← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ولغيره: ومن يحمد الدنيا لعيش يسره … فسوف لعمري عن قليل يلومها إذا دبرت كان على المرء حسرة … وإن أقبلت كانت كثيرًا همومها الثانية عشرة: عن بعضهم قال: مررت ببعض القرى، فإذا بثلاثة قبور على قدر واحد، وهي على نَشَز (١) من الأرض، وعليها مكتوب أبيات من الشعر، على أحدها مكتوب: وكيف يلذ العيش من هو عالم … بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه لعباده … ويجزيه بالخير الذي هو فاعله وعلى الثاني مكتوب: وكيف يلذ العيش من كان موقنًا … بأن المنايا بغتة ستعاجله فتسلبه ملكًا عظيمًا وبهجة … وتسكنه القبر الذي هو أهله وعلى الثالث مكتوب: وكيف يلذ العيش من كان صائرًا … إلى جدث (٢) تبلى الشباب منازله ويذهب ماء الوجه من بعد حُسنه … سريعًا ويبلى جسمه ومفاصله فقلت لشيخ جلست إليه: لقد رأيت في قريتكم عجبًا. قال: وما رأيت؟ فقصصت عليه قصة القبور.

стр. 1017

فقال: حديثهم أعجب مما رأيت. فقلت: حدثني. قال: كانوا ثلاثة أخوة، أمير وتاجر وزاهد، فحضرت الزاهد الوفاة، فاجتمع إليه أخواه وعرضا عليه ما أحب من مالهما ليتصدق به، فأبى أن يقبل، وقال: لا حاجة لي في مالكما، ولكني أعهد إليكما فلا تخلفا عهدي. قالا: أعِهد، قال: إذا مِتُّ فغسلاني وكفناني وصليا عليَّ، وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري هذين البيتين - يعني الأولين: وكيف يُلذّ. . . . إلى آخرهما. فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني في كل يوم مرة لعلكما تتيقظان، ففعلا ذلك. وكان أخوه الملك يركب في جنده حتى يقف على قبره، ويقرأ عليه، ويبكي. فلما كان اليوم الثالث جاء كما كان يجئ مع الجند، فنزل وبكى كما كان يبكي. فلما أراد أن ينصرف سمع هدُّة من داخل القبر كاد ينصدع لها قلبه. فانصرف فزعًا مذعورًا. فلما كان الليل رأى أخاه في منامه وقال له: يا أخي ما الذي سمعت في قبرك. قال: حسّ المقمعة (١)، قيل لي: رأيت مظلومًا، فلم تنصره. فأصبح مهمومًا، فدعا أخاه وخاصته. وقال: ما أرى أخي أراد بما أوصانا أن نكتب على قبره غيري، وإني أشهدكم لا أُقيم بين أظهركم أبدًا، فترك الإمارة، ولزم العبادة. وكان يأوي إلى الجبال والبراري حتى حضرته الوفاة مع بعض الرعاة. فلما بلغ ذلك أخاه أتاه وقال له: يا أخي ألا توصني؟ قال: فبأي شيء أُوصي ليس لي مال أوصي به ولكنى أعهد إليك عهدًا إذا أنا مت فادفنني جنب أخي واكتب على قبري هذين البيتين: وكيف يُلذّ العيش. . . . إلى آخرهما كما أسلفناهما. ثم زرني ثلاثة أيام بعد موتي وادع لي، لعل اللَّه يرحمني، ثم مات. ففعل ما أمره. فلما كان اليوم الثالث أتاه فبكى عنده، ودعا له فلما أراد أن ينصرف سمع

стр. 1018

وجبة (١) عظيمة من داخل القبر كادت تذهب عقله، فرد قلقًا فلما كان الليل رأى أخاه في النوم قد أتاه فقال: يا أخي جئتنا زائرًا؟ فقال: هيهات بعد المزار فلا مزار، واطمأنت بنا الدار. فقال له: كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير. فقال له: كيف أخي؟ قال: مع الأئمة الأبرار. قال: فما أمرنا. قال: من قدم شيئًا وجده، فاغتنم وجدك قبل عدمك. فأصبح معتزلًا (٢) للدنيا، قد انخلع قلبه منها، ففرق ماله وقسم رباعه، وأقبل على الطاعة. ونشأ له ولد كامل الشباب وجهًا وجمالًا. فأقبل على التجارة حتى حضرت أباه الوفاة. فقال الابن: يا أبت ألا توصني؟ قال: واللَّه ما لأبيك مال فيوصي به، ولكن أعهد إليك عهدًا، إذا أنا مِتُّ فادفنني مع عمَّيك، واكتب على قبري هذين البيتين: وكيف يلذ العيش. . . إلى آخرهما كما سلف. فإذا بلغت ذلك فتعاهدني ثلاثًا، وادع اللَّه لي. ففعل الفتى ذلك، فلما كان اليوم الثالث سمع من القبر صوتًا اقشعر له جلده، وتغيَّر لونه، فرجع إلى أهله محمومًا -أو قال مهمومًا- فلما كان الليل آتاه أبوه في المنام فقال: يا بني أنت عندنا عن قليل، والأمر بآخره، والموت أقرب من ذلك،

