذا عليه مِن أَنْ يُضامَ خَفِيرُ
стр. 862
فـ "مَنْ" هنا استفهامٌ في موضع رفع، إذا رُفع "المنون"، وأُلْغي الفعل الذي هو "رأيت". فإن أعملتَ الفعل، نصبتَ "المنون"، وكانت "مَنْ" في موضع نصب بـ "خلدن". وهي مبنية لتضمنها همزة الاستفهام، وذلك أنك إذا قلت: "من هذا؟ " فكأنك قلت: "أزيدٌ هذا أعمرٌو هذا؟ " والأسماء لا تُحصَى كثرةَ، فأتوا باسم يتضمن جميع ذلك، وهو"مَنْ"، فاستُغني به عن تَعْداد الأسماء كلها على ما تقدّم في "ما".
الموضع الثالث:
أن تقع للمُجازاة وتختصّ أيضًا بذواتِ من يعقل، وهي مبنيّة أيضًا لتضمنها حرفَ الجزاء، وهو"إنْ"، وذلك نحو قولك: "من يأتِني آتهِ"، و"من يُكْرِمْني أشْكُرْه"، كأنك قلت: إن يكرمني زيد أو عمرو ونحوهما ممّن يعقل أشكره. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١).
الرابع: أن تكون نكرة موصوفة، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (٢) في أحد الوجهَيْن، أي: كلُّ شيء عليها هَالِك إلَّا وَجْهَه. ومثله قول الشاعر [من السريع]:
٥٠٤ - يا رُب مَن يُبْغِضُ أَذْوادَنَا ... رُحْنَ على بَغْضائه واغتَدَيْنْ
стр. 863
ومثله قول الآخر [من الرمل]:
٥٠٥ - رُبّ مَن أَنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ ... قد تَمَنى لِيَ مَوْتًا لم يُطَعْ
فـ "مَنْ" في ذلك كله نكرةٌ لدخولِ "رُبَّ" عليها، وما بعدها من الجملة صفةٌ لها. وقد وُصفت بالمفرد، نحو قوله [من الكامل]:
٥٠٦ - وكَفَى بنا فَضْلًا على مَنْ غَيْرِنا ..... حُب النبي محمدِ إيّانَا
стр. 864
فقوله "غيرنا" مخفوضٌ على أنّه نعتٌ لـ"مَنْ".
والكوفيون يزيدون في أقسامها قسمًا خامسًا: يجعلونها زائدةً مُؤكدةً كما تُزاد "مَا". وأنشد الكِسائي لعَنْتَرَةَ [من الكامل]:
٥٠٧ - يا شاةَ مَن قَنَصٍ لِمَنْ حَلتْ له ... حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَهَا لم تَحْرُمِ
قال: أراد "يا شاةَ قنصٍ". وأصحابُنا يُنشِدونه: "يا شاةَ ما قنصٍ". فإن صحّت روايتُهم، حُمل على أنها موصوفة، و"قنصٌ" الصفة، فهو مصدر بمعنى: قانص، كما قالوا: "ماء غَوْرٌ"، أي: غائرٌ، و"رجل عَدْلٌ"، أي: عادلٌ. والمراد: يا شاةَ إنسانٍ قانصٍ.
وإنما قال "تختص بأُولي العِلْم"، ولم يقل: "بأُولي العقل" على عادة النحويّين، لأنه رآها تُطلَق على البارئ سبحانه في نحو قوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، ونحو
стр. 865
قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (١)، والبارىءُ سبحانه يوصف بالعلم، ولا يوصف بالعقل، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وتوقَع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤئث، ولفظُها مذكرْ، والحَمْلُ عليه هو الكثيرُ، وقد تُحمَل على المعنى- وقُرىء قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ (٢) بتذكير الأول، وتأنيث الثاني (٣)، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٤). وقال الفَرَزْدَق [من الطويل]:
[تَعَش فإنْ عاهَدْتني لا تخونني] ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ (٥)
* * *
قال الشارح: اعلم أن "مَنْ" لفظُها واحدٌ مذكرٌ، ومعناها معنى الجنس لإبهامها تقع على الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث، فإذا وقعتْ على شيء من ذلك، ورددتَ إليها الضميرَ العائد من صلتها، أو خبرِها على لفظها نفسِها، كان مفردًا مذكّرًا؛ لأنه ظاهرُ اللفظ، سواء أردتَ واحدًا مذكرًا، أو مؤنثًا، أو اثنين، أو جماعةٌ. وإن أعدتَ الضمير إليها على معناها، فهو على ما يقصِده المتكلمُ من المعنى، فأمّا ما أُعيد إليه على اللفظ؛ فنحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٦) على حد قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٨)، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٩)، وعليه أكثرُ الاستعمال. وأمّا ما أُعيد إليه على معناه في الجمع، فنحو قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (١٠)، ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ﴾ (١١). وأمّا ما أُعيد بلفظ التثنية، فنحو قول الفَرَزْدَق [من الطويل]:
تَعَش فإنْ عاهَدتني لا تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ (١٢)
ويُروى: "تَعالَ"، وقبلَه:
وأَطْلَسَ عَسّالٍ وما كان صاحبًا ... رَفَعْتُ لِنارِي مَوْهِنًا فأَتانِي
стр. 866
الشاهد فيه قوله: "يصطحبان"، ثَنى الضمير الراجع إلى "من" حيثُ إنه أراد معنى التثنية؛ لأنه عنى نفسَه والذئب. وصف أنه أوقدَ نارًا وطرقه الذئبُ، فدعاه إلى العَشاء. وقد فرق بين الصلة والموصول بقوله: "يا ذئبُ". وساغ ذلك لأن النداء موجود في الخطاب، وإن لم يذكره، فإن قدّرتَ "مَنْ" نكرة، و"يصطحبان" في موضع الصفة، كان الفصلُ بينهما أسهلَ.
