← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1330

حدائق الأولياء

ابن الملقن

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حين يخطر ببالي، أما بلغك أن اللَّه -تعالى- لما خلق الدنيا قال لها: يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه، فلما رأى ذلك تاب، وكان منه ما كان، وأنشدوا: خُدِمت لما أن صرت في خدمك … ودار عني السرور من نعمك وكانت الحادثات تطرقني … فاحتشمتني إذ صرت من حشمك الحكاية العاشرة: عن مالك بن دينار (١) أنه سُئل عن سبب توبته، قال: كنت شرطيًا، وكنت منهمكًا على شرب الخمر، ثم إني شريت جارية نفيسة وقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتًا فشغفت بها، فلما دبت ازداد حبها في قلبي، فكنت إذا وضعت المسكر، جاءت إليّ وجاذبتني إياه وهرقته على ثوبي، فلما تم لها سنتان ماتت، فأكمدني حزنها، فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة جمعة، بت ثملا من الخمر ولم أُصل العشاء، فرأيت كأن أهل القبور خرجوا وحُشر الخلائق وأنا معهم. فسمعت حسًا من ورائي، فالتفت فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون، أسود أزرق، قد فتح فاه مُسرعًا نحوي، فمررت بين يديه فزعا مرعوبا هاربًا منه، فمررت في طريقي بشيخ نقي الثياب طيب الرائحة، فسلمت عليه، فردّ علي السلام، فقلت له: أجرني وأغثني، فقال: أنا ضعيف، وهذا أقوى مني ولا أقدر عليه، ولكن مرَّ وأسرع، فلعل اللَّه يسبب لك ما ينجيك منه، فوليت هاربًا (٢)، فصعدت على شرف من شرف القيامة، فأشرفت على طباق النيران، فنظرت إلى هولها، فكدت أهوي فيها من فزع التنين، وهو في طلبي، فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها، فاطمأننت إلى قوله، فأتيت الشيخ فسألته، فلم يفعل وبكى وقال: أنا ضعيف، ولكن سر إلى هذا الجبل، فإن فيه ودائع المسلمين، وإن كان لك فيه وديعة فتنصرك، فنظرت إلى جبل مستدير، فيه كوى مخرقة وستور معلقة، على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة بالياقوت، مكللات بالدرّ، وعلى كل مصراع ستر من الحرير، فلما نظرت إلى الجبل هربت إليه، وهو ورائي، فلما قرِبت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا

стр. 142

الستور وافتحوا المصاريع (١) وأشرفوا، فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه. فإذا الستور (٢) قد رفعت، والمصاريع قد فتحت، فأشرفت على أطفال بوجوه كالأقمار، وقرب التنين مني فتحيرت في أمري، فصاح بعض الأطفال: ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب عدوه منه، فأشرفوا فوجًا بعد فوج، وإذا بابنتي التي ماتت أشرفت معهم (٣) فلما رأتني بكت وقالت: أبي واللَّه، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي، فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمين فتعلقت بها، ومدت اليمين إلى التنين فولى هاربًا. ثم أجلستني وقعدت في حجري، وضربت ببدها اليمنى إلى لحيتي وقالت: يا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) فبكيت وقلت: يا بنية، وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت نحن أعرف به منكم، قلت: فأخبريني عن التنين الذي أراد هلاكي؟ قالت: ذاك كملك السوء، قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم، قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي؟ قالت: ذاك عملك الصالح، أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء، قلت: وما تصنعون بهذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين، قد أُسكنَّا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم، تقدمون علينا فنشفع لكم، فانتبهت فزعًا، فلما أصبحت فارقت ما كنت عليه، وتبت إلى اللَّه وهذا سبيل توبتي.

стр. 143

الحكاية الحادية عشرة: عن أحمد بن عبد اللَّه المقدسي قال: صحبت إبراهيم بن أدهم فسألته عن بداية أمره، وما كان سبب بدأة أمره من المُلك الفاني إلى الباقي؟ قال: يا أخي، كنت جالسًا يومًا في أعلى قصر في ملكي، والخواص قيام على رأسي، فأشرفت من الطاق فوجدت رجلا من الفقراء جالسًا بفناء القصر، بيده رغيف يابس قد بله بالماء، وأكله بملح جريش، وأنا أنظر إليه إلى أن فرغ من أكله، ثم شرب من الماء وحمد اللَّه وأثنى عليه، ونام في فناء القصر، فألهمني اللَّه الفكر فيه، فقلت لبعض مماليكي: إذا قام ذلك الفقير فأتني به، فلما استيقظ من نومه دُعي فقال: بسم اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه (١) وجاء، فلما نظر إليَّ سلم، فرددت عليه¬ السلام وأمرته بالجلوس فجلس، فلما اطمأن قلت له: يا فقير، أكلت الرغيف وأنت جائع فشبعت؟ فقال: نعم، قلت: وشربت الماء سجاوة فرويت؟ قال: نعم، قلت: ثم نمت طيبًا بلا هم ولا غم فاسترحت؟ قال: نعم، قلت في نفسي وأنا أعتبها: يا نفس ما أصنع بالدنيا، والنفس تقنع بما سمعت ورأت، فعقدت التوبة في تلك الساعة مع اللَّه -تعالى- فلما انصرف النهار وأقبل الليل، لبست مسحًا من شعر وقلنسوة من صوف، وخرجت سائحًا حافيًا إليه، فلحقني رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة، فتقدمت إليه وصافحته وسلمت عليه، فردّ عليّ السلام وقال: يا إبراهيم أين تريد؟ فقلت: هربت منه إليه، فقال لي: أنت جائع؟ قلت: نعم، فقام الشيخ وصلى ركعتين خفيفتين وقال لي: قم وصل كما صليت، ففعلت ذلك، فالتفت فإذا عن يمينه طعام موضوع وماء بارد، فقال لي: تقدم وكل من فضل اللَّه واشكر ربك على ذلك، فأكلت منه كفايتي، وهو باق على حاله، وشربت وحمدت اللَّه، فقال: يا إبراهيم اعقل وافهم ولا تستعجل في أمورك؛ فإن العجلة من الشيطان، واعلم أن اللَّه إذا أراد بعبده خيرًا صطفاه لنفسه وجعل في قلبه سراجًا من نور

стр. 144

قدسه، يفرق به بين الحق والباطل، ويبصر به عيوب نفسه، وإني أريد أن أعلمك اسم اللَّه الأعظم (١) فإذا أنت جعت أو عطشت فادع اللَّه به، فإنه سيشبعك ويرويك، يا ابن أدهم إذا جالست الأخيار والفقراء فكن لهم أرضًا يطئونك، ولا تغضبهم؛ فإن اللَّه يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، قال: ثم علمني الاسم الأعظم (٢) ثم قال: أستودعك الحي الذي لا يموت، ثم حجب عني، فأخذت الطريق، فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة، مليح (الترة) (٣)، فسلمت عليه، فرد السلام وقال: ما حاجتك يا ابن أدهم؟ ومن لقيت في سفرك هذا؟ فقلت: لقيت شيخًا من صفته كذا وكذا، وعلمني كذا وكذا، فبكى الفتى وأبكاني، فقلت له: يا سيدي أقسمت عليك باللَّه -تعالى- من ذلك الشيخ، ومن أنت؟ فقال: أما الشيخ فأخي إلياس، وأنا أبو العباس الخضر (٤)، قال: ففرحت فرحًا شديدًا، وألزمته إلى صدري وقبلته بين عينيه وصافحته وسألته الدعاء فدعا لي بالثبات والعصمة، ثم غاب عليّ فلم أدر أين ذهب. وهذه القصة حالي في ابتداء أمري. وهذه رواية، والمشهور أن بدأته أنه طرح يومًا يصطاد، فأثار ثعلبًا أو أرنبًا، فبينما هو في طلبه، إذ هتف به هاتف: ألهذا خلقت، أم بهذا أمرت، ثم هتف به من قربوس (٥) سرجه كذلك، فنزل عن مركوبه، وصادف راعيًا لأبيه، فأخذ جبته -وهي

стр. 145

صوف - فلبسها، وأعطاه فرسه وما معه، ثم دخل البادية وكان من أمره ما كان. الحكاية الثانية عشر: عن محمد بن المبارك قال: كان موسى بن محمد الهاشمي من أنعم بني أمية عيشًا، وأرخاهم بالًا؛ يعطي نفسه شهوتها من صنوف اللذات في المأكل (١) والمشرب والملبس والطيب والجواري والغلمان، ليست له همة ولا فكرة إلا في الذي هو فيه من عيشه ولذته، وكان شابًا جميلًا وجهه كاستدارة القمر، وكان ذا مال يدخل كل حول نحوًا من ثلاثمائة ألف وثلاثة آلاف درهم، يصرفه كله في النعيم، وكان له مستشرف عال يقعد فيه العشاء ويشرف على الناس، له أبواب على الجادة وأخرى على بستانه، وقد ضرب فيه قبة عاج مضيئة بالفضة مطلية بالذهب، وهو على سرير عليه غلالة قصب، وعلى رأسه عمامة مكللة باللآلئ ومعه في القبة ندماؤه وإخوانه، وقد وقف على رأسه الخدم، والقينات في مجلس آخر خارج القبة، يُمسكن تارة ويندفعن أخرى بإشارته. هذا دأبه ليلا ونهارًا في اللعب والتيه، حتى مضى له سبع وعشرون سنة، فبينما هو ذات ليلة في قبته، إذ سمع نغمة من صوت شجي خلاف ما سمعه من مطربته، فأخذ بقلبه فأحضره، وإذا هو شاب نحيل ذبل شعث ضمر، وعليه طمران، حافي، قائم في المسجد يناجي ربه، فقال: أيها الشاب أسمعني ما كنت تقول، فتعوذ وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ إلى قوله: ﴿بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢)، ثم وعظه (وذكر) (٣) صحن

