← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان (١) بن الحارث بن عبد المطلب رسول اللَّه ﷺ ، فلم نفارقه، ورسول اللَّه ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي (٢)، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول اللَّه ﷺ يركض بغلته قِبَل الكفار. قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة (٣) رسول اللَّه ﷺ أَكُفّها إرادة أن لا تُسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أي عباس ناد أصحاب السمرة (٤) " فقال عباس. وكان رجلا صيِّتا (٥): فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمرة؟ قال فواللَّه لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول اللَّه ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا حين حمي الوطيس". قال: ثم أخذ رسول اللَّه ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب محمد" قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هئته فيما أرى، قال: فواللَّه ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حَدَّهم كليلا وأمرهم مدبرا"

стр. 1052

رواه مسلم (١). الوطيس: التنور، ومعناه اشتدت الحرب. وقوله: حدهم: بالحاء المهملة: أي بأسهم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه طَيِّب لا يقبل إلا طيبا (٢) وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ (٣)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٤) ثم ذكر الرجل يطيل السفر (٥) أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام فأَنَّى يستجاب له" (٦). رواه مسلم. وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" (٧) رواه مسلم.

стр. 1053

العائل: الفقير. وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سيحان وجيحان (١)، والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة" (٢) رواه مسلم. وعنه قال: "أخذ رسول اللَّه ﷺ بيدي فقال: خلق اللَّه التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء (٣)، وخلق النور يوم الأربعاء (٤)، وبث فبها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﷺ بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر والليل" (٥) رواه مسلم. وعن أبي سليمان خالد بن الوليد ﵄ قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة (٦)

стр. 1054

تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية" (١) رواه البخاري. وعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (٢) متفق عليه. وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" (٣) متفق عليه. والمختار جواز الصوم عمن مات وعليه صوم لهذا الحديث، والمراد بالولي القريب وارثا كان أو غير وارث. وعن عوف بن مالك بن الطفيل (٤) أن عائشة حدثت أن عبد الرحمن بن

стр. 1055

الزبير ﵄ قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: واللَّه لتنتهينَّ عائشة أو لأحجرنَّ عليها فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو للَّه عليَّ نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت: لا واللَّه لا أُشَفَّع فيه أبدا، ولا أتحنث إلى نذري، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلَّم المسور بن مخرمة (١) وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما أنشدكما باللَّه لما أدخلتماني على عائشة لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة ادخلوا، قالوا كلنا، قالت نعم، ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان: إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة فإنه قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها" (٢). وعن عقبة بن عامر أن رسول اللَّه ﷺ خرج إلى قتلى أُحد فصلى عليهم بعد ثمان سنين كالموح للأحياء والأموات (٣) فقال: "إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة (٤) إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم

стр. 1056

الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول اللَّه ﷺ على المنبر (١). وفي رواية: "في فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها" (٢). والمراد بالصلاة على قتلى أحد الدعاء لا الصلاة المعروفة. وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري (٣) قال: "صلى بنا رسول اللَّه ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا" (٤) رواه مسلم. وعن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه" (٥) رواه البخاري.

стр. 1057

وعن أم شريك أن رسول اللَّه ﷺ أمرها بقتل الأوزاغ (١)، وقال: "كان ينفخ النار على إبراهيم" (٢) متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة" (٣). وفي رواية: "من قتل وزغة من أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك" (٤) رواه مسلم. قال أهل اللغة: الوزغ: العظام من سام أبرص (٥).

