← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مجلس في اليقين والتوكل وحقيقته الاعتماد على اللَّه لشهوده تفرده بالتدبير والتأثير، وأن لا حول ولا قوة إلا به، ويترتب عليه التفويض دون الإضاعة، وخلع الأسباب دون إسقاطها، والثقة باللَّه دون الغرة به عجزًا وحمقًا، والسكون إلى اللَّه دون مساكنة السبب، ومناولة الرضا بالقدر (١)، والاتصاف بذلك كله حالًا وذوقًا، ودعاء الاستخارة (٢) جامع لوظائف المتوكل الثلاث، وهي: العلم، والحال، والعمل، فليحتفل به. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ (٣). فلما رأوا الوقائع قوي إيمانهم، وأناطت الدوافع. وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٤) الآية. فلما سمعوا التهويل زادهم، وألهجهم بالحسبلة والتسليم، فعقب ذلك الجميل. وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٥).

стр. 107

وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) أي لا يتوكلون على غيره. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٣) فأُمر به. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٤). وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥) أي كافيه. وقال: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٦) فالتوكل شأنهم. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٧). وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ (٨). وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٩). وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ (١٠). وقال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (١١). وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١٢). وقال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١٣). وقال: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ (١٤) الآية. وقال: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (١٥). وأما الأحاديث فكثيرة، نذكر منها أحد عشر حديثًا: أولها: حديث ابن عباس: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب" قيل: ومن هم؟ قال: "الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم

стр. 108

يتوكلون" (١) أخرجاه. ثانيها: حديثه أيضًا: أنه ﵇ كان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" (٢) أخرجاه أيضًا. ثالثها: حديث جابر في الأعرابي الذي اخترط (٣) السيف، وقال: من يمنعك مني؟ قال: "اللَّه"، زاد الإسماعيلي في صحيحه: فسقط السيف من يده، فأخذه رسول اللَّه ﷺ فقال: "ومن يمنعك مني؟ " فقال: كن خير آخذ، قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه" فقال: لا، ولكني أعاهدك أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس. (٤) رابعها حديث ابن عباس قال: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل. رواه البخاري (٥). وفي رواية له: إنها آخر كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار. (٦). خامسها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يدخل الجنة من أمتي أقوام أفئدتهم مثل

стр. 109

أفئدة الطير" (١) رواه مسلم. قيل معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة، فشبّه فؤاد المتوكل بأفئدة الطير، لخلوها من الاهتمام بالرزق، ومحله القلب. سادسها: حديث عمر مرفوعًا: "لو أنكم تتوكلون على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدوا خماصًا (٢) وتروح بطانا". رواه الترمذي (٣) وحسنه. ومعناه تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع، وتروح بطانًا أي ترجع مليئة البطون. سابعها: حديث البراء مرفوعًا: "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا" (٤) أخرجاه، وفي رواية لهما: "واجعلهما آخر ما تقول". ثامنها: حديث الصديق ﵄: "نظرت إلى أقدام المشركين، ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول اللَّه، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللَّه ثالثهما" أخرجاه (٥).

стр. 110

تاسعها: حديث أم سلمة: أنه ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: بسم اللَّه توكلت على اللَّه، اللهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضَلَّ، أو أذل أو أذل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليَّ" (١) رواه أبو داود والترمذي وصححه. عاشرها: حديث أنس مرفوعًا: "من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم اللَّه توكلت على اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، يقال له: كُفيت ووُقيت، وتنحى عنه الشيطان" رواه أبو داود والترمذي وصححه. (٢). وفي أبي داود: "فيقول -يعني الشيطان- لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ ". الحادي عشر: حديثه أيضًا قال: "كان أخوان على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فكان أحدهما يأتي رسول اللَّه ﷺ ، والآخر يحترف، فشكى المحترف أخاه إلى الرسول ﷺ فقال: "لعلك ترزق به" (٣) رواه الترمذي بإسناد على شرط مسلم. ولنذكر من الحكايات ما يليق بهذا الموطن: الأولى: عن عبد الواحد بن زيد قال: كنا في مركب، فطرحتنا الريح إلى جزيرة، وإذا فيها رجل يعبد صنمًا، فقلنا له: من تعبد؟ فأومأ إليه، فقلنا: إن إلهك هذا مصنوع، عندنا من يصنع مثله، ما هذا بإله يُعبد، فقال: أنتم من تعبدون؟ قلنا: نعبد الذي في السماء عرشه، وفي الأرض بطشه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه، تقدست أسماؤه، وجلت عظمته وكبرياؤه، قال: وما علمكم بهذا؟ قلنا: وَجَّه إلينا الملك رسولا كريمًا فأخبرنا بذلك، قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: لما أدى الرسالة قبضه الملك إليه، واختار له ما لديه، قال: فهل ترك عندكم من علامة؟ قلنا: نعم؛ ترك عندنا كتاب الملك، قال: فأروني كتابه، فإنه ينبغي أن تكون كتب الملوك حسانًا، فأتيناه بالمصحف، فقال: ما أعرف هذا، فقرأنا عليه سورة، فلم يزل يبكي حتى ختمناها، فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يُعصى، ثم أسلم وحسن إسلامه، وعلمناه شرائع الدين وسورًا من القرآن، فلما كان الليل صلينا العشاء،

стр. 111

وأخذنا مضاجعنا، فقال: يا قوم هذا الملك الذي دللتموني عليه ينام إذا جنَّهُ الليل؟ قلنا: لا، هو حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، قال: فبئس العبيد أنتم؛ تنامون ومولاكم لا ينام، فأعجبنا كلامه، فلما قدمنا عبادان، قلت لأصحابي: هذا قريب العهد بالإسلام، فجمعنا له دراهم وأعطيناه، فقال: ما هذا، لا إله إلا اللَّه، دللتموني على طريق لم تسلكوها، إذا كنت في جزيرة من جزائر البحر أعبد صنما من دونه، فلم يضيعني، وأنا لا أعرفه، أفيضيعني الآن وأنا أعرفه؟!! فلما كان بعد ثلاثة أيام قيل لي: إنه في الموت فأتيته، فقلت له: هل لك من حاجة؟ قال: قد قضى حوائجي من جاء بكم إلى الجزيرة، فغلبتني عيني، فرأيت روضة خضراء بها قبة، وفي القبة سرير وعليه جارية حسناء لم يُر أحسن منها، وهي تقول: باللَّه إلا ما عجلتم به إليّ، فقد اشتد شوقي إليه، فاستيقظت فإذا به قد فارق الدنيا، فغسلته وكفنته وواريته في التراب، فلما كان الليل رأيته في منامي في تلك القبة، وهو إلى جانب الجارية، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] الآية. الثانية: قال عبد اللَّه بن أبي نوح: لقيت رجلا من العبَّاد في بعض الجزائر منفردًا، فقلت: يا أخي ما تصنع هنا وحدك، أما تستوحش؟ فقال: الوحشة في غير هذا الموضع أعم، قلت: كم أنت هاهنا؟ قال: منذ ثلاثين سنة، قلت: من أين المطعم؟ قال: من عند المنعم، قلت: فما هنا بالقرب منك شيء تعول عليه إذا احتجت إلى المطعم، ورجعت إليه؟ قال: ما همك بما قد كفيته، وضُمن لك؟ قلت: أخبرني بأمرك؟ قال: ما لي أمر غير ما ترى؛ أظل في هذا الليل، وهذا النهار متوكلا على من لا تأخذه سنة ولا نوم، ثم صاح صيحة أفزعتني فوثبت، وسقط مغشيًا عليه، فتركته على تلك الحالة ومضيت، رحمه اللَّه تعالى، ونفعنا به. وأنشدوا في هذا المعنى: حقيقة العبد عندي في توكله … سكوت أحشائه عن كل مطلوب وإن تراه لكل الخلق مُطَّرحًا … يصون أسراره عن كل محبوب الثالثة: حكى الأصمعي -رحمه اللَّه تعالى- قال: أقبلت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة، فبينا أنا في بعض سككها إذ طلع أعرابي على قعود متقلدًا سيفه، وبيده قوس، فدنا وسلم، وقال لي: من الرجل؟ قلت: من بني الأصمع، قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟! قلت: نعم، قال: اتل عليَّ شيئًا منه، فقلت له: انزل عن قعودك، فنزل، فابتدأت سورة والذاريات، حتى انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ

стр. 112

وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (١) قال: يا أصمعي، هذا كلام الرحمن ؟ قلت: إي والذي بعث محمدا ﷺ للخلق، إنه لكلام الرحمن، أنزله على نبيه محمد ﷺ فقال: حسبك، ثم قام إلى راحلته فنحرها، وقطعها بجلدها، وقال: أعني على تفريقها، ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرها، وجعلهما تحت الرمل، وولى مدبرًا نحو البادية وهو يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (٢) فأقبلت على نفسي باللوم وقلت: لم لا تنتبهي لما انتبه له الأعرابي، فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة، فبينا أنا طائف بالكعبة، إذا هتف بي هاتف بصوت رقيق، فالتفت فإذا بالأعرابي نحيل مصفار، فسلم عليّ، وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام، وقال لي: اتل كلام الرحمن، فأخذت في سورة والذاريات، فلما انتهيت إلى قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] صاح الأعرابي، وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، ثم قال: وغير هذا، قلت: نعم؛ يقول اللَّه : ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (٣) فصاح الأعرابي: من أغضب الجليل حتى حلف، ألم يصدقوه حتى ألجأوه إلى اليمين؟!! قالها ثلاثا، فخرجت نفسه - رحمه اللَّه تعالى. الرابعة: عن بشر الحافي ﵀ أنه جاء نفر فسلموا عليه، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن من الشام، جئنا نسلم عليك، ونريد الحج، فقال: شكر اللَّه لكم، فقالوا: نخرج معك لنحج في صحبتك، فأبى، فألحوا عليه، فقال: إذا عزمتم على ذلك فيكون بثلاثة شروط، قالوا: وما تلك الشروط؟ قال: لا نحمل معنا شيئًا، ولا نسأل أحدًا شيئًا، وإن أعطينا لا نقبل، قالوا: لا نستطيع ذلك، فقال: كأنكم خرجتم من بيوتكم متوكلين على مزاود الحجاج، لا متوكلين على اللَّه، دعوني وحالي، وروحوا إلى أشغالكم، ثم قال: أحسن الفقر ثلاثة: فقير لا يسأل، وإن أعطي لا يأخذ، فذاك من الروحانيين، أو قال: مع الروحانيين، وفقير يسأل وإن أعطي لا يأخذ، قيل قدر الكفاية، فكفايته صدقة، وفقير لا يسأل، وإن أعطي قبل فذاك من الذين يوضع لهم موائد في حضرة القدس. فائدة: قيل: دخل جماعة على أبي القاسم الجنيد (٤) -رحمه اللَّه تعالى- فقالوا

стр. 113

له: نطلب أرزاقنا؟ فقال: إن علمتم أين هي فاطلبوها، فقالوا: نسأل اللَّه ذلك، فقال: إن علمتم أنه ينساكم فاذكروه، فقالوا ندخل بيوتنا ونتوكل، فقال: التجربة مع اللَّه شك، قالوا: فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة. الخامسة: عن بعضهم قال: رأيت فتى في طريق مكة يتبختر في مشيته، كأنه في صحن داره، فقلت له: ما هذه المشية؟ فقال: مشية الفتيان؛ خُدَّام الرحمن. وأنشدوا: أتيه بك افتخارًا غير أني … أتيه من المهابة عند ذكرك ولو أني قدر لمُت شوقًا … وإجلالا لأجل عظيم قدرك فقلت: أين زادك وراحلتك؟ فنظر إليَّ منكرًا لقولي، ثم قال: يا هذا رأيت عبدًا ضعيفًا قصد مولى كريمًا، ثم حمل إلى بيته طعاما، أيجمل به ذلك لو فعل ذلك لأمر الخدَّام بطرده عن بابه؛ إن المولى -جلّت قدرته- لما دعاني إلى المقصد إليه، رزقني حُسن التوكل عليه، ثم غاب عني، فما رأيته بعد ذلك رحمة اللَّه عليه. السادسة: حكي أن عابدًا اعتكف في مسجد، ولم يكن له معلوم، فقال له الإمام: لو اكتسبت لكان خيرًا لك وأفضل، فلم يجبه حتى أعاد عليه القول ثلاثًا، فقال له في الرابعة: بجوار المسجد رجل يهودي قد ضمن لي في كل يوم رغيفين، فقال: إن كان صادقًا في ضمانه فقعودك في المسجد خير لك، فقال: يا هذا، لو لم تكن إماما بين اللَّه -تعالى- وبين عباده مع هذا النقص في التوحيد لكان خيرًا لك؛ تفضل ضمان اليهودي على ضمان اللَّه وأنشدوا في هذا المعنى لعلي بن أبي طالب ﵄: لتطلب رزق اللَّه من عند غيره … وتصبح من خوف العواقب آمنًا وترضى بصراف وإن كان مشركا … ضمينا ولا ترضى بربك ضامنا السابعة: عن علي بن عبدان ﵀ قال: كان عندنا مجنون يُجنُّ بالنهار، ويفيق بالليل، ويصلي وينادي ربه إلى الصباح، فقلت له يومًا: منذ كم جننت؟ قال: مذ عرفته، ثم أنشد يقول: أنا الذي ألبسني سيدي … لما تعريت لباس الوداد فصرت لا آوي إلى مؤنس … إلا إلى ممالك رزق العباد قال: فخرجت فإذا به ذاهب العقل، فدخل وقال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (١)، فقلت: إنه جائع، فقدمت له طعاما، فأكل ثم شرب، فأنشأ يقول:

стр. 114

عليك اتكالي لا على الناس كلهم … وأنت بحالي عالم ليس تعلم وأقسمت أني كلما جعت سيدي … ستفتح لي بابًا فأُسقى وأطعم فقلت له: أوصني بوصية، فأنشأ يقول: الزم الخوف مع الحزن … وتقوى اللَّه تربح واترك الدنيا جميعًا … إن تقوى اللَّه أرجح واجتهد في ظلمة الليل (١) … إذا ما الليل أجنح واقرع الباب إليه … فلعل الباب يفتح الثامنة: قال بنان الحمال -رحمه اللَّه تعالى-: كنت في طريق مكة ومعي زاد، فجاءتني امرأة وقالت: يا بنان أنت حمال تحمل على ظهرك، وتظن أنه لا يرزقك؟ قال: فرميت بزادي، ثم أتى عليّ ثلاثة أيام لم آكل، فوجدت خلخالا في الطريق، فقلت في نفسي: أحمله حتى تأتي صاحبته، فربما تعطيني شيئًا، فإذا بتلك المرأة فقالت: أنت تاجر تقول: حتى تجيء صاحبته، وآخذ منها شيئًا، ثم رمت إليّ بشيء من الدراهم وقالت: انفقها، فاكتفيت بها إلى قريب مصر. وأنشدوا: كم من قوي قوى في تقلبه … مميز الرأي عنه الرزق منحرف وكم ضعيف ضعيف في تقلبه … كأنه من ملح البحر يغترف هذا دليل على أن الإله له … في الخلق سرٌّ خفي ليس ينكشف التاسعة: حكي عن الشيخ أبي يعقوب البصري -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: جُعت مرة في الحرم عشرة أيام، فوجدت ضعفًا، فحدثتني نفسي أن أخرج إلى الوادي، لعلي أجد شيئًا يسكن به ضعفي، فخرجت فإذا سلجمة مطروحة فأخذتها، فوجدت منها في قلبي وحشة، وكأن قائلا يقول لي: جعت عشرة أيام فآخره يكون حظك سلجمة (٢) مطروحة متغيرة، فرميت بها ودخلت المسجد، فقعدت فإذا برجل جاء فجلس بين يدي، فوضع قمطرة وقال: هذا لك، فقلت: كيف خصصتني بها؟ قال: اعلم أنا كنا في البحر منذ عشرة أيام، فاشرفت السفينة على الغرق، فنذر كل

стр. 115

واحد منا نذرًا إن خلصنا اللَّه أن نتصدق بها أول من يقع بصري عليه من المجاورين، وأنت أول من لقيته، قلت: افتحها، فإذا فيها كعك من سميد (١) مصر، وقلب لوز وسكر، فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا، وقلت: رد الباقي إلى صبيانك هدية مني إليهم، وقد قبلتها، ثم قلت في نفسي: رزقك يسير إليك منذ عشرة أيام، وأنت تطلبه من الوادي؟!! وأنشدوا: لقد علمت وما الإشراف من خلقي … إن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنيني تطلبه … ولو قعدت أتاني لا يعنيني العاشرة: حكي أن عابدا من عباد الحرم كان يأتيه رجل كل ليلة بقرصين يفطر عليهما ولا يشتغل بغير اللَّه فقالت له نفسه: سكنت في القوت إلى هذا المخلوق، ونسيت رازق المخلوقين، ما هذه الغفلة!! فلما أتاه الرجل بالقرصين ردهما عليه، وانصرف عنه، وبقي الفقير ثلاثة أيام لم يفتح عليه بشيء من القوت، فشكى ذلك إلى ربه فرأى تلك الليلة في النوم أنه واقف بين يدي اللَّه تعالى، فقال: يا عبدي، لم رددت ما أرسلت به إليك مع عبدي؟ فقال: يا رب، لما قام في نفسي من السكون إلى غيرك، فقال: يا عبدي، فمن أرسله إليك؟ قال: أنت يا رب، قال: وكنت تأخذ من مَنْ؟ قال: منك، قال: خذ ولا تعد، ثم رأى الرجل المتصدق كأنه واقف بين يدي اللَّه فقال له: يا عبدي، لم منعت عبدي قوته؟ قال: يا رب قد علمت ذلك، قال: يا عبدي، أنت لمن تعطي؟ قال: لك يا رب، قال: فأجري الفقير على عادته وأبقه على عادتك، وثوابك الجنة. وأنشدوا: وكل جميل أو جمال فجوده … وصنعته عن حكمة ذات إتقان فلا نعمة إلا ومن عنده أتت … إليك وإن جاءتك من عند إنسان الحادية عشر: عن إبراهيم بن بشار (٢) -رحمه اللَّه تعالى- قال: كنت مع إبراهيم بن أدهم ﵀ في سفره وليس معنا شيء نفطر عليه، ولا لنا حيلة،