стр. 146

داره، وجلس مع الشاب على الحصير ينوح على شبابه، ويندب على نفسه، والشاب يعظه إلى أن أصبح، وقد عاهد اللَّه أن لا يعود إلى معصيته أبدًا، فلما أصبح أظهر توبته، ولزم المسجد والعبادة، وأمر بالجواهر والملابس فبيعت، وتصدق بها، ورد الضياع المقتلعة، وباع ضياعه وخدمه، وأعتق من اختار العتق، وتصدق به أجمع، ولبس الصوف الخشن، وأكل الشعير، وكان يحيي الليل ويصوم النهار، حتى كان يزوره الصالحون والأخيار ويقولون له: ارفق بنفسك، فإن المولى كريم يشكر اليسير، ويثيب على الكثير، فيقول: يا قوم أنا أعرف بنفسي منكم؛ إن جرمي عظيم، عصيت (١) ربي ليلا ونهارًا، ويكثر البكاء، ثم خرج حاجًا حافيًا راجلا عليه خيشته وركوة وجراب، فقدم مكة فأقام بها إلى أن مات، وكان يدخل الحجر (٢) ليلا وينوح على نفسه ويقول: سيدي كم أُراقبك في خلوتي، سيدي ذهبت شهوتي وبقيت تبعاتي، فالويل لي يوم ألقاك والويل لي، ثم الويل من صحيفتي إذا نشرت مملوءة من فضائحي وخطاياي، بل كل الويل من سبِّك إياي، وتوبيخك لي، وإحسانك إليّ، ومقابلة نعمتك بالمعاصي، وأنت مطلع على فعالي. سيدي إلى من أهرب إلا إليك؟ إلى من ألتجئ، وعلى من أعتمد إلا عليك؟ إني لا (استاهل) (٣) أن أسألك الجنة، بل أسألك بجودك وكرمك وبفضلك أن تغفر لي، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة (٤). شعر: عصيتك جاهلا يا ذا المعالي … ففرج ما ترى من سوء حالي

стр. 147

إلى من يرجع المملوك إلا … إلى مولاه يا مولى الموالي فإنك أهل مغفرة وعفو (١) … وتواب ومفضال النوالي الثالثة عشر: حكي أن شابًا كان يحضر مجلس بعض علماء السلف الوعاظ، وكان الشاب إذا سمع الوعاظ يقول: يا ستار، يهتز كما تهتز السعفة، فقيل له في ذلك، فقال: اعلموا أني كنت أخرج في زي النساء، وأحضر كل موضع فيه عرس أو عزاء تجتمع فيه النساء، فحضرت يومًا عرسًا لبنت بعض الملوك، فسرق عقد لبنت الملك، فصاحوا: أن أغلقوا الأبواب، وفتشوا النساء، ففتشوهن واحدة واحدة حتى لم يبقى إلا امرأة واحدة وأنا، فدعوت اللَّه -تعالى- وأخلصت التوبة وقلت: إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود لمثل هذا أبدًا، فوجدوا العقد مع المرأة التي بقيت، فقالوا: أطلقوا المرأة الأخرى -يعنونني- فأطلقوني وحالي مستور، فمن حينئذ إذا سمعت ذكر الستار أذكر ستره علي ويأخذني ما رأيتم من الاهتزاز. الحكاية الرابعة عشر: حكي عن الشيخ أبي إسحاق الفزاري (٢) ﵀ قال: كان رجل يكثر الجلوس إلينا، ونصف وجهه مغطى، فقلت له: إنك تكثر الجلوس إلينا ونصف وجهك مغطى، أطلعني على هذا، قال: وتعطيني الأمان؟ قلت: نعم، قال: كنت شابًا فدُفنت امرأة، فأتيت قبرها حتى وصلت إلى (اللبن) (٣) فنزعته، ثم ضربت بيدي إلى الرداء، ثم إلى اللفافة، فمددتها، وجعلت تمدها هي، فقلت: أتراها تغلبني، فجثيت على ركبتي وجرَّدت اللفافة، فرفعت يدها ولطمتني، وكشف عن وجهه فإذا أثر خمسة أصابع في وجهه، قلت له: ثئم مه، قال: ثم رددت عليها لفافتها وإزارها، ثم رددت التراب، وجعلت على نفسي أن لا أنبش ما عشت، وهذه سبب توبتي.

стр. 148

الخامسة عشر: عن بعض الأكراد ممن كان يقطع الطريق، وينهب الأموال قال: بينما أنا وجماعة من أصحابي جلوس وقد خرجنا لقطع الطريق (١) فانتهينا إلى مكان فيه ثلاث نخلات، واحدة منهن ليس فيها تمر، وإذا بعصفور يحمل رطبة من نخلة مثمرة إلى رأس تلك النخلة التي ليس فيها تمر حتى تكرر منه ذلك عشر مرات وأنا أنظر، فخطر في نفسي أن أقوم وأنظر، فصعدت النخلة فإذا في رأسها حية عمياء فاتحة فاها، والعصفور يضع الرطب فيه، فبكيت وقلت: سيدي هذه حية أمر نبيك ﷺ بقتلها، لمَّا أعميتها أقصت لها عصفورا يقوم لها بالكفاية، وأنا عبدك أُقرُّ بأنك واحد أقمتني لقطع الطريق وإخافة السبيل، فوقع بقلبي: يا فلان بابي مفتوح، فكسرت سيفي ووضعت التراب على رأسي وصحت: الإقالة الإقالة، وإذا بهاتف يقول: قد أقلناك، قد أقلناك، فأتيت رفاقي فقالوا: مالك؟ قد أزعجتنا، فقلت: كنت مهجورًا وقد صولحت، وحكيت لهم القصة فقالوا: ونحن أيضًا نصالح. فرمينا ثيابنا وسلاحنا وأحرمنا وقصدنا مكة، وأقمنا نمشي ثلاثة أيام في البرية، ثم دخلنا قرية، فإذا نحن بعجوز عمياء مررنا عليها، فسألتنا أفيكم فلان الكردي؟ قلنا: نعم، فأخرجت ثيابًا إلينا وقالت: مات ولدي وخلف هذه الثياب، فرأيت النبي ﷺ في النوم ثلاث ليال يقول: أعطي هذه الثياب فلانًا الكردي، قال: فأخذتها فاكتسيت بها أنا وأصحابي، ثم مضينا إلى أن أتينا مكة. السادسة عشر: عن ذي النون (٢) المصري -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال وقد سئل عن أصل توبته قال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق وانتبهت وفتحت عيني، فإذا أنا بقبَّرة (٣) عمياء سقطت من شجرة، فانشقت الأرض، فخرج منها (سكرجتان) (٤) إحداهما من ذهب، والأخرى من فضة، في أحديهما سمسم،

стр. 149

والأخرى ماء ورد -أو قال: ماء- فأكلت من هذه وشربت من هذه، فقلت: حسبي، ولزمت الباب إلى أن قُبلت. (١) السابعة عشر: عن بعضهم قال: ركبت في مركب في البحر ومعي رفيق، فلما سار المركب سكنت، فطلبوا مرسًا وقربوا المركب من الساحل، وكان إلى جنبي شاب حسن الوجه، فنزل إلى الساحل، ودخل بين أشجار على شط البحر ثم رجع إلى المركب، فلما غابت الشمس قال لي ولصاحبي: إني ميت الساعة، ولي إليكما حاجة، قلنا: ما هي؟ قال: إذا أنا مت فكفناني مما في هذه الرزمة، وخذا هذه الثياب التي عليّ، فإذا دخلتما مدينة صور، فأول من يلقاكما ويقول لكما: هاتا الأمانة، فادفعوها إليه. فلما صلينا المغرب حركنا الرجل، فإذا هو قد مات، فحملناه إلى الشط، وأخذنا في غسله، وفتحنا الرزمة، فإذا فيها ثوبان أخضران مكتوبان بالذهب، وثوب أبيض فيه صرة فيها شيء كأنه الكافور، ورائحته كرائحة المسك، فغسلناه وكفناه في ذلك الكفن، وحنطناه بما كان في الصُرَّة من الطيب، وصلينا عليه ودفناه، فلما دخلنا مدينة صور استقبلنا غلام أمرد حسن الوجه، عليه ثوب (شرب) (٢) وعلى رأسه منديل ديبقي، فسلم علينا وقال: هاتا الأمانة، فقلما له: نعم وكرامة، ولكن ادخل معنا هذا المسجد نسألك عن مسألة، قال: نعم، فدخل معنا المسجد فقلنا له: أخبرنا من الميت ومن أنت؟ ومن أين له ذلك الكفن؟ فقال: أما الميت فكان من البدلاء (٣) من الأربعين، فأنا بدله، وأما الكفن فإنه جاء به الخضر ﷺ (٤) وعرَّفه أنه ميت، ثم لبس الثياب التي كانت معنا، ودفع لنا الثياب التي كانت عليه، وقال: بيعاها وتصدقا