стр. 1058

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على سارق، فقال اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على زانية، فقال اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على غني (١) فقال اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية وعلى غني؟! فأُتِي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه اللَّه" (٢) رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعناه. وعنه قال (٣): كنا مع رسول اللَّه ﷺ في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الناس، الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ إلا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم، فيأتون آدم ﷺ فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد فضب اليوم غضبا لم

стр. 1059

يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله (١) وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته (٢)، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك اللَّه عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي اللَّه وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كِذْبَات، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول اللَّه، فضلك اللَّه برسالته وبكلامه (٣) على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمَّت الناس في المهد صبيًا،

стр. 1060

اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ". وفي رواية: "فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول اللَّه وخاتم النبيين، وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر (١)، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ، ثم يفتح اللَّه علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب". ثم قال: "والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحِميَر، أو كما بين مكة وبُصْرى" (٢) متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء إبراهيم بأم إسماعيل، وابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى (٣) إبراهيم منطلقا (٤) فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آللَّه الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضيِّعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي

стр. 1061

بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ (١). وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى. أو قال: يتلبط. فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فذلك سعي الناس بينهما" (٢) فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه (٣) -تريد نفسها- ثم تسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه. أو قال بجناحه. حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف". وفي رواية: "بقدر ما تغرف". قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يرحم اللَّه أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا" (٤) قال: "فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك لا تخافوا الضيعة، فإن ههنا بيت اللَّه يبنيه هذا الغلام وأبوه، فإن اللَّه لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمبنه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء (٥) فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا

стр. 1062

عائفًا (١) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًّا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا"، قال: "وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم". قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس" (٢) فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا". وفي رواية: يصيد. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﷺ ، وقولي له يغيِّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنَّا في جهد وشِدَّة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذا أبي وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللَّه، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي (٣) لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على اللَّه ، فقال: ما طعامكم؟ قالت اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء" قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذ حب (٤)، ولو كان لهم دعا لهم فيه" قال: "فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه". وفي رواية: "فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: وما طعامكم، وما شرابكم؟ قالت طعامنا اللحم وشرابنا

стр. 1063

الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم"، قال أبو القاسم ﷺ "بركة بدعوة إبراهيم" قال فإذا جاء زوجك فاقرئي ﷺ ، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ فالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، وأمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء اللَّه، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن اللَّه أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعيك، قال: فإن اللَّه أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها". قال: "فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ". قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). وفي رواية: أن إبراهيم خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة (٢) فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللَّه، قالت: رضيت باللَّه. قال: "فرجعت فجعلت تشرب من الشنة وبدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت ننظرت لعلي أحس أحدًا". قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت هل تحس أحدا فلم تحس أحدا، فلما بلغت الوادي سعت وأتت المروة، ففعلت ذلك أشواطا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل. تعني الصبي. فذهبث فنظرت، فإذا هو على حاله كأنه ينشغ (٣) للموت، فلم

стр. 1064

تَقَرَّ نفسها. فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت، ونظرت، فلم تحس أحدا، حتى أتمت سبعا. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل قال: فقال بعقبه هكذا" وغمز عقبه على الأرض، قال: "فانبثق الماء فدهشت (١) أم إسماعيل، فجعلت تحفرْ" (٢) وذكر الحديث بطوله. رواه البخاري بهذه الروايات كلها. والدوحة: الشجرة الكبيرة. قفَّى: أي ولَّى، والجريُّ الرسول. فألفى: معناه وجد. وقوله: ينشغ: أي يشهق. وعن سعيد بن زيد ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين" (٣) متفق عليه. فصل في فضل العبادة في الهرج وهو الاختلاط والفتن ونحوها. روينا في صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار مرفوعا: "العبادة في الهرج كهجرة إليَّ" (٤). قلت: لأنه مقصود الهجرة إليه، فإذا ترك عادات زمانه وتمسك بالعبادة فهو الطريقة المثلى.

стр. 1065

مجلس في الذكر وفضله والحث عليه فيه آيات: قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (١). وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢). فمن ذكر ذكره الجليل، وكفى به فخرا. وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (٣). الآية. وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ (٤). وقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١] (٦) الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٧) الآيات.