стр. 116

قال: فرآني الشيخ مغتمًا حزينًا فقال: يا ابن بشار، ماذا أنعم اللَّه على الفقراء والمساكين من النعم والراحة في الدنيا والآخرة؛ لا يسألهم اللَّه يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج، ولا عن صدقة ولا عن صلة رحم ولا عن مواساة، إنما يُسأل ويُحاسب عن هذا هؤلاء المساكين -يعني الأغنياء- قال: إن الأغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة (١)، أعزة في الدنيا أذلة في الآخرة، لا تغتم ولا تحزن؛ فرزق اللَّه مضمون سيأتيك، نحن واللَّه الملوك والأغنياء؛ تعجلنا الراحة في الدنيا والآخرة، ولا نبالي على أي حال أصبحنا وأمسينا، إذا أطعنا اللَّه تعالى، ثم قام إلى صلاته، وقمت إلى صلاتي، فما لبثنا إلا ساعة، وإذا نحن برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير، فوضعه بين أيدينا وقال: كلوا رحمكم اللَّه. فسلم إبراهيم من صلاته وقال: كل يا مغموم يا حزين، فمر بنا سائل فقال: اْطعموني شيئًا لوجه اللَّه -تعالى- فأعطاه إبراهيم ثلاثة أرغفة وتمرًا، وأعطاني ثلاثة أرغفة وتمرًا، وأكل هو رغيفين وقال: المواساة من أخلاق المؤمنين ﵏. الثانية عشرة: عن الشيخ أبي الحسن الديلمي ﵀ قال: وصف لي إنسان أسود بأنطاكية يتكلم على القلوب فقصدته، فلما رأيته أبصرت معه شيئا من المباحات يريد بيعه، فساومته وقلت: بكم هذا؟ فنظر إليّ ثم قال: اقعد حتى أبيعه وأعطيك شيئًا من ثمنه؛ فإنك جائع منذ يومين، قال: وكنت جائعا منذ يومين. فتغافلت كأني لم أسمع ما قال، وذهبت عنه وساومت غيره، ثم عدت إليه وقلت: بكم هذا؟ فنظر إليّ وقال: اقعد فإنك جائع منذ يومين، حتى إذا بعنا أعطيناك شيئًا، قال: فوقع في قلبي منه هيبة، فلما باع أعطاني شيئًا، ومضى فمضيت خلفه لعلي أستفيد منه شيئًا بقوله، فالتفت إليّ وقال: إذا عرضت لك حاجة فاتركها للَّه إلا أن يكون لنفسك فيها حظ، فتحجب عن اللَّه، ومن علم أن اللَّه كافيه (٢) لا يستوحش

стр. 117

من إعراض الخلق عنه، ولا بإقبال الخلق عليه، ثقة بأن الذي قُسم له لا يفوته، وإن أعرضوا عنه، والذي لم يقسم له لا يصل إليه، وإن أقبلوا عليه. الثالثة عشر: عن بعض الشيوخ قال: دخلت أنا وعشرة نفر في جبل ركام، فسرنا فيه، فإذا نحن بواد على حافتيه أشجار مثمرة فيها من كل لون من الثمر، فرأينا من بعيد على شاطئ النهر كُركيًّا (١) قائما، فقربنا منه، فإذا هو مطموس العينين، فبقينا نتعجب من أمره، فبينما نحن قيام إذ أقبلت نحلة سوداء خلفها نحل كثير، فلما وصلت إلى الكركي دنت منه ففتح منقاره، فوضعت النحلة فيه عسلا، فلم يزل النحل يدخل واحدة بعد واحدة، ويصبنّ العسل في فيه حتى لم يبقى منه شيء، فامتلأ فمه عسلًا فأطبق عليه منقاره فسقط منه شيء من العسل وأخذته وأكلته وانصرفنا. الرابعة عشر: قيل: خرج إنسان من أهل الخير يطلب الرزق في وقت حصاد الزرع، فأصابه المطر فآوى إلى كهف فوجد فيه عقابًا أعمى، فبقي متفكرًا، من أين يأكل ذلك العقاب؟!! وإذا بحمامة دخلت الكهف تستكن من المطر، فوقعت فوق العقاب، فأمسكها العقاب وأكلها، فرجع ذلك الإنسان إلى مكانه، وتوكل على اللَّه . الخامسة عشرة: عن بعض الشيوخ قال: خرجت أنا وأبو علي البليدي نريد زيارة أخ من إخواننا، فدخلنا البرية، فأصابنا جوع، فإذا بثعلب يحفر الأرض، ويخرج كمامة منها ويرمي بها إلينا، فأخذنا منها حاجتنا، ثم سرنا، وإذا نحن بسبع عظيم قائم، فلما قربنا منه إذا به أعمى، فوقفنا عليه نتعجب منه، وإذا بغراب معه قطعة لحم كبير، فضرب بجناحه على أذن السبع ففتح فمه فطرح فيه قطعة اللحم، فقال لي أبو علي: هذه الآية لنا ليست للسبع، فسرنا في تلك البرية أياما، فإذا بكوخ فيها فقصدناه، فإذا فيه عجوز كبيرة ليس عندها شيء، وعلى باب الكوخ حجر منقوب، فسلمنا وجلسنا عندها، فإذا هي مشغولة بعبادة ربها، فلما غابت الشمس خرجت من الكوخ بعد أن صلت المغرب، ومعها رغيفان عليهما قطعة تمر، فقالت: ادخلا الكوخ فخذا ما لكما فيه، فدخلنا، فإذا نحن باربعة أرغفة وقطعتين تمرًا، وما في ذلك الموضع نخل ولا تمر فأكلنا، فلما كان بعد ساعة جاءت سحابة فأمطرت على الحجر حتى امتلأ، ولم يسقط خارج منه قطرة واحدة، فقلنا لها: كم لك هاهنا؟

стр. 118

قالت: سبعون سنة؛ حالي مع مولاي في أكلي وشربي كما ترون، فقلنا: هذا الماء على هذه الحالة كل ليلة؟ قالت: نعم كل ليلة تجيء هذه السحابة في الصيف والشتاء، وهذان الرغيفان والتمر، ثم قالت: أين تريدان؟ قالا: أبا نصر السمرقندي نزوره، فقالت: رجل صالح أبا نصر نقال إلى القوم، فإذا أبو نصر قائم عندنا، فسلم علينا وسلمنا عليه، ثم قالت: إذا أطاع العبد مولاه أطاعه مولاه. السادسة عشر: عن أبي جعفر الفرغاني -رحمه اللَّه تعالى- قال: كنت عند بعض إخواننا من الصوفية بالديثور، فجاء قوم من الأكراد ليشتري لهم متاعًا، ثم قالوا له: لو علمت لمن نشتري هذا المتاع لسارعت إلى شرائه، فقال لهم: حدثوني، فقالوا: نعم، ثم أومأوا إلى رئيس لهم كانوا معه فقالوا: هذا سيد الحي، وكانت له زوجة فولدت له عدة من البنات، فقال لها وهي حامل: إن ولدت بنتًا فأنت طالق، وقُضي أنا رحلنا رحلة للشتاء نريد نحو المراغة ونواحيها، فبينما نحن نسير ذات يوم، إذ ضرب المرأة الطلق فأخذت ماء كأنها تتوضأ، فولدت جارية، فأخذتها ولفتها في خرقة وتركتها عند كهف جبل، وجاءت وأظهرت أن ذلك الحمل إنما كان ريحا وقد أنفش، ثم غبنا عن ذلك الموضع ستة أشهر، ثم رجعنا فنزلنا بذلك المكان، فأخذت المرأة ماء ومضت نحو الكهف الذي تركت الصبية فيه، فلما قربت منه، إذا غزالة قائمة عند الصبية وهي ترضع، فلما نظرتها الغزالة استوحشت وذهبت، وجاءت الأم إلى الصبية، فأخذتها فبكت وشهقت، فوضعتها وتنحت عنها، فرجعت الغزالة، فلم تزل ترضعها وهي ساكنة، فجاءت المرأة إلى الحي فأخبرتهم بذلك، فجاءوا بأجمعهم إلى الكهف فرأوا الغزالة ترضع الصبية، فلما أحست بهم تنحت، فبكت الصبية، فأخذها النساء، ولم يزلن يرفقن بها حتى سكنت وأنست بهم، وجاءوا بها إلى الحي، وبقيت الغزالة تنظر من بعيد حتى رحلنا، وهذا المتاع الذي نريد نشتريه جهازها، وقد زوجها أبوها. السابعة عشر: قال بعض الصالحين: رأيت في سياحتي (١) أعرابية صغيرة السن، فقلت لها: أين تنزلون؟ قالت: بالبادية، قلت لها: أما تستوحشون؟ قالت: يا بطال، وهل يستوحش مع اللَّه من أنس به؟!! فقلت لها: من أين تأكلون؟ قالت: اللَّه يعلم من اْين يرزق عباده؛ هو سبحانه يرزق من جحده، فكيف لا يرزق من وحّده، ثم قلت: قلوب عاشت بمعرفته، فطاشت بوحدانيته، وتلاشت في محبته، غذاؤهم