стр. 150

بثمنها إن لم تحتاجا إلى لبسها، فأخذناها ودفعنا السراويل إلى مناد يبيعه، فلم نشعر إلا والمنادي قد جاء ومعه جماعة، وأخذونا إلى دار كبيرة، وإذا فيها جماعة، وإذا بشيخ يبكي وصراخ النساء في الدار، فلما وصلنا إلى الشيخ سألنا عن السراويل والتكة، فحدزناه الحديث، فخرَّ ساجدًا للَّه رب تعالى، ثم رفع وقال: الحمد للَّه الذي أخرج من صلبي مثله، ثم صاح لأمه وقال لنا: حدثاها الحديث، فحدثناها، فقال لها الشيخ: احمدي اللَّه الذي رزقك بمثله، فلما كان بعد سنين بينما أنا واقف بعرفات إذ أنا بشاب حسن الوجه، عليه مطرف خز (١) فسلم عليّ وقال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا صاحب الأمانة الصوري، ثم ودعني وقال: لولا أن أصحابي ينتظرونني لأقمت معك، فمضى وتركني، فإذا أنا بشيخ خلفي من أهل المغرب كنت أعرفه يحج كل سنة، فقال لي: من أين تعرف هذا الشاب؟ فقلت: هذا يقال له أنه من الأربعين، فقال: هو اليوم من العشرة وبه يغاث الناس والعباد. الثامنة عشر: عن الجنيد (٢) -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: كنت في المسجد مرة، فإذا رجل قد دخل إلينا وصلى ركعتين، ثم امتد ناحية من ناحية المسجد وأشار إليّ، فلما جئته قال لي: يا أبا القاسم، إنه قد حان لقاء اللَّه -تعالى- ولقاء الأحباب، فإذا فرغت من أمري فسيدخل عليك شاب مُغنِّي، فادفع إليه مرقعتي وعصاي وركوتي، فقلت: إلى مغني؟!! (٣) وكيف يكون ذلك؟!! قال: إنه قد بلغ رتبة القيام بخدمة اللَّه في مقامي، قال الجنيد: فلما قضى الرجل نحبه، وفرغنا من مواراته، إذا نحن بشاب مصري قد دخل علينا وسلّم وقال: أين الوديعة يا أبا القاسم؟ فقلت: وكيف ذلك؟ أخبرنا بحالك، قال: كنت في مشربة (٤) بني فلان، فهتف بي هاتف: أن قم إلى الجنيد وتسلم ما عنده، وهو كيت وكيت، فإنك قد جعلت مكان فلان الفلاني من الأبدال، قال الجنيد: فدفعت إليه ذلك، فنزع ثيابه واغتسل، ولبس المرقعة وخرج على وجهه نحو الشام (٥).

стр. 151

التاسعة عشر: عن الحسن الفارسي ﵀ أنه قال: بلغنا أن رجلا من أصحاب ذي النون أُصيب بعقله، وكان يطوف ويقول: أين قلبي؟ أين قلبي؟ ومن وجد قلبي؟ والصبيان قد ولعوا به يرمونه من كل جانب، فقضى أن دخل يوما في بعض سكك مصر، وقد هرب من الصبيان، فجلس يستريح ساعة، إذ سمع بكاء صبي تضربه والدته، ثم أخرجته من الدار وأغلقت دونه الباب، فجعل الصبي يلتفت يمينًا وشمالًا، لا يدري أين يذهب؟ ولا أين يقصد؟ فلما سكن ما به، عاد ناكصًا على عقبيه حتى رجع إلى باب دار والدته (١) فوضع رأسه على عتبة الباب، فذهب به النوم ثم انتبه، فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يفتح لي الباب إذا أغلقت بابك عني؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني من نفسك؟ ومن الذي يدنيني بعد إذ غضبت عليّ (٢)، قال: فرحمته أمه وقامت فنظرت من داخل الباب فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه، متمعكًا في التراب، ففتحت الباب ووضعته في حجرها وجعلت تقبله وتقول: يا ولدي يا قرة عيني يا عزيز نفسي أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت الذي تعرضت لما حل بك لو كنت أطعتني ما تلق مني مكروها، قال: فتواجد الفتى وصاح حتى اجتمعت عليه الخلق، فقالوا: ما الذي أصابك؟ فقال: وجدت

стр. 152

قلبي، وجدت قلبي، فلما أبصر ذا النون قال: يا أبا الفضل، وجدت قلبي في مكان كذا وكذا عند فلانة وسماها، ثم لم يزل إذا تواجد يقول ذلك. العشرون: عن بهلول (١) -رحمة اللَّه عليه- قال: بينما أنا ذات يوم في شوارع البصرة، وإذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز، وإذا بصبي ينظر إليهم ويبكي، فقلت: هذا صبي يتحسّر على ما في أيدي الصبيان، ولا شيء معه يلعب به، فقلت له: أي بني، ما يبكيك؟ أشتري لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان؟ فرفع بصره إليَّ وقال: يا قليل العقل؛ ما للعب خلقنا، فقلت: أي بني، فلماذا خلقنا؟ قال: للعلم والعبادة، قلت: من أين لك هذا؟ بارك اللَّه فيك، قال: من قول اللَّه : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ (٢) فقلت: أي بني، أراك حكيمًا فعظني وأوجز، فأنشأ يقول: أرى الدنيا تجهز بانطلاقي … مشمرة على قدم وساق فلا الدنيا بباقية لحي … ولا حي على الدنيا بباق فيا مغرور بالدنيا رويدًا … ومنها خذ لنفسك بالوثاق ثم رمق السماء بعينه، وأشار إليها بكفه ودموعه تنحدر على خديه، وأنشأ يقول: يا من إليه المبتهل … يا من عليه المتكل يا من إذا ما آمل … يرجوه لم يخطئ الأمل قال: فلما تم كلامه خرّ مغشيًا عليه (٣) فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب

стр. 153

عن وجهه بكمي، فلما أفاق قلت له: أي بني ما نزل بك، وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب؟ قال: إليك عني يا بهلول إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار، فلا يوقد إلا بالصغار، وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم، قلت: أي بني، أراك حكيما فعظني، فأنشأ يقول: أنعم جسمي باللباس ولينه … وليس لجسمي من لباس البلاء يد كأني به قد مُدّ في برزخ البلاء … ومن فوقه ردم ومن تحته لحد وقد ذهبت من المحاسن وانمحت … ولم يبق فوق العظم لحم ولا جلد أرى العمر قد ولى ولم أدرك المنى … وليس معي زاد وفي سفري بعد وقد كنت جاهرت المهيمن (١) عاصيًا … وأحدثت أحداثًا وليس بها رد وأرخيت خوف الناس سترًا من الحيا … وما من سر فيَّ غدا عنده يبدو بلى خفته لكن وثقت بحلمه … وأن ليس يعفو غيره فله الحمد فلو لم يكن شيئًا سوى الموت والبلا … ولو لم يكن منه وعيد ولا وعد لكان لنا في الموت شغل وفي البلا … عن اللهو لكن زال عن رأينا الرشد عسى غافر الزلات يغفر زلتي … فقد يغفر المولى إذا أذنب العبد أنا عبد سوء خنت مولاي عهده … تذلل عن السوء ليس له عهد فكيف إذا أحرقت بالنار جثتي … ونارك لا يقوى لها الحجر الصلد (٢) أنا الفرد عند الموت والفرد في البلا … وأُبعث فردا فارحم الفرد يا فرد (٣)

стр. 154

قال بهلول: فلما فرغ من كلامه وقعت مغشيًا عليّ، وانصرف الصبي، فلما أفقت نظرت إلى الصبيان فلم أره معهم، فقلت لهم: من يكون ذلك الغلام؟ قالوا: وما عرفته؟ قلت: لا، قالوا: ذلك من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب (١)، قلت: قد عجبت من أين تكون هذه الثمرة إلا من تلك الشجرة!! الحادية بعد العشرين: عن بعض الصالحات (٢) وهي شعوانة -رحمها اللَّه- قالت: رزقت ولدًا فربيته أحسن تربية، فلما كبر قال لي: يا أماه سألتك باللَّه إلا ما وهبتيني للَّه -سبحانه- فقلت له: يا بني، لا يصلح أن يهدي للملوك الرؤساء إلا أهل الأدب والتقى، وأنت يا ولدي عر ما تعرف ما يراد بك، ولم يأن لك ذلك، فأمسك عني ولم يقل شيئًا. فلما كان ذات يوم خرج إلى الجبل ليحتطب، ومعه دابة، فلما توسط الجبل نزل عن الدابة وأقبل يحتطب، ويحمل في حبله، حتى جمع حرمة وربطها، وجاء ليطلب الدابة ليحمل عليها، فوجد السبع قد افترسها، فجعل يده في رقبة السبع وقال: يا كلب اللَّه، وحق سيدي لأُحملنَّك الحطب كما تعديت على دابتي، فحمل على ظهره الحطب، وجعل يقوده وهو طائع لأمره، حتى وصل إلى داره، فقرع الباب، فقلت: من بالباب؟ فقال: ولدك الفقير إلى رب الأرباب، ففتحت له الباب، فلما رأيت الحطب على ظهر الأسد قلت: يا بني، ما هذا؟!! فحكى لي القصة فسررت لذلك، وعلمت أن اللَّه ﷻ قد عني به واصطفاه لخدمته

