لغلَبةِ استعمال الميم. ويقولون: "رماه الله ببِنْتِ طَمارِ"، أي: بداهيةٍ.
وقالوا: "سببتُه سَبَّةً تكون لَزامِ"، أي: لازمةً، جاؤوا بها على "فَعالِ" كـ"قَطامِ". وقياسُه أن يكون صفةً شاملةً، إلا أن السبّة اختصّت بهذا البناء، حتى صار كالعَلَم لهَا، حكى ذلك الكسائيُّ.
ويقولون للرجل يطلُع عليهم، يكرَهون طَلْعتَه: "حَدادِ حُديه". وهو من الحَدّ، وهو المنع، ومنه قيل للبَوّاب: "حَدادٌ"، لمَنْعه الداخلَ، فـ "حَدادِ" معدول عن "حادّةٍ"، أي: مانعة، وهو مُنادّى محذوفُ أداةِ النداء. وينبغي أن يكون موضعه مع "فَساقِ"، و"لكاعِ"، وقولهم: "حُدِّيه"، أي: امْنَعِيه، وهي كالرُّقْية، والتأنيثُ كأنّه يخاطب جِنّيّةً، أو تابِعةً.
وكذلك قولهم: "كَرارِ"، وهي خَرَزَةٌ تُؤخِّذ بها نساء العرب أزواجهنّ، أي: يَسْحَرْنَ، تقول الساحرةُ: "يا هَصْرَةُ اهْصِرِيهِ"، أي: ارْجِعيه، وأصله المَيْل، و"يا كَرارِ كُرِّيه"، وهو معدول عن "كارّةٍ"، وهو من الكَرّ، وهو الرُّجوع، يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا كما كان "رجع" كذلك. "إن أَدْبَرَ، فرُدِّيه، وإن أقبل، فسُرِّيه".
وقالوا في مَثَلٍ: "فَشاشِ فُشيه من استه إلى فِيه". "فَشاشِ" مبني على الكسر،
والمراد: فاشّةٌ، عُدل إلى "فَشاشِ" للمبالغة. والمرادُ بـ"فَشاشِ" الداهيةُ، أي: يا داهيةُ، استخرِجي ما عنده كما تنفشّ الرياحُ من الوَطْب، ورُدّيه عمّا في نفسه. من قولهم: انْفَشَّ الرجلُ من الأمر، إذا فتر، وكسِل.
وقالوا: "قَطاطِ"، وهو معدول عن "قاطّةٍ"، أي: كافيةٍ، يقال: "قَطاطِ" بمعنَى "حَسْبي"، من قولهم: "قَطْك درهمٌ"، أي: حَسْبِك وكافِيك، مأخوذٌ من "القَطّ"، وهو القَطع، كأنّ الكِفاية قطعتْ عن الاستمرار، فأمّا قوله [من الوافر]:
أطلتُ فراطهم ... إلخ (١)
فالبيت لعمرو بن مَعْدِيكَرِبَ.
وقالوا: "بَلالِ" بمعنى "بالة". يقال: "لا تَبُلُّكَ عندي بَلالِ"، أي: بالّة، قالت ليلى الأَخْيَليّة [من الوافر]:
٥٨١ - فلا وأَبِيكَ يا ابنَ أبي عقيل ... تَبُلُّكَ بعدها فينا بلالِ
فلو آسَيْتَه لَخَلاك ذَمٌّ ... وفارَقَك ابنُ عَمّك غيرَ قالِ
стр. 947
ابن أبي عقيل كان مع تَوْبَةَ حين قُتل، وفرّ عنه، فهي تُعنِّفه على ذلك، وكان ابنَ عمّه. أي: لا يُصِيبك بعدها فينا نَدى، ولا خيرٌ. وهو من البَلَل، وهو الرُّطوبة.
وقالوا: "صَمام" للداهية، أي: صامةٌ. ويقال: "داهيةٌ صَمّاء"، أي: شديدة، يقال: "صَمّي صَمامِ"، أي: ادْهَيْ يا داهيةُ وزِيدي.
وقالوا: "كويتُه وَقاعِ"، وهي سِمةٌ، قال أبو عبيدة: هي الدائرةُ على الجاعِرتَيْن، وقال غيره: هي دائرة واحدة، يُكْوَى بها جِلْدُ البعير أيْنَ كان، لا تخُصّ موضعًا. قال عَوْفُ بن الأحوص [من الوافر]:
وكنتُ إذا مُنيتُ ... إلخ (١)
وهو مأخوذ من الوَقِيعة، وهي نُقْرَةٌ في مَتْنِ حجرة يستنقِع فيها الماء.
* * *
[" فعال" المعدولة عن "فاعلة" في الأعلام]
قال صاحب الكتاب: والمعدولة عن "فاعله" في الأعلام كـ "حذام", و"قطام",
стр. 948
وغلاب وبهان لنسوة، وسجاح للمتنبئة، وكساب وخطاف لكلبتين، وقثام وجعار وفشاح للضبع، وخصاف وسكاب لفرسين، وعرار لبقرة يقال "باءت عرار بكحل" (١) وظفار للبلد الذي ينسب إليه الجزع. ومنها قولهم "من دخل ظفار حمَّر" (٢) وملاع ومناع لهضبتين، ووبار وشراف لأرضين ولصاف لجبل.
* * *
قال الشارح: هذا القسم الرابع من أقسام "فَعالِ"، وهو ضربٌ من المرتجَل؛ لأنّه لم يكن قبل العَلَمية بإزاء حقيقة معدولًا، ثمّ نُقل إلى العلميّة. والفرقُ بين هذا القسم والذي قبله أنّ هذا القسم مقطوعُ النَّظَر فيه عن معنى الوصفيّة، والذي قبله الوصفيّةُ فيه مرادةٌ. فمن ذلك "حَذامِ" اسمٌ من أسماء النساء معدول عن "حاذِمةَ" عَلَمًا، وهو مأخوذ من "الحَذْم"، وهو القَطع، يقال: "حذمتُ الشيء حَذْما"، أي: "قطعتُه"، و"سيفٌ حِذيَمٌ"، أي: قاطعٌ، وبه سُمّي حَذِيمَةُ بن يَرْبُوع بن غَيْظ بن مُرَّة.
ومن ذلك "قَطامِ" اسم امرأةٍ معدول عن "قاطمةَ"، وهو مأخوذ من "القَطْم"، وهو العَضُّ وقطعُ الشيء بمُقدّم الفَم، ولذلك قيل، للصَّقْر: "قُطامي". ومنه لقبُ الشاعر قُطاميّ بضمّ القاف وفتحها.
وكذلك "غَلابِ" من أسماء النساء كـ"قَطامِ"، مأخوذ من غَلَبَهُ يغلِبه غَلْبًا وغَلَبًا وغَلَبَة. قال الله تعالىَ: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٣).
و"بهانِ" اسم امرأة قال الشاعر [من الوافر]:
٥٨٢ - أَلا قالتْ بَهانِ ولم تَأَبَّقْ ... كَبِرْتَ ولا يَلِيقُ بك النَّعِيمُ
стр. 949
وهو مأخوذ من قولهم: "امرأة بَهْنانةٌ"، أي: ضَحّاكةٌ طيّبةُ الأَرَجِ، و"بَهْنانةٌ" فَعْلانة، الألف والنون فيها زائدة، كـ"خُمْصانةٍ" و"نَدْمانةٍ".
و"سَجاح" اسم امرأة من بني يَرْبُوع تنبّأتْ في زمنِ مُسَيْلِمَةَ، وهو مأخوذ من قولهم: "وجهٌ أسجحُ"، أي: حسنٌ مستقيمُ الصورة. قال الشاعر [من الطويل]:
٥٨٣ - [لها أُذُنٌ حَشْرٌ وذِفْرى أسيلَةٌ ... وخَدُّ] كمِرْآةِ الغريبةِ أَسْجَحُ
ومنه قولهم: "ملكتَ فأَسْجِحْ" (١)، أي: أحْسِنْ، فـ "سَجاحِ" معدول عن "ساجِحةً" عَلَمًا، و"ساجحة" منقول من الصفة، وهي المُحْسِنة.
ومن الأعلام على "فَعالِ" قولهم: "كَسابِ" و"خَطافِ" لكَلْبَتَيْن، فـ "كَسابِ" معدول عن "كاسبة" منقول من الصفة، يقال: "كسبتُ مالا واكتسبته" بمعنى واحد، و"كسبتُ الرجلَ مالًا فكسبه". جاء مطاوعُه على "فَعَلَ"، والكَسْبُ: طلبُ الرزق، والكَواسِبُ:
стр. 950
الجوارح. و"خَطافِ" معدول عن "خاطفة" كأنّها تخطَف الصَّيْدَ , أي: تستلِبه.
ومن أسماء الضَّبُع "قَثامِ" و"جَعارِ"، و"فَشاحِ". فـ "قَثامِ" اسمُ الأنُثى من الضباع، والذكرُ قُثَمُ، فـ "قُثَمُ" معدول عن "قاثم"، منقول من الصفة بمعنى: المُعْطِي، مِن "قَثَمَ له من المال"، إذا أعطاه دُفْعَةً من المال جيّدةً، كما كان "عُمَرُ" معدولًا عن "عامِرٍ" و"قَثامِ" معدول عن "قائمة" كما كان "حَذامِ" معدولًا عن "حاذمة"، وقيل: إنّما قيل لها: "قثام" لتلطُّخها بجَعْرها، وهو نَجْوها، يقال للأَمَة: "قَثامِ"، كما يقال لها: "دَفارِ". وقالوا لها أيضًا: "جَعارِ" لكثرة جَعْرها، وقالوا لها أيضًا: "فشاح"، وهو من قولهم: "فَشَحَ فبَالَ"، أي: فَرَّجَ ما بين رجلَيْه، وهو كالتفحُّج، كأنّها لِعظَم بَطْنها تفشح.
وقالوا: "حَصافِ"، وهو اسمُ فرس، وهو من قولهم: "فرسٌ مِحْصِفٌ"، و"ناقةٌ مِحْصافٌ"، أي: سريعةٌ، وربّما قالوه بالخاء المعجمة.