стр. 1019

فاستعد لسفرك وتأهب لرحيلك، وحوّل جهازك من المنزل الذي أنت عنه إلى المنزل الذي أنت فيه مُقيم، ولا تغتر بما اغتر به البطَّالون قبلك من طول آمالهم فقصَّروا في أمر معادهم فندموا عند الموت أشد الندامة، وأسفوا على تضييع أعمارهم أشد الأسف. فلا الندامة عند الموت تنفعهم ولا الأسف الذي على التقصير أنقذهم من سوء ما نالهم، وشدة ما هالهم. ثم قال: يا بُني بادر، ثم بادر. فأصبح الفتى وقال: ما أرى هذا الأمر إلَّا قد أظلني، فأدى ولم يزل يُعطي ويُقسم ويتصدق إلى أن كان اليوم الثالث من صبيحة الرؤيا فدعا أهله وولده فودَّعهم وسلَّم عليهم. ثم استقبل القبلة وتشهد شهادة الحق، ثم مات، فكان الناس يزورون قبورهم ويتوسلون (١) إلى اللَّه تعالى بهم في قضاء حوائجهم فتُقضى. الثالثة عشر: عن عبد اللَّه بن مهران قال: حج الرشيد فوافى الكوفة، فأقام بها أيامًا ثم ضرب بالرحيل، فخرج الناس وخرج بهلول المجنون (٢) فيمن خرج فجلس بالكناسة والصبيان يؤذونه، ويولعون به. إذ أقبلت هوادج هارون، فكف الصبيان عن الولوع به. فلما جاء هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين: فكشف هارون السِّجاف (٣) بيده وقال: لبيك يا بهلول.

стр. 1020

فقال: يا أمير المؤمنين أنبأنا أيمن بن نايل (١) عن قدامة بن عبد اللَّه العامري قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ بمنى على جمل وتحته رحل رثَّ، فلم يكن ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وتواضعك في سفرك هذا خير لك من تكبرك وتجبرك. فبكى هارون حتى سقطت الدموع على الأرض ثم قال: يا بهلول زدنا يرحمك اللَّه. فأنشده: هب إنك قد ملكت الأرض طرًّا (٢) … ودان لك العباد فكان ماذا أليس غدًا مصيرك جوف قبر … ويحثو التراب عليك هذا ثم هذا قال: أحسنت يا بهلول (٣) هل غيره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، رجل أتاه اللَّه مالًا وجمالًا، فأنفق من ماله وعفَّ في جماله كُتِب في خالص ديوان اللَّه من الأبرار. فقال: أحسنت يا بهلول مع الجائزة. قال: أردد الجائزة على من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها. قال: يا بهلول فنجري عليك ما يكفيك. فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال: يا أمير المؤمنين اعلم أنا وأنت من عيال اللَّه فمحال أن يذكرك وينساني، فأسبل هارون السِّجاف ومضى. الرابعة عشر: حكى عن علي ﵁ أنه قال: دخلت مقابر البقيع (٤) لأزور

стр. 1021

الأحباب وجعلت أُسلِّم على واحد واحد، ثم وليت وأنا أقول: ما لي مررت على القبور مسلمًا … قبر الحبيب فلم يرد جوابي يا قبر ما لك لا تجيب مناديًا … أمللت بعدي صُحبة الأحباب فأجابني صوت قل للحبيب وكيف لي بجوابكم … وأنا الرهين بجندل وتراب أكل التراب محاسني فنسيتكم … وأحجبت عن أهلي وعن أحبابي غيره لياليك تفنى والذنوب كثيرة … وعمرك يبلى والزمان جديد وتحسب أن النقص فيك زيادة … وأنت على النقصان حين تزيد ووجد على باب مقبرة مكتوبًا: سلام على أهل القبور (١) الدوارس … كأنهم لم يجلسوا في المجالس ولم يشربوا من بارد الماء نهلة … ولم يطعموا من كل رطب ويابس ولم يك منهم في الحياة منافس … طويل المُنا فيها كثير الوساوس ألا ليت شعري أين قبر ذليلكم … وقبر العزيز الشامخ المتشاوس (٢) لقد سكنوا في موحش التراب والثرى … فها هم بها ما بين راج وآيس ولو عقل المرء المنافس في الذي … تركتم من الدنيا لم ينافس خاتمة عجَّ (٣) بالمعالم والربوع … وأسبل بِهنَّ عن الجموع أين الذين عهدتم … يا دار في العز المنيع

