فقال: أقول: "المني" كأني أقوله: "الظريفيّ" أو"العالمي"، فعلى هذا يجوز في كل صفة. والأول أكثرُ، فعلى هذا لو قيل: "رأيت لاحِقًا"، وأريد البعير، وأردتَ أن تسأله عن صفته، فالقياسُ أن تقول: "المائِي؟ "، أو"الماوِيَّ؟ " لأنّ "ما" تختص بما لا يعقل، فاعرفه.
فصل [أوجه "أي "]
قال صاحب الكتاب: و"أي" كـ "من" في وجوهها, تقول مستفهماً: "أيهم حضر؟ " ومجازياً "أيهم يأتني أكرمه"، وواصلاً: "أضرب أيهم أفضل"، وواصفاً: "يا أيها الرجل". وهي عند سيبويه (١) مبنية على الضم إذا وقعت صلتها محذوفة الصدر, كما وقعت في قوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد علي الرحمن عتيا﴾ (٢). وأنشد أبو عمر الشيباني في كتاب الحروف [من المتقارب]:
إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل (٣)
فإذا كملت, فالنصب كقولهم: "عرفت أيهم هو في الدار", وقد قريء: ﴿أيهم أشد﴾ (٤).
* * *
قال الشارح: قد تقدم القول على "أي"، وأن معناها تبعيضُ ما أضيفت إليه، ولذلك لزمتْها الإضافةُ. وأقسامُها كأقسامِ "مَنْ" في وجوهها، وهي أربعة أقسام: تكون استفهامًا، وجزاءً، وموصولةً، وموصوفةً. فإذا كانت استفهامًا، أو جزاء، كانت تامّةً لا تحتاج إلى صلةِ.
وتكون مرفوعة ومنصوبة ومجرورة. فرفعها بالابتداء لا غيرُ، ونصبها بما بعدها من العوامل، ولا يعمل فيها ما قبلها, لأن الاستفهام والجزاء لهما صدر الكلام. فمثالُ الاستفهام "أيهم حضر؟ " و"أيهم يأتيني؟ " فـ "أيٌّ" هنا اسم تام لا يفتقر إلى صلةٍ, وهو رفعٌ بالابتداء، وما بعده الخبرُ، قال الله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ (٥). وتقول: "أيهم تضرب؟ " فـ "أي" نصبٌ بما بعده. قال الله، تعالى: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٦) فـ "أي" نصب بـ "ينقلبون" لا بما قبله.
стр. 877
ومثالهم إذا كانت جزاء "أيُّهم يأتني أُكْرِمْهُ" و"أيهم تُكْرِمْ أُكْرِمْه" فـ "أيٌّ" نصب بما بعده من الفعل، قال الله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) فـ "أَيا" نصبٌ بـ "تدعوا"، و"ما" زائدةٌ.
وإذا كانت موصولة، احتاجت إلى وَصْلها بكلام بعدها يُتمُّها، وتصير اسمًا به كاحتياج "الذِي" و"مَنْ"، و"ما"، إذا كانا بمعنى "الّذي". ويعمل فيها ما قبلها، وما بعدها، كما يعمل في "الذي"، وقد تقدم الكلام على ذلك مستقصى في الموصولات.
وأمّا كونُها موصوفة، ففي النداء خاصّة، إذا أردت نداء ما فيه الألفُ واللام، فتجيءُ بها مجرَّدة من معنى الاستفهام، وتجعلها وُصْلةٌ إلى نداء ما فيه الألفُ واللام، وذلك نحو قولك: "يا أيُّهَا الرجلُ"، "يا أيها الغلامُ"، وهو كثير في الكتاب العزيز، نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢)؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٣) ولزمتها هاء التنبيه كالعِوَض من المضاف إليه، فـ "أيٌّ" مُنادَى مضمومٌ كـ"يَا زيدُ"، و"هَا" للتنبيه، وما بعده صفةٌ له، وقد تقدّم ذلك في النداء.
فصل [الاستفهام بـ "أيّ" عن نكرة في وصل]
قال صاحب الكتاب: وإذا استفهم بها عن نكرة في وصل, قيل لمن يقول: "جاءني رجل": "أي؟ " بالرفع، ولمن يقول: "رأيت رجلاً": "أياً؟ " ولمن يقول: "مررت برجل": "أي؟ " وفي التثنية والجمع في الأحوال الثلاث, "أيان؟ " و"أيون؟ " و"أيينِ؟ " و"أيينَ؟ " وفي المؤنث "أيةٌ؟ " وأما في الوقف, فإسقاط التنوين وتسكين النون.
* * *
سبيلُ "أي" في الاستثبات سبيلُ "مَنْ"، وكان الأصلُ إذا قال القائل: "رأيت رجلًا"، أن تقول: "أي الرجلُ؟ " لأنّ النكرة إذا أُعيدت، عُرّفت بالألف واللام؛ لأنّها تصير معهودة بتقديم ذكرها، فاقتصروا على "أي"، وأعربوه بإعرابِ الاسم المتقدّم، وحكوا إعرابَه، وتثنيتَه، وجمعَه إن كان مثنى، أو مجموعًا، ليُعْلِموا بذلك أنه المقصود دون غيره.
فإذا قال: "جاءني رجل" قلت: "أي؟ " وإذا قال: "رأيت رجلًا"، قلت: "أيا؟ " وإذا قال: "مررت برجلٍ"، قلت: "أي؟ " وإذا قال: "جاءني رجلان" قلت: "أيانِ؟ " وفي النصب والجرّ: "أَيينِ؟ " وإذا قال: "رجال"، قلت: "أيُّونَ؟ " وفي النصب والجرّ:
стр. 878
"أيينَ؟ " وإذا قال: "جاءتْني امرأة"، قلت: "أيةٌ؟ " وإذا قال: "امرأتان"، أو"امرأتَيْنِ"، قلت: "أيتَانِ؟ " أو"أيتَيْنِ؟ " وإن قال: "جاءني نساءٌ"، قلت: "أيَّاتٌ؟ " وكان ذلك أخصرَ وأوجزَ من أن يأتوا بزيادةِ الألف واللام والجملةِ بأسرها مع حصولِ المقصود بدُونها.
وربما وقع عند ظهور الخبر بالألف واللام في الخبر لبسٌ بأن المذكور معهود غيرُ الأوّل. قال أبو العبّاس المبرد: لو ذكرتَ الخبر، وأظهرتَه، لم تكن "أيٌّ" إلَّا مرفوعة، نحوَ قولك: "أي مَن ذكرتَ؟ " أو"أي هؤلاء؟ " ولم تحسن الحكايةُ؛ لأنّ الخبر إذا ظهر، عُلم أن المتقدِّم مبتدأ، فقبُح مخالَفةُ ما يقتضيه إعرابُ المبتدأ. ألا ترى أنّهم قد أجازوا الحكايةَ بـ "مَنْ" في العَلَم، فقالوا في جواب من قال: "رأيت زيدًا": "مَن زيدًا؟ " لعدمِ ظهور الإعراب في "مَنْ". ولم يفعلوا ذلك مَع "أي"، لظهور الإعراب فيها، فاستقبحوا مخالَفةَ ما يقتضيه ظاهرُ اللفظ، وكذلك ورد عنهم: "إِنّهم أجمعون ذاهبون"، برفعِ "أجمعين" على الموضع، لما لم يظهر في المكنِي الإعرابُ، ولم يُجيزوا: "إنّ القومَ أجمعون ذاهبون" على الموضع، لظهور الإعراب في "القوم".
واعلم أنّ "أيا" لما كانت مخالِفةَ لـ"مَنْ" من جهةِ أنّ "أيا" معربةٌ، و"مَنْ" مبنيّة، كان ما يلحق "أيا" إعرابًا يثبت وصلًا، ويُحذَف وقفًا، ويُبدَل في الوقف من تنوينه في النصب ألفٌ. ولمّا كانت "مَنْ" مبنيّةٌ، لم يكن ما يلحقها إعرابًا، وإنّما هو علاماتٌ ودلالاتٌ على المسؤول عنه، ولذلك كان بابُه الوقفَ، ويُحذف في الوصل، فاعرفه.
* * *
قال صاحب الكتاب: ومحله الرفع على الإبتداء في هذه الأحوال كلها وما في لفظه من الرفع والنصب والجر حكاية وكذلك قولك: "من زيدٌ؟ " و"من زيداً؟ " و"من زيدٍ؟ " "من" والاسم بعده مرفوعًا المحل, مبتدأ وخبراً. ويجوز إفراده على كل حال, وأن يقال: "أياً؟ " لمن قال: "رأيت رجلين" أو"أمرأتين" أو "رجالاً" أو "نساءً"، ويقال في المعرفة إذا قال: "رأيت عبد الله", "أي عبد الله؟ " لا غير.
* * *
قال الشارح: اعلم أنّك إذا حكيت، وقلت "أيا؟ " في جواب "رأيتُ رجلًا"، فـ "أيا" في محل مرفوع بالابتداء، والخبرُ محذوف، والتقديرُ: إلا مَن ذَكرتَ؟ أو أيا المذكور؟ ويجوز أن يكون خبرَ ابتداء، والمحذوفُ هو المبتدأ، والنصبُ في لفظه على حكايةِ إعرابِ الاسم المتقدّم.
كما أنّك إذا حكيتَ بـ "مَنْ" عن العَلَم، فقلت في جوابِ من قال: "رأيت زيدًا": "مَن زيدًا؟ " يكون "زيدًا" في موضعِ رفع بأنّه خبرُ المبتدأ، وإن كان منصوبًا على الحكاية. كذلك إذا قلت: "أيا؟ " كان في موضعِ مرفوع، وإن كان منصوبًا في اللفظ على الحكاية، وكذلك الجرُّ إذا قلت: "أي؟ " في جوابِ "مررت برجلٍ" في موضعِ رفع
стр. 879
بالابتداء، وخفضُه حكايةُ إعراب الاسم المتقدّم. وإذا قيل: "جاءني رجلٌ"، قلت "أيّ؟ " فرفعت فالرفعُ على الحكاية؛ لأنك إنما تستفهم عمّا وضع المتكلّمُ كلامَه عليه، وليس الرفع الذي يُوجِبه الابتداءُ، إنما هو في محلِّ مبتدأ.
ويجوز أن يُقال "أيًا؟ " لِمَن قال: "رأيت رجلَيْن أو امرأتَيْن أو رجالًا أو نساءً"، فتُفْرِدها مع الاثنين والجماعة، وتُذكِّرها مع المؤنّث؛ لأنّ لفظَ "أي" يجوز أن يقع للاثنين والجماعة على لفظ الواحد، ويقع على المؤنث بلفظِ المذكّر، كما كانت "مَنْ" كذلك.