و"عَرارِ" بالعين والراء المهملتَيْن اسم بَقَرَة، ومن أمثالهم "باءتْ عَرارِ بكَحْل" (١)، كانتا بَقَرَتَيْن انتطحتَا، فماتَتا معًا، فباءتْ هذه بهذه. يُضرَب لكلِّ متساويَيْن. قال ابن عَنْقاء الفَزاريّ [من البسيط]:
٥٨٤ - باءَتْ عَرارِ بكَحْلٍ والرفاقُ مَعًا ... فلا تَمنَّوْا أَمانِيَّ الأَباطيلِ
يقال: "باء الرجل بصاحبه" إذا قُتِل به، ويقال: "بُؤْ به" أي: كُنْ ممّن يُقتَل به، و"كَحْل" يصرف، ولا يصرف. فمن لم يصرفه؛ فلأنّه عَلَمٌ مؤنّث، لانّه اسمُ بقرة، ومَن صرفه؛ فلِخِفّته كـ"دَعْدٍ". ويجوز أن يكون اشتقاقُ "عَرارِ" من "العُرَّة"، وهو السَّلْح، يقال: عَرَّ، إذا سَلَحَ، كأنّه قيل لها ذلك لسَلْحها، كما قيل للضبع: "جَعارِ" لكثرة جَعْرها.
و"ظَفارِ" اسمُ بلد باليَمَن، يقال: "جَزْعٌ ظفاريٌّ" منسوبٌ إليها، و"عُودٌ ظفاريّ"
стр. 951
للذي يُتبخر به. ومن أمثالهم: "من دخل ظَفارِ حَمرَ" (١)، أي: تكلّم بكلام حِمْيَرَ، يُضرَب لمن يتلبّس بقوم، فيصير على خُلْقهم. واشتقاقُ "ظَفارِ" من "الظفَرَ"، وهو المطمئِن من الأرض، ذو النبات، ويقال: "ظَفرَ النباتُ يُظفر"، إذا طلع.
و"مَلاع" اسمُ هَضْبَة، والهضبةُ: الجبل المنبسِط على وجه الأرض، ومن أمثالهم: "أوْدَتْ بهم عُقابُ مَلاع" (٢)، أي: أهلكتْهم بكَؤُودها، وهو من "المَلِيع" و"المَلاع"، وهما المَفازةُ لا نبات فيها.
وكذلك "مَناعِ" اسمُ هضبة أيضًا شاقّة، وهو مأخوذ من قولهم: "مكان مَنِيعٌ"، و"قد مَنُعَ"، إذا امتنع على من يُريده.
وقالوا: "وَبارِ" وهو عَلَم لأرض كانت لعادٍ، ويزعمون أنها بلدُ الجنّ، ويحتمل اشتقاقُها أمرَيْن: أحدهما أن تكون سُميت بذلك لكثرة الوِبار بها، وهو جمعُ وَبْرة، وهي دُوَيْبَّة تُشبه بالسنور، بلا ذَنَب، أو لأنها تُنْبِت بناتِ أَوْبَرَ، وهي ضربٌ من الكَمْأة.
وقالوا: "شَرافِ"، وهو اسم لأرض من قولهم: "جبلٌ مُشْرِفٌ"، أي: عالٍ.
وقالوا: "لَصافِ"، وهي أرض من منازِل بني تميم. قال الشاعر [من الكامل]:
٥٨٥ - قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُكُمْ أُسُودَ خَفِية ... فإذا لَصافِ تَبِيضُ فيها الحُمَّرُ
стр. 952
الحُمر: ضرب من الطير، كالعُصْفور، ويجوز أن يكون اشتقاقُ "لَصافِ" من "اللصَف"، وهو شيءٌ ينبت في أصل الكَبَر (١) أشبَه الخِيارَ، وقيل: هو ضربٌ من التمر.
فصل [بناء "فعال" وإعرابها]
قال صاحب الكتاب: والبناء في المعدولة لغة أهل الحجاز, وبنو تميم يعربونها ويمنعونها الصرف، إلا ما كان في آخره راء كقوله: "حضار" لأحد المحلفين و"جعار", فأنهم يوافقون فيه الحجازيين إلا القليل منهم كقوله [من مخلع البسيط]:
٥٨٦ - [ألم تمروا إرمًا وعادًا ... أودي بها الليل والنهار]
стр. 953
ومر دهر علي وبارِ ... فهلكت جهرة وبارُ
بالرفع.
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذا الضرب من المعدولة فيها مذهبان: أحدهما مذهبُ أهل الحجاز، فإنهم يجعلونها كالفصول المتقدمة، فيبنونها، ويكسِرونها حملًا عليها لمجامَعتها إياها في التأنيث، والعدل والتعريف، كما كان كذلك فيما قبل. وقال أبو العباس: إنما بُنيت لأنها قبل العدل غيرُ مصروفهَ، نحو"حاذِمة"، و"قاطمةَ"، فإذا عُدلت زادها العدلُ ثِقَلًا، وليس وراءَ منع الصرف إلا البناء، وقد تقدم ذلك والكلامُ عليه. قال الشاعر [من الوافر]:
٥٨٧ - إذا قالَت حَذامِ فَصدقوها ... فإنّ القولَ ما قالَت حَذامِ
وقال الآخر [من الوافر]:
٥٨٨ - أتارِكَةٌ تَدَللَها قَطامِ ... وضِنّا بالتَّحِيَّة والكَلامِ
стр. 954
فبناهما على الكسر، وأمّ ابنو تميم، فإنهم يُجرونها مُجْرَى ما لا ينصرف من المؤنث، نحو: "زَيْنَبَ"، و"عائِشَةَ"، فيقولون: "هذه حَذامُ وقَطامُ"، و"رأيت حذامَ وقطامَ"، و"مررت بحذامَ وقطامَ"، إلَّا ما كان آخِره راء، فإنّ أكثرهم يُوافِق أهل الحجاز، فيكسرون الراء، وذلك من قِبَل أن الراء لها حظ في الإمالة ليس لغيرها من الحروف، فيكسرونها على كل حال من جهة الإمالة التي تكون فيها، فيكون الكسرُ من جهة واحدة، وذلك نحو: "حَضارِ" اسمَ كوكب بالقرب من سُهَيْل، يقال: "حَضارِ والوَزْنُ مُحْلِفان"، وهما نَجْمان يطلعان قبل سهيل، فيُحلَف أنهما سهيلٌ للشَّبَه.
و"جَعارِ" اسم للضبع، و"وبَارِ" موضع. ومنهم من لا يفرّق بين ما آخِرُه راءٌ وغيره، فلا يصرِفه كـ"حذامِ" و"قطامِ". وقال الشاعر [من مخلع البسيط]:
ومرّ دهر ... إلخ
هكذا جاء مرفوعًا، وهو من قصيدة قوافيها مرفوعة، وهو للأعشى، وهو من بني قيس، ومنزلُه باليَمامة، وبها بنو تميم.
فصل [أحكام "هيهات "]
قال صاحب الكتاب: "هيهات" بفتح التاء لغة أهل الحجاز، وبكسرها لغة أسدٍ وتميم، ومن العرب من يضمها، وقرىء بهن جميعاً. وقد تنون على اللغات الثلاث، وقال [من الطويل]:
٥٨٩ - تذكرت أياماً مضين من الصبا ... فهيهات هيهات إليك رجوعها
стр. 955
وقد روي قوله [من الرجز]:
٥٩٠ - هيهات من مصبحها هيهات
بضم الأول وكسر الثاني.
* * *
قال الشارح: قد ذكرنا "هَيْهاتَ" وأنه مبنيّ لوقوعه موقع الفعل المبنيّ، أو بالحمل على "صَه"، و"مَه"، ونحوهما ممّا يُؤْمَر به، وحقه السكون على أصل البناء. والحركةُ فيه لالتقاء الساكنين: الألف والتاء، فمنهم من فتح التاء إتباعًا لما قبلها من الفتح، إذ كانت الألف غيرَ حصينة لضرب من الخفة، كما فتحوها في "الآن"، و"شَتانَ"، وهي لغةُ أهل الحجاز.
وهو اسم واحد عندهم رباعيٌّ من مُضاعَفِ الهاء والياء، ووزنه "فَعْلَلَةٌ"، وأصله "هَيْهَيَة"، فهو من باب "الزلْزَلَة"، و"القَلقَلَة"، ونظيره من المعتل "الزَّوْزاة", و"القَوقاة"، و"الشوْشاة"، و"الزوزَاة": مصدرُ "زَوْزَيْتُ به" وهو شِبْه الطَّرد، و"القَوْقاةُ" كالضوضاة، ومنه "قَوْقَتِ الدجاجة"، إذا صَوَّتتْ. والشوشاةُ. الناقة السريعة، والأصل: الزَّوْزَوَة، والقَوقَوَة، والشوْشَوَة، فقُلبت الواو فيهن ياء لوقوعها رابعةً، ثم قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. فالألف هنا بدلٌ من ياء هى بدلٌ من واو.
و"هيهات" أصلها "هَيْهَيَة"، فقُلبت ياؤه ألفًا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصارت "هَيهات" وتاؤه للتأنيث لَحِقَه عَلَمُ التأنيث، وإن كان مبنيًّا كما لحق "كَيةَ"، و"ذَيةَ" فعلى هذا تُبدِل من تائه هاء في الوقف كما تبدلها في "أَرْطاةٍ"، و"سِعْلاةٍ"
ومنهم من كسر التاء، فقال: "هيهاتِ"، وهي لغة تميم وأسد. ويحتمل أمرَيْن: أحدهما أن يكون اسمًا واحدًا كحاله في لغةِ من فتح, وإنما كُسر على أصل التقاء الساكنَين لخفة الألف قبلها، كما كسروا نون التثنية بعد الألف في قولك: "الزيدان"، و"العمران". ويحتمل أن يكون جَمَع "هيهاتَ" المفتوحةِ الجمعَ المصححَ، والتاء فيه تاء
стр. 956
جمع التأنيث، فالكسرةُ فيها كالفتحة في الواحد، ويكون الوقفُ بالتاء على حدّ الوقف على التاء في "مسلماتٍ"، واللامُ التي هي الألف في "هيهاتَ" محذوفةٌ لالتقائها مع ألف الجمع.
