← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وقال مالك بن دينار: ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر اللَّه. وقال أبو جعفر ﵀ الصواعق تصيب المؤمن وغيره ولا تصيب الذاكر. وقال مجاهد: إذا أراد أحدكم أن ينام فليستقبل القبلة، ولينم على يمينه، وليذكر اللَّه تعالى، وليكن آخر كلامه عند منامه: لا إله إلا اللَّه، فإنها وقَاءُه، ولا يدرى لعلها تكون منيته، ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وأنشد في هذا المعنى: قد جلى الباب قليلا … فاجعل الذكر سبيلا والزم الباب غدَّوا … وعشيَّا وأصيلا إن تُطِعْنِي لم تجدني … للمطيعين خذولا إن عندي للمطيعين … شرابا سلسبيلا واتعبوا اليوم قليلا … تنعموا دهرا طويلا وعن أُبيِّ بن كعب (١) أنه قال: "عليكم بالسبيل، أي الدين والسنة، فإنه ليس من عبد عليها ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية اللَّه فتمسه النار (٢). وليس من عبد عليها ذكر الرحمن فاقشعر جلده من مخافة اللَّه إلا كان مَثَلُه كَمَثل شجرة بفلاة فبينما هي كذلك إذ أصابتها ريح فتحاتَّت (٣) عنها ورقها إلا تحاتت عنه ذنوبه كما تحاتتَّ عن تلك الشجرة ورقها". وقال أبو عبد اللَّه محمد بن علي الترمذي الحكيم: ذكر اللَّه يرطب القلب ويلينه، فإذا غفل عن الذكر وأصابته حزازة النفس ونار الشهوة فقسى ويبس وامتنع الأعضاء عن الطاعة، فإذا مددتها انكسرت كالشجرة إذا يبست لا تصلح لشيء إلا للقطع، وتصير وقودا للنار. وعن أبي يزيد البسطامي (٤) قال: لم أزل منذ ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر

стр. 1087

اللَّه توضأت وغسلت لساني إجلالا للَّه أن أذكره. أثَمَّ إذا فزع القلوب تمايلت … طربا وتمت بالتقى استقرارها وإذا حدثه عاد بطيب حديثه … طابت وذاقت بالرضا أزهارها ترتاح إذا ذكر اسمه ويهزها … طربا إذا أجفت بها أذكارها وإذا ابتدأ ذكره في حضرة … حضر السرور بها وطاب مزارها وأما الحكايات فكثيرة: الأولى: عن بعضهم، قال: احتسبت على أهلي خروج الولد، فمضيت إلى أبي الحسن الدينوري بجام أتبرك بخطه فيه، فلما كتب البدء، إذ انفلق الجام، وسقط الشيخ مغشيا عليه. فأتيته بآخر، فكان كالأول، ثم جئته بثالث ورابع وخامس. فقال: يا هذا اذهب إلى غيري، فلو جئتني بما يمكن أن يُجَاء به لم يكن إلا ما رأيت، فإني عبد إذا ذكرت اللَّه مولاي ذكرته بخيبة وقنوت. الثانية: عن بعضهم قال: لقيت علة شديدة أتت من نفسي وآيس مني من رآني، فبيما أنا في أشد ما كنت رأيت في المنام ليلة جمعة أن رجلا دخل عليَّ فجلس عند رأسي، ودخل بعده خلق كثير، كأنما في وقت الدخول يشبهون الطيور. فلما جلسوا صاروا في سورة الآدميين، فلم يزالوا يدخلون، وعيني إلى الباب. فلما انقطع دخولهم رفع ذلك الرجل رأسه وقال قصدي هذا البلد ثلاثة، هذا أحدهم وصالح الخلقاني وامرأة. ثم وضعيده على جبيني (١) وقال: "بسم اللَّه ربي، حسبي اللَّه توكلت على اللَّه، اعتصمت باللَّه، فوضت أمري إلى اللَّه، ما شاء اللَّه، لا قوة إلا باللَّه". ثم قال: استكثر من هذه الكلمات، فإن فيها شفاء من كل سقم، وفرجا من كُرْبة، ونصرا على كل عدو. وأول من تكلم بهذا حملة العرش ﵈ حين أُمِروا بحمله، ولا يزالون يقولون ذلك إلى يوم القيامة (٢) فقال رجل كان جالسا عن

стр. 1088

يمينه أو عن يساره: يا رسول اللَّه، فإن قالها عند لقاء العدو؟ قال: بخ بخ فيه فتح ونصر وبشرى، فظننت أنه الصديق. فقلت: يا رسول اللَّه هذا الصديق؟ فقال: هذا عمي حمزة (١). ثم أومأ بيده إلى من يساره وقال: هؤلاء الشهداء (٢) ثم أومأ إلى من وراءه وقال: هؤلاء الصالحون، ثم خرج، فانتبهت وقد شفيت. الثالثة: عن الشيخ أبي يزيد القرطبي قال: سمعت في بعض الأسفار أن من قال: لا إله إلا اللَّه (٣) سبعين ألف مرة كانت براءة من النار، وقمت على ذلك رجاء بركة الوعد، فعلَّمت منها لأهلي وعملت منها أعمالا أخص بها نفسي، وكان إذ ذاك يبيت معنا شاب يقال: إنه يكاشف في بعض الأوقات بالجنة والنار. وكانت الجماعة ترى له فضلا على صغر سنه، وكان في قلبي بعض الشيء، فاتفق أنه استدعى بعض الإخوان إلى منزله. فبينما نحن نتناول الطعام والشاب معنا إذ صاح صيحة منكرة، والهلع في نفسه وهو يقول: يا عم هذه أمي في النار، وهو يصيح بصياح عظيم لا يشك من يسمعه أنه (. . . . .) (٤) فلما رأيت ما به من

стр. 1089

الانزعاج قلت في نفسي: اليوم أعرف صدقه، فألهمني الباري تعالى السبعين ألفا، ولا يطلع على ذلك أحد إلا اللَّه تعالى. فقلت في نفسي: الأثر حق، والذين رووه لنا صادقون. اللهم إن السبعين ألفا فداء هذه المرأة أم هذا من النار، فما استتممت الخاطر في نفسي إلا أن قال: يا عم ها هي أُخْرِجت، الحمد للَّه. فحصل لي فائدة أن إيماني بصدق الأثر، وسلامتي لهذا الشاب وعلمي بتصديقه. ولأبي العباس بن العريف: سلوا عن الشوق من أهوى فإنهم … أدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي فمن رسول إلى قلبي ليس إليهم … عن شكي من سؤال العبث ملتبس (١) الرابعة: عن خادمة رابعة العدوية (٢) قالت: كانت رابعة تصلي الليل، فإذا طلع الفجر هجعت هجعة في (. . . . .) (٣) حتى تستقر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس كم تنامين، وإلى كم لا تقومين، يوشك أن تنامين نومة لا تقومين منها إلا لصرخة النشور. وكان هذا دأبها حتى ماتت. فلما حضرتها الوفاة دعتني وقالت: لا تؤذنن بموتي أحدا، وكفنيني في جُبَّتي هذه، وكانت جبة من شعر تقوم فيها إلى أن حضرتها الوفاة، فكفنتها فيها، وفي خمار صوف كانت تلبسه. فرأيتها في المنام وعليها حُلَّة إستبرق خضراء، وخمارا من سندس أخضر (٤)، ولم أر شيئا قط أحسن منه. قلت لها: ما فعلت بالجبة التي كفنتك فيها والخمار الصوف؟ قالت إنه نزع عني، وأبدلت به هذا الذي ترينه، وطويت أكفاني، ورفعت في عليين ليكون لي ثوابها يوم القيامة. فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا.