стр. 1022

والنهى والأمر المطاع … بذروة (١) القصر الرفيع إن لم تجبك ديارهم … يا صاح بالأمر الفظيع فلسان حالهم يقول … أما نظرت إلى الربوع قد أصبحت مهجورة … من بعد منظرها البديع هيهات أن ينجو غدًا … من العذاب سوى المطيع فصل ونذكر حكايات تليق بالثاني: فالأولى: حُكِيَ أن امرأة يقال لها ناهبة لما أشرفت على الموت رفعت رأسها إلى السماء وقالت: يا ذُخري (٢) وذخيرتي، ومن عليه اعتمادي، لا تخذلني عند الموت ولا توحشني. فلما ماتت كان لها ولد يأتي كل ليلة جمعة، ويوم جمعة يقرأ عندها شيئًا من القرآن. ويدعو ويستغفر لها ولأهل المقابر. قال: فرأيتها في المنام، فسلَّمت عليها وقلت: يا أُماه كيف أنت؟ وكيف حالك؟ قالت: يا بني إن للموت كربة شديدة، وأنا بحمد اللَّه في برزخ محمود، نفترش فيه الريحان، ونتوسد فيه السندس والاستبرق إلى يوم القيامة. فقلت: ألك حاجة؟ قالت: يا بني لا تدع ما أنت عليه من زيارتنا والقراءة والدعاء لنا، فإني يا بني أُسرُّ بمجيئك إلينا ليلة الجمعة ويومها (٣).

стр. 1023

إذا أقبلت يقول لي الموتى: هذا ابنك قد أقبل فأُسرَّ بذلك، ويُسرّ من حولي. قال: فكنت أزورها في كل ليلة جمعة ويومها وأقرأ عندها شيئًا من القرآن وأقول: أَنس اللَّه وحشتكم، ورحم غربتكم وتجاوز عن سيئاتكم وتقبل حسناتكم. فبينما أنا ذات ليلة نائم إذا بخلق كثير قد جاءوني فقلت: من أنتم؟ وما حاجتكم؟ فقالوا: نحن أهل المقابر جئناك نشكرك ونسألك أن لا تقطعنا من تلك القراءة والدعوات فما زلت أقرأ وأدعو لهم بتلك الدعوات في كل ليلة جمعة ويومها. ويحك تنبه لنفسك … واعمل لما تلقى غدا فالموت يأتي بغتة … وليس عنه محيد من لك إذا ملك … من كان يهوى صحبتك وجزت لحدك وحدك … مفلس غريب وحيد إن كنت يا صائح نائم … لا بد في القبر تنتبه وأنت فيه (محر) (١) … عما تريد بعيد أهل القبور تهيئوا … ما أنت فيه بجهدهم ولست تدري … من هم شقي وسعيد فدع دموعك تجري … قبل أن يقال لمن عصى ألم تكن قبل تدري … أن الحساب شديد كل القلوب قد كانت … لكن قلبك قد قسا قد كان قلبك أضحى … بين القلوب جديد ويحك فهيئ زادك … واحذر تفند (٢) يا فتى قبل أن تسافر بغتة … ما ينفع التفنيد الثانية: عن صالح المري (٣) قال: أقبلت ليلة الجمعة إلى الجامع لأُصلي فيه صلاة الفجر.

стр. 1024

فمررت بمقبرة لأهلي فجلست عند قبر، فغلبتني عيني فرأيت في نومي كأن أهل القبور قد خرجوا من قبورهم. فقعدوا حِلقًا حِلقا يتحدثون، وإذا بشاب عليه ثياب دنسة، قعد في جانب المقبرة مغمومًا مهمومًا فريدًا بنفسه. فلم يلبثوا إلَّا ساعة حتى أقبلت ملائكة على أيديهم أطباق مغطاة بمنديل كأنه قال: من نور فكلما جاء أحد منهم طبق أخذه (١) ودخل في قبره حتى بقي ذلك الفتى في آخر القوم، فلم يأته شيء فقام حزينًا ليدخل قبره. فقلت: يا عبد اللَّه ما لي أراك حزينًا؟ وما الذي رأيت؟ قال: يا صالح (٢) هل رأيت الأطباق؟ قلت: نعم، فما هي؟ قال: تلك صدقات الأحباء ودعاؤهم لموتاهم تأتيهم ذلك ليلة الجمعة ويومها. ثم ذكر كلامًا طويلًا، ذكر فيه أن له والدة اشتغلت عنه بالدنيا، وتزوجت والتهت وأنه يحق له أن يحزن، إذ ليس له من يذكره. فسأله عن منزل والدته أين هو؟ فوصفه لي، فلما أصبح ذهب وسأل عنها. فقص عليها قصته. فبكت ثم قالت: يا صالح من نزل عن كبدي والحشا ومن كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حِوَاء. ثم دفعت لي ألف درهم وقالت: تصدق بها عن حبيبي وقُرَّة عيني، ولا أنساه من الدعاء والصدقة في بقية عمري إن شاء اللَّه.

