← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

زمرة المساكين" (١). وقد ورد أن اللَّه تعالى عرض عليه مفاتيح كنوز الأرض وخيره بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا فاستشار جبريل، فأشار عليه أن تواضع، فقال بل نبيًا عبدًا، أجوع يومًا، وأشبع يومًا، فإذا جعت دعوت اللَّه، وإذا شبعت شكرت اللَّه". فقصد أن يكون شُغله باللَّه في حالتي الشدَّة والرخاء والنعمة والبلاء. وقد صح من حديث شداد بن أوس (٢): "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللَّه" (٣). أخرجه الترمذي وحسنه. وروى من حديث زيد بن أسلم مرفوعًا: "إذا أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف فتصدق بها وأخرج آخر درهمًا من درهمين لا يملك غيرهما طيبة نفسه صار صاحب الدرهم الواحد أفضل من صاحب مائة ألف". ويشهد له قوله ﷺ : "سبق درهم مائة ألف" (٤).

стр. 982

أخرجه النسائي. ويقويه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١). وقوله ﷺ : "أفضل الصدقة جهد البلاء" (٢). لئن كان للأموال فخر على الثرى … فللفقر فخر بالثريا معلق وإن أنفق النُّفاق ألف عديدة … فدرهم أهل الفقر يا صاح يسبق وعن الضحاك (٣): "من مرَّ في السوق فرأى شيئًا يشتهيه ولا يقدر عليه فصبر واحتسب كان خيرًا له من ألف دينار ينفقها كلها في سبيل اللَّه". وعن أبي الدرة: "أهل الأموال يأكلون ونأكل ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ولهم فضول يحاسبون عليها، ونحن بُرآء منها". وعن عبد اللَّه بن عمر قال (٤): يجمع اللَّه الخلق يوم القيامة فيقال: أين فقراء هذه الأمة ومساكينها فيتراؤون فيقال: ما عندكم؟ فيقولون: يا رب ابتلينا فصبرنا، وأنت أعلم، ووليت الأموال والسلطان غيرنا، قال: فيقال: صدقتم. فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان ويبقى شدَّة الحساب على ذوي الأموال. وعن أبي سليمان الداراني (٥) قال: تنفس فقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل

стр. 983

من عبادة غني ألفي عام. وعن ابن وهب قال: درهم الفقير أزكى عند اللَّه من دينار الغني. وعن بعض السادة أنه جاءه إنسان فقال: ادع اللَّه لي فقد أضر بي العيال. فقال له الشيخ: إذا قال لك عيالك: ما عندنا دقيق ولا خبز، فادع اللَّه فإن دعاءك في تلك الساعة أرجى من دعائي لك (١). وعن بعضهم أنه قال له أولاده ما عندنا عشاء فقالوا: نحن أهون على اللَّه من أن يجوعنا، إنما يجوع أحبابه - أو قال أولياؤه. وعن الأرقم (٢) قال: رأيت عليًا وهو يبيع سيفًا له بالسوق ويقول: من يشتري مني هذا السيف. فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول اللَّه ﷺ . ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته. وعن سلمان الفارسي أنه قال: إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل المريض معه طبيبه الذي يعلم دواءه، فإذا اشتهى ما يضره منعه، فلا يزال يمنعه حتى يبرأ. فكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة من العيش فيمنعه اللَّه إياه، حتى يتوفاه، فيدخله الجنة. وعن الإمام أحمد أنه سُئل عن استعاذة (٣) رسول اللَّه ﷺ من الفقر، وقد أخبر

стр. 984

بما فيه من الثواب؟ فقال: إنما معناه فقر القلب، ولا فقر اليد. وعن الجنيد (١) أنه جاءه شخص بخمسمائة دينار فوضعها بين يديه وقال: فرِّقها على هؤلاء الجماعة. فقال: ألك غيرها؟ قال: نعم لي دنانير كثيرة. قال: أتريد زيادة على ما تملك؟ قال: نعم. قال: خذها فإنك أحوج إليها منا، ولم يقبلها (٢). لكسرةٍ من جريش الخبز تُشبعني … وشربة من قراح الماء ترويني وخرقة من حرس السور تكفيني … حيًا فإن مت تكفيني لتكفيني وعن إبراهيم بن أدهم (٣) أنه جاءه رجل بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها

стр. 985

وقال: تريد أن تمحو اسمي من ديوان الفقراء بذلك. لا أفعل ذلك. ولست بمال إلى جانب الغنى … إذا كانت العلياء في جانب الفقر وعنه أيضًا طلب أبناء الدنيا الراحة في الدنيا فأُعطوا ولو علموا أن الملك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف. وعن ذي النون (١) قال: الزهاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين. وعن إبراهيم بن أدهم أنه قال لرجل: أتحب أن تكون وليًا؟ قال: نعم، قال: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة، وفرغ نفسك للَّه، وأقبل بوجهك عليه، ليقبل عليك ويواليك. وقد صح: ازهد في الدنيا يحبك اللَّه وازهد فيما بين أيدي الناس يحبك الناس" (٢). وعن أبي يزيد البسطامي أنه قال: إن للَّه عبادًا لو حجبهم في الجنة من رؤيته لاستغاثوا من الجنة، كما يستغيث أهل النار من النار. قلت: وسيدنا عليه أفضل الصلاة والسلام قد جمع له بين الحالين: الفقر والغنى، وهو سيد الزهاد. وجمع الصحابة المال كعبد الرحمن بن عوف (٣) ليس للمباهاة كما نبه عليه

стр. 986

الحارث المحاسبي (١) السيد، وبسَّطه. ولست أرى السعادة جمع مال … ولكن التقي هو السعيد فتقوى اللَّه خير الزاد جدًا … وعند اللَّه الأتقى يزيد فصل وقد كان سفيان الثوري يزور رابعة العدوية (٢) ويتأدب معها. وكان الإمام أحمد عند الشافعي، وجاء شيبان الراعي، فقال الإمام أحمد أُريد أن أنبه هذا على نقصان علمه ليشغل بتحصيل بعض العلوم، فقال له الشافعي لا تفعل (٣)، فلم يطعه فقال لشيبان: ما تقول فيمن نسى صلاة من الخمس لا يدري عينها. فقال: يا أحمد هذا قلب غفل عن اللَّه فيؤدب حتى لا يغفل عن صلاته، فغشي على أحمد. وفي رواية عنه: يؤدب بإعادة الخمس. فلما أفاق قال له الشافعي: ألم أنهك عن ذلك. وكذلك لما سعى بالصوفية إلى بعض الخلفاء فأمر أن تضرب أعناقهم. فأما الجنيد فتستر بالفقه، كان يفتي على مذهب أبي ثور.