وأما المؤنّث، فنحو قولهم فيما حكاه يونس (١): "مَنْ كانت أُمَّك"، أُنّث "كَانَتْ" حيث كان فيها ضميرُ "مَنْ" وكان مؤنثًا؛ لأنه هو الأمُّ في المعنى. هذا إذا نصبت "أُمّك"، فإن رفعت "الأم" كان اسمَ "كَانَ"، وكان التأنيثُ ظاهرًا، إذ كان الفعل مسندًا إلى مؤنث ظاهرٍ، وتكون "مَنْ" في موضعِ نصب خبرَ "كان". وعلى الوجه الأوّل تكون في موضع رفع بالابتداء.
ومن ذلك قراءةُ الزعْفَراني، والجَحْدَري: ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ (٢)، بالتاء فيهما، حيث أراد واحدة من النساء. جعل صلته إذ عني المؤنّث كصلةٍ "التي". وقرأ حَمزَةُ والكِسائي: ﴿يَقْنُتْ ويعْمَلْ﴾ بالياء على التذكير حملًا على اللفظ فيهما. وقرأ الباقون من السبعة: ﴿يَقْنُتْ﴾ بالتذكير على اللفظ، و ﴿تَعْمَلْ﴾ بالتأنيث على المعنى. وقال بعضُ الكوفيين: إذا حُمل على المعنى، لم يجز أن يُرَدّ إلى اللفظ، وإذا حُمل على اللفظ جاز حملُه على المعنى. وهو ضعيف؛ لأنه لا فَرْقَ بينهما. وقد جاء ذلك في التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٣)، فجمع حملًا على المعنى، ثمّ قال: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ (٤).
فصل [استفهام الواقف عن نكرة بـ "من "]
قال صاحب الكتاب: وإذا استفهم بها الواقف عن نكرة, قابل حركته في لفظ الذاكر من حروف المد بما يجانسها, يقول إذا قال "جاءني رجل": "منو"؟ وإذا قال "رأيت رجلاً": "منا"؟، وإذا قال: "مررت برجلٍ": "مني"؟ وفي التثنية: "منان"؟ و"منين"؟ وفي الجمع: "منون"؟ و"منين"؟ وفي المؤنث: "منه"؟ و"منتان"؟ و"منتين"؟ و"منات"؟ والنون والتاء ساكنتان.
* * *
стр. 867
قال الشارح: اعلم أن الاستفهام هنا استثباتٌ، وهو ضربٌ من الحكاية، والغرضُ به إعلامُ السامع أنه قد تقدم كلام هذا إعرابُه، خَوْفًا من أن يكون عرض له غفلةٌ من استماعِ الكلام المتقدّم. وكان القياسُ أن تُعاد الكلمة جَمْعاءَ بالألف واللام، أو تُضمَر؛ لأنها تصير معهودة لتقدمِ ذكرها. قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (١)، إلَّا أنهم عدلوا عن ذلك، لئلّا يُتوهم فيه أنه معهود غيرُ الأول، فزادوا على "مَنْ" في الوقف زيادة تُؤذِن بأنه قد تقدم كلامٌ هذا إعرابُه، وأن القصد إليه دون غيره.
وكانت تلك الزيادةُ من حروف المدَّ واللين؛ لأنها تُجانِس الحركاتِ. فقابلوا كل حركة في لفظ المُذكر بما يُجانِسها من هذه الحروف. فإن كان مرفوعًا، زدتَ في أداة الاستفهام واوًا. وإن كان منصوبًا، زدت ألفًا. وإن كان مجرورًا، زدت ياءً. فإذا قال القائلُ: "هذا رجلٌ"، قلت في جوابه: "مَنُو"؟ وإذا قال: "رأيت رجلًا"، قلت في جوابه: "مَنَا"؟ وإذا قال: "مررت برجل"، قلت: "مَنِي"؟ وتُثني، وتجمع، وتُؤنث، فتقول إذا قال: "هذان رجلان": "مَنَانْ"؟ وإذا قال: "رأيت رجلَيْن"، أو"مررت برجلَيْن"، قلت: "مَنَيْنْ"؟ وإذا قال: "هؤلاء رجالٌ"، قلت: "مَنُونْ"؟ وإذا قال: "رأيت رجالًا" أو"مررت برجالٍ"، قلت: "مَنِينْ"؟ فإن قال: "رأيت امرأةً"، قلت: "مَنَهْ"؟، و"مَنْتْ"؟، كما يقال: "ابْنَهْ"، و"بِنْتْ". وإذا قال: "هاتان امرأتان"، قلت:"مَنْتَانْ"؟ وإذا قال: "رأيت امرأتَيْن"، أو"مررت بامرأتَيْن"، قلت: "مَنْتَيْنْ"؟ بإسكان النون، كأنه ثنى "مَنْت"، فقال: "مَنْتَان"، كما يقال: "بِنْتَان"، و"ثِنْتَان". وإذا قال في الجمع: "رأيت نساء"، قلت: "مَنَاتْ"؟ بإسكان التاء.
واعلم أنك إذا قلت في الاستثبات "مَنُو"، أو"مَنَا"، أو"مَنِي"، فـ "مَنْ" في موضعِ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوف، والتقديرُ: مَن المذكور؟ أو مَن المستفهَمُ عنه؟ أو يكون خبرًا، والمحذوفُ هو المبتدأُ، وهذه الزياداتُ ليست إعرابًا لما دخلتْ عليه، وإنما هي علامات يُحكَى بها حالُ الاسم المتقدّم. وإنما قلت ذلك لأمرَيْن: أحدُهما: أن "مَنْ" مبنية لتضمنها حرفَ الاستفهام، وذلك مستمِرٌ فيها. وإذا كان مستمرًا فيها، استمر البناءُ لاستمرارِ سَبَبه. والأمرُ الثاني: أن هذه العلامات لا تثبُت إلَّا في الوقف، والإعرابُ لا يثبت في الوقف.