وإنّما حُذفت، ولم تُقلب كما قُلبت في "حُبْلَيَاتٍ"، لعدم تمكُّنها. جعلوا للمتمكن مَزِية على غير المتمكّن، فحذفوها على حد حذف الياء في "اللذان"، و"اللتان". ولو جاءت غير محذوفة، لقلت: "هَيْهَيَات" كـ"شَوْشَيَات"، و"قَوْقَيَات" في جمع "شَوْشاةٍ" و"قَوْقاة"، لكنّه جاء مخالفا لجمع المتمكنة، فالألفُ في "هيهات"، في من فتح لامَ الفعل المبدلةَ من الياء، بمنزلة اللام الثانية في "الزلْزَلَة"، و"القَلْقَلَة". والألفُ فيمن كسر زائدةٌ، وهي التي تصحَب تاء الجمع في مثل "الهِنْدات"، و"الحُبْلَيَات".
ومنهم من يضم التاء، فيقول "هيهاتُ". ويحتمل الضم فيها أمرَيْن: أحدهما أن يكون إعرابًا، وقد أخلصها اسمًا معربًا فيه معنى البُعْد، ولم يجعلها اسما للفعل، فيَبْنِيَه ويكون مبتدأ، وما بعده الخبر. والأمرُ الثاني أن تكون مبنيّةً على الضم؛ لأن الضم أيضًا قد يكون لالتقاء الساكنين، نحو: "أُفُّ"، و"مُنْذُ"، و"نَحْنُ". وقد قالوا في زَجْر الإبل: "جَوْتَ" بالفتح، و"جَوْتِ" بالكسر، و"جَوْتُ" بالضمّ، وقد تُنوَّن "هيهات" في لغاتها الثلاث، فيقال: "هيهاتٌ"، و"هيهاتٍ"، و"هيهاتًا". فمن لم ينوّن، أراد المعرفة، أي: البعدَ. ومَن نوّن، أراد النكرة، أي: بُعدًا.
وقوله: "وقد قُرىء بهن جميعًا" يريد اللغاتِ الثلاث، فالفتح هي القراءة العامّة المشهورة، وقد رُويت منوَّنة عن الأعْرَج. والكسر من غير تنوين قراءةُ أبي جعفر الثَّقَفيّ. والكسرُ مع التنوين قراءةُ عيسى بن عمر. والضم مع التنوين قراءةُ أبي حَيْوَةَ، ولا أعلمها قُرئت بالضمّ من غير تنوين، وقيل: قرأ بها قَعْنَبٌ، فأمّا قوله [من الطويل]:
تذكّرتَ أياما ... إلخ
فشاهد على الكسر مع التنوين، فنوّن الثانية، ولم ينون الأولى، والمعنى: يتأسّف على أيام الصبا، ويستبعِد رجوعَها، وأمّا قول الآخر [من الرجز]:
يُصْبِحْنَ بالقَفْرأَتاوِيّاتِ ... هيهاتُ مِن مُصْبَحِها هيهاتِ
هيهاتَ حَجْرٌ من صُنَيْبِعاتِ
فالرواية بضم الأول، وكسر الثاني. يصف إبلا قطعت بلادًا حتى صارت في القِفار.
* * *
قال صاحب الكتاب: ومنهم من يحذفها. ومنهم من يسكنها, ومنهم من يجعلها نوناً. وقد تبدل هاؤها همزة. ومنهم من يقول "أيهاك", و"أيهان" و"أيها". وقالوا أن المفتوحة مفردة وتاؤها للتأنيث مثلها في غرفة وظلمة, ولذلك يقلبها الواقف هاء فيقول "هيهاه". وألفها عن ياء لأن أصلها "هيهية" من المضاعف كزلزلة. وأما المكسورة,
стр. 957
فجمع المفتوحة وأصلها هيهات فحذف اللام والوقف عليها بالتاء كـ "مسلمات".
* * *
قال الشارح: من العرب من يحذف التاء من "هيهات"، فيقول "هَيْهَا"؛ لأنّ التاء زائدةٌ لتأنيثِ اللفظة كـ"ظُلْمَة" و"غُرْفَة"، وليست لتأنيث المعنى، كـ"قائمة"، و"قاعدة"، فلذلك حذفها، وجعل تسميةَ الفعل بدونها, لأنه أخف، والتذكير هو الأصل.
ومنهم من يُسكن التاء، ويقول: "هَيْهاتْ"، وقد قرأ بها عيسى الهَمْدانيّ، وهي روايةٌ عن أبي عمرو. ووجه ذلك اعتقادُ الوقف, لأنّه في الوقف يجوز الجمعُ بين ساكنَيْن، فيكون الوقفُ كالسادّ مَسَدَّ الحركة. والأمثلُ أن يكون ذلك فيما فيه ضمير، نحو قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (١) إذ كان فيه ضميرُ الإخراج لتقدم ذكره، وإذا كان فيه ضمير، استقل به، فساغ الوقفُ عليه. والوجهُ أن يكون ذلك على لغةِ من كسر التاء، واعتقد فيه الجمعيةَ، ولذلك وقفوا عليها بالتاء، إذ لو كان مفردًا، لكانت هاء كهاء "عَلْقاةٍ"، و"سُماناةٍ"، وللزم إبدالُها في الوقف هاء، فكنت تقول: "هيهاهْ". فبَقاء التاء في الوقف عليها دليل على ما قلناه. وقد قيل: إِن الوقف عليها بالتاء إجراء لحال الوقف مُجْرَى الوصل، كقول من سُلم عليه: "وعليك السلامُ والرحمتْ"، ونحو قوله [من الرجز]:
بل جَوْزِ تَيْهاءَ كظَهْرِ الحَجَفَتْ (٢)
والأوّل أشبهُ، إذ الثاني بابُه الضرورة والشعر، ومنهم من يجعلها نونًا، فيقول: "هيهان". والأقيسُ في ذلك أنّهم لما اعتزموا التذكيرَ بحَذْف التاء منها، بالَغُوا في ذلك بأن زادوا الألف والنونَ اللتين تكونان للتذكير في الصفات، نحو: "عَطْشان"، و"سَكْران"، وانحذفت الألفُ الأصلية لسكونها وسكونِ الألف الزائدة بعدها، كما حذفت مع ألف الجمع في "هيهاتِ" على لغةِ من كسر، فيكون "هيهان" مذكرًا، و"هيهات" مؤنثًا. ويجوز أن يكون "هيهانَ" "فَعْلانَ" ثلاثيًّا، فيكون من معنى "هيهات" لا من لفظه، كـ"سَبِط"، و"سِبَطْر"، ولا يقال: النون بدلٌ من التاء؛ لأنا لا نعلمها أُبدلت من التاء في موضع، فيكون هذا مثله.
فأمّا من كسر نون "هيهان"؛ فيكون تثنيةٌ، وقد حكى ثَعْلَبٌ التثنيةَ فيها، والمرادُ بالتثنية معنى التكرير، أي: هيهاتَ هيهاتَ، كما كان تقديرُ: "حَنانَيْكَ"، و"دَوالَيْكَ": تحنُّنا بعد تحنّنٍ، ومُداولة بعد مداولة. ويحتمل أن يكون تثنيةً أيضًا على لغةِ مَن فتح النون على حدّ قوله [من الرجز]:
أَعْرِفُ منها الأَنْفَ والعَيْنانَا ... ومَنْخَرْينِ أَشْبَهَا ظَبْيانَا (٣)
стр. 958
ومن العرب من يبدل هاءه همزة، فيقول: "أَيْهاتَ". قال جرير [من الكامل]:
أَيْهاتَ مَنْزِلُنا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ ... كانت مُباركَةً منَ الأيامِ (١)
والهمزة قد تُبدَل من الهاء، قالوا: "ماءٌ"، و"شاءٌ"، والأصلُ: مَوَهٌ، وشَوَهٌ، وكان ذلك لضرب من التَقاصّ لكثرةِ إبدال الهاء من الهمزة. ألا تراهم قالوا: "هِنْ فعلتَ فعلتُ"، والمراد: "إن"، وقالوا: "هنرت الثَّوْبَ" في "أنرتُه"، وقالوا: "هرحتُ الدابّةَ"، والمراد: أرحتُها، فعوضوا الهمزة من الهاء لكثرة دخول الهاء عليها؟ وقالوا: "أيْهاكَ" فأبدلوا من الهاء الهمزة.
ولمّا حذفوا التاء من "هيهات" لما ذكرنا من إرادة تذكير لفظها، أدخلوا كاف الخطاب، فقالوا: "أيْهاكَ" على حدّها في "ذَاكَ"، و"النَّجاءكَ". ويجوز أن تكون الكاف اسمًا في محلِّ خفض بالإضافة، وتُخلَص "هَيْهَا" اسمًا معربًا بمعنى البُعْد. ويُؤنس بذلك قراءةُ من قرأ: "هيهاتٌ" بالرفع والتنوين في أحد الوجهين، وممّا يُؤنس باستعمالهم في هذا اللفظ اسما معربا قولُ رُؤْبَةَ [من الرجز]:
٥٩١ - هَيْهاتَ مِن مُنْخَرَق هيهاؤُه (٢)
فهو كقولهم: "بَعُدَ بُعْدُه"، و"جُنَّ جُنُونُه"، للمبالغة. فـ "هَيْهَاءة"، "فَعْلالَةٌ" كـ"زَلْزالَة"، والهمزةُ فيه بدل من الياء؛ لأنه رباعي على ما تقدم، وقالوا: "أَيْهان"، و"أَيْهَا" كما قالوا: "هَيْهَانَ" و"هَيْهَا". وقوله: "إن المفتوحة مفردة" قد تقدم الكلام عليه إلى آخر الفصل.
فصل [معني "شتان "]
قال صاحب الكتاب: المعنى في "شتان" تباين الشيئين في بعض المعاني والأحوال, والذي عليه الفصحاء "شتان زيد وعمرو" و"شتان ما زيد وعمرو". وقال [من السريع]:
شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيّان أخي جابر (٣)
стр. 959
وقال [من الرجز]:
شتان هذا والعناق والنوم ... والمشرب البارد في ظل الدوم (١)
وأما نحو قوله [من الطويل]:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم (٢)
فقد أباه الأصمعي ولم يستعبده بعض العلماء عن القياس.