стр. 987

وأما الشحام والرقام والنوري (١) فقبض عليهم وبسط النطع لتُضرب أعناقهم. فتقدم النوري (٢) فقال له السياف أتدري إلى ما تبادر. فقال: نعم. قال: وما يعجلك؟ قال: أُوثر أصحابي بحياة ساعة. فتحير السياف، وأنهى الأمر إلى الخليفة. فتحيَّر الخليفة ومن عنده في ذلك، وكان عنده القاضي. فاستأذن الخليفة أن يذهب إليهم ليبحث معهم ويختبر حالهم. فأذن له، فآتاهم وقال: يخرج إليَّ واحد منكم حتى أبحث معه. فخرج إليه النوري، فألقى عليه القاضي مسائل فقهية، فالتفت يمنة ويسرة، ثم أطرق ساعة ثم أجابه عن الكل (٣). ثم جعل يقول: إن للَّه عبادًا إذا قاموا، قاموا باللَّه، وإذا نطقوا نطقوا باللَّه،

стр. 988

وسرد كلامًا أبكى القاضي (١). ثم سأله القاضي عن التفاته؟ فقال: سألتني عن المسائل ولا أعلم لها جوابًا فسألت عنها صاحب اليمين فقال لا أعلم. وسألت عنها صاحب الشمال فقال: لا أعلم. فسألت قلبي فأخبرني عن ربي، فأجبتك بذلك. فأرسل القاضي إلى الخليفة وقال: إن كان هؤلاء زنادقة، فما على وجه الأرض مسلم (٢). وجاء جماعات من فقهاء اليمن إلى الشيخ العارف أبي الغيث بن جميل يمتحنوه في شيء، فلمَّا دنو منه قال: مرحبًا بعبيد عبيدي. فاستعظموا ذلك، فلقوا الشيخ إسماعيل بن محمد الحضري، فأخبروه بذلك. فضحك وقال: صدق، أنتم عبيد الهوى والهوى عبده. وللشيخ تاج الدين بن عطاء اللَّه (٣): وكنت قديمًا أطلب الوصل منهم … فلما أتاني الحلم وارتفع الجهل

стр. 989

تيقنت أن العبد لا طلبه له … فإن قربوا فضل وإن بعدوا عدل وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم … وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلوا غيره كانت لقلبي أهواء مفرقة … فاستجمعت مُذ رأتك العين أهوائي وصار يحسدني من كنت أحسده … وصرت مولى الورى مُذ صرت مولاي تركت للخلق دنياهم ودينهم … شغلًا بحبك يا ديني ودنياي غيره فليتك تحلو والحياة مريرة … وليتك ترضى والأنام غِضَابُ وليت الذي بيني وبينك عامر … وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود يا غاية المنى … فكل الذي فوق التراب تراب

стр. 990

مجلس في التحذير من إيذاء الصالحين والضعفة والمساكين قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ (١). وقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ (٢). ينهى عن قهر اليتيم والضعيف. ونهر السائل المسكين. وأما الأحاديث فكثيرة منها: حديث أبي هريرة السالف: "من آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب" (٣). ومنها: حديث سعد بن أبي وقاص السالف في ملاطفة اليتيم. وقوله ﷺ (٤): "يا أبا بكر إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك". وروينا في صحيح مسلم من حديث جندب مرفوعًا: "من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة اللَّه (٥)، فلا يطلبنكم اللَّه من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يُدركه، ثم يَكبّه على وجهه في نار جهنم" (٦).

стр. 991

وفي هذه الأحاديث بيان وبال ذلك. والحرب من الجليل لا يقاوم، وما أبلغ التهديد به وإغضاب أوليائه مُوقع في إغضابه، وما أشده فإن الغضب إرادة الانتقام، وإخفار الذمة سبب الغضب فليحذر.

стр. 992

مجلس في ذم الدنيا وذكر الموت وقصر الأمل قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ (١) إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٢) الآية. وقال: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٣). وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤). وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ (٥). إلى قوله: ﴿يُرْجَعُونَ﴾. فكل نفس ذائقة الموت وليس إلى الإنسان تدبير مكانه، بلى ولا يعلم بمكانه ولا زمانه قبل حلوله ولا حال حلوله ولا بعده. وقول المحتضر: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ (٦)، لغو. وقال من مات: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] (٧). لا فائدة فيه.

стр. 993

فهذه الحياة ولو طالت فهي بالموت قصيرة. فلو علموا أن كل آت قريب ما فرحوا بالأمل ولا بالأمد الطويل. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) الآية. وفيها بيان فضل قصر الأمل (٢) الذي هو أحسن الاستعداد الناشئ عن الإيمان الحق. وروينا في جامع الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: نام رسول اللَّه ﷺ على حصير فقام وقد أثَّر في جنبه. فقلنا: يا رسول اللَّه لو اتخذنا لك وطاء. فقال: "ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلَّا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" (٣). وروينا فيه وفي السنن الثلاثة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" (٤). قال الترمذي: حسن غريب وصححه ابن حبان والحاكم وقال: على شرط مسلم.