وقد اختلف العُلماء في كَيْفِيةِ دخولِ هذه الحروف، فقال قومٌ: إنما دخلت الحركات التي هي الضمةُ والفتحة والكسرة "مَنْ" في حال الوقف حكايةً لإعراب الاسم المتقدّم، ولم تكن الحركةُ ممّا يُوقَف عليها، فوصلوها بهذه الحروف لتبيينِ ما قصدوه من الدلالة، فوصلوا الضمّةَ بالواو، والفتحةَ بالألف، والكسرةَ بالياء،
стр. 868
كوَصْلهم القافيةَ المُطْلَقة بهذه الحروف، نحو قوله [من الوافر]:
٥٠٨ - [متي كان الخيامُ بذي طلوح] ... سُقِيتِ الغَيْثَ أيتُهَا الخِيامُو
ونحو قوله [من الوافر]:
أَقِلي اللَوْمَ عَاذِلَ والعِتابَا ... [وقولىِ إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصابا] (١)
ونحو [من الطويل]:
[قِفا نبْكِ من ذكرى حبيب ومَنزِلِ ... بِسقْطِ اللوى] بَيْنَ الدخُولِ فَحَوْمَلِي (٢)
وقال المبرّد: أدخلوا هذه الحروف قبل الحركات، فالواوُ في "مَنُو" قبلَ ضمّة النون، والألفُ في "مَنَا" قبل الفتحة، والياءُ في "مَنِي" قبل الكسرة. وإنّما حركوا النون، وأصلُها البناء على السكون لعِلتَيْن: إحداهما: أنّك تقول في النصب: "مَنَا"، فتفتح النون, لأن ما قبل الألف لا يكون إلَّا مفتوحًا. فلمّا وجب تحريكُها في النصب، حركوها في الرفع والجرّ، ليكون الجميعُ على منهاج واحد، لا يختلف. والعلةُ الثانية أن الواو
стр. 869
والياء خَفِيتان، فإذا جعلوا قبل كل واحد منهما الحركةَ التي هي منها، ظهرتا وتَبينتا.
وأما "مَنَهْ" فإنّما فُتحت النون, لأنّ هاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا، وأمّا تحريكُها في التثنية والجمع فمن قبل أنّهم أرادوا أن يكون الاستثباتُ في التثنية والجمع على منهاجِ التثنية والجمع الحقيقيّ، فلمّا كان ما قبل حرف التثنية مفتوحًا، فتحوا النون في حكايته، ولمّا كان ما قبل الواو في الجمع مضمومًا، وما قبل الياء مكسورًا اعتمدوا، مثلَ ذلك في حكايته إذا استثبتوا. فأمّا "مَنْتَانْ"، و"مَنْتَيْنْ" بسكون النون في حكايةِ تثنية المؤنث، فكأنّه ثُني "مَنْتْ"، بسكون النون، كما تقول "بِنْتَانِ"، و"أخْتَانِ" جَعل التاء للإلحاق بـ "فَلْسٍ" و"كَعْبٍ"، كما كانت في "بِنْت"، و"أخْت" ملحقتَيْن بِـ "عِدْلٍ"، و"بُرْد".
* * *
قال صاحب الكتاب: وأما الواصلُ، فيقول في هذا كله: "مَنْ يا فَتَى؟ " بغيرِ علامة، وقد ارتكب من قال [من الوافر]:
٥٠٩ - أَتَوْا نارِي فقلتُ مَنُونَ أَنْتُمْ ... [فقالوا: الجن. قلت: "عِمُوا ظلامًا"]
شُذوذَيْن: إلحاقَ العلامة في الدَّرْج، وتحريكَ النون.
* * *
стр. 870
قال الشارح: قد تقدم القول: إن هذه العلامات إنما تلحق في حال الوقف فقط، فإذا وصلت، عادت إلى حالها من البناء على السكون، ومقتضى القياس فيها. فلذلك إذا قال في الوقف: "مَنُو"، و"مَنَا"، و"مَنِي" يقول إذا وصل: "مَن يا فتى؟ " وكذلك إذا قال: "رأيتْ نساءً"، فقال في الوقف: "مَنَاتْ؟ "، وإذا قال: "رأيت رجالًا"، فقال: "مَنِينْ؟ "، وإذا قال: "رأيت امرأةً" فقال "مَنَهْ؟ "، أو"مَنتْ؟ " فإنه إذا وصل قال: "مَن يا فتى؟ " بإسكان النون وكذلك إذا قال: "رأيت رجلًا"، وامرأةً"، فبَدَأَ بالمذكر، قلت في السؤال: "مَنْ ومَنَهْ؟ " وإن بدأ بالمؤنث، قلت: "مَنْ ومَنَا؟ " لأن العلامة إنّما تلحق الذي تقف عليه، وهو الثاني، والأولُ لا تلحَقُه علامةٌ، لأنه موصول بالثاني. هذا مذهبُ الخليل وسيبويه (١)، وأما يونس (٢)، فكان يُجيز "مَنَة"، و"مَنَةٌ" و"مَنَةٍ" في الوصل كما يكون مع الوقف، ويَقِيسه على "أي"، وزعم أنَّه سمع عربيًا يقول: "ضرب مَن مَنا" (٣). وعلى هذا ينبغي إذا ثَنى، أو جمع فقال: "منان"، أو"منون" أن لا يُغيره، ويُثْبِته وصلًا، ووقفًا. واستدل على ذلك بقولِ شَمِر بن الحارث الطائي الشاعر [من الوافر]:
أَتَوا نارِى فقلتُ: مَنُونَ أَنتُمْ؟ ... فقالوا: الجِن قُلْتُ: عِمُوا ظلامًا
فقلت: إلى الطعامِ فقال منهم ... زَعِيمٌ: نَحسُدُ الأنَسَ الطعامَا
وبعضهم يرويه: "عِمُوا صَباحًا"، والأكثرُ "ظَلامًا". ويؤيده البيتُ الثاني. وهو شاذ، وشذوذُه من وجهَيْن: أحدهما: أنه أثبتَ الزيادة في الوصل، وهي إنما تكون في الوقف لا غيرُ. والثاني: أنه فتح النونَ، وحقها السكون. وكان أبو إسحاق يقول فيه: إِن الشاعر اعتقد الوقفَ على "منون"، ثم ابتدأ بما بعده.