* * *
قال الشارح: قد تقدم الكلام على "شَتّانَ" بما فيه مَقْنَعٌ، ونحن الآن نتكلّم على الأبيات. اعلم أنّ "شتّان" معناها تَبايَنَ، وافْتَرَقَ، وذلك لا يكون من واحد؛ لأنّ الفُرْقة إنما تحصل من اثنين فصاعدًا، والمرادُ المفارَقةُ في المعاني والأحوال، كالعِلْم والجَهْل والصحة والسَّقَم ونحوها؛ لأن الافتراق بالذوات حاصلٌ، إذ كل شيئين فأحدهما غير الآخر لا محالةَ، وإنما لمّا كان قد يحصل ثم اشتباه في بعض الأحوال والمعاني، وجب أن يكون الافتراق فيها أيضًا، فلذلك تقول: "شَتان زيدٌ وعمرو"، ولو قلت: "شتّان زيد"، وسكتَّ، لم يجز لما ذكرناه من أن الافتراق لا يكون من واحد. وأمّا البيت الثاني الذي أنشده، وهو:
شتان هذا والعِناقُ والنَّوْمْ ... إلخ
فالشاهد فيه رفع الاسمين بعد ارتفاعَ الفاعل. وهذه اللغةُ الفصيحة، ويُروى: "في ظل الدوم" على الإضافة، فمن روى: و"الظلَّ الدوم"، فعلى الصفة، والمعنى: الظل الدائمُ، ومن أضاف، أراد بالدوم شجر المُقْل لا الصفةَ، وأمّا البيت الأوّل، وهو:
شتان ما يَوْمِي ... إلخ
فالبيت للأعشى، والشاهدُ فيه: "ما يومي ويوم حيّان"، فـ "ما" زائدة، والمرادُ: شتّان يومي ويومُ حيّان، فهو كالأوّل، إلَّا أن فيه زيادةَ "ما". وَ"حَيانُ": رجلٌ من بني حَنِيفة، كان يُنادِم الأعشى، وله أخٌ يقال له: جابِر، كان مَلِكا يُحْسِن إليه، فهو يفرق بين ركوبه على كور الناقة تدور، وبين تلك الأيام، وهو قريبٌ من معنى البيت الأول، وأما البيت الثالث، وهو [من الطويل]:
لَشتّان ما بين اليزيدين ... إلخ
فهو لرَبِيعَةَ الرَّقيّ، وهو مُوَلد لا يُؤْخَذ بشعره. واليزيدان: يزيدُ بن حاتم المُهَلَّبيّ، وهو الممدوح، ويزيد بن أُسَيْد السُّلَمي. وكان المنصورُ قد عقد ليزيد بن أسيد على ديار مِصْرَ، وعقد ليزيد بن حاتم على إفْرِيقِيَة، فسارا معًا. وكان يزيد بن حاتم يَمُون
стр. 960
الكَتِيبَتَيْن، فقال ربيعةُ ذلك. وكان الأصمعيّ يُنْكِرِه، ووجه إنكاره أنّ "شتّان" يقتضي اسمَيْن و"ما" ها هنا إن جعلتَها موصولةً، كان ما بعدها اسمًا واحدًا بمنزلةِ "شَتانَ زيدٌ"، وذلك لا يجوز، ولذلك قالوا: لو قيل: "شتّان زيدٌ أو عمرو" من غيرِ ذكرِ اثنين، لم يجز؛ لأنّ "أوْ" لأحدِ الشيئَيْن، وإن جعلتَها صلةً، لم يبق معك ما يصلح أن يكون فاعلاً. وقال قوم: لا يبعُد جوازُ ذلك؛ لأنّه إذا تَباعَد ما بينهما، فقد تَباعَدا، وفارَقَ كلُّ واحد منهما صاحبه، فاعرفه.
فصل [أحكام "أفّ "]
قال صاحب الكتاب: "أُفَُِّ", يفتح, ويضم, ويكسر, وينون في أحواله, وتلحق به التاء منوَّنًا, فيقال: "أُفَّةً".
* * *
قال الشارح: قد تقدم القول: إن "أُفَّ". مبنيةٌ، ومعناها أَتَضَجرُ ونحوه، وحقها السكون على أصل البناء، والحركةُ فيه لالتقاء الساكنين، وهما الفاءان، وفيها لغاتٌ عِدّةٌ. قالوا: "أُفَّ" مفتوحة غيرَ منوَّنة، و"أُفًّا" مفتوحةً منوَّنةَ، و"أُفُّ" مضمومة من غير تنوين، و"أُفٌّ" مضمومة منونة، و"أُفِّ" بالكسر من غير تنوين، و"أُفٍّ" بالكسر مع التنوين، وتُخفف، فيقال: "أُفْ" ساكنة الفاء، وتُمال فيقال: "أُفّي"، وهي التي تُخلِّصها العامّةُ ياء، فتقول: "أُفِّي".
فأمّا الفتح فيها فلِكَراهِيَة الكسر فيها مع ثِقَل التضعيف، فعدلوا إلى الفتح، إذ كان أخف الحركات. ومن ضم، أتبع الفاء ضمةَ الهمزة، كما قالوا: "مُنْذُ"، و"شُدُّ"، و"مُدُّ". ومن كسر، فعلى أصلِ التقاء الساكنين، ولم يُبال الثِّقلَ. ومن لم يُنوِّن، أراد التعريف، أي: التضجرَ المعروفَ، ومن نوّن، أراد النكرة، أي: تضجُّرًا. ومن أمال، أدخل فيه ألف التأنيث، وبناه على "فُعْلَى"، وجاز دخولُ ألف التأنيث مع البناء كما جاءت تاؤه معه في "ذَيةَ"، و"كَيةَ".
وقد قالوا: "هَنا" في المكان، فأدخلوا فيه عَلَم التأنيث مع البناء، فعلى هذا لا يكون من لفظِ "هُنَا"؛ لأنّ "هُنَا" من لفظ معتل اللام، فهو من بابِ "هُدى"، و"ضُحى"، و"هَنَّا"صحيحُ اللام من المضاعَف، فهو من باب "حَبٍّ"، و"دَرٍّ". ولا يبعد أن يكون من لفظه، ويكون وزنُه، "فَنْعَلًا" كـ"عَنْبَس"، فتكون النونُ الأولى زائدة، والألفُ أصلاً.
وأمّا "أُف" الخفيفة، فإنهم استثقلوا التضعيفَ، فحذفوا إحدى الفائَيْن تخفيفًا، فصارت "أُفْ" ساكنةً؛ لأنّها إنما كانت متحرّكة للساكنَيْن، وقد زال المقتضي للحركة، وهو ذَهابُ أحد الساكنين.
стр. 961
ومنهم من قال: "أُفَ" بفتح الفاء مع تخفيفها، وقد قرأ بها ابن عباس. ووجهُ ذلك أنّهم أبقوا الحركة مع التخفيف أمارةً على أنّها قد كانت مثقَّلة مفتوحة، كما قالوا: "رُبَ"، فخففوها، وأبقوا الفتحةَ فيها دلالةً على أصلها، كما قالوا: "لا أُكلِّمك حَيْرِيْ دهْرٍ"، فأسكن الياء في موضع النصب، في غير الشعر, لأنّه أراد التضعيف في "حَيْرِيَّ دَهْرٍ". فكما أنه لو ادّغم الياء الأوُلى في الثانية، لم تكن إلَّا ساكنة، فكذلك إذا حُذفت الثانية تخفيفًا، أُقِرت الأولى على سكونها, لتكون أمارة، وتنبيها على إرادة الادغام، إذ مع الادغام لا تكون الأولى إلَّا ساكنةً، كذلك ها هنا، وقد ذكرنا طَرَفًا من ذلك في شرح المُلوكيّ.
وأمّا "أُمة" بتاء التأنيث، فلا أَعرفُها، وإن كانت قد وردتْ، فما أَقَلَّها! وإن كان القياسُ لا يأباها كلَّ الإباء؛ لأنّه إذا جار أن يدخلها ألفُ التأنيث، فيقال: "أُفَّي"؛ جار أن يدخلها تاؤه، لا فرقَ بينهما، فاعرفه.
فصل [أقسام أسماء الأفعال من حيث التعريف والتنكير]
قال صاحب الكتاب: وهذه الأسماء على ثلاثة أضرب: ما يستعمل معرفة ونكرة، وعلامة التنكير لحاق التنوين, كقولك "إيهِ", "وإيهِ", و"صَهْ", و"صَهِ", و"مَهْ",و "مَهِ" و"غاقِ", و"غاقٍ" و"أُفِّ", و"أُفٍّ", وما لا يستعمل إلا معرفة نحو: "بله" و"آمين", وما التزم فيه التنكير كـ"إيهاً" في الكف، و"ويهاً" في الإغراء، و"واهاً" في التعجب، يقال: "واهاً له ما أطيبه! " ومنه: "فداءٍ له فلانٌ" بالكسر والتنوين, أي ليفدك. قال [من البسيط]:
٥٩٢ - مهلاً فداءٍ لك الأقوام كلهم ... [وما أثمر من مال ومن ولد]
* * *
стр. 962
قال الشارح: قد تقدّم أن هذه الأسماء تكون نكرة ومعرفة، فإذا أريد بها النكرةُ، نُوّنتْ، وكان التنوين دليلَ التنكير، وإذا أريد بها المعرفةُ، واعتُقد ذلك فيها، سقط التنوينُ منها، وكان سقوطُه عَلَمَ المعرفة، وذلك نحو "صَهْ"، و"صَهٍ"، و"إِيهِ"، و"إِيهٍ". هذا مقتضى القياس فيها، إلَّا أنها من جهة الاستعمال على ثلاثة أضرب: منها ما يُستعمل معرفة ونكرة، ومنها ما لم يستعمل إلَّا معرفة، ومنها ما لم يستعمل إلَّا نكرة.