فإذا استثبتَ بـ "أي" عن معرفة، لم يكن بد من الإتيان بالخبر، وبطلت الحكايةُ، فإذا قال "جاءني عبدُ الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ "، وإذا قال: "رأيت عبد الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ "، وإذا قال: "مررت بعبد الله"، قلت: "أيّ عبدُ الله؟ " بالرفع لا غيرُ. لم يكتفوا في المعرفة إلَّا بذكرِ الاسم والخبر، وفصلوا بين المعرفة والنكرة لاختلافِ حالَيْهما في السؤال. وذلك أن السؤال في النكرة، إنّما هو عن ذاتها، وفي المعرفهَ إنما هو عن صفتها. فإذا سألت عن منكورٍ، فإنما سألت عن شائع في الجنس، لِيخُصه لك باللقب أو بغيره من المُعرِّفات، وإذا سألت عن معرفة، فإنّما سألت عن معروفٍ وقع فيه اشتراك عارض، فأردت أن يخُصّه لك بالنعت، فإذا قال: "جاءني عبد الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ " فالجوابُ: "الطويلُ"، أو"العالمُ"، ونحوهما من الصفات المميزة ممّن له مثلُ اسمه، فلما كان الجوابُ بالنعت، لم يكن بد من ذكرِ المنعوت، فاعرفه.
فصل ["ذا" بمعني "الذي "]
قال صاحب الكتاب: ولم يثبت سيبويه "ذا" بمعنى "الذي" إلا في قولهم: "ماذا", وقد أثبته الكوفيون, وأنشدوا [من الطويل]:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق (١)
أي: و"الذي تحملينه طليق", وهذا شاذ عند البصريين. وذكر سيبويه (٢) في "ماذا صنعت؟ "وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى أي شيء الذي صنعته وجوابه حسن بالرفع وأنشد للبيد [من الطويل]:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل (٣)
стр. 880
والثاني أن يكون "ماذا" كما هو بمنزلة اسم واحد, كأنه قيل: "أي شيء صنعت؟ " وجوابه بالنصب, وقرىء قوله تعالى: ﴿ماذا ينفقون قل العفو﴾ (١) بالرفع والنصب.
* * *
قال الشارح: قد تقدم القول في "ذَا" من قولك "مَاذَا صنعتَ؟ " أنّها تكون على وجهَيْن:
أحدُهما: أن تكون بمعنَى "الذِي" وما بعده من الفعل والفاعل صلتُه، وهو في موضعِ مرفوع, لأنّه خبرُ المبتدأ الذي هو"مَا".
والوجهُ الثاني: أن يكون "مَا"، و"ذَا" جميعًا اسماً واحدًا، يُستفهم به بمعنَى "مَا"، وموضعُه نصبٌ بالفعل بعده، وقد مضى مشروحًا.
فأمّا البيت الذي أنشده وهو [من الطويل]:
ألا تسألان ... إلخ
البيت للَبِيد، والشاهد فيه رفعُ "أنَحْبٌ" و"ضَلالٌ" على البدل من "مَا"، فدل ذلك على أن "ذَا" في موضع رفع بأنه خبرُ "مَا"، وهو بمعنَى "الذي"، وما بعده صلتُه. والنَّحبُ: النذُرُ، يُقال: "سار فلانٌ على نَحْبٍ" إذا سار فأجْهَدَ السيرَ، كأنه خاطَرَ على شيء، فجَدَّ في السير، كأنه يُعنِّف الإنسانَ على جِدّه في أمر الدنيا وتَعَبِه لها، أي يفعل ذلك لنذرٍ يقضيه، أم لضلالٍ وأمرٍ باطلٍ.
ولا يكون "ذَا" ولا شيءٌ من أسماء الإشارة موصولًا عند البصريين، إلَّا فيما ذكرناه من "ذا" إذا كان معها "مَا". وذهب الكوفيون (٢) إلى أن جميعَ أسماء الإشارة يجوز أن تقع موصولة، وإن لم يكن معها "مَا"، واحتجّوا بأشياء، منها قولُه تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ (٣). ومن ذلك ما قاله ثَعْلَب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) أن هؤلاء بمعنى "الذين"، والمراد: الّذين تقتلون أنفسكم. ومن ذلك قوله [من الطويل]:
عَدَس ما لعباد ... إلخ
стр. 881
البيت ليزيد بن مُفزغ، والشاهدُ فيه قوله: وهذا تحملين، جعل "هذَا" بمعنَى "الذي" موصولًا، و"تحملين" صلتَه، أي: والذي تحملينهُ طليقٌ. يصف أمْنَه بخُروجه عن ولايةِ عَبّادٍ، ويخاطب بَغلتَه، فقولُه: "عَدَسْ" زَجْرٌ للبغلة، كأنّه زجرها، ثم قال: ما لعبّادَ عليك إمارةٌ، أمنتِ. ويجوز أن يكون "عدس" اسمًا للبغلة نفسِها، سُميت بذلك؛ لأنه ممْا تُزجَر به، كما قال [من الرجز]:
٥١٢ - إذا حَمَلْتُ بِزتي على عَدَسْ
والصواب ما ذهب إليه أصحابُنا. وما تَعلقوا به لا حجّةَ فيه، فأمّا قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ (١) فالجارُّ والمجرور في موضع الحال، و"مَا" استفهامٌ في موضعِ رفع بالابتداء، و"تِلْكَ" الخبرُ، كما يكون الجار والمجرور صفةً إذا وقع بعد نكرة، نحوَ: "هذه عَصا بيَمِينك". وصفةُ النكرة تكون حالًا للمعرفة. وكذلك "تحملين" من قوله: "وهذا تحملين طليقُ"، فـ "هذَا" مبتدأ، و"طليق" الخبرُ، و"تحملين" في موضع الحال، والتقديرُ: هذا محمولًا طليقٌ. وأمّا قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢)، فـ "أنْتم" مبتدأ، و"هؤلاء" الخبر، و"تقتلون أنفسكم" في موضع الحال، التقديرُ: ثم أنتم هؤلاء قاتِلِينَ أنفسَكم.
وذهب أبو العباس المبرّد إلى أنّ "هؤلاء" مُنادى، والتقدير: يا هؤلاء، فهو في موضعِ اسم مضموم، و"أنْتُم" مبتدأ، والخبرُ "تقتلون". ولو كان تقديرُ "هؤلاء الَّذين" كما ذهبوا إليه، لكان "تقتلون" بلفظِ الغيبة؛ لأنّ "الَّذي" اسمٌ ظاهر موضوع للغيبة. هذا هو الاْكثرُ، وربما جاء لا بلفظ الغيبة حملًا على المعنى دون اللفظ، نحوَ قوله [من الكامل]:
٥١٣ - وأنا الذي قتلتُ بَكْرًا بِالقَنَا ... وتركتُ مُرَّةَ غيرَ ذاتِ سَنامِ
стр. 882
وهو قليلٌ من قبيلِ الشاذّ، فاعرفه.
стр. 883
شرح المفصل للزمخشري
تأليف
موفق الدين أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش الموصلي المتوفي سنة ٦٤٣هـ
قدم له ووضع هوامشه وفهارسه الدكتور إميل بديع يعقوب
الجزء الثالث
منشورات محمد علي بيضون
لنشر الكتب السنة والجماعة
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
стр. 884
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنفيذ الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله علي أشرطة كاسيت أو إدخاله علي الكمبيوتر أو برمجته علي اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا.
الطبعة الأولي ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف- شارع البحتري - بناية ملكارت
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٧٢ (٩٦١١)
صندوق بريد: ٩٤٣٤ - ١١ بيروت - لبنان
стр. 885
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أسماءُ الأفعال والأصوات
فصل [نوعا أسماء الأفعال]
قال صاحب الكتاب: هي على ضربين ضرب لتسمية الأوامر وضرب لتسمية الأخبار, والغلبة للأول وهو ينقسم إلى متعد للمأمور, وغير متعد له. فالمعتدي نحو قولك: "رويداً زيداً", أي: أروده ,وأمهله. ويقال: "تيد زيداً" بمعنى رويد, و"هلم زيداً", أي قربه, وأحضره, و"هات الشيء" أي: أعطنيه, قال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ (١). و"ها زيداً", أي خذه, و"حيهل الثريد", أي: إيته, و"بله زيداً" أي: دعه, و"تراكها" و"مناعها" أي: "اتركها" و"امنعها", و"عليك زيداً" أي: الزمه, و"علي زيدًا" أي: أولنيه.
* * *
قال الشارح: اعلم أن معنَى قول النحويين: "أسماءُ الأفعال" المرادُ به أنها وُضعت لتدل على صِيَغِ الأفعال، كما تدل الأسماءُ على مُسمَّياتها، فقولُنا: "بَعُدَ" دالٌ على ما تحته من المعنى، وهو خِلاف القُرب. وقولُك: "هَيْهَاتَ" اسم للفظِ "بَعُدَ" " دال عليه، وكذلك سائرها.
والغرض منها الإيجاز والاختصار، ونوعٌ من المبالغة، ولولا ذلك، لكانت الأفعالُ التي هذه الألفاظُ أسماءٌ لها، أوْلى بموضعها. ووجهُ الاختصار فيها مجيئُها للواحد والواحدة، والتثنية والجمعِ بلفظ واحد وصورةِ واحدةِ، ألا ترى أنك تقول في الأمر للواحد: "صَهْ يا زيد"، وفي الاثنين: "صَهْ يا زيدان"، وفي الجماعة: "صَه يا زيدون"، وفي الواحدة: "صَه يا هِندُ"، و"صَة يا هندان"، و"صَه يا هنداتُ"، ولو جئت بمُسَمَى هذه اللفظة، وهو "اسكُت"، و"اسكتا" للاثنين، و"اسكتوا" للجماعة، و"اسكتي"، للواحدة المخاطبة، و"اسكتنَ" لجماعة المؤنث؟ فتَرْكهم إظهارَ علامةِ التأنيث والتثنية والجمع مع أن في كل واحد من هذه الأسماء ضميرًا للمأمور، والمَنهيّ بحكم مشابهةِ الفعل، ونِيابتِه عنه دليلٌ على ما قلناه من قصدِ الإيجاز والاختصار. وأما المبالَغة، فإنّ
стр. 886
قولنا: "صَهْ" أبلغُ في المعنى من "اسْكُتْ"، وكذلك البَواقي.