وأما قياسُ "مَنْ" على "أي" فليس بصحيح, لأن "أَيا" معربةٌ، و"مَنْ" مبنيّةٌ. وأما ما حكاه من قولهم: "ضرب مَن مَنَا"، فهي حكايةٌ نادرةٌ لا يُؤخَذ بها، وقد استبعدها
стр. 871
سيبويه (١)، فقال: لا يتكلّم به العربُ. ووجهُه من القياس أنّه جرّد "مَنْ" من الدلالة على الاستفهام، حتى صارت اسمًا كسائرِ الأسماء، يجوز إعرابُها، وتثنيتُها، وجمعُها، كما جرّدوا "أيا" من الاستفهام حين وصفوا بها، فقالوا: "مررت برجلٍ أي رجلٍ"، أي: كاملٍ. وقد فعلوا ذلك في مواضعَ، فمن ذلك قول الشاعر [من البسيط]:
٥١٠ - [هل ما عَلمتَ وما استُودعْتَ مكتومُ ... أمْ حَبْلُها إذْ نَأَتْكَ اليومَ مَصْروم؟]
أَمْ هَلْ كَبِيرٌ بَكَى لم يَقْضِ عَبْرَتَهُ ... إثْرَ الأحِبةِ يومَ البَيْنَ مشكومُ
стр. 872
فهذا اعتقد خَلْعَ الاستفهام من "هَلْ"، ولولا ذلك، لم يجمع بين استفهامَيْن، وهي "أَمْ"، و"هَلْ". وإنما حكمنا على خلع دليلِ الاستفهام من "هَلْ" دون "أمْ"؛ لأنّ "هَلْ" قد استُعمل غير استفهام، نحو: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (١)، أي: قد أتى، ونحو قوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٢)، والمرادُ النفي، أي: ما جزاءُ "الإحسان إلَّا الإحسانُ، فكان اعتقادُ نَزْع الاستفهام منها أسهلَ من اعتقادِ نزعه من "أَمْ"، فأمّا قول الشاعر [من البسيط]:
٥١١ - أَمْ كيف يَنْفَعُ ما تُعْطِي العَلُوقُ به ... رِئْمانَ أَنْفٍ إذا ما ضُنَّ باللبَن
стр. 873
فإنه ينبغي أن يُعتقد نَزْعُ دليل الاستفهام من "أَمْ"، وقَصْرُها على العطف لا غيرُ، ألا ترى أنّا لو نزعنا الاستفهام من "كَيْفَ"، للزم إعرابُها كما أُعربتْ "مَنْ" في هذا الوجه، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: ومنهم من لا يزيد إذا وَقَفَ على الأحرف الثلاثة، وَحَّدَ، أم ثَنى، أم أنثَ، أم جَمَعَ.
* * *
قال الشارح: قوم من العرب لا يحكون إلَّا الإعرابَ لا غيرُ، فيقولون في الرفع: "مَنُو"، وفي النصب: "مَنَا"، وفي الجرّ: "منِي"، سَواءٌ في ذلك الواحدُ، والاثنان، والجمع، والمذكر، والمؤنث. حكى سيبويه (١) عن يونس أن قومًا من العرب يقولون ذلك، وكأنّ الذين يقولونه اكتفوا بما ضمّنوه من علامات الإعراب، ويُجْرون "مَنْ" على أصلها من كونها تصلُح للواحد، والاثنين، والجمع بلفظ الواحد المذكر، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: وأما المعرفة، فمذهبُ أهلِ الحجاز فيه إذا كان عَلَمًا أن يَحْكِيَه المستفهِمُ كما نُطق به، فيقولَ لمَن قال: "جاءني زيدٌ": "من زيدٌ؟ "، ولمَن قال: "رأيت زيدًا": "من زيدًا؟ " ولمَن قال: "مررت بزيد": "مَن زيد؟ "، وإذا كان غيرَ عَلَم رَفَعَ لا غيرُ، يقول لمَن قال: "رأيت الرجلَ" "مَنِ الرجلُ؟ " ومذهبُ بني تَميم أن يرفعوا في المعرفة ألبَتةَ.