стр. 155

وقلت له: أما الآن يا بني، فقد صلحت لخدمة الملوك، اذهب فقد وهبتك للَّه وأنت وديعتي إياه، فودعته وودعها، وشيعته بالدعاء، ثم أنشأت تقول: جعل الرضا لسباقه ميدانًا … فجرى وأطلق من يديه عنانا (١) فتقدم السباق في غسق الدجى … يطوي القفار (٢) ويطلب الأوطانا هجر الخلائق والعلائق في الرضا … محبوبه وتجنب الإخوانا شرب الظمأ حتى تعطش قلبه … فغدا وراح من الظمأ ريّانا الثانية بعد العشرين: عن ذي النون (٣) المصري -رحمه اللَّه تعالى- قال: كنت في البادية قاصدًا مكة، فغلبني العطش، فملت إلى حي من بني مخزوم، فرأيت جارية صغيرة حسناء، وهي تترنم بالأشعار، فعجبت منها لصدور ذلك عنها، وهي من جملة الصغار، فقلت لها: يا هذه الجارية، أما فيك حياء؟ فقالت: صه يا ذا النون إني شربت البارحة بكأس الحب مسرورة، فأصبحت اليوم من حب المولى مخمورة، فقلت لها: يا جارية، أراك حكيمة فأوصيني بوصية، فقالت: يا ذا النون عليك بالسكوت والرضا في الدنيا بالقوت حتى تزور في الجنة الحيَّ الذي لا يموت. فقلت لها: هل عندك ماء؟ فقالت: أنا أدلك على الماء، فظننت أنها تدلني على بئر أو عين، فقالت: إن الناس يسقون يوم القيامة على أربع مراتب: فرقة تسقيهم الملائكة، قال اللَّه : ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ (٤). وفرقة يسقيهم رضوان خازن الجنة، قال اللَّه : ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ (٥). وفرقة يسقيهم المولى وهم الخواص من عباده، قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (٦) فلا تعطى بترك الدنيا غير مولاك، حتى يسقيك مولاك في عقباك،

стр. 156

ولعل -واللَّه أعلم- بالفرقة الرابعة يسقيهم الولدان، قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ (١). الحكاية الثالثة بعد العشرين: روي أنه اجتاز بعض الأمراء على باب الشيخ حاتم الأصم (٢) -رحمة اللَّه عليه- فاستقى ماء، فلما شرب رمى إليهم شيئًا من المال، ووافقه أصحابه، ففرح أهل الدار سوى بنت صغيرة لحاتم فإنها بكت، فقيل لها: ما يبكيك؟ فقالت: نظر إلينا مخلوق فاستغنينا، فكيف لو نظر إلينا الخالق؟ (٣) الحكاية الرابعة بعد العشرين: عن أبي كثير، عن أبي هريرة ﵄ أنه قال: ما خلق اللَّه مؤمنًا يسمع بي ولا رآني إلا أحبني. قلت: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وكنت أدعوها إلى الإسلام، فأسمعتني في رسول اللَّه ﷺ ما أكره، فذكرت ذلك له وقلت: ادع اللَّه أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة" (٤) فخرجت أبشرها بدعاء رسول اللَّه ﷺ فلما أتيت الباب إذا هو مجاف، فسمعت خضخضة الماء، فسمعت أمي خشخشة رجلي فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحت الباب، وقد لبست درعها، وعجلت عن خمارها، فقالت: إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله (٥)، فخرجت

стр. 157

إلى رسول اللَّه ﷺ فبكيت من الفرح كما بكيت من الحزن، فقلت: يا رسول اللَّه أبشرك، فقد استجاب اللَّه دعاءك، وقد هدى أم أبي هريرة فادع اللَّه أن يحببني إلى عباده المؤمنين، فقال: "اللهم حبب عبدك هذا إلى عبادك المؤمنين" فما خلق اللَّه مؤمنًا يسمع بي ولا يراني إلا يحبني (١). الحكاية الخامس بعد العشرين: عن ربيعة بن عثمان، وقدامة -رحمهما اللَّه- قالا: لا نعلم قرشية خرجت من بين أبويها مسلمة مهاجرة إلا أم كلثوم (٢)؛ قالت: كنت أخرج إلى بادية لنا فيها أهلي، فأقيم بها الثلاث والأربع، ثم أرجع إلى أهلي فلا ينكرون ذهابي في البادية حتى جمعت في السير، فخرجت يومًا من مكة، كأنني أريد البادية، فلقيت رجلا من خزاعة، فلما ذكر خزاعة (٣) اطمأننت؛ لدخول خزاعة في عهد رسول اللَّه ﷺ وعقده، فقلت: إني امرأة من قريش، فإني أريد اللحوق برسول اللَّه ﷺ ولا علم لي بالطريق، فقال: أنا صاحبك حتى أدلك على المدينة، ثم جاءني ببعير فركبته، وكان يقود لي البعير فواللَّه ما كلمني بكلمة، فإذا أناخ البعير تنحى عني، فإذا نزلت جاء إلى البعير قيده بالشجرة، ثم تنحى إلى شجرة، حتى إذا

стр. 158

كان الرواح خرج بالبعير فقرَّبه إليّ وولى عني، فإذا ركبت أخذ برأسه، ولم يلتفت وراءه حتى أنزل، فلم يزل كذلك حتى قدمنا المدينة، فجزاه اللَّه من صاحب خيرًا، فدخلت على أم سلمة وأنا متنقبة، فما عرفتني حتى انتسبت، فلما كشفت النقاب التزمتني، وقالت: هاجرت إلى رسول اللَّه ﷺ ، قلت: نعم، وإني أخاف أن يردني كما رد أبا جندل (١) وحال الرجال ليس كحال النساء، وقد طالت غيبتي عن قومي، ولي خمسة أيام منذ فارقتهم، وهم يتحينون قدر ما كنت أغيب، ثم يطلبوني، فإن لم يجدوني رحلوا، فدخل رسول اللَّه ﷺ على أم سلمة فأخبرته خبر أم كلثوم، فرحب بها، فقالت: إني فررت إليك بديني، فامنعني ولا تردني إليهم يفتنوني ويعذبوني، ولا صبر لي على العذاب، إنما أنا امرأة، وضعف النساء إلى ما تعرف، فقال: "إن اللَّه قد نقض العهد في النساء، وحكم بحكم رضوه كلهم" (٢) وكان النبي ﷺ لا يرد النساء، فقدم أخوها الوليد وعمارة من الغد فقالا: أوف لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه، فقال: "قد نقض اللَّه ذلك" فانصرفا، وكانت أم كلثوم عاتقًا حينئذ، فتزوجها زيد بن حارثة، فلما قتل عنها تزوجها الزبير، فولدت له زينب، ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف (٣) فولدت له إبراهيم وحميدًا، ثم تزوجها عمرو بن العاص، فماتت عنده. الحكاية السادسة بعد العشرين: عن الحسن البصري -رحم اللَّه تعالى- قال: كانت امرأة بغيّ في زمن بني إسرائيل لها ثلث الحُسن لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، وإنه أبصرها عابد فأعجبته، فذهب يعمل بيده، وعالج حتى جمع مائة دينار،

стр. 159

ثم جاء إليها وقال: إنك أعجبتيني، فانطلقت فعملت بيدي وعالجت (١) حتى جمعت مائة دينار، فقالت له: ادخل، وكان لها سريرًا من ذهب فجلست على سريرها ثم قالت: هلم، فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة، ذكر مقامه بين يدي اللَّه -تعالى- فأخذته رعدة فقال لها: اتركيني أخرج ولك المائة دينار، فقالت: ما بدا لك، وقد زعمت أني أعجبتك، فلم قدمت على فعلك الذي فعلت؟ فقال: فرقا من اللَّه، ومن مقامي بين يديه، وقد بغضك اللَّه إليّ، فأنت أبغض الناس إليَّ (٢) قالت: إن كنت صادقًا فمالي زوج غيرك، فقال: دعيني أخرج، قالت: لا إلا أن تجعل لي أنك تتزوج بي، قال: فلعل تقنع بتوبة، وخرج إلى بلده فارتحلت نادمة على ما كان منها، حتى قدمت بلده، فسألت عن اسمه ومنزله، فدُلَّت عليه، وكانت تُعرف بالملكة، فقيل له: إن الملكة قد جاءتك، فلما رآها شهق شهقة فمات ﵀ قال: فسقط في يدها وقالت: أما هذا فقد فاتني، فهل له من قريب؟ قالوا: أخوه رجل فقير، قالت: وأنا أتزوج به حبًا لأخيه، فتزوجته، فنسل اللَّه منهما سبعة أبناء. الحكاية السابعة بعد العشرين: عن رجاء بن عمرو النخعي قال: كان في الكوفة فتى جميل الوجه، شديد التعبد والاجتهاد، وكان أحد الزهاد فنزل في جوار قوم من النخع، فنظر إلى جارية جميلة فهويها، فهام بها عقله، ونزل بها مثل الذي نزل به، فأرسل يخطبها من أبيها، فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عمها، فاشتد عليهما ما يقاسيان من ألم الهوى، فأرسلت إليه: قد بلغني شىرة محبتك لي، وقد اشتد بلائي بك (٣) فإن شئت زرتك، وإن شئت سهلت لك إلى أن تأتيني إلى منزلي، فقال للرسول: لا واحدة من هاتين الخصلتين ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤).