стр. 994

وفيه الأمر بذكره والإكثار منه. ولُقِّب بهاذم اللَّذات من حيث أن العدم إثرة، والمراد باللذات الجثمانية الكثيفة، فإنه يزعج عن الاحتفال بها فملابس تلك اللذَّات تتجافى عنها. وفاقدها يتسلى عنها ولا يأسف عليها. الموت لا شك آت فاستعد له … إن اللَّبيب (١) بذكر الموت مشغول وكيف يلهو بعيش ويلذ به … من التراب على عينيه مجعول غيره: تزود من الدنيا قليلًا فما تدري … إذا جنَّ ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من صحيح مات من غير عِلَّة … وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر غيره: وكيف يُلذ العيش من هو عالم … بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظُلِمه لِعبادِه … ويجزيه بالخير الذي هو فاعله وكيف يلذ العيش من هو صائر … إلى لحد قبر فيه تبلى شمائله (٢) ويذهب رسم الوجه فيه بعده … يبلى سريعًا جسمه ومفاصله نادرة: قال منصور بن عمار (٣): إذا دنا موت العبد قسم حاله إلى خمسة أقسام: المال للوارث، والروح لملك الموت، واللحم للدود، والعظم للتراب، والحساب للخصوم. فيا ليت الشيطان لا يذهب بالإيمان عند الموت فيكون فراقًا من الرب ﷻ .

стр. 995

نعوذ باللَّه منه فإن كل فراق إلى الاجتماع، وفراق الرب صعب لا يدركه أحد (١). إليك من مكرك يا سيدي … كل البرايا دائمًا يحذرون فكم عيوب وذنوب مضت … ونحن عنها سيدي غافلون نُضيِّع بكسب الخطا … فنحن في أوقاتنا لاعبون نشاهد الموت ولا نعتبر … ولا تنبهنا الريب المنون (٢) بل غفلة تعمي أبصارنا … وشقوة (٣) خابت لديها الظنون فنحن يا رب الورى كلنا … إليك من زلَّاتنا (٤) هاربون لكنا نسأل رب الورى … عفوًا وصفحًا كي تقرَّ العيون وروينا من حديث ابن عمر قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي فقال (٥): "كُن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخُذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" أخرجه البخاري (٦).

стр. 996

وفيه من أسباب ذكر الموت وفضل عدم الركون إلى الدنيا، فلا يكثر فيها تعلقه، وتتجافى عنها تجافي (١) الغريب وعابر (٢) السبيل من غير وطنه. وروينا من حديثه مرفوعًا: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي (٣) فيه يبيت ليلتين إلَّا ووصيته مكتوبة عنده" (٤). أخرجاه، والسياق للبخاري. ولمسلم: "يبيت ثلاث ليال". قال ابن عمر: ما مرَّت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك إلَّا وعندي وصيتي (٥). وهذا سبب آخر كالأول. وروينا من حديث أنس قال: خط النبي ﷺ خطوطًا وقال: "هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب" (٦). أخرجه البخاري.

стр. 997

وأخرجه أيضًا من حديث ابن مسعود قال: خط رسول اللَّه ﷺ خطًا مربعًا، وخط خطًا في الوسط، وخارجًا منه، وخط خُططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط فقال: "هذا الإنسان، وهذا أجله مُحيط به -أو قد أحاط به- وهذا هو الذي خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراضُ، فإن أخطأهُ هذا نهشه (١) هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا" (٢). هذا لفظه وهذه صورته. وفيه التنبيه الدافع عن الغرور غفلته المانعة من ذكر الموت، وهو تخطي الخط الأقرب قبل خطوط الأمل البعيد فمستحضر ذلك لا يأمن هجوم الأجل في كل نفس، ثم الأجل له أسباب متكاثرة، هي الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا، فالمتيقظ لذلك لا اطمئنان له. وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلَّا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفِّندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال (٣) فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" (٤). رواه الترمذي وحسنه.

стр. 998

وفيه أن المسبوق للعمل إذا ترك البدار إليه لا ينتظر إلَّا موانع وشواغل لاستدراك معها كما ذكر من الفقر إلى آخرها. وروينا فيه محسَّنًا من حديث أبي بن كعب قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا اللَّه جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه". قال أُبي: قلت يا رسول اللَّه إني أُكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ (١) فقال: "ما شئت". قال: قلت: الربع. قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: النصف. قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قال: قلت: فالثلثين. قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك" (٢). قلت: اجعل لك صلاتي كلها. قال: "إذًا تُكفى همَّك، ويغفر لك ذنبك" (٣). وفى الحديث دلالة على أن الذاكر من أفضل الخلق وأعظم بأمر من يريد انفصالًا عنهم واتصالًا بهم وتجريدًا عن الملهيات، وتفريدًا لاهبات، ولا يعبر عن

стр. 999

شدة القرب بأحسن من قوله: "جاءت الراجفة تتبعها الرادفة (١)، جاء الموت". وقد حصل من مجموع ما ذكرناه أسباب ذكر الموت ودفع موانعه من غفلة ونحوها. والترغيب في الاستعداد له، والتحذير من التسويف والإشارة إلى فوائد ذكر الموت، وإنه واقع لا محالة عن قرب. فصل توفي نبينا ﷺ وقد بلغ من العمر ثلاث وستين سنة (٢) على الأصح يوم الاثنين حيث اشتد الضحى لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. ومرض أربعة عشر يومًا ودفن ليلة الأربعاء ولما حضره الموت كان عنده قدح فيه ماء فجعل يدخل يده فيه ويمسح وجهه ويقول: "اللهم أعني على سكرات الموت" (٣)، وسُجِّي بُرد حبر. وقيل إن الملائكة سجّته. وكَرِبَ بعض أصحابه بموته، دهش عمر، وخرس عثمان، وأقعد علي، ولم يكن فيهم أثبت من العباس والصديق. وأكب الصديق على وجهه يُقبله وقال: بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتبها اللَّه عليك فقد ذقتها ثم لم يصبك بها موتة أبدًا. ثم خرج إلى الناس وحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من كان يعبد

стр. 1000

محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حيُّ لا يموت (١). ثم تلى هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٢) الآية. ورجع عمر إذ ذاك (٣) ثم إن الناس سمعوا من باب الحجرة لا تُغسلوه فإنه طاهر مُطهر. ثم سمعوا بعد ذلك غسلوه فإنما هو إبليس، وأنا الخضر وعزاهم وقال: إن في اللَّه عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت (٤)، فباللَّه فثقوا وإياه فارحوا، فإن المصاب من حُرم الثواب. واختلفوا في غسله هل يكون في ثيابه أو يجرد عنها، فوضع اللَّه عليهم النوم. فقال قائل لا يدري من هو: غسّلوه في ثيابه، وانتبهوا وفعلوا ذلك، والذين تولوا غسله على، والعباس وولده الفضل، وقثم (٥) وشقران (٦) وأسامة مواليه،