فالأول نحو قولك: "إِيهِ"، و"إِيهٍ"، و"صَهْ"، و"صَهٍ"، و"مَهْ"، و"مَهٍ"، و"غاقِ"، و"غاقٍ"، وأُف"، و"أف". فـ "إِيهِ" من غير تنوين معرفةٌ، ومعناه الاستزادة. قال ذو الرُّمّة [من الطويل]:
وقَفْنَا وقُلْنَا إِيهِ عن أُم سالِم ... وما بالُ تَكْلِيمِ الدِّيارالبَلاقِعِ (١)
لما أراد المعرفةَ، لم يأتِ فيه بالتنوين، وكان الأصمعيّ يُخطىء ذا الرمّة في هذا البيت، ويزعم أن العرب لا تقول إلَّا "إِيهٍ" بالتنوين. وجميعُ البصريين صوبوا ذا الرمّة، وقسموا "إيه" إلى معرفة ونكرة، فالمعرفة: "إيهِ" بلا تنوين، والنكرةُ: "إيه" منوّنا، وقالوا: خَفِيَ هذا الموضعُ على من عابه. والقولُ فيه أن الأصمعي أنكره من جهة الاستعمال، والنحويّون أجازوه قياسًا, ولا خلافَ بينهم في قلةِ استعماله.
ومن ذلك "صَهْ" من غير تنوين معرفةً، و"صَهٍ" منونا نكرة، ومثله "مَهْ"، و"مَهٍ"، فـ"مَه" في المعرفة، ومعناه الكَفّ، و"مَه" في النكرة، ومعناه: كَفا. وكذلك إذا قلت في حكايةِ صوت الغُراب: "غاقِ"، و"غاقٍ"، إذا نونت، كان نكرةً، ومعناه: بُعْدًا بُعْدًا، أو فِراقًا فِراقًا؛ لأن صوت الغراب يُؤذن بالفراق والبُعْدِ عندهم، ولذلك سمّوه غراب البَيْن. وكأنهم فهِموا ذلك من لفظه، إذ كان الغُراب من الغُرْبة والاغترابِ. وإذا أريد به المعرفةُ، تُرك منه التنوين، نحو: "غاقِ غاقِ".
ومن ذلك "أُف"، و"أُف" وقد تقدّم الكلام فيه. فالتنوين الذي يدخل في هذه الأصوات إنّما يفرق بين المعرفة والنكرة، ولا يكون في معرفةِ ألبتّةَ، ولا يكون إلَّا تابعًا لحركات البناء، وليس كتنوين "زيد" و"عمرو" الذي يكون بعد حركات الإعراب في المعرفة والنكرة.
стр. 963
وأمّا الثاني، وهو ما لا يُستعمل إلَّا معرفة، فنحو: "بَلْهَ" بمعنى "دَع"، و"آمِينَ" بمعنى "استجِبْ"، لم يُسمَع في واحد منهما التنوينُ، وقد تقدم ذكرهما.
وأما الضرب الثالث، وهو ما لا يُستعمل إلا نكرة منونًا، فتح و"إيها" في الكَف، فإنها لم تَرِد إلا منونة نكرةً، وفتحت للفرق بينها وبين "إيهِ" التي بمعنى الاستزادة، يقال: "إيهِ" أي: زِد من حديثك أو عَمَلِك، و"إيها" إذا استكففتَه عن ذلك. قال حاتم [من البسيط]:
٥٩٣ - إِيهَ فِداءٍ لَكُمْ أُمي وما وَلَدَتْ ... حاموا على مَجْدكم واكْفوا مَنِ اتَّكَلا
وقال أبو بكر بن السري: يقال: "إِيهَ" في الكف و"إيها" بالتعريف والتنكير. قال: ومن ينوّن إذا فتح فكثيرٌ، والقليلُ من يفتح ولا يُنوِّن، ومن ذلك "وَيهًا" بمعنى الإغراء بالشيء والاستحثاث عليه. قال الكُمَيْت [من المتقارب]:
٥٩٤ - وجاءَتْ حَوادِثُ في مِثلها ... يقال لِمِثلِيَ: وَيهًا فُلُ
стр. 964
وقال الآخر [من الرجز]:
٥٩٥ - وَهوَ إذا قيل له وَيْهًا كُلْ ... فإنه مُواشِكٌ مُسْتَعْجِلْ
وَهْوَ إذا قيل له وَيْهًا فُلْ ... فإنه أَحْرِ به أن يَنْكِلْ
يريد: يا فلانُ، وهو صوتٌ سُمّي به الفعل، ومسماه "أَسْرعْ"، و"عَجلْ" وهو مبنيّ لذلك، وفُتح لثقل الكسر بعد الياء، ولم يأت عنهم إلا منكورا. وقالوا: "وَاهًا له ما أَطْيَبَهُ! " للتعجبِ من طِيبِ الشيء وحُسْنِه، وهو اسمٌ لـ "أُعْجَبُ"، قال أبو النَّجْم [من الرجز]:
стр. 965
٥٩٦ - وَاهًا لِرَيى ثُم واهًا واهَا ... يالَيْتَ عَيْنَيْها لنا وفاها
بِثَمَن نُرْضِي به أَباها
وهو من الأسماء التي لم تُستعمل إلَّا منكورةً منوّنةً، والعلةُ في بنائه وفَتْحِه كالعلة في "وَيْها".
ومن ذلك قولهم: "فداءٍ لك فلانٌ" بالكسر والتنوين. أنشد أبو زيد [من الرجز]:
٥٩٧ - إيهًا فِداءٍ لك يا فَضالَهْ ... أَجَرهُ الرُّمْحَ ولا تُهالَهْ
стр. 966
فهو مبني على الكسر. وإنّما بُني لوقوعه موقعَ ما أصلُه البناء، وهو فعلُ الأمر؛ لأنّهم يريدون به الدعاء، والدعاءُ حقُّه أن يكون على لفظ الأمر. وما جاء منه بلفظ الخبر نحو "﵀"، و"سَلمَهُ اللهُ"، فتوسُّع ومبالغةٌ على معنى حصول ذلك واستقراره، والمرادُ: لِيَفْدِكَ، وهو في البناء كـ"نَزالِ" و"مَناعِ"، وكُسر لالتقاء الساكنين، على أصلِ ما يقتضيه التقاء الساكنين. والتنوينُ فيه للتنكير على نحوه في "إيه"، ولم يُسمع عنهم إلَّا منوّنا، وذلك لأنّه ليس له متعلقٌ يحتمل التعريفَ كما لنظائره فيما ذكرنا، فيجري مجرى ما وقع موقعَه من الفعل. ويُروى: "فداءٌ لك" بالرفع، و"فِدى لك"، بالقصر. أمّا وجهُ الرفع، فعلى أنّه خبر مقدم على المبتدأ، وهو فلانٌ. وأما القصرُ، فيحتمل أمرَيْن: أحدهما أن يكون في موضع رفع، كما قالوا: "فداءٌ لك"، فرفعوا، ويجوز أن يكون في موضع بناء إلَّا أنه ثبتت الألفُ، وإن كان في موضع سكون؛ لأن الألف الواقعة قبل الممدود لا تقع قبل المقصور، لكنّه ثبتت فيه الألفُ كما ثبتت في "مَتَى"، وليست الألفُ في "فدى لك" على هذا كالتي في "عَلا" من قوله [من الرجز]:
٥٩٨ - فَهْيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا
стр. 967
لأن هذه في موضع حركة، وهي ضمّةٌ، وتلك في موضع سكون، فأمّا قوله [من البسيط]:
مَهْلًا فِداء لك الأقوامُ كُلُّهُمُ ... وما أُثَمرُ من مالٍ ومن وَلَدِ (١)
فالبيت للنابغة، و"الأقوامُ" رفع, لأنّه فاعلُ "فداء", لأنّه في معنى: ليَفْدِكَ الأقوامُ، ويروى بالرفع على الابتداء والخبر، وبالنصب على المصدر، ذكره النَّحّاسُ، فاعرفه.
فصل [أسماء الأفعال المتصلة بكاف الخطاب]
قال صاحب الكتاب: ومن أسماء الفعل دونك زيداً أي خذه، وعندك عمراً، وحذرك بكراً وحذارك ومكانك وبعدك إذا قلت تأخر أو حذرته شيئاً خلفه، وفرطك وأمامك إذا حذرته من بين يديه شيئاً أو امرأته أن يتقدم، ووراءك أي انظر إلى خلفك إذا بصرته شيئاً.
* * *
قال الشارح: قد سموا الأفعال بأسماء مضافةٍ ظروفِ أَمْكِنَة وغيرِها، وقد قصره بعضُهم على السَّماع، ولا يستعمِل إلَّا ما ورد عن العرب من ذلك، ولا يَقيسه. وقد أجاز الكسائيُّ الإغراء بجميعِ حروف الصفات. ويريد أهلُ الكوفة بحروف الصفات حروفَ الجر، لإجراء حروف الجرّ مُجرى الظروف. والمذهبُ الأوّلُ، وعليه الأكثرُ؛ وذلك لقلّة ما جاء منه عنهم، فمن ذلك قالوا: "دُونَكَ زيدا"، أي: خُذْه من تحت، و"عندك عمرا"، أي: الْزَمْه من قُرْبٍ، وقالوا: "مكانَك" بمعنى "اُثْبُتْ". قال الله تعالى: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ (٢)، فأكّد الضمير في مكانكم حيث عطف عليه "الشركاء"، فهو كقولك: "اثبتوا أنتم وشركاؤكم".
وقالوا: "بَعْدَكَ"، و"وَراءَكَ" إذا قلت له: تَأَخَّرْ، وحذّرتَه شيئًا من خَلفه، وقالوا: "فَرَطَكَ"، و"أَمامَك" إذا حذّرتَه من بين يدَيْه شيئًا؛ فهذه كلُّها ظروفٌ أُنيبت عن فعل الأمر، فهي في مذهب الفعل لذلك. والذي يدل على ذلك قوله [من الوافر]:
٥٩٩ - وقَوْلِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ ... مَكانَكِ تُحْمَدِي أو تَسْتَرِيحِي
стр. 968
فجوابه بالجزم دليل على أنه في مذهب الأمر، كأنه قال. "اثْبُتي تحمدى، أو تستريحي". ومن ذلك ما حكاه الفرّاء من قول بعض العرب: "مكانَكَنِي" لما وضعه موضعَ "أُنْظِرْني"، ألحقه النون المزيدةَ لسلامة الفعل من الكسر، نحو: "خُذنِي" و"أَنْظِرْني". وهذه مبالغة في إجراء هذه الظروف مُجرى الفعل، ولكونِ هذه الظروف في مذهب الفعل ونائبةً عنه، لم تكن معمولة لغيرها, ولا الحركة فيها بحركةِ إعراب، وإنما هى حركةُ بناء مَحكيةٌ جائيَة بعد النقل على ما كانت عليه قبله، إلَّا أنها لما لم تكن بعامل، كانت بناءً، ويجوز أن لا تكون حكايةً، وإنما هي بناءٌ؛ لأنه لما سُمي به في حالِ إِضافته، صار كالاسم الواحد، وصار الأوَّل كالصدر للثاني، ففتُح الأول كفتح "حَضْرَمَوْتَ"، وليست الفتحة فيه الفتحة التي كانت له في حال إعرابه.