стр. 160

أخاف نارًا لا يخبو سعيرها، ولا يخمد لهبها، فلما انصرف الرسول إليها وأخبرها بما قال قالت: وأراه مع ذلك زاهدًا يخاف اللَّه، فقالت: واللَّه ما أحد أحق بهذا الأمر مني، وإن العباد فيه لمشتركون، ثم انخلعت من الدنيا، وألقت علائقها خلف ظهرها، ولبست المسوح وجعلت تتعبد، وهي مع ذلك تذوب وتنحل وتزداد حبًا للفتى وأسفًا عليه حتى ماتت، فكان الفتى يأتي إلى قبرها، فرآها في منامه، وكأنها في أحسن منظر، فقال: كيف أنت وما لقيتي؟ قالت: المحبة يا أخي محبتك حبًا يقود إلى خير وإحسان، فقال لها: على إثر ذلك إلام صرت؟ قالت: إلى نعيم وعيش لا زوال له في جنة الخلد مُلك ليس بالفاني، فقال لها: أذكرتيني هناك، فإني لست أنساك؟ فقالت: ولا أنا واللَّه أنساك، ولقد سألت ربي مولاي ومولاك فأعني على ذلك بالاجتهاد، ثم ولت مدبرة، فقال لها: متى أراك؟ قالت: ستأتينا عن قريب، ولم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال. الحكاية الثامنة بعد العشربن: عن بعض السلف -رحمة اللَّه عليه- قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا لرجل جاء به إلى السوق يبيعه، فكان لقمان كلما جاء إنسان يشتريه قال له: ما تصنع بي؟ فإذا قال: أصنع بك كذا وكذا وكذا، قال: حاجتي إليك أن لا تشتريني حتى جاء رجل فقال لقمان: (١) ما تصنع بي؟ قال: أصيرك بوابًا على بابي، قال: فاشترني، فاشتراه وجاء به إلى داره، وكان له ثلاث بنات يبغين في القرية، فأراد أن يخرج إلى ضيعة له، فقال له: إني أدخلت إليهن طعاما وما يحتجن إليه، فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ولا تفتحه حتى أجئ، فلما خرج فعل ما أمره به مولاه، فقال له البنات: افتح الباب، فأبى عليهن، فشججنه، فغسل الدم وجلس، فلما قدم سيده لم يخبره بشيء، ثم أراد سيده الخروج أيضًا فقال: إني قد أدخلت إليهن ما يحتجن إليه، فلا تفتح الباب، فلما خرج سيده خرجن إليه، وقلن له: افتح الباب فأبى، فشججنه، فغسل الدم وجلس، فلما أن جاء مولاه لم يخبره

стр. 161

بشيء، فقالت الكبيرة منهن: ما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة اللَّه مني، واللَّه لأتوبن، فتابت، فقالت الصغرى: ما بال هذا العبد الحبشي، وهذه الكبرى أولى بطاعة اللَّه مني، واللَّه لأتوبن (١) فتابت، فقالت الوسطى: ما بال هذا العبد الحبشي وهاتين أولى بطاعة اللَّه مني، فتابت، فقالت غواة القرية: ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة اللَّه منا، واللَّه لنتوبن، فتاب الجميع وصاروا عبَّاد القرية. الحكاية التاسعة بعد العشرين: عن بعضهم قال: كنا نمشي على شاطئ الإيلة في الليل والقمر طالع، فمررنا بقصر لجندي، وفيه جارية تضرب بالعود، وإلى جانب القصر فقير عليه خرقتان، فسمع الجارية وهي تقول: في سبيل اللَّه ود … كان مني إليك يبذل كل يوم تتلون … غير هذا بك أجمل فصاح الفقير وقال: اعبديه يا جارية، فهذا حالي مع اللَّه -تعالى- فنظر صاحب الجارية إليه وقال لها: اتركي العود وأقبلي عليه فإنه صوفي، فأخذت تقول والفقير يقول: هذا حالي مع اللَّه -تعالى- والجارية تردد إلى أن صاح الفقير صيحة وخرّ مغشيًا عليه، فحركناه فإذا هو ميت، فنزل صاحب القصر، فأدخله القصر فاغتممنا وقلنا: هذا يكفنه بكفن غير طيب، فصعد الجندي وكسر كل ما كان بين يديه، فقلنا: ما بعد هذا الأخير، ومضينا إلى الإيلة، وأعلمنا الناس. فلما أصبحنا رجعنا إلى القصر، فإذا الناس يقبلون من كل وجه إلى الجنازة، كأنما نودي للبصرة حتى خرج القضاة والعدول وغيرهم، والجندي يمشي خلف الجنازة حافيا حاسرًا حتى دفن، فلما هم الناس بالانصراف، قال الجندي للقاضي والشهود: اشهدوا أن كل جارية لي حرة لوجه اللَّه -تعالى- وكل ضياعي وعقاراتي في سبيل اللَّه، ولي في صندوق كذا وكذا أربعة الآف دينار، وهي في سبيل اللَّه (٢) ثم

стр. 162

نزع الثوب الذي كان عليه فرمى به، وبقي في سراويله، فأعطي ثوبين اتزر بواحد واتشح بالآخر، وهام على وجهه، فكان بكاء الناس عليه أكثر من بكائهم على الميت. الحكاية الثلاثون: عن أبي هاشم -رحمة اللَّه عليه- قال: أردت البصرة، فجئت إلى سفينة أكتريها (١) وفيها رجل ومعه جارية، فقال الرجل: ليس هاهنا موضع، فسألته الجارية أن يحملني ففعل، فلما سرنا دعا الرجل بالغداء فوضع، فقال: ادع ذلك المسكين ليتغذى معنا، فجئت على أني مسكين، فلما تغدينا قال: يا جارية، هاتي شرابك، فشرب وأمرها أن تسقيني فقلت: يرحمك اللَّه، إن للضيف حقًا، فتركني، فلما دب فيه النبيذ قال: يا جارية، هاتي عودك، وهاتي ما عندك، فأخذت العود وغنت وهي تقول: وكنا كغصني بانة (٢) ليس واحد … تزول على الحالات عن رأي واحد تبدل بي خلًّا فخاللت غيره … وخليته لما رأيت تباعدي فلو أن كفي لم تردني أبنتها … فلم تصحبنها بعد ذلك ساعدي ألا قبح الرحمن كل ممازق … بكون أخا في الخفض لا في الشدائد فالتفت الرجل إلى وقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: أحسن خيرًا منه، فقرأت ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ (٣) فجعل الشيخ يبكي، فلما انتهيت إلى قوله تعالى ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ (٤) قال: يا جارية: اذهبي فأنت حرة لوجه اللَّه، وألقى ما معه من الشراب في الماء، ثم عاد إلى فاعتنقني وقال: يا أخي، أترى أن اللَّه يقبل توبتي؟ (٥) فقلت له: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ

стр. 163

الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) ثم آخيته، فاصطحبنا بعد ذلك أربعين سنة حتى مات، فرأيته في المنام فقلت: إلام صرت؟ قال: إلى الجنة، قلت: بماذا؟ قال: بقرائتك عليّ ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾. وأنشدوا: بادر الى التوبة الخلصاء مجتهدًا … فالموت ويحك لم يمدد إليك يدًا فإنما المرء في الدنيا على خطر … إن لم يكن ميتا اليوم مات غدًا الحادية بعد الثلاثين: عن إسماعيل بن عبد اللَّه الخزاعي ﵀ قال: قدم رجل من المهابة من البصرة أيام البرامكة (٢) في حوائج له، فلما فرغ منها انحدر إلى البصرة ومعه غلام له وجارية، فلما صار في دجلة إذا بفتى على ساحل دجلة عليه جبة صوف، وبيده عكاز ومزود، فسأل الملاح أن يحمله إلى البصرة، ويأخذ من الكرى، فأشرف المهلبي، فلما رآه رق له فقال للملاح: قَرِّب واحمله معك على الظلال (٣)، فحمله فلما كان وقت الغداء، دعا بالسفرة وقال للملاح: قل للفتى يتغدى معنا، فأبى عليه، فلم يزل يطلبه حتى أتى، فأكلوا حتى إذا فرغوا ذهب الفتى ليقوم فمنعه الرجل، ثم دعا بشراب فشرب قدحًا، ثم سقى الجارية، ثم عرض على الفتى فأبى، فسقى الجارية وقال: هاتي ما عندك، فأخرجت جمودًا لها في غشاء فهيأته وأصلحته، ثم غنت، فقال: يا فتى، أتحسبن مثل هذا؟ قال: أُحسن ما هو أحسن من هذا، فافتتح الفتى: بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤) (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٥) وكان الفتى

стр. 164

حسن الصوت، فرمى الرجل بالقدح في الماء، وقال: أشهد أن هذا أحسن مما سمعت، فهل غير هذا؟ قال: نعم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ (١). فوقعت من قلبه موقعًا، فرمى ظرف الشراب بما فيه، وكسر العود، ثم قال: يا فتى ههنا فرج؟ قال: نعم ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ (٢) فصاح صيحة وخر مغشيا عليه، فنظروا إليه فإذا هو فارق الدنيا، وكان رجلا معروفًا، فحمل إلى منزله واجتمع الناس، فما رأيت جنازة أكثر جمعًا منه. قال: وبلغني أن الجارية المغنية تدرعت الشعر فوق الصوف، وجعلت تصوم النهار وتقوم الليل، فمكثت أربعين ليلة، ثم مرت بهذه الآية في بعض الليالي (٣) ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ (٤) فلما كان الصبح وجدوها ميتة. الثانية بعد الثلاثين: عن مالك بن دينار -رحمة اللَّه عليه- أنه كان يومًا ماشيًا في أزقة البصرة، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم، فلما رأى