стр. 119

الأنس باللَّه، والمشاهدة للَّه، ربانيون روحانيون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون (١) ﵏ جميعا. الثامنة عشر: حكي عن ملك كرمان أنه خطب ابنة الشيخ شاة الكرماني ﵀ فاستمهله ثلاثة أيام، ثم أقبل شاة يطوف المساجد، فرأى غلامًا يحسن صلاته، فلما فرغ قال: يا غلام ألك زوجة؟ قال: لا، قال: فهل لك في زوجة تقرأ القرآن وتصلي وتصوم، وهي جميلة نظيفة؟ قال: ومن يزوجني؟ قال شاة: أنا أزوجك، فخذ بدرهم خبزًا، وبدرهم أدمًا، وبدرهم طيبًا، والأمر مفروغ منه، فعقد عليها، فلما دخلت إلى بيت الغلام رأت رغيفًا يابسًا على رأس جرة، فلما رأت ذلك قالت: ما هذا؟ قال: رغيف بقي معي من أمس، فتركته لأفطر عليه، فلما سمعت ذلك ولَّت راجعة، فقال الشاب: قد علمت أنك بنت شاة لا تقنعي بفقري، ولا ترضى بي لها بعلًا (٢) فقالت: إن بنت شاة ليس خروجها من منزلك لفقرك، بل لضعف يقينك، ولست أعجب منك؛ إنما أعجب من أبي كيف قال: زوجتك من شاب عفيف؛ كيف وصف بالعفة من لا يعتمد على اللَّه -تعالى- إلا مع ادخار رغيف، فقال الشاب: أنا عن هذا معتذر، فقالت: أما العذر فأنت أعرف بشأنك، وأما أنا فلا أقيم في بيت فيه رغيف ولا معلوم، فإما أن أخرج أنا وإما أن يخرج الرغيف من البيت، فتصدق الشاب بالرغيف. وأنشدوا: ولو كان النساء كمن ذكرنا … لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب … ولا التذكير فخر للهلال التاسعة عشر: روي أن عطاء الأزرق دفعت إليه امرأته درهمين وقالت له: اشتر لنا دقيقًا، فخرج إلى السوق فرأى مملوكًا يبكي فقال: لم تبكي؟ فقال: إن مولاي دفع لي

стр. 120

درهمين أشتري بهما شيئًا فسقطا مني، وأخاف أن يضربني، فدفع إليه عطاء الدرهمين ومضى يصلي إلى وقت المساء، وانتظر شيئًا يفتح عليه، فلم يفتح له بشيء، فقعد على دكان صديق له نجار، فقال له: خذ من هذه النشارة لعلكم تحتاجون إليها تحمون بها التنور (١) فليس لي شيء أواسيك به، وأخذ ذلك في جرابه ورجع إلى بيته، وفتح الباب وطرح الجراب في البيت ومضى إلى المسجد فصلى فيه العشاء، وقعد حتى مضى شيء من الليل رجاء أن ينام أهله لئلا يخاصموه، ثم جاء إلى البيت فوجدهم يخبزون الخبز، فقال: من أين لكم الدقيق، قالت: من الذي حملته من المجراب، ولا تعد تشتري لنا إلا من عند الذي اشخريت منه هذا الدقيق، فقال: أفعل إن شاء اللَّه - تعالى. العشرون: حكي أن حبيبًا العجمي كان له زوجة سيئة الخلق، فقالت له يومًا: إذا لم يفتح عليك بشيء فأجّر نفسك، فخرج إلى الجبّانة وصلى العشاء، ثم أتى بيته خجلا من توبيخها، مشغول القلب من شرها، فقالت: أين أُجرتك؟ فقال لها: الذي استأجرني كريم؛ استحييت من استعجاله، فمكث كذلك أياما يصلي في الجبانة إلى الليل، وتقول له: أين أجرتك، فيقول لها: استأجرني كريم فخفت من استعجاله، فلما طال عليها الحال قالت له: اطلب أجرتك من هذا، أو أخر نفسك من غيره، فوعدها أن يطلب الأجرة، وخرج إلى عادته، فلما أمسى الليل عاد إلى منزله خائفًا منها، فرأى في بيته دخانًا، ومائدة منصوبة وزوجته مستبشرة فرحة، فقالت: لقد بعث لنا الذي استأجرك ما يبعث الكرام، وقال رسوله لي: قل لحبيب يجد في العمل ويعلم أنَّا لم نؤخر أجرته بخلا بها، ولا عدما فيقر عينًا ويطيب قلبًا، ثم أرته أكياسًا مملوءة دنانير، فبكى حبيب وقال لزوجته: هذه الأجرة من كريم، هذه خزائن السماوات والأرض. (٢) فلما رأت ذلك تابت إلى اللَّه -تعالى- وأقسمت أنا لا تعود إلى ما تابت عنه. الحادية بعد العشرين: حكي أن إبراهيم الخواص -رحمه اللَّه تعالى- قال: كان لي وقت، وحرت مرة، فكنت أخرج كل يوم إلى نهر كبير كان حوله خوص، فكنت أقطع شيئا من الخوص وأعمله قفافًا وأطرحه في ذلك النهر وأتسلى بذلك، وكأني كنت مطالبًا به، فجرى وقتي على ذلك أيامًا كثيرة، ففكرت يومًا وقلت: أمضى خلف ما أطرحه من القفاف في الماء لأنظر أين يذهب، فمشيت على شاطئ النهر ساعة ولم

стр. 121

أعمل ذلك اليوم شيئًا، فإذا عجوز قاعدة على شاطئ النهر تبكي، فقلت لها: ما لك تبكين؟ فقالت: لي خمسة من الأيتام، مات أبوهم، وأصابتني فاقة وشدة بعده، فأتيت هذا الماء يومًا، فجاء على رأس الماء قفاف من الخوص، فأخذتها وبعتها وأنفقتها عليهم، وأتيت اليوم الثاني والثالث والقفاف تجئ على رأس الماء، فكنت آخذها وأبيعها، واليوم ما جاءت، قال إبراهيم: فوفعت يدي إلى السماء وقلت: اللهم لو علمت أن لك خمسة من العيال لزدت في العمل، ثم قلت للعجوز: لا تغتمي، فأنا الذي كنت أعمل ذلك، ثم مضيت معها ورأيت موضعها، وكانت فقيرة، فقمت بأمرها وأمر عيالها سنين، أو كما قال. الثانية بعد العشرين: حكي عن بعض الفقراء قال: كنت يومًا متفكرًا في نفقة العيال، فاشتغل قلبي ساعة، فنمت لأستريح، فرأيت في منامي كأني في جزيرة في وسط بحر، فقلت: من أين يصل إليّ ما آكل وما أشرب في هذا المكان؟ فهتف بي هاتف وقال لي: يا هذا لو كان رزقك خلف سبعة أبحر لأتاك، فانتبهت مسرورًا، وزال عني ما كنت أجد، وبعد ذلك جاءتني رسالة على يد بعض الأصحاب من رجل لم يخطر لي ببال، فقلت: صدق اللَّه في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. (١) وحكى سيدي الشيخ الإمام عبد اللَّه اليافعي قال: كنا جماعة في بعض الأسفار، جمعت بيننا في الطريق الأقدار، فمررنا في بعض الأيام بقرية فنزلنا فيها، وأرسل للجماعة حتى دخلوها إلا واحدًا منهم، فاستعار بُرمة فعصدوا فيها عصيدة وأكلوها إلا واحدًا؛ فإنه غاب عنها ولم ينادوه يأكل معهم منها ومعه قليل من الدقيق لم يجد من يصنعه له من معروف أو صديق، فخرج يدور بدقيقه بين البيوت ليجد من يصنع له ذلك القوت، فبينما هو كذلك يدور، وإذا هو بشخص ضعيف مضرور جمعت القدرة بينهما بواسطة اللطف الخفي من غير وعد، ونادى لسان حال الحكمة الإلهية، هذا رزق هذا الضعيف، ورزقك يأتي بعد، فدفع إليه رزقه ورجع إلى رفقته بلا غذاء، فبينما هو غائب عن علم الغيب، وإذا باللطف الخفي قد بدا. قيض اللَّه إنسانًا دعاه من بين الجماعة فأطعمه ثريدًا ولحمًا وسمنًا في تلك الساعة حتى شبع وقوي على المشي الكثير، فسبحان الكريم اللطيف الخبير، أيتها النفس الهلوعة الضعيفة اليقين، أما تصدقين، ويحك بوعد الحق المبين؟ أما تتيقن، ويلك بضمان خير ضمين؟ أما توقني بقول أصدق القائلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو

стр. 122

الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (١). ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢). ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣). ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (٤). ثم أتبع ذلك بقسم عظيم، أقسم به رب العالمين، مع أن قوله حق، ووعده صدق، لا يحتاج إلى يمين، فقال عز من قائل: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (٥). أما تعلمين أن وعده الوفي، ولطفه الخفي قد ضُمن للعباد في جميع البلاد، بسط أيادي الجود في جميع الموجود، وساق مطايا الأرزاق من خزائن رحمة الرزاق، القدر السابق في القدم بسوط القدرة، وقادها بزمام اللطف والكرم، حتى دخلت في باب الأسماء من بعد ما خرجت من باب العدم، وسارت في الوجود إلى أن وصلت إلى سرادقات عالم التقريب والتمكين، فبركت في مبارك البركات بالمواهب الجليلة من المقامات العلية، فحط عنها تحف الفوائد، وطرف العوائد الجميلة، ثم حمل تلك الطرف والتحف خُذَام القدرة، ودخل بها إلى حضرة أهل الحضرة، فناولوا بتلك المواهب أعز المواهب من المقامات العالية، والمعارف الغالية، خضهم بها المولى الكريم ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ (٦). وأنشدوا في المعنى:

стр. 123

تبارك من عم الوجود بجوده … ومن منه يفيض الفضل للخلق يغمر ومن خص أهل القرب صفوة خلقه … بفضل عظيم وصفه ليس يحضر فللقوم أعلام الولايات أُعلمت … بمحمد وخلعات الكرامات تزهر وحكي أنه خرج بعض المريدين في طلب الرزق، فسعى حتى تعب، فوجد خربة فجلس يستريح فيها، فبينما هو يتصفح الجدران، فنظر في بعضها لوحًا من رخام أخضر مكتوب فيه بخط أبيض هذه الأبيات: لما رأيتك جالسا مستقبلا … أيقنت أنك للهموم قرين ما لا يكون فلا يكون بحيلة … أبدًا وما هو كائن سيكون سيكون ما هو كائن في وقته … وأخو الجهالة متعب محزون فلعل ما تخشاه ليس بكائن … ولعل ما ترجوه سوف يكون يسعى الحريص فلا ينال بحرصه … حظًا ويحظى عاجز ومهين فارفض لها وتعرَّ من أثوابها … إن كان عندك للقضاء يقين هون عليك وكن بربك واثقًا … فأخو التوكل شأنه التهوين طرح الأذى عن نفسه في رزقه … لما تيقن أنه مضمون قال: فقرأها ورجع إلى منزله، ولم يهتم في الرزق بعدها - رحمه اللَّه تعالى.

стр. 124

مجلس في الاستقامة وهي لزوم الطاعة، وهي من جوامع الكلم ونظام الأمور. قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (١). أي من إخلاص وصدق قولا وعملا واعتقادًا. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٢) الآية. وبشارة الملائكة لهم، إما عند الموت أو في القبر أو المحشر، أو كل موطن بما لا يحيط به الوصف. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ (٣). وثبت في صحيح مسلم من حديث سفيان بن عبد اللَّه قال: قلت: يا رسول اللَّه، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: "قل آمنت باللَّه ثم استقم" (٤). وفيه أيضًا من حديث أبى هريرة مرفوعًا: "قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله" قالوا: يا رسول اللَّه ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة منه وفضل" (٥).

стр. 125

والمقاربة: القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير، والسداد: الاستقامة والإصابة، يتغمدني: يلبسني ويسترني. شعر: يا ويح من ضل سبيل الهدى … وفاته منك بلوغ المرام ومن أتى حصنك آوتيه … فركنه في عزة لا يضام كم صالح قد صف أقدامه … نفى الليل يبكي بالدموع السجام وما له حظ سوى أنه … أشقاه مولاه بطول القيام وكم قريب خاب سعيًا وما … نال سوى التعذيب والانتقام وكم بعيد نال ما يرتجى … ونال في عقباه أعلى مقام يا أيها اللوام كفوا فمن … دليله حيرة لا يلام من لم يكن الوصف أهلا فما … يفيده القرب ولا الاعتصام فسطوة الإقدام لا تقتدى … فانتبهوا من نومكم يا نيام يا أيها المذنب قم واعتذر … وتب من الذنب وكسب الآثام إلى متى أنت ترى غاديا … ورائحا في اللهو طوع الغرام أنب إلى اللَّه وتب واستقم … من قبل أن تشرب كأس الحمام وإن تجف قبح ذنوب مضت … فلذ بخير الخلق مولى الأنام

стр. 126

محمد المختار من هاشم … أفضل من حج ولبى وصام صلى عليه اللَّه ما أشرقت … طلائع الصبح وولى الظلام غيره تعطف بفضل منك يا مالك الورى … فأنت ملاذي سيدي ومعيني لئن أبعدتني عن حماك خطيئتي … فإن رجائي شافعي ويقيني

стр. 127

مجلس في التفكير في عظيم المخلوقات وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورها، وتقصير النفس وتهذيبها وحملها على الاستقامة. وحاصله تلمس البصيرة لاستدراك البغية، وتمرنه العلم والعمل. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (١). أي فتزول عنكم رقدة الغفلة، وورطة الفترة. وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢). وقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (٣) الآية. وقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) الآية. والآيات كثيرة. ومن الأحاديث: الحديث السالف: "الكيس من دان نفسه" (٥) أي ناظرًا في صلاحها وفسادها،

стр. 128

وطالبًا تزكيتها. وفي صحيح البخاري في قصة العنبر: وإن ضلعها كذا، وأكل منها كذا وكذا. وفي جامع الترمذي من حديث العباس وقال: حسن غريب، في السحابة وأنها المزن والعنان أيضًا. ثم قال ﷺ : "أتدرون كم بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا، قال: "فإن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث سبعون سنة، والسماء التي فوقها كذلك" حتى عدهن سبع سماوات كذلك. ثم قال: "فوق السابعة بحر ما بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أعوال ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلن سماء، واللَّه -تعالى- فوق ذلك" (١). وقد حكى ابن عباس في حملة العرش ما يهيم، وقد ساقه البغوي وغيره في تفسيره في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ (٢) وإن ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدمه مسيرة خمسمائة عام. ويحكى أن أقدامهم في تخوم الأرض، والأرضون والسماوات إلى حجزتهم وهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت. وقال ابن أبي عروبة: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم تحت العرش. ويروى أن ملكا من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه بمسيرة سبعمائة عام.

стр. 129

مجلس في المبادرة إلى الخيرات وحثَّ من توجه إلى الخير إلى الإقبال عليه بالجد من غير تردد. قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١) أي لتنالوا الدرجات والمنازل العاليات. وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ (٢) الآية. أما الأحاديث فثمانية: أحدها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا" (٣) رواه مسلم. ثانيها: حديث عقبة بن الحارث: أنه ﷺ صلى العصر ثم قام مسرعًا فرأى أنهم عجبوا من سرعته، قال: "ذكرت شيئًا من تبر كان عندنا من الصدقة، فكرهت أن أُبيته، أمرت بقسمته" (٤) رواه البخاري. ثالثها: حديث جابر قال: "قال رجل لرسول اللَّه ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قُتلت فأين أنا؟ قال: "في الجنة" فألقى تمرات كُنَّ في يده ثم قاتل حتى قتل" أخرجاه (٥).

стр. 130

وهذا من باب ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. رابعها: حديث أبي هريرة: "جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: "أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان"" أخرجاه (١). خامسها: حديث أنس: "أنه ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد فقال: "من يأخذ مني هذا؟ " فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: "فمن يأخذه بحقه؟ " قال: فألجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة (٢): أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين" (٣) رواه مسلم. سادسها: حديث الزبير بن عدي قال: "أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: "اصبروا فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم" سمعته من نبيكم ﷺ " رواه البخاري (٤). سابعها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنظرون إلا

стр. 131

فقرًا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندًا أو موتًا مجهدًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" رواه الترمذي (١) وحسنه. ثامنها: حديثه -أيضًا-: أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلًا يحب اللَّه ورسوله، يفتح اللَّه على يديه" قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أُدعى لها، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها وقال: "امش ولا تلتفت حتى يفتح اللَّه عليك" قال: فسار علي شيئا، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول اللَّه، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه" (٢) رواه مسلم. ولنذكر جملة من الحكايات اللائقة بما نحن فيه. والذي حضرنا منها أربع وثلاثون حكاية: ونقدم عليها قصة سلمان الفارسي (٣)، وتردده من شخص إلى شخص إلى أن جاء إلى نبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام، وظهر له براهين نبوته، وشهد معه الخندق فما بعدها، وهو مشهور مطول. وكذا رواه ابن سعد من قصة ذي البجادين، وأنه كان يتيما لا مال له، فكفله عمه، فلما قدم النبي ﷺ المدينة تاقت نفسه إلى الإسلام، فنهاه عمه لأجل ما بيده من المال، فتركه، فجاء إلى أمه، فقطعت بجادًا لها باثنين، فاتزر بواحد وارتدى بالآخر، ثم حضر تبوكًا وسأل الشهادة، فقال ﷺ : "اللهم إني أحرم دمه على الكفار" فقال: ليس هذا أردت. فقال: "إنك إذا خرجت غازيًا فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد.