وأمّا الكاف في "عندك"، و"دونك" ونحوهما من الظروف المسمى بها الأفعالُ، فإنها أسماءٌ مخفوضةُ الموضع؛ لأنها قبل التسمية بها كانت أسماء مخفوضة, لا محالةُ. والتسميةُ وقعتْ بها، فكانت باقية على اسميّتها، إذ التسمية لا تُحِيلها. ألا ترى أن نحو"تَأبطَ شَرًّا" لمّا وقعتِ التسميةُ بالجملة، حُكيت، وكان الاسمُ الثاني منصوبا كحاله قبل التسمية.
وذكر ابن بابْشاذ أن الكاف في هذه الأسماء حرفُ خطاب على حدها في "روَيْدَكَ"، و"ذلِكَ" و"النجاءَكَ". واحتجّ بأنها أسماء أفعال، وأسماء الأفعال في مذهب الفعل، فلا تضاف. هذا معنى كلامه، والمذهبُ الأول؛ لأن التسمية في "دونك"، و"عندك"
стр. 969
ونحوهما، وقعت بالمضاف، والمضاف إليه، كما وقعت بالجملة في نحو: "تأبّط شرا"، و"بَرَقَ نَحْرُه". والتسميةُ في "رُوَيْدَكَ" وقعت بالاسم الأول وحدَه، بدليلِ أنّه يقع بعده الظاهرُ، فتقول: "رُوَيْدَ زيدًا"، وليس كذلك هذه الظروفُ.
فأما "حَذَرَكَ"، و"حِذارَك"، فلا أراه من هذا الباب، وإنّما هو من مصادر مضافةٍ إلى ما بعدها، فهي من باب "عَمْرَكَ الله"، و"قَعْدَكَ اللهَ"، وإنّما أوردها ها هنا؛ لأنّ فيها تحذيرا كالتحذير في "وراءَك"، "وأمامَكَ"، ونحوهما، فاعرفه.
فصل [أسماء الأصوات]
قال صاحب الكتاب: ومن الأصوات قول المنتدم والمتعجب: "وي" يقول: "وي ما أغفله! " ويقال "وي لمه". ومنه قوله تعالى: ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾ (١) و"ضربه فما قال حس ولا بس"، و"مض": أن يتمطق بشفتيه عند رد المحتاج قال [من الرجز]:
٦٠٠ - سألتها الوصل فقالت مض
وفي أمثالهم "إن في مض لمطمعا" (٢)، و"بخ" عند الإعجاب, و"أخ" عند التكره قال العجاج [من الرجز]:
٦٠١ - وصار وصل الغانيات أخا
وروى: "كخا". و"هلا" زجر للخيل، و"عدس" للبغل، وبه سمي، و"هَيْدَ" بفتح
стр. 970
الهاء وكسرها للإبل، و"هادَ", و"هادِ", مثله، ويقال أتاهم فما قالوا له هيد ما لك" إذا لم يسألوه عن حاله, و"جه" و"ده" مثله ومنه "ألا ده فلا ده" (١)، و"حوب" (٢) , و"حاي" (٣) و"عاي" (٤) مثله. و"سع" حث للإبل, و"جوت" دعاء لها إلى الشرب. وأنشد قوله [من الطويل]:
٦٠٢ - دعاهن ردفي فارعوين لصوته ... كما رعت بالجوت الظماء الصواديا
стр. 971
بالفتح محكياً مع الألف واللام, و"جيء" مثله, و"حل" زجر الناقة, و"حب" من قولهم للجمل "حب لا مشيت", و"هدع" تسكين لصغار الإبل, و"دوه" دعاء للربع, و"نخ" مشددة ومخففة صوت عند إناخة البعير, و"هيخ" و"أيخ" مثله, و"هس" وهج وفاع زجر للغنم. وبس دعاء لها, وهج وهجا خسءٌ للكلب. قال [من الكامل]:
٦٠٣ - سفرت فقلت لها هج فتبرقعت ... فذكرت حين تبرقعت ضبارا
و"هِيجِ" يُصوِّت به الحادي، و"حَجْ"، و"عَهْ"، و"عِيزَ" زجر للضأن، و"ثِىءْ" دعاء للتيس عند السفاد، و"دَجْ" صِياح بالدَّجاج، و"سَأ" و"تُشُؤْ" دعاء للحِمار إلى الشُرْب، وفي مَثل: "إذا وقف الحمارُ على الردْهَة فلا تَقُلْ له: "سَأ" (١)، و"جاهِ" زجر للسبُع، و "قُوسْ" دعاء للكلب، و"طِيخِ" حكايةُ صوتِ الضاحك، و"عيطْ" صوتُ الفِتْيان، إذا تَصايحوا في اللعْب، و"شِيبِ" صوتُ مَشافِرِ الإبل عند الشرب، و"ماء" حكايةُ بُغام (٢) الظبْية، و"غاقِ" حكاية صوت الغُراب، و"طاقِ" لا حكاية صوت الضَرْب، "وطَقْ" حَكاية صوت وَقْعِ الحِجارة بعضِها ببعض، "وقَبْ" حكاية وقع السيف.
* * *
قال الشارح: إنما قال: "ومن الأصوات"؛ لأن أسماء الأفعال والأصوات متواخيةٌ؛ لأنها مزجورٌ بها، كما أن الأصوات كذلك. واعلم أن الأصوات كلها مبنية محكية؛ لأن
стр. 972
الصوت ليس فيه معنى، فجرى مجرى بعض حروف الاسم. وبعضُ حروف الاسم مبني، فمن ذلك قولهم: "وَيْ" في حالِ الندم والإعجاب بالشيء، وهو اسم سُمي به الفعل في حال الخبر، كأنه اسمُ "أُعْجَب" أو"أَتَنَدمُ"، وهو مبني؛ لأنه صوت سمي به. ولم يلتقِ في آخِره ساكنان، فيجبَ لذلك التحريكُ، فبقى على سكونه، وقالوا: "وَيْ لمهِ" والمراد: لأمهِ، فحذفوا الهمزة تخفيفا كما قالوا: "أيْشَ" والمراد "أي شيء"، فحذفوا تخفيفا.
فأما قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، فذهب الخليل وسيبويه (٢) إلى أن "وَي" منفصلة، معناها: "أُعْجَبُ"، ثم ابتدأ "كأنه لا يفلح الكافرون"، و"كأن" هاهنا لا يراد به التشبيهُ، بل القطعُ واليَقِينُ، وعليه بيتُ الكتاب [من الخفيف]:
٦٠٤ - وَيْ كَأَن مَن يَكُنْ له نَشَب يُحببْ ... ومَن يَفتَقِر يَعِش عَيْشَ ضُر
стр. 973
لم يُرِد ههنا التشبيه، بل اليقين. ومما لا يكون فيه "كَأَنَّ" إلَّا عارية من معنى التشبيه قوله [من البسيط]:
٦٠٥ - كأنني حِينَ أُمْسِي لا تُكَلمُني ... مُتَيم يَشْتَهِي ما ليس مَوْجُودَا
أي: أنا حين أمسي هذه حالي. وذهب أبو الحسن إلى أنّه "وَيْكَ" مفصولة من "أنهُ"، وكان يعقوبُ يقف على "وَيْكَ" ثم يبتدىء: "أنهُ لا يفلح الكافرون"، كأنه أراد بذلك الإعلام بأنّ الكاف من جملةِ "وَيْ"، وليست التي في صدرِ "كأن" إنما هي "وَيْ" على ما ذكرنا أضيف إليها الكافُ للخطاب على حدها في "ذلِكَ"، و"أُولئك"، ويُؤيد ذلك قول عَنْتَرَةَ [من الكامل]:
٦٠٦ - ولقد شَفَى نَفْسي وأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قَوْلُ الفَوارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ
стр. 974
فجاء بها متصلة بالكاف من غير "أن"، فهي حرفُ خطاب، وليست اسما مخفوضا كالتي في "غلامك"، و"صاحبك"؛ لأن "وَيْ" إذا كانت اسما للفعل، فهي في مذهب الفعل، فلا تضاف لذلك، و"أن" وما بعدها في موضع نصب باسم الفعل الذي هو "وَيْ"، ولذلك فُتحت "أن"، والتقديرُ: أعجبُ لأنّه لا يفلح الكافرون. فلما سقط الجار، وصل الفعلُ، فنَصَبَ. وذهب الكسائي إلى أن الأصل: "وَيْلَكَ"، فحُذفت اللام تخفيفا. وهو بعيد، وليس عليه دليل. وقد ذهب بعضهم إلى أن "وَيْكَأَنهُ" بكماله اسم واحد، والمراد شدّةُ الاتصال، وأنه لا ينفصل بعضُه من بعض، فاعرفه.
ومن ذلك "حَسِّ"، و"بَسِّ"، فـ "حَس" اسم سُمي به الفعل في حال الخبر، ومعناه: "أتألمُ" و"أتوجع"، وهو مبني؛ لأنه صوت وقع موقع الفعل، وكُسر لالتقاء الساكنين، و"بَس" بمعنَى "حَسْبُ"، فهو اسم "اكْتَفِ"، و"اقْطَعْ". يقال: ضربهُ فما قال حَس ولا بَسّ"، أي: لم يتوجّع، ولا استكف. وفي الحديث: "فأصاب قَدَمُه قدمَ رسول الله ﷺ ، فقال: حَسّ" (١)، كأنه تألم.