стр. 1090

فقالت: وما هذا عند ما رأيت من كرامة اللَّه تعالى لأوليائه. قلت: فمريني بأمر أتقرب به إليه. قالت: عليك بكثرة ذكره فإنه يوشك أن تعطي ذلك في قبرك. الخامسة: عن الشيخ أي العباس بن مسروق (١) قال: كنت بالبصرة، فرأيت صيادا يصطاد السمك على بعض السواحل. وإذا بجنبه ابنة له صغيرة، فكلما اصطاد سمكة رمتها الصبية في الماء، فالتفت الرجل، فلم ير شيئا. فقال لابنته أي شيء عملت بالسمك؟ فقالت: يا أبت أليس سمعتك تروي عن رسول اللَّه ﷺ أنه لا تقع سمكة في شبكة إلا إذا غفلت عن ذكر اللَّه، فبكى الرجل ورمى بالسنارة. السادسة: عن بعضهم قالت: رأيت مسكينة الطفاوية بعد موتها في المنام، وكانت تحب مجالس الذكر. فقلت: مرحبا يا مسكينة. فقالت: هيهات، ذهبت المسكنة (٢)، وجاء الغنى. قلت: هنيئا لك. قالت: وما تسأل عمن أبيحت له الجنة بحذافيرها. قلت بماذا؟ قالت بمجالس الذكر. السابعة: قال بعضهم خرجت إلى السوق ومعي جارية في مكان (. . . . .) (٣) وقلت لها: لا تبرحي منه حتى أعود إليك. فذهبت ثم عدت إلى المكان، فلم أجدها فيه، فذهبت إلى منزلي وأنا شديد الغضب عليها. فجاءتني وقالت: يا مولاي لا تعجل على فإنك أجلستني بين قوم لا يذكرون اللَّه (٤) فخشيت أن ينزل بهم خسف وأنا معهم.

стр. 1091

فقلت: هذه أُمَة قد رفع اللَّه عنها الخسف إكراما لنبيها، فقالت: إن رفع عنها خسف المكان فما رفع عنها خسف القلوب، فعرفته وهي في غفلة من صلاته وكرمه، بادر إلى حميتك ودوائك قبل موتك وفنائك. ثم أنشدت: هلموا بنا نذري الدموع تأسفا … بلاء المعاصي فوق كل بلائي لعل إلهي أن يمن بجمعنا … فقد طال في سجن الفراق بقائي فيا مهجتي (١) لا تتركي الحزن ساعة … ويا مقلتي هذا أوان بكائي

стр. 1092

مجلس في كرامات الأولياء وفضلهم فيه آيات: قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١). تجلى لهم وأكرمهم بنفي الخوف والحزن عنهم، وبين من هم بتقواهم، وأن البشرى في الحياة الدنيا بما يتميزون به من خوارق العادات، ولو وُصفت بهذا لم تنفذ، ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤]. وقال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾ (٢) الآية. وكان ذلك في غير أوانه، والهز من باب: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (٣). وقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ (٤) الآية. يقال: كانت تأتيها فاكهة الشتاء في الصيف وعكسه. وقال: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (٥). ومن ذلك إلهام أم موسى في أمرها ما هو معروف.

стр. 1093

ومن ذلك قصة اَصف بن برخيا (١) مع سليمان في عرش بلقيس في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (٢). وكذا قصة ذي القرنين وتمكين اللَّه له ما لم يمكنه لغيره. ومنه ما أخبر تعالى من العجائب على يد الخضر مع موسى ﷺ . وكل هؤلاء ليسوا بأنبياء، وظهورها على أيديهم جائز عقلا، واقع نقلا، وما جاز أن يكون معجزة للنبي جاز أن يكون كرامة للولي، إلا بنحو واله دون واله. والفارق بين المعجزة (٣) وبينها التحدي والإظهار بخلاف الكرامة، فإنها مكتومة إلا لمصلحة راجحة أو إذن أو سقوط اختيار. وكل كرامة ظهرت على يد ولي فهي معجزة لنبي تلك الأمة، ولا تظهر إلا على يد ولي بخلاف السحر، ومنكرها محروم، ومخصصها بمن سلف قول غير معصوم. وما هو إلا كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (٤): إسرائيلية صدَّقوا بموسى وكذبوا نبينا، لأنهم أدركوا زمنه. إذا كنت المكذب يا جهول … عن الآيات تصدقك الحقول فكن بالفهم ترجع نحو شيء … له الدين المصدق الرسول بأن الدنيا ما شاء يقضي … قدير ليس يعجزه المهول

стр. 1094

ولما أنكر من أنكر (١) ركب جابر الرحبي -وليُّ اللَّه- ركب أسدًا ودخل الرحبة، وقال: أين الذين يكذبون بأولياء اللَّه؟ فكفوا. وأما الأحاديث فيه فلا تنحصر، ولنذكر منها اثني عشر حديثا: أحدها: حديث أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ (٢) أن أصحاب الصفة كانوا فقراء، وأنه ﷺ قال مرة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس" أو سادس، أو كما قال، وأن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، وأبو بكر ثلاثة، قال: فهو أنا وأبي وأمي، ولا أدري هل قال: امرأتي وخادمي بين بيتنا وبين بيت أبي بكر، وأن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول اللَّه ﷺ فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء اللَّه، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك، أو ضيفك؟ قال: أو عشيتهم؟ قالت: أبَوا حتى تجيء (٣)، قد عرضوا عليهم فغلبوهم. فذهبت فاختبأت فقال: يا غنثر، فجدع وسب، وقال: كلوا، قال: لا أطعمه أبدا، قال: وايم اللَّه ما كنا نأخذ من اللقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل، فنظر أبو بكر فإذا شيء أو أكثر، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس، قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرات.

стр. 1095

أخرجه الشيخان (١) من طرق. وكذا ما اشتهر عن الصديق أنه أخبر أن حمل امرأته أنثى، فكان كذلك. ثانيها: حديث جريج الراهب الذي كلمه الطفل في المهد، قال له: يا غلام من أبوك؟ فقال: فلان الراعي. أخرجاه (٢) أيضا. الثالث: حديث أصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة، وانفرجت وخرجوا يمشون (٣). أخرجاه أيضا. الرابع: حديث الغلام (٤) الذي كان يأتي الراهب والساحر. الخامس: حديث الرجل الذي سمع صوتا في السحاب يقول: اسق حديقة فلان (٥) وهذا في الصحيح. السادس: حديث أبي هريرة في قصة خبيب (٦)، وأنه أكل قطف عنب في بلده

стр. 1096

وهو موثوق بالحديد، وما بمكة من ثمرة. أخرجه البخاري (١) بطوله. السابع: حديثه أيضا مرفوعا: "إنه كان فيمن كان قبلكم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر" رواه البخاري (٢). وأخرجه مسلم من حديث عائشة. وفيه قال ابن وهب: مُحَدَّثُون: مُلْهَمُون (٣). وفي البخاري من حديث ابن عمر: ما سمعت عمر يقول لشيء قط إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن. وصح عنه أنه قال: يا سارية الجبل في حال خطبته يوم الجمعة، فبلغه صوته إليه، وكان بنهاوند (٤) وفيه كرامتان له، بلوغ صوته، وكشفه له عنه. الثامن: حديث جابر بن سمرة: لما شكى أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر. . . الحديث، وفيه: فقام رجل يقال له: أسامة بن قتادة، فقال: إن كنت ما علمتك