واعلم أن هذه الأسماء، وإن كان فيها ضميرٌ تستقِل به، فليس ذلك على حدّه في الفعل، ما فيها ألا ترى الفعل يصير بما فيه من الضمير جملةً، وليست هذه الأسماءُ كذلك، بل هي مع ما فيها من الضمير أسماءٌ مفردةٌ على حدّه في اسم الفاعل، واسم المفعول والظرفِ؟ والذي يدل على أن هذه الألفاظ أسماء مفردة إسنادُ الفعل إليها. قالَ زُهَيْر [من الكامل]:
٥١٤ - ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا ... دُعِيَتْ نَزالِ ولُجَّ في الذعْرِ
فلو كانت "نَزالِ" بما فيها من الضمير جملة، لَما جاز إسنادُ "دُعِيَتْ" إليها من حيث كانت الجمل لا يصح كونُ شيء منها فاعلًا. وإنما لم يصحّ أن تكون الجملةُ فاعلًا؛ لأنّ الفاعل يصحّ إضمارُه، والجملة لا يصحّ إضمارها؛ لأن المضمر لا يكون إلَّا معرفةً، والجمل ممّا لا يصح تعريفُها من حيث كانت معاني الجمل مستفادة. ولو كانت معرفة، لم تكن مستفادةً، فلما تَدافع الأمران فيها (١) وتَنافيا، لم يجتمعا.
والذي يدلّ أن هذه الألفاظ أسماءٌ أُمورٌ:
الأوّل منها: جوازُ كونها فاعلةٌ ومفعولةٌ، فمن الفاعل ما ذكرناه من إسنادِ الفعل
стр. 887
إليها في قوله: "إذا دعيتْ نزال"، والفعلُ لا يُسنَد إلَّا إلى اسم مَحْض. ومن المفعول قُولُ الآخَر [من الكامل]:
٥١٥ - فدَعَوْا نَزالِ فكُنْت أوّلَ نَازِلٍ ... وعَلَامَ أرْكَبُهُ إذا لم أنْزِلِ
فإن قيل: فقد قال الشاعر [من الطويل]:
٥١٦ - وما راعَنِي إلَّا يَسِيرُ بشُرْطَةٍ ... وعَهْدِي به قَيْنًا يَفُشُّ بِكِيرِ
стр. 888
فجعل "يسير" فاعلًا، وهو فعل مضارعٌ، وقال جَمِيل [من الطويل]:
٥١٧ - جَزِعْتُ حِذارَ البَيْنِ يومَ تَحَمَّلُوا ... وحُقَّ لِمثْلِي يا بُثَيْنَةُ يَجْزَعُ
فأسند "حُقَّ" إلى "يجزع" وهو فعلٌ، قيل: إن مراده ها هنا معنى الفعلَيْن، والتقديرُ: "أن يسيرَ" و"أن يجزعَ". فالفعلُ فيهما مسند إلى المصدر المنوي، لا إلى الفعل؛ لأن "أن" والفعلَ مصدرٌ. والمرادُ: وما راعني إلَّا سَيْرُه، وحُق لمثلي الجَزَعُ. وقد اطّرد حذفُ "أن" وإرادتُها نحوُ قوله [من الطويل]:
ألَا أيهَذا الزاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى ... وأن أشْهَدَ اللذاتِ هل أنتَ مُخْلِدِي (١)
والمراد "أن أحضرَ" فلما حُذف "أنْ" ارتفع الفعل، وإن كانت مرادة. ومثلُه قوله [من الوافر]:
فقالوا: ما تَشاءُ فقلتُ: ألْهُو (٢)
стр. 889
والمراد: أن ألْهُوَ، أي اللهْوَ.
والثاني: حكايةُ بنائه إذا نُقل إلى العَلَمية، وسُمّي به، وفي آخِره الراءُ، فإنه يجتمع القبيلان: بنو تميم وأهل الحجاز علي بنائه، نحوِ قولك: "حَضارِ"، و"سَفارِ"، فحالُه بعد التسمية كحاله قبل التسمية في بنائه؛ لأنه اسمٌ نُقل فبقي علي بنائه، ولم يُعرَب. ولو كان فعلًا، لوجب إذا نُقل إلى العلمية أن يُعرب، نحوَ: "كَعْسَبَ"، و"تَغْلِبَ"، و"اضرب".
فإن قيل: فهلّا كان إعرابُ بني تميم من ذلك في التسمية ما لم يكن آخرُه راءً، نحوَ: "نَزالِ"، و"دَراكِ" دليلًا على أنّه فعل. قيل: لا يدلّ ذلك على كونه فعلًا؛ لأنهم أجروا ذلك مُجْرَى "أيْنَ"، و"كَيْفَ"، و"كَمْ" إذا سُمّي به، وإجماعُهم مع الحجازيين على بناءِ ما كان آخره راءٌ بعد التسمية به دلالةٌ على أنّه اسمٌ عندهم.
الثالث: إنّه يُنون فَرْقا بين المعرفة والنكرة، وذلك إذا قلت: "صَهْ"، كان معرفة، وإذا قلت: "صَهٍ"، كان نكرة، والتعريفُ من خصائص الأسماء، ويؤيّد ما قلناه جُمودُها، وعدمُ تصرّفها.
فإن قيل: هذه تعمل عملَ الأفعال، وتُفيد فائدةَ الأفعال من الأمر والنهي والزمان الخاص، ألا تراك إذا قلت: "هَيْهاتَ"، فهمتَ البُعدَ في زمانٍ ماضٍ، وهذه دلالةُ الفعل، فهلاّ قلت: إنها أفعالٌ، وتكون من قبيل الألفاظ المترادِفة، فـ "صَهْ"، و"اسْكُتْ" بمنزلةِ: "ذَهَبَ"، و"مَضَى"، و"قَعَدَ"، و"جَلَسَ". قيل: قد تقدّمت الدلالةُ على اسميةِ هذه الكِلَم بما فيه مَقْنَعٌ، وأمّا إعمالها عملَ الأفعال؛ فللشَبَه الواقع بينها وبين الأفعال، وأمّا دلالتُها على ما تدلّ عليه الأفعال من الأمر والنهي والزمان الخاص؛ فإنّما استُفيد من مدلولها لا منها نفسِها، فإذا قلت: "صَهْ"، دل ذلك على "اسْكُتْ"، والأمرُ مفهوم منه، أي: من المسمى الذي هو "اسكت". و"هَيْهاتَ" اسم، ومسمّاه لفظ آخَر، وهو بعُدَ، فالزمانُ معلومٌ من المسمى لا من الاسم.
ولمّا كانت هذه الألفاظ أسماءٌ للأفعال كالأعلام عليها؛ كان فيها كثير من أحكام الأعلام، وذلك أن فيها المرتجَلَ والمنقول والمشتقّ، فالمرتجلُ، نحوُ: "صَهْ"، و"مَهْ"، والمنقول كـ" عَلَيْكَ" و"إلَيْكَ"، و"دُونَكَ"، والمشتقّ كـ" نَزالِ"، و"حَذارِ"، و"بَدادِ".
وهذه الأسماء على ضربين كما ذُكر: ضرب لتسمية الأوامر، وضرب لتسمية الأخبار، والغَلَبَةُ للأول. وإنما كان الغالب فيها الأمرَ، لِما ذكرناه من أنّ الغرض بها الإيجاز مع ضرب من المبالغة. وذلك بابُه الأمر؛ لأنه الموضع الذي يُجْتزأ فيه بالإشارة، وقرينةِ حال، أو لفظٍ عن التصريح بلفظ الأمر. ألا ترى أنّك تقول لمَن أشال سَوْطًا، أو سدد سَهْمًا، أو شهر سيفًا: "زيدًا"، أو"عمرًا"، فتستغني بشاهدِ الحال عن أن تقول: "أوْجِعْ "، أو "ارْمِ"، أو"اضْرِبْ". ويكفي من ذلك الإشارةُ وشاهد الحال، وقامت
стр. 890
المخاطبةُ وحُضورُ المأمور مقامَ اللفظ بالأمر. وإذا جاز حذفُ فعل الأمر من غيرِ خَلَفٍ لشاهدِ حالٍ، كان حذفُه لقيام غيره مقامَه أوْلى بالجواز. وليس كذلك الغائب والخبرُ، فلذلك قل استعمالُ هذه الكِلَمَ في الخبر، وكثُر في أمرِ الحاضر.
ووجهٌ ثانٍ أنّ الأمر لا يكون إلَّا بالفعل، فلمّا قويت الدلالةُ على الفعل، حسُن حذفُه وإقامةُ الاسم المُناب عنه خَلَفًا منه. ولما كانت هذه الأسماء عِوَضًا عن اللفظ بالفعل ونائبة عنه، أُعملت عَمَلَه، ولما كانت الأفعال التي هي مسمَّياتُ هذه الأسماء، منها ما هو متعد للفاعل متجاوِزٌ له إلى غيره، نحوُ: "خُذ زيدًا" و"الْزَمْ عمرًا"، ومنها ما هو لازم له لا يتجاوزه إلى مفعول، نحوُ: "اسْكُتْ"، و"اكْفُفْ"، كانت هذه الأسماء كذلك على حسبِ مسمياتها، منها ما هو متعد للمأمور، ومنها ما لا يتجاوزه إلى غيره.
فمن المتعدى قولُهم: "رُوَيْدَ زيدًا"، أي: أرْوِدْه، وأمْهِلْه، فهو اسمٌ لهذا اللفظ، وهو مشتق من مسماه الذي هو "أرْوِدْ". وأصلُه المصدر الذي هو "إرْوادٌ". وصُغر بحذفِ الزوائد تصغيرَ الترخيم، فقالوا: "رُوَيْد"، كما قالوا: "سُوَيْدٌ" في "أسْوَدُ"، و"زُهَيْرٌ" في "أَزْهَرُ". وقال الفراءُ: "رُوَيْدَ" تصغيرُ "رُودِ"، و"الرُودُ": المَهْل، يُقال: فلانٌ يمشي على رُودٍ، أي: على مهل، قال الشاعر [من البسيط]:
٥١٨ - [تكادُ لا تَثلِمُ البطحاءَ وَطْأتُها] ... كأنّها ثَمِلْ يَمْشِي على رُودِ
وقالوا: "تَيْدَ زيدًا" في معنَى "رُوَيْدَ زيدًا"، فهو اسمٌ لقولك: "أرْوِدْ"، و"أمْهِلْ"،
стр. 891
وهو مبني لوقوعه موقعَ فعل الأمر، وتضمنِه معنَى لام الأمر. وكان الأصلُ أن يكون ساكنَ الآخِر، إلَّا أنه التقى في آخره ساكنان: الياءُ والدال، ففُتحت الدال لالتقاء الساكنين لثِقَل الكسرة بعد الياء، على حد صَنِيعهم في "رُوَيْدَ"، و"أيْنَ"، و"كَيفَ". وحكى البَغْداديون: "تَيْدَك زيدًا"، ويحتمل أن يكون الكاف اسمًا في موضع خفض، ويكون انتصابُه على المصدر بمنزلهَ: "ضَرْبَ زيدٍ عمرًا". ويجوز أن تكون للخَطاب مُجرَّدة من معنَى الاسميّة بمنزلةِ: "رُوَيْدَك زيدًا". والأقربُ في هذه اللفظة أن تكون مأخوذةً من "التؤَدَة"، الفاءُ واوٌ، أُبدل منها التاءُ، ولزم البدلُ على حد "تَيْقُورٍ" و"تَوْراةٍ"، والعينُ همزة، أُبدلت ياء لضربٍ من التخفيف على غيرِ قياس، كما قالوا في "قَرَأْتُ": "قَرَيْتُ"، وفي "بَدَأْتُ"، "بَدَيْتُ"، وفي "تَوَضأتُ": "تَوَضيْتُ".