* * *
قال الشارح: قد اختلف العربُ في الاسم المعروف، فذهب أهلُ الحجاز إلى حكايةِ لفظه، وهي أن يجري الاسمُ على إعراب الاسم المتقدّم ذكرُه، فإذا قال الرجل لرجلِ: "جاءني زيدٌ"، قلت في جوابه متثبتًا: "من زيدٌ؟ "، وإذا قال: "رأيت زيدًا"، قلت: "من زيدًا؟ " وإذا قال: "مررت بزيدٍ"، قلت: "مَن زيد؟ " و"إنما يفعلون ذلك في العَلَم خاصة. وأما بنو تميم، فيرفعون على كل حال، ويقولون: "من زيدٌ؟ " بالرفع لا
стр. 874
غيرُ، سواء قالوا: "جاءني زيد" أو "رأيت زيدًا"، أو"مررت بزيد". فأمّا أهلُ الحجاز،
فتَحرزوا بالحكاية لِما قد يعرِض في العَلَم من التنكير بالمشاركة في الاسم، فجاؤوا بلفظه، لئلا يتوهم المسؤولُ أنّه يُسأل عن غيرِ مَن ذَكَرَه من الأعلام، وخصّوا الأعلامَ بذلك لكثرة دَوْرها وسعةِ استعمالها في الإخبارات، والمعامَلات، ونحوهما, ولأنّ الحكاية ضربٌ من التغيير، إذ كان فيها عدولٌ عن مقتضَى عمل العامل، والأعلامُ مخصوصةٌ بالتغيير. ألا ترى أنهم قالوا: "رجاء بن حَيْوَةَ"، وقالوا: "مَحْبَب"، و"مَكْوَزةُ"؟ وساغ فيها الترخيمُ دون غيرها من الأسماء؛ لأنها في أصلها مغيرةٌ بنَقْلها إلى العَلَمية، والتغييرُ يُؤْنِس بالتغيير.
ووجهٌ ثانٍ أن الأعلام إنما سوغوا الحكايةَ فيها لما تَوهموه من تنكيرها، ووُجودِ التزاحم لها في الاسم، فجاؤوا بالحكاية لإزالةِ توهمِ ذلك. وهذا المعنى ليس موجودًا في غيرها من المعارف؛ لأنه لا يصح اعتقادُ التنكير فيما فيه الألفُ واللام مع وجودهما, ولا فيما هو مضاف مع وجودِ الإضافة، وكذلك سائرُ المعارف.
وكان يونسُ (١) يُجْرِي الحكاية في جميع المعارف، ويرى بابَها، وبابَ الأعلام واحدًا. وحكى سيبويه (٢) عن بعض العرب: "دَعْنا مِن تَمْرتانِ" كأنه قال: "ما عنده تمرتان"، فحكى قوله. وقال: سمعتُ عربيًا يقول لرجل سأله: "أليس قُرَشيا"؟ فقال: "ليس بقُرَشيًا"، حكايةٌ لقوله. فعلى هذا، إذا قال: "رأيتُ أخا زيدٍ"، جاز أن يقول: "من أخا زيدٍ". وليس ذلك بالمختار، والوجه الرفع في جميع المعارف ما خلا الأعلام، نحوُ قولك في جواب "جاءني أخو زيدٍ": "من أخو زيد؟ " و"رأيت أخا زيد": "من أخو زيد؟ "، و"مررت بأخي زيد": "من أخو زيد؟ "، وكذلك باقي المعارف.
فإن قيل: إذا كان الغرض من حكاية العَلَم إزالةَ توهم أن الاسم الثاني غير الأول، فهلّا زادوا على "من" زيادة تُنْبِىء عن حالِ الاسم المذكور، فيُعْلَمَ أنّه المراد دون غيره، كما فعل بالنكرة حيث قالوا: "مَنُو"، و"مَنَا"، و"مَنِي". قيل: كان القياس في النكرة الحكايةَ كالعَلَم لِما ذكرناه، غير أن إعادةَ لفظ النكرة، لم تجز؛ لأنه يلزم فيها، إذا أُعيدت، إدخالُ الألف واللام فيها؛ لأنها تصير معهودة، نحو قولك: "جاءني رجلٌ"، و"فعل الرجل كذا". وإذا أُدخل عليه الألف واللام، لم تمكن إعادةُ لفظ الأول، فلمّا لم تسغ الحكايةُ في النكرة، عدلوا إلى ما فعلوه من زيادة على لفظ "مَنْ" لتنوبَ منابَ الحكاية. وأمّا العَلَمُ المعرفة، فلا يلزم فيه ما لزم في النكرة من الإتيان بالألف واللام لتعرفه، فساغت منه الحكايةُ.
стр. 875
وأمْ بنو تميم، فإنهم جروا في ذلك على القياس في غيرِ هذا الباب، إذ لا خلافَ أن مستفهِمًا لو ابتدأ السؤالَ، لقال: "من زيدٌ؟ " فـ "مَنْ" مبتدأٌ، و"زيدٌ" الخبر، أو"زيد" مبتدأ، و"من" الخبر. فكذلك إذا وقع السؤال جوابًا لا فَرْقَ بينهما, ولأن الحكاية إنّما كانت في النكرة لتُنْبِىءَ أنّ الاستفهام إنما كان عن الاسم المتقدّم، لا عن غيره ممّا يُشارِكه في اسمه، وليس هذا المعنى في المعرفة، فكان منزلةُ بني تميم منزلةَ من أتى بالكلام من غيرِ تأكيد، نحو قولك: "أتاني القومُ". ومنزلةُ أهل الحجاز منزلةَ من أتى بالتأكيد، نحو قولك: "أتاني القومُ كلهم"؛ لأن التأكيد يُزيل توهُّمَ اللبس كما تُزيله الحكاية. فإن جئت مع "مَنْ" بواوِ عطف، أو فاء، نحو قولك: "فَمَنْ"، أو"وَمَنْ"؛ لم يكن فيما بعده إلَّا الرفعُ، وبطلت الحكايةُ، وذلك قولك إذا قال القائل: "رأيت زيدًا": "وَمَنْ زيدٌ" أو"فمَنْ زيدٌ؟ " وإنما كان كذلك من قِبَل أنك لمّا أتيتَ بحرف العطف، علم المسؤولُ أنّك تعطِف على كلامه، وتنحو نحوه، فاستغنيتَ عن الحكاية، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: لماذا استُفهم عن صفةِ العَلَم، قيل إذا قال: "جاءني زيدٌ": "المَني"، أي: الْقُرَشِي، أم الثقَفِي، و"المَنِيّتانْ"، و"المَنِيونْ".