стр. 1066

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ (١) الآية. والآصال: جمع أصيل: وهو ما بين العصر والمغرب. وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٢). وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ (٣). والعشي: ما بين الزوال والغروب. وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٤) الآية. وقال: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ (٥). كرر علي الذكر من أسمائه … وأجلي القلوب بنوره وضيائه اسم به الكون استحى وضياؤه … في أرضه وفضائه وسمائه لا تحمل الأوصاف بعض صفاته … كلا ولا يدرون كيف سنائه حارت عقول القوم عند صفاته … أضاءت قلوب الخلق من لألائه أعد اسمه للعارفين تلاوة … تلقى به المعروف من آلائه يا رب باسمك أرتجي من الرضا … والعفو عن عبد رُزِي بأخطائه يا رب أسألك العناية في غد … بعظيم اسمك فهو عين دوائه يا رب عبدك قد براه (سندامه) (٦) … قد حارت الأفكار في أدوائه يا رب باسمك نرتجي منك الشفا … أنت المرتجا (٧) دائما لشفائه يا رب بالهادي البشير المصطفى … الصادق المصدوق في أنبائه ارحم غريقا في بحار ذنوبه … وأجره حقا من فتور عنائه

стр. 1067

يا رب صل على النبي محمد … ما لاح برق في دجى ظلمائه وأما الأحاديث: ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم" (١). وفي صحيح مسلم عنه مرفوعا: "لأن أقول: "سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر" أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس" (٢). وفي الصحيحين من حديثه أيضا (٣): من قال: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكُتِبَتْ له مائة حسنة ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه" (٤).

стр. 1068

وعنه: "من قال: سبحان وبحمده في يوم مائة مرة حُطَّتْ عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر" (١). وفيهما من حديث أبي أيوب: "من قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له (٢)، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" (٣). وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر: "إن أحب الكلام إلى اللَّه: "سبحان اللَّه وبحمده" (٤) ". وفيه من حديث أبي مالك الأشعري: "الطهور شطر الإيمان، والحمد للَّه تملئ الميزان وسبحان اللَّه والحمد للَّه تملآن ما بين السماء والأرض" (٥).

стр. 1069

وفيه من حديث سعد بن أبي وقاص أنه علم ذلك الأعرابي: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له (١)، اللَّه أكبر كبيرا والحمد للَّه كثيرا، سبحان اللَّه رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العزيز الحكيم" قال فهؤلاء لربي فما لي؟ قال: قل "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني" (٢). وفيه من حديث ثوبان في الانصراف من الصلاة والاستغفار ثلاثا: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام" (٣). وفيه من حديث عبد اللَّه بن الزبير: كان يقول دُبُر كل صلاة حين يسلم: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" (٤). وفيهما من حديث المغيرة: عقب السلام "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له

стр. 1070

الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (١). وفيهما من حديث أبي هريرة: "تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين" (٢). وفي صحيح مسلم من حديثه: "من سَبَّحَ اللَّه في دُبُر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثا وثلاثين، وكبر اللَّه ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غُفِرَت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (٣). وفيه من حديث كعب بن عجرة: "مُعَقِّبات لا يخيب قائلهن، أو فاعلهن دبر كل صلاة (٤) مكتوبة، ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون

стр. 1071

تكبيرة" (١). وفي البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أنه ﷺ كان يتعوذ بهؤلاء الكلمات دبر كل صلاة: "اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر" (٢) وفي أبي داود من حديث معاذ: "إني واللَّه أحبك، أوصيك لا تدعنَّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٣). وفي مسلم من حديث أبي هريرة: إذا تشهد أحدكم فليتعوذ باللَّه من أربع، يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" (٤). وفيه من حديث علي في آخر التشهد: "اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت" (٥).

стр. 1072

وفيهما من حديث عائشة أنه ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (١). وفي مسلم عنها: أنه كان يقول في ركوعه: "سبوح قدوس (٢) رب الملائكة والروح" (٣). وفيه من حديث ابن عباس: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن (٤) أن يستجاب لكم" (٥). وفيه من حديث أبي هريرة: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (٦).