ومن ذلك "هَلُم زيدًا"، أي: قَربْه، وأحْضِرْه، وليس المراد أنّها دالّة على ما يدل عليه "قربه"، و"أحضره"، وإنما "هَلُم" اسم لهذا اللفظ الذي هو"قَربْ"، و"أَحْضِرْ"، وله موضعٌ يُذكر فيه.
ومن ذلك: "هَاتِ الشيءَ"، أي: أعْطِنِيه، وهو اسمٌ لـ "أعْطِني" و"نَاوِلْنِي"، ونحوِهما. وهو مبنِي لوقوعه موقعَ الأمر، وكُسر لالتقاء الساكنين: الألف والتاء، وكأته من لفظِ "هَيْتُ" ومعناه. وقال بعضهم: هو من "آتَى يُؤَاتِي"، والهاءُ فيه بدل من الهمزة، ويُعزَى هذا القول إلى الخليل (١)، واستدل على ذلك بتَصْرِيفه، نحوِ قوله [من الرجز]:
٥١٩ - لله ما يُعْطي وما يُهاتي
من "المُهاتاة" ويُلحِقونه ضميرَ التثنية والجمع لقوة شَبَهِ الفعل.
قال الله تعالى: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). وفي الحديث: "هاتوا
стр. 892
رُبعَ عُشورِ أموالكم" (١). كما فعلوا ذلك في "هَلُم" حين قالوا: "هلما"، و"هلموا"، وفي "هاءَ" حين قالوا: "هاؤُمَا"، و"هاؤُم". قال الله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٢).
ومن ذلك قولهم: "حَيهَلَ الثرِيدَ"، جعلوا "حَيَّ" و"هَلْ" بمنزلةِ شيء واحد، وفتحوهما كـ "خمسةَ عشرَ"، وسمّوا بهما الفعلَ، فـ "حيهل الثريد" بمنزلة: "ايتوا الثريدَ". وقالوا: "بَلْهَ زيدًا"، والمراد: دَعْ زيدًا، وقالوا: "تَرَاكِها"، و"مَنَاعِها"، والمراد: اتْرُكْها، وامْنَعْها.
وقالوا: "عَلَيْكَ زيدًا"، أي: الْزَمْه. وقالوا: "عَلَى زيدًا" أي: أوْلِنِيهِ. فهذه كلّها أسماءٌ لِما ذكرناه من الدلالة، وكلّها مُتعدية ضميرَ المأمور إلى المفعول، كما كانت مسمياتُها كذلك، فاعرفه.
* * *
[اسم الفعل غير المتعدّي]
قال صاحب الكتاب: وغيرُ المتعدي نحوُ قولك: "صَهْ"، أي: اسْكُتْ، و"مَهْ"، أي: "كْفُفْ، و"إيهِ"، أي: حَدِّثْ، و"هَيتَ"، و"هَلْ"، أي: أسْرِعْ، و"هَيكَ"، و"هَيْكَ"، و"هَيا"، أي: أَسْرِعْ فيما أنت فيه. قال [من الرجز]:
٥٢٠ - [لتَقْرَبِن قُرْبَا جُلْذِيا ...... ما دامَ فيهن فصِيلٌ حيّا]
فقَدْ دَجَا الليلُ فهَيا هَيَّا
стр. 893
و" نَزالِ"، أي: انزلْ، و" قَدْكَ"، و"قَطْكَ"، أي: "اكْتَف"، و"انْتَه"، و"إلَيْكَ"، أي: تَنَحَّ. وسمع أبو الخَطاب مَن يُقال له: "إليكَ"، فيقول: "إليّ" كأنه قيل: له "تَنَحَّ"، فقال: "أتَنَحى". و"دَعْ"، أي: "انتَعِش"، يُقال: "دَعَا لك", وَ"دعدعا"، و"أمِينَ", و"آمِينَ"، بمعنَى: استَجب.
* * *
قال الشارح: هذه الألفاظ كلها ممّا سمي به الفعل في حال الأمر، وهي لازمةٌ لا تُجاوِز مأمورَها؛ لأنّها نائبةٌ عن أفعال لازمة غيرِ متعدّية. وإذا كان الأصلُ الذي هو المسمّى لازما، كان الاسمُ الذي هو فرعٌ باللزوم وعدم التعدي أوْلى.
فمن ذلك "صَهْ" بمعنَى "اسْكُت"، و"مَهْ" بمعنى "اكْفُف"، و"إيهِ" بمعنى "حَدث"، فكلها أسماءٌ لِما تقدّم بيانُه، وكلها لازمةٌ؛ لأنها اسمٌ لفعلٍ لازمٍ, وكلها مبنيةٌ لوقوعها موقعَ الفعل المبني، وهو الأمرُ.
فإن قيل: فعلُ الأمر مختلف في بنائه وإعرابه على ما هو معلومٌ، فما بالُ الإجماع وَقَعَ علي بناءِ هذه الكِلَم؟ قيل: فعلُ الأمر مبني عند المحققين، على أنا نقول: إن وقوعَ هذه الأسماء موضعَ ما أصلُه البناءُ، وجَريَها مجراه في الدلالة سبب كافٍ في البناء. ولا خلافَ عند الجميع في أنّ أصلَ ما وقعتْ هذه الكلمُ موقعَه البناءُ، وهو الفعلُ على الإطلاق، فكان مبنيًا لهذه العلّة.
فَـ "صَهْ" و"مَهْ" مبنيّان، لِما ذكرناه، ولأنهما صوتان سُمي بهما، وحُكي حالهما قبل التسمية. وبعد التسمية، وهما لازمان على حسب مُسمّاهما، فـ "صَهْ" نائبٌ عن "اسْكُتْ"، و"مَهْ" نائبٌ عن "اكفُفْ"، وهما مبنيان علىَ الوقف، وذلك هو الأصل في كل مبني، وإنّما حُرّك منه ما حُرّك لعلةٍ.
وحالُ "إيهِ" كحالِ "صَهْ"، و"مَهْ" في البناء، وكان القياسُ أن تكون ساكنةَ الآخِر كـ "صَهْ"، و"مَهْ"، إلا أنه التقى في آخِرها ساكنان: الياء والهاء، فكُسرت الهاء لالتقاء الساكنين. واحتُمل ثقل الكسرة بعد الياء، إذ لو فُتحت، لالتبس بـ "إِيها" التي للكَف، وهي نائبة عن "زدْ" أو"حَدث". وذَكَرَها مع اللازمة نظرًا إلى الاستعمال، إذ لا يكادون يقولون: "إيهِ الحديثَ"، وإن كان القياسُ لا يأباه، بل يقتصْيه؛ لأنه اسم ناب عن فعل
стр. 894
متعد، نحوِ: "حَدث"، أو"زِدْ". وكل واحد من هذَيْن الفعلَيْن متعد، فوجب أن يكونْ كذلك؛ لأنه عبارةٌ عنهما. قال ذو الرمة [من الطويل]:
٥٢١ - وَقَفْنا وَقُلْنَا إيهِ عن أُم سالمٍ ... وما بالُ تَكْلِيمِ الدِّيار البَلاقِعِ
وكان الأصمعي يُنْكِر على ذي الرمة هذا البيتَ، ويزعم أن العرب لم تقل إلَّا: "إيهٍ" بالتنوين، وجميعُ النحويين صوبوا قولَ ذى الرمّة، وقسموا "إيه" إلى قسمَين: معرفةٍ ونكرةٍ، فإذا استزادوا منكورًا، قالوا: "إيه" بالتنوين، وإذا استزادوا معرفةً، قالوا: "إيهِ" من غيرٍ تنوين على حد "صَهِ" و"صَهْ".
ومن ذلك "هَيْتَ"، وهو اسمٌ للفعل، وفيه ضميرُ المخاطب كـ"صَهْ" و"مَهْ"، ومسماه "أسْرعْ". يُقال: "هَيْتَ" إذا دعاه. قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
٥٢٢ - أبلِغ أميرَ المؤمنين ... أخَا العِراقِ إذا أتَيتَا
أن العِراقَ وأهْلَهُ ... سلَمٌ إليك فهَيتَ هَيْنا
стр. 895
يريد عليّ بن أبي طالب، رضوانُ الله عليه، وهو لازمٌ لا يتعدّى إلى مفعول، كما أن مسمّاه كذلك. وفيه ثلاث لغات: هَيْت بالفتح، و"هَيت" بالضم، و"هَيْتِ" بالكسر. وأصلُه البناء على السكون كـ"صهْ"، إلَّا أنه التقى في آخِره ساكنان: الياء والتاء، فحُركت التاء لالتقاء الساكنين. فَمن فتح، فطَلَبًا للخِفة لثقَل الكسرة بعد الياء، كما قالوا: "أيْنَ"، و"كَيْفَ". ومَن ضم، فإنه شبهه بالغايات، نحوِ: "قَبْل"، و"بَعْدُ". وذلك لأنّ معنَى "هَيتَ": دُعائي لَكَ، فهو في معنى الإضافة، واستعماله من غيرِ إضافة كقَطعه عن الإضافة، فيُبْنَى على الضم كبناءِ "قَبْلُ"، و"بَعْد". ومَن كسر، فقال: "هَيْتِ"، وهي أقلها، فكَسَرَ على أصل التقاء الساكنين، ولم يبالِ الثقلَ، لقلةِ استعمالها ونُدرتِها في الكلام، فجاؤوا بها على الأصل كـ "جَيرِ".
و"لَكَ" من قولك: "هَيْتَ لك" تبيين للمخاطب جيءَ به بعد استغناءِ الكلام عنه، كما كان كذلك في "سَقيًا لَكَ"، ألا ترى أن "سقي" غير محتاج إلى "لَكَ"؛ لأن معناه: "سَقاك الله سَقيًا"، وإنّما جيءَ بـ "لَكَ" تأكيدًا وزيادةً، فهي في "هَيْتَ لك" كذلك.