стр. 132

وإن وقصتك دابتك فأنت شهيد" (١) فأقاموا بتبوك أياما، فتوفي، فلما هيء اللحد قال: "اللهم إني أمسيت راضيا عنه فارض عنه" قال ابن مسعود: فليتني كنت أنا هو. وكذا ما رواه أيضا: أن أم زيد بن حارثة زارت قومها، وزيد معها، فأغارت خيل بني القين في الجاهلية، فمروا على أبيات بني معد، فاحتملوا زيدًا وهو يومئذ غلام يفع، فوافوا به السوق فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة، فلما تزوجها رسول اللَّه ﷺ وهبته له، وكان أبوه حارثة حين فقده قال: بكيت على زيد (٢) ولم أدر ما فعل … فهل حيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة … فحسبي من الدنيا رجوعك إلى جبل تذكرنيه الشمس عند طلوعها … ويعرض ذاكره إذا قارب الظلل وإن هبت الأرياح هيَّجْنَ ذكره … فيا طول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نص العيس (٣) في الأرض جامعة … فلا أسأم التطواف أو تنام الإبل حياتي أو تأتي عليّ منيتي … فكل امرئ فان وإن عزه الأمل وأوصي به قيسًا وعمرًا كلاهما … فأوصي يزيدًا ثم من بعده جبل

стр. 133

يعني جبل بن حارثة، أخا زيد، ويزيد أخو زيد لأمه. فحج ناس من كعب قرأوا زيدًا فعرفهم وعوفوه، وانطلقوا إذ أعلموا أباه، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه، فقدما مكة فسألا عن رسول اللَّه ﷺ فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم اللَّه وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا زيد، فمُنَّ علينا به، وأحسن إلينا في فدائه، فإنا سندفع لك من الفداء، قال ﷺ : "فهلا غير ذلك" قالوا: وما هو؟ قال: "ادعوه فخيروه، فإن اختاركما فهو لكما بغير فداء، وإن اختارني فواللَّه ما أختار على من اختارني أحدًا" (١) قالوا: قد زدتنا على النصف وأحسنت، فدعاه رسول اللَّه ﷺ فقال: "هل تعرف هذين؟ " قال: نعم؛ هذا أبي، وهذا عمي، قال: "قد علمت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما" فقال زيد: ما أنا بالذي يختار عليك أحدًا يا رسول اللَّه، أنت مني بمكانهما، فقالا: ويحك يا زيد؛ أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟!! فقال: نعم؛ إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا، فلما رأى رسول اللَّه ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر وقال: "يا معشر من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني أرثه ويرثني" (٢) فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما، فدُعي زيد بن محمد، حتى جاء اللَّه بالإسلام فزوجه رسول اللَّه ﷺ زينب بنت جحش، فلما طلقها تزوجها رسول اللَّه ﷺ فقيل: تزوج امرأة ابنه، فأنزل اللَّه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣) ونزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٤) فقالوا: زيد بن حارثة.

стр. 134

وكذا ما روى عيد الواحد بن أبي عون قال: كان الطفيل الدوسي رجلا شريفًا شاعرًا، قدم مكة فلقيه رجال من قريش، فقالوا: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإن قوله كالسحر؛ يفرق بين الرجل وزوجته وبين الرجل وابنه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك منه، فواللَّه ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئًا، فلا أكلمه، فغدوت إلى المسجد وقد حشوت أذني قطنا -فكان يقال له ذو القطنتين (١) - فإذا رسول اللَّه ﷺ قائم يصلي، فقمت قريبًا منه، فسمعت بعض قوله، فقلت في نفسي: إني رجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا شيئًا، فإن كان حسنًا قبلته وإن كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فدخل، فدخلت معه فقلت: إن قومك قالوا لي كذا وكذا، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ الإسلام، وتلى عليَّ القرآن، فقلت: واللَّه ما سمعت قولا قط أحسن من هذا، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وقلت: يا نبي اللَّه، إني امرئ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع اللَّه أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم، فقال: "اللهم اجعل له آية" فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت قريبًا منهم وقع نور بين عينيَّ مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي؛ فإني أخشى أن يظنوها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراق دينهم، فتحول النور في رأس سوطي، فجعل الحاضرون يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، فأتاني أبي فقلت: إليك عني، فإنك لست مني ولست منك، فقال: ولم يا بني؟!! قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد، قال: بنيّ، ديني دينك، قلت: اذهب فاغتسل، وطهر ثيابك، ففعل ثم جاء، فعرضت عليه الإسلام، ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عني لست منك ولست مني، قالت: لم؟!! قلت: فرَّق بيني وبينك الإسلام، إني أسلمت وتابعت محمدًا، قالت: ديني دينك، وأسلمت، ثم دعوت دوسًا إلى الإسلام، فابطأوا عليَّ، فجئت رسول اللَّه ﷺ فقلت: قد غلبتني دوس، فادع اللَّه عليهم، فقال: "اللهم اهد

стр. 135

دوسًا" (١) وقال: "اخرج إلى قومك فادعهم وارفهق بهم" فخرجت أدعوهم حتى هاجر رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، ومضت بدر والخندق، ثم قدمت بمن أسلم منهم ورسول اللَّه ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين، وقلنا: يا رسول اللَّه، اجعلنا في ميمنتك، واجعل شعارنا "مبرور"، ففعل، فلم أزل مع رسول اللَّه ﷺ حتى فتح مكة، فقلت: ابعثني يا رسول اللَّه إلى ذي الكفين أحرقه، فبعثه إليه فأحرقه، فلما أحرقه بان لمن كان يتمسك به أنه ليس على شيء، فأسلموا جميعًا، ورجع الطفيل إلى رسول اللَّه ﷺ فكان معه حتى مات. وأما الحكايات، فنذكر منها: الحكاية الأولى: حكي عن الشبلي أنه خرج ذات يوم على أصحابه، وكانوا أربعين رجلًا فقال لهم: يا قوم إن اللَّه قد تكفل بأرزاق العباد، فقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) الآية، فتوكلوا على اللَّه، وتوجهوا إليه، ولا تتوجهوا إلى سواه، ثم تركهم ومضى، فأقاموا ثلاثة أيام لم يفتح عليهم بشيء، فلما كان اليوم الرابع دخل عليهم فقال: يا قوم، إن اللَّه -تعالى- قد أباح التسبب للعباد، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٣). فانظروا إلى أصدقكم نية فليخرج، عسى أن يأتيكم بشيء من القوت، فاختاروا منهم فقيرًا، فخرج ومشى في جانبي بغداد، فلم يفتح له بشيء، فأخذه الجوع وأعياه المشي، فجلس عند دكان طبيب نصراني عليه خلق كثير، وهو يصف لهم الأدوية، فنظر إليه فقال: ما بك؟ وما علتك؟ فكره أن يشكو الجوع إلى نصراني، فمد يده إليه فجسها وقال: علتك هذه أنا أعرفها وأعرف دواءها، ثم التفت إلى غلامه وقال: امض إلى السوق فأتني برطل خبز ورطل شواء ورطل حلوى، فمضى إلى السوق وأتاه بذلك، فأخذه النصراني وناوله الفقير وقال: هذا دواء مرضك عندي، فقال له الفقير: إن كنت صادقًا في حكمتك، فهذه العلة بأربعين رجلا، فقال النصراني لغلامه: ارجع إلى

стр. 136

السوق مسرعًا، وأتني بأربعين مثل ما أتيت به، فأسرع الغلام وأتاه بذلك جميعه، فأعطاه الفقير، وأمر حمّالًا أن يحمل معه إلى موضعه، وقال للفقير اذهب به إلى الأربعين الذين ذكرت، فذهب الفقير والحمّال معه إلى أن وصل إلى أصحابه، والنصراني يتبعه من بعيد ليختبر صدقه، فلما دخل الدويرة التي فيها أصحابه وقف النصراني خارج الباب خلف طاق، فوضع الغلام الطعام، ونادى الشبلي وقدم الطعام بين يديه، فشال الشيخ يده منه وقال: يا فقراء سر عجيب في هذا الطعام، ثم أقبل على الفقير الذي أتى بالطعام وقال: أخبرني عن قصة هذا الطعام، فحكى له القصة بكاملها، فقال لهم عند ذلك: أترضون أن تأكلوا طعام نصراني وصلكم به ولم تكافئوه؟ قالوا: وما مكافأته؟ قال: تدعون له قبل أن تأكلوا طعامه، فدعوا له وهو يسمع، فلما رأى النصراني إمساكهم عن الطعام مع حاجتهم إليه، وسمع ما قال لهم الشيخ، قرع الباب ففتحوا له، فدخل وقطع زناره وقال: يا شيخ، مدّ يدك؛ فانا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فأسلم النصراني وحسن إسلامه، وصار من جملة أصحاب الشبلي. الحكاية الثانية: قيل لحذيفة المرعشي (١): ما أعجب ما رأيت من إبراهيم بن أدهم؟ قال: بقينا في طريق أيامًا لم نجد طعامًا، ثم دخلنا الكوفة، فأوينا إلى مسجد خراب، فنظر إليّ إبراهيم بن أدهم وقال: يا حذيفة، أرى بك جوعًا، قلت: هو ما رأى الشيخ، فقال: إليّ بدواة وقرطاس، فجئت به، فكتب بعد البسملة: أنت المقصود بكل حال، والمشار إليه بكل معنى. أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر … أنا جائع أنا خاضع أنا عاري هي ستة وأنا الضمين لنصفها … فكن الضمين لنصفها يا باري مدحى لغيرك لهب نار خضعتها … فأجر عُبيْدك من دخول النار ثم دفع إليَّ الرقعة وقال: أخرج ولا تعلق قلبك إلا باللَّه تعالى، فادفع الرقعة إلى أول من تلقاه، قال: فخرجت فأول من لقيني رجل على بغلة فناولته الرقعة فأخذها، فلما وقف عليها بكى وقال: وأين صاحب هذه الرقعة؟ قلت: في المسجد الفلاني، فدفع إليّ صُرّة فيها ستمائة دينار، وأُخبرت أنه نصراني، فجئت إلى