стр. 1073

وفيه من حديثه أيضًا: أنه ﷺ كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجلَّهُ، وأوله وآخره، وعلانيته وسره" (١). وفيه من حديث عائشة: فإذا هو راكع أو ساجد يقول: "سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت" (٢). وفي رواية: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحْصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٣). وفيه من حديث سعد: "أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ " فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحُطَّ عنه ألف خطيئة" (٤). وفيه من حديث أبي ذر: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركهما من الضحى" (٥).

стр. 1074

وفيه من حديث أم المؤمنين جويرية (١): "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان اللَّه وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" (٢). وفي رواية الترمذي: "ثلاثا عن كل واحدة" (٣). وفيهما من حديث أبي موسى: "مَثلُ البيت الذي يُذْكَرُ اللَّه فيه والبيت الذي لا يذكر اللَّه فيه مثل الحي والميت" (٤). وفيهما من حديث أبي هريرة: "يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تَقَرَّب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (٥).

стр. 1075

ومعناه: من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي، فإن زاد زدت. والمراد بالهرولة انصباب الرحمة عليه. من اعتز بالمولى فذاك جليل … ومن رام (١) عزا من سواه ذليل ولو أن نفسا مذبراها مليكها … مضى عمرها في سجدة لقليل أحب مناجاة الحبيب بأوجه … ولكن لسان المذنبين كليل (٢) فصل في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "سبق المُفَرِّدُون" قالوا: وما المفردون يا رسول اللَّه؟ قال: "الذاكرون اللَّه كثيرا والذاكرات" (٣). وفي الترمذي محسنا من حديث جابرة "أفضل الذكر لا إله إلا اللَّه" (٤) وفيه محسنا عنه: "من قال: سبحان اللَّه وبحمده غُرِسَت له نخلة في الجنة" (٥). وفيه محسنا من حديث عبد اللَّه بن بسر: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر اللَّه" (٦).

стр. 1076

وفيه محسنا من حديث ابن مسعود: "لقيت إبراهيم ﷺ ليلة أسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان (١)، وأن غراسها: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر" (٢). وفي الترمذي وصحح الحاكم إسناده: "ألا أنبؤكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: "ذكر اللَّه" (٣). وفيه مُحَسنًا من حديث سعد أنه ﷺ دخل على امرأة وبين يديها نوى، أو قال: حصى، تسبح به، فقال: "ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ سبحان اللَّه عدد ما خلق في السماء، وسبحان اللَّه عدد ما خلق في الأرض، وسبحان اللَّه عدد ما بين ذلك، وسبحان اللَّه عدد ما هو خالق، واللَّه أكبر مثل ذلك، والحمد للَّه مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه مثل ذلك" (٤). وفي الصحيحين من حديث أبي موسى: "لا حول ولا قوة إلا باللَّه كنز من كنوز الجنة" (٥).

стр. 1077

فصل في صحيح مسلم من حديث عائشة: "أنه ﷺ كان يذكر اللَّه على كل أحيانه" (١). وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم اللَّه، اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا" (٢). فصل في البخاري من حديث أبي ذر وحذيفة قالا: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: "باسمك اللهم أحيا وأموت" وإذا استيقظ قال: الحمد للَّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" (٣). فصل في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "إن للَّه ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر (٤)، فإذا وجدوا قوما يذكرون اللَّه تنادوا: هلموا إلى حاجتكم،

стр. 1078

قال: فيحُفُّونَهُم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال: "يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك" قال: "فيقول: هل رأوني؟ " قال: "فيقولون: لا واللَّه ما رأوك"، قال: "فيقول: كيف لو رأوني؟ " قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا". قال: يقول: "فما يسألوني؟ " قال: "يسألونك الجنة" قال: "يقول: وهل رأوها؟ " قال: "يقولون: لا واللَّه يا رب ما رأوها" قال: "يقول: فكيف لو رأوها؟ " قال: "يقولون: لو رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة" قال: "فمم يتعوذون؟ " قال: "يقولون: من النار" قال: "يقول: وهل رأوها؟ " قال: "يقولون: لا واللَّه ما رأوها" قال: "يقول: فكيف لو رأوها؟ " قال: "يقولون: لو رأوها لكانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة" قال: "فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم" قال: "يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (١). وفي مسلم من حديث أبي سعيد: "لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة (٢) وذكرهم اللَّه فيمن عنده" (٣). وفيهما من حديث أبي واقد الحارث بن عوف أن رسول اللَّه بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل نفر ثلاثة، فأقبل (٤) اثنان إلى رسول اللَّه ﷺ وذهب واحد.