ومن ذلك "مِضّ" بكسر الميم والضاد، وهو حكايةُ صوت الشَفَتَيْن عند التمطق، يقال ذلك عند رَد ذي الحاجة، وهو اسم بمعنى "اعْذِرْ"، والمراد به الردّ على إطماع،
стр. 975
وفي المَثَل "إن في مِض لَمَطْمَعًا" (١)، أي: لطَمَعا، وقال الراجز [من الرجز]:
سألتُها الوَصْلَ فقالتْ مِض (٢)
وهي مبنية على الحكاية، وكُسرت لالتقاء الساكنين، وهما الضادان، ومن ذلك "بَخ"، وهي كلمة تقال عند تعظيم الشيء وتفخيمه، وأصلها التشديد والكسر. قال الشاعر [من الرجز]:
٦٠٧ - في حَسَب بَخ وعِز أَقْعَسَا
أي: في حسب مقول فيه ذلك، وهو اسم لـ"عَظُمَ" و"فَخُمَ"، فهو مبني لذلك، وفيه لغاتٌ، قالوا: "بَخِّ بَخِّ" بالتضعيف والكسر من غير تنوين. فالبناء لأنه صوت محكى، أو لوقوعه موقع الفعل، والكسرُ لالتقاء الساكنين، وهما الخاءان. وقالوا: "بَخٍّ بَخٍّ" بالتضعيف مع التنوين، كأنهم أرادوا النكرة. وقالوا: "بَخْ بَخْ" مخففة كأنهم استثقلوا التضعيف، فحذفوا إحدى الخاءَيْن، ثمّ سكنوا الأخرى, لأنه لم يلتقِ فيه ساكنان، قال الأعشى [من الكامل]:
٦٠٨ - بَيْنَ الأشج وبين قَيْس باذِخٌ ... بَخْ بَخْ لِوالده وللمَوْلُودِ
стр. 976
وقالوا: "بَخ بَخ" بالتنوين للتنكير. قال الشاعر [من المتقارب]:
٦٠٩ - رَوافِدُهُ أَكْرَمُ الرافِداتِ ... بَخٍ لَكَ بَخٍّ لبَحْر خِضَمْ
فجمع بين اللغتَيْن. وحكى ابن السِّكيت "بَهْ بَهْ" في معنى "بخ بخ"، وينبغي أن تكونا لغتَيْن؛ لأن الهاء لا تُبْدَل من الخاء.
وقالوا: "إخ" عند التكره للشيء، وهو صوت سُمي به الفعل، ومسمّاه "أَكْرَهُ"، و"أَتكره". قال العَجّاج [من الرجز]:
وانثَنَتِ الرّجْلُ فصارتْ فَخا ... وصار وَصْلُ الغانِياتِ أَخَّا (١)
ويروى: "كِخا". أعربها هنا؛ لأنه أراد اللفظة، ولم يرد مسماها.
وقالوا: "هَلَا"، وهو زجرٌ للخيل والإبل، وهو اسم للفعل، ومسماه: تَوَسعي، أو تَنَحي، ونحوهما. قال [من الطويل]:
٦١٠ - [أَعَيرْتَني داء بِأُمكَ مِثْلُهُ] ... وأيُ جوادٍ لا يُقالُ له هَلَا
стр. 977
وقد تُسكن بها الإناث عند دُنُو الفَحْل منها، وهو صوت محكي مبني لوقوعه موقعَ الفعل، وهو مُسكنُ الآخِر على ما يقتضيه البناء.
وقالوا عَدَسْ، وهو زجز للبَغْل. قال ابن مُفرغ [من الطويل]:
عَدَسْ ما لِعَباد عليكِ إمارَةٌ ... أَمِنْتِ وهذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ (١)
وقد سموا البغل نفسَه عَدَس قال [من الرجز]:
إذا حملتُ بِزتي على عَدَسْ ... على الّذي بَيْنَ الحِمارِ والفَرَسْ
فلا أُبالِي مَن غَزَا ومَن جَلَس (٢)
وهو صوت محكي، ولم يلتق في آخِره ما يُوجِب تحريكَه، فبقي على سكونه، وقالوا: "هَيْدَ"، و"هِيدَ" بفتح الهاء وكسرها، وهو زجر للإبل، قال الشاعر [من الرجز]:
٦١١ - باتَتْ تُبادِي شَعْشَعات ذُبلَا ... فَهْيَ تُسَمى زَمْزَما وعَيْطَلَا
حتّى حَدَوْناها بهَيْدَ وهَلَا ... حتى يرَى أَسْفَلُها صار عَلَا
стр. 978
"زمزم" و"عيطل" اسمان لناقة واحدة. ويقال: "أتاهم، فما قالوا له هَيْدَ"، أي: ما سألوه عن حاله، وهو مبني لِما ذكرناه من أنه صوت، سُمّي به الفعل. وكان حقه أن يكون مسكنَ الآخر، إلَّا أنّه التقى في آخِره ساكنان: الياء والدال، ففُتحت الدال لالتقاء الساكنين لثِقَل الكسرة بعد الياء. و"هادِ" مثلُه، يقال: "هَيْدَ"، و"هادِ". ويقال: "ما له هَيْدَ ولا هادِ"، أي: لا يقال له ذلك، أي: لا يُمْنَع من مَرامه، ولا يُزْجَر عنه لقوته، قال ابن هَرْمَةَ [من البسيط]:
٦١٢ - حتى استقامتْ له الآفاقُ طائِعة ... فما يُقالُ له هَيْدَ ولا هادِ
стр. 979
إلَّا أن "هَيْدَ" مفتوحة لثقل الكسرة بعد الياء، و"هادِ" مكسورة على القياس.
وقالوا: "جَهْ "، وهو صوتٌ يُزجَر به السبُع ليكفّ وينتهيَ. يقال منه: "جَهْجَهْتُ" بالسبع، إذا قلت له ذلك، كما يقال: "بَخبَخت" إذا قلت له: "بَخ بَخ"، ويقال: "تجَهْجَهْ عني"، أي: طَاوعْ وانْتَهِ.
ومثله في الزجر قالوا: "دَه"، مثل "هَبْ"، ومنه: "إن لا دَهْ فلا دَهْ" ساكنةَ الهاء، وهو رواية ابن الأعرابي، والمشهورُ روايةُ المفضل: "إن لا دَه فلا دَه"، ومعناه: "افعَلْ"، فهو صوت سمي به الفعل في الأمر، ومنه قول رؤبة [من الرجز]:
٦١٣ - وقول إن لا دَه فلا ده
والمعنى: إن لا يكن منك فعلٌ لهذا الأمر، فلا يكون بعد الآن، فكأنّه نفيُ مدلولِ مسماه، والتنوين فيه التنكير على نحو: "صَهٍ"، و"مَهٍ"، وهو كلمة فارسية. وأصله أن الموتور كان يلتقي وَاتِرَه، فلا يتعرض له، فيقال له ذلك. يُضرَب لكل من لا يُقدم على الأمر، وقد حان حِينُه.
وقالوا "حَوْبُ"، وهو صوتُ يزجر به الإبل. يقال: "حَوَبْت بالإبل" إذا قلتَ لها، "حوب"، وهو مبني؛ لأنه صوت محكي، والحركة فيه لالتقاء الساكنين. وفيه ثلاثُ لغات، قالوا: "حَوْبَ" بالفتح، و"حَوْبُ" بالضم، و"حَوبِ" بالكسر. وتنون في جميع لغاتها، فيقال: "حَوْبًا"، و"حَوْبٌ" و"حَوْبٍ". وقالوا فيهَ: "حَابِ"، فَمن فتح، طلب الخفةَ، ومن ضم، فإتباعٌ للواو قبلها، أجروا الواو مُجرى الضمة، فأتبعوها الضم كما أتبعوا الضمّة، فقالوا: "مُد"، و"شد". ومن قال "حوب "، فكسر، فعلى أصلِ التقاء الساكنين. ومن لم يُنون، أراد المعرفة، ومن نون أراد الَنكرة. واعلم بأن اختلاف هذه اللغات، ومَجِيئَها منونةً وغيرَ منوّنة مما يدلّ أنّها أصوات، ولَيسَتْ أفعالًا، إذ ليس لها عِصْمَة الأفعال.
ومن ذلك قولهم: "عاي" في الزجر، و"حاي" كلمةُ زجر للإبل وغيرها من المواشي.
стр. 980
وقالوا: "سَعْ"، وهو زجر للمَعْز، يقال لها: "سَعْ سَعْ". قال الفراء: "يقال: "سَعْسَعْتُ بالمعز" إذا زجرتَها. قال ابن دُرَيْد، وقد يُزجَر البعير، فيقال له: "سَعْ"، وهو صوت أيضًا مبني محكي، وسكن آخرُه لأنه لم يلتق في آخره ما يُوجِب الحركةَ كـ "صَهْ" و"مَهْ".
وقالوا: "جَوْتَ"، وهو دعاءٌ للإبل لتشرب، ويقال: "جَوْتَ جَوْتَ"، وهو من الأصوات المحكيّة، وفُتح للخفة، فأما قول الشاعر، أنشده الكسائي [من الطويل]:
دعاهن رِدْفي ... (١) إلخ
فشاهد على صحة الاستعمال، وقال: "بالجَوْتَ"، فأدخل عليه الألفَ واللام، وأبقاه على حاله من الحكاية والبناء؛ لأن إلحاقَ الألف واللام الأسماء المبنية لا يُوجِب لها الإعرابَ، ألا ترى إلى قولهم "الآن"، و"الذِي"، و"التِي" ونحوها كيف دخلت عليها اللام، ولم توجِب لها إعرابا؟ فكذلك دخولُ الألف واللام في "الجَوْتَ" زائدة على حدّ زيادتها فيما ذكرنا, ولا يوجب ذلك إعرابًا؛ لأنها لم تلحق هذا القبيلَ؛ لأن مجراه مجرى الفعل. ألا ترى أنها لا تدخل في مثلِ "غاقِ"، و"صَهْ" ونحوهما.