стр. 1025

قال صالح (١): فتصدقت بها عنه. فلما أقبلت أريد الجامع أتيت المقبرة، واستندت إلى قبر، فخفقت برأسي، وإذا بالقوم خرجوا وإذا بالفتى عليه ثياب بيض وهو فرح مسرور فأقبل نحوي حتى دنا مني وقال: يا صالح جزاك اللَّه عني خيرًا. قد وصلت إليَّ الهدية. قلت له: أنتم تعرفون يوم الجمعة؟ قال: نعم، وإن الطيور تعرفه في الهواء وتقول سلام سلام ليوم صالح. ألا أيها القلب الكثير علائقه … ألم تر أن الدهر تجري بوائقه ألا أيها الباكي على الميت بعده … رويدك لا تعجل فإنك لاحقه رويدك لا تنسى المقابر والبلى … وطعم غذاء الموت الذي أنت ذائقه إذا اعتصم مخلوق من فتن النوى … بخالقه أنجاه منها خالقه أرى صاحب الدنيا فقيهًا بجهله … على ثقة من صاحب لا يفارقه فلا تتمنى الموت يا صاح إنه … ستأتيك منه عن قريب طوارقه (٢) الثالثة: عن بعض أهل العلم أن رجلًا رأى في نومه أهل القبور قد خرجوا من قبورهم إلى ظاهرة المقبرة، وهم يلتقطون شيئًا لا يدرى ما هو. قال: فتعجبت من ذلك، ورأيت واحدًا منهم جالسًا لا يلتقط معهم شيئًا. قال: فدنوت منه وسألته ما الذي يلتقطه هؤلاء؟ فقال: يلتقطون ما يهدي إليهم المسلمون من القراءة والصدقة والدعاء. قال: فقلت: لم لا تلتقط أنت معهم؟ قال: أنا غني عن ذلك. قلت: بأي شيء؟ قال: بختمة يقرؤها ويهديها إليَّ كل يوم ولد لي يبع الزَّلابية (٣) في السوق الفلاني. فلما استيقظت ذهبت إلى السوق فوجدته وهو شاب يبيعها ويحرك شفتيه.

стр. 1026

فقلت له: بأي شيء تحرك شفتيك؟ قال: اقرأ القرآن، فأهديه لوالدي في قبره. قال: فمكثت مدة من الزمان. ثم رأيت الموتى قد خرجوا من القبور يلتقطون كما تقدم، وإذا أنا بالرجل الذي كان لا يلتقط معهم صار يلتقط. فاستيقظت وتعجبت من ذلك. ثم ذهبت إلى السوق لأتعرف خبر ولده، فوجدته قد مات. الرابعة: قيل أن بعض النساء توفيت فرأتها امرأة في المنام تعرفها، إذا عندها تحت السرائر آنية من نور مغطاة. فسألتها ما في هذه الأوعية؟ فقالت: فيها هدية أهداها إليَّ أبو أولادي البارحة. فلما استيقظت المرأة ذكرت ذلك لزوج الميتة (١) فقال: قرأت شيئًا من القرآن البارحة وأهديته لها. الخامسة: عن بعض الصالحين قال: بلغني أن بعض الموتى في بلاد اليمن راه بعض أصحابه في النوم، وكنت قد أهديت إليه شيئًا من القرآن (٢). فقال له: سلِّم على فلان، وقل له جزاه اللَّه عني خيرًا، كما أهدى إليَّ القرآن. السادسة: رأى بعضهم العلامة عز الدين بن عبد السلام في منامه فقال له: ما تقول في قراءة القرآن للموتى؟ فقال: هيهات وجدت الأمر بخلاف ما كنت أظن. يا غافلًا يتمادى … في اللهو كم هذا الزلل غدا عليك ينادى … يا نكثا خوَّان لا تغترنَّ بالدنيا … فليس هي الباقية

стр. 1027

الدار دار الأُخرى … فجد في البنيان أبناء عشر تواصوا … بالخير فيما بينكم فالخير لا شك عادة … من الصغر قد بان أبناء عشرين جدّوا … واستغنموا شبابكم ما دام غصن الشيبة … رطب لكم ريان يا ابن الثلاثين بادر … إلى المتاب فربما تأتي المنايا بغتة … وتحرم الإمكان وأنت ماذا عُذرك … ذا الوقت يا ابن الأربعين وقد بلغت أشدك … فاسبق إلى الإحسان أبناء الخمسين هذا … وقت الرجوع عن الزلل (١) فليس بعد الزيادة … شيء سوى النقصان أبناء ستين كونوا … من المنون على حذر فما أحد قط يعطي … من المنون أمان أبناء سبعين وأفحش … المشيب وما بقي للزرع إلّا حصاده … ويُنشر الديوان (٢) يا ابن الثمانين قل لي … في الدهر ماذا تنتظر قد حان وقت رحيلك … وشالت الركبان أبناء تسعين فواللَّه … قد كتب توقيعكم من ربكم بالإنابة (٣) … والعفو والغفران يا ابن المائة آن وقتك … وما بقي لك من عمل إلَّا التوجه للَّه في … السرّ والإعلان قد حان وقت رحيلك … فقم تجهز للسفر