وأما "هَل" فهو من الأصوات المسمى بها أيضًا، ومعناها "أشرع" و"تَعالَ"، يُقال "هَلْ" و"هَلٍ" وهو مبني, لأنّه صوت وقع موقعَ الفعل المبنيّ، وسكن على أصل البناء، وتنوينُه يدل على أنه صوت كـ"صَه"، و"إيه"، قال الشاعر [من الرمل]:
٥٢٣ - فَظَنَنَّا أنّه غالِبُه ... فدَعَوْنَاه بِهَابِ ثُم هَلْ
стр. 896
وأصله زجرٌ للفرس، ثم سُمي به الفعلُ، قال الشاعر، أنشده أبو عُبَيدَةَ [من الرمل]:
٥٢٤ - فَعَرَفنَا هِرةً تَأخُذُهُ ... فزَجَرْنَاه وقُلنا: هَلَ هلْ
وقالوا: "هَيكَ" مضعَّفَ الياء، والمرادُ: أسرع، والاسمُ "هَي"، والكاف حرفُ خطاب كالتي في "رُوَيْدَكَ زيدًا". وهو مبنى، وحُرك آخِره لالتقاء الساكنين، وفتح لثقلِ التضعيف، ويُخفف بحذف إحدى الياءَيْن، فيقال: "هَيْك"، كما قالوا في "بَخٍّ": "بَخٍْ"، فحذفوا إحدى الخاءَيْن، وكما قالوا في "أُفٍّ": "أُفٍْ"، فحذفوا إحدى الفاءَيْن. فإذا لم يُلْحِقوا الكاف، جاؤوا بالألف للوقف، فقالوا: "هَيَّا"، كما جاؤوا بها للوقف في "أنَا".
قال ابن مَيادَةَ [من الرجز]:
لَتَقرُبِن قَرَبًا جُلذِيا ... ما دَامَ فيهن فَصِيل حيًا
وقد دَجَا الليل فَهَيا هَيا (١)
أي: أسرعِي. يخاطب ناقتَه، ولذلك كسر الباءَ مِن "لتقربنّ"، و"جلذيا" أي: سريعًا. يحثها على سرعة السير.
ومن ذلك قولهم: "نَزَالِ" في الأمر، والمرادُ: انْزِلْ، فهو لازم غيرُ متعدّ على حد لزوم مسمّاه، وهو"انزِل"، وسيوضَح أمره في موضعه بعدُ.
стр. 897
ومن ذلك "قَدْكَ"، و"قَطكَ"، وهما اسمان، ومسماهما "اكْتَفِ"، و"انْتَهِ"، فهما لازمان على حسب ما سُميا به من الأفعال، وهما مبنيّان لوقوعهما موقع الفعل المبني، وجَريهما مجراه فيَ الدلالة. وسُكّن آخِرهما على حد التسكين في "صَهْ"، و"مَهْ"؛ لأنه الأصلُ في البناء، ولم يلتق في آخِرهما ساكنان، فتجبَ الحركةُ لاجتماعهما. والكافُ فيهما ليست اسمًا، وإنما هي حرفُ خطاب على حدّها في، النجاءَكَ"، و"رُوَيْدَكَ"، و"قَدْ" مُخففةٌ، وأصلُها "قَد" مثقلةَ، فحُذفت إحدى الدالَين تخفْيفًا على حد قولهم: "بَخْ" خفيفة في "بَخٍّ" مثقّلةً, لأنه مأخوذ من "قددتُ الشيءَ" إذا قصعتَه طُولًا. وكذلك "قَطْكَ" مخفّفةٌ من "قط" مأخوذة من "قططتُ الشيءَ"، أي: قطعتُه عرْضًا كأن الاكتفاء قطعٌ عمّا سِواه، فاعرفه.
ومن ذلك "إلَيْكَ" بمعنَى "تَنَحَّ". قال الأعشى [من الخفيف]:
٥٢٥ - فاذْهَبِى ما إليكِ أدْرَكَنِي الحِلمُ ... عَداني عن هَيْجِكمْ أشْغالي
وأنشد ثَعْلَبٌ [من البسيط]:
٥٢٦ - اذهَبْ إليك فإني من بني أسَدٍ ... أهْلِ القِبابِ وأهلِ الخَيْل والنادِي
стр. 898
كأنه قال: اذهبْ تَنَح. فالكافُ في محلِّ خفض بحرف الجرّ، والتسميةُ وقعت بالجارّ والمجرور. ولذلك حُكي لفظهما، وجَرَيَا في التسمية مجرى الأصوات المسمى بها من نحوِ: "صهْ"، و"مَهْ".
وحكى أبو الخطاب أنّه سمع مَن يُقال له: "إلَيْكَ"، فيقول: "إليَّ"، كأنّه قيل له: "تَنَحَّ"، فقال: "أتَنَحى". لم يأت ذلك ألَّا في هذا الحرف وحدَه، فلا يُقال: "دُونِي" ولا "عَلَيَّ". وذلك من قِبَل أن بابَ هذا الأمرُ، فإذا قلت: "إليك"، فقال: "إليّ"، فقد جعل "إليّ" بمعنَى: "أتنحّى"، وهذا خبرٌ ليس بأمرٍ. وقد تقدم أن بابَ هذه الأسماء إنما الأمرُ للمخاطَب؛ لأن أمر المخاطب يُكتفى معه بشاهدِ الحال على ما سبق.
ومن قولهم: "دَعْ"، ومعناه: انْتَعِشْ، يقال ذلك للعاثر، أو لمَنْ أصابتْه حادثةٌ. قال الشاعر [من الطويل]:
٥٢٧ - لَحَى الله قَوْمًا لم يقولوا لعاثِرٍ ... ولا لابْنِ عَم نالَهُ الدَهْرُ: دَعْدَعَا
وهو صوتٌ سُمي به، يُقال: "دَعْدَعْتُ بالمَعْز"، إذا دعوتَها، وهو مبني على السكون، وعلةُ بنائه كعلةِ "صَهْ"، و"مَهْ". فأمّا قولهم: "دَعَا لك"، و"دَعْدَعَا"، فهو مصدرٌ معربٌ، كقولهم: "سَقْيًا لك".
стр. 899
ومن ذلك قولهم في الدُّعاء: "أمِينَ"، ومعناه: اسْتَجِبْ، فهو اسمٌ لهذا الفعل. وفيه لغتان "أمِينَ" بالقصر على زنةِ "فَعِيل"، و"آمِينَ" بالمدّ على زنةِ "فَاعِيل". قال الشاعر [من البسيط]:
٥٢٨ - يا رَب لا تَسْلُبَني حُبهَا أبَدًا ... ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قال: آمِينَا
فجاء بها ممدودةً، وقال الآخر في المقصورة [من الطويل]:
٥٢٩ - تَبَاعَدَ عَني فَطْحَلٌ إذ رأيتُه ... أمِينَ فزادَ اللهُ ما بَيْنَنَا بُعْدَا
стр. 900
والأصل القصر، والمد إشباعُ فتحةِ الهمزة، ومنه قولُ الهُذَليّ [من الكامل]:
٥٣٠ - بَيْنَا تَعَنقِه الكُماةَ ورَوْغِه ... يَوْمًا أُتِيحَ له جَرِيءٌ سَلْفَعُ
والمراد: بينَ أوقاتِ تعنقه. قالوا في "بَيْنَ": "بَيْنَا"، وهي مبنية لوقوعها موقعَ فعلِ الأمر، وفُتحت لالتقاء الساكنين على حد "رُوَيْدَ"، و"أيْنَ"، و"كَيْفَ". فأمّا قول أبي العباس في "آمِينَ": بمنزلةِ "عَاصِينَ"، فإنّه إنّما يريد به أنّ الميم خفيفة كصادِ "عاصين" لا أنه جمعٌ. وقال أبو الحسن: "آمِينَ" اسمٌ من أسماء الله تعالى. والوجهُ الأول، إذ لو كان كذلك، لم يكن مبنيًا، ويؤيد ذلك قولُه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (١)، كما جاء في الخبر أن موسى كان يدعو، وأخاه كان يُؤمِّن، والاسمُ الواحد لا يُقال له دعاءٌ.
* * *
[أسماء الفعل التي هي أسماء أخبار]
قال صاحب الكتاب: وأسماءُ الأخبار، نحوُ: "هَيهاتَ ذاك" أي: بَعُدَ، وَ"شَتّانَ زيد وعمرو"، أي: افْتَرَقَا، وتَبايَنَا، و"سَرْعانَ ذا إهالة" (٢)، أي: سَرُعَ، و"وَشْكانَ ذا
стр. 901
خُروجًا"، أي: وَشُكَ، و"أُفٍّ" بمعنَى " أتَضَجرُ"، و"أوَّه" بمعنَى "أتَوَجعُ".
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا أن بابَ أسماء الأفعال الأغلبُ فيها الأمرُ؛ لأنّ الغرض منها مع ما فيها من المبالغة الاختصارُ، والاختصار يقتضي حذفًا، والحذفُ يكون مع قوّةِ الحلم بالمحذوف. وهذا حكمٌ مختصٌّ بالأمر لِما ذكرناه, لأنّ الأمر يُستغنى فيه في كثير من الأمر عن ذكرِ ألفاظِ أفعاله بشواهدِ الأفعال. والخبرُ ليس كالأمر في ذلك، فلذلك قل في الخبر، إلَّا أنه لمّا كان الحذف أيضًا قد يقع في بعض الأخبار لدلالة الحال على المراد، ووُضوحِ الأمر فيه، وكَونِهِ محذوفًا كمنطوقٍ به لوجودِ الدليل عليه، استُعمل في الخبر بعضُ ذلك، فجاءت فيه كما جاءت في الأمر، ألَّا أنّها قليلة بالإضافة إلى ما جاء في الأمر. وبابُه السماع دون القياس.