ومثلُ "الجَوْتَ" في دخول الألف واللام عليه قوله [من الطويل]:
تَداعَيْنَ باسم الشيبِ في مُتَثَلمِ (٢)
فقوله: "شِيب" حكايةُ صوتِ جَذبها الماء، ورَشْفِها له عند الشرب، فأدخل عليه اللامَ، وحكاه. ومثَله قول الآخر [من الرجز]:
يَدْعُونَنِي بالماء ماءً أَسْوَدَا (٣)
فـ "ماء" حكايته صوت بُغام الظباء، وأدخل عليه اللامَ (٤)، وهو قليل قياسا واستعمالا.
ومثله "جِئْ"، وهو صوت محكي ساكنُ الآخر؛ لأنه لم يعرض فيه ما يُوجِب الحركة، يقال ذلك للإبل عند الشرب، ويقال: "جَأْجَأْتُ بالإبل جأْجَأَة"، إذا قلت لها: "جِىءْ جِىءْ" والاسمُ: "الجيءُ" مثلُ "الجِيع". قال [من الهزج]:
٦١٤ - وما كان على الجِيء ... ولا الهِيء امْتِداحِيكَا
стр. 981
فـ "الجىء" الدعاء للشرب، و"الهِيء" الدعاء للعَلَف، يقال: "هَأْهَأْتَ بها" إذا دعوتَها للعلف.
ومن الأصوات "حَلْ"، وهو زجز للناقة، وهو مبنيٌ على السكون؛ لأنه لم يلتق في آخِره ساكنان، فبقي على سكونه، يقال منه: "حَلْحَلْتُ بالناقة" إذا قلت لها: "حَلْ حَلْ"، ويدخله تنوينُ التنكير، فيقال: "حَلٍ". قال رُؤْبَةُ [من الرجز]:
٦١٥ - وطُولُ زَجْرٍ بحَلٍ وعاجٍ
وقالوا: "حَبْ" بالحاء غير المعجمة، وهو صوت يُزجَر به الجمل عند البروك، يقولون: "حَبْ لا مَشَيْتَ"، والإحباب في الإبل كالحِران في الخيل، قال الشاعر [من الرجز]:
٦١٦ - ضَرْبَ البَعِيرِ السوْءِ إذْ أَحَبا
وهو مبني على السكون؛ لأنّه لم يُوجَد في آخِره ما يُوجِب الحركة.
وقالوا: "هِدَعْ" بكسر الهاء، وفتح الدال، وهو صوت تُسكن به صغارُ الإبل إذا تَفرقت، وهو ساكنُ الآخِر على أصل البناء.
стр. 982
وقالوا: "دوهٍ"، وهو دعاء للربع، والربَعُ. الفَصِيل ينتَج في الربيع، وهو أول النتاج. يقال: "ما له رُبَعٌ، ولا هُبَعٌ" (١)، والهُبَعُ: ما يُنتَج في آخِر النتاج.
وقالوا: "نَخَّ" مشدّدة، وهو صوت يقال عند إناخة البعير، وفُتح آخره لالتقاء الساكنين، وهما الخاءان، وخُص بالفتح لثقل التضعيف، وإتباعا لفتحة النون، وقد يُخفف بحذف إحدى الخاءَيْن، فإذا حُذفت إحدى الخاءين، يُسكن آخِره؛ لأن الموجب للحركة قد زال، وهو اجتماع الساكنين، ويقال منه: "نَخنَختُ الناقةَ، فتنخنخت"، أي: أبركتُها، فبركتْ. قال العَجاج [من الرجز]:
٦١٧ - ولو أَنَخْنَا جَمعَهُم تَنَخْنَخُوا
وقالوا: "هِيخِ"، و"إيخِ" مثله يقال لإناخة البعير.
وقالوا: "هُس"، وهو صوت يزجر به الراعي الغنمَ. وهو مفتوح الآخر لثقل التضعيف. ويقال: "راعٍ هسهاسٌ، وهُساهِسٌ"، إذا رعاها لَيْلَهُ كلهُ، كأنه قيل له ذلك لزَجْره إياها بـ "هُس".
وقالوا: "فاعِ"، والمشهور: "فَعْ"، فعلى ذلك تكون الألف إشباعًا عن فتحة الفاء، يقال: "فَعْفَعَ بالغنم"، إذا قال لها: "فعْ فَعْ"، ومنه: "راعِ فَعْفاعٌ".
وقالوا: "بُسْ"، وهو صوت يُدعَى به الغنم. قال أبو زيد: أَبْسَستُ بالغنم إذا أشليتَها إلى الماء، وقال أبو عُبَيد: يقال: بسستُ الإبل وأبسستُها, لغتان إذا قلت لها: بُس بُس، ومصدرُه: الإبساسُ، وهو صوت للراعي يسكن به الناقة عند الحَلْب.
وقالوا: "هَجْ" في خَسءِ الكلب وزجرِه، ساكنُ الآخِر مخفف على أصل البناء
стр. 983
كـ "صَهْ" و"مَة"، وهو زجر للغنم. وربما قالوا فيه: "هَجَا" بألف، فأمّا قوله، وهو الحارث بن الخَزْرَج [من الكامل]:
سَفَرَت فقلتُ لها هَجِ ... إلخ (١)
فشاهد على الاستعمال، ونوّن "هَج"؛ لأنّه أراد النكرة. يهجو امرأة، ويصفها بالقَباحة، وأنها حين سفرت، زجَرَها زَجْر الكلاب، وحين تبرقعتْ، أشبهتِ الكلابَ. و"ضبار" اسم كلب.
وقالوا: "هِيج"، وهو صوت يُصوت به الحادى، ويزجر، به إبلَه. وحج وهو صوت يزجر به الضأن. ومثله "عَهْ"، و"عِيزِ".
وقالوا: "ثِىء" وهو دعاء للتَيس عند السفاد، وهو ساكنُ الآخِر؛ لأنه لم يُوجَد فيه ما يُوجب تحريكه.
وقالوا: "دَجْ" بفتح الأول وإسكان الثاني، وهو صوتُ يُدعَى به الدجاج، يقال: "دَجْدَجْتُ بالدجاجة"، إذا قلت لها: "دج" تدعوها.
وقالوا: "سَأ" بالسين غير المعجمة، و"تشؤ" بالشين المعجمة، وهو صوت يُدعى به الحمار إلى الشرب. قال الأحمر: "سَأسَأتُ بالحمار" إذا دعوته إلى الشرب، وقلتَ له: "سَأسَأْ" بالسين غير المعجمة. وقال أبو زيد: "شَأْشَأْتُ بالحمار": دعوتُه، وقلت له: "تُشؤْ تشؤْ". وقال رجل من بني الحِرْماز: "تشَأْ تُشَأْ" بضم التاء وفتح الشين، يُقال: "شَأشَأت".
وفي المَثَل: "إذا وقف الحمارُ على الردْهة، فلا تَقُل له سَأ" (٢). وفي روايةِ: "قَرب الحمارَ من الردهة ولا تقل له سَأْ". والردهةُ: نقْرَة في صخرةِ الجبل يستنقِع فيها ماءُ السماء، والمراد: قرب الحمار من الماء فهو يشرب، ولا حاجة إلى أن تدعوه إلى الشرب بهذا اللفظ.
وقالوا: "جاهِ" مكسورَ الآخِر لالتقاء الساكنين، وهو صوت يزجَر به البعير دون الناقة. هكذا نقله الجَوهَري، وربْما قالوا: "جاه" بالتنوين، وأنشد [من الطويل]:
٦١٨ - إذا قلتَ جاهٍ لجَّ حتى تَرُدهُ ... قُوَى أدَمٍ أطْواقُها في السلاسِلِ
стр. 984
وصاحب الكتاب قال: هو زجرٌ للسبع.
وقالوا: "قُوسْ"، وهو صوت يُدعَى به الكلب، وهو ساكنُ الآخِر وإن اجتمع فيه ساكنان، كأنه موقوف عليه، فإن وُصل بكلام يُوجِب تحريكَه، ضُم للإتباع.
وقالوا: "طِيخِ" بكسر الطاء، وهو حكايةُ صوت الضاحك.
وقالوا: "عِيطْ" ساكنَ الطاء، وهو حكايةُ صوت الصبيان إذا تصايحوا. يُقال: "عَطْعَطَ القومُ"، إذا تصايحوا، والمصدر: العَطْعَطَةُ. ولا أراه من لفظِ "عِيطْ"، إنما الفعلُ منه "عيّطوا". ويجوز أن يكون الأصل في "عِيطْ": "عِطْ" مثلَ "جِىءْ" و"ثِىءْ"، والياءُ حدثت عن إشباعِ كسرة العين، كما قالوا في "صَهٍ": "صَاهٍ"، فأشبعوا فتحةَ الصاد، فصارت ألفًا، فعلى هذا تكون العَطْعَطَة.
و"شِيبِ" حكايته صوت مَشافِرِ الإبل عند الشرب، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]:
تَداعَيْنَ باسْمِ الشِّيبِ في مُتَثَلّمٍ ... جَوانِبْه من بَصْرَة وسِلامِ (١)
و"شِيبِ" مكسورُ الباء للساكن قبله.
وقالوا: "ماءِ" مكسورَ الهمزة لسكون الألف قبلها. وهو حكايةُ صوت بُغام الظَّبْية، وقد تقدم.
وقالوا: "غاقِ"، وهو حكايةُ صوت الغراب، وهو مكسور الآخِر لسكون الألف قبل آخِره، وقد يُنوَّن، فيقال: غاية، قال القُلاخ [من الرجز]:
٦١٩ - مُعاوِد للجُوع والإمْلاقِ ... يَغْضَبُ إنْ قال الغُرابُ غاق
أبعدكن الله من نياقِ
стр. 985
وقالوا: "طاقِ" حكايةُ صوت الضرْب، وهو مكسور للساكن قبله.
"وطَقْ" حكايته وقعِ الحجارة بعضِها على بعض، يُقال: "طَقْطَقَتِ الحجارة"، إذا جاء صوتها طَقْ طَقْ، والطقْقَقَةُ صوتُ وقعِ حَوافر الخيل على الصلاب مثلُ الدقدقة، وهو ساكنُ الآخِر؛ لأنّه لم يُوجَد في آخِره ما يُوجِب الحركة.
وقالوا: "قَبْ" ساكنَ الباءِ أيضًا، وهو حكايةُ صوت وقعِ السيف على الضَرِيبة.