стр. 1028

وحصِّل الزاد قبل أن … تبقى عليه ندمان فصل في أشعار أخرى روى أن بعض المتعبدين أتى قبر صاحب له كان يألفه، وأنشد: (١) ما لي مررت على القبور مسلِّمًا … قبر الحبيب فلم يرد جوابي أحبيب ما لك لا تُجيب مناديًا … أمللت (٢) بَعدي خِلَّة الأحباب فهتف بي هاتف من جانب القبر يقول: قال الحبيب وكيف لي بجوابكم … وأنا الرهين بجندل (٣) وتراب أكل التراب محاسني فنسيتكم … وأُحجبت عن أهلي وعن أحبابي وحضرت الحسين بن هاني الوفاة وأنشد: دبَّ في السقام سفلًا وعلوا … وأراني أموت عضوا فعضوا ليس من ساعة بدت لي إلَّا … نغصتني (٤) بمُرِّها بي حلوا لهف نفسي على ليال نُقضت … وسنين مضين لعبًا ولهوا قد أسأنا كل الإساءة جهرًا … ومن اللَّه نطلب الآن عفوا شعر: معارف في الثرى هجوع (٥) … والقلب من بعدهم صدوع تكدَّرت بعدهم حياتي … فأوحشت منهم الربوع (٦) كانوا سروري ونور عيني … فما لها بعدهم هجوع ماتوا فماتت لذَّات عيشي … وبالأسى ذابت الضلوع يا نفس كم من جموع وصل … فرقها للردى ولوع (٧)

стр. 1029

يا نفس للموت فاستعدي … فالموت إتيانه سريع فلا مليك في الدهر يبقى … ولا شريف ولا وضيع (١) ولا سعيد ولا شقي … ولا مسيء ولا مطيع يا نفس إن الأصول ماتت … فما عسى تلبث الفروع غيره: أحبابنا فارقتمونا فأوحشت … قلوب لنا من بعدكم وديار فكم قد تذاكر مصارع (٢) من مضى … فحادت دموع للفراق غزار قضوا وقضيتم ثم يقضي ولا بقاء … لحي وكاسات المنون تدار وكنا وإياكم نزور مقابر … ومتم فزرناكم فسوف نزار سقت ديمة (٣) الرضوان رُبا ثراكم … وسحت لها من ساحتيه بحار يقول لسان الحال إذا خرس الردى … لسانًا لهم منه الفصيح يغار شربنا بكأس أسكرتنا مرارة … الإرب (٤) سكر ما حباه عقار وإنَّا وجدنا خير أزوادنا التُقى … هو الربح حقَّا ما عداه خسار وما العيش إلَّا زورة الطيف في الكرى (٥) … وما هذه الدنيا الدنية دار غيره: لقد زرت أقوامًا أُحبهم وهم … تحت أطباق الثرى فيه أموات وواصلتهم من بعد بين وفرقة … فكان لنا فيهم غطات وأنصات وأعجب شيء في الوجود اجتماعنا … ونحن على ذاك التواصل الشتات (٦) ويروى أنه وجد على قبر مكتوب: اصبر لدهر نال فهكذا أمضيت الدهور … فَرحًا وحزنًا مرة لا الحزن دام ولا السرور

стр. 1030

غيره يا آمن الأقدار بادر صرفها … واعلم بأن الطالبين (حباث) (١) خُذ من تراثك ما استطعت فإنما … شركاؤك الأيام والوراث المال مال المرء ما بلغت به … الشهوات أو دفعت به الأحداث ما كان منه فاضلًا عن قوته … فليوقنن بأنه ميراث ما لي إلى الدنيا الغرورة حاجة … مات الذكور بها ومات الإناث

стр. 1031

مجلس في كراهة تمني الموت بسبب ضُرّ نزل به ولا بأس لخوف الفتنة في الدين روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يُستعتب" (١). أخرجاه، السياق للبخاري. ولمسلم: لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلَّا خيرًا" (٢). ففيه النهي عن تمني الموت والدعاء به، وإن من حكمه النهي حصول من لم ينزل به على أحد الحسنيين اللذين هما فائدة الحياة. إما اكتساب وتدارك الفائت، وإما اجتناب سوء وبلاء. وفي الثاني إن من حكمة النهي إندفاع آفة الموت إلى أن يأتيه وآفته أن العبد إذا مات انقطع عمله لفوات مزرعة الآخرة. وفيه أن الجالب للتمني ليس إلا وهم ضرر في الحياة كألم بدني، أو قبض نفس أو خوف قلب أو اتلاف صبابة شوق أو غير ذلك. وإنه لوهم فاسد، والمؤمن له من الإيمان ما يوجب أن يزيد عمره إلا خيرًا