стр. 1097

لا تعدل في الرعية، ولا تقسم بالسوية ولا تغزو في السرية (١). فقال سعد (٢): أما واللَّه لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة فأطل عمره وفقره وعرِّضه للفتن. فكان بعد ذلك إذا سُئِلَ يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، وكبر حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليعرض للجواري في الطرق فيغمزهن. أخرجاه (٣). التاسع: حديث سعيد بن زيد مع غريمته أروى بنت أوس، وكانت ادعت عليه عند مروان بن الحكم أنه أخذ شيئا من أرضها (٤)، فدعا عليها، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها، فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت (٥). أخرجاه. وفي رواية لمسلم (٦) أنها عميت وكانت تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة

стр. 1098

سعيد، وإنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها، فوقعت فيها، فكانت قبرها (١). العاشرة: حديث جابر قال: لما حضرت (. . . . . .) (٢) أخرجه البخاري. الحادي عشر: حديث أنس، فيه من طرق أن رجلين من الصحابة (٣) خرجا من عند رسول اللَّه ﷺ في ليلة مظلمة، ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما. فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله، وهما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر. الثاني عشر: حديث البقرة التي حمل عليها صاحبها أو ركب عليها على اختلاف الروايات، فالتفتت إليه وكلمته، وقالت: إني لم أخلق لمثل هذا، ولكني إنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان اللَّه تعجبا وفزعا، أبقرة تكلم؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر" (٤). قال أبو هريرة: قال رسول اللَّه ﷺ : "بينا راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم

стр. 1099

السبع، يوم ليى لها راع غيري؟ " (١) فقال الناس: سبحان اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر" (٢). وجاء أن ابن عمر قال لأسد منع الناس الطريق: تنح، فبصبص بذنبه وذهب، فمشى الناس، فقال ابن عمر: صدق رسول اللَّه ﷺ : "من خاف اللَّه خافه كل شيء" (٣). وجاء أيضا أنه ﷺ بعث العلاء بن الحضرمي (٤) في غزاة، فحال بينهم وبين الموضع عرضة من البحر، فدعا اللَّه باسمه ومشوا على الماء (٥). وجاء أيضا أنه كان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صفحة، فسبحت، أو سبح ما فيها. وقال شهر عن عمران بن حصين أنه كان يُسَلِّمُ على الملائكة حتى اكتوى. وإنما لم تكثر الكرامات من الصحابة لعلو إيمانهم، فلم يحتاجوا إلى محمود

стр. 1100

بخلاف (. . . . .) (*) فلما (. . . . .) (*) نهايتها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (١). وحكي أن بعض العلماء كان يذري (. . . . .) (*) يجده بعد الصبح، وإذا شيخ ومعه فقراء وقد دعوا فقال في نفسه ما شغل هؤلاء إلا الأكل والرقص. فلما رجع الشيخ من الدعوة مر عليه وقال: يا فقيه ما تقول فيمن صلى الصبح وهو جنب، ودرَّس العلم في المسجد، واغتاب فذكر أنه كان عليه جنابة، فحسن اعتقاده بعد ذلك (٢) فلا يظن بهم إلا خيرا، ولا ينسبهم إلى سحر وشعوذة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ (٣) بل يتأمل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٤). وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٥). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ (٦).

стр. 1101

وقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (١). وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢). وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (٣). ولتحذر أن تكون ممن قال اللَّه تعالى في حقه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (٤). بذلت النفس في طلب المعالي … معالي المجد في جاه ومال يا سادتي إن قبلتم مهجتي ودمي … بنظرة في الجمال العالي الغالي فقد أنلتم جميل الفضل عندكم … وقد ربحت ببيع الدون بالغالي وقال بعض السادة: أقل عقوبة المنكر على الصالحين احترام بركتهم، ويخشى عليه من سوء الخاتمة. وقال أبو تراب (٥): إنما أَلف القلب الإعراض عن اللَّه صحبة الوقيعة في أولياء اللَّه.

стр. 1102

وقال شاه الكرماني (١): ما تعبد متعبد بأكثر من التحبب إلى أولياء اللَّه؛ لأن محبة أولياء اللَّه تؤدي إلى محبة اللَّه تعالى. فصل وقد وقع من كراماتهم إحياء الموتى كما وقع لأبي عبيد البسري أحد شيوخ الرسالة، فيما حكاه القشيري في رسالته أنه غزا سنة من السنين. فخرج في السرية، فمات المهر الذي كان تحته وهو في البرية، فقال: يا رب أعرنيه حتى نرجع إلى بسر -يعني قريته (٢) - فإذا المهر قائم. فلما غزا ورجع إلى بلده قال لابنه: يا بني خذ السرج عن المهر، فإنه عارية، فأخذه فمات (٣). وحكى فيها أيضا أن بعض أهل اليمن نفق حماره في الطريق، فتوضأ وصلى ركعتين ثم قال: اللهم إني جئت مجاهدا في سبيلك، وابتغاء مرضاتك، وإني أشهد أنك تحيي الموتى، وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد على منة اليوم، أطلب إليك أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه. وحكاه غيره عن الشعبي (٤)، وفيها أيضا عن محمد بن سعيد البصري قال: بينما أنا أمشي في بعض طرق البصرة إذ رأيت أعرابيا يسوق جملا فالتفت فإذا الجمل وقع

стр. 1103

ميتا، ووقع الرجل والقتب، فمشيت، ثم التفت وإذا الأعرابي يقول: يا سبب كل سبب، يا مولى من طلب، رُدَّ عليَّ ما ذهب، محملي والرحل والقتب (١)، وإذا الجمل قائم والرحل والقتب فوقه. وفيها أيضا عن سهل بن عبد اللَّه التستري (٢) -أحد الأقطاب- قال: الذاكر للَّه على الحقيقة، لو همَّ أن يحيى الموتى لفعل -يعني بإذن اللَّه- ومسح بيده على عليل بين يديه فبرئ أو قام. وفي رسالة الصيفي بن أبي المنصور أن الشيخ مفرح الدماميلي كان وليا عظيم الشأن، وكان عبدا حبشيا، اصطفاه اللَّه، فلما تكاثرت كراماته أحضر عنده فراخ مشوية فقال لها: طيري، فطارت، أحياها بإذن اللَّه (٣). وقتل خادم سيدي العارف باللَّه الأهدل هرة كانت له اسمها لؤلؤة، وأخفى مكانها فناداها الشيخ فجاءت إليه تجري، فأطعمها. وتوفي بعض أصحاب الشيخ أبي يوسف الدجاني فجزع عليه أهله. فلما رأى شدة جزعهم جاء إلى الميت، وقال: قم بإذن اللَّه، فقام وعاش بعد ذلك ما شاء اللَّه من الزمان. ووقع كذلك لشخصين من مشايخ أهل اليمن في اثنين ماتا ثم عاشا بإذن اللَّه. أحدهما رأى ميتا محمولا بعرفة، فقال: من هذا الميت؟ فقيل: فلان، وكان بين يديه طعام، وأقسم باللَّه أنه لا يأكل منه حتى يأتي ذلك الميت ويأكل منه، فوقع كذلك. والثاني: وقف على ميت في مسجد، وكان قد جرت له معه قصة. فقال: وعزتك يا رب لئن لم تحيه لأكونن جبارا في الأرض، فأحياه اللَّه.