* * *
قال الشارح: قد يحتاج الإنسان إلى معرفةِ نَسَب مَنْ يُذكَر له، وإن كان معروفَ العين عنده. فإذا أراد ذلك، أدخل الألفَ واللام على "مَنْ" من أولها، وأتى بياء النسب من آخِرها، وأعربها بإعرابِ الاسم المسؤول عنه، فإذا قال: "جاءني زيدٌ"، قال: "المَنِي؟ " وإذا قال: "رأيت زيدًا" قال: "المَنِي؟ " وإذا قال: "مررت بزيد"، قال: "المَنِي؟ " كأنه قال: "الثقَفي، أم القُرَشي؟ "، وإذا قال: "جاءني الزيدان"، قلت: "المَنِيانْ؟ " وفي النصب والجرّ: "المَنِيين؟ " فجئت بـ "مَنْ"؛ لأن "مَنْ " يُسأل بها عن الرجل المنسوب، أو الموصوف، وأمّا علامةُ النسب التي هي الياء، فلِيُعْلَمَ أنه يُسأل عنه منسوبًا، وأمّا الألفُ واللام. فلأنه إنما يُسأل عن صفةٍ العبارةُ عنها بالألف واللام.
ولو صرحتَ مكان "المَنى" بـ "الثقفي"، أو"القرشي"، لكان إعرابُه إعرابَ "المنيّ" على حسبِ الاسم المتقدّم. ويجوز رفعُه ألبتّة على إضمارِ مبتدأ، تقديره: "أهو الثقفي، أو القرشي؟ " كما إذا قيل: "كيف أنتَ؟ " قلت: "صالحٌ"، أي: "أنا صالحٌ". ولا يحسن أن يقع في جوابِ "المني" غيرُ النسب إلى الأب، نحو: "الثقفي"، و"القرشيّ"، ولا يحسن "البصري" أو"المكّي"؛ لأن أكثرَ أغراض العرب في المسألة عن الأنساب (١). وحُكي عن المبرد أنه سُئل عن الرجل يقولُ: "رأيت زيدًا"، فأردتَ أن تسأله عن صفته،
стр. 876
فقال: أقول: "المني" كأني أقوله: "الظريفيّ" أو"العالمي"، فعلى هذا يجوز في كل صفة. والأول أكثرُ، فعلى هذا لو قيل: "رأيت لاحِقًا"، وأريد البعير، وأردتَ أن تسأله عن صفته، فالقياسُ أن تقول: "المائِي؟ "، أو"الماوِيَّ؟ " لأنّ "ما" تختص بما لا يعقل، فاعرفه.
فصل [أوجه "أي "]
قال صاحب الكتاب: و"أي" كـ "من" في وجوهها, تقول مستفهماً: "أيهم حضر؟ " ومجازياً "أيهم يأتني أكرمه"، وواصلاً: "أضرب أيهم أفضل"، وواصفاً: "يا أيها الرجل". وهي عند سيبويه (١) مبنية على الضم إذا وقعت صلتها محذوفة الصدر, كما وقعت في قوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد علي الرحمن عتيا﴾ (٢). وأنشد أبو عمر الشيباني في كتاب الحروف [من المتقارب]:
إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل (٣)
فإذا كملت, فالنصب كقولهم: "عرفت أيهم هو في الدار", وقد قريء: ﴿أيهم أشد﴾ (٤).
* * *
قال الشارح: قد تقدم القول على "أي"، وأن معناها تبعيضُ ما أضيفت إليه، ولذلك لزمتْها الإضافةُ. وأقسامُها كأقسامِ "مَنْ" في وجوهها، وهي أربعة أقسام: تكون استفهامًا، وجزاءً، وموصولةً، وموصوفةً. فإذا كانت استفهامًا، أو جزاء، كانت تامّةً لا تحتاج إلى صلةِ.
وتكون مرفوعة ومنصوبة ومجرورة. فرفعها بالابتداء لا غيرُ، ونصبها بما بعدها من العوامل، ولا يعمل فيها ما قبلها, لأن الاستفهام والجزاء لهما صدر الكلام. فمثالُ الاستفهام "أيهم حضر؟ " و"أيهم يأتيني؟ " فـ "أيٌّ" هنا اسم تام لا يفتقر إلى صلةٍ, وهو رفعٌ بالابتداء، وما بعده الخبرُ، قال الله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ (٥). وتقول: "أيهم تضرب؟ " فـ "أي" نصبٌ بما بعده. قال الله، تعالى: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٦) فـ "أي" نصب بـ "ينقلبون" لا بما قبله.
стр. 877
ومثالهم إذا كانت جزاء "أيُّهم يأتني أُكْرِمْهُ" و"أيهم تُكْرِمْ أُكْرِمْه" فـ "أيٌّ" نصب بما بعده من الفعل، قال الله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) فـ "أَيا" نصبٌ بـ "تدعوا"، و"ما" زائدةٌ.
وإذا كانت موصولة، احتاجت إلى وَصْلها بكلام بعدها يُتمُّها، وتصير اسمًا به كاحتياج "الذِي" و"مَنْ"، و"ما"، إذا كانا بمعنى "الّذي". ويعمل فيها ما قبلها، وما بعدها، كما يعمل في "الذي"، وقد تقدم الكلام على ذلك مستقصى في الموصولات.