стр. 1032

(وجندًا) (١) كلما ذكر عند التأمل. وروينا من حديث أنس مرفوعًا: "لا يَتَمَنِّين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" (٢). أخرجاه. ففيه النهي عن تمنيه لضرِّه، ومفهومه أن لا يتمنى لهم ديني، وإرشاد المضطر إليه إلى تفويض العليم وسؤاله من فضله أن يفعل ما هو بخيرته. وروينا من حديث قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب بن الأرت (٣) نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا وإنا أصبناه ما لا نجد له موضعًا إلَّا التراب، ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له فقال: "إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلَّا في شيء يجعله في هذا التراب" (٤). أخرجاه، واللفظ للبخاري. وفيه الاعتصام بالسنة مع دفع الدواعي الدينية والدنيوية إليه آخره. أُناس أعرضوا عنا … بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنهم فينا … فهلا أحسنوا الظنا فإن عادوا لنا عدنا … وإن خانوا فما خُنَّا وإن كانوا قد استغنوا … فأنا عنهم أغنى

стр. 1033

مجلس في الدجال روينا من حديث النواس بن سمعان ﵁: ذكر رسول اللَّه ﷺ الدجال ذات غداة، فخفَّض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النَّخل (١)، فلما رُحنا إليه عرف ذلك فينا. فقال: "ما شأنكم؟ ". قلنا: يا رسول اللَّه، ذكرت الدجال غداة، فخفَّضت فيه ورفَّعت، حتى ظنناه في طائفة النَّخل، فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه، واللَّه خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف (٢)، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد اللَّه، فاثبتوا". قلنا: يا رسول اللَّه، وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" (٣).

стр. 1034

قلنا: يا رسول اللَّه فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره". قلنا: يا رسول اللَّه، وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنُبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرًا، وأسبغه ضروعًا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم، فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النَّحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جَزلتين (١) رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث اللَّه المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين (٢) واضعًا كفيه على أجنحة ملكين. إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جُمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لُدَّ، فيقتله. ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم اللَّه منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة. فبينما هو كذلك إذ أوحى اللَّه إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث اللَّه يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون (٣)، فيمر أوائلهم على

стр. 1035

بحيرة طبرية فيشربون، ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبي اللَّه عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي اللَّه عيسى وأصحابه، فيرسل اللَّه عليهم النغف (١) في رقابهم. فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي اللَّه عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيغب نبي اللَّه عيسى وأصحابه إلى اللَّه فيرسل اللَّه طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء اللَّه. ثم يرسل اللَّه مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة (٢). ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك. وروي بركتك. فيومئذ يأكل العصابة (٣) من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِّسل (٤) حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث اللَّه ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج

стр. 1036

الحمر (١)، فعليهم تقوم الساعة". رواه مسلم (٢). وقوله: خلَّة بين الشام والعراق: أي طريقا بينهما. وقوله: عاث، بالعين المهملة والثاء المثلثة، العيث: أشد الفساد. والذرا: الأسنمة، واليعاسيب: ذكر النحل. وجَذْلَتَيْن: أي قطعتين. والغرض: الهدف الذي يرمى بالنشاب، أي يرميه رمية كرمية النشابة. والمهرودة: بالدال المهملة والمعجمة، هي الثوب المصبوغ. قوله: لا يدان: أي لا طاقة. والنغف: دود. وفرسى: جمع فريس، وهو القتيل. والزلقة: بفتح الزاي واللام والقاف، وروي الزُّلفة بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء وهي المرآة. والعصابة: الجماعة. والرسل: بكسر الراء: اللبن. واللقحة: اللبون. والفئام: بكسر الفاء وبعدها همزة: الجماعة. والفخذ من الناس دون القبيلة.

стр. 1037

وعن ربعي بن حراش (١) قال: انطلقت مع أبي مسعود الأنصاري إلى حذيفة بن اليمان فقال أبو مسعود: حدثني ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ في الدجال. قال: "إن الدجال يخرج ومعه ماء ونار، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق. وأما الذي يراه الناس نارًا فماء بارد عذب. فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذب طيب" (٢) فقال عقبة: وأنا قد سمعته. متفق عليه. وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين. لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما. فيبعث اللَّه عيسى ابن مريم (٣) كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل اللَّه ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه". قال سمعتها من رسول اللَّه ﷺ . قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع (٤) لا يعرفون

стр. 1038

معروفا ولا ينكرون منكرا، فبتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتا" قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط (١) حوض إبله"، قال: فيصعق، ويصعق الناس. ثم يرسل اللَّه" أو قال: "ينزل اللَّه مطرا كأنه الطل (٢) أو الظل، فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلم الى ربكم، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق (٣) رواه مسلم. الليت: صفحة العنق، ومعناه: يضع صفحة عنقه ويرفع صفحته الأخرى. وروينا من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال (٤) إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها، فينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق" (٥).