стр. 1104

وجاءت امرأة إلى سيدي قطب العارفين عبد القادر (١) -نفعنا اللَّه به- ووهبت ولدها له. ثم جاءت يوما فوجدته يأكل مسلوقة دجاج وعظامها بين يديه، ورأت ولدها يأكل قرص شعير، فقالت له: يا سيدي تأكل لحم الدجاج ويأكل ولدي خبز الشعير؟ فوضع يده على تلك العظام، فقال: قومي بإذن اللَّه الذي يحيى العظام وهي رميم. فقامت الدجاجة سوية وصاحت، فقال الشيخ: إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء. ومرت على مجلسه حدأة (٢) طائرة في يوم شديد الحر، فصاحت (فشوشت) (٣) على الحاضرين، فقال: يا ريح خذي رأس هذه الحدأة، فوقعت طوقها في ناحية ورأسها في ناحية. فقام الشيخ من الكرسي وأخذها بيده، وأمرَّ يده عليها وقال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم فمضت وطارت، والناس يشاهدون ذلك. فصل ووقع منها أيضا كلام الموتى (٤).

стр. 1105

وقد وقع ذلك للشيخ إسماعيل الحضرمي، وأخبر به المحب الطبري لما كان بمقبرة زبيد من بلاد اليمن، وقال صاحب القبر يقول لي: أنا فلان ابن فلان من حشو الجنة. ومرَّ يومًا على مقبرة ومعه خلق فبكى بكاءً شديدًا، ثم ضحك في الحال. فسئل عن ذلك، فقال: رأيت أهل هذه المقبرة يعذبون، فحزنت لذلك. ثم سألت اللَّه أن يشفعني فيهم فشفعني (١). فقال صاحب هذا القبر وأشار إلى قبر قريب العهد بالحفر وأنا معهم: يا فقيه إسماعيل أنا فلانة المغنية، فضحكت وقلت: وأنت معهم. وفي رسالة الأستاذ أبي القاسم أن أبا سعيد الخزاز (٢) قال: كنت مجاورا بمكة حرسها اللَّه فجزت يوما بباب بني شيبة، فرأيت شابا حسن الوجه ميتا، فنظرت في وجهه فتبسم في وجهي وقال لي: يا أبا سعيد أما علمت أن الأحباء أحياء وإن ماتوا، وإنما ينتقلون من دار إلى دار. وتكلم الشيخ العارف محمد بن أبي بكر الحكيمي بعد أن انشق قبره (٣)، وخرج

стр. 1106

إليه منه وهو مشدود الوسط فقال: نحن بعد في الطلب، ومن زعم أنه قد وصل فقد كذب؛ لأنه لا يوصل إلا إلى محدود، واللَّه يتعالى عن النهاية والحدود. ومراده من توهم أنه وصل إلى مقام ليس فوقه مقام فقد كذب لاختلاف المقامات وتفاوت الدرجات. وفي مناقب قطب العارفين عبد القادر -نفعنا اللَّه به- أنه زار بغداد ومعه جمع من الفقهاء والفقراء، ووقف الشيخ عند قبر الشيخ حماد الدباس (١) زمنا طويلا حتى اشتد الحر، والناس واقفون خلفه، ثم انصرف والسرور بَيِّن في وجهه. فسئل عن سبب طول قيامه فقال: كنت خرجت من بغداد في يوم جمعة مع جماعة من أصحاب الشيخ حماد لنصلي الجمعة في جامع الرصافة، والشيخ معنا. فلما كان عند قنطرة النهر، دفعني فرماني في الماء، وكان في شدة البرد في كوانين (٢) فقلت: بسم اللَّه غسل الجمعة، وكان على جبة صوف، وفي كمي أجزاء. فرفعت يدي لئلا تبتل وتركوني وانصرفوا، فخرجت من الماء وعصرت الجبة، وتبعتهم وقد تأذيت بالبرد أذى كثيرًا (. . . .) (٣) في أصحابه فنهرهم وقال: إنما أوذيه لأمتحنه، فأراه جبلا لا يتحرك. فإني رأيته اليوم في قبره وعليه حلة من جوهر، وعلى رأسه تاج من ياقوت، وفي يده أساورة من ذهب، وفي رجليه نعلان من ذهب، ويده اليمنى لا تطيعه. فقلت: ما هذا؟ قال: هذه يدي التي رميتك بها فهلا سامحتني على فعلي ذلك؟ قلت: نعم. قال: فاسأل اللَّه تعالى أن يردها علي، فوقفت أسأل اللَّه في ذلك، وقام خمسة آلاف من أولياء اللَّه في قبورهم يسألون اللَّه أن يقبل مسألتي فيه، ويشفعون عندي في تمام المسألة، فما زلت أسأل اللَّه في مقامي ذلك حتّى ردَّ اللَّه يده، وصافحني بها وقد تم سروره.

стр. 1107

فلما اشتهر هذا ببغداد اجتمع المشايخ والصوفية من أهل بغداد من أصحاب الشيخ حماد (١) وتبعهم خلق كثير من الفقراء، وأتوا المدرسة، فلم يتكلم منهم أحد إجلالا للشيخ، فبدأهم بمرادهم، وقال لهم اختاروا رجلين من المشايخ نبيِّن لهم ما ذكرته على لسانهما. فأجمعوا على الشيخ أبي يعقوب الهمداني (٢) والشيخ أبي محمد الكردي. وقالوا له: أمهلناك في بيان ذلك على لسانهما جمعة، ففال لهم: بل ما تقومون من مقامكم حتى نحقق لكم الأمر، وأطرق وأطرقوا، فصاح الفقراء من خارج المدرسة. وإذا الشيخ يوسف أبو يعقوب قد جاء حافيا مشتدا في عدوه حتى دخل المدرسة وقال أشهدني اللَّه الساعة الشيخ حماد وقال لي: أسرع إلى مدرسة الشيخ عبد القادر (٣) وقل للمشايخ الذين فيها: صدق عبد القادر فيما أخبر به عني، فلم يتم كلامه حتى جاء الآخر، وأخبر بذلك، فقام المشايخ كلهم يستغفرون للشيخ عبد القادر، وكان بعض الصالحين يأتي قبر والده في بعض الأحيان، ويتحدث معه ويسمع بعض قرايب الشيخ الصالح بن عجيل يقول في قبره سورة النور والنجم. والأصفهاني طلع في جنازة بعض الصالحين، فلما جلس بعض الناس من أهل العلم يُلَقِّن الميت (٤) ضحك - وإن لم يكن ذلك عادة له، فسئل عن ذلك فقال:

стр. 1108

سمعت صاحب القبر يقول: ألا تعجبون من ميت يُلَقن حيًا؟! فصل ووقع منها أيضا انفلاق البحر (١) وجفافه. كما روي أنه مات بعض الفقراء في سمية، فأرادوا إلقاءه في البحر، فانشق نصفين ونزلت السفينة إلى الأرض، فحفر له قبر ودفن. ثم استوى الماء وارتفعت السفينة. وفي رسالة الأستاذ عن بعضهم مثله، وقال: فصار البحر جافا. فصل ووقع منها انقلاب الأشياء، كانقلاب الحصى جواهر وذهبا، وانقلاب البحر الأجاج عذبًا، ولبعضهم الرمل سويقًا وسكرا، والاسطوانة ذهبا وفضة (٢)، وحب الباذنجان ذهبا، ونشارة الخشب دقيقا، والحطب ذهبا، وغير ذلك مما هو مشهور عنهم، ووقع لبعضهم انقلاب الخمر سمنا، كما وقع للشيخ العارف عيسى الهناد وقد زوج بغيَّة ثابت (٣) على يديه لبعض الفقراء وقال: اعملوا الوليمة عصيدة، ولا تشتروا