стр. 165

مالك نادى: أيتها الجارية، أيبيعك مولاك؟ قالت: ولو باعني، كان مثلك يشتريني؟ قال: نعم وخيرًا منك؟ فضحكت، وأمرت به أن يحمل به إلى دارها، فحُمل، فدخلت إلى مولاها فأخبرته، فضحك وأمر أن يدخل به إليه، فأُدخل فأُلقيت له الهيبة في قلب السيد قال: ما حاجتك؟ قال: بعتي جاريتك، قال: أو تطيق ثمنها؟ قال: فثمنها عندي نواتان مسوستان، فضحكوا، قال: كيف ثمنها عندك هذا؟ قال: لكثرة عيوبها، قال: وما عيوبها؟ قال: إن لم تتعطر زفرت، وإن تستك (نجرت) (١)، وإن لم تمتشط وتدهن قملت وتشعَّثت، وإن تعمد عن قليل هرمت، ذات حيض وبول وأقذار، وحزن وغم وأكدار، ولعلها لا تودك إلا نفسها، ولا تحبك إلا لنعيمهما، لا تفي بعهدك، ولا تصدق في وعدك، ولا تخلف عليها أحد بعدك إلا رأته مثلك، وأنا آخذ بدون ما سألتك في جاريتك من الثمن جارية خلقت من الكافور، ومن المسك والجوهر والنور، لو مزج بريقها أجاج لطاب، ولو دعي بكلامها ميت لأجاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت دونه وكسفت (٢) ولو بدا في الظلماء لأنارت به وأشرقت، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتعطرت بها وتزخرفت، نشأت بين رياض المسك والزعفران، وقضبان الياقوت والمرجان، وقصرت في خيام النعيم (٣) وغُذيت بماء التسنيم، لا يخلف وعدها، ولا يبدل وُدُّها، فأيهما أحق بدفع الثمن؟ قال: التي وصفتَ، قال: فإنها الموجودة الثمن، القريبة الخطب في كل زمن، قال: فما ثمنها - رحمك اللَّه؟ قال: اليسير المبذول، الخطير المأمول، أن تتفرغ ساعة في ليلك، تصلي ركعتين تُخلصهما لربك، وأن يوضع طعامك، فتذكر جائعك فتؤثر اللَّه على شهوتك، وأن ترفع حجرًا أو قذرًا عن الطريق (٤)، وأن تقطع أيامك بالبلغة والقلة،

стр. 166

وترفع همك عن دار الغرور والغفلة، فتعيش في الدنيا بعز القناعة، وتأتي إلى موقف الكرامة آمنًا غدًا، وتنزل في الجنة دار النعيم في جوار المولى الكريم مخلدًا (١) فقال الرجل: يا جارية، أسمعت ما قال شيخنا هذا؟ قال: نعم، قال: أفصدق أم كذب؟ قالت: بل صدق وبرّ ونصح، قال: فأنت إذن حرة للَّه -تعالى- وضيعة كذا وكذا صدقة عليك، وأنتم أيها الخدام أحرار، وضيعة كذا وكذا وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل اللَّه، ثم مدَّ يده إلى ستر خيش كان على بعض أبوابه فاجتذبه، وخلع جميع ما كان عليه، واستتر بالستر، فقال الجارية: لا عيش لي بعدك يا مولاي، فرمت بكسوتها، ولبست ثوبًا خشنًا، وخرجت معه، فودعهما مالك بن دينار ودعا لهما، وأخذا طريقًا غيره، فتعبدا جميعًا حتى جاء الموت، فنقلهما على حال العبادة - رحمة اللَّه عليهما. الثالثة بعد الثلاثين: عن بعض أهل العلم قال: كانت تختلف إليّ في بعض الأحيان جارية لها وضاءة، وعليها خفارة (٢) فتسألني عن شرائع الإسىلام وأمور الدين، وأجيبها وألطف بها، وكان حالها يميل إلى السر والكتمان (٣)، وكان يعجبني

стр. 167

سمتها وحالها، فبينما أنا بعد مدة مارًا بالسوق، إذ رأيت الجارية وقد قبض على يدها إنسان وهو ينادي عليها: من يشتري هذه الجارية بعيبها، فقلت لها: ألست التي كنت تسأليني عن أمور وشرائع الإسلام؟ فأطرقت، فبينما أنا أتكلم معها إذا بسيدها قد أقبل، فتقدمت إليه وقلت له: صف صفة جاريتك، واذكر لي ما الذي تكره منها، فقال: أخبر الشيخ أن البعيد مجوسي (١) يعبد النار والنور، وكنت قد استحسنت هذه الجارية لما رأيت من جمالها وعقلها، فاشتريتها بثمن جزيل، وكنت أراها كثيرة العبادة والتعظيم لمعبودنا، محبة طائعة لآلهتنا، وقد كانت ليلة من الليالي، فمر بنا رجل متن أهل ملتكم، وقرأ شيئًا من كتابكم، فما هو إلا أن سمعت ما قرأه، صاحت صيحة فدهشنا، وأنشدت: طرق السمع يا أهيل المحلى … خير منكم فزاد اشتياقي حكم النقل قد روته ثقات … مسند بالدواة والاتفاق عندما شمت بارقًا من حماكم … حن قلبي إلى لذيذ التلاقي وكتمت الوشاة ما بي من الوجد … ومن لوعتي واحتراقي أنا أفنى بكم وتبلى عظامي … ورسل الغرام في القلب باقي قال: فدهشنا وهي باهتة نسألها، فلا ترد جوابًا، إلا أنها تركت عبادة آلهتنا، وأبت أن تأكل طعامنا، وإذا جن عليها الليل صلَّت إلى قبلتكم، وكم نهيناها فلم تنته، وقد ذهبت نضارتها وغيرت حالتها، ولم يحصل لنا بها انتفاع، ولم نستطع أن نردها عن ما هي عليه، وقد عزمت على بيعها، قال: فقلت لها: الأمر كذلك؟ فأشارت برأسها: نعم، فقلت في نفسي: إنما عابها من جهلها، فأنشدت: يعيبون ما لو أنهم فطنوا به … لكانوا أشذ الناس جيئًا لما عابوا فقلت لها: أي آية قرئت عليك؟ قالت: قول ربك: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ (٢) الآية، فمنذ سمعتها عزمت (صبري) (٣) وظهر لي ما ترى من أمري، وأنشدت: ما بين منعرج اللوى والوادي … يا صاحبي ضحى عدمت فؤادي ورجعت ذو وله وكم من عاشق … مقتول عشق ما له من فادي يا أهل نجد ارحموا ذا لوعة … ما بين أطناب الخيام ينادي

стр. 168

ولهان لا يصغي لعذل عوازل … ظمآن من ماء التواصل صادي ما هبت لي منكم نسيم مخبر … بالوصل فيه منايح الإسعادي ألا سعيت مبادرًا للقاكم … ومنعت عيني من لذيذ رقاذي وإذا نطقت بذكر غزلان النقا (١) … أو زينب أو (علوة) (٢) وسعادي فلأنتم قصدي وغاية مطلبي … ولأنتم دون الجميع مرادي لا شيء يشبهكم تعالى ذكركم … عن قول ذي زيغ وذي إلحاد (٣) قال: فقلت لها: لو أسمعتك تمام الآيات؟ فقالت: إن كنت تحسنها فاقرأ عليّ، فقرأت عليها حتى انتهيت إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (٤). فقالت: أحسنت، حسبك ما ضمنه الإله المعبود، ثم قلت لسيدها: هل لك أن تقبض ثمنها مني؟ قال: إن ثمنها جزيل،. ولي ابن عم قد تعلق بها وقصدني فيها يريد أن يرجعها عن ما هي عليه من الخاطر الذي قد اعتراها، وهو مجوسي من الملة، قال: فبينما هو يخاطبني، إذ أقبل ابن عمه، فقال: أنا أردّها عما هي عليه، فدفعها إليه، فلمّا علمت بذلك قالت لي: يا شيخ، ألا تسمع كلامه ليكونن لي وله شأن عظيم يطلعك الملك عليه، فلمّا كان بعد مدة، رأيت سيدها المجوسي ذهب بها يصلي معنا في المسجد، فقلت له: ألست سيد الجارية؟ قال: بلى، قلت: كيف كان الخبر؟ قال: خبر خير، مضيت بها إلى منزلي، وخرجت لحاجتي، فلما رجعت وجدتها قد نصبت كرسيًا وجلست عليه، وجعلت تذكر اللَّه وتوحده، وتُحذّر أهلي