стр. 1039

وعنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا، عليهم الطيالسة" (١). وعن أم شريك مرفوعا: "ليَفرنَّ الناس من الدجال" (٢). وعن عمران بن حصين: "ما بين خلق آدم ﷺ إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال" (٣) أخرج هذه الأحاديث الثلاثة مسلم. وروينا من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فيتلقاه المسالح، مسالح الدجال، فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول أعمد إلى هذا الذي خرج، قال: فيقولون له: أوما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدا دونه، قال فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمنون قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول اللَّه ﷺ قال: "فيأمر الدجال به فيشج، فيقول: خذوه وشجوه، فيُوسَع ظهره وبطنه ضربا"، قال: "فيقول: أوما تؤمن بي؟ " قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب، قال فيؤمر به فيوشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم، فيستوي قائما" قال: "ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة (٤) " قال: "ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس" قال: "فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا، فلا يستطيع إليه سبيلا، قال فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به،

стр. 1040

فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما أُلقي به في الجنة". فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين" رواه مسلم (١) وروى البخاري بعضه بمعناه. المسالح: هم الخفراء والطلائع. ويقال إن هذا الرجل هو الخضر (٢) ﷺ . وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل أحد رسول اللَّه ﷺ عن الدجال أكثر مما سألته، وإنه قال لي: "ما يضرك؟ " قلت: إنهم يقولون إن معه جبلا من خبز ونهرا من ماء، قال: "هو أهون على اللَّه من ذلك" متفق عليه (٣). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: ك ف ر" (٤) متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أحدثكم حديثا عن

стр. 1041

الدجال، ما حدث به نبي أمته، إنه أعور (١) وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه" (٢) متفق عليه. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس، فقال: "إن اللَّه ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة" (٣) متفق عليه. طافئة (٤): أي لا نور فيها، وورد أن اليسرى كذلك، أي جاحظ بكل منهما عورًا أي معيبة.

стр. 1042

مجلس في منثورات وملح ومواعظ وزهد ورقائق ومغنيات وغير ذلك روينا من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال (١): "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم، يا عبد اللَّه هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد (٢) فإنه من شجر اليهود" متفق عليه. وعنه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلا البلاء" (٣). متفق عليه. وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو" (٤).

стр. 1043

وفي رواية: "يوشك أن يحسر الفرات عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا" (١). متفق عليه. وعنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي. يريد عوافي السباع والطير، وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما" (٢). متفق عليه (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يكون خليفة من خلفائكم في آخر الزمان يحثو (٤) المال ولا يعده" (٥). رواه مسلم. وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل بالصدقة من الذهب (٦) ثم لا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه

стр. 1044

أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء (١). رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اشترى رجل من رجل عقارا فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، ففال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب، فقال الذي باع الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. قال: فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال: الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدقا" (٢) متفق عليه. وعنه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود. ﵉ فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا، يرحمك اللَّه، هو ابنها، فقضى به للصغرى" (٣). متفق عليه، واللَّه الموفق. وعن مرداس الأسلمي قال: قال النبي ﷺ : يذهب الصالحون: الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير. أو التمر. لا يباليهم اللَّه بالة" (٤) رواه البخاري.

стр. 1045

وعن رفاعة بن رافع الدرقي قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ قال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها. قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة" (١). رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أنزل اللَّه بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعِثوا على نياتهم" (٢) متفق عليه. وعن جابر ﵁ قال: كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ ، يعني في الخطبة، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه" (٣). وفي رواية: فوضع يده عليه فسكن" (٤). وفي رواية: "فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق". وفي رواية: "فصاحت صياح الصبي، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يُسَكَّن حتى استقرت" قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر" (٥). رواه البخاري. وعن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه فرض فرائض فلا تُضيِّعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها" (٦) حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره.

стр. 1046

وعن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: "غزونا مع رسول اللَّه ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد" (١). وفي رواية: "نأكل معه الجراد" متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يُلْدغ المؤمن من جحر مرتين" (٢) متفق عليه. وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له باللَّه لأخذها بكذا وكذا فصدَّقه، وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف" (٣) متفق عليه. وعنه عن النبي ﷺ قال: "ما بين النفختين أربعون"، قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما؟. قال أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبيت، قالوا أربعون سنة؟ قال أبيت "ثم يُنزل اللَّه من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل" (٤) متفق عليه.

стр. 1047

وعنه: بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابيٌّ فقال: متى الساعة؟ (١) فمضى رسول اللَّه ﷺ يحدِّث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمغ، حتى إذا قضى حديثه قال: "أين أراه السائل عن الساعة؟ " قال ها أنا يا رسول اللَّه. قال: "فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة لما قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (٢) رواه البخاري. وعنه ﵄: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "خير الناس للناس؛ يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا الإسلام" (٣). وعنه عن النبي ﷺ قال: "عجب اللَّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" (٤). معناه: يؤسرون ويقيدون، ثم يسلمون فيدخلون الجنة. وعنه عن النبي ﷺ قال: "أحب البلاد إلى اللَّه مساجدها، وأبغض البلاد إلى اللَّه أسواقها" (٥) رواه مسلم.