стр. 1109

لها أدما. فأراد بعض من لا معرفة عنده أن يفضحهم، فأرسل إليه قارورتين مملوءتين خمرا، فخضهما الشيخ وصبهما، ثم قال للرسول: اجلس فكل، فأكل سمنا، فأرسل إلى من سلمهما فأكل وتاب. واشتهر عن كثير منهم أنه يأكل طعاما طيبا لم يتغير عن حاله من سماطات شوهدت كلها دما عبيطا، ما عدا الذي يأكل منه. وطلب بعض الناس من بعض الأولياء ولدا (١) ذكرًا فطلب منه الفقراء مائة دينار، فأحضرها، ثم جاء بعد مدة، قال يا سيدي إنها أتت بأنثى، فقال الشيخ: الدنانير ناقصة، كمِّلها يكمل لك، فكملها ثم راح فوجده ذكرا. ومر الشيخ عبد القادر -نفعنا اللَّه به- يوم جمعة، فإذا بالطريق ثلاثة أحمال خمر للسلطان (٢) ومعها صاحب الشرطة والأعوان، فقال لهم الشيخ قفوا، فلم يفعلوا، وأسرعوا في سوق بالدواب، فقال الشيخ للدواب: قفي، فوقفت وضُرِبَت فلم تتحرك، وأخذهم القولنج، فتابوا فزال عنهم، وانقلب الخمر خلا. فبلغ الخبر السلطان، فزار الشيخ وتاب عن كثرة المحرمات (٣).

стр. 1110

وروى بعضهم قال: بينما أنا أسير في فلاة من الأرض، إذا برجل يدور بشجرة شوك ويأكل منها رُطبا، فسلمت عليه فقال: وعليك السلام، تقدم وكل، فتقدمت، فكلما أخذت رطبا عادت شوكا، فتبسم وقال: هيهات، لو أطعمته في الخلوات، أطعمك الرطب في الفلوات. فصل ووقع فيها أيضا، زوى الأرض (١) لهم من غير حركة منهم، وهو كثير - وهو أفضل من الطيران في الهواء، والمشي على الماء، والحظوة للدنيا. وقد كان بعضهم في جامع طرسوس، واشتاق إلى زيارة الحرم، فأدخل رأسه في جيبه ثم أخرجها فإذا هو في الحرم. واجتمع جماعة في بعض البلدان البعيدة في يوم عرفة، فاغتسلوا وأحرموا، ثم سجدوا سجدة مكثوا فيها ما شاء اللَّه، ثم رفعوا رؤوسهم، وإذا هم ينظرون الجمال سائرة من منى إلى عرفة. وعن سهل بن عبد اللَّه التستري (٢) أنه توضأ في يوم جمعة وتخطى الناس إلى الصف الأول، وإذا بشاب حسن المنظر، طيب الرائحة عليه أطمار (٣) صوت، فقال: كيف تجدك يا سهل؟ قلت: بخير، وتعجبت من معرفته لي، فبينما أنا كذلك إذ أخذني عزق بول، وخفت التخطي (. . . .) (٤) فالتفت إليَّ وقال: يا سهل أخذك عزق البول؟ قلت: نعم، فنزع إحرامه من منكبه، فغشاني به حتى قال: اقض

стр. 1111

حاجتك، وأسرع، فغُمِيَ عليَّ، وفتحت عيني، وإذا بباب مفتوح، فدخلت، وإذا هو قصر عال. فتطهرت، فنزع إحرامه عني. فصليت، ثم تبعته، فقال يا سهل (١) من أطاع اللَّه أطاعه كل شيء، يا سهل اطلبه تجده، ثم غاب عني فلم أره. ويحتمل نقله من حكاية. وقد اشتهر عن الشيخ مفرح الدماميلي أنه رآه بعض أصحابه يوم عرفة بعرفة، ورآه بعض أصحابه في مكانه لم يفارقه، فحلف كل منهما بالطلاق (٢) من زوجته أنه كما ذكر، فاختصما إلى الشيخ، فلم يجبهما. لأن الولي إذا تحقق في ولايته، ومُكِّن من التصور في روحانيته يعطى من القدرة أن يُتَصَوَّر في صور عديدة في وقت واحد في جهات متعددة، فلا محال إذا. ويؤيده أن الكعبة المعظمة شوهدت تطوف بجماعة من الأولياء في أوقات، وفي أمكنة غير مكانها. وقد شوهد قضيب البان يصلي أربع ركعات في أربع صور، فلما سلم الإمام ضحك في وجه الفقيه الذي بجانبه، وقال له: أي الأربعة صلى معكم هذه الصلاة. وبهذا سُمَّوا أبدالا (٣) على أحد القولين؛ لأنهم إذا غابوا تبدل في مكانهم صور روحانية تخلُفه. وقد وقع لسيدي عبد القادر (٤) مثل ذلك، وأنه حضر في مجلسه أبو المعالي

стр. 1112

التاجر، وأنه حصل له حقنة شديدة فنزل إليه الشيخ من كرسيه مرقاة ظهر عليها رأس، ثم نزل أخرى، فظهر كتفان وصدر، وما زال ينزل مرقاة مرقاة حتى تكمل الكرسي صورة كصورته يتكلم على الناس بصوت كصوته، وجاء يشق الناس حتى وقف عليه، وغطى رأسه بكمه أو بمنديله، وإذا هو بصحراء فيها نهر عند شجرة. فعلق مفاتيح كانت في كفه، فأزال حقنته، وتوضأ وصلى ركعتين، فلما سلم رفع الشيخ الغطاء عنه، فإذا هو في المجلس، وأعضاؤه مبتلة بالماء (١) ولا حقنة به، والشيخ يتكلم على الكرسي، كأن لم ينزل، وتفقد مفاتيحه فلم يجدها معه، ثم بعد مدة جهز قافلة لبلاد العجم، وساروا من بغداد أربعة عشر يوما، ونزلوا منزلا في استراحة فيها نهر، فإذا بمفاتيحه معلقة على الشجرة. فعاد على الشيخ فأمسك بأذنه وقال: لا تخبر به وأنا حي (٢). قال بعض السادة، فما الشأن في الطيران، إنما الشأن في أخوين أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، فيشتاق كل منهما إلى زيارة الآخر فيجتمعان وكل واحد منهما على سجادة، ويتحدثان ثم يعودان إلى مكانهما من غير حركة منهما. وأخبرني بعض ثقات المقادسة عن بعض الأولياء من أهل حماة أنه قال: لي صاحبان إذا طلبت أحدهما ناديته من تحت الحصير، فإذا هو بالباب، والآخر يمر بخاطري، فإذا هو بالباب، ومن زوى البحر لهم ما وقع لابن الأزهر أنه قال: مكثت مدة أسأل اللَّه أن أرى أحد رجال الغيث، فرأيت في المنام كأني زرت قبر الإمام أحمد، وعنده رجل وقع في نفسي أنه منهم، فاستيقظت وأتيت قبر الإمام أحمد، وإذا هو بعينه، فتبعته، فلما وصل دجلة التقى كل طرفاها فعبرها، فأقسمت عليه أن يقف ليكلمني، فوقف، فقلت له: ما مذهبك؟ فقال: ﴿حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ فوقع عندي أنه حنفي المذهب (٣)، فجئت أخبر به الشيخ عبد القادر، فناداني من