стр. 137

إبراهيم (١) فأخبرته بذلك فقال: لا تمسَّها فإنه يجيء الساعة، فلما كان بعد ساعة جاء، وأكب على إبراهيم وأسلم، وللَّه در القائل: يكون أجاجًا دونكم فإذا انتهى … إليكم يلقى طيبكم فيطيب الحكاية الثالثة: عن الجنيد: قال السري (٢) لي: تكلم على الناس، وكان في قلبي (حتمة) (٣) من الكلام، وكنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام ليلة الجمعة فقال لي: تكلم على الناس، فانتبهت، وأتيت باب السري قبل أن يصبح فدققت عليه الباب، فقيل لي: لم تصدقنا حتى قيل لك، فقعد للناس في الجامع بالغداة، فانتشر في الناس أن الجنيد قد تكلم، فوقف عليه غلام نصراني متنكر وقال: أيها الشيخ، ما معنى حديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه" (٤) فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه وقال: أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم وحسن إسلامه. الحكاية الرابعة: عن إبراهيم الخواص قال: كنت ببغداد وهناك جماعة من الفقراء، فأقبل شاب ظريف طيب الرائحة حسن الوجه، فقلت لأصحابي: يقع لي أنه يهودي، فكره الأصحاب قولي، فخرجت وخرج الشاب، ثم رجع إليهم وقال: إيش قال الشيخ؟ فاحتشموا، فألح عليهم، فأخبروه بما قال الشيخ، فأسلم على يديه، فقيل له في ذلك، فقال: نجد في كتبنا أن الصدِّيق لا تخطئ فراسته (٥)، فقلت في

стр. 138

نفسي: أمتحن المسلمين فإن كان فيهم صدّيق ففي هذه الطائفة يوجد، لأنهم يقولون: إنه من يترك ما سوى اللَّه فعرفت صديقية هذا الشيخ بذلك، وصار هذا الشاب من كبار الصوفية. الحكاية الخامسة: عن بعض الصالحين أنه كان يتكلم في الناس ويعظهم، فمر عليه في بعض الأيام يهودي وهو يخوفهم، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) فقال اليهودي: إن كان هذا الكلام حقًا، فنحن وأنتم سواء، فقال له الشيخ: لا، ما نحن سواء؛ نحن نرد ونصدر، وأنتم تردون ولا تصدرون، ننجوا نحن منها بالتقوى، وتبقون أنتم بها جثيًا بالظلم، وقرأ الآية الثانية: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ (٢) فقال اليهودي: نحن المتقون، فقال الشيخ: كلا نحن، وتلا قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٣).

стр. 139

فقال اليهودي: هات برهانًا على صدق هذا، فقال الشيخ: البرهان حاضر، يراه كل ناظر، وهو أن تطرح ثيابي وثيابك في النار، فمن سلمت ثيابه فهو الناجي منها، ومن احترقت ثيابه فهو الباقي فيها، فنزعا ثيابهما، ورمى بالجميع في النار، ثم دخل النار وأخذ الثياب وخرج من الجانب الآخر، ثم فتحت الثياب فإذا ثياب الشيخ سالمة بيضاء نظيفة، وثياب اليهودي محترقة، وكانت مستورة بثياب الشيخ، فلما رأى ذلك أسلم. الحكاية السادسة: حكي أنه كان في الأمم الماضية ملك متمرد على ربه، فغزاه المسلمون، وأخذوه أسيرًا فقالوا: بأي قتلة نقتله؟ فاجمع رأيهم على أن يجعلوا له قُمقُمًا عظيمًا ويمجعلوه فيه، ويوقدوا تحته النار حتى يذيقوه طعم العذاب، ففعلوا ذلك، فجعل يدعو آلهته واحدًا بعد واحد: يا فلان بما كنت أعبدك أنقذني مما أنا فيه، فلما رأى الآلهة لا تغني عنه شيئًا رفع رأسه إلى السماء وقال: لا إله إلا اللَّه، ودعا مخلصًا فصبّ اللَّه عليه مبعث ماء من السماء فأطفأ تلك النار، وجاءت ريح فاحتملت ذلك القمقم، وجعلت تدور به بين السماء والأرض، وهو يقول: لا إله إلا اللَّه، فقذفته إلى قوم يعبدون اللَّه وهو يقول: لا إله إلا اللَّه، فاستخرجوه وقالوا: ويحك، مالك؟ قال: أنا ملك بني فلان، كان من أمري وجندي كيت وكيت، وقص عليهم القصة، فآمنوا كلهم - رحمة اللَّه عليه. الحكاية السابعة: حكي أن بعض ملوك الأمم السالفة بنى مدينة وتغالى في حسنها وزينتها، ثم صنع طعاما ودعا الناس. وأجلس أناسًا على أبوابها يسألون كل من خرج هل رأيتم عيبًا؟ فيقولون: لا، حتى جاء أناس في آخر الناس عليهم أكسية، فسألوهم هل رأيتم عيبًا؟ قالوا: عيبين اثنين، فحبسوهم ودخلوا على الملك فأخبروه بما قالوا، فقال: ما كنت راضيًا بعيب واحد، فأتوني بهم، فأدخلوهم عليه فسألهم عن العيبين ما هما؟ قالوا: تخرب ويموت صاحبها، قال: أفتعلمون دارًا لا تخرب ولا يموت صاحبها؟! قالوا: نعم، فذكروا له الجنة ونعيمها (١) وشوقوه إليها، وذكروا له النار وعذابها وخوفوه منها،

стр. 140

ودعوه إلى عبادة اللَّه فأجابهم إلى ذلك، وخرج من ملكه هاربًا تائبًا إلى اللَّه رحمة اللَّه عليه. الحكاية الثامنة: روي أنه تحارب ملكان من ملوك اليمن في قديم الزمان، فغلب أحدهما صاحبه وقتله، وشرد أصحابه، وهيأت له السرر، وزينت له دار الملك، وتلقاه الناس ليدخل، فبينما هو فى بعض السكك يقصد دار الملك، فوقف له رجل يُنسب إلى الجنون (١)، فأنشده: تسمع من الأيام إن كنت حازما … فإنك فيها بين ناه وآمر وكم ملك قد ركم التراب فوقه … وعهدي به بالأمس فوق المنابر إذا كنت في الدنيا بصيرًا فإنما … بلاغك منها مثل زاد المسافر إذا أبقت الدنيا على المرئ دينه … فما فاته منها فليس لصائر فقال له: صدقت، ونزل عن فرسه، وفارق أصحابه، ورقى الجبل، وأقسم على أصحابه أن لا يتبعه أحد، فكان آخر العهد به. الحكاية التاسعة: عن شاة الكرماني: أنه خرج إلى العبيد وهو ملك كرمان، فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده، وإذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع، فلما رأته ابتدرت نحوه، فزجرها الشاب، فلما دنا منه سلّم عليه وقال: يا شاة، ما هذه الغفلة عن اللَّه تعالى؟ اشتغلت بدنياك عن آخرتك، وبلذاتك وهواك عن خدمة مولاك، إنما أعطاك الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة إلى الاشتغال عنه. فبينما هو يحدثه، إذ خرجت عجوز بيدها شربة ماء، فناولتها الشاب، فشرب، ودفع باقيه إلى شاة (٢) فشربه وقال: ما شربت شيئًا ألذّ منه، ولا أبرد، ثم غابت، فقال الشاب: هذه الدنيا، وكّلها اللَّه بخدمتي، فما احتجت لشيء إلا أحضرته لي