فمن ذلك قولهم: "هَيْهاتَ"، وهو اسم لـ "بَعُدَ"، وإن ما عدلوا عن لفظ الفعل لضرب من المبالغة، فإذا قال: "هيهات زيدٌ"، فكأنه قال: "بَعُدَ جِدًّا"، أو"بَعُدَ كُل البُعْدِ". ولعله يخرج في كثيرِ من الأمر إلى أن يُؤيس (١) منه، وهو مبني لوقوعه موقع الفعل المبني، وهو "بَعُدَ"، ويقع الاسمُ بعدها مرفوعًا بها ارتفاع الفاعل بفعله, لأنها جارية مجرى الفعل، فاقتضت فاعلًا كاقتضائه الفعلُ. قال جَرِير [من الطويل]:
٥٣١ - فهيهاتَ هيهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ ... وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيق نُواصِلُهْ
стр. 902
العقيق: وادٍ بالمدينة، وقال أيضًا [من الكامل]:
٥٣٢ - هيهات مَنْزلُنَا بنعْفِ سُوَيْقَةٍ ... كانت مُبارَكة من الأيامِ
فـ "العقيق" و"منزلُنا" مرتفعان بأنهما فاعل "هيهات", فأمّا قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (١)، فَقيل: اللامُ زائدة، و"مَا" الفاعلةُ، والتقدير: هيهات هيهات ما توعدون. وقيل: الفاعلُ محذوف، والتقدير: بعُد الصدْقُ لمِا توعدون، فاللامُ على بابها؛ لأنّه لم تُؤلَف زيادةُ اللام في نحوِ هذا. وإنّما تُزاد لتمكينِ معنى الإضافة، نحوِ قوله [من مجزوء الكامل]:
بَا بُؤْسَ للحَرْب التِي ... وَضَعَت أراهِطَ فاسْتَراحُوا (٢)
стр. 903
وقوله [من البسيط]:
يا بُؤْسَ للحَرْب ضَرارًا لأقْوامِ (١)
وقد استبعد بعضُهم القولَ بحذف الفاعل، وزعم أنه مضمرٌ فيه، والتقديرُ: هيهات بَعْثُكم، وإخراجُكم، لتقدُّمِ ذكرِ الإخراج.
ومما سُمي به الفعل في حال الخبر "شَتَّانَ"، ومسمّاه "افْتَرَقَ"، و"تَباعَدَ". وهو مبني على الفتح، وربما كسروا نونَه، والفتحُ المشهور. وإنما بُني لوقوعه موقع الفعل المبني، وهو الماضىِ، نحو: "افترقَ"، و"بُعد". وقال الزجاج: إنّما بُني لأنّه على زنةِ "فَعْلَان"، فهو مخالفٌ لأخواته، إذ ليس في المصادر ما هو على هذه الزنة، فبُني لذلك. وهذا ضعيفٌ؛ لأنه قد جاء عنهم: "لَوَاهُ لَيانًا". قال الشاعر [من الطويل]:
٥٣٣ - تُطِيلِينَ لَيانِي وأنْتِ مَلِيئَةٌ ... وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوِشاحِ التقاضِيَا
وتحريكه لالتقاء الساكنين، وهما النون والألف قبلها، وإنّما فُتح إتباعًا للفتحة قبله، وقيل: إنّما فُتح لأن الفتحة حركةُ مسمّاه، وهو الفعل الماضي. وزعم أبو حاتِم أن "شتان" كـ"سُبْحَانَ" وهو وَهْم؛ لأن "شتان" مبني، و"سبحان" معربٌ، لكنه لا ينصرف للتعريف والألفِ والنونِ، ولذلك لما نكر في قوله [من البسيط]:
سُبْحانَهُ ثُمّ سُبْحانًا نَعُوذُ به ... وقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِي والجُمُدُ (٢)
انصرف، ونُوّن. ولفظُه مأخوذ من "الشت"، وهو التفرق والتباعد. يُقال: "شَتَّ
стр. 904
الشمْلُ يَشت"، إذا تَفرَّق، وقيل: إن "شَت" الذي "شَتان" مصدرُه: "فَعُلَ" مضمومَ العين. وإنما حُذفت الضمة للادّغام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (١). ولا بدّ له من فاعلٍ، فيقال: "شَتَّانَ زيدٌ وعمرْو"، قال الشاعر [من الرجز]:
٥٣٤ - شتّانَ هذا والعِناقُ والنوْمْ ... والمَشرَبُ البارِدُ في ظِلِّ الدَّومْ
ويُقال: "شتان ما زيدٌ وعمرّو"، والمراد: شتان زيدٌ وعمرّو، و"مَا" زائدةٌ. قال الأعشى [من السريع]:
٥٣٥ - شتانَ ما يَوْمِي على كُورِهَا ... ويَوْم حَيانَ أخِي جابِرِ
стр. 905
وربّما قالوا: "شتّان ما بين زيد وعمرو"، قال رَبِيعةُ الرقيُّ [من الطويل]:
٥٣٦ - لَشتانَ ما بين اليَزِيدَيْن في الندَى ... يَزِيدِ سُلَيْم والأغَرِّ ابن حاتِمِ
وكان الأصمعيّ يُنْكِر هذا الوجه ويأباه، وحجّتُه أنّ "شتان" نابَ عن فعلٍ تقديرُه: "تَفرق" و"تَباعَد"، وهو من الأفعال التي تقتضي فاعلَيْن؛ لأن التفرّق لا يحصل من واحد. والقياسُ لا يأباه من جهة المعنى؛ لأنه إذا تَباعد ما بينهما، فقد تباعد كل واحد منهما من الآخَر. ولو قال: "شتان زيدٌ أو عمرو"، لم يجز؛ لأنّ "أو" لأحدِ الشيئَيْن، والافتراقُ لا يكون من واحد.
ومن ذلك "سَرْعَانَ"، والمراد: سَرُعَ، وفُعل به ما فُعل بـ "شتان" من البناء والفتح. وفي المَثل: "سَرعَانَ ذا إهالة" (١)، أي: ما أسرعَ هذه الإهالةَ! والإهالةُ: الشحْم المُذاب. زعموا أن بعضَ حَمْقَى العرب اشترى شاة، فسال رُعامُها، فتَوهمه شَحْمًا مُذابًا، فقال لبعضِ أهله: خُذْ من شاتنا إهالتَها، فنظر إلى مُخاطها، فقال: سرعان ذا إهالة! فـ "إهالةً" منصوبٌ على التمييز. وقيل: إنّ بعضهم استضاف بقومٍ، فعجّلوا له إهالة، فقال: سَرْعانَ ذا إهالةَ!
وقالوا: "وَشكانَ وأشْكانَ ذا خروجًا"، أي: سرُع، وقرُب، و"خروجًا" نصب على التمييز، أي: مِن خُروجٍ.
стр. 906
ومن ذلك قولهم: "أُفّ"، ومعناه: أتضجَّرُ، فهو اسمٌ لهذا الفعل ونائب عنه، وهو مبني لوقوعه موقعَ الفعل مطلقًا، إذ الفعلُ أصلُه البناء، ومن يقول إنما بُني بالحمل على أسماء الأفعال المأمور بها, لم يحتج إلى اعتذار عن "أُف" وأصلُه أن يكون بناؤُه على السكون، وإنما الحركةُ فيه لالتقاء الساكنين، وهما الفاءان، وفيه لغاتٌ، قالوا: "أُف"، و"أُفٍّ"، و"أفُّ"، و"أُفٌّ"، و" أُفَّ"، و"أُفًّا"، وتُمال، فيقال: "أُفِّي". والعامةُ تُخْلِصها ياءً، فتقول: "أُفِّي". وتُخفف، فيقال: "أُفُ" (١). فالحركةُ في جميعها لالتقاء الساكنين، فمَن كسر فعلى أصل الباب، ومن ضم فللإتباع، ومن فتح فللاستخفاف، ومن لم يُنوِّن، فإنه أراد المعرفة، أي: أتضجرُ التضجّرَ، ومَن نون، أراد النكرة، أي: تضجرًا، ومَن أمال، أدخل فيها ألفَ التأنيث، وبناها على "فُعْلَى". وجاز دخولُ ألف التأنيث مع البناء كما جاءت تاؤُه مع "ذَيّةَ"، و"كَيةَ". وقد قالوا: "هَنا"، فأدخلوا فيها ألفَ التأنيث، ووَزْنُها "فَعْلَى"، وليس من لفظِ "هُنَا"، بل هو مثلُ "سِبَطْر"، و"سَبِطٍ"، ويجوز أن يكون من لفظه، ويكون وزنُه "فَنْعَلًا" كـ"عَنْبَسِ" و"عَنْسَلٍ"، فيمن جعله من العَسْلان.
ومن ذلك "أوّهْ" بمعنَى "أتَوَجعُ"، وفيه لغات. قالوا: "أوه مِن كذا"، بسكون الواو، وكسر الهاء، قال الشاعر [من الطويل]:
٥٣٧ - فأوْهِ لذِكْراها، إذا ما ذكرتُها ... ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنَا وسَماءِ
وقالوا: "آهِ"، بمَدّةٍ بعد الهمزة وكسرِ الهاء. وربما شدّدوا الواو وكسروها، وسكنوا الهاء، فقالوا: "أوهْ مِن كذا". وربما كسروا الهاء مع التشديد. أنشد
стр. 907
أحمد بن يحيى، قال: أنشدتني امرأة من بني قُرَيْظ [من الطويل]:
٥٣٨ - أوّهِ مِن ذِكْرَى حُصَيْنا ودُونَهُ ... نَقًا هائلٌ جَعْدُ الثرَى وصَفِيحُ
وقالوا فيه: "آوهْ"، بالمد وتشديد الواو وفتحِها ساكنةَ الهاء، وكل ذلك من "التأوهِ"، ومنه قوله [من الوافر]:
٥٣٩ - إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بلَيْل ... تَأوّهُ آهَةَ الرّجُلِ الحَزِينِ
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١)، فالهمزةُ فاءٌ، والواو عين، والهاء لامٌ، فَمن قال: "أَوْهِ"، فإنه كسر الهاءَ لسكون الواو قبلها. ومن قال: "آهِ"، فإنه قلب الواو ألفًا للفتحة قبلها، كما قالوا في "الدوّ": "داوِي". ومن قال: "أَوِّهْ"، بتشديد الواو،
стр. 908
وسكون الهاء، فإنه ضعّف العينَ للمبالغة، وكسرها لالتقاء الساكنين، وسكن الهاءَ لتحرُّكِ ما قبلها. ومن قال: "أوهِ"، فكسر الهاءَ مع كسرِ الواو وتشديدِها، فقد كان القياسُ أن تسكن الهاءُ التي هي لامٌ؛ لأن ما قبلها متحرك، إلَّا أنه حُرك الآخِر إتباعًا لكسر الواو، وقد فعلوا نحوًا من ذلك ببعضِ المُعرَب، نحوِ: "أُخوكَ"، و"أُبُؤُكَ"، و"امْرُؤٌ"، و"ابْنُمٌ"، ومن قال: "آوَّهْ" بالمد، فيحتمل أن يكون أشبعَ فتحة الهمزة، فصارت ألفًا، كما قالوا: "آمِينَ" في "أمِينَ"، وفتحوا الواوَ إتباعًا للفتحة قبلها.
وقد قالوا: "أوّت" في معنَى "أوه"، وجاؤوا فيها بلغاتٍ قريبةٍ من لغاتِ "أوه"، وينبغي أن لا تكون من لفظها، بل من معناها, لأن "أوْهِ" صحيحُ اللام، فهو من باب "حَوْضٍ"، و"فَوْزٍ"، و"أوتٍ" الهمزةُ فاءٌ، والعينُ واللام واوٌ، فهو من باب "الهُوَّة"، و"القُوَّة"، فهي كِلَمٌ تَقاربتْ ألفاظُها، واتَحدت معانيها.