стр. 1113

داخل داره: ما في المشرق والمغرب في هذا الوقت وليٌّ للَّه حنفي سواه. فصل ووقع لهم أيضا انفجار الماء كما وقع لأبي تراب النخشبي (١) فيما رواه الأستاذ في رسالته أن بعض أصحابه قال له بطريق مكة: أنا عطشان، فضرب برجله الأرض، فإذا عين ماء زلالي، فقيل له: إنا نحب أن نشربه في قدح، فضرب بيده الأرض وناوله قدحا من زجاج أبيض، فما زال معنا. وجاء السيد أبو عبد اللَّه القرشي (٢) إلى بئر من آبار منى بركوته وهو عطشان، فرمى بركوته وضرب بيده فأخذها، فوجدها في بركة ماء حلو، فاستقى وأسقى، وأعلم أصحابه فلم يجدوا لها أثرا. وركز بعض الفقهاء عكازه، فنبع الماء (٣) من تحتها وملئ. فصل ووقع لهم أيضا كلام الجمادات والحيوانات لهم. من ذلك الحكاية المشهورة عن محمد بن المبارك الصوري في مخاطبة شجرة الرمان

стр. 1114

لإبراهيم بن أدهم (١) في طريق بيت المقدس، وقولها له: يا أبا إسحاق أكرمنا بأن تأكل منا، قالت ذلك ثلاثًا، وكانت شجرة قصيرة، ورمانها حامضا، وتحمل في السنة مرة، فلما أكل منها صارت طويلة، ورمانها حلوا، وتحمل في السنة مرتين، فسموها رمانة العابدين لإيوائهم إلى ظلها. وقال الشبلي (٢): عقدت أن لا آكل إلا من الحلال، فكنت أدور في البراري، فرأيت شجرة تين، فمددت يدي إليها لآكل، فنادتني الشجرة: احفظ عليك عقدك، ولا تأكل مني، فإني ليهودي. وقال أبو عبد اللَّه القرشي (٣) بينما أنا أسير على بعض السواحل إذ خاطبني حشيشة، أنا شفاء هذا المرض الذي بك، فلم أتناول منها ولم أستعملها. وعن بعضهم أنه قال: كلمني جمل بالطريق، طريق مكة، رأيت الجمال والمحامل عليها، وقد مدت أعناقها ليلا. فقلت: سبحان اللَّه، من يحمل عنها ما هي فيه؟ فالتفت إليَّ جمل فقال لي: قل جل اللَّه، فقلت: جل اللَّه. وعن بعضهم أنه كان يضرب رأس حمار تحته، فرفع الحمار رأسه وقال: اضرب أو لا تضرب، إنما تضرب على رأسك. وشاهد ذلك الحديث الصحيح بكلام البقرة (٤) التي كلمت صاحبها، وقالت:

стр. 1115

إنما خلقت للحرث، وقال في آخره: آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر (١) وهذا لما قال الناس: سبحان اللَّه، أبقرة تتكلم؟ وعن أبي الربيع المالقي، قال: قيض اللَّه لي طائرا في بعض الأسفار يبيت يسامرني، فكنت أسمعه الليل كله ينطق: يا قدوس يا قدوس، فإذا أصبح صفق بجناحيه، وقال: سبحان الرزاق، وطار. وعن بعضهم أنه كان يأتيه طير بمكة ويحادثه، فلما كان ذات يوم أتاه وقال له: موعدي وموعدك الشام. فاجتمع به بعد ذلك في الشام، وبشر طير أبا مسلم (٢) بسلامة السرية وقدومها. فصل ووقع لهم أيضا إبراء العلل. وهو كثير جدا، ومنها إبراء يعقوب بن الليث الولي على يد سهل (٣) بعد إطلاقه كل من كان في سجنه، وقال: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة. فعرض مالًا عليه، فأبى قبوله، فعوتب، فنظر إلى الحصى في الصحراء، فإذا هي جواهر. فقال: من أُعطي مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب؟! ومن ذلك ما روي عن السري السقطي (٤) قال: مررت ببعض الجبان، فإذا أنا

стр. 1116

بجمله زَمِنًا وعميا ومرضا، فسألتهم عن حالهم فقالوا: ههنا رجل يخرج في السنة مرة يدعو لهم فيجدون الشفاء. فضرب له حتى خرج ودعا لهم، فشفوا، فتعلقت به، وقلت: علة باطنة فما دواؤها؟ قال يا سري خل عني، فإنه غيور، لا يراك تسكن إلى غيره فتسقط من عينه. ومنها الحكاية المشهورة عن الزَّمْنَاء التي سألت بحرمة ضيفها أن تعافى منها، فقامت تمشي باقي الليل، فلما رآى أهلها ذلك طلبوا الضيف، وكان صبيا حمالا في السوق، بات عندهم، فلم يجدوه، والأبواب مغلقة. ودعي سيدي عبد القادر إلى منزل تاجر، وقيل له: بحق جدك إلا ما حضرت، فقال: حتى يؤذن لي، ثم سكت ساعة، وقال: نعم، فحضر، فمد السماط ووضع في آخر سلة. ولم يأكل أحد، ثم أمر بإحضار السلة، وإذا فيها ولد الداعي أكمه (١) مقعد مجذوم مفلوج (٢) فقال له الشيخ: قم بإذن اللَّه معافى، فغدا لا عاهة به، فصاح الحاضرون، فخرج الشيخ ولم يأكل شيئا. ووقع مثل ذلك في ميعاده، امتحنه به بعض الرافضة (٣) فعوفي، وماتوا ومات في ذلك المجلس ثلاثة، ومات في بعض مجالسه سبعة. وجاء شخص إلى أحمد بن عجيل العارف، وفي يده سلعة (٤) فقال: ادع اللَّه أن يزيلها عني وإلا ما بقيت أحْسِن ظني بأحد، فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه (٥)، ومسح على يده وربطها فزالت.

стр. 1117

فصل ووقع لهم أيضا إطاعة الأشياء؛ فكثير منهم حرسته السباع، وبعضهم حمل عليها زاده، وبعضهم حطبا، منهم أبو الخير بن جميل العارف، فإن أسدا افترس حماره، فقال: وعزة المعبود ما أُخطي خطوة إلا على ظهرك، فخضع وحمله. ووقع ذلك لابن شعوانة (١) أيضا، وقال: باللَّه يا أماه إلا ما وهبتيني للَّه، فقالت: إنك لا تصلح الآن، فلما رأت ذلك منه قالت: الآن صلحت لذلك. وروي أن شاهًا الكرماني (٢) خرج يتصيد، وإذا بشاب راكب على أسد، وحوله جماعة منهم، فلما رأوه ابتدروه، فزجرهم، ثم جاءت عجوز بماء فشرب الشاب، ثم أسقى شاهًا. فقال: هذه الدنيا، وكَّلها اللَّه أن تخدمني، فما احتجت لشيء إلا أحضرته حين يخطر ببالي، أما بلغك أن اللَّه تعالى لما خلق الدنيا قال لها: يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه (٣) ووعظه. وكان ذلك سبب توبته وخروجه من الملك (٤). والحكاية المشهورة في الفقهاء الذين عابوا على الإمام في لحنه، وحصل لهم جنابة، فنزلوا فاغتسلوا، وإذا الأسد على ثيابهم حتى جاء الإمام فزجره وقال: أنتم اشتغلتم بإصلاح الظاهر فقط. وكانت السباع تأوي إلى بيت سهل فيطعمها.