стр. 1048

وعن سلمان الفارسي ﵁ من قوله: "لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها؛ فإنها معركة الشيطان (١) وبها ينصب رايته" (٢). رواه مسلم. هكذا رواه البرقاني في صحيحه. وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان وفرخ" (٣). وعن عاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن سرجس قال (٤): قلت لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه غفر اللَّه لك. "قال ولك" قال عاصم: فقلت له: استغفر لك رسول اللَّه؟ قال نعم، ولك، ثم تلى هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٥) رواه مسلم. وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" (٦) رواه البخاري.

стр. 1049

وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال: النبي ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" (١) متفق عليه. وعن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "خُلِقَت الملائكة من نور، وخلقت الجان من نار، وخلق آدم مما وصُف لكم" (٢) رواه مسلم. وعنها قالت: "كان خُلُق نبي اللَّه ﷺ القرآن" (٣) رواه مسلم في جملة حديث طويل. وعنها قالت (٤): قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن

стр. 1050

كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه" فقلت: يا نبي اللَّه أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، فقال: "ليس كذلك، ولكن المومن إذا بُشِّر برحمة اللَّه ورضوانه وجنته، أحب لقاء اللَّه، فأحب اللَّه لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب اللَّه وسخطه كره لقاء اللَّه وكره اللَّه لقاءه" (١) رواه مسلم. وعن أم المؤمنين صفية بنت حيي قالت: كان النبي ﷺ معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني (٢). وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد - فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "على رِسْلِكما؛ إنها صفية بنت حيي" فقالا: سبحان اللَّه يا رسول اللَّه. قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، واني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا" أو قال: "شيئًا" (٣) متفق عليه.

стр. 1051

وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان (١) بن الحارث بن عبد المطلب رسول اللَّه ﷺ ، فلم نفارقه، ورسول اللَّه ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي (٢)، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول اللَّه ﷺ يركض بغلته قِبَل الكفار. قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة (٣) رسول اللَّه ﷺ أَكُفّها إرادة أن لا تُسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أي عباس ناد أصحاب السمرة (٤) " فقال عباس. وكان رجلا صيِّتا (٥): فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمرة؟ قال فواللَّه لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول اللَّه ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا حين حمي الوطيس". قال: ثم أخذ رسول اللَّه ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب محمد" قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هئته فيما أرى، قال: فواللَّه ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حَدَّهم كليلا وأمرهم مدبرا"

стр. 1052

رواه مسلم (١). الوطيس: التنور، ومعناه اشتدت الحرب. وقوله: حدهم: بالحاء المهملة: أي بأسهم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه طَيِّب لا يقبل إلا طيبا (٢) وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ (٣)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٤) ثم ذكر الرجل يطيل السفر (٥) أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام فأَنَّى يستجاب له" (٦). رواه مسلم. وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" (٧) رواه مسلم.

стр. 1053

العائل: الفقير. وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سيحان وجيحان (١)، والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة" (٢) رواه مسلم. وعنه قال: "أخذ رسول اللَّه ﷺ بيدي فقال: خلق اللَّه التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء (٣)، وخلق النور يوم الأربعاء (٤)، وبث فبها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﷺ بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر والليل" (٥) رواه مسلم. وعن أبي سليمان خالد بن الوليد ﵄ قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة (٦)

стр. 1054

تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية" (١) رواه البخاري. وعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (٢) متفق عليه. وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" (٣) متفق عليه. والمختار جواز الصوم عمن مات وعليه صوم لهذا الحديث، والمراد بالولي القريب وارثا كان أو غير وارث. وعن عوف بن مالك بن الطفيل (٤) أن عائشة حدثت أن عبد الرحمن بن

стр. 1055

الزبير ﵄ قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: واللَّه لتنتهينَّ عائشة أو لأحجرنَّ عليها فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو للَّه عليَّ نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت: لا واللَّه لا أُشَفَّع فيه أبدا، ولا أتحنث إلى نذري، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلَّم المسور بن مخرمة (١) وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما أنشدكما باللَّه لما أدخلتماني على عائشة لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة ادخلوا، قالوا كلنا، قالت نعم، ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان: إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة فإنه قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها" (٢). وعن عقبة بن عامر أن رسول اللَّه ﷺ خرج إلى قتلى أُحد فصلى عليهم بعد ثمان سنين كالموح للأحياء والأموات (٣) فقال: "إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة (٤) إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم
следующие страницы →