стр. 1001

وحضرهم أوس بن حزبى من الأنصار، ونفَّضه فلم يخرج منه شيئًا. فقال: صلى عليك اللَّه طبت حيًّا وميتًا، وكُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سَحولية (١) ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة وصلى عليه المسلمون أفذاذًا، لم يؤمهم أحد وفرشت تحته في القبر قطيفة حمراء (٢) كان يتغطى بها نزل بها شقران وحفر له، ولحد وأطبق عليه بسبع لبنات. واختلف أيُلحد أم يُضرح. وكان بالمدينة حفاران، أحدهما: يُلحد، والآخر: يضرح، والأول أبو طلحة، والثاني أبو عبيدة، فاتفقوا على أن من جاء منهم أولًا عمل عمله، فجاء الذي يلحد فلحد له. وذلك في بيت عائشة ودفن معه أبو بكر ثم عمر. فصل في زيارة الرجل القبور وما يقوله الزائر والدعاء لهم والقراءة عليهم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ (٣) الآية.

стр. 1002

وورد من حديث علي مرفوعًا: "من مرّ على المقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها، أعطي من الأجر بعدد الأموات" (١). وصح أنه أمر بزيارة القبور وقال: "زروها فإنها تذكركم الآخرة" (٢). وجاء أنه أمر الآتي عليهم بالسلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين برحمة يرحم اللَّه المستقدمين والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون (٣). ولبعضهم فيه: أنتم لنا فرط، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنَّا بعدهم (٤). وفي صحيح مسلم (٥) من حديث عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ كُلَّما كان ليلتها من رسول اللَّه ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون غدًا، مؤجلون وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد". وفيه أيضًا من حديث بريدة: كان رسول اللَّه ﷺ يُعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم (٦): السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء

стр. 1003

اللَّه بكم للاحقون، وأسأل اللَّه لنا ولكم العافية (١). وفي جامع الترمذي محسنًا من حديث ابن عباس مرَّ رسول اللَّه ﷺ بقبور بالمدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر اللَّه لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" (٢). وفي هذه الأحاديث فعله ﷺ للزيارة وتكريره وقصده لها في السَحَر الذي هو مظنة الرحمة والإجابة. والسلام عليهم بوصف الإيمان، وبوصف القبور أخرى، والدعاء لهم بالعافية وبالمغفرة أخرى. وقوله: "ونحن بالأثر". هو يقين، ولذلك لم يذكر فيه الاستثناء (٣) الواقع في قوله: "وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون" إذ ذاك يحمل البقعة أو للوفاة على الإيمان ولذلك ذكره أهل العقائد في استثناء الموت. تناجيك أموات وهُنَّ سكوت … وسكانها تحت التراب خفوت

стр. 1004

أيا جامع الدنيا لغير بلاغة … لمن تجمع الدنيا وأنت تموت وإنكم لما علينا تُسلِّموا … نرُد عليكم واللسان صموت فصل ولنذكر من الحكايات ما يليق بكل فصل من هذين الفصلين، فما ينعطف على الأول: ما روي عن جابر الجعفي (١) قال: قال لي محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب: ما الدنيا وما عسى أن تكون؟ هل هو إلَّا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها. يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا إلَّا إلى مؤنة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكرَّوك وإن ذكرت أعانوك، قوَّالين بالحق، قوَّامين بأمر اللَّه. فأنزل الدنيا بمنزل نزلت فيه وارتحلت عنه، أو كخيال أصبته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شيء، فاحفظ اللَّه ما استرعاك من دينه وحكمته. وقد ذكرنا بعض هذا في أثناء الحكايات المتعلقة بالزهد. نادرة: قال سلمان الفارسي: ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس مغفولًا عنه، وضاحك ملء فمه لا يدري أساخط عليه رب العالمين أم راض. وثلاث أُخر أحزنتني حتى أبكتني: فراق محمد ﷺ وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الجليل لا أدري إلى الجنة أو إلى النار (٢).

стр. 1005

الثانية: حكى عن بعضهم أنه دخل عليه بعض الفقراء فلم ير في بيته شيئًا من المتاع. فقال له: أما لكم شيء؟ قال: نعم، لنا داران، دار أمن ودار خوف. فما يكون لنا من الأموال ندخره في مقام الأمن يعني الآخرة. فقيل له: إنه لا بد لكل منزل من متاع. فقال: إن صاحب هذا المنزل لا يدعنا فيه. نادرة: الدنيا وديعة، أو عارية (١)، ولا بد للمُعير أن يرجع، وللمودع أن يأخذ ما أودع. وما المال والأهلون إلَّا وديعة … ولابد من يوم ترد الودائع الثالثة: عن مالك بن دينار قال: إن اللَّه تعالى جعل الدنيا دار مفر، والآخرة دار مقر. فخذوا من مفركم لمقركم، وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم. ففي الدنيا حييتم ولغيرها خلقتم. إنما مثل الدنيا كالسُّم أكله من لا يعرفه، ومثل الدنيا كالحية مسَّها لين وفي جوفها السُّم القاتل فحذرها ذو العقول، وأهوى الصبيان إليها بأيديهم. الرابعة: كان أبو نصر (٢) يخرج في كل جمعة وصلاة الغداة فيدخل السوق مما