فصل [أوجه "رويد "]
قال صاحب الكتاب: في "رويد" أربعة أوجه هو في أحدها مبني وهو إذا كان إسماً للفعل، وعن بعض العرب: "والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر".
* * *
قال الشارح: لِـ"رُويدَ" أربعةُ مواضعَ:
أحدها: أن يكون اسمًا للفعل نحوَ ما تقدم، ومسمّاه "أرَوِدْ" و"أمْهِلْ"، وهو متعدّ إلى مفعول واحد، نحوَ: "رويدَ زيدًا"، على حسب تعدي مسماه، نحوِ قولك: "أرودْ زيدًا"، و"أمهلْه"، وفيه ضميرٌ منويٌّ، وهو ضميرُ الَمخاطب. إن كان المخاطب واحدًا، كان الضمير واحدًا. وإن كان اثنين، فالضميرُ اثنان. وإن كان الخطاب لجماعةٍ، فالضميرُ لجماعة، إلا أنّه لا يظهر لذلك صورةُ لفظ، لا في تثنية، ولا جمع، بخلاف الفعل؛ فإن الضمير تظهر صورتُه في التثنية والجمع؛ لأن الفعل هو الأصل في العمل، وهذه الأسماءُ فروعٌ ونائبةٌ عنه، فلذلك انحطت عن درجته. قال الشاعر [من الطويل]:
٥٤٠ - رُوَيْدَ عَلِيًّا جُد ما ثَدْيُ أُمهِمْ ... إلَيْنَا وَلكِنْ بَعْضُهُمْ مُتَمايِنُ
стр. 909
فنصب "عليًا" بـ "رُوَيْدَ"، كأنه قال: "أرْوِدْ عليًا" أي: أمْهِلْهُم، و"عَلِيٌّ": قبيلةٌ، وجُد: قُطع نسبتهم بنا، وكَنَى بالثدي عن القَرابة, لأن الرضاع سببُ القرابة.
فأما قولهم: "واللهِ لو أردتَ الدراهم، لأعطيتُك، رُوَيْدَ ما الشعْرَ"، فالمراد: أرْوِدِ الشعرَ، و"مَا"، زائدة، كأنّه قال: "لو أردت الدراهم، لأعطيتُك، فدَع الشعرَ لا حاجةَ بك إليه".
وقد تدخله كافُ الخطاب، فيقال: "رُوَيْدَكَ زيدًا"، جاؤوا بها لتُبيِّن مَن يُعْنَى بالخطاب، لئلا يلتبِس بمن لا تعنيه، كما جاؤوا بها في "هَلُمَّ لك"، و"سَقْيًا لك"، إلَّا أن الكاف في "لَكَ" في محل خفض بما قبله من الخافض، والكافُ في "رُوَيْدَكَ" لا محلّ لها من الإعراب، وإن كان طريقُهما في البيان واحدًا. فإن كان المخاطب مذكّرًا، فتحتَها، وإن كان مؤنثًا، كسرتها. وتُثنيها وتجمعها إذا أردت تثنية أو جمعًا، فتقول: "رُوَيْدَكَ يا زيدُ"، و"رويدكِ يا هِنْدُ"، و"رويدكما يا زيدان"، و"رويدكم يا زيدون".
وقد اختلفوا في هذه الكاف، فذهب قومٌ إلى أنّها اسمٌ، موضعُه من الإعراب رفعٌ، وقال آخرون: موضعُها نصبٌ. وذهب سيبويه (١) إلى أنها حرفٌ مجردٌ من معنى الاسميّة للخطاب، كالكاف في "ذلِكَ"، و"أُولئِكَ"، و"النجاءَكَ". والصحيحُ مذهبُ سيبويه فيها؛ لأنها لو كانت في موضعِ رفع بأنّها فاعل، لم يجز حذفُها، وأنتَ قد تقول: "رويدَ زيدًا"، فتحذفها، وتجعل في "رويد" ضميرًا مرفوعًا في النية يجوز أن يُؤكَّد، وأن يُعطَف عليه بحسب ما يجوز في ضمائرِ الفاعلين، نحوِ قولك: "رويدكم أنتم وزيدٌ"، و"رويدكم أجمعوَن"، كما تقول: "قُمْ أنت وعبدُ الله"، و"قوموا أجمعون ". فلمّا ساغ فيها ذلك، دلّ على أن الكاف ليست فاعلةً. ولا تكون أيضًا في موضع نصب؛ لأن "رويد" اسمُ "أرْوِدْ"، و"أرْوِدْ" إنما يتعدّى إلى مفعول واحد، فلو كانت الكاف في محلِّ نصب، لَكنت إذا
стр. 910
قلت: "رويدك زيدًا"، مُعديًا له إلى مفعولَيْن: أحدُهما مضمرٌ، وهو الكاف، والآخر ظاهرٌ، وهو"زيد". ولو جاز ذلك، لجاز "رويد زيدًا خالدًا"، ولا نعلم أحدًا قاله. ولو كانت منصوبة أيضًا، لجاز أن تقول: "رويدك نفسَك"، إذا أردت تأكيد الكاف، وكذلك لو كانت مجرورة، لجاز أن تقول: "رويدك نفسِك" على أنه تأكيدٌ، ولا يُسمع مثلُ ذلك.
* * *
قال صاحب الكتاب: وهو فيما عداه مُعْرَبٌ، وذلك أن يقع صفة، كقولك: "ساروا سيرًا رُوَيْدًا"، و"ضَعْه وَضْعًا رويدًا"، وقولِك للرجل يُعالِج شيئًا: "رويدًا"، أي: عِلاجًا رويدًا، وحالًا، كقولك: "ساروا رويدًا" ومصدرًا في معنَى "إروادٍ" مضافًا، كقولك: "رويدَ زيدِ"، وسُمع بعضُ العرب: "رويدَ نفسِه"، جَعَلَه مصدرًا كـ"ضَرْبَ الرِّقابِ".
* * *
قال الشارح: الموضع الثاني من مواضعِ "رُوَيْدَ" أن تكون صفة، نحوَ قولك: "ساروا سيرًا رويدًا". وتكون معربةً مصدرًا وُصف به على حدّ قولهم: "رجل عَدْلٌ"، و"ماءٌ غَوْرٌ"، ويكون أصلُه "إرْوادًا"، ألَّا أنّه صُغّر بحذفِ زوائده، كما قالوا في "أسْوَدَ": سُوَيْدٌ، وفي "أزْهَرَ": "زُهَيْرٌ". ويجوز أن يكون تصغيرَ "مُرْوَدٍ" أو"مَرْوَدٍ"، فحذفوا الزوائدَ.
الموضع الثالث: أن يكون حالًا، ويكون معربًا أيضًا، نحوَ قولهم: "ساروا رويدًا"، أي: مُرْوِدِينَ. إذا ذكرت المصدرَ، كان صفة له، وإذا لم تذكره، كان حالًا لضُعْفِ حذفِ الموصوف، وإقامةِ الصفة مُقامه. ويجوز أن يكون المراد: ساروا سيرًا رويدًا, ثم حذف الموصوف وأُقيمت الصفة مقامه, وهو ضعيف.
والموضع الرابع: أن يكون مصدرًا بمعنَى "إرْوادٍ"، ويكون معربًا، فتقول: "رويدًا زيدًا"، بمعنَى: "أرْوِدْ زيدًا إروادًا"، فحُذف الفعل، وأُقيم المصدر مُقامه، كما قالوا: "سَقْيًا ورَعْيًا"، والمراد: سَقاك اللهُ، ورَعاك اللهُ.
وقد يُضاف إلى المفعول، فيقال: "رُوَيْدَ زيدٍ"، كما قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (١)، فهو باقٍ على مصدريته غيرَ مسمى به، ولا مُغيرٍ عن جهته. قال الشاعر [من الطويل]:
٥٤١ - رُوَيْدًا بني شَيْبانَ بَعْضَ وَعِيدِكُمْ ... تُلاقوا غَدًا خَيْلِي على سَفَوانِ
стр. 911
ويروى: "رُوَيْدَ بني شيبان" من غير تنوين. ويحتمل أن يكون مصدرًا مضافًا إلى ما بعده، ويُؤيده روايةُ مَن نوّن. ويجوز أن يكون أراد اسمَ الفعل، ويكون "بني شيبان" منصوبًا به، كقوله: "رويدَ عَلِيًا".
فصل [أحكام "هلمَّ "]
قال صاحب الكتاب:"هَلُمَّ" مركبة من حرف التنبيه مع "لُمَّ محذوفة من "ها" ألفها عند أصحابنا (١)، وعند الكوفيين من "هل" مع "أم" محذوفة همزتها. والحجازيون فيها على لفظ واحد في التثنية والجمع والتذكير والتأنيث. وبنو تميم يقولون "هلما", "هلموا", "هلمي", "هلممن". وهي على وجهين: متعدية كـ"هات"، وغير متعدية بمعنى: "تعال", و"أقبل". قال تعالى: ﴿قل هلم شهداءكم﴾ (٢). وقال: ﴿هلم إلينا﴾ (٣) وحكى الأصمعي أن الرجل يقال له: فيقول:"لا أهلم".
* * *
قال الشارح: قد تقدّم أن "هَلُمَّ" اسمٌ من أسماء الأفعال، ومسمّاه "إيتِ"، و"تَعالَ"، وهو مبنى لوقوعه موقع الفعل المبنيّ، وأصلُه أن يكون ساكنا على أصل البناء، وإنما حُرّك آخِره لالتقاء الساكنين، وهما الميمان في آخِره، وفُتح تخفيفًا لثقل التضعيف، وهو مركَّبٌ. قال الخليل (٤): أصلُه "هَا لُمَّ"، فـ "هَا" للتنبيه، و"لُمَّ" من قولهم: "لَمَّ الله شَعَثَه"، أي: جَمَعَه، كأنه أراد: "لُمَّ نفسَك إلينا"، أي: اُقْرُبْ. وإنما حُذفت ألفُ "هَا" تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ولأنّ اللام بعدها، وإن كانت متحرّكةَ، في حكم الساكن. ألا
стр. 912
ترى أن الأصل، وأقوى اللغتين، وهي الحجازية، أنك تقول: "ها الْمُم"؟ فلمّا كانت اللام في حكمِ الساكن، حُذفت لها ألفُ "هَا"، كما تحذَف لالتقاء الساكنين، وجُعلا اسمًا واحدًا.