стр. 169

وتنهاهم عن عبادة النار، وتصف لهم الجنة، فخشيت أن تفسد علينا ديننا، فقلت: أخذت هذه الجارية طمعا أن نفسد عليها دينها فإذا هي تفسد علينا ديننا، فقصصت قصتها على صاحب لي وقلت له: ما تشير عليّ أن أفعل؟ قال: أودعها مالًا وخذه من ورائها، واطلبه منها لتثبت عليها الحجة، ثم اضربها، قال: فأودعتها كيسا فيه خمسمائة دينار، فاشتغلت على عادتها في عبادتها، فأخذت الكيس وهي لا تشعر، فطلبته منها، فوثبت إلى الموضع الذي وضعته فيه، فإذا بالكيس في موضعه، فناولتني إياه، فعجبت من ذلك، وقلت في نفسي: أنا أخذت الكيس، وهذا آخر ولا شك بعد العيان، هذا يدل على قدرة إلهها الذي تعبده، فآمنت بإلهها وأسلمت أنا وصاحبي وأهلي كلهم، وأطلقت سبيلها بهما اختارت -رحمها اللَّه تعالى- ما زالت تكتم الغرام حتى أظهر اللَّه حالها للأنام كما أنشد لسان حالها: كتمت الوشاة (١) غرامي بكم … وحبكم في حشا أضلعي وموهت (٢) عنكم بوادي التقى … وسكان رامة والأجرع ولولاكم ما ذكرت اللوى … ولا حن قلبي إلى لعلعي (٣) الرابعة بعد الثلاثين: عن سبري السقطي (٤) -رحمه اللَّه تعالى- قال: سهرت ليلة من الليالي، وقلقت قلقًا شديدًا، فلم أطق الغمض، مع ما حرمته من التهجد، فلما صليت الصبح خرجت، لا يقَرّ بي قرار، فوقعت في الجامع أسمع بعض القصص لعلي أجد لقلبي راحة، فوجدت قلبي لا يزداد إلا قساوة، فمضيت، ووقفت ببعض الوعاظ، فوجدت قلبي لا يزداد إلا قساوة، فقلت: أمضي إلى بعض أطباء القلوب، ومن يدل المحبب على المحبوب؟ فمضيت، فوجدت قلبي لا يزداد إلا

стр. 170

قساوة، فمضيت إلى الشرطة، لعلي أعتبر بمن يعاقب في الدنيا، فوجدت قلبي لا يزداد إلا قساوة، فقلت: أمضي إلى المارستان لعلي أرتعد وأنزجر بمن ابتلي، فلما ولجت المارستان (١) وجدت قلبي قد انفسح، وصدري قد انشرح. وإذا أنا بجارية من أنضر الناس وجهًا، عليها أطمار (٢) حسنة رفيعة، وشممت منها رائحة عطرة، عفيفة المنظر، وسيمة الخطر (٣)، وهي مقيدة الرجلين، مغلولة اليدين، فلما رأتني تغرغرت عيناها بالدموع، وأنشأت تقول: أعندك أن تغل يدي … بغير جريرة سبقت تغل يدي إلى عنقي … وما خانت وما سرقت وبين جوانحي كبدًا … حنَّ بها قد احترقت وحقك يا منى قلبي … يمينا برة صدقت فلو قطتهما قطعًا … وحقك عنك ما رجعت قال السري: فلما سمعت كلامها قلت لصاحب المارستان: ما هذه الجارية؟ قال: مملوكة اختل (٤) عقلها فحبسها مولاها لعلها تنصلح، فلما سمعت كلام القيم تشرَّفت (٥) بدموعها وجعلت تقول: معشر الناس ما جننت ولكن … أنا سكرانة وقلبي صاحي أغللتم يدي ولم آت ذنبا … غير جهدي في حبه وافتضاحي أنا مفتونة بحب حبيب … لست أبغي من بابه من براحي فصلاحي الذي زعمتم فسادي … وفسادى الذي زعمتم صلاحي ما على من أحب مولى الموالي … وارتضاه لنفسه من جناحي قال: سمعت كلامًا أقلقني وأشجاني (٦) وأحرفني وأبكاني، فلما رأت دموعي قالت: يا سري هذا بكاؤك على صفته، فكيف لو عرفته حق معرفته؟! ثم أغمي عليها ساعة، فلما أفاقت جعلت تقول:

стр. 171

ألبستني ثوب وصل طاب ملبسه … فأنت مولى الورى حقًا ومولاي كانت لقلبي أهواء مفرقة … فاستجمعت مُذْ رأتك العين مولاي من غصَّ (١) داوى بشرب الماء غُصَّتَهُ … فكيف يصنع من قد غص بالماء قلبي حزين على ما فات من زللي … والنفس في جسدي من أعظم الداء والشوق في خاطري مني وفي كبدي … والحب مني مصون في سويدائي إليك مني قصدت الباب معتذرًا … فأنت تعلم ما ضمته أحشائي فقلت لها: يا جارية، قالت: لبيك يا سري، قلت: من أين عرفتيني؟ قالت: ما جهلتك مذ عرفت، ولا فترت مذ خدمت ولا انقطعت مذ وصلت، وأهل الدرجات يعرف بعضهم بعضًا، قلت: أسمعك تذكرين المحبة، فمن تحبين؟ قالت: لمن تعرَّف إلينا بنعمائه، وجاد علينا بجزيل عطائه، فهو قريب إلى القلوب، محب لطلب المحبوب، سميع عليم بديع حكيم، جواد كريم، غقور رحيم، فقلت لها: من حبسك ههنا؟ قالت: يا سيدي حاسدون تعاونوا وتعاقدوا وتراسلوا، ثم شهقت حتى ظننت أنها فارقت الحياة، ثم أفاقت وأنشأت تقول: قلبي أراه أني إلى الأحباب مرتاحا … سكران في حب من هو بالهوى باحا يا عين جودي بدمع خوف هجرهم … فربَّ دمع أتى للخير مفتاحًا ورب عين رآها اللَّه باكية … بالخوف منه تنال الروح والراحا للَّه عبد جنى ذنبًا فأحزنه … فبات يبكي بدر الدمع سفاحا مستوحش (٢) خائف مستيقن فطن … كأن في قلبه للنور مصباحًا قال السري: فقلت لقيِّم (٣) المارستان: أطلقها، ففعل، فقلت: اذهبي حيث شئت، قالت: يا سيدي إلى أين أذهب؟ ومالي عنه مذهب، إن حبيب قلبي قد ملَّكني لبعض مماليكه، فإن رضي مالكي ذهبت، وإلا صبرت واحتسبت، فقلت: واللَّه هذه أعقل مني، فبينما هي تخاطبني إذ دخل مولاها فقال للقيم: أين تُحفة؟ فقال: هي داخل المارستان (٤)، وعندها السري السقطي، قال: ففرح ودخل وسلَّم عليَّ،

стр. 172

ورحب بي وعظمني، فقلت له: هي أولى بالتعظيم مني؛ فما الذي تكره منها؟ فقال: أمور كثيرة: لا تأكل ولا تشرب، ذاهلة (١) العقل مدهوشة اللب، لا تنام ولا تدعنا ننام، كثيرة الفكرة، سريعة الدمعة، ذات زفرة وحنين وبكاء وأنين، وهي بضاعتي اشتريتها بكل مالي؛ بعشرين ألف درهم، وقلت: أنا أربح فيها مثل ثمنها لحسن صنعتها، قلت: وما صنعتها؟ قال: مطربة، قلت: ومنذ كم كان بها هذا الداء؟ قال: منذ سنة، قلت: وما كان بدؤه؟ قال: بينما العود في حجرها وهي تغني وتقول: وحقك لا نقضت الدهر عهدا … ولا كدَّرت بعد الصفو ودًّا ملأت جوانحي (٢) والقلب وجدا … فكيف ألَذُّ وأسلو وأهدى فيا من ليس لي مولى سواه … تُرَاكَ رضيتني في الناس عبدا ثم كسرت العود وقامت وبكت، فاتهمتها بمحبة إنسان، فَكَشَفْتُ عن ذلك فلم أجد له أثرًا، فقلت لها: هكذا كان الحديث، فأجابتني بلسان طلق وقلب محزون وهي تقول: خاطبني الحق من جناني … فكان وعظي على لساني قربني منه بعد بُعد … وخصني اللَّه واصطفاني أجيب لما دعيت طوعًا … ملبيا للذي دعاني وحققت مما جنيت قدما … فوقع الحب بالأماني قال السري: فقلت له: على الثمن وأزيدك، فصاح وقال: وافقداه من أين لك ثمن هذه وأنت رجل فقير؟!! فقلت له: لا تعجل عليَّ تكون في المارستان حتى آتي بثمنها، ثم ذهبت باكي العين حزين القلب، وواللَّه ما عندي من ثمنها درهم، وبقيت طول الليل أتضرع، فلم أغمض، وأقول: يا رب إنك تعلم سري وجهري، وقد عودتني على فضلك فلا تفضحني، فبينما أنا في المحراب إذا بقارع يقرع الباب، فقلت: من بالباب؟ فقال: حبيب من الأحباب؟ جاء في سبب من الأسباب، بأمر الملك والوهاب، ففتحت الباب، وإذا برجل معه أربعة غلمان وشمعة، فقال: يا أستاذ تأذن لي بالدخول؟ فقلت: ادخل، فدخل، فقلت له: من أنت؟ قال: أحمد بن المثنى قد أعطاني من إذا أعطى لا يبخل بالعطاء، كنت الليلة نائمًا، فهتف بي هاتف