وأمّا كونُها موصوفة، ففي النداء خاصّة، إذا أردت نداء ما فيه الألفُ واللام، فتجيءُ بها مجرَّدة من معنى الاستفهام، وتجعلها وُصْلةٌ إلى نداء ما فيه الألفُ واللام، وذلك نحو قولك: "يا أيُّهَا الرجلُ"، "يا أيها الغلامُ"، وهو كثير في الكتاب العزيز، نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢)؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٣) ولزمتها هاء التنبيه كالعِوَض من المضاف إليه، فـ "أيٌّ" مُنادَى مضمومٌ كـ"يَا زيدُ"، و"هَا" للتنبيه، وما بعده صفةٌ له، وقد تقدّم ذلك في النداء.
فصل [الاستفهام بـ "أيّ" عن نكرة في وصل]
قال صاحب الكتاب: وإذا استفهم بها عن نكرة في وصل, قيل لمن يقول: "جاءني رجل": "أي؟ " بالرفع، ولمن يقول: "رأيت رجلاً": "أياً؟ " ولمن يقول: "مررت برجل": "أي؟ " وفي التثنية والجمع في الأحوال الثلاث, "أيان؟ " و"أيون؟ " و"أيينِ؟ " و"أيينَ؟ " وفي المؤنث "أيةٌ؟ " وأما في الوقف, فإسقاط التنوين وتسكين النون.
* * *
سبيلُ "أي" في الاستثبات سبيلُ "مَنْ"، وكان الأصلُ إذا قال القائل: "رأيت رجلًا"، أن تقول: "أي الرجلُ؟ " لأنّ النكرة إذا أُعيدت، عُرّفت بالألف واللام؛ لأنّها تصير معهودة بتقديم ذكرها، فاقتصروا على "أي"، وأعربوه بإعرابِ الاسم المتقدّم، وحكوا إعرابَه، وتثنيتَه، وجمعَه إن كان مثنى، أو مجموعًا، ليُعْلِموا بذلك أنه المقصود دون غيره.
فإذا قال: "جاءني رجل" قلت: "أي؟ " وإذا قال: "رأيت رجلًا"، قلت: "أيا؟ " وإذا قال: "مررت برجلٍ"، قلت: "أي؟ " وإذا قال: "جاءني رجلان" قلت: "أيانِ؟ " وفي النصب والجرّ: "أَيينِ؟ " وإذا قال: "رجال"، قلت: "أيُّونَ؟ " وفي النصب والجرّ:
стр. 878
"أيينَ؟ " وإذا قال: "جاءتْني امرأة"، قلت: "أيةٌ؟ " وإذا قال: "امرأتان"، أو"امرأتَيْنِ"، قلت: "أيتَانِ؟ " أو"أيتَيْنِ؟ " وإن قال: "جاءني نساءٌ"، قلت: "أيَّاتٌ؟ " وكان ذلك أخصرَ وأوجزَ من أن يأتوا بزيادةِ الألف واللام والجملةِ بأسرها مع حصولِ المقصود بدُونها.
وربما وقع عند ظهور الخبر بالألف واللام في الخبر لبسٌ بأن المذكور معهود غيرُ الأوّل. قال أبو العبّاس المبرد: لو ذكرتَ الخبر، وأظهرتَه، لم تكن "أيٌّ" إلَّا مرفوعة، نحوَ قولك: "أي مَن ذكرتَ؟ " أو"أي هؤلاء؟ " ولم تحسن الحكايةُ؛ لأنّ الخبر إذا ظهر، عُلم أن المتقدِّم مبتدأ، فقبُح مخالَفةُ ما يقتضيه إعرابُ المبتدأ. ألا ترى أنّهم قد أجازوا الحكايةَ بـ "مَنْ" في العَلَم، فقالوا في جواب من قال: "رأيت زيدًا": "مَن زيدًا؟ " لعدمِ ظهور الإعراب في "مَنْ". ولم يفعلوا ذلك مَع "أي"، لظهور الإعراب فيها، فاستقبحوا مخالَفةَ ما يقتضيه ظاهرُ اللفظ، وكذلك ورد عنهم: "إِنّهم أجمعون ذاهبون"، برفعِ "أجمعين" على الموضع، لما لم يظهر في المكنِي الإعرابُ، ولم يُجيزوا: "إنّ القومَ أجمعون ذاهبون" على الموضع، لظهور الإعراب في "القوم".
واعلم أنّ "أيا" لما كانت مخالِفةَ لـ"مَنْ" من جهةِ أنّ "أيا" معربةٌ، و"مَنْ" مبنيّة، كان ما يلحق "أيا" إعرابًا يثبت وصلًا، ويُحذَف وقفًا، ويُبدَل في الوقف من تنوينه في النصب ألفٌ. ولمّا كانت "مَنْ" مبنيّةٌ، لم يكن ما يلحقها إعرابًا، وإنّما هو علاماتٌ ودلالاتٌ على المسؤول عنه، ولذلك كان بابُه الوقفَ، ويُحذف في الوصل، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: ومحله الرفع على الإبتداء في هذه الأحوال كلها وما في لفظه من الرفع والنصب والجر حكاية وكذلك قولك: "من زيدٌ؟ " و"من زيداً؟ " و"من زيدٍ؟ " "من" والاسم بعده مرفوعًا المحل, مبتدأ وخبراً. ويجوز إفراده على كل حال, وأن يقال: "أياً؟ " لمن قال: "رأيت رجلين" أو"أمرأتين" أو "رجالاً" أو "نساءً"، ويقال في المعرفة إذا قال: "رأيت عبد الله", "أي عبد الله؟ " لا غير.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّك إذا حكيت، وقلت "أيا؟ " في جواب "رأيتُ رجلًا"، فـ "أيا" في محل مرفوع بالابتداء، والخبرُ محذوف، والتقديرُ: إلا مَن ذَكرتَ؟ أو أيا المذكور؟ ويجوز أن يكون خبرَ ابتداء، والمحذوفُ هو المبتدأ، والنصبُ في لفظه على حكايةِ إعرابِ الاسم المتقدّم.