стр. 1006

يلي الثنية فلا يزال يقف على مربعة مربعة يقول: يا أيها الناس: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١) الآية. إن العبد إذا مات صحبه أهله وماله وبقي عمله (٢) فاختاروا لأنفسكم ما يؤنسكم في قبوركم، فلا يزال في مربعة مربعة حتى يأتي مصلى رسول اللَّه ﷺ ثم يمضي إلى الجمعة ولا يخرج من المسجد حتى يصلي العشاء الآخرة. وأنشد بعضهم: ومن يكن همه الدنيا ليجمعها … فسوف يومًا على رغم يخليها على تشبع النفس من دنياه يجمعها … ومبلغه من قيام العيش يكفيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها … إلا التي كان قبل الموت يبنيها فمن بناها بخير طاب مسكنها … ومن بناها بشرٍّ خاب بانيها فاعرف أصول التقى ما عشت مجتهدًا … واعلم بأنك بعد الموت تجنيها الخامسة: عن رجل من بني شيبان أن عليًا ﵁ خطب فقال: الحمد للَّه أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليربح به عليكم ويوقظ به نائمكم. واعلموا بأنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم (٣) ومجزون بها فلا تغرنكم الحياة الدنيا، فإنها دار بالفناء محفوفة، وبالغدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال (٤)، وهي بين أهلها دول ومحال، لا تدوم أحوالها، ولن يسلم مَن مِن شرِّها نُزَّالها.

стр. 1007

بينما أهلها منها في رخاء وسرور أبدلهم منها ببلاء وغرور. أحوال مختلفة وثارات متفرقة، والعيش فيها مذموم والرخاء فيها لا يدوم. وإنما أهلها فيها أعراض مستهدفة ترميهم بأسهامها وتعضهم بجماحها. واعلموا عباد اللَّه أنكم وما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيل من مضى ممن كان أطول منكم أعمارًا وأشد منكم بطشًا، وأعمر وأبعد أثارًا. فأصبحت أموالهم هامدة من بعد طول تقلبها، وأجسادهم بالية وديارهم خالية وأثارهم عافية، واستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق المتمهدة، الصخور والأحجار في القبور التي بنى بالخراب وشيّد بالتراب بناؤها. فميلها مقترب وساكنها مغترب بين أهل عمارة موحشين وأهل متشاغلين لا يستأنسون بالعمران ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان على ما منهم من قرب الخوار ودنو الدار. وكيف يكون تواصل وقد طحنهم بكلكله (١) البلى، وأصلهم الجنادل والثرى، فأصبحوا بعد الحياة أمواتًا وبعد غضارة النفس رفاتًا. فجَعَ بهم الأحباب، وسكنوا التراب وظعنوا وليس لهم إياب. هيهات هيهات ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (٢) الآية. وكأنكم عن قليل صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار النوى وارتهنتم الأمور وبعثرتم القبور، وحُصل ما في الصدور (٣)، ووقفتم بين يدي الجليل، فطارت القلوب لانشقاقها من مآلف الذنوب، وهتكت عنهم الحجب والأستار وظهرت منهم العيوب والأسرار هنالك تُجزى كل نفس بما كسبت، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] (٤).

стр. 1008

السادسة: روى أن مَلِكًا من ملوك كندة كان شديد المصاحبة للهو واللَّذات، كثير العطوف إلى اللعب والمحرمات (١)، فركب يومًا للاصطياد أو غيره. فانقطع عن أصحابه، فإذا هو برجل جالس قد جمع عظامًا من عظام الموتى، وهي بين يديه يُقلبها. فقال: ما قصتك أيها الرجل؟ وما بلغ بك؟ وما أرى من سوء الحال؟ ويبس الجسم، وتغير اللون والانفراد في هذه الفلاة؟ فقال: أما ما ذكرت من ذلك فلأني على جناح سفر بعيد ولي ملكان يزعجان يجدَّان بي إلى منزل ضنيك المحل، مظلم القصر، كريه المقرّ (٢). ثم يُسلماني إلى مصاحبة البلى، ومجاورة الهلكى تحت أطباق الثرى. فلو نزلت بذلك المنزل مع ضيقه ووحشته، (وارتقى) (٣) أجناس الأرض من لحمى، حتى أعود رفاتًا، وتصير أعظمي رميمًا، لكان للبلاء انقضاء وللشقاء نهاية، ولكني أدفع بعد ذلك إلى صيحة الحشر، وأرد أهوال موقف الجرائم، لا أدري إلى أي الدارين يؤمر بي، وأي حال يلتذ به من إلى هذا الأمر مصيره. فلما سمع الملك كلامه ألقى نفسه عن فرسه وجلس بين يديه. وقال: أيها الرجل لقد كدَّر عليَّ مقالك صفو عيشي وملك قلبي، فأعد عليَّ بعض قولك، واشرح لي دينك. فقال له: أما ترى هذه التي بين يدي؟ قال: بلى. قال: هذه عظام ملوك غرتهم الدنيا بزخرفها، واستحوذت على قلوبهم بغرورها، فألهتهم عن التأهب لهذه المصارع حتى أجابتهم الآجال وجدلتهم وسلبتهم بها النعمة. وستنشر هذه العظام، فتعود أجسادًا.

стр. 1009

ثم تجازى بأعمالها، فإما إلى دار النعيم والقرار، وإما إلى دار العذاب والبوار. ثم غاب الرجل، فلم يدر أين ذهب، وتلاحق أصحاب الملك يه، وقد تغير لونه وتواصلت عبراته فلما جن عليه الليل نزع ثياب ملكه، ولبس طمرين (١) وخرج ليلًا، فكان آخر العهد به. أفنى القرون التي كانت منعمة … كرّ الليالي إقبالًا وإدبارًا يا راقد الليل مسرورًا بأوله … إن الحوادث قد تطرقن أسحارًا لا تأمنن بليل طاب أوله … فرُبَّ آخر ليل أجج (٢) النارا السابعة: روى أن بعض الملوك كان متنسكًا ثم مال إلى الدنيا ورياسة الملك، وبنى دارًا وشيدها، وأمر بها ففرشت. واتخذ مائدة ووضع طعامًا ودعى الناس. فجعلوا يدخلون عليه ويأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويتعجبون من ذلك، ويدعون له وينصرفون. فمكثوا أيامًا كذلك، ثم جلس هو ونفر من خاصة أصحابه. فقال: قد ترون سروري بداري هذه، وقد حدث أن اتخذ لكل واحد من أولادي مثلها. فأقيموا عندي أيامًا استأنس بكم وأشاور فيما أريد من هذا البناء. فأقاموا عنده أيامًا يلهون ويلعبون ويشاورهم كيف يبني؟ وكيف يصنع؟ ويرتب ذلك؟ فبينما هم ذات ليلة في لهو إذ سمعوا قائلًا من أقصى الدار يقول: يا أيها الباني الناسي منيَّته … لا تأمنن فإن الموت مكتوب على الخلائق إن سرُّوا وإن كدُّروا … فالموت حتف لدى الآمال منصوب لا تبنين دارًا لست تسكنها … وراجع النُسك (٣) كيما يغفر الحوب (٤)