стр. 1079

قال فوقفا على رسول اللَّه ﷺ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا. فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى اللَّه فآواه اللَّه، وأما الآخر فاستحيى فاستحيى اللَّه منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض اللَّه عنه" (١). وفي مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: "ما أجلسكم؟ " قالوا: جلسنا نذكر اللَّه ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ علبنا، قال: "آللَّه ما أجلسكم إلا ذاك؟ " قالوا: واللَّه ما أجلسنا إلا ذاك، قال: "أما إني لم أستحلفكم تُهمَة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن اللَّه يباهي بكم الملائكة" (٢). قيل ليظهر لهم معنى قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣) ردا منه لقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٤) وللَّه درُّ من ينشد محبيه (٥).

стр. 1080

فصل في مسلم من حديث أبي هريرة: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان اللَّه وبحمده مائة مرة لم يات أحد بأفضل مما جاء به إلا وأحد قال مثل ما قال أو زاد عليه" (١). وفيه عنه: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، قال: "أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات اللَّه التامات (٢) من شر ما خلق لم يضرك" (٣). وفي أبي داود والترمذي مُحَسَّنًا عنه أنه ﷺ كان يقول إذا أصبح: "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور" وإذا أمسى قال: اللهم بك أمسينا، وبك نحيا. . . " على آخره (٤). وفيهما مصححا عنه أنه ﷺ علَّم الصديق: "اللهم فاطر السموات والأرض رب كلِ شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشَركِهِ" قال: "قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك" (٥).

стр. 1081

وفي مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ كان إذا أمسى قال (١): أمسينا وأمسى الملك للَّه، والحمد للَّه، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له". قال: أَرَاه قال فيهن: "له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر (٢)، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر" وإذا أصبح قال ذلك أيضا: "أصبحنا وأصبح الملك للَّه". وفي أبي داود والترمذي مصححا من حديث عبد اللَّه بن خبيب (٣) أنه ﷺ قال له: اقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا، تكفك من كل شيء" (٤). وفيهما مصححا من حديث عثمان: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم أو عشاء كل يوم: بسم اللَّه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو

стр. 1082

السميع العليم لم يضره شيء" (١). وهذه الأحاديث السبعة أولها توحيد الذات، والثاني توحيد الصفات، والثالث توحيد الأفعال، والرابع جامع، والخامس أجمع، والسادس قرآن مجيد. والسابع (جامع) (*). وأيضا: الأول ثناء، والثاني تعوذ، والثالث مُنَاجاة، والرابع ثناء وتعوذ ومناجاة والخامس (سما) (*) وسؤال، والسادس تلاوة وتعوذ، والسابع تَحَصَّن. فصل في البخاري من حديث حذيفة وأبي ذر أنه ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك اللهم أحيا وأموت" (٢). وفي البخاري ومسلم من حديث علي أنه ﷺ قال: له ولفاطمة: إذا أويتما إلى فراشكما أو إذا أخذتما مضجعكما فكبرا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا كذلك" (٣). وفي رواية التكبير والتسبيح أربعا وثلاثين. وفيهما من حديث أبي هريرة: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي

стр. 1083

وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين" (١). وفيهما من حديث عائشة أنه ﷺ كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات، ومسح بهما جسده (٢). وفي رواية لهما: "بالإخلاص والمعوذتين، يبدأ برأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاثا" (٣). وفيهما من حديث البراء أنه ﷺ قال له (٤): "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت، فإن مت مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول" (٥).