стр. 173

وقال لي: خذ خمس بدرات (١) إلى السري يطيب بها نفسه، ويشتري بها تحفة، فإن لنا بها عناية، فسجدت شكرًا للَّه على ما أولاني من نعمة، وجعلت أتوقع الفجر، فلما صليت الصبح خرجت وأخذت بيد أحمد ومضيت إلى المارستان، فإذا بالموكل بها يتلفت يمينًا وشمالًا، فلما رآني قال: مرحبًا اُدخل فإن لها عند اللَّه عناية؛ هتف بي البارحة هاتف وهو يقول: إنها منا تنال … ليس تخلو من نوال ثم ترقَّت وعلت … في كل حال قال السري: فلما رأتني تحفة تغرغرت عيناها بالدموع وقالت: شهرتني بين المخلوقين، ثم أنشأت تقول: قد تصبرت حتى … عيل (٢) في حبك صبري ضاق من عليَّ وقيدي … وامتهاني فيك صدري ليسى يخفى عنك أمري … يا مُنَى سُؤْلي وذُخْري قال: فبينما نحن جلوس إذ دخل مولاها باكي العين حزين القلب متغير اللون، فقلت له: لا تَبْكِ فقد جئناك بما وزنت، وربح خمسة آلاف، قال: لا واللَّه، قلت: وربح عشرة آلاف، قال: لا واللَّه، قلت: وربح المثل، قال لو أعطيتني الدنيا ما قبلت، هي حرة لوجه اللَّه تعالى، فقلت له: ما القصة؟ فقال: وُبِّختُ (٣) البارحة، أُشهدك أني قد خرجت من جميع مالي، اللهم ركن لي بالسعة كفيلًا، وبالرزق جميلا، فالتفت إلى ابن المثنى، فرأيته يبكي، قلت: ما يبكيك؟ قال: كأن الحق ما رضيني لمَّا ندبني إليه، أشهدك أني قد تصدقت بجميع ما لي لوجه اللَّه - تعالى. فقامت تحفة ونزعت ما كان عليها ولبست مِدْرَعةً (٤) من شعر وهي تبكي، فقلنا لها: قد أطلقك اللَّه فما يبكيك؟ فأنشأت تقول: هربت منه إليه … بكيت فيه عليه وحقه فهو سُؤلي … لا زلت بين يديه ومتى أنال وأحظى … بما رجوت لديه؟ قال: ثم خرجنا من الباب، فلما صرنا في بعض الطريق فطلبناها فلم نجدها،

стр. 174

ومات ابن المثنى في الطريق، ودخلت أنا ومولاها مكة، فبينما نحن فى الطواف إذ سمعت كلام مجروح من كبد مقروح وهو يقول: محب اللَّه في الدنيا سقيم … تطاول سقمه فدواه رآه سقاه من محبته بكأس … فأرواه المهيمن (١) إذ سقاه فهام بحبه وسما إليه … فليس يريد محبوبًا سواه كذاك من ادعى شوقًا إليه … يهيم بحبه حتى يراه فتقدمت إليها، فلما رأتني قالت: يا سري، قلت: لبيك، من أنت يرحمك اللَّه؟ قالت: لا إله إلا اللَّه، وقع التناكر بعد المعرفة! أنا تحفة، فإذا هي كالخيال، فقلت: يا تحفة ما الذي أفادك الحق بعد انفرادك عن الخلق؟ فقالت: آنسني بقربه، وأوحشني من غيره، قلت لها: مات ابن المثنى، قالت: ﵀، لقد أعطاه مولاه من الكرامة ما لا عين رأت (٢) وهو بجواري في الجنة، قلت: جاء مولاك الذي أعتقك معي، فلم يكن بأسرع ما عاينتها تلقاء الكعبة ميتة، فلما رآها سيدها لم يتمالك أن سقط على وجهه، فحركته، فإذا هو قد قضى نحبه، فأخذت في جهازهما ودفنتهما.

стр. 175

مجلس في المجاهدة ومعناها نهي النفس عن الهوى، وحملها على الهدى بتمرينها على قبول الصدق في أمورها في كل ناصح، رهبة ورغبة فيما لديه من مطلوبها، وثمرتها تقوية الأعمال وتصفية الأحوال، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١)، وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (٢) أي فإنها غاية للمتقين. ومن أنكر الأعمال فقد خالف حق اليقين، فربقة الربوبية موجبة لذلك إلى حين. وقال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ (٣) أي انقطع إليه انقطاعًا كليًا لنريك من آياتنا الكبرى. وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (٤) أي فلا يحقر المجاهد القليل، فإنه استدراج لكثير. وقال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٥). (لقيت) (٦) الأينية والكيفية والكمية، وهذا غاية الأمنية.

стр. 176

والآيات في الباب كثيرة معلومة ومنها: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). ومنها: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢). ومنها: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (٣). وقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٤) أي فيحصي ولا يهمل وينسى. وأما الأحاديث فنذكر منها سبعة عشر حديثًا مشتملة على بيان خواص المجاهدة من أنواع الجزاء وتأهل كل عبد لها، وتنوع حكمها وعموم إفادتها واحتياج كل أحد إليها، وأنها محملة للأشخاص والأوقات، فلا رونق إلا بها، ولها من الأوقات ما هو أهم، وما يسهل ملابسها تشجيعًا وتشويقًا وإلذاذًا وموافقة وقرب أمد. وأنواعها أنها زبدة العمر، وفائدة لتحسين عمل أو صدق عهد أو غير ذلك، وما يربح عذر كل أحد ويدفع الضواري عن إقامتها. الحديث الأول: عن أبي هريرة مرفوعا: "أن اللَّه -تعالى (٥) - قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" (٦) رواه البخاري.

стр. 177

وهو دال على أن خاصة التقرب بالعبادات تنويعًا وتكثيرًا وإدامة وإحرازًا، المحبة الكاملة المستيقنة لأحكامها الشريفة، نحو كنت كنت، وإن وإن، وكفى بذلك شرفًا. كفى شرفًا أني مضاف إليكم … وأني بكم أجي وأرعى وأعرف. الثاني: عن أنس مرفوعًا يرويه من ربه -تعالى- قال: "إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (١) رواه البخاري أيضا. وهو أيضا من خواص التقريب. الثالث: فيه أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (٢) وهو أيضًا من الخواص، دفع الغير واحتراز هاتين النعمتين. الرابع: عن عائشة "أنه كان ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، قلت: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا" متفق عليه (٣) واللفظ للبخاري، ونحوه في الصحيحين من حديث المغيرة (٤).

стр. 178

وفيه أن حكمة المجاهدة متنوعة، فهي بسبب ذلك مفيدة لكل أحد ويحتاج إليها ولو كان كاملا، فقيام المغفور له تحقق العبودية وبالشكر يحصل المقام المحمود، وغيره من الشيم المرضية، فقيام الليل مظنة النيل، ولهذا حافظ عليها أكابر المقربين، وتفطَّرت فيها قدما سيد الأولين والآخرين. الخامس: منها أيضًا: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر" (١) متفق عليه. والمراد العشر الأواخر من رمضان (٢). والمئزر الإزار، وهو كناية عن اعتزال النساء، والتشمير للعبادة، وإنما فعل ذلك لأنه محل التعرض لنفحات الرحمة، فالمجاهدة اسم من غيره فيها إحسانه وجماله وتعظيمه. السادس: عن أبي هريرة مرفوعًا: "المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن باللَّه ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر اللَّه وما شاء فعل (٣)

стр. 179

فإن لو تفتح عمل الشيطان" (١). أخرجه مسلم. وفيه الإشارة إلى تحصيل كل مصلحة مجاهدة أو غيرها بأيسر طريق وأسهله، وهى الحرص والاستعانة وترك العجز؛ فقوة الهمم الإيمانية ترفع أربابها إلى المعالي الأخروية. السابع: عنه مرفوعًا: "حُجِبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره". وفي رواية مسلم (٢) "حُفَّت" بدل "حُجِبت" وهو بمعناه، أي بينه وبينها هذا الحجاب، فإذا فعله دخلها، وهو دال على أن احتمال المكاره والمشاق بأمر وراءه الجنة سهل يسير. ما ضرَّ من كانت الفردوس جنته … ماذا تحمل من بؤس وأقتار وفي حديث علي رفعه: "من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار نهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت ترك اللذات، ومن زهد الدنيا هانت عليه المصيبات" (٣). الثامن: عن حذيفة بن اليمان قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة فافتتح بالبقرة، فقلت: يركع بعد المائة، ثم مضى (٤) مُترسِّلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، وكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان

стр. 180

سجوده قريبًا من قيامة" (١) رواه مسلم. وفيه تسهيل احتمال المجاهدة وصرف مضضها بتخليل المناجاة والمسامرة والدعاء والثناء، ونحو ذلك في أثنائها مع الترفق والتذلل وإطالة نحو السجود والركوع، وشهود نحو العظمة والكبرياء، فمانع ذوق الحلامة من جلاله. التاسع: عن أبي مسعود قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه" (٢) أخرجاه. وفيه تسهيل المجاهدة بمخالطة أهل الجد والاجتهاد، والاقتداء بهم وبموافقتهم؛ فبتركه ذلك جعل ما همَّ به من أمر سوء عنده، ولم يتجاوز عن الهم إلى الفعل. العاشر: عن أنس مرفوعًا: "يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله" (٣) أخرجاه، وفيه تسهيل المجاهدة والترغيب البليغ فيها؛ فإنها الرفيق الدائم الذي لا يرجع إذا رجع غيره، وبها تمام النفع والأنس والراحة عند الشدائد. الحادي عشر: عن ابن مسعود مرفوعًا: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك
следующие страницы →