стр. 1118

وجاء إبراهيمَ الخواصَّ (١) سبُعْ يعرج، فأزال عنه ما يكره، فعاوده ومعه شبلاه، فبصبصا له وحملا بين يديه رغيفين. وشوهد أن حية كانت تنش على ابن أدهم (٢) بالنرجس وهو نائم في البستان فطيبته. كانت تأتي بعضهم فيشرب من لبنها في بعض البراري. وطيور كانت تؤانسهم في البراري، وتحمل إليهم أنواع الثمار. وقال الفقيه إسماعيل الحضرمي يوما لخادمه وهو في سفر: قل للشمس تقف له حتى يصل إلى منزله وكان في مكان بعيد، وقد قرب غروبها. فقال الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل قفي له، فوقفت حتى بلغ مكانه، ثم قال للخادم: أما تطلق ذاك المحبوس، فأمرها الخادم بالغروب، فغربت، فأظلم الليل في الحال. ومن طاعة الجن (٣) لهم أن شخصا جاء إلى سيدي عبد القادر، ذكر أن ابنة له اختطفت فقال له: اذهب إلى خراب الكوخ، وخط دائرة في الأرض، وقل: بسم اللَّه على نية عبد القادر، فإذا كان فحمة العشاء فسيمر بك طوائف من الجن (٤) فلا

стр. 1119

يهولنك، فإذا كان السحر أتاك ملكهم، ويسألك، فقل له: بعثني عبد القادر إليك، فاذكر له حاجتك، ففعل فأتاه الملك، وقال: يا إنسي ما حاجتك؟ قلت: بعثني الشيخ عبد القادر إليك، فنزل عن فرسه وقبل الأرض، وجلس خارج الدائرة، وقال له: ما شأنك؟ فلما أخبره، وأخذها مارد من الصين، وضرب عنقه وقال: إن اللَّه إذا أقام قطبا مكنه من الإنس والجن. فصل وروي أن بعض الملوك الكفار قال لبعض الشيوخ أظهر لي آية وإلا قتلت الفقراء، فأظهر له البعر ذهبا، والركوة الفارغة مملوءة ماء، وتُلَّتْ على أعلاها، فلا يسقط منه شيء، فقيل: هذا سحر. فدخل النار حال وجده (١). في السماع، وخرج منها ومعه ابن الملك في يده تفاحة، والأخرى رمانة، وأخبر الولد أنه كان في بستان، وقيل هذا أيضا سحر. فأُسقِي سما (٢) فتقطع ما عليه من الثياب، ثم ألقى عليه أخرى، وهكذا مرات، فتقطعت وخرج عرقا، فآمن إذ ذاك. وامتحن بعض المشايخ وطبخ لهم لحم ميتة ولحم مُذَكَّى. فقام الشيخ وجعل المذكى للفقراء، والميتة إلى جهة الملك وقال: الخبيث للخبيث والطيب للطيب. وقدم بعضهم طعاما غير طيب لسيدي الشيخ أبي العباس المرسي (٣) ليمتحنه،

стр. 1120

فقال له: إن كان على يد الحارث المحاسبي (١) عرق يضرب عليه إذا لم يكن الطعام طيبا، فعلى يدي ستون عرقا كذلك فاستغفر اللَّه. وقصة مزيد الدين مع البرهمي الذي ارتفع في الهواء، فارتفع إليه نعلي الشيخ ولم يزل يضرب رأسه ويصفعه حتى وقع على الأرض منكسا. مشهورة: وكذا قصة الشيخ بهاء الدين السدي صاحب السهر، وروي مع البرهمي الذي جاء إليه، وارتفع في هواء مجلسه فارتفع الشيخ حينئذ في الهواء، ودار في جوانب المجلس فأسلم البرهمي لعجزه عن ذلك لقدرتهم على الارتفاع دون الدوران. وكذا قصة البرهمي مع ابن خفيف (٢) قال له: تعال نصبر على الطعام أنا وأنت أربعين يوما، فعجز ووفى ابن خفيف. وكذا قصته معه في المكث مدة في الماء، فمات وصبر الشيخ. ورعى بعضهم جماعة من أهل الخير في مكان واقع كيدا لهم، فباتوا ليلتهم أجمع، فلما خرج الشيخ بجماعته قال للدار: هذا وقتك فوقعت. واستأذنت بعض نساء الأمراء زوجها للخروج ليلا، فخرجت وخرج خلفها إلى أن حضرت سماعا فرأى النساء (٣) بقرب الرجال فأنكر، ثم إنه أخذه حرقان بول،

стр. 1121

فقعد للبول فوجد فرجه فرج امرأة، فتحير، فلما فرغ السماع قال له الشيخ: هكذا يكون الفقراء إذا جلس لهم النساء، فاستغفر اللَّه ودعا له الشيخ، فعاد إلى حالته. واشتهر في بلاد اليمن أن غِلْمان السلطان جاءوا إلى أرض لبعض الشيوخ ليمسحوها لأجل الخراج السلطاني، فخرجت عليهم منها ثعابين، فولوا هاربين وتركوه، ووقع ذلك لبعض أولاد أولاده. وأُخِذَت بقرة لهم فالتوى ثعبان على من أراد حلبها فردها. وأشيع عن بعض الشيوخ موت السلطان فبعث إليه وقال: أنا إذًا حي، فقال: إنما قال هذا الشيخ الفلاني وهو كما قال، ثم خرج فوقعت الدار على السلطان فمات، وقيل قتل. ولما قيل للشيخ أبي المغيث إن بعض الملوك قتل خادمه بسبب أنه ضرب بعض غلمان السلطان قال: وللحراسة أنا أنزل على الميسان، يعني خُصَّ الحارس، وأنزل الزرع، فقتل السلطان في الحال، فجاء ولده المظفر مستغفرًا جاعلًا نعله على رأسه، فقال له الشيخ: ما تطلب؟ قال: المُلك. قال: ولَّيتك فاستقر سلطانا. وحصل لبعض أصحاب الشيخ محمد بن عمر النهاوي اليمني عدوان من بعض ملوك العرب. فاستغاث بالشيخ، فكتب إليه بما ينعى نفسه فمات بعد جمعة. ومشى الشيخ على الطواسي اليمني إلى صلاة الجمعة فسبَّه (١) شخص فأراد بعض أصحابه التعرض إليه، فقال الشيخ: دعوه، معه ما يكفيه، فاشتعلت فيه نار في الحال. فصل عن بعض الصالحين قال: خرجت يوما أقصد البرية على نية السلعة والخلوة مع اللَّه. فسرت ثلاثة أيام، فلما كان الرابع أدركني في باطني قلق وزيادة حركة في