стр. 1084

وفي مسلم من حديث أنس أنه ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد للَّه الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي" (١). وفي الترمذي مصححا من حديث حذيفة أنه ﷺ كان إذا أراد أن يرقد، وضع يده اليمنى تحت خده، ثم يقول: "اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك" (٢). ورواه أبو داود من حديث حفصة، وأنه كان يقوله ثلاثا. وحاصلها بداءة المضجع بالبسملة، ثم الثانية، ويختم بحديث الفطرة، ويوسط الباقي. والأحاديث في ذلك كثيرة، وهذا القدر كافٍ هنا، ومجموعه نحو من ستين حديثا. وورد في حديث ابن عمر أنه ﷺ بعث جيشا فيهم رجل يقال له حدير، وكانت تلك السنة أصابتهم شدة من قلة الطعام، فزودهم ﷺ ونسي أن يزود حديرا، فخرج حدير صابرا محتسبا، وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر وسبحان اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ويقول نعم الزاد هو يا رب، ويرددها، فجاء جبريل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال له: عن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابك ونسيت حديرا، وهو في آخر الركب يقول ما سلف، وكلامه ذلك له نور يوم القيامة ما بين السماء والأرض، فابعث إليه بزاد، فدعا رسول اللَّه ﷺ رجلا فدفع إليه زاد حدير وأمره إذا انتهى إليه حفظ عنه ما يقول ويسلم عليه من جهته، ويخبرك أنه نسي أن يزودك، وأن الرب تعالى أرسل إليَّ جبريل يذكرني بك، فذكره جبريل ما علمه بمكانك، فانتهى إليه وهو يقول ما سلف، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وصلى على رسول اللَّه، ثم قال: الحمد للَّه رب العالمين، ذكرني ربي من فوق سبع سمواته ومن فوق

стр. 1085

عرشه، ورحم جوعي وضيعتي، يا رب كما لم تنس حديرًا فاجعل حديرا لا ينساك، فحفظ ذلك ورجع إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبره به، فقال ﷺ : "أما إنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه نورا ساطعا بين السماء والأرض". وأما الآثار: فقال كعب الأحبار: "إن لسبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر دويا حول العرش كدوي النحل، يذكرون (. . . . .) (١) والعمل الصالح في الخزائن. وقال جعفر بن محمد (٢) لسفيان: إذا أنعم اللَّه عليك نعمة وأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن اللَّه تعالى قال في كتابه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وإن استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإن اللَّه تعالى قال: في كتابه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣] الآية. وإن أحزنك أمر من الشيطان أو غيره فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا باللَّه (٣)، فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة.

стр. 1086

وقال مالك بن دينار: ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر اللَّه. وقال أبو جعفر ﵀ الصواعق تصيب المؤمن وغيره ولا تصيب الذاكر. وقال مجاهد: إذا أراد أحدكم أن ينام فليستقبل القبلة، ولينم على يمينه، وليذكر اللَّه تعالى، وليكن آخر كلامه عند منامه: لا إله إلا اللَّه، فإنها وقَاءُه، ولا يدرى لعلها تكون منيته، ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وأنشد في هذا المعنى: قد جلى الباب قليلا … فاجعل الذكر سبيلا والزم الباب غدَّوا … وعشيَّا وأصيلا إن تُطِعْنِي لم تجدني … للمطيعين خذولا إن عندي للمطيعين … شرابا سلسبيلا واتعبوا اليوم قليلا … تنعموا دهرا طويلا وعن أُبيِّ بن كعب (١) أنه قال: "عليكم بالسبيل، أي الدين والسنة، فإنه ليس من عبد عليها ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية اللَّه فتمسه النار (٢). وليس من عبد عليها ذكر الرحمن فاقشعر جلده من مخافة اللَّه إلا كان مَثَلُه كَمَثل شجرة بفلاة فبينما هي كذلك إذ أصابتها ريح فتحاتَّت (٣) عنها ورقها إلا تحاتت عنه ذنوبه كما تحاتتَّ عن تلك الشجرة ورقها". وقال أبو عبد اللَّه محمد بن علي الترمذي الحكيم: ذكر اللَّه يرطب القلب ويلينه، فإذا غفل عن الذكر وأصابته حزازة النفس ونار الشهوة فقسى ويبس وامتنع الأعضاء عن الطاعة، فإذا مددتها انكسرت كالشجرة إذا يبست لا تصلح لشيء إلا للقطع، وتصير وقودا للنار. وعن أبي يزيد البسطامي (٤) قال: لم أزل منذ ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر

стр. 1087

اللَّه توضأت وغسلت لساني إجلالا للَّه أن أذكره. أثَمَّ إذا فزع القلوب تمايلت … طربا وتمت بالتقى استقرارها وإذا حدثه عاد بطيب حديثه … طابت وذاقت بالرضا أزهارها ترتاح إذا ذكر اسمه ويهزها … طربا إذا أجفت بها أذكارها وإذا ابتدأ ذكره في حضرة … حضر السرور بها وطاب مزارها وأما الحكايات فكثيرة: الأولى: عن بعضهم، قال: احتسبت على أهلي خروج الولد، فمضيت إلى أبي الحسن الدينوري بجام أتبرك بخطه فيه، فلما كتب البدء، إذ انفلق الجام، وسقط الشيخ مغشيا عليه. فأتيته بآخر، فكان كالأول، ثم جئته بثالث ورابع وخامس. فقال: يا هذا اذهب إلى غيري، فلو جئتني بما يمكن أن يُجَاء به لم يكن إلا ما رأيت، فإني عبد إذا ذكرت اللَّه مولاي ذكرته بخيبة وقنوت. الثانية: عن بعضهم قال: لقيت علة شديدة أتت من نفسي وآيس مني من رآني، فبيما أنا في أشد ما كنت رأيت في المنام ليلة جمعة أن رجلا دخل عليَّ فجلس عند رأسي، ودخل بعده خلق كثير، كأنما في وقت الدخول يشبهون الطيور. فلما جلسوا صاروا في سورة الآدميين، فلم يزالوا يدخلون، وعيني إلى الباب. فلما انقطع دخولهم رفع ذلك الرجل رأسه وقال قصدي هذا البلد ثلاثة، هذا أحدهم وصالح الخلقاني وامرأة. ثم وضعيده على جبيني (١) وقال: "بسم اللَّه ربي، حسبي اللَّه توكلت على اللَّه، اعتصمت باللَّه، فوضت أمري إلى اللَّه، ما شاء اللَّه، لا قوة إلا باللَّه". ثم قال: استكثر من هذه الكلمات، فإن فيها شفاء من كل سقم، وفرجا من كُرْبة، ونصرا على كل عدو. وأول من تكلم بهذا حملة العرش ﵈ حين أُمِروا بحمله، ولا يزالون يقولون ذلك إلى يوم القيامة (٢) فقال رجل كان جالسا عن

стр. 1088

يمينه أو عن يساره: يا رسول اللَّه، فإن قالها عند لقاء العدو؟ قال: بخ بخ فيه فتح ونصر وبشرى، فظننت أنه الصديق. فقلت: يا رسول اللَّه هذا الصديق؟ فقال: هذا عمي حمزة (١). ثم أومأ بيده إلى من يساره وقال: هؤلاء الشهداء (٢) ثم أومأ إلى من وراءه وقال: هؤلاء الصالحون، ثم خرج، فانتبهت وقد شفيت. الثالثة: عن الشيخ أبي يزيد القرطبي قال: سمعت في بعض الأسفار أن من قال: لا إله إلا اللَّه (٣) سبعين ألف مرة كانت براءة من النار، وقمت على ذلك رجاء بركة الوعد، فعلَّمت منها لأهلي وعملت منها أعمالا أخص بها نفسي، وكان إذ ذاك يبيت معنا شاب يقال: إنه يكاشف في بعض الأوقات بالجنة والنار. وكانت الجماعة ترى له فضلا على صغر سنه، وكان في قلبي بعض الشيء، فاتفق أنه استدعى بعض الإخوان إلى منزله. فبينما نحن نتناول الطعام والشاب معنا إذ صاح صيحة منكرة، والهلع في نفسه وهو يقول: يا عم هذه أمي في النار، وهو يصيح بصياح عظيم لا يشك من يسمعه أنه (. . . . .) (٤) فلما رأيت ما به من