стр. 1010

ففزع الملك لذلك، وفزع أصحابه فزعًا شديدًا، وراعهم. فقال: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فهل تجدون ما أجد؟ قالوا: وما تجد، قال: على مسكة على فؤادي وما أراها إلَّا علَّة الموت. فقالوا: كلا بل البقاء والعافية. فبكى، ثم أمر بالشراب فأهريق، وبالملاهي فأخرجت -أو قال: فكسرت- فتاب، ولم يزل يقول الموت حتى فاضت نفسه. الثامنة: عن سرّي قال: مررت يومًا في بعض البراري مع جماعة من إخواني على قصر، قد أناخ الزمان بكلكله (١). فهدَّم أركانه وحطَّم بنيانه، وقد بقيت معالمه وأبوابه، وعلى أبوابه مكتوب، فنفضت التراب عن ذلك، ثم تأملته. فإذا هو مكتوب: هو السبيل فمن يوم إلى يوم … كفرحة النائم المهجوع في النوم إن المنايا وإن أصبحت في شغل … تحوم حولك حومًا أيما حوم لا تعجلن رويدًا إنها دول … دنيا تنقل من قوم إلى قوم قال: فدخلت القصر أنا وأصحابي، وإذا بقبة في وسطه من الزمرد الأخضر مرصعة بالدرّ والياقوت الأخضر. قد علاها الغبار من تطاول السنين والأعمار معلقة على أربعة أعمدة من ياقوت. فتأملتها وأطلت النظر فيها، فإذا عليها منقوش هذا النظم: قف بالقبور وناد المستقر بها … من أعظم بليت فيها وأجسادا قوم تقطَّعت الأسباب بينهم … بعد الوصال فصاروا نحو ألحاد (٢) واللَّه لو بُعثوا واللَّه لو نُشروا (٣) … قالوا بأن التُقى من أفضل الزاد قال: فتأملنا متكأ الملك فإذا عليه مكتوب:

стр. 1011

لا تأمنن الموت في طرف ولا نفس … ولو تَمنَّعت (١) بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت نافذة … من كل مدَرَّع (٢) منا ومترَّس ما بال دينك ترضى أن تدنسه … وثوبك الدهر مغسول من الدنس التاسعة: حكى أن بعض الناس جاء إلى سليمان بن داود ﵉ وقال: يا نبي اللَّه أريد منك أن تأمر الريح تحملني إلى بلاد الهند، فإن لي فيها حاجة في هذه الساعة وألحَّ عليه في ذلك. فقال له: نعم، وأمر الريح بحمله. فلما خرج من عنده التفت سليمان فرأى ملك الموت قائمًا عنده مبتسمًا. فسأله عن تبسمه؟ فقال له: يا نبي اللَّه تعجبت من هذا الرجل فإني أُمرت بقبض روحه (٣) بأرض الهند في هذه الساعة، فبقيت متفكرًا. كيف يصل إلى بلاد الهند في هذه الساعة. فلما سألك أن تأمر الريح بحمله تعجبت من ذلك (٤). فمن لم تأته منا المنايا … إلى أوصاله يومًا أتاها كما قال الذي عرى نفوسًا … وقوى في توكلها أقواها ومن كانت منيته بأرض … فليس تموت في أرض سواها وكم لهيت بطيب عيش … دهرًا نسيت به المماتا والآن مُت وأنت أيضًا … لا بد يومًا يقال ماتا فجِدّ واحذر تكون مثلي … كسبت حوبًا والخير فاتا العاشرة: عن بعض الزهاد قال: كنت في جماعة من الزهاد وقد حان وقت صلاة الظهر ونحن في برية ليس فيها ماء. فدعونا اللَّه فلم يستتم الدعاء حتى لاح بالبعد شيء، فقصدناه.

стр. 1012

وطوى اللَّه لنا البعد (١) حتى وصلنا إلى قصر مشيد عالي البناء، حسن الفناء، وحوله أنهار تتفجر، فشكرنا اللَّه على ذلك وأسبغنا الوضوء وصلينا. ثم تقدمنا إلى القصر فإذا على حائطه مكتوب: هذه منازل أقوام عهدتهم … في رَغْدِ (٢) عيشٍ خصيب ماله خطر دعتهم نُوَّب (٣) الأيام فارتحلوا … إلى القبور فلا عين ولا أثر ورأينا في وسط الدار سريرًا من فضة وعليه هذه الأبيات: ما زلت تطلب ما يردى وتمعن في الطلب … وملكت ما أمكنت من أرض الأعاجم والعرب مرت إليك يد الرَّدى (٤) … فذهبت فيمن قد ذهب قال: ورأينا بستانًا فيه لوح رخام عليه مكتوب: قد كان صاحب هذا القصر مغتبطًا … في ظل عيش يخاف الناس من بأسه إذ جاءه بغته (٥) بالأمر ذلَله … فخر ميتًا وزال التاج عن رأسه فاخرج إلى القصور وانظر كيف أوحشه … فقدان أربابه من بعد إيناسه قال: فاستحسنا ذلك ورجعنا إلى القبة فإذا وسطها قبر عند رأسه لوح من رخام أبيض وعليه مكتوب: أنا رهين التراب في اللَّحد وحدي … واضعًا تحت لبنة التراب خدِّي غيره: باتوا قُلَلَ (٦) الأجيال تحرسهم … غلب الرجال فلم تنفعهم القلل