стр. 1122

ظاهري. فبينما أنا كذلك لم أشعر إلا برجلين كهلين حسنين سلما عليَّ فرددت عليهما¬ السلام، فقالا لي: ما اسمك؟ فقلت عبد اللَّه، فقال أحدهما: ونحن عبيد اللَّه نقصد اللَّه، فمشينا جميعا، فلما كان وقت الظهر، نظر إليَّ أحدهما وقال: هو الوقت؟ قلت نعم. فقال: فصلِّ إماما. قلت: تحملا عني ذلك. فصلى بنا أحدهما وتركع كل واحد منا، فقدَّم الذي أَمَّ بنا طبقا عليه قطف من عنب وتين لم أر أحسن منه، وقال: بسم اللَّه، فأكلنا ومشينا، فلما كان اليوم الثاني صلى بنا الآخر إماما، ثم حضر مثل ذلك فأكلنا وانصرفنا. فلما كان اليوم الثالث صليت بهما وقلت: اللهم إنك ولي النعم من غير استحقاق، وأنا عبدك الضعيف غير مستحق للنعم، قد رجعت إليك فيما أقصده، إنك على كل شيء قدير (١)، وإذا بالطبق بعينه وفيه رمان بزيادة، فأكلنا ثم انصرفنا، ثم أقمنا على ذلك أربعين يوما، كل يوم كذلك. فلما كان بعدها قالا: (الخليفة) (٢) عليك اللَّه. قلت: وعليكما. وانصرف كل منا، ولم يسأل صاحبه عن شيء، ثم بقيت بعد ذلك مدة، والنعم متوافرة زائدة وللَّه الحمد. فصل عن محمد بن المبارك الصوري، قال: كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرة رمان، فصلينا ركعات، فسمعت صوتا من أصلها: يا أبا إسحاق أكرمنا بأن تأكل منا شيئا، فطأطأ إبراهيم رأسه (٣) فقال ذلك الصوت ثلاثا: يا محمد كن شفيعا إليه ليتناول منا. فقلت: يا أبا إسحاق لقد سمعت، ققام وأخذ رمانتين فأكل واحدة وناولني

стр. 1123

الأخرى، فأكلتها، وهي حامضة، وكانت شجرة قصيرة. فلما رجعنا من زيارتنا إذ هي شجرة عالية، ورمانها حلو، وتثمر في كل عام مرتين. وسميت رمانة العابدين لإيوائهم إلى ظلها. فصل قال بعضهم: كنت مع ذي النون (١) بالبادية، فنزلنا تحت شجرة أم غيلان فقلنا: ما أطيب هذا الموضع لو كان فيه رطب. فتبسم ذو النون وقال: تشتهونه؟ فحركها وقال: أقسمت عليك بالذي ابتداك وخلقك إلا نثرت علينا رطبا جنيا. ثم حركها، فنثرت رطبا جنيا، فأكلنا وشبعنا. ثم نمنا وانتبهنا، وحركناها، فنثرت علينا شوكا. فصل قال بعضهم: دخلت على أبي علي أبي الخير فناولني تفاحتين فجعلتهما في جيبي وقلت: لا آكل منهما شيئا، وأتبرك بهما. فكانت تجري علي أوقات ولا آكلهما حتى أجهدتني الطاقة. فأخرجت واحدة فأكلتها، ثم أدخلت يدي لأخرج الأخرى، فإذا بالتفاحتين مكانهما، فما زلت آكل منهما حتى دخلت الموصل. فجزت على خراب، وإذا بعليل ينادي من داخل الخراب: أشتهي تفاحة، ولم يكن تفاح، فأخرجت التفاحتين فدفعتهما إليه فأكل ومات، فعلمت أن الشيخ إنما أعطاهما من أجله. فصل عن بعضهم قال: كنت جالسا بمسجد المدينة ومعي رجل من أهل البحرين يقال له خير، فدخل من باب المسجد سبعة أنفس، فقال لي خير: الحق القوم، لا يفوتوك، فإنهم أولياء اللَّه، فقمت خلفهم، فإذا هم عند قبر رسول اللَّه ﷺ (٢).

стр. 1124

فتقدمت إليه، فالتفت واحد منهم، فداخلني الرعب حتى (بلت) (١)، فخرج القوم وخرجت، فقال لي واحد منهم دعه لعل اللَّه يجبره فيلحق بالقوم. قال: فسرت معهم، فكنت ونحن نسير في الجبال كأن الأرض والجبال تطوى، وللأرض دوي، ونرى الكنوز تظهر وتغيب إلى أن وصلنا إلى وادٍ كثير الشجر والنبات، وإذا بأقوام يصلون بواد نحوا من سبعين رجلًا، فبتنا فيه، فلما أصبحنا وطلعت الشمس قمنا فإذا نحن بمدينة عليها سور أسس من حجارة، قطعته واحدة، ونهر عظيم يدخل إليها وليس بالمدينة باب إلا من الموضع الذي يدخل منه الماء، وعليه شباك من ذهب. فدخلنا إليها جميعا، ونحن مائة رجل فإذا فيها قباب من ذهب وتحتها عمد من ذهب وفضة، وفيها أنهار من ذهب يجري فيها الماء، وأشجار بين القباب مثمرة وأرضها مغروس بالريحان، وفيها طيور من كل نوع وثمار كثيرة. وزن كل تفاحة نحو خمسة أرطال بالبغدادي، وتلك الفاكهة (٢) تشبه فاكهة الدنيا طعما ولونا ورائحة، فأكلنا من التفاح وغيره. وكان أحدنا يأكل في الوقت مائة ومائتين ولا يشبع من التفاح والسفرجل والرمان والكمثرى، ومن كل نوع من الثمار إلا النخل. فأقمنا بها أربعين يوما ليس لنا فيها عمل إلا الصلاة والأكل، ولا نحتاج إلى وضوء ولا شرب ماء ولا نوم (٣).

стр. 1125

فلما كان بعدها خرجنا منها فأخذت ثلاث تفاحات فلم يمنعوني، فخرجنا من موضع دخولنا وسرنا ساعة، فقالوا: أين تريد نوديك؟ قلت: إلى موضعي. وسألتهم عن اسم المدينة، فقال واحد منهم هذه مدينة الأولياء، خلقها اللَّه نزهة لأوليائه في الدنيا، فمرَّة تظهر لهم باليمن، ومرة بالشام، ومرة بالكوفة، ولم يبلغ هذه المدينة من لم يبلغ الأربعين غيرك، فلما كان بعد ساعة انتهينا إلى موضع فقلت ما هذا الموضع؟ فقال: اليمن. وكنت آخذ من التفاح قطعة فما أحتاج إلى طعام أياما كثيرة، ولم يزل معي التفاح، آكل منه حتى قدمت مكة فأعطيت الكتاني (١) منه واحدة. فلقيني في اليوم الثاني فقال: لم فعلت هذا، ولم حدثت بما رأيت؟ قد أخذنا ما أعطيت الكتاني ورجعناه مكانه، فلقيت الكتاني فقال: كانت عندي في حُق فذهبت لآكل منها فلم أجدها. فصل عن بعضهم قال: سافرت شرقا وغربا في طمع أن أكتحل بالبدلاء، فوافيت ساحل البصرة عشيا فتيامنت (٢) الطريق، وقربت منه لأكون قريبا من الماء، فرأيت عشرة نفر قعودا على السجادات لم أر معهم الركاء (٣) والآلات التي تكون مع الصوفية، فقاموا واستقبلوني وعانقوني، ثم جلسوا مطرقين لا ينظر بعضهم إلى بعض إلى وقت الغروب. فقام واحد منهم ودخل البحر، ولم أعلم كيف كان حاله، غير أنه أتى بإحدى عشرة سمكة مشوية، ولم أر نارا ولا حطبا. فقام واحد منهم وطرح عند كل واحد سمكة، وتفرد هو بسمكة أعظمها، ثم تفرقوا، واشتغل كل واحد بحاله. فلما دنا الصبح أذن وصلوا جماعة، وأخذوا سجادتهم ومشوا على الماء، فأراد خادمه الذي جاء بالسمك واختص بأعظمها أن يتبعهم فغاص في البحر، فالتفتوا إليه وقالوا يا فلان من خاننا فليس منا، فتحسر على فراقهم، فأخذت الركوة ومشيت وتركته في موضعه.
следующие страницы →