стр. 1089

الانزعاج قلت في نفسي: اليوم أعرف صدقه، فألهمني الباري تعالى السبعين ألفا، ولا يطلع على ذلك أحد إلا اللَّه تعالى. فقلت في نفسي: الأثر حق، والذين رووه لنا صادقون. اللهم إن السبعين ألفا فداء هذه المرأة أم هذا من النار، فما استتممت الخاطر في نفسي إلا أن قال: يا عم ها هي أُخْرِجت، الحمد للَّه. فحصل لي فائدة أن إيماني بصدق الأثر، وسلامتي لهذا الشاب وعلمي بتصديقه. ولأبي العباس بن العريف: سلوا عن الشوق من أهوى فإنهم … أدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي فمن رسول إلى قلبي ليس إليهم … عن شكي من سؤال العبث ملتبس (١) الرابعة: عن خادمة رابعة العدوية (٢) قالت: كانت رابعة تصلي الليل، فإذا طلع الفجر هجعت هجعة في (. . . . .) (٣) حتى تستقر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس كم تنامين، وإلى كم لا تقومين، يوشك أن تنامين نومة لا تقومين منها إلا لصرخة النشور. وكان هذا دأبها حتى ماتت. فلما حضرتها الوفاة دعتني وقالت: لا تؤذنن بموتي أحدا، وكفنيني في جُبَّتي هذه، وكانت جبة من شعر تقوم فيها إلى أن حضرتها الوفاة، فكفنتها فيها، وفي خمار صوف كانت تلبسه. فرأيتها في المنام وعليها حُلَّة إستبرق خضراء، وخمارا من سندس أخضر (٤)، ولم أر شيئا قط أحسن منه. قلت لها: ما فعلت بالجبة التي كفنتك فيها والخمار الصوف؟ قالت إنه نزع عني، وأبدلت به هذا الذي ترينه، وطويت أكفاني، ورفعت في عليين ليكون لي ثوابها يوم القيامة. فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا.

стр. 1090

فقالت: وما هذا عند ما رأيت من كرامة اللَّه تعالى لأوليائه. قلت: فمريني بأمر أتقرب به إليه. قالت: عليك بكثرة ذكره فإنه يوشك أن تعطي ذلك في قبرك. الخامسة: عن الشيخ أي العباس بن مسروق (١) قال: كنت بالبصرة، فرأيت صيادا يصطاد السمك على بعض السواحل. وإذا بجنبه ابنة له صغيرة، فكلما اصطاد سمكة رمتها الصبية في الماء، فالتفت الرجل، فلم ير شيئا. فقال لابنته أي شيء عملت بالسمك؟ فقالت: يا أبت أليس سمعتك تروي عن رسول اللَّه ﷺ أنه لا تقع سمكة في شبكة إلا إذا غفلت عن ذكر اللَّه، فبكى الرجل ورمى بالسنارة. السادسة: عن بعضهم قالت: رأيت مسكينة الطفاوية بعد موتها في المنام، وكانت تحب مجالس الذكر. فقلت: مرحبا يا مسكينة. فقالت: هيهات، ذهبت المسكنة (٢)، وجاء الغنى. قلت: هنيئا لك. قالت: وما تسأل عمن أبيحت له الجنة بحذافيرها. قلت بماذا؟ قالت بمجالس الذكر. السابعة: قال بعضهم خرجت إلى السوق ومعي جارية في مكان (. . . . .) (٣) وقلت لها: لا تبرحي منه حتى أعود إليك. فذهبت ثم عدت إلى المكان، فلم أجدها فيه، فذهبت إلى منزلي وأنا شديد الغضب عليها. فجاءتني وقالت: يا مولاي لا تعجل على فإنك أجلستني بين قوم لا يذكرون اللَّه (٤) فخشيت أن ينزل بهم خسف وأنا معهم.
следующие страницы →