стр. 141

حين يخطر ببالي، أما بلغك أن اللَّه -تعالى- لما خلق الدنيا قال لها: يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه، فلما رأى ذلك تاب، وكان منه ما كان، وأنشدوا: خُدِمت لما أن صرت في خدمك … ودار عني السرور من نعمك وكانت الحادثات تطرقني … فاحتشمتني إذ صرت من حشمك الحكاية العاشرة: عن مالك بن دينار (١) أنه سُئل عن سبب توبته، قال: كنت شرطيًا، وكنت منهمكًا على شرب الخمر، ثم إني شريت جارية نفيسة وقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتًا فشغفت بها، فلما دبت ازداد حبها في قلبي، فكنت إذا وضعت المسكر، جاءت إليّ وجاذبتني إياه وهرقته على ثوبي، فلما تم لها سنتان ماتت، فأكمدني حزنها، فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة جمعة، بت ثملا من الخمر ولم أُصل العشاء، فرأيت كأن أهل القبور خرجوا وحُشر الخلائق وأنا معهم. فسمعت حسًا من ورائي، فالتفت فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون، أسود أزرق، قد فتح فاه مُسرعًا نحوي، فمررت بين يديه فزعا مرعوبا هاربًا منه، فمررت في طريقي بشيخ نقي الثياب طيب الرائحة، فسلمت عليه، فردّ علي السلام، فقلت له: أجرني وأغثني، فقال: أنا ضعيف، وهذا أقوى مني ولا أقدر عليه، ولكن مرَّ وأسرع، فلعل اللَّه يسبب لك ما ينجيك منه، فوليت هاربًا (٢)، فصعدت على شرف من شرف القيامة، فأشرفت على طباق النيران، فنظرت إلى هولها، فكدت أهوي فيها من فزع التنين، وهو في طلبي، فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها، فاطمأننت إلى قوله، فأتيت الشيخ فسألته، فلم يفعل وبكى وقال: أنا ضعيف، ولكن سر إلى هذا الجبل، فإن فيه ودائع المسلمين، وإن كان لك فيه وديعة فتنصرك، فنظرت إلى جبل مستدير، فيه كوى مخرقة وستور معلقة، على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة بالياقوت، مكللات بالدرّ، وعلى كل مصراع ستر من الحرير، فلما نظرت إلى الجبل هربت إليه، وهو ورائي، فلما قرِبت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا

стр. 142

الستور وافتحوا المصاريع (١) وأشرفوا، فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه. فإذا الستور (٢) قد رفعت، والمصاريع قد فتحت، فأشرفت على أطفال بوجوه كالأقمار، وقرب التنين مني فتحيرت في أمري، فصاح بعض الأطفال: ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب عدوه منه، فأشرفوا فوجًا بعد فوج، وإذا بابنتي التي ماتت أشرفت معهم (٣) فلما رأتني بكت وقالت: أبي واللَّه، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي، فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمين فتعلقت بها، ومدت اليمين إلى التنين فولى هاربًا. ثم أجلستني وقعدت في حجري، وضربت ببدها اليمنى إلى لحيتي وقالت: يا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) فبكيت وقلت: يا بنية، وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت نحن أعرف به منكم، قلت: فأخبريني عن التنين الذي أراد هلاكي؟ قالت: ذاك كملك السوء، قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم، قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي؟ قالت: ذاك عملك الصالح، أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء، قلت: وما تصنعون بهذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين، قد أُسكنَّا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم، تقدمون علينا فنشفع لكم، فانتبهت فزعًا، فلما أصبحت فارقت ما كنت عليه، وتبت إلى اللَّه وهذا سبيل توبتي.

стр. 143

الحكاية الحادية عشرة: عن أحمد بن عبد اللَّه المقدسي قال: صحبت إبراهيم بن أدهم فسألته عن بداية أمره، وما كان سبب بدأة أمره من المُلك الفاني إلى الباقي؟ قال: يا أخي، كنت جالسًا يومًا في أعلى قصر في ملكي، والخواص قيام على رأسي، فأشرفت من الطاق فوجدت رجلا من الفقراء جالسًا بفناء القصر، بيده رغيف يابس قد بله بالماء، وأكله بملح جريش، وأنا أنظر إليه إلى أن فرغ من أكله، ثم شرب من الماء وحمد اللَّه وأثنى عليه، ونام في فناء القصر، فألهمني اللَّه الفكر فيه، فقلت لبعض مماليكي: إذا قام ذلك الفقير فأتني به، فلما استيقظ من نومه دُعي فقال: بسم اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه (١) وجاء، فلما نظر إليَّ سلم، فرددت عليه¬ السلام وأمرته بالجلوس فجلس، فلما اطمأن قلت له: يا فقير، أكلت الرغيف وأنت جائع فشبعت؟ فقال: نعم، قلت: وشربت الماء سجاوة فرويت؟ قال: نعم، قلت: ثم نمت طيبًا بلا هم ولا غم فاسترحت؟ قال: نعم، قلت في نفسي وأنا أعتبها: يا نفس ما أصنع بالدنيا، والنفس تقنع بما سمعت ورأت، فعقدت التوبة في تلك الساعة مع اللَّه -تعالى- فلما انصرف النهار وأقبل الليل، لبست مسحًا من شعر وقلنسوة من صوف، وخرجت سائحًا حافيًا إليه، فلحقني رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة، فتقدمت إليه وصافحته وسلمت عليه، فردّ عليّ السلام وقال: يا إبراهيم أين تريد؟ فقلت: هربت منه إليه، فقال لي: أنت جائع؟ قلت: نعم، فقام الشيخ وصلى ركعتين خفيفتين وقال لي: قم وصل كما صليت، ففعلت ذلك، فالتفت فإذا عن يمينه طعام موضوع وماء بارد، فقال لي: تقدم وكل من فضل اللَّه واشكر ربك على ذلك، فأكلت منه كفايتي، وهو باق على حاله، وشربت وحمدت اللَّه، فقال: يا إبراهيم اعقل وافهم ولا تستعجل في أمورك؛ فإن العجلة من الشيطان، واعلم أن اللَّه إذا أراد بعبده خيرًا صطفاه لنفسه وجعل في قلبه سراجًا من نور

стр. 144

قدسه، يفرق به بين الحق والباطل، ويبصر به عيوب نفسه، وإني أريد أن أعلمك اسم اللَّه الأعظم (١) فإذا أنت جعت أو عطشت فادع اللَّه به، فإنه سيشبعك ويرويك، يا ابن أدهم إذا جالست الأخيار والفقراء فكن لهم أرضًا يطئونك، ولا تغضبهم؛ فإن اللَّه يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، قال: ثم علمني الاسم الأعظم (٢) ثم قال: أستودعك الحي الذي لا يموت، ثم حجب عني، فأخذت الطريق، فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة، مليح (الترة) (٣)، فسلمت عليه، فرد السلام وقال: ما حاجتك يا ابن أدهم؟ ومن لقيت في سفرك هذا؟ فقلت: لقيت شيخًا من صفته كذا وكذا، وعلمني كذا وكذا، فبكى الفتى وأبكاني، فقلت له: يا سيدي أقسمت عليك باللَّه -تعالى- من ذلك الشيخ، ومن أنت؟ فقال: أما الشيخ فأخي إلياس، وأنا أبو العباس الخضر (٤)، قال: ففرحت فرحًا شديدًا، وألزمته إلى صدري وقبلته بين عينيه وصافحته وسألته الدعاء فدعا لي بالثبات والعصمة، ثم غاب عليّ فلم أدر أين ذهب. وهذه القصة حالي في ابتداء أمري. وهذه رواية، والمشهور أن بدأته أنه طرح يومًا يصطاد، فأثار ثعلبًا أو أرنبًا، فبينما هو في طلبه، إذ هتف به هاتف: ألهذا خلقت، أم بهذا أمرت، ثم هتف به من قربوس (٥) سرجه كذلك، فنزل عن مركوبه، وصادف راعيًا لأبيه، فأخذ جبته -وهي

стр. 145

صوف - فلبسها، وأعطاه فرسه وما معه، ثم دخل البادية وكان من أمره ما كان. الحكاية الثانية عشر: عن محمد بن المبارك قال: كان موسى بن محمد الهاشمي من أنعم بني أمية عيشًا، وأرخاهم بالًا؛ يعطي نفسه شهوتها من صنوف اللذات في المأكل (١) والمشرب والملبس والطيب والجواري والغلمان، ليست له همة ولا فكرة إلا في الذي هو فيه من عيشه ولذته، وكان شابًا جميلًا وجهه كاستدارة القمر، وكان ذا مال يدخل كل حول نحوًا من ثلاثمائة ألف وثلاثة آلاف درهم، يصرفه كله في النعيم، وكان له مستشرف عال يقعد فيه العشاء ويشرف على الناس، له أبواب على الجادة وأخرى على بستانه، وقد ضرب فيه قبة عاج مضيئة بالفضة مطلية بالذهب، وهو على سرير عليه غلالة قصب، وعلى رأسه عمامة مكللة باللآلئ ومعه في القبة ندماؤه وإخوانه، وقد وقف على رأسه الخدم، والقينات في مجلس آخر خارج القبة، يُمسكن تارة ويندفعن أخرى بإشارته. هذا دأبه ليلا ونهارًا في اللعب والتيه، حتى مضى له سبع وعشرون سنة، فبينما هو ذات ليلة في قبته، إذ سمع نغمة من صوت شجي خلاف ما سمعه من مطربته، فأخذ بقلبه فأحضره، وإذا هو شاب نحيل ذبل شعث ضمر، وعليه طمران، حافي، قائم في المسجد يناجي ربه، فقال: أيها الشاب أسمعني ما كنت تقول، فتعوذ وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ إلى قوله: ﴿بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢)، ثم وعظه (وذكر) (٣) صحن
следующие страницы →