وقال الفراء: أصله "هَلْ أُمَ"، أي: اقْصِد، فخُففت الهمزة، بأن أُلقيت حركتها على اللام، وحُذفت، فصارت "هَلُمّ". وقد أنكر بعضهم ذلك، وقال: إنّه ضعيف من جهة المعنى، إذ كانت "هَل" للاستفهام، ولا مَدخَلَ للاستفهام ها هنا. والقول: إِن "هَل" التي رُكّبت مع "أُمَّ" ليست التي للاستفهام، وإنّما هي التي للزجْر والحَث، من قوله [من الرمل]:
٥٤٢ - [يَتَمارَى في الذي قُلْتُ لَهُ] ... وَلَقَد تَسمَع قَولِي حَيهَلْ
وفيها مذهبان:
أحدهما: وهو مذهب أهل الحجاز، أن تكون بلفظ واحد مع الواحد والاثنين والجماعة، والمذكر والمؤنث، نحوِ: "هَلُم يا رجلُ"، و"هلم يا رجلان"، و"هلمّ يا رجالُ"، و"هلم يا امرأة"، و"هلم يا امرأتان"، و"هلم يا نسوةُ". يستوي في اللفظ الواحدُ والجمعُ، كما كان كذلك في "صَهْ"، و"مَهْ" ونحوهما، وهو القياس، وبه ورد التنزيل. قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (١)، أَفرد، والمخاطبون جماعة، وعليه قوله [من الرجز]:
٥٤٣ - يا أيهَا الناسُ ألَا هَلُمَّه
стр. 913
وإنما كان هذا هو القياسَ؛ لأنه قد قامت الدلالة على أنّه اسم، وليس القياس في الأسماء أن تتّصل بها علامةُ الضمير المرفوع، إنّما ذلك للأفعال. والذي يدلّ على خروجه عندهم عن حكم الأفعال مخالفتُهم مجراه في لغتهم؛ لأنّ لغتهم أن يقولوا للواحد: "الْمُمْ"، بإظهار التضعيف، نحوَ: "ارْدُدْ"، و"اشْدُدْ"، فلمّا ركّبوه مع غيره، وسمّوا به، خرج عن حكم الفعل، فلم تظهر فيه علامةُ تثنية ولا جمع.
والمذهب الثاني: وهو مذهب بني تميم، اعتبارُ الفعل، وهو"لم"، وتغليبُ جانبه، فيُثنون ويجمعون، نحوَ قولهم: "هلمّ يا رجلُ"، و"هلمَّا يا رجلان"، و"هَلُمُّوا يا رجالُ"، و"هَلُمي يا امرأةُ"، و"هَلْمُمْنَ يا نسوةُ". تفتح الهاء، وتُسكَّن اللام، وتضمّ الميم الأُولى، وتسكن الثانية، وتفتح النون مخفَّفة. هذا مذهبُ البصريين وأكثرِ الكوفيين، وإنما كان كذلك؛ لأن لام الكلمة تسكن عند اتصالِ هذه النون بها، إذ كانت ضميرَ مرفوع، كما تقول: " ضَرَبْنَ"، و"خَرَجْنَ".
وإذا سكن ما قبلها، بطل الادّغامُ، وصار بمنزلةِ "اشْدُدْ"، و"ارْدُدْ". وزعم الفرّاء أنّ الصواب أن يُقال: "هَلُمّنّ" بفتح الهاء، وضمّ اللام، وفتح الميم وتشديدها، وفتح النون أيضًا مشدّدة. قال: والذي أوجب ذلك أن هذه النون التي هي ضميرُ الجماعة لا تُوجد إلَّا وقبلها ساكنٌ، فزادوا نونًا ثانيةً قبلها ليقع السكونُ عليها، وتسلَمَ فتحةُ الميم في "هَلُمَّ"، فتكون وقاية لها من السكون، كما قالوا: "مِني"، و"عَنّي"، فزادوا نونًا ثانيةً لتسلم نونُ "مِنْ"، و"عَنْ" من الكسر، إذ كانت ياءُ المتكلّم أبدًا تَكْسِر ما قبلها. وحُكي أيضًا عن بعضهم: "هَلُمَّيْنَ يا نسوةُ" يُجعَل الزائد للوقاية ياء، وهذا شاذّ.
واعلم أن بني تميم، وإن كانوا يُجرونها مُجْرى الفعل، في اتّصال الضمير بها لشدّةِ شَبَهها بالفعل، وإفادتِها فائدةَ الفعل، فهي عندهم أيضًا اسمٌ للفعل، وليست مُبقّاةً على أصلها من الفعلية قبل التركيب والضمِّ. والذي يدل على ذلك أنّ بني تميم يختلفون في آخِر الأمر من المضاعف، فمنهم من يُتْبع، فيقول: "رُدُّ" بالضم، و"فِرِّ" بالكسر، و"عَضَّ" بالفتح. ومنهم من يكسر على كلِّ حال، فيقول: "رُدِّ"، و"فِرِّ"، و"عَضِّ". ومنهم من
стр. 914
يفتح على كل حال. ثم رأيناهم كلهم مجتمِعين على فتح الميم من "هَلُمَّ"، ليس أحدٌ يكسرها, ولا يضمها، فدل ذلك على أنها خرجت عن طريق الفعلية، وأُخلصت اسمّا للفعل، نحوَ: "دُونَكَ"، و" رُوَيْدَكَ"، و"عِنْدَكَ".
وهي تكون على وجهَيْن: متعدّية، وغيرَ متعدية. فالمتعديةُ نحوِ قولهم: "هلمَّ زيدًا"، بمعنَى: "قَربْهُ"، و"أحْضِرْهُ"، فتكون كـ"هَاتِ"، قال الله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (١). وغيرُ المتعدية قولك: "هَلُم يا زيدُ"، بمعنَى: "ايتِ"، و"اقْرُبْ". قال الله تعالى: ﴿هَلُمَ إِلينَا﴾ (٢)، فعدّاه بحرف الجر، فيكون مجراه مجرى الأفعال التي تُستعمل لازمةً ومتعدية، نحوِ: "رَجَعَ"، و"رجعتُه"، و"شَحَا فُوهُ"، وَ"شَحَا فَاهُ"، ونحوِهما.
وحكى الأصمعي: "هلم إلى كذا"، فيقال: "لا أهَلُمُّ إليه"، و"هلمّ كذا"، فيقال: "لا أهَلُمُهُ"، بفتح الألف والهاء وضمّ اللام والميم، والأصلُ في ذلك: "لا ألُم"، كما تقول: "لا أرُد"، كأنّه يرده إلى أصله قبل التركيب، وهو شاذّ.
فصل [أحكام "ها "]
قال صاحب الكتاب: "هَا" بمعنَى "خُذْ"، وتُلحَق الكافُ، فيقال: "هَاكَ"، فتُصرَّف مع المخاطب في أحواله، وتوضَع الهمزة موضعَ الكاف، فيقال:"هاءَ". وتُصرَّف تصريفَها، ويُجمَع بينهما، فيقال: "هاءَكَ"، بإقرارِ الهمزة على الفتح وتصريفِ الكاف. ومنهم مَن يقول: "هاءِ"، كـ"رَامِ"، ويُصرّفه تصريفَه. ومنهم مَن يقول: "هَأْ" بوَزْنِ "هَب"، ويصرفه تصريفَه.
* * *
قال الشارح: اعلم أن "هَا" من الأصوات المسمى بها الفعلُ في الأمر، ومسماه "خُذْ"، و"تَناوَلْ"، ونحوُهما.
ومنهم من يجعله ثُنائيَّا مثلَ "صَهْ" و"مَهْ"، وتلحقه كاف الخطاب، فيقال: "هَاكَ يا رجلُ"، و"هاكُمَا يا رجلان"، و"هَاكُمْ يا رجالُ"، و"هَاكِ يا امرأةُ"، و"هاكُمَا يا امرأتان" كالمذكرَيْن، و"هاكُن يا نسوةُ". فالاسم "هَا"، وفيه ضمير بحسبِ المخاطبين: إن كان واحدًا، ففيه ضميرُ واحد، وإن كان اثنين، ففيه ضميرُ اثنين، وإن كان جماعة، ففيه ضميرُ جماعة، إلَّا أنه لا يظهر ذلك الضمير.
والكافُ حرفُ خطاب لا موضعَ لها من الإعراب، وتختلف بحسب اختلاف المخاطبين في التذكير، والتأنيث، والإفراد، والتثنية، والجمع، فتفتحها إذا كانَ المخاطب
стр. 915
مذكرا، وتكسرها إذا كان مؤنّثًا، وتُثنيها وتجمعها إذا كان المخاطب مثنى أو مجموعًا.
ومنهم من يقول: "هَاءَ"، بهمزة بعد الألف، يجعله ثُلاثيا كـ"خَافَ"، و"هَابَ"، ويفتح الهمزةَ مع المذكر، ويكسرها مع المؤنث، فيقول: "هاءَ يا رجلُ"، و"هاءِ يا امرأةُ"، ويكون فيه ضمير مستتِر. فإن ثُنّي، أو جُمع، ظهر ذلك الضميرُ، فتقول في تثنية المذكر وجَمْعه: "هاؤُما"، و"هاؤُمْ"، قال الله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ (١)، وفي جماعة المؤنث: "هَاؤُن يا نسوةُ". وهذه أجودُ لغاتها، وبها ورد الكتاب العزيز.
واعلم أن الباب والقياس في هذه الأسماء أن لا يلحَقها ضميرُ تثنية، ولا جمع، لأن هذه الأسماء إنما سُمّيت بها الأفعالُ لضرب من الاختصار، ولولا ذلك، لكانت الأفعالُ التي هذه الألفاظُ أسماؤُها موجودةً هنا غيرَ معوض عنها. ووجهُ الاختصار مجيئُها للواحد والواحدة، فما فوقَهما على صورة واحدة. تقول: "هاءَ يا رجلُ"، و"هاءَ يا امرأةُ"، وكذلك التثنية والجمع، وعلى هذه اللغة أكثرُ الاستعمال، وإنما لما نابت عن الأفعال، وقامت مقامَها، قويت الدلالةُ على معناها، فصارت كالمرادِفة لها، فظهر الضميرُ في بعض الأحوال، ليُؤذِن بقوة الشَبَه بهذه الأفعال التي هي في معناها, وليُعْلِم أيضًا بظهوره أن في باب "صَهْ"، و"مَهْ"، ضميرًا، كما قالوا: "المَقْوُودُ"، و"الحَوَكَةُ"، و"أَغْيَلَتِ المرأةُ"، و [منَ الطويل]:
٥٤٤ - صَدَدْتِ فأطْوَلْتِ الصُدُودَ [وقلما ... وِصالٌ على طول الصدودِ يَدومُ]