стр. 1013

واستنزلوا بعد عز من معاقلهم … واسكنوا جدثًا (١) يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ (٢) من بعد ما دفنوا … أين الأسرَّة والتيجان والحلل أين الوجوه التي كانت منعمة … من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين سائلهم … تلك الوجوه عليها الدود يقتتل (٣) قد طال ما أكلوا دهرًا وما شبعوا … فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا الحادية عشر: عن الجنيد قال: دخلت الكوفة في بعض أسفاري فرأيت دارًا لبعض الرؤساء وقد شف عليها النعيم. وعلى بابها عبيد وغلمان، وفي بعض رواشينها (٤) جارية تغني وتقول: ألا يا دار لا يدخلك حزن … ولا يعبث بساكنك الزمان فنعم الدار أنت لكل ضيف … إذا ما الضيف أعوزه (٥) المكان قال: ثم مررت بها بعد مدة، فإذا الباب مسدود والجميع مبدَّد (٦)، وقد ظهر عليها كآبة (٧) الذُّل والهوان ولسان الحال ينشد: ذهبت محاسنها وبان شجونها (٨) … والدهر لا يبقي مكانًا سالمًا فاستبدلت من أُنسها بتوحش … ومن السرور بها عزاء دائمًا قال: فسألت عن خبرها؟ فقيل لي: مات صاحبها، فآل أمرها إلى ما ترى. فقرعت الباب الذي كان يقرع. فكلمتني جارية بكلام ضعيف. فقلت لها: يا جارية أين بهجة هذا المكان وأين أنواره وأين شموسه، وأين

стр. 1014

أقماره، وأين قُصَّاده، وأين زوَّاره؟ فبكت. ثم قالت: يا شيخ كانوا فيه على سبيل العارية (١) ثم نقلتهم الأقدار إلى دار القرار. وهذه عادة الدنيا، تُرحِّل من سكن فيها وتُسيء إلى ما أحسن إليها. فقلت لها: يا جارية مررت بها في بعض الأعوام وفي هذا الروشن جارية تغني وتقول: ألا يا دار لا يدخلك حزن فبكت وقالت: أنا واللَّه تلك الجارية، ولم يبق من أهل هذه الدار أحد غيري، فالويل لمن غرَّبته دنياه. قلت لها: كيف قرُّبك القرار في هذا الموضع الخرَاب؟ قالت: ما أعظم جفاك (٢)، أما كان هذا منزل الأحباب، وأنشدت: قالوا تفنى وقوفًا في منازلهم … ونفس مثلك لا تفنى تحملها قفلت والقلب قد ضحت أضالعه … والروح تنزع والأشواق تبريها منازل الحب في قلبي معظمة … وإن خلا من نعيم الوصل منزلها فكيف أتركها والقلب يتبعها … جاء لمن كان قبل اليوم ينزلها فتركتها ومضيت وقد وقع شعرها من قلبي موقعًا، وازداد قلبي تولعًا. نادرة: قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهبًا فانيًا والآخرة خزفًا باقيًا، لكان الخزف الباقي أولى من الذهب الفاني (٣).

стр. 1015

فكيف والأمر بالعكس، بل هي أجل وأفضل من الذهب المذكور. مخلوقة من فاخر الجوهر والنور، ذات اللَّذات والنعيم والسرور. في طلب الدنيا الذُّل، والآخرة العزّ. فيا عجبًا لمن يختار الدنى في طلب الفاني، ويترك العز في طلب الباقي. وما أحسن قول الإمام الشافعي (١) ﵀ في ذم الدنيا. ومن يذق الدنيا فإني طعمتها … وسبق إلينا عَذْبها وعذابها فلم أرها إلَّا غرورًا وباطلًا … كما لاح في ظهر الفلاة سرابها فما هي إلَّا جيفة مستحيلة … عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها … وإن تجتذبها نازعتك كلابها ومن شعره البديع (٢): ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي … جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته … بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل … بجودك تعفو منةً وتكرُّما ولولاك لم يغو بإبليس عابد … فكيف وقد أغوى صفيك آدم فيا ليت شعري هل أصرْ لجنةٍ … أهنأ وإما في السعير فأندما (٣)

стр. 1016

ولغيره: ومن يحمد الدنيا لعيش يسره … فسوف لعمري عن قليل يلومها إذا دبرت كان على المرء حسرة … وإن أقبلت كانت كثيرًا همومها الثانية عشرة: عن بعضهم قال: مررت ببعض القرى، فإذا بثلاثة قبور على قدر واحد، وهي على نَشَز (١) من الأرض، وعليها مكتوب أبيات من الشعر، على أحدها مكتوب: وكيف يلذ العيش من هو عالم … بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه لعباده … ويجزيه بالخير الذي هو فاعله وعلى الثاني مكتوب: وكيف يلذ العيش من كان موقنًا … بأن المنايا بغتة ستعاجله فتسلبه ملكًا عظيمًا وبهجة … وتسكنه القبر الذي هو أهله وعلى الثالث مكتوب: وكيف يلذ العيش من كان صائرًا … إلى جدث (٢) تبلى الشباب منازله ويذهب ماء الوجه من بعد حُسنه … سريعًا ويبلى جسمه ومفاصله فقلت لشيخ جلست إليه: لقد رأيت في قريتكم عجبًا. قال: وما رأيت؟ فقصصت عليه قصة القبور.