كما أنّك إذا حكيتَ بـ "مَنْ" عن العَلَم، فقلت في جوابِ من قال: "رأيت زيدًا": "مَن زيدًا؟ " يكون "زيدًا" في موضعِ رفع بأنّه خبرُ المبتدأ، وإن كان منصوبًا على الحكاية. كذلك إذا قلت: "أيا؟ " كان في موضعِ مرفوع، وإن كان منصوبًا في اللفظ على الحكاية، وكذلك الجرُّ إذا قلت: "أي؟ " في جوابِ "مررت برجلٍ" في موضعِ رفع
стр. 879
بالابتداء، وخفضُه حكايةُ إعراب الاسم المتقدّم. وإذا قيل: "جاءني رجلٌ"، قلت "أيّ؟ " فرفعت فالرفعُ على الحكاية؛ لأنك إنما تستفهم عمّا وضع المتكلّمُ كلامَه عليه، وليس الرفع الذي يُوجِبه الابتداءُ، إنما هو في محلِّ مبتدأ.
ويجوز أن يُقال "أيًا؟ " لِمَن قال: "رأيت رجلَيْن أو امرأتَيْن أو رجالًا أو نساءً"، فتُفْرِدها مع الاثنين والجماعة، وتُذكِّرها مع المؤنّث؛ لأنّ لفظَ "أي" يجوز أن يقع للاثنين والجماعة على لفظ الواحد، ويقع على المؤنث بلفظِ المذكّر، كما كانت "مَنْ" كذلك.
فإذا استثبتَ بـ "أي" عن معرفة، لم يكن بد من الإتيان بالخبر، وبطلت الحكايةُ، فإذا قال "جاءني عبدُ الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ "، وإذا قال: "رأيت عبد الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ "، وإذا قال: "مررت بعبد الله"، قلت: "أيّ عبدُ الله؟ " بالرفع لا غيرُ. لم يكتفوا في المعرفة إلَّا بذكرِ الاسم والخبر، وفصلوا بين المعرفة والنكرة لاختلافِ حالَيْهما في السؤال. وذلك أن السؤال في النكرة، إنّما هو عن ذاتها، وفي المعرفهَ إنما هو عن صفتها. فإذا سألت عن منكورٍ، فإنما سألت عن شائع في الجنس، لِيخُصه لك باللقب أو بغيره من المُعرِّفات، وإذا سألت عن معرفة، فإنّما سألت عن معروفٍ وقع فيه اشتراك عارض، فأردت أن يخُصّه لك بالنعت، فإذا قال: "جاءني عبد الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ " فالجوابُ: "الطويلُ"، أو"العالمُ"، ونحوهما من الصفات المميزة ممّن له مثلُ اسمه، فلما كان الجوابُ بالنعت، لم يكن بد من ذكرِ المنعوت، فاعرفه.
فصل ["ذا" بمعني "الذي "]
قال صاحب الكتاب: ولم يثبت سيبويه "ذا" بمعنى "الذي" إلا في قولهم: "ماذا", وقد أثبته الكوفيون, وأنشدوا [من الطويل]:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق (١)
أي: و"الذي تحملينه طليق", وهذا شاذ عند البصريين. وذكر سيبويه (٢) في "ماذا صنعت؟ "وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى أي شيء الذي صنعته وجوابه حسن بالرفع وأنشد للبيد [من الطويل]:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل (٣)
стр. 880
والثاني أن يكون "ماذا" كما هو بمنزلة اسم واحد, كأنه قيل: "أي شيء صنعت؟ " وجوابه بالنصب, وقرىء قوله تعالى: ﴿ماذا ينفقون قل العفو﴾ (١) بالرفع والنصب.
* * *
قال الشارح: قد تقدم القول في "ذَا" من قولك "مَاذَا صنعتَ؟ " أنّها تكون على وجهَيْن:
أحدُهما: أن تكون بمعنَى "الذِي" وما بعده من الفعل والفاعل صلتُه، وهو في موضعِ مرفوع, لأنّه خبرُ المبتدأ الذي هو"مَا".
والوجهُ الثاني: أن يكون "مَا"، و"ذَا" جميعًا اسماً واحدًا، يُستفهم به بمعنَى "مَا"، وموضعُه نصبٌ بالفعل بعده، وقد مضى مشروحًا.
فأمّا البيت الذي أنشده وهو [من الطويل]:
ألا تسألان ... إلخ
البيت للَبِيد، والشاهد فيه رفعُ "أنَحْبٌ" و"ضَلالٌ" على البدل من "مَا"، فدل ذلك على أن "ذَا" في موضع رفع بأنه خبرُ "مَا"، وهو بمعنَى "الذي"، وما بعده صلتُه. والنَّحبُ: النذُرُ، يُقال: "سار فلانٌ على نَحْبٍ" إذا سار فأجْهَدَ السيرَ، كأنه خاطَرَ على شيء، فجَدَّ في السير، كأنه يُعنِّف الإنسانَ على جِدّه في أمر الدنيا وتَعَبِه لها، أي يفعل ذلك لنذرٍ يقضيه، أم لضلالٍ وأمرٍ باطلٍ.
ولا يكون "ذَا" ولا شيءٌ من أسماء الإشارة موصولًا عند البصريين، إلَّا فيما ذكرناه من "ذا" إذا كان معها "مَا". وذهب الكوفيون (٢) إلى أن جميعَ أسماء الإشارة يجوز أن تقع موصولة، وإن لم يكن معها "مَا"، واحتجّوا بأشياء، منها قولُه تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ (٣). ومن ذلك ما قاله ثَعْلَب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) أن هؤلاء بمعنى "الذين"، والمراد: الّذين تقتلون أنفسكم. ومن ذلك قوله [من الطويل]:
عَدَس ما لعباد ... إلخ