стр. 1017

فقال: حديثهم أعجب مما رأيت. فقلت: حدثني. قال: كانوا ثلاثة أخوة، أمير وتاجر وزاهد، فحضرت الزاهد الوفاة، فاجتمع إليه أخواه وعرضا عليه ما أحب من مالهما ليتصدق به، فأبى أن يقبل، وقال: لا حاجة لي في مالكما، ولكني أعهد إليكما فلا تخلفا عهدي. قالا: أعِهد، قال: إذا مِتُّ فغسلاني وكفناني وصليا عليَّ، وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري هذين البيتين - يعني الأولين: وكيف يُلذّ. . . . إلى آخرهما. فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني في كل يوم مرة لعلكما تتيقظان، ففعلا ذلك. وكان أخوه الملك يركب في جنده حتى يقف على قبره، ويقرأ عليه، ويبكي. فلما كان اليوم الثالث جاء كما كان يجئ مع الجند، فنزل وبكى كما كان يبكي. فلما أراد أن ينصرف سمع هدُّة من داخل القبر كاد ينصدع لها قلبه. فانصرف فزعًا مذعورًا. فلما كان الليل رأى أخاه في منامه وقال له: يا أخي ما الذي سمعت في قبرك. قال: حسّ المقمعة (١)، قيل لي: رأيت مظلومًا، فلم تنصره. فأصبح مهمومًا، فدعا أخاه وخاصته. وقال: ما أرى أخي أراد بما أوصانا أن نكتب على قبره غيري، وإني أشهدكم لا أُقيم بين أظهركم أبدًا، فترك الإمارة، ولزم العبادة. وكان يأوي إلى الجبال والبراري حتى حضرته الوفاة مع بعض الرعاة. فلما بلغ ذلك أخاه أتاه وقال له: يا أخي ألا توصني؟ قال: فبأي شيء أُوصي ليس لي مال أوصي به ولكنى أعهد إليك عهدًا إذا أنا مت فادفنني جنب أخي واكتب على قبري هذين البيتين: وكيف يُلذّ العيش. . . . إلى آخرهما كما أسلفناهما. ثم زرني ثلاثة أيام بعد موتي وادع لي، لعل اللَّه يرحمني، ثم مات. ففعل ما أمره. فلما كان اليوم الثالث أتاه فبكى عنده، ودعا له فلما أراد أن ينصرف سمع

стр. 1018

وجبة (١) عظيمة من داخل القبر كادت تذهب عقله، فرد قلقًا فلما كان الليل رأى أخاه في النوم قد أتاه فقال: يا أخي جئتنا زائرًا؟ فقال: هيهات بعد المزار فلا مزار، واطمأنت بنا الدار. فقال له: كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير. فقال له: كيف أخي؟ قال: مع الأئمة الأبرار. قال: فما أمرنا. قال: من قدم شيئًا وجده، فاغتنم وجدك قبل عدمك. فأصبح معتزلًا (٢) للدنيا، قد انخلع قلبه منها، ففرق ماله وقسم رباعه، وأقبل على الطاعة. ونشأ له ولد كامل الشباب وجهًا وجمالًا. فأقبل على التجارة حتى حضرت أباه الوفاة. فقال الابن: يا أبت ألا توصني؟ قال: واللَّه ما لأبيك مال فيوصي به، ولكن أعهد إليك عهدًا، إذا أنا مِتُّ فادفنني مع عمَّيك، واكتب على قبري هذين البيتين: وكيف يلذ العيش. . . إلى آخرهما كما سلف. فإذا بلغت ذلك فتعاهدني ثلاثًا، وادع اللَّه لي. ففعل الفتى ذلك، فلما كان اليوم الثالث سمع من القبر صوتًا اقشعر له جلده، وتغيَّر لونه، فرجع إلى أهله محمومًا -أو قال مهمومًا- فلما كان الليل آتاه أبوه في المنام فقال: يا بني أنت عندنا عن قليل، والأمر بآخره، والموت أقرب من ذلك،

стр. 1019

فاستعد لسفرك وتأهب لرحيلك، وحوّل جهازك من المنزل الذي أنت عنه إلى المنزل الذي أنت فيه مُقيم، ولا تغتر بما اغتر به البطَّالون قبلك من طول آمالهم فقصَّروا في أمر معادهم فندموا عند الموت أشد الندامة، وأسفوا على تضييع أعمارهم أشد الأسف. فلا الندامة عند الموت تنفعهم ولا الأسف الذي على التقصير أنقذهم من سوء ما نالهم، وشدة ما هالهم. ثم قال: يا بُني بادر، ثم بادر. فأصبح الفتى وقال: ما أرى هذا الأمر إلَّا قد أظلني، فأدى ولم يزل يُعطي ويُقسم ويتصدق إلى أن كان اليوم الثالث من صبيحة الرؤيا فدعا أهله وولده فودَّعهم وسلَّم عليهم. ثم استقبل القبلة وتشهد شهادة الحق، ثم مات، فكان الناس يزورون قبورهم ويتوسلون (١) إلى اللَّه تعالى بهم في قضاء حوائجهم فتُقضى. الثالثة عشر: عن عبد اللَّه بن مهران قال: حج الرشيد فوافى الكوفة، فأقام بها أيامًا ثم ضرب بالرحيل، فخرج الناس وخرج بهلول المجنون (٢) فيمن خرج فجلس بالكناسة والصبيان يؤذونه، ويولعون به. إذ أقبلت هوادج هارون، فكف الصبيان عن الولوع به. فلما جاء هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين: فكشف هارون السِّجاف (٣) بيده وقال: لبيك يا بهلول.

стр. 1020

فقال: يا أمير المؤمنين أنبأنا أيمن بن نايل (١) عن قدامة بن عبد اللَّه العامري قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ بمنى على جمل وتحته رحل رثَّ، فلم يكن ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وتواضعك في سفرك هذا خير لك من تكبرك وتجبرك. فبكى هارون حتى سقطت الدموع على الأرض ثم قال: يا بهلول زدنا يرحمك اللَّه. فأنشده: هب إنك قد ملكت الأرض طرًّا (٢) … ودان لك العباد فكان ماذا أليس غدًا مصيرك جوف قبر … ويحثو التراب عليك هذا ثم هذا قال: أحسنت يا بهلول (٣) هل غيره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، رجل أتاه اللَّه مالًا وجمالًا، فأنفق من ماله وعفَّ في جماله كُتِب في خالص ديوان اللَّه من الأبرار. فقال: أحسنت يا بهلول مع الجائزة. قال: أردد الجائزة على من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها. قال: يا بهلول فنجري عليك ما يكفيك. فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال: يا أمير المؤمنين اعلم أنا وأنت من عيال اللَّه فمحال أن يذكرك وينساني، فأسبل هارون السِّجاف ومضى. الرابعة عشر: حكى عن علي ﵁ أنه قال: دخلت مقابر البقيع (٤) لأزور